وثائق

مشروع معلمة القواعد الفقهية (2)

العدد 147

تقديم:

بسم الله والحمد لله.

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

أولاً: إرهاصات ومقدمات:

1- ليست هذه أول محاولة للعناية بالقواعد الفقهية، فالعناية بها قائمة منذ صدر الإسلام، كما يتبين من المقدمة الخاصة بتاريخ القواعد الفقهية، ولكن لعلها المحاولة الأولى المؤسسية المنهجية لاستيعاب الموضوع بطريقة شاملة.

ولا يفوتنا أن نشيد بالجهد الكبير الذي بذلته وزارة الأوقاف الكويتية في إصدار الموسوعة الفقهية التي تعرض الأحكام الفقهية الجزئية تحت عناوين مصطلحية، بينما فكرة المعلمة تقوم على الاهتمام بالقواعد الكلية للفقه في الأساس.

كما لا يفوتنا أن نشيد بالجهد الفردي الذي قام به كل من: الدكتور/ محمد صدقي البورنو، والدكتور/ علي الندوي، والأستاذ الدكتور/ يعقوب عبد الوهاب الباحسين، في إصدار بحوث جليلة تعتبر باكورة للأعمال المعاصرة التي بدأت تهتم بجمع ودراسة القواعد الفقهية، والتي توالت بعد قرار مجمع الفقه الإسلامي تبني إصدار المعلمة باهتمام بعض المؤلفين وبعض الجامعات بعمل دراسات في القواعد.

2- لقد كانت فكرة مشروع المعلمة أملاً ترجمته الدورة الثالثة من دورات مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والتي انعقدت في عمان بالأردن بتاريخ 8/2/1407هـ إلى 13/2/1407هـ الموافق 16/8/1986م إلى 11/10/1986م في صورة توصية بتنفيذ هذا المشروع ضمن مشروعات أخرى أوصت بها.

وقد ظلت هذه التوصية حبيسة الأدراج حتى قيض الله لها الخروج إلى حيز التنفيذ بتلاقي إرادة المجمع ممثلة في سماحة أمينه العام الأول الشيخ الدكتور/ محمد الحبيب ابن الخوجه، وإدارة مؤسسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، ممثلة في شخص معالي الدكتور/ عز الدين إبراهيم –رحمه الله تعالى-، المستشار الثقافي لرئيس دولة الإمارات وللمؤسسة المذكورة، وذلك بصدور قرار مجلس أمناء المؤسسة في 28/11/1994م بتبني مشروع معلمة القواعد الفقهية وفقًا للمذاهب الثمانية بالتعاون مع المجمع وتحمل نفقاته المالية، وقامت المؤسسة بالفعل بدفع مبلغ (250 ألف دولار)(1)، وعلى أثرهاكلف أمين المجمع بعض العلماء باستخراج القواعد من عدد من الكتب الهامة في كل مذهب.

وكان القائم بإدارة المشروع في هذه الفترة هو سماحة الأمين العام للمجمع نفسه.

3- ولم تدم هذه الفترة طويلاً؛ إذ سرعان ما نفد المبلغ المذكور من ناحية، كما أدت بعض المتغيرات الإدارية في المؤسسة إلى توقف المشروع حتى تاريخ 27/5/2002م حيث تقرر استمرار المشروع، وتنظيم العلاقة بين المؤسسة والمجمع بخصوص الإشراف على إدارة المشروع، حيث أبرم في 6/7/2002م بروتوكول بين المجمع والمؤسسة بموجبه قررت اللجنة المشتركة المشرفة على المشروع اختيار مدير للمشروع(2)، وبُدئ باختيار بعض الباحثين للعمل في المشروع(3).

ثانيًا: تخطيط وإعداد

4- أقام المجمع في الفترة 26-28 شعبان 1423هـ الموافق 1-3/11/2002م في جدة ندوة تحضيرية شارك فيها عدد من الخبراء والعلماء لوضع خطة مبدئية لتنفيذ المشروع.

5- لم يكن في ذهن المؤسسين لهذه المعلمة الاكتفاء بمجرد جمع القواعد الفقهية من كتب القواعد في المذاهب المختلفة، بل كان الطموح إلى استخراجها مباشرة من كتب الفقه وأصول الفقه بالإضافة إلى كتب القواعد، وذلك ما يمثل أحد نواحي التجديد والإضافة في هذا المشروع، ولذلك كان مما تمخض عن الندوة التحضيرية للمشروع قوائم بكتب الفقه وأصول الفقه والقواعد في كل مذهب حتى يجري استيعابها في هذا المشروع.

6- مظهر آخر من مظاهر التجديد والإضافة هو ما تقرر من استيعاب المشروع للمذاهب الثمانية المشهورة (الأربعة السنية، والظاهرية، والإمامية، والزيدية، والإباضية)، ومن أهم المسائل التي كان يُحرص على توافرها تغطية الصياغة آراء جميع المذاهب بما في ذلك مذاهب غير السنة، حتى يكون العمل ممثلاً لمجموع الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، ولعله من هذه الناحية يكون أول عمل من هذا النوع يفتح الباب بعد ذلك للمزيد من الدراسات المتعمقة المقارنة بين مذاهب الأمة.

وقد اعتمدت إدارة المعلمة في هذا الصدد الجمع بين أسلوبين في العمل:

أ- الاعتماد على الباحثين الداخليين في جهاز المعلمة بعد أن زودت المكتبة بكافة المراجع المذهبية المتاحة بالأسواق.

ب- الاتصال المباشر بالمرجعيات المذهبية في كل من إيران بخصوص المذهب الإمامي، وعُمَان بخصوص المذهب الإباضي، واليمن بخصوص المذهب الزيدي.

وقد استجاب الشيخ محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، فشكل لجنة من الباحثين قامت بإشرافه بإصدار ثلاثة مجلدات، اثنان منها في قواعد الفقه الإمامي، وثالث في قواعد أصول الفقه الإمامي.

كما كلفت وزارة الأوقاف والشئون الدينية بسلطنة عُمَان الدكتور محمود مصطفى عبود آل هرموش باستخراج وتصنيف القواعد الفقهية الإباضية، وقامت الوزارة بنشره في أربعة أجزاء بعد أن قام الدكتور رضوان السيد بمراجعته.

ثم في مرحلة مراجعة أعمال المعلمة قامت إدارتها باستقدام خبيرين هما: الشيخ هلال محمد بن ناصر الراشدي من علماء المذهب الإباضي، والشيخ الدكتور محمد أحمد الوقشي من علماء المذهب الزيدي، للنظر في العمل بأكمله بغية تصحيح أي خطأ واستكمال أي نقص.

7- كان أهم ما بدأت به إدارة المشروع هو وضع مذكرة تعريفية بالمشروع، ووضع دليل للعمل، وكان النموذج الذي استقر عليه الرأي مقتبسًا من كتاب الشيخ/ أحمد الزرقا، في شرح القواعد الفقهية(4)، كما وضعت خطة للعمل تقوم على ثلاث مراحل:

ج- مرحلة جمع البيانات.

د- مرحلة صياغة القواعد.

هـ- مرحلة المراجعة والإعداد النهائي للمشروع.

8- لم تكن طبيعة العمل واتساعه تسمح أن ينفرد بالقيام بها الباحثون في المعلمة، فرئي الاستعانة ببعض الباحثين الخارجيين لتسريع العمل، فيما سُمي “مرحلة الاستكتاب”، حيث كان يُطلب من الباحثين الداخليين والخارجيين استخراج البيانات وفقًا لنموذج كان يعتبر هو محور العمل في هذه المرحلة يتضمن البيانات المطلوبة استخراجها من الكتب.

وحرصًا على دقة العمل كانت إدارة المشروع تعهد بمراجعة ما يتم استخراجه من بيانات إلى باحثين داخليين وخارجيين للتأكد من صحة العزو ولاستدراك ما يكون قد فات المستكتبين استخراجه من بيانات.

9- الجدير بالذكر في هذا المقام هو الإشارة إلى أنه قد وضع برنامج إلكتروني يتم بموجبه تغذية الحاسوب المركزي للمشروع بالبيانات التي تم جمعها ومراجعتها من كل الكتب أولاً بأول، تمهيدًا لمرحلة المخرجات التي يقوم بها الحاسوب وفقًا لهذا البرنامج؛ بحيث تتحول وحدة العمل من نموذج خاص بقاعدة في كتاب إلى ملف كامل يجمع هذه البيانات عن كل قاعدة من جميع الكتب، بحيث يكون هذا الملف جامعًا لمجموعة من القواعد والبيانات المتعلقة بها، مما يخفف عبء البحث أمام القائم بالصياغة.

وفي العمل ومع تزويد حواسيب المعلمة بالموسوعات الإلكترونية أصبح أمر الصياغة أيسر على الباحثين مما مكنهم من إنجاز خمس صياغات في الشهر على الأقل، أي بمعدل أربعة أيام عمل لكل قاعدة(5).

هذا، وقد دخلت على برنامج الحاسوب الإلكتروني عدة تعديلات وإضافات أثناء العمل لا مجال لتفصيلها.

10- لقد كانت قائمة المراجع التي أوصت بها الندوة التحضيرية تحتوي على 197 مرجعًا، اعتبرت هي الحد الأدنى الذي ينطلق منه العمل، وقد حدث بالفعل زيادة كبيرة في هذه القائمة نتيجة حاجة الباحثين إلى الاعتماد على جهودهم البحثية بسبب عدم كفاية ملفات الحاسوب، واستمرار إدارة المعلمة في تزويد مكتبة المعلمة بما ينقصها من مراجع، وما يستجد صدوره في عالم الكتب خاصة من الطبعات التي تنشر لأول مرة لمخطوطات لم تكن منشورة من قبل مثل كتاب: التجريد للقدوري، ونهاية الطلب لإمام الحرمين، والعديد من الدراسات المتخصصة خاصة في مسائل السياسة الشرعية والأمور المستحدثة، وبذلك وصل عدد المراجع التي اعتمد عليها العمل إلى ما يزيد على 640 مرجعًا مكونًا من أكثر من 3000 جزء.

هذا ولم تقتصر جهود تزويد مكتبة المشروع على الكتب المطبوعة بل تعدتها إلى تصوير بعض المخطوطات الضرورية للعمل، كشروح الأشباه والنظائر، ومراجع الفقه الإباضي، بالإضافة إلى بحوث المؤتمرات المتخصصة في موضوعات تهم مشروع المعلمة.

كما تم تزويد حواسيب المعلمة بالعديد من البرامج الإلكترونية المتطورة، والتي تغطي آلاف الكتب خاصة في فقه المذاهب.

11- ولابد من الإشارة هنا إلى أن تعدد طبعات الكتاب الواحد تمثل مشكلة في حالة العزو إليها؛ لاختلاف الصفحات بين الطبعات، فالطبعة التي استخرجت منها مادة القواعد في مرحلة جمع البيانات، تختلف عن الطبعة التي اعتمد عليها القائمون بالصياغة والمراجعة، وكذلك الحال بالنسبة للطبعة التي أمكن الحصول عليها لمكتبة المعلمة، وقد تختلف هذه الطبعات جميعًا عن الطبعات الإلكترونية.

والمأمول أن تحل هذه المشكلة إذا نُفِّذت فكرة ربط الهوامش بالنصوص في النسخة الإلكترونية مما يؤدي إلى توحيد الطبعات.

12- هذا، وقد ظهرت في وقت مبكر أهمية إعداد مقدمات علمية للمعلمة، وتحددت موضوعاتها بصورة مبدئية – زادت بعد ذلك مع تطور العمل – ووزعت على عدد من الأساتذة الخارجيين، وكلفوا بكتابتها ثم تمت مراجعتها خارجيًا وداخليًا.

13- كما ظهرت – على مراحل بعد ذلك – أهمية عمل مقدمات خاصة لكل قسم من أقسام المعلمة، ووضعت مقدمات للقواعد المقاصدية والأصولية وللضوابط الفقهية وللسياسة الشرعية؛ لما لكل من هذه الأنواع من خصوصية تحتاج إلى إبرازها بخلاف القواعد الفقهية التي تكفلت المقدمات العامة بدراستها.

ثالثًا: الهيكل العلمي للمعلمة

14- تبلور العمل في المشروع على أساس شموله لأربعة أنواع من القواعد هي: القواعد المقاصدية والأصولية والفقهية والضوابط الفقهية، وقد رُئي توزيع الباحثين إلى أربع لجان لإنجاز هذه الأنواع الأربعة، واختير لكلٍّ من هذه اللجان خبير يتفق تخصصه الدقيق مع مجال عملها، ويكون مسئولاً عن العمل في لجنته.

وكان من توفيق الله أن يسَّر انضمام الخبراء الأربعة إلى فريق المعلمة، وهم:

أ- أ. د. أحمد الريسوني، الأستاذ بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومؤلف كتاب “نظرية المقاصد عند الشاطبي”، مسؤولاً عن لجنة القواعد المقاصدية.

ب- أ. د. خليفة بابكر الحسن، أستاذ أصول الفقه بجامعة الشارقة، مسؤولاً عن لجنة القواعد الأصولية.

جـ- أ. د. محمد الروكي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومؤلف كتاب “نظرية التقعيد الفقهي”، مسؤولاً عن لجنة القواعد الفقهية.

د- د. علي الندوي، رئيس لجنة الرقابة الشرعية بمؤسسة الراجحي، والحائز على جائزة الملك فيصل (بالمشاركة) ومؤلف “جمهرة القواعد الفقهية”، مسؤولاً عن لجنة الضوابط الفقهية.

وفي مرحلة لاحقة انضم إلى جهاز المعلمة خبيران آخران، هما:

أ- د. عبد الرحمن الكيلاني، الأستاذ بكلية الشريعة جامعة مؤتة بالأردن، ومؤلف كتاب “قواعد المقاصد عند الشاطبي”، خبيرًا بلجنة القواعد المقاصدية، ثم مسؤولاً عن لجنة القواعد المقاصدية خلفًا للدكتور خليفة بابكر.

ب- أ. د. عبد الله الكيلاني، الأستاذ بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية، ومؤلف كتاب “القيود الواردة على سلطة الدولة في الإسلام”، خبيرًا بلجنة الضوابط الفقهية، وأسند إليه تحرير ضوابط السياسة الشرعية.

15- وكانت تعقد اجتماعات عامة تضم جميع الباحثين مع إدارة المعلمة؛ لاستعراض ومناقشة المسائل الكبرى التي تحتاج إلى مناقشة للاستفادة من رأي الجماعة، ولتوحيد رؤيتها ومنهجها في العمل.

وبُعيد بدء عمل الخبراء اسْتُغني عن هذه الاجتماعات العامة اكتفاءً بالاجتماعات التي كانت تعقد للخبراء في صورة ما سُمي بـ “لجنة الخبراء”، وكانت تحرر لهذه الاجتماعات محاضر تفصيلية بلغت حتى نهاية العمل ما يزيد عن مائة اجتماع تمثل محاضرها مرجعًا مفيدًا لمن أراد تتبع تطور العمل واتجاهاته ومراحله المختلفة.

16- ومما هو جدير بالذكر تنوع جنسيات الخبراء والباحثين حيث ضمت المعلمة خبراء وباحثين من المغرب وموريتانيا والسودان ومصر وسوريا والأردن والهند وأفغانستان.

ولم يقف الأمر عند هذه الجنسيات في الاستكتاب الخارجي، حيث استعين إلى جانب الباحثين من هذه الدول المذكورة بباحثين من فلسطين وليبيا وتونس والمملكة العربية السعودية ولبنان وغيرها. وتشمل ملاحق المعلمة تعريفًا بكل من المدير والخبراء والباحثين الداخليين وقوائم بأسماء المستكتبين والمراجعين. وتظهر أهمية هذه البيانات في بيان الصفة الجماعية والمتنوعة للعمل.

هذا بالإضافة إلى أن كل صياغة مسندة إلى من قام بها، ومن راجعها، كي تتحدد المسئولية العلمية عن كل مادة من مواد المعلمة.

وبغية التقريب بين العاملين بالمعلمة كانت تعقد ندوات علمية داخلية تطرح فيها بعض الرؤى ويدور حولها الحوار، وقد تم عقد 15 ندوة على النحو التالي:

 

م

تاريخ الندوة

عنوان الندوة

مقدم الندوة

1

28/10/2008

الأزمة المالية العالمية

د. جمال الدين عطية

2

26/11/2008

حكم المستجدات بين الفتاوى الجزئية والتجديد الشامل: عقد الإيجار نموذجًا

د. جمال الدين عطية

3

24/12/2008

تجديد أصول الفقه

د. خليفة بابكر

4

28/1/2009

معلمة القواعد: أي جديد، وأي دور

د. أحمد الريسوني

5

24/3/2009

أهل الحل والعقد

د. جمال الدين عطية

6

15/4/2009

أثر القواعد الأصولية في أحكام الربا

د. خليفة بابكر

7

17/6/2009

البورصات: ما لها وما عليها

د. جمال الدين عطية

8

22/11/2009

جوانب المعاصرة في المعلمة

د. جمال الدين عطية

9

30/12/2009

تجديد الخطاب الشرعي

د. عبد الله الكيلاني

10

27/1/2010

خصائص المذاهب الفقهية وأثرها على الاجتهاد المعاصر

د. خليفة بابكر

11

24/2/2010

التطبيقات الفقهية المعاصرة ومصادرها

د. أحمد الريسوني

12

31/3/2010

وقفات مع الفقه الجنائي

د. إبراهيم الحريري

13

28/4/2010

العلاقات بين الأدلة المختلف فيها والقواعد الفقهية

د. أسعد الكفراوي

14

26/5/2010

مدى اعتبار الطبع البشري في تقرير الأحكام الشرعية

د. مبروك عبد العظيم

15

16/6/2010

مسالك رفع الخلاف وتقليله بين الفقهاء

د. محمد الروكي

 

18- ولم تكتف إدارة المعلمة بعمل الباحثين في تخريج الأحاديث النبوية الذي تفاوت بين العزو إلى مرجع ثانوي والعزو الموجز إلى كتب الحديث، فاستعانت بأحد المتخصصين في علوم الحديث هو الدكتور محيي الدين عوامة الذي أنجز قدرًا لا بأس به من العمل، ثم أكمل العمل إلى نهايته الأستاذ الدكتور أحمد محمد نمر الخطيب، محقق كتابي “كشاف القناع المرني عن مهمات الأسامي والكنى” للعيني، و”تهذيب الأسماء الواقعة في الهداية والخلاصة” للقرشي رحمه الله، وقد قام بمراجعة واستكمال التخريج والعزو لكافة الأحاديث والآثار الواردة في المعلمة.

ومن ناحية أخرى كان الدكتور عوامة يقوم بترجمة الأعلام الوارد ذكرهم في المعلمة، ثم تابع العمل أحد الباحثين الداخليين هو الأستاذ أشرف عبد الله برعي.

19- تضم المعلمة بعد المقدمات أربعة أقسام لكل نوع من القواعد، ثم عددًا من الفهارس الضرورية لإرشاد المستفيد من المعلمة:

أ- بخصوص القواعد المقاصدية: رُئي أن يضم هذا القسم المبادئ العامة للتشريع، والأصول الأخلاقية، ثم القواعد المقاصدية بالمعنى الدقيق.

واكتفي بالنسبة للقواعد العقدية بمقدمة كتبها الأستاذ الدكتور/ حسن الشافعي، موضحًا فكرة التقعيد العقدي، وموردًا أمثلة ضافية لبعض القواعد ذات التاثير المباشر في التشريع.

ب- وبخصوص القواعد الأصولية: فقد رُئي تصنيفها على أبواب علم أصول الفقه.

ج- وأما القواعد الفقهية: فقد رُئي تصنيفها تصنيفًا موضوعيًا يراعي مدى اتساع القاعدة وشمولها لعدة أبواب من الفقه، وإبراز بعض القواعد الكبرى التي لا تقل أهمية عن القواعد الخمس الكبرى المعروفة، والاهتمام بقواعد وسطى تمثل زمرًا من القواعد المختصة بفكرة والتي تصلح أساسًا لنظرية خاصة بهذه الفكرة في الشريعة الإسلامية، ثم قواعد صغرى تمثل كذلك نظريات على مستوى أقسام الشريعة وأبوابها الكبرى.

د- وأما الضوابط الفقهية: وهي التي تختص بباب من ابواب الفقه، فقد رُئي فصل الضوابط المتعلقة بأبواب الفقه المعروفة عن الضوابط المتعلقة بالسياسة الشرعية، وبكل من موضوعات القضاء والجنايات ومالية الدولة؛ بسبب ما تختص به هذه المسائل من تطور سريع يقتضي المرونة في وضع ضوابطها بما يسمح بالإفادة منها للباحثين المعاصرين.

ومما يتصل بهذه المسألة: موضوع ضوابط المستجدات الفقهية، والتي رُئي إبقاؤها ضمن مباحثها الأصلية، وإيراد ما استقر عليه رأي المجامع والمؤتمرات العلمية دون المسائل التي ما زالت محل خلاف على أن ترد هذه المستجدات ضمن التطبيقات المعاصرة في كل صياغة تحتملها.

هـ- ثم الفهارس العلمية للمعلمة التي تعد مفتاحًا لهذه المعلمة، وقد روعي في اختيارها ما هو مناسب لمادة القواعد، ففُهرِست القواعد بعدة صور منها الترتيب على حروف المعجم، ومنها الترتيب على جذور أشهر كلمات القاعدة، ومنها الترتيب الموضوعي، وأضيفت عدة فهارس أخرى تحليلية مثل فهرس الآيات القرآنية والأحاديث والآثار وفهرس الأعلام وفهرس الأماكن وفهرس الغزوات والوقائع، وقد أسندت الفهرسة إلى الأستاذ أشرف عبد الله برعي.

رابعًا: عمل المعلمة بين التقليد والاجتهاد

20- الأصل أن عمل الخبراء والباحثين في المعلمة تحكمه قواعد التقليد لا الاجتهاد بمفهومه المصطلحي، ولكن هذا المبدأ ليس على إطلاقه، فقد تم تقنينه على النحو التالي:

أ- حيث يوجد اتفاق على صيغة القاعدة أو الضابط –وهذا نادرًا ما يحدث- فلا مجال للاجتهاد.

ب- وحتى في هذه الحالة فقد يكون من الضروري التصرف في الصيغة المتفق عليها؛ لاعتبارات تستدعي ذلك.

ج- أما حيث لا يوجد اتفاق فيكون أمام القائم بالصياغة أن يختار من بين الصيغ المتنوعة أصلحها وفقًا لمعايير حددها منهج الصياغة.

د- وقد يكون له أن يتصرف في الصيغة التي يختارها بما يحقق هذه المعايير تحت إشراف الخبير.

هـ- أما حيث لا توجد صيغة لقاعدة أو ضابط فعليه أن يبحث عما هو كامن خلف الحكم أو الأحكام الجزئية من معنى كلي يجمعها غالبًا ما يحدث في الضوابط حيث يستظهر القائم بالصياغة هذا المعنى من خلال الشروط والتعاريف والتقاسيم وغيرها مما لم يورده الفقهاء أصلاً كضابط فقهي، وهنا يكون مجال الاجتهاد فسيحًا نسبيًا، وقابلاً للمناقشة والاعتراض بطبيعة الحال.

و- ما سبق مقيد بوجود أحكام جزئية تفتقر إلى ضوابط تضم شتاتها، أما حيث لا يوجد حكم جزئي –وهو حال المسائل المستحدثة – فليس استحداث الأحكام مهمة مشروع المعلمة بل هي مهمة المجامع الفقهية بأجهزتها وآلياتها المعروفة، والمؤتمرات المتخصصة، ولكن تكون مهمة المعلمة متابعة الجهود التي تبذلها هذه المجامع، حتى إذا استقر الرأي فيها على حكم فقهي لمسألة مستحدثة، فهنا يقوم مشروع المعلمة بمهمته على النحو الموضح في ج أعلاه.

ز- في مجال السياسة الشرعية تراكمت المسائل المستحدثة عبر العصور مع تطور الحضارة والتراكم المعرفي لخبرات المسلمين وغيرهم دون أن تتطور الضوابط الشرعية الحاكمة لها، حتى آل الأمر إلى قطيعة معرفية تفصل بين ما كتبه السلف زمن ازدهار حضارتهم وما يعيشه الخلف من تقليد للآخر المسيطر حضاريًا، ومن نشوء وتطور علوم اجتماعية تنظم شتى نواحي الحياة، كما بدأت منذ عشرينيات القرن العشرين نهضة علمية تنفض الغبار عن تراث الإسلام في هذه المجالات، وتقدمه في صورة لا تقل بهاء، وامتازت بعض هذه الجهود بتأصيل المسائل من مصادرها الشرعية وبتنظيرها في أصول كلية، في محاولة لسد الفجوة الحضارية الناتجة عن القطيعة المعرفية، بما يمكن معه تبين ملامح السياسة الشرعية المعاصرة، وهنا يكون دور مشروع المعلمة في تلمس ضوابط شرعية معاصرة للمسائل المالية والاقتصادية والقضائية والطبية والإدارية والدستورية والدولية وغيرها بما يجمع بين أصالة الضوابط في مصادرها وأدلتها الشرعية، ومعاصرة التطورات التي وصلت إليها الحياة في القرن الحادي والعشرين الذي تظهر فيه هذه المعلمة، وهنا مجال فسيح للاجتهاد وفق المعايير التي بينتها المقدمة الخاصة لضوابط السياسة الشرعية.

وقد نفذ هذا بصورة جزئية في حدود ما سمحت به الإمكانات البشرية المتاحة.

خامسًا: المراجعة

21- بانتهاء مرحلة الصياغة أو قبل ذلك بقليل بدأ الإعداد لمرحلة المراجعة، وعلى وجه الدقة المراجعة الخارجية؛ إذ إن الصياغة كانت تمر بمراجعة داخلية أولية من كل من الخبير –مسئول اللجنة التي ينتمي إليها الباحث الذي قام بالصياغة- قبل أن يعتمدها، ومن مدير المشروع الذي كان يراجع بعض العناصر للاطمئنان على سلامتها قبل اعتماده للصياغة.

22- من الأمور التي كان يُهتم بها في هذه المراجعة الأولية غربلة التطبيقات في كل قاعدة من المسائل المكررة والحرص على تنويع التطبيقات وشمولها لأقسام الفقه المختلفة، وكذلك استبعاد المسائل الغريبة وغير المقبولة التي تعد أقرب إلى الفقه الافتراضي منه إلى واقع الحياة، وكذلك الحرص على أن تتضمن التطبيقات بعض التطبيقات المعاصرة التي توضح أهمية القواعد في تقديم حلول شرعية للنوازل والمستجدات المعاصرة.

23- ولم تكتف إدارة المشروع بهذه المستويات من المراجعة بل أخضعت الصياغات لمراجعة جماعية يشارك فيها جميع خبراء المعلمة، وعنصر أو عنصران من علماء الأمة المشهورين والمتخصصين من خارج المعلمة سواء بالمشاركة الفعلية في المناقشات وحضور الاجتماعات لمن يستطيعون ذلك، أو بإبداء الرأي مكتوبًا لمن لا يستطيع الحضور بعد أن ترسل إليه كافة نصوص صياغات القواعد المطلوب إبداء الرأي فيها.

ولا يكتمل للمراجعة قيمتها إلا بتنفيذ الملاحظات التي يبديها المراجعون، ومتابعة ذلك متابعة دقيقة في كل لجنة من لجان المعلمة.

سادسًا: إضافات

24- لقد حاولنا فيما سبق إعطاء صورة عن الجهد الذي بذل لإنجاز هذه المعلمة، والإضافات التي يُظن أنها قد حققتها، والتي يمكن أن نوجزها في النقاط التالية:

أ- بحوث المقدمات العلمية التي تكوِّن في مجموعها مادة علمية كافية للبحث في القواعد كعلم شرعي مستقل وقابل لتوليد علوم فرعية وصالح لأن يدرس كمساق جامعي وتخصص علمي واعد.

ب- تركيز المعلمة على الأحكام الكلية دون تشتيت الذهن بين الجزئيات الفقهية الكثيرة، ومحاولة استيعاب أكبر قدر ممكن من الأحكام الكلية سواء على مستوى مقاصد الشريعة ومبادئها وقيمها، أو على مستوى مناهجها الأصولية، وأحكامها الفقهية الكلية بما لا يتوافر في عمل آخر على الأقل حتى وقتنا الحاضر.

ج- العمل لأول مرة على استخراج الضوابط الحاكمة للفروع الفقهية على مستوى أبواب الفقه متميزة عن القواعد الفقهية العامة بعد أن كانت ترد نماذج محدودة لها في كتب القواعد مختلطة بالقواعد الفقهية.

د- بيان الصيغ المتنوعة التي وردت عن القاعدة في المراجع المختلفة، في محاولة لحصر المكررات اللفظية والمعنوية.

هـ- بيان القواعد ذات العلاقة بالقاعدة محل البحث، وبيان وجه العلاقة بينهما، في محاولة لتوضيح شبكة العلاقات بين القواعد.

و- بيان الآراء الفقهية المتنوعة سواء بين المذاهب الكبرى أو داخل المذهب الواحد مع محاولة إيراد الدليل الشرعي لكل رأي.

ز- إعطاء الصورة العملية بعرض تطبيقات متنوعة من الماضي والحاضر تؤكد صلاحية الشريعة – بمبادئها الكلية- للتطبيق في كل زمان ومكان.

ح- الإسهام في جهود توحيد الأمة بإصدار هذا العمل الموسوعي عن أكبر منظمة إسلامية تجمع المسلمين من سبع وخمسين دولة إسلامية، والذي شارك في إعداده ومراجعته علماء وباحثون من شتى بلاد الإسلام.

ط- الاستعانة بأساليب الإدارة العلمية في إعداد وإنجاز هذا المشروع، وكذلك الاستعانة بعلوم الحاسوب في التعامل مع العلوم الشرعية، ويعتبر هذا وذاك خطوة متقدمة يُرجى أن تستمر، وتتلوها خطوات أخرى في المشروعات المماثلة.

سابعًا: سلبيات

25- إن هذه الإضافات والإنجازات التي حققتها المعلمة لا تنفي وجود سلبيات شابت العمل الذي لا ندّعي له الكمال، ويتمثل ذلك في:

أ- رغم حرص الإدارة والمحاولات التي بذلها الخبراء والباحثون فقد حدث التفاوت بين الصياغات المختلفة من حيث مدى التزامها بمنهج الصياغة، ومدى الاستيعاب أو الإيجاز في التناول، والتباين بين الباحثين من حيث سلاسة الأسلوب أو تعقيده بما لا يكفي في الاعتذار عنه التعلل بالاختلاف بين طبيعة الموضوعات أو بالفروق الفردية بين الباحثين.

ب- مدى التوافق بين الأفكار التي عبرت عنها المقدمات العلمية، والمعايير التي حاولت بلورتها، وبين الواقع العملي للصياغات.

ثامنًا: اقتراحات

26- إن هذا المشروع بداية يرجى أن تنطلق بعده مشروعات أخرى تعتبر استكمالاً لما شابه من نقص، أو بناء على ما وضعه من أسس، ومن ذلك على سبيل المثال:

أ- ترجمة مختارات من قواعد المعلمة إلى اللغات الأخرى، وما يستدعيه ذلك من عمليات الاختيار التي تسبق كل ترجمة بما يتناسب مع حاجات الناطقين بتلك اللغة، ففي اللغتين الإنجليزية والفرنسية مثلاً قد يكون من الضروري استبعاد أبواب بكاملها كالأَيمان والنذور وتفاصيل العبادات مما هو ضروري الإبقاء عليه في الترجمات إلى الأردية والتركية مثلاً. كما أن كثيرًا من القواعد الأصولية خاصة اللغوية كحروف المعاني لا مجال لترجمتها إلى لغة أخرى، فضلاً عن استبعاد المسائل الافتراضية.

ب- استمرار التنقيح والإضافة إلى الصورة الحالية للمعلمة عند كل إعادة طباعة لها؛ حتى تحتفظ بحداثتها ومواءمتها للتطور المجتمعي والعلمي.

ج- العناية باستدراك ما قد يكون في المعلمة – بصورتها الحالية – من نقص في بعض الجوانب مما يمكن أن يستقل به عمل خاص ولا يكتفي باندراجه ضمن جهود التهذيب المشار إليها في رقم (ب)، ومن أمثلة ذلك: “قواعد المقاصد الخاصة – قواعد وضوابط المسائل المستحدثة”.

د- العديد من الدراسات التي يؤمل أن يقوم بها الباحثون مستفيدين من مادة المعلمة في استخراج نظريات عامة في مختلف الموضوعات الفقهية.

هـ- الدراسات التجديدية في أصول الفقه بدءًا ببلورة وإنضاج معيار القاعدة الأصولية الكلية، وتمييزها عن المسألة الأصولية الجزئية، وتجاوز ذلك إلى معالجة علم أصول الفقه كعلم منهجي يحتل مكانته المرموقة بين العلوم المنهجية الحديثة.

و- الانطلاق من المستوى الحالي لاستفادة الباحثين من المعلمة في صورتيها الورقية والإلكترونية إلى صور أخرى أكثر رحابة واتساعًا، بإنشاء موقع أو مواقع على الشبكة العنكبوتية توضع عليه المادة الأولية التي جُمعت في مرحلة جمع المادة العلمية التي استقيت منها الصياغات النهائية للقواعد الحالية للمعلمة، واستمرار تحديثها كي تكون معينًا لا ينضب لأجيال الباحثين الذين يريدون الاستفادة من هذه المواد في دراسات متخصصة.

إنشاء مراكز ومعاهد للبحث الفقهي؛ لرعاية المشروعات المتقدمة، والتنسيق بين الجهود العلمية المتفرقة التي تقوم بها كافة الجامعات الإسلامية، ويعتبر جهاز المعلمة الحالي تجربة يستفاد بها في هذا الصدد، وبداية يمكن تطويرها واستمرارها في هذا الاتجاه.

تكوين مجلس امناء للبحوث الإسلامية – من عدد من العلماء وممثلي جهات التمويل – يتبعه صندوق تصب فيه الإسهامات المالية المختلفة، والذي يحدد – بعد الدراسة – المشروعات التي تعتمد لتوجيه التمويل إليها، في محاولة لتحويل الوضع الحالي إلى الصورة المؤسسية المناسبة.

***

الهوامش

(1) تتابع تقديم المؤسسة دعمها المادي للمشروع حتى تجاوز مجموع التمويل المقدم من المؤسسة عشرة ملايين دولار فضلاً عن تكاليف الطباعة والنسخة الإلكترونية.

(2) تم اختيار أ. د. جمال الدين عطية مستشارًا للمشروع للاستفادة من خبرته السابقة كأمين عام للموسوعة الفقهية الكويتية، ورؤيته للقواعد المتمثلة في كتابه “التنظير الفقهي”. وبعد اعتذار كل من أ. د. يعقوب الباحسين، وأ. د. علي جمعة عن قبول مهمة إدارة المشروع تم تكليف أ. د. جمال الدين عطية بإدارة المشروع.

(3) يوجد في ضمن ملاحق وفهارس المعلمة بيان بكافة الباحثين في المعلمة.

(4) وقد نسق النموذج على أساس ترتيب بيانات القاعدة المستخرجة من الكتاب فابتدأ برقم النموذج ثم بيانات الكتاب والطبعة والمجلد ثم نص القاعدة ثم الصيغ الأخرى التي ترد بها القاعدة ثم القواعد الأخرى ذات العلاقة بالقاعدة مع بيان وجه العلاقة ثم شرح القاعدة ثم أدلة القاعدة ثم تطبيقات القاعدة ثم الاستثناءات من القاعدة.

(5) الشهر عشرون يوم عمل، فإذا قسمناها على خمس قواعد يكون الوقت المتاح لصياغة القاعدة أربعة أيام.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق