أبحاث

ترتيب المقاصد الضرورية بين المتقدمين والمعاصرين وأهميتها للمفتي

العدد 145- 146

تمهيد:

لا خلاف بين معظم علماء الفقه والأصول أنّ أحكام الشريعة الإسلامية معلّلة، وقد اتفقوا على أنّ أحكامها تهدف إلى تحقيق مصلحة العباد في العاجل والآجل قال الحكيم الترمذي (318هـ) : (تيقّن أنّ الله تعالى لم ينه عن شيء ولا أمر بشيء إلاّ بالحكمة)، وقال الشاطبي (ت 790هـ): (والمعتمد أنّا استقرينا من الشريعة أنّها وضعت لمصالح العباد)(1)، والنّصوص التي تدل على التعليل كثيرة جدًا منها قوله تعالى في بعثة الرسل: (ر‌سُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِ‌ينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّ‌سُلِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(2)، وفي بعثته: (وَمَا أَرْ‌سَلْنَاكَ إِلاَّ رَ‌حْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(3)، وفي الصلاة: (إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)(4)، وفي الصيام قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(5)، وفي الزكاة قال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُ‌هُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(6)، وفي الحج: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُ‌وا اسْمَ اللَّـهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَ‌زَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ‌)(7)، وفي موضع آخر قال تعالى: (مَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَ‌جٍ وَلَـكِن يُرِ‌يدُ لِيُطَهِّرَ‌كُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ)(8)، وقال: (يُرِ‌يدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)(9)، وقال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(10)، وقال: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّ‌سُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَ‌ةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَ‌ءُوفٌ رَّ‌حِيمٌ)(11).

فالشريعة تهدف إلى تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل والمقصود بالآجل مستقبل حياتهم في الدنيا.

وقد قسّم العلماء المصالح المعتبرة شرعا وصنفوها ورتبوها بغية اللجوء إليها عند الاختلاف.

وقد اهتم الصحابة بالمقاصد وبنوا عليها الكثير من فتاويهم، ومن أشهرهم في ذلك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ومن أمثلة ذلك جمع القرآن الكريم في المصحف في عهد أبي بكر وتضمين الصناع… إلخ.

قال ابن القيم: “وقد كانت الصحابة أفهم الأمّة لمراد نبيه وأَتبع له. وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده”(12).

كما اهتم التابعون والعلماء بدراسة المقاصد منذ القرون الأولى ومنهم الأئمة الأربعة.

وأوّل من استعمل لفظ المقاصد إمام الحرمين الجوّيني (ت 478 هـ) في البرهان(13)، ولعل أوّل من صنف في مجال المقاصد الحكيم الترمذي (ت318هـ) في كتبه (الصلاة ومقاصدها) و(الحج وأسراره) و(علل الشريعة)، وكذلك القفال الشاشي (ت365هـ) في كتابه (محاسن الشريعة)، وأبوبكر الأبهري (ت375هـ) في كتابه (الجواب والدلائل والعلل)، وإمام الحرمين الجوّيني في كتابيه البرهان في أصول الفقه وغياث الأمم، كما تابعه وسار على نهجه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) في المستصفى وفي شفاء الغليل.

وتتابع التأليف في مجال المقاصد، فكتب العز بن عبد السلام (ت585 هـ) “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” و”الفوائد في اختصار المقاصد”، ثمّ أفرد الشاطبي (ت790هـ) قسما من كتابه الموافقات للمقاصد سماه كتاب المقاصد، وجعل العلم بمقاصد الشريعة أحد شرطي الاجتهاد.

وألّف المعاصرون مؤلفاتٍ جيدةً في المقاصد وكلّهم يهدف إلى الوصول إلى قواعد تكون الفيصل والمرجع عند الاختلاف(14).

ولم يعرِّف العلماء المتقدّمون مصطلح المقاصد تعريفا دقيقا رغم استعماله، وعرّفه حجة الإسلام الغزالي في قوله: (لكننا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع)(15)، أما المعاصرون فكانوا أكثر دقّة فعرفها الطاهر بن عاشور (ت1379هـ) بقوله: (هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها)(16)، وعرّفها الدكتور أحمد الريسوني بقوله: (إن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد)(17).

إنّ المقاصد التي جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيقها، أو المصالح والغايات التي تهدف إليها من خلال أوامر الشارع ونواهيه ليست علي درجة واحدة من حيث اعتبار الشرع لها ومن حيث أهميتها للناس وحاجتهم إليها، إذ منها المقاصد الضرورية ومنها المقاصد الحاجّية ومنها المقاصد التحسينية، ولعل أوّل من أشار إلى ذلك الجويني في برهانه(18)، فقسمها خمسة أقسام وهي تعود إلى الثلاثة المذكورة، وتابعه الغزالي والعلماء بعد ذلك، واعتبر هذا التقسيم من أسس علم المقاصد.

فأمّا المصالح الضرورية: ما يُعتبر ضروريا بالنّسبة لهم، بحيث لو اختل أو لم يكن موجودا لحدث الخلل في حياتهم واضطربت أحوالهم، وعمّ الفساد وانتشرت الفوضى فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدّين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين(19).

والمصالح الحاجّية وهي أدني من ذلك وتمثل حاجة بالنّسبة للناس، وبدونه تصبح الحياة شاقة، واختلالها أو انعدامها يوقعهم في الحرج، وهي مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج(20).

أمّا التّحسينيات فهي ما لا يعتبر أمراً ضروريا أو حاجيا بالنّسبة للناس، ولا يترتب على عدمها مشقة لهم أو وقوع في الحرج، لأنّ ما تحقّقه لهم لا يعدو من أن يكون مصلحة تكميلية تحسينية وتدخل ضمن الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق(21).

المقاصد الشرعية مترابطة وتكمل بعضها بعضا وتعتبر المقاصد الضرورية أساس كل مباحث المقاصد في مجال أصول الفقه. فالمصالح الحاجية خادمة للضرورية، والتحسينية خادمة للحاجية فهي خادمة بالواسطة للمصالح الضرورية. فالضروريات هي أساس كل التشريع وهي المقصودة بالاعتبار والحفظ بالدرجة الأولى، وبقية المصالح خادمة لها. فالمصالح الضرورية هي أصل المصالح الحاجية والتحسينية.

قال الشاطبي: (فلو فرض اختلال الضروري بإطلاق لاختلا(*) باختلاله بإطلاق، ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضروري بإطلاق، نعم قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق اختلال الحاجي بوجه ما، وقد يلزم من اختلال الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما… فإن الضروري هو المطلوب)(22).

كما قسمت المقاصد من حيث الوضع إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلف.

ومن حيث العموم والخصوص إلى مقاصد عامة ومقاصد كليّة ومقاصد خاصة ومقاصد جزئية.

ومن حيث اعتبار حظ المكلف وعدمه إلى مقاصد أصلية ومقاصد تابعة.

ومن حيث القطع والظن إلى مقاصد قطعية ومقاصد ظنية ومقاصد وهمية.

ومن حيث الحاجة والأهمية إلى مقاصد ضرورية وحاجية وتحسينية.

ودراستنا تنصب على المقاصد الضرورية خاصة باعتبارها أصل المقاصد الشرعية.

وجدير بالذكر هنا استعمال مصطلحات المصالح الضرورية والضروريات والمقاصد الضرورية عند العلماء لنفس المعنى.

فما هي مذاهب العلماء في تقسيم وترتيب المقاصد الضرورية؟ وهل حقق العلماء هدفهم في التقليل من الخلاف الفقهي باستنجادهم بمقاصد الشريعة؟

يمكن أن نصنّف ترتيب الضروريات إلى منهجين منهج المتقدّمين ومنهج المتأخرين، ذلك أنّ طريقة كلّ واحد تختلف عن الأخرى، فالمتقدّمون حصروها في خمسة ولم يتوسعوا فيها إلاّ قليلا أما المعاصرون فلهم اجتهادات أخرى.

إذن سنتناول دراسة الموضوع حسب الترتيب الزمني فنبدأ بطريقة المتقدّمين ثمّ نتناول طريقة المتأخرين والمعاصرين، محاولين المقارنة بين الطريقتين والاستفادة من ذلك.

وقسّمنا الدراسة إلى مطلبين رئيسيين:

الأوّل فيه ذكر الضروريات عند المتقدّمين وترتيبها.

والثاني فيه نظرة المعاصرين إلى حصر الضروريات وتوسّعهم فيها.

ثمّ ختمنا بأهم النتائج المتوصل إليها.

واعتمدنا على مناهج الوصف والتحليل والمقارنة ومناهج أهل الحديث في التخريج وتوخينا الإيجاز والتبسيط قدر الإمكان.

المطلب الأوّل : مذاهب المتقدّمين في تقسيم الضروريات وترتيبها:

قسّم العلماء المتقدّمون الضروريات إلى تقسيمات متقاربة اتفق جلّهم على التقسيم الخماسي للغزالي وغيره، وأضاف البعض الآخر بعض المصالح الضرورية دون اتفاق بينهم.

قال الغزالي: (ومقصود الشارع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكلّ ما يتضمّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلّ ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة،ورفعها مصلحة. وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح)(23).

وهو ما ذهب إليه الفخر الرازي (ت 606هـ) في محصوله والآمدي (ت631هـ) والقرافي (ت684هـ) وابن الحاجب (646 هـ) والبيضاوي (ت772هـ) والطوفي (ت 716هـ) وغيرهم من المتقدّمين.

قال الطوفي في شرح الروضة: (الضروريات الخمس وهي: حفظ الدّين وحفظ العقل وحفظ النفس وحفظ النّسب وحفظ العرض وحفظ المال)(24).

وقال الشاطبي: (ومجموع الضروريات خمس، وهي: حفظ الدّين والنفس والنسل والمال والعقل)(25).

ويوجد اختلاف عند المتقدّمين في ضروري النّسب، فبعضهم سماه النّسب، وبعضهم سماه الفروج كما فعل الجويني والشاطبي، وبعضهم سماه الأبضاع كما فعل القرافي في الفروق، وميّز الطوفي بينهما فجعل من المقاصد الضرورية حفظ النّسب وحفظ العرض وهي تسميات متقاربة لمعنى واحد عند غالب العلماء.

وقالوا إنَّ هذه الضروريات الخمس مراعاة في كلّ ملّة(26).

كما يوجد خلاف لفظي أو شكلي في اعتبار العرض مقصدا سادسا. وأضاف الإمام ابن تيمية مقصد العدل واعتبره ضروريا مراعى في كل جوانب التشريع، والنصوص الدالّة على ذلك كثيرة(27). وقد اكتفينا بالغالب في منهج المتقدّمين وهو التقسيم الخماسي للمقاصد الضرورية حفاظا على خطة البحث.

1) الأدلة على مراعاة وحصر الضروريّات الخمس

وليس هناك دليل واحد على تحديد هذه الضروريات ولكن يستدل عليها باستقراء نصوص القرآن والسّنة.

1-1 الاستقراء كدليل على حصر الضروريات

الأدلة على حصر المقاصد في خمس كثيرة لا تكاد تحصى وهي متنوعة من آيات وأحاديث وغيرها. هذا ما يجعلها تفيد القطع بمجموعها وتضافرها بخلاف إذا أخذناها منفردة، فإذا كثرت الأدلة وتنوعت من آيات وأحاديث وعمل صحابة واتفقت كلّها على حكم واحد علمنا بقطعيته، وهو ما يسمى عند المحدّثين بالتواتر المعنوي بخلاف الدليل الواحد فقد يتسرّب إليه الظن فيضعف الاستدلال به.

قال الشاطبي: (قد اتفقت الأمّة بل سائر الأمم على أنّ أحكام الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدّين والنفس والنسل والعقل والمال. وعلمها عند الأمّة كالضروري ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد)(28).

وقال: (وعلم هذه الضروريات صار مقطوعاً به، ولم يثبت ذلك بدليل معيّن بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد. فكما لا يتعيّن في التواتر المعنوي أن يكون المفيد للعلم خبراً واحداً من الأخبار دون سائر الأخبار كذلك لا يتعيّن هنا؛ لاستواء جميع الأدلّة في إفادة الظن على انفرادها)(29).

كما قال الإمام الشاطبي: “إن مصالح الدّين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة… فإذا اعتبر قيام هذا الوجود الدنيوي مَبْنِيَّاً عليها حتى إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود -أعني ما هو خاص بالمكلفين والتكليف- وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك، فلو عدم الدّين عدم ترتب الجزاءِ المُرتجى، ولو عُدِمَ المكلف لعدم من يتديَّن، ولو عدم العقلُ لارتفعَ التَّدين، ولو عُدِمَ النَّسْلُ لم يكنْ في العادة بقاء، ولو عدم المال لم يبقَ عيش…، وهذا كله معلوم لا يرتاب فيه من عرف ترتُّب أحوال الدنيا وأنها زاد الآخرة”(30).

قال ابن أمير الحاج: (وحصر المقاصد في هذه ثابت بالنظر إلى الواقع وعادات الملل والشرائع بالاستقراء)(31).

ومن أمثلة الأدلة الفردية على اعتبار الضروريات الخمس

1-2) من الكتاب:

قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ مّنْ إمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ ذلِكُمْ وَصَّـاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)(32).

وتظهر فيها العناية بحفظ هذه الضرورات الخمسة.

والآيات التي تشير صراحة إلى وجوب الحفاظ على الضروريات الخمسة كثيرة جدا، وإنما اكتفينا بالآية المذكورة لاشتمالها على المقاصد الخمسة في موضع واحد.

1-3) من السّنة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)(33).

وقد اعتبر رسول الله r الاعتداء على هذه الأمور موبقاً أي مهلكاً، فالحفاظ عليها إذن هو من ضروريات الحياة. ونصوص السّنة النبوية كثيرة في هذا الباب.

وسبب حصر الضروريات في الخمس عند معظم العلماء هي ربطها بالحدود، فحفظ الدّين بالجهاد ومقاتلة المرتدين، وحفظ النفس بالقصاص، وحفظ العقل بحد السكر، وحفظ النسل بحدي الزنا والقذف، وحفظ المال بحد السرقة.

وقد حذر الشارع وزجر في كثير من النصوص عن خطورة تجاوز حدود الله ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه. وقد سبق إلى ذلك أبو الحسن العامري(34) كما ذكر الريسوني(35) في كتابه (الفكر المقاصدي)، وكذلك فعل الجويني(36) في (البرهان) وربطها بالحدود.

وفصّل الشاطبي فلاحظ أنّ هذه الضروريات الخمس محافظ عليها من جانبين جانب الوجود وجانب العدم، فلم يكتفِ بجانب العدم كما فعل العامري والجويني.

قال الشاطبي: (والحفظ لها يكون بأمرين:

أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.

والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم.

فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدّين من جانب الوجود كالإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبه ذلك، والعادات راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود، وإلى حفظ النفس والعقل أيضا لكن بواسطة العادات والجنايات – ويجمعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- ترجع إلى حفظ الجميع من جانب العدم)(37).

2) ترتيب الضروريات عند المتقدّمين:

لم يتفق المتقدّمون على ترتيب واحد للضروريات وإن اتفق جلهم على حصرها في خمس مصالح الدّين والنفس والنسل والعقل والمال.

وكانت أقوالهم في ترتيبها كثيرة جدا فبعضهم قدّم الدّين على النفس وهم الأغلب وخالف آخرون فقدّموا النفس على الدّين وهكذا في كلّ المقاصد الضرورية خلاف كبير في ترتيبها عند المتقدّمين.

قال ابن أمير الحاج: (ويقدّم حفظ الدّين من الضروريات على ما عداه عند المعارضة لأنه المقصود الأعظم، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(38) وغيره مقصود من أجله، ولأنّ ثمرته أكمل الثمرات وهي نيل السعادة الأبدية في جوار ربّ العالمين، ثمّ يقدّم حفظ النفس على حفظ النّسب والعقل والمال لتضمنه المصالح الدّينية لأنها إنما تحصل بالعبادات، وحصولها موقوف على بقاء النفس ثم يقدّم حفظ النّسب لأنّه لبقاء نفس الولد إذ بتحريم الزنا لا يحصل اختلاط النّسب فينسب إلى شخص واحد فيهتم بتربيته وحفظ نفسه، وإلا أهمل فتفوت نفسه لعدم قدرته على حفظها، ثم يقدّم حفظ العقل على حفظ المال لفوات النفس بفواته حتى إنّ الإنسان بفواته يلتحق بالحيوانات ويسقط عنه التكليف، ومن ثمَّ وجب بتفويته ما وجب بتفويت النفس وهي الدية الكاملة، ثمّ حفظ المال)(39).

وهو صحيح في الجملة، لكن في الواقع كثيرًا ما تتضارب المصالح في القضية الواحدة.

وسبب اختلافهم يعود إلى أهمية كلّ مقصد في حدّ ذاته من ناحية وأهميته بالمقارنة مع المقاصد الضرورية الأخرى.

فهل يقدّم الدّين على النفس أم تقدّم هي عليه، وهذا موضع له أهميته الكبرى حيث إنَّهُ ينظّم أهم عنصرين في الوجود.

كما اختلفوا في تقديم النسل والعقل أحدهما على الآخر.

واختلفوا في تقديم النسل والمال أحدهما على الآخر.

واختلفوا في تقديم المصالح الدنيوية على الأخروية.

و نتناول هذا الاختلاف ببعض التفصيل حتى نتصوّر بوضوح عمق الإشكالية المطروحة في ترتيب الضروريات.

2-1 الاختلاف في ترتيب الدّين والنفس:

أهمية الدّين وكذا أهمية النفس بالنّسبة للضروريات كبيرة، وقد اختلفوا في ترتيبهما اختلافا بينا له أثره الكبير على الفروع الفقهية.

2-1-1 ترتيب الدّين أولا:

رتب معظم العلماء الدّين في الرتبة الأولى من الضروريات لأنّ الدّين هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة الدنيا مطية الآخرة، ولأنّ الجهاد هو بذل النفس من أجل إعلاء كلمة الدّين فثبت أنّ الدّين مقدّم على النفس. وهو مذهب الغزالي والآمدي وابن الحاجب والإسنوي وابن السبكي (ت771هـ) والشاطبي وابن فرحون (ت799هـ) والسيوطي وغيرهم(40).

2-1-2 ترتيب النفس أولا:

وقد ذهب بعض الأئمة إلى تقديم النفس لتأكيد حرمتها في كثير من النصوص الشرعية مما جعلها قطعية ولأنّ النفس هي محل ورود الأحكام فانعدامها انعدام من يتدين، وممن فعل ذلك الإمام الرازي في محصوله، وقد جعل الدّين في المرتبة الثالثة بعد النفس والعقل، وكذلك فعل القرافي في نفائس الأصول والبيضاوي وابن تيمية(41).

2-2 الخلاف في ترتيب النسل والعقل:

اختلفوا كذلك في العقل والنسل في ترتيبهما مع بعضهما ومع الآخرين ولا شك في الأثر الهائل الذي يتركه هذا الخلاف في مجال الفروع الفقهية.

2-2-1 ترتيب النسل أولا:

وقد قدّم النسل على العقل لأهميته عند الكثير من العلماء ومنهم: الإمام الرازي في محصوله وأحيانا يجعل بينهما الدّين والمال، وكذلك قدّم النسل على العقل الآمدي في إحكام الأصول وابن الحاجب والبيضاوي والشاطبي والزركشي وابن فرحون.

2-2-2 ترتيب العقل أولا:

قدّم بعض العلماء العقل على الدّين لأنّ العقل أساس التكليف، وممن فعل ذلك حجة الإسلام الغزالي في المستصفى والبيضاوي وابن السبكي والشاطبي وابن عبد الشكور في فواتح الرحموت والسيوطي في الكوكب الساطع.

2-3 الخلاف في ترتيب النسل والمال:

لم يكن الخلاف في ترتيب الضروريات كبيرًا بين العلماء؛ فمعظمهم قدّم النسل على المال فحرمة الأبضاع مقدّمة على الأموال عند معظمهم لكن بعضهم أخّرها على المال فالمال عصب الحياة.

وممن قدّم المال على النسل الرازي والبيضاوي والإسنوي والقرافي(42).

2-4 الخلاف في المصالح الدنيوية والأخروية:

اصطلح العلماء على تقسيم المصالح إلى دنيوية وأخروية، وخالف ذلك البوطي وهو من العلماء المعاصرين فقال: (جميع ما في الشريعة الإسلامية من عقائد وعبادات ومعاملات متكفل بتحقيق مصالح العباد بتقسيميها الدنيوي والأخروي(43)).

وهو كلام له وجاهته، فالتفريق بين الدنيوي والأخروي ليس له مجال عمل، فالدنيا مطيّة للآخرة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر : (ألا تحب أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)(44) مما يدل على تفضيل المصالح الأخروية على الدنيوية وقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(45).

ورغم ذلك قدّم بعض الأصوليين الضروريات الدنيوية – وهي النفس والنسل والعقل والمال – على المصالح الأخروية، أي ضروري الدّين، وعلّلوا كلامهم من الناحية الفقهية والعقلية فقالوا : (حق الآدمي مبني على المشاحة، بخلاف حق الرب سبحانه وتعالى فإنه مبني على المسامحة لذلك قدّم حق القصاص على الردّة عند تزاحمهما)(46).

وقد ردّ الإمام السبكي على هؤلاء بقوله (صلى الله عليه وسلّم): (فدَين الله أحق بالقضاء)(47).

وردّ على احتجاجهم بقوله : (أمّا تقديم القصاص على الردة فمقصده دعوة الخلق إليه وإرشادهم، فإن حصل فهو الغاية وإلاّ تعيّن حسم الفساد بإراقة دم من لا فائدة في بقائه. فإذا زاحمه قتل القصاص، وكان ولي الدم لا قصد له إلاّ التشفي باستيفاء ثأر مواليه، سلمناها إليه فإنه حصل فيه القصدان جميعا: تطهير الأرض من المفسدين بإراقة دم هذا الكافر وتشفي ولي الدم.

وليس كذلك لو قتله الإمام من الردّة، فإنّه يبطل مقصد ولي الدم بالأصالة والجمع بين الحقين أولى، والحاصل أن تسليمه إلى ولي الدم ليس تقديما لحق الآدمي بل جمع بين الحقين)(48) وهو تعليل جيد من الشيخ السبكي مع ما فيه من حدّة أحيانا كقوله (بإراقة دم من لا فائدة في بقائه).

ولنا التنويه أنّ معظم العلماء ذكر ترتيبه للمقاصد دون تبرير إلاّ قليلا منهم فقالوا عن تقديم النفس عن الدّين بأنّ النفس حق الآدمي وهو متضرر، والدّين حق الله وهو تعالى لا يتضرر، لذلك قدّم القصاص على الردّة عند التزاحم كما ذكرنا، ورخّص في ترك الجمعة والجماعة حفاظا على مصلحة المال عند البعض.

3 – ترتيب المصالح عند الشاطبي:

وإنما اخترنا الشاطبي لكونه أوّل من فصّل في ترتيب المقاصد تفصيلا دقيقا بحيث أصبح كتابه نظرية متكاملة في المقاصد عند الكثير من العلماء.

ويرى الشاطبي أن الضروريات مترابطة بعضها ببعض (فلو عدم الدّين لعدم الجزاء الأخروي ولو عدم المكلف لعدم من يتدين ولو عدم العقل لعدم من يتدين ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء ولو عدم المال لم يبق عيش)(49).

وأهمية الترتيب بين المصالح بأنواعها تظهر عندما تكون الواقعة يتجاذبها مقصدان متعارضان فيجب الترجيح بينهما.

فقرّر الشاطبي وغيره أن المصالح الضرورية مقدّمة على الحاجية وهي مقدّمة على التحسينية. كما أنّ الضروريات مرتّبة عنده ترتيبا تنازليا وهو : الدّين ثم النفس والنسل أو العقل أحيانا ثم المال(50).

كما ذكر أن لكل مرتبة من المصالح تكملة تنضم إليها.

وأخيراً فإن كل مصلحة مكملة لها – من حيث هي تكملة- شرط، وهو ألا تعود على الأصل بالإبطال، فإذا كان اعتبار المصلحة المكتملة يؤدي إلى فوات أصلها فإنّ هذه التكملة يسقط اعتبارها(51).

وهذا يطبّق على المصالح الحاجية مع الضرورية، والتحسينية مع الحاجية،ويضرب الشاطبي مثلاً لذلك بقوله:

إنّ حفظ المهجة (النفس) مهم كلّي (ضروري)، وحفظ المروءات مستحسن فحرّمت النجاسات حفظاً للمروءات، وإجراء لأصلها على محاسن العادات، فإن دعت الضرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس كان تناوله أولى.

وكذلك أصل البيع ضروري، ومنع الضرر والجهالة مكمل، فلو اشترط نفي الضرر جملة (دائماً وبصيغة مطلقة) لا نحسم باب البيع (ولم نجد بيعاً لا ضرر فيه مطلقاً).

وفرض الشارع علي المكلفين عبادات وتكاليف فيها نوع من المشقة المحتملة من الإنسان العادي كالصيام والحج والجهاد من أجل إقامة الدّين وحمايته والمحافظة عليه ولم يراع الشارع في ذلك دفع المشقة لأنه – أي دفع المشقة – مقصد حاجي أو تحسيني، وإقامة الدّين والمحافظة عليه مقصد ضروري، والضروري مقدّم علي الحاجي والتحسيني.

كذلك أباح الشارع أكل الميتة ونحوها من المحرمات عند الضرورة لإنقاذ النفس أو دفع الهلاك عنها، ومع أن الشارع نهي في الأصل عن تناول الميتة ونحوها لأنّ النهي عن تناولها أمر حاجي وإنقاذ النفس ودفع الهلاك عنها أمر ضروري والضروري مقدّم علي الحاجي.

كما أباح الشارع ترك الوضوء أو الغسل إلي التيمم إذا ترتب علي استعمال الماء حدوث مرض أو زيادته، لأنّ المحافظة علي النفس ودفع المرض عنها أمر ضروري والوضوء أو الغسل أمر تحسيني والضروري مقدّم علي التحسيني.

كما بيّن الشاطبي في موافقاته كلّ العلاقات بين الضروري والحاجي والتحسيني وتأثير اختلال أحدهم على الآخرين(52) في نظرية شاملة متكاملة لم يسبق إليها، فأصبح كتابه بذلك مرجعا أساسيا في المقاصد لا غنى عنه.

3-1 مناقشة:

إنّ نظرية الشاطبي تبدو من أوّل نظرة متكاملة لا ينقصها شيء، لكن عند التطبيق تظهر بعض الصعوبات منها: تداخل المصالح بالمفاسد غالبا فهي غالبا ممزوجة ولا تكاد تجد مصلحة محضة البتة(53).

وقد تجاوز الشاطبي هذه العقبة باعتماده معيار الغالب من المصلحة أو المفسدة، قال في الموافقات: (فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفا)(54).

والصعوبة الثانية تكمن في ظنّية المقاصد أحيانا كثيرة فلا تسعف المجتهد في ترتيب المقاصد وبالتالي الأحكام، فانتقلنا من ظنية الأحكام إلى ظنية المقاصد والتي كان يجب أن تكون قطعية حسما للخلاف كما ذكر الشاطبي وابن عاشور.

كما أنّ النصوص الشرعية ليست قطعية في ترتيب الضروريات مع بعضها، فالدّين عند الشاطبي مقدّم على النفس بوجه عام والنصوص الدالة عليه كثيرة، لكن توجد نصوص أخرى تخالف ذلك منه قوله تعالى: (مَن كَفَرَ‌ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِ‌هَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَ‌حَ بِالْكُفْرِ‌ صَدْرً‌ا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(55) فأجازت النطق بالكفر حفاظا على النفس.

كما يستدل على تقديم النفس أن ّكل ما في الكون مسخر للإنسان قال تعالى: (وَسَخَّرَ‌ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْ‌ضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُ‌ونَ)(56).

فالحياة هي الأصل بنص الدّين ودلالة العقل وفطرة الوجدان، وإنما سائر المصالح جاءت من أجل الإنسان، بل قد تقدّم مصلحة الدّين باعتباره يحتوي على جملة المصالح الإنسانية وذلك من باب المعايير المرعية.

كذلك بين العقل والنسل، ثمّ بين النسل والمال، ليس هناك شاهد من عقل أو شرع، بتقديم العقل على النسل، والنسل على المال بصورة مطلقة، بل يرجع الأمر إلى كل نازلة على حالها.

فإذا كان الإنسان يصاب بعاهة دائمة في عقله أو في سائر قواه الأساسية بسبب الزواج منعنا عنه الزواج، وقدّمنا سلامته على إنجابه، ولكن هذا بسبب أصالة حفظ النفس وليس بسبب تقدّم العقل على النسل.

فإن تقديم العقل وسائر الأعضاء والقوى، كما تقديم المال على النسل، قائم على أساس معيار تقديم النفس على الغير، وهو لا يعارض سائر المعايير، مثلاً لو أن النوع البشري في منطقة، تعرَّض لخطر الانقراض، فإن كل شيء يضحى به من أجل بقائه.

ورأي في المسألة أنّ ترتيب الشاطبي في مجمله صواب وإنما قد يدخل الخلل في بعض المسائل الجزئية ليس بسبب خلل في الترتيب وإنما بسبب عوارض خاصة بالنازلة تجعل الحكم يتغير.

فمثلا الدّين مقدّم على النفس لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(57) وهي لا تناقض قوله تعالى: (مَن كَفَرَ‌ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِ‌هَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَ‌حَ بِالْكُفْرِ‌ صَدْرً‌ا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(58).

إذ يجوز النطق بكلمة الكفر حفاظا على النفس ليس لأهمية النفس على الدّين بل لأنّ القلب مطمئن بالإيمان فالنطق بالكفر في هذه الحالة لا يضر أصل الدّين.

وهكذا قد يختلف العلماء في ترتيب الضروريات ظاهرا لكنهم في واقع الأمر عند الحكم على النوازل يتفقون في ترتيبها غالبا مما يجعل اللجوء إلى المقاصد ضروريا في الفقه ويسهم فعليا في التقليل من الخلاف.

وليس تقسيم الضروريات إلى خمس هو المعيار الوحيد للترتيب عند المتقدّمين فقد نستعين بمعايير أخرى تساهم في تمييز الأحكام وترتيبها.

ومن ذلك تقسيم الغزالي المقاصد إلى مقاصد عامّة ومقاصد خاصّة، فالعامّة هي التي تعم الناس كلهم والخاصة تخص فردا أو عددا قليلا من المجتمع، كما أنّ هناك المصلحة الغالبة التي تنـزل منـزلة العامة.

فإذا تعارضت المصلحتان قدّمت العامة على الخاصة، ومن أمثلة ذلك جواز أخذ المال الخاص مع حرمته للصالح العام، كبناء طريق أو جسر أو مرفق عام ضروري للمجتمع. مثال ذلك: تحريم الاحتكار، وإخراج الطعام من يد محتكره قهرا، فإن فيه تقديما لمصلحة عامة هي مصلحة الجماعة في توفير الأقوات اللازمة لمعاشهم وإن أدى إلى تفويت مصلحة خاصة، لكن دائما مع المحافظة على حق الفرد والمصلحة الخاصة في الحالات الأخرى.

الملاحظ أنّ هناك اختلافا كبيرا بين العلماء المتقدّمين في ترتيب الضروريات، فالمرتبة الأولى للدين أو النفس ومعظمهم جعل المرتبة الأخيرة للمال، وهذا الخلاف الواضح له أثر كبير على الفروع الفقهية لم يتناول بالدراسة منفردا فيما أحسب. ويجب على الدارسين المهتمين بالمقاصد تسليط الضوء أكثر على هذا الخلاف.

4 – موقف بعض العلماء المتقدمين ومحاولة الإضافة:

حاول بعض العلماء التجديد في مجال المقاصد فأضاف القرافي مقصد العِرض وجعله من الضروريات، ووافقه السبكي (ت771هـ) والشوكاني (ت1250هـ)، وهناك من عبّر عن النسب بالعرض فجعله بدلا منه كالرازي والإسنوي والبيضاوي.

والتحقيق عند بعض العلماء مثل ابن عاشور والريسوني وغيرهم أنه مقصد حاجي وليس ضروريا، ورأي في العرض أنه ضروري مثله مثل النسل لأنّ الانسان يقدم نفسه فداء لعرضه ولا يبالي.

ولابن تيمية فتاوى كثيرة أساسها مقاصد الشريعة وله اجتهادات في هذا المجال منها:

اعتراضه على التقسيم الخماسي للضروريات وقال أنه داخل في قسم واحد هو دفع المضار والشريعة مبناها على جلب المصالح ودفع المضار.

وهو اعتراض صحيح في ظاهر الأمر بناء على نظرة العامري في بناء المقاصد على الحدود، وكذلك الجويني؛ فكان عند العامري “مزجرة هتك الستر” وعند الجويني “عصمة الفروج” وعبر عنه الغزالي “بحفظ النسل”. وهي كلها تدخل في قسم دفع المضار.

لكن الشاطبي استدرك الأمر فقرر في الموافقات أنّ حفظ المقاصد يكون من جانبين: جانب العدم وهو دفع المضار، وجانب الوجود وهو جلب المنافع.

قال الشاطبي: “والحفظ لها يكون بأمرين:

– أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.

– والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”(59).

كما اعترض ابن تيمية على الأصوليين إعراضهم عن العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له.

قال شيخ الإسلام: “وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة إذا تكلموا في المناسبة، وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان أخروية ودنيوية، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدّين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدّين له والتوكل عليه والرجاء لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة‏‏ وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه، حفظًا للأحوال السنية، وتهذيب الأخلاق‏ ويتبين أنّ هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح”(60).

كيف يمكن لأجيال متعاقبة من العلماء الإعراض عن محبة الله وخشيته والإخلاص له بإسقاطها من الضروريات، والجواب في ما قاله الشاطبي: “فإن حفظ الدين حاصله في ثلاث معان الإسلام الإيمان الإحسان، أما ما شرعه الله من الوفاء بالعقود وصلة الأرحام وحقوق الجيران فهي من المقاصد الحاجية”(61)، وهو ما انتهى إليه الأستاذ البدوي: “وعلى هذا فلا خلاف بين ابن تيمية وغيره في حصر المقاصد الضرورية الخمس”(62).

كما أضاف ابن تيمية مقصد العدل وجعله أساسيا في كل أحكام الشريعة. لكن مقصد العدل ليس جديدا فهو جزء من مقصد الدين الضروري وينبغي التنبيه عليه لتغيّر الزمان والحاجة الضرورية إليه، ليس لكونه جديدا.

فإضافات ابن تيمية لا تخرج عن المقاصد الضرورية الخمس، وإنما هو تفصيل لها وإدراج بعض المصالح الحاجية والتحسينية معها.

يرى الطوفي أنّ تقسيم المصالح إلى معتبرة وملغاة مرسلة، ضرورية وغير ضرورية تعسّف وتكلّف، والطريق إلى معرفة حكم المصالح أعم من هذا وأقرب(63).

فلا حاجة لنا إلى تقسيم المصالح ولا فائدة، وهو يؤدي إلى الخلاف والتفرقة، والاكتفاء بالمصالح والمفاسد وترتيبها والاعتماد على قاعدة دفع المضار أولى من جلب المنافع، وقاعدة العمل بالراجح من المصالح متعيّن.

وهو نفس رأي العز بن عبد السلام من قبله؛ إذ لم يعرج على المصالح الضرورية الخمس ولم يشعر بضرورة ترتيبها واكتفى بمطلق المصلحة وله مؤلفات كثيرة في مجال المقاصد.

والملاحظ أن هذه الاجتهادات لم تتابع وتحتاج إلى دراسة مستقلّة مستفيضة.

الخلاصة:

إنّ السلم الترتيبي الذي اهتدى إليه الشاطبي وغيره من ترتيب الضروريات مع بعضها غالبا وترتيب الضروريات العامة قبل الخاصة والكليّة قبل الجزئية والقطعية قبل الظنية كلها ساهمت في تشكيل هرم البناء المقاصدي للأحكام الفقهية مما يساعد كثيرا الفقيه في بناء فتواه وتأصيلها.

المطلب الثاني: منهج المعاصرين في ترتيب الضروريات

الظروف السياسية التي مرت بالعالم الإسلامي ظلّ علم المقاصد يراوح مكانه بعد الشاطبي، فلم يدوّن فيه إلاّ القليل – رغم استعمال الفقهاء للمقاصد في تخريجهم للأحكام – حتى العصر الحديث،حيث بدأت نهضة المسلمين بالرجوع إلى تراثهم والاستفادة منه للخروج من سباتهم ومواكبة الحضارة الحديثة.

فما هو موقف العلماء المعاصرين من ترتيب المقاصد الضرورية وحصرها؟

لم يلتزم المعاصرون منهجًا واحدًا في معالجة إشكالية ترتيب المقاصد الضرورية للخروج من الجمود الفكري الذي درج عليه الفقه الإسلامي أثناء عصر التقليد، فبعضهم حاول التجديد بإضافة مقاصد ضرورية أخرى، وبعضهم أتى بتشكيلة أخرى للمقاصد الضرورية رأى أنها المخرج، والبعض الآخر سار على نهج المتقدّمين.

1- الالتزام بنهج المتقدّمين:

ذكر الشيخ سعيد رمضان البوطي الإجماع على حصر وترتيب المقاصد الضرورية الخمس على طريقة الشاطبي بتقديم الدّين ثمّ النفس ثم العقل ثمّ النسل ثمّ المال(64).

وقد رأينا أنّ الخلاف ثابت حتّى في كلام الشاطبي نفسه؛ فمرّة يقدّم النسل على العقل، ومرّة أخرى يقدّم العقل على النسل، وأحيانًا يقدّم المال على العقل، وقد رأينا نماذج من خلاف المتقدّمين في المقاصد الضرورية.

وقد اقترح الشيخ علي جمعة ترتيبًا آخر يسير مع مقتضيات العصر؛ فالترتيب يكون عنده كالتالي: النفس عنده أوّلا ثمّ العقل ثمّ الدّين ثمّ النسل وأخيرا المال(65). والملاحظ أنّ هذا الترتيب ليس جديدا فقد سبق إليه الرازي في محصوله والقرافي في ذخيرته(66).

والملاحظ أنّ هذا الاجتهاد سار على نفس نهج المتقدّمين بل هو نفس رأي القرافي والرازي كما سبق فلا جديد فيه، وقد بقي الخلاف نفسه مع ما اعترض عليه كما اعترض على نفس الترتيب قبله من جواز ترك الجمعة والجماعة حفاظا على المال عند البعض وعدم الترك عند البعض الآخر(67).

والجدير بالذكر أن هذا الرأي أي الالتزام بالمقاصد الخمس كما هو رأي معظم السلف موجود عند الكثير من علماء الفقه والأصول المعاصرين.

2- إضافة مصالح أخرى:

وهي محاولة قديمة جديدة لإخراج المقاصد من المراوحة، وقد فعل ذلك قديما القرافي كما سبق ذكره بإضافة العرض واعتبره مقصدا سادسا في رأي بعض الدارسين منهم الشيخ القرضاوي قال الشيخ حفظه الله “هناك مقاصد لم تستوعبها هذه الخمس منها ما يتعلق بالقيم الاجتماعية مثل الحرية والمساواة والإخاء والتكافل وحقوق الانسان..”(68).

وحاول المعاصرون التجديد في المقاصد بإضافة مقاصد أخرى ضرورية في رأيهم بناء على تغير الظروف والبيئة والتطور الاجتماعي والسياسي والتكنولوجي مما أثر على الحياة. فتوسّعت دائرة المقاصد عند بعضهم كثيرا لتوائم تطوّر الحياة، سنرى ذلك بالتفصيل في الفقرات التالية التي تبيّن اجتهادات المعاصرين في مجال المقاصد:

1– السيد رشيد رضا:

فقد ركز جل اهتمامه في هذا المجال على المقاصد الأساسية للقرآن حسب دراسته وهي تتمثل في:

إصلاح أركان الدّين.

بيان ما جهل البشر من أمر النبوة.

بيان أن الإسلام دين الفطرة والعقل والعلم والحكمة والبرهان والحرية والاستقلال.

الإصلاح الاجتماعي الإنساني السياسي.

التكاليف الشخصية من العبادات والمحظورات.

العلاقات الدولية في الإسلام.

الإصلاح المالي والاقتصادي.

دفع مفاسد الحرب.

إعطاء النساء حقوقهن.

تحرير الرقاب من الرق.

ويجدر بنا الذكر أنّ هذه المقاصد تتجاوز في ظاهر الأمر الضروريات الخمس المتعارف عليها سابقا.

ولم يسمها السيد رشيد ضرورية بل مقاصد أساسية، وهي تجمع بين الضرورات والحاجيات العامة، فتحرير الرقاب من الرق مقصد شرعي وقد وجد الرق في عهد النبوة والخلافة الراشدة وبعد ذلك، وهو موجود في بعض الأماكن حاليًا، فلا يمكن اعتباره ضروريًّا كالضروريات الخمس.

ولا يفوتنا أن ننوه باهتمام السيد رشيد رضا بمؤلفات الشاطبي وتأثره بها ودعوته لجعل كتاب الموافقات مرجعا أساسيا لجامع الأزهر في مناهجه التدريسية.

2- شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور:

لاحظ شيخ الزيتونة الطاهر بن عاشور أنّ “المقاصد الاجتماعية” لها قيمة كبيرة في العصر الحالي، وجعل المقصد الكلي من التشريع هو حفظ نظام الأمّة، واعتبر معه مجموعة من المعاني التي سماها بالمقاصد العالية كالسماحة والمساواة والحرية والعالمية ومراعاة الفطرة وغيرها، وقسَّم كلاً من هذه المقاصد إلى جانب خاص بالفرد وآخر خاص بالأمّة، وجعل ما هو خاص بالأمّة في مستوى أعلى مما هو خاص بالأفراد.

ويرى الدكتور عز الدّين بن زغيبة أن الشيخ الطاهر بن عاشور هو صاحب الفضل في التنبيه على أهمية الحرية في الدّين الإسلامي وأنها تعتبر من الضروريات، قال الدكتور عزالدّين بن زغيبة : (والذي أراه هو إضافة عنصر الحرية التي حاز ابن عاشور فضل التنبيه إليها)(69).

والأدلة على اعتبار ذلك كثيرة، فالآيات والأحاديث كثيرة في هذا الباب مما يؤكّد كلام ابن عاشور، وفي سياق آخر أنّ عدد الضروريات قد يزيد بسبب التغيرات الاجتماعية(70). وهو كلام له أهميته إذ يفتح باب الاجتهاد في المقاصد الضرورية.

لكن ينبغي التنبيه إلى أنّ المقصود بالحرية هنا هي في إطار الشرع فلا مجال لتجاوزه، كما أنّ حرية التعبير واختيار الحكام قد لا ترتقى إلى مرتبة الضروريات الخمس مع شديد الحاجة إليها في مجتمعاتنا.

2- علال الفاسي ومقاصد الحكم:

أضاف علال الفاسي في مقاصده المتعلقة بالحكم وحدة الأمّة الإسلامية وإزالة الفوارق بين أفرادها وحق الكرامة وحقوق المرأة والحريات بأنواعها واستقلال القضاء عن السياسة(71). ولاشك في كونها مصالح مهمّة للأمّة، وهي تتجه في سياق واحد مع اجتهاد الطاهر ابن عاشور، لكن ليست كلها في مرتبة واحدة.

3- الشيخ النبهاني:

اعتبر النبهاني أنّ أهم المقاصد الضرورية التي يراعيها الإسلام حاليا هي حفظ الدولة وحفظ الأمن وحفظ الكرامة الإنسانية بالإضافة إلى المقاصد الخمس الأخرى.

يقول(72): “فمثلاً المقاصد الخمسة التي يقولون إنها لم تخلُ من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ليست كل ما هو ضروري للمجتمع من حيث هو مجتمع، فإن حفظ الدولة وحفظ الأمن وحفظ الكرامة الإنسانية هي أيضاً من ضرورات المجتمع، فالضرورات إذن في واقعها ليس خمسة وإنما هي ثمانية”.

ولا شك أنّ اعتبار هذه المقاصد الأساسية جزء من الدّين فهي أساسية للحفاظ على كيان الأمّة. فحفظ الدولة أساس الاستقرار وبضياع الدولة يكثر الهرج وفيه ضياع للنفوس والأموال، ولا شك أنّ الأمن ضروري لكل أمّة، وقد قرنه الله تعالى مع الإطعام الذي هو ضروري في الآية: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)(73) أمّا حفظ الكرامة الإنسانية فلا شك في أهميتها وقد كرم الله بني آدم قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّ‌مْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ‌ وَالْبَحْرِ‌ وَرَ‌زَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ‌ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(74).

ولا شك ولا خلاف في اعتبار هذه المقاصد شرعا لكن الإشكالية المطروحة هي هل تعتبر هذه المقاصد ضرورية تضاف إلى الضروريات الخمس أم لا؟ والتحقيق أنها جزء منها ومتضمنة فيها.

4- طه جابر العلواني:

يرى جابر العلواني أنّ هناك مقاصد ضرورية حاكمة في كل المقاصد الأخرى وهي قطعية وتؤدي إلى غربلة الفقه الإسلامي وهي: التوحيد والتزكية والعمران(75).

ولا شك في أنها مقاصد ضرورية فالتوحيد هو الغاية العظمى من بعثة الرسل والأنبياء، والتزكية خاصية ديننا الحنيف وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(76)، أما العمران فهو هدف أساسي لكل دولة وهو الغاية من إنـزال الإنسان إلى الأرض فجعله خليفة الله في الأرض (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْ‌ضِ وَاسْتَعْمَرَ‌كُمْ فِيهَا)(77).

لكن اعترض على هذا التقسيم بأن التوحيد جزء من الدين، والتزكية ثمرة التدين، والعمران متضمن في المصالح الأخرى كذلك، فليس هناك جديد بل هو نظرة من زاوية أخرى تفيد في فهم الشريعة وترتيب الأحكام.

5- جمال الدّين عطية(78):

يرى الدكتور جمال الدّين عطية أن نتناول المقاصد متدرجة بحسب مجالات ودوائر أربع، تستوعب المقاصد العامة والخاصة والجزئية، وتقدّم بديلا عن تقسيم الضروريات إلى الخمس المعروفة، لأنها تندرج وتتوزع على المجالات الأربعة المقترحة.

يقسم الدكتور مقاصد الشريعة الى ما يتعلق بالفرد وما يتعلق بالمجتمع والأمّة والعالم وهي المجالات الأربعة.

وكأنّه تابع ابن عاشور في تقسيمه للضروريات إلى مقاصد الفرد ومقاصد الأمّة وزاد عليه المقاصد الاخرى المتعلقة بالأسرة والإنسانية. أما عن فكرة المجالات والدوائر المعنية بمقاصد الشريعة فقد سبق أنّ المتقدّمين ركزوا على المجال الفردي والدوائر الفردية؛ فالمقاصد عندهم تقاس وتعرف وتقسم وترتب بالنظر إلى احتياجات الفرد ومصالحه.

جاء ابن عاشور فأعطى اعتبارا أكبر لإبراز المقاصد بالنّسبة لعموم الأمّة. فهذا مجال وذاك مجال: الفرد والجماعة. وهكذا جرت التقسيمات بحسب نطاق المقاصد ومجالها إلى: العامة والخاصة، الأمّة والفرد، فروض الكفاية وفروض الأعيان. فالفروض العينية خطاب فردي، ومقاصدها فردية. والفروض الكفائية خطاب جماعي ومقاصدها جماعية عامة. فانحصر الخطاب بين الفرد والجماعة.

وسّع جمال الدّين عطية من دائرة الضروريات فجعلها أربعة وعشرين ضروريا قسمها على أربع مجالات هي الفرد والأسرة والأمّة والإنسانية. وأنكر حصر المقاصد في خمس، وقال أنه لا دليل على ذلك بل الواقع المعرفي يدل على وجود أكثر من ذلك بكثير(79).

ففيما يتعلق بالفرد يذكر حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدّين، وحفظ العرض، وحفظ المال وهي المقاصد الخمس المعروفة.

وفيما يتعلق بالأسرة، هناك العلاقة بين الجنسين، وحفظ النوع، وتحقيق السكن والمودة والرحمة، وحفظ النّسب، وحفظ الدّين في الأسرة، وتنظيم الجانب المؤسسي للأسرة، وتنظيم الجانب المالي للأسرة.

ومقاصد الشريعة فيما يخص الأمّة: التنظيم المؤسسي للأمة وحفظ الأمن وإقامة العدل وحفظ الدّين والأخلاق والتعاون والتضامن والتكافل ونشر العلم وحفظ عقل الأمّة وعمارة الأرض وحفظ ثروة الأمّة.

ومقاصد الشريعة فيما يخص الإنسانية: التعارف والتعاون والتكامل وتحقيق الخلافة العامة للإنسان في الأرض وتحقيق السلام العالمي والحماية الدولية لحقوق الإنسان ونشر دعوة الإسلام.

ويرد بعض الدارسين على هذه الإضافات كما فعل الباحث مسعودي بأنها إضافات مهمة وهي مكمّلة للضروريات لكنها ليست منها(80).

والحق أنّ هذه المقاصد ترقى إلى درجة الضروريات فالمال ضروري بلا خلاف، وهل المال أفضل أم الكرامة الإنسانية؟ أو العرض؟ وهل المال أفضل أم الأمن الذي تحفظ به النفوس والبلاد وقد قرنه الله تعالى في الآية مع الإطعام (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)(81).

وهل النفس أفضل أم الدولة التي تحفظ الأديان والنفوس والأموال والأعراض؟ بل يضحى بالنفس حفاظا على الدولة الإسلامية، ولا شك أنّ الإسلام يقدس الحرية، وقد قال الصحابي ربعي بن عامر في معركة القادسية