أبحاث

ذكريات معه

العدد 163

وهو يحث الخطى نحو العقد الأخير من المائة، في تواصل مع عصره، وتوافق مع زمنه، فاجأه سيف الأجل ليترجل الفارس النبيل عن جواده الأصيل، ويُسلم الروح في هدوء الصالحين، 

بعد جهاد آن لنا أن نرصد خطواته، وآفاق فكر يحتاج استيعابها إلى درس منظم، ومنهج محكم، وصبر على الفهم والحوار في زمن نفاذ الصبر وعجلة الخطى كأننا في حلبة المطاردة، وكأن الدنيا لم تعد مزرعة الآخرة. لا أعرف الكثير عن نشأة الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية، ولا عن المراحل المبكرة من تكوينه الدراسي ورحلته الفكرية، ولقائي به يعود إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي عندما دعاني المفكر الصديق عبد الحليم عويس- رحمه الله رحمةً واسعة- بأن أصحبه إلى زيارة عالِم مرموق يتولى رئاسة تحرير «المسلم المعاصر» وهي مدرسة تُعلي من شأن الاجتهاد وتفتح الباب واسعًا من أجل كسر الجمود المسيطر على ساحة العقل الفقهي الإسلامي منذ عقود، جاءت الدعوة موافقة لتطلعي لمعرفة بعض أعلام الفكر الإسلامي عن قُرب لأن الحذر ينتابني من ازدواجية المفكرين بين القول والعمل، كان الدكتور جمال الدين عطية قد عاد من الكويت إلى مصر، واختار العودة إلى المحاماة في مكتب أعده بشارع عماد الدين، وفي إحدى غرف هذا المكتب كان لقائي الأول معه، كنت مستمعًا يستفسر بين الحين والحين بسؤال يستدعي إجابة، أو باستفهام يتغيا المزيد من الإيضاح، كان الدكتور جمال الدين عطية يتدفق كأنه شلال رغم دقة منطقه وخفوت صوته، وكان الموضوع الأكبر حول «المسلم المعاصر» مسيرتها أهدافها والمنجز من الطموحات والمسكوت عنه، وكعادته التي عرفتها فيما بعد انتهى اللقاء بأن أساهم في «المسلم المعاصر» تحت عنوان دائم هو «دليل القارئ إلى المجلات»، لم أضع توقيعي عليه في البداية، ثم اتصل الدليل بنسب صحيح إلى كاتبه، وتتابع تفاعلي مع المجلة مساهمًا بدراسة، أو مشاركًا بكلمة تحرير، ثم متحملاً عبء إصدارها من القاهرة في مرحلة حرجة محورها الاستمرار وهو ما أعان الله مكتب القاهرة عليه، ولعله أحس بالمعاناة فدعاني لزيارته في إمارة لوكسمبورج للاطلاع على مسيرة العمل في المصرف الإسلامي الدولي الذي أصبح مديرًا تنفيذيًا له، وهي زيارة تحركت جغرافيًا على فرنسا ولوكسمبورج وكوبنهاجن عاصمة مملكة الدانمارك، وقد استمتعت بجولة ثقافية في باريس صاحبني فيها أحد الزملاء العاملين باليونسكو، وغادرت العاصمة الفرنسية فجرًا على متن طائرة صغيرة جدًا تضم قلّة من المسافرين أغلبهم رجال أعمال ولا تتسع لأكثر من عشرين راكبًا، ومرّ زمان الرحلة القصيرة وكأنه دهر، وحوقلت كثيرًا حتى هبطت الطائرة مطار لوكسمبورج لأذهب مباشرةً إلى المصرف الإسلامي الدولي وألتقي مع الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية، كان غارقًا في ملفاته المنظمة جدًا، وكان مكتبه خلية نحل، كانت تجربة جديدة، فهو لأول مرة يضع فكره الاقتصادي موضع التطبيق، والتجربة خسارتها فادحة، ونجاحها واسع التأثير، إنه يستهدف إقامة بنك إسلامي في القارة الأوربية، ينشئ اقتصادًا منافسًا، وبنوكًا موازية في قلب الرأسمالية المتوحشة، وقد نجح بقدر إصراره الذي لا يُحد، ونشاطه الذي لا يهدأ، واستطاع أن يحصل على رخصة بنك إسلامي جديد في كوبنهاجن عاصمة الدانمارك، ناقشته لأنني خشيت من العمل الأفقي في بناء اقتصادي لم تتضح معالمه بعد، وفي بيئة لا يزال موقفها من المشروع كامنًا ، وإن تجاوبت معه بمعيار الجدة لا الجدية، جلست معه ساعات طوالاً في منـزله الجميل الكائن على مرتفعات المدينة، ويطل على مساحة خضراء تبهر العين وتبهج القلب، وعندما رأى حماسي في التفكير والحوار، دعاني للعمل إلى جواره في هذا الفضاء الفسيح الجديد، وصحبني إلى عشاء لا أنساه مع الاقتصادي الكبير الأستاذ الدكتور محمود أبو السعود بتجاربه الواسعة، وصدره الودود، ولم أفكر في العرض كثيرًا فعندما أغادر وطني أصبح كالأسماك التي غادرت عالمها المائي، ومهما تحركت على الشاطئ فهي لحظاتها الأخيرة، قُلت على الفور لأستاذي الدكتور جمال الدين عطية إن قلبي ولغتي لا يفسحان لي مكانًا إلا في أرض النيل والفراعنة، وكانت تجربة الدكتور جمال الدين عطية في عالم إدارة البنوك غنية وممتعة، ولكن نهاياتها- مثل الكثير من تجاربه العملية- جاءت موجعة، وحسبها إيجابية كتابه الرائد عن «البنوك الإسلامية» النظرية والتطبيق.

كان الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية- كما عرفته- مغامرًا فكريًا بطبعه، عقله هو سفينته التي يقودها بنفسه وكأنه ألف الإبحار في أنهار الملح، وفي البحار الهائجة. الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية يتحدث إلى الكثيرين ولديه ملكة إصغاء لا نظير لها، ولكنه يفكر على انفراد، واكتشفت- بطول الصحبة- أنه يحمل مشروعه الفكري في أي موقع يُدعى إليه، والإقامة الطويلة عنده؛ كالرحلة العابرة توزن بقدر التصاقها بمشروعه حتى ولو بالتعريف به وليس بالعمل عليه، نظلم الدكتور جمال الدين عطية كثيرًا إذا قلنا إنه مفكر حركي، إن موقفه من الحركات بكافة انتماءاتها يقوم على عنصرين هما:

الأول: قدرتها على فهم الواقع.

الثاني: قدرتها على تغيير الواقع.

ولأن الحركات الأيديولوجية في عالمنا العربي تفتقر إلى العنصرين أو أحدهما؛ فقد كانت رؤيته لها سلبية، سلبية إلى حد التجاهل، فلم ينتقد أطروحاتها- وإنما عمل على تقويض هذه الأطروحات من خلال مشروعه الفكري الذي بدأ يترجمه مؤسسيًا إلى مجلة في القانون الدولي العام، ثم إلى مجلة «المسلم المعاصر» التي تحولت بفضل جهوده وجهاده من مؤسسة نشر تستوعبها دار البحوث العلمية، إلى مدرسة فكرية لها امتداداتها في العالم العربي والإسلامي، وجميع المشروعات التي تهيأ الدكتور جمال الدين عطية لإدارتها لم يكن هو جزءًا منها، بل هي جزء من مشروعه، عندما تولى أمانة الموسوعة الكويتية للفقه الإسلامي، كتب بيانها التأسيسي وجذب لجنتها العلمية لتواكب ما يفكر فيه وما يتمناه لهذه الموسوعة، وما هي وظيفتها داخل مشروعه العلمي، وأعتقد أنه يعتبرها المرحلة التمهيدية لبناء قانوني شامل، يتم من خلاله توحيد القوانين في العالمين العربي والإسلامي في المصادر والأصول، لا في الجزئيات والتفاصيل.

وعندما أُسندت إليه رئاسة قسم القانون والشريعة بجامعة قطر، لم ينصرف إلى تدريس ما أُنيط به من مقرر، ولكنه أيضًا نقل القسم إلى داخل مشروعه، بداية من محاولاته- التي لقيت معارضة من الشرعيين والقانونيين معًا- في وضع منهجية مقارنة يصبح التأليف والتدريس فيها مشتركًا بين فقهاء الشريعة ورجال القانون، وقام بعقد عدد من الحلقات النقاشية وورش العمل في موضوعات كانت من دوائر اهتمامه في أواخر الخمسينيات، وأصدر كتابيه «التنظير الفقهي» و«النظرية العامة للشريعة»، وقد حرك جمال الدين عطية المياه الآسنة في تدريس الشريعة والقانون على مساحة كانت تحكمها رؤية غايتها بناء دولة لا تجديد فقه، وترسيخ نظام، لا التمهيد لتطبيق أحكام، فلم يتسع صدرها للمشروع التجديدي لجمال الدين عطية إلا بالقدر الذي يحقق سياستها حتى لو تقاطعت مع مشروعه.

وغادر جمال الدين عطية قطر يحمل مشروعه بين جنبيه وفي كفيه لأنه لم يعد مجرد تفكير وإنما تحول إلى تجارب وأوراق، وألقى عصا التسيار في القاهرة مؤملاً إنجاز ما لم ينجز من همومه الفكرية من خلال دعوة من المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالقاهرة لتولي إدارته، ومن خلاله تواصل مع عدد من الجامعات، والعديد من الخبرات المتنوعة، كان يعمل بدأب، يقظته كلها للمشروع، وفي منامه أيضًا كانت أحلامه كلها حول المشروع، كانت معرفته بالمسئولين عن المعهد معرفة الأستاذ بتلاميذه- وكانوا أربعة اثنان منهم حركيان حتى النخاع، والثالث فقيه- له اجتهاداته، والرابع ثقافته في العلوم السياسية، ومحور إنتاجه العقلي الفكر السياسي الإسلامي وآليات تطويره وإصلاحه، لم يحس كثيرًا أنهم شبوا عن الطوق، وأنه أصبح لكل منهم طموحاته وأسراره، ولكنه أراد أن يتعامل معهم في سلة واحدة، ورأى في الاندماج الآلية المثلى، فقد تقدم العمر وآن موسم الحصاد، ولا بأس من تشجيع مؤسسات بديلة يمكنها السير في الطريق ذاته الذي كان يرجوه لنفسه، هكذا كان يظن، أو بدقة هذا هو الممكن الذي لا يوجد غيره، فقرر أن تحمل «المسلم المعاصر» تاريخها كله ليعطي مشروعية ثقافية للوجود القلق للمعهد- القلق فكريًا والقلق سياسيًا والقلق إداريًا- تحمس البعض من أعضاء هيئة التحرير، واتفق معه البعض بحذر، وكنت في الاتجاه الرافض رفضًا صريحًا، ولكل منا أسبابه ودواعيه، ولكن سرعان ما انطفأ الحماس، وبدأ التباعد في الأفكار يؤدي نتائجه المنتظرة في عودة «المسلم المعاصر» لسيرتها الأولى، وفي هدوء هيأته الإدارة الجديدة في القاهرة- التي لولا حكمة المدير الجديد للمعهد وقوة إبصاره- لأصبحت حقوق المجلة في مهب الريح.

وبدأت مرحلة أخيرة، رحلة اغتراب جديدة بدأها الدكتور جمال الدين عطية في «معلمة القواعد الفقهية». لم يكن انشغال الدكتور جمال الدين عطية بالقواعد جديدًا بل هي جوهر كتابه في «التنظير الفقهي» ولكنه دُعي من قِبَل الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بجدة للإشراف على الموسوعة وطلب مني إدارة المشروع، وبعد دراسة الأوراق والمذكرات التي أُعدت أَبْدَيتُ وجهة نظر مخالفة واعتذرت عن المشاركة في أعمال الموسوعة، فتولاها الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية بنفسه، لقد كانت عشر سنوات من النشاط، حاول فيها الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية أن يسخر كل طاقاته لإنجاز عمل كبير، وكان التصور لديه واضحًا، إلا أن من حوله كانوا أقل من همته وبعيدين عن معرفة غاياته، فظهرت على الطريق ثغرات علمية لم يتمكن من سدها، وأزمات مالية استطاع أن يتجاوزها من خلال صديق عمره المشرف على مؤسسة زايد الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم، والذي رحل فجأة فأصبح الطريق مغلقًا نحو سد الكثير من المشكلات التي يعاني منها مشروع الموسوعة، وكان ذلك متوقعًا فقد ابتعد عن المشهد عَلمان كبيران كان لهما الفضل في ولادة مشروع الموسوعة وهما: الحبيب بلخوجة وعز الدين إبراهيم، ولم يجد الدكتور جمال الدين عطية خيارات تُمكِّن محاولاته في إنقاذ المعلمة فعاد إلى مصر مهمومًا بها، متابعًا لها بحضوره الأدبي دون سلطة لتقويم عمل أو ترشيد نموذج، وشقت معلمة القواعد الفقهية طريقها إلى النور بولادة قيصرية، تحت قاعدة «ما لا يُدرك كله لا يُترك كله»، وجاءت مرحلة الولادة مؤلمة للدكتور جمال الدين عطية لأنها أقل بكثير من طموحاته، ولأن رجال المرحلة الأخيرة للمعلمة لم يهتموا حتى بإرسال نسخة تسعده، لقد أُنجزت الموسوعة وتلقفتها الأيدي قبل عامين من رحيله، وهكذا ترك عالمنا وهو الوحيد منا الذي لم يشعر بثمار عمله، وظلت رغبته شديدة في رؤية وليده الأخير، مات المفكر الكبير دون أن يلمس الموسوعة بيديه، ويراها بعينيه، رغم أنه كان مهمومًا بولادتها المتعثرة وغير المكتملة، وجحود الأبناء أقسى كثيرًا من سيوف الأعداء.

أيها الرجل العظيم طبت حيًّا وطبت وأنت في رحاب الله.

* * *

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق