سمينار

التيارات الإسلامية بين الدعوة والدولة (ورقة عمل)

العدد 147

توطئة:

يعاني صاحب هذه السطور من مشكلتين في كتابة هذا الموضوع، الأولى أنه تربى في مدرسة التاريخ المصري التي تجعل كتابة الحدث تبدأ بعد سنوات من انتهائه، حرصًا على الموضوعية في العرض، ورغم ذلك فهو يجد مشكلة في هذه المنهجية، حيث يتعارض هذا مع الأساس المنهجي الذي يترصد الكتابات المعاصرة للأحداث لجمع تفاصيل الحدث، فكانت مصادرنا الأولى هي المخطوطات والروايات المعاصرة للوقائع، فهل من المنطقي غياب دور المؤرخ عن تسجيل الوقائع المعاصر لها؟ أم يجب أن يتجه لها راصدًا ومسجلاً لما يعايش من أحداث، المشكلة الثانية هي قدر من الاحترام المتبادل مع أصحاب الاتجاه الإسلامي، والخشية أن يتم توظيف هذه السطور لهم أو عليهم، ولكن في النهاية كتبت، وهي مشاهدات لباحث اختار أن يكون في موقع المراقب من بعيد، والله أسأل الإخلاص والسداد.

حول منهج هذه السطور:

قبل الخوض في موضوع هذه السطور، لابد من الإشارة لمنهجي الذي سأحاول أن ألتزم به، وهو:

أولا: أن التعرض لجماعة الإخوان المسلمين – والجماعات الأخرى القريبة منها في الأهداف- يحتاج لمنهج مختلف عن منهج يتعامل مع سائر التيارات الأخرى لأسباب سوف يرد بيانها في حينها.

ثانيا: سيكون التركيز على المقارنة بين المواقف الفكرية السابقة عن الثورة وبين الممارسة العملية أثناء مراحل الثورة الممتدة، أكثر من التوجه لتحليل البيانات السياسية والتصريحات الصحفية.

ثالثا: مناقشة التغير في عالم الأفكار والرؤى وليس المواقف السياسية المتغيرة، ومناقشة المواقف السياسية في ظل مرجعيتها الفكرية.

رابعا: سوف يقتصر الأمر على الرصد في كثير مما سوف يرد بيانه، لأن تحليل ما لم يكتمل ليس من المنهجية التي استطيع التفاعل معها، ولكن سوف يتم طرح الأسئلة التي تحتاج لتقصي فيما بعد زمن كتابة هذه السطور.

مقدمة:

قامت الثورات العربية مع نهاية عام 2010، ومازالت تشتعل بدرجات متفاوتة، ولا يمكن أن يدعي فصيل سياسي أنه كان صاحب الفضل فيها، ولكن بدون شك كان تراكم المظالم محركًا رئيسًا لها، وأبرز من وقع تحت وطأة هذه المظالم كان التيار الإسلامي، فكان طبيعيًا – من وجهة نظري- أن يكون في مقدمة من يتحرك ليشغل مكان الصدارة في عملية إعادة ترتيب الأوضاع بعد سقوط الأنظمة، ولكن هل التيار الإسلامي مترابط البنيان بحيث نستطيع التكلم عن كتلة واحدة، الجميع يتفق على أنه لم يكن يومًا كذلك، ومن ثم تعددت التصنيفات والتقسيمات، ولكن تحول المشهد السياسي جعل كثيرًا من هذه التصنيفات تحتاج لمراجعة، فالكل صار منتميًا للإسلام السياسي الإصلاحي، ومن ثم نحتاج لرؤية جديدة للتيار الإسلامي، ولكن يجب أولاً رصد المتغيرات على التقسيم التقليدي.

سمات عامة:

ما يجب أن يذكر قبل الخوض في أقسام التيار الإسلامي:

– أن قيادات كثير من التيارات الإسلامية تعلمت العلوم الشرعية بشكل شخصي، وفي الأغلب يحملون شهادات علمية تطبيقية مثل الهندسة أو الطب، وقليل منهم من كان صاحب دراسة نظرية (مثل السياسة أو الفلسفة أو التاريخ)- ونستثني في هذا تيار الإسلام الحضاري الذي سوف نتعرض له لاحقًا- وقليل من هذه القيادات من تعلم في أول أمره بجامعة إسلامية بشكل منهجي صحيح، ولكن بعضهم انتسب لمدارس أو كليات شرعية بعد تخرجه وارتباطه الفكري والحركي بالتيار الإسلامي، فكان تأثيرها الفكري عليه محدوداً، هذا بخلاف ما حصل عليه بعضهم من شهادات أثناء فترات السجون، وأغلبها كان في القانون.

– أن كثيرًا من القيادات التي تتصدر المشهد في التيارات الإسلامية تكونت وظهرت في فترة السبعينيات من القرن العشرين، التي عرفت نشاطًا للتيار الإسلامي في الجامعات ثم في النقابات المهنية، بخلاف نشاطها الواسع في المساجد، وترجع جذور التحول في الشارع المصري إلى عاملين: أولهما الهزيمة التي وقعت في العالم العربي عام 1967م، والتي انهار فيها المشروع القومي العربي بهزيمة رائده المعروف جمال عبد الناصر.

والعامل الثاني هو فتح المجال للتيار الإسلامي من جانب الرئيس السادات، وهذا في مواجهة التيارات الناصرية واليسارية في الحياة المصرية، وبشكل خاص بين طلاب الجامعات، ولهذا كانت النشأة متوازية لقادة الفصائل المختلفة للتيار الإسلامي، وجميعهم تواصلوا مع الرصيد التاريخي للتيار الإسلامي من جماعات سلفية ممثلة في جمعية أنصار السنة المحمدية، والجمعية الشرعية، ومع من خرج من السجون مثل جماعة شكري مصطفى التي اشتهرت باسم جماعة التكفير والهجرة، وجماعة الإخوان المسلمين.

– تواصل هذه القيادات مع بعضها البعض من خلال الاتحادات والأنشطة الطلابية بين الجامعات، ثم في فترة تالية داخل السجون من خلال عمليات الاعتقال، أو المحاكمات العسكرية لعدد غير قليل منهم في فترات متفاوتة.

– تواصل المجموعات الأولية للجماعة الإسلامية مع عدد من علماء الشريعة المنتمين فكريًا لمدرسة جماعة الإخوان المسلمين، مثل الشيخ محمد الغزالي، والدكتور عبد الصبور شاهين، وبعض من فروا من مصر في الفترة الناصرية مثل يوسف القرضاوي وسيد سابق، أو علماء الدول المجاورة من أصحاب الاتجاه السلفي مثل ناصر الدين الألباني، وعبد العزيز بن باز، وعبد الرحمن عبد الخالق، وأبو بكر الجزائري.

– مجمل ما سبق أخضع المجموعات الشبابية للتيار الإسلامي لمحاولات استقطاب من جانب كل تيار، في محاولة من جانب تلك التيارات لاستعادة حيويتها المفقودة، والتي كانت نتيجة الإبعاد القسري عن الجماهير خلال الفترة الناصرية.

– لم يكن الأمر قاصرًا على مصر فقط، بل سبقته أنشطة عديدة في البلاد العربية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، والتي قام بها من فروا من الأنظمة العربية بأفكارهم ودعوتهم الإسلامية، فتكونت تجمعات إسلامية للطلبة والوافدين في العديد من هذه الدول، وفي نفس الفترة شرعوا في التواصل والتنسيق فيما بينهم، فعقدوا عدد من المؤتمرات لمناقشة الرؤى والأفكار وتنسيق الأدوار، وكان أبرز هذه المؤتمرات مؤتمر لوجانو عام 1977م.

وأجد أن التيارات الإسلامية كانت تتوزع بحسب موقفها من السياسة والحكم القائم على النحو التالي:

– تيار الغضب والاحتجاج العنيف.

– تيار الاعتزال (الدعوة السلفية – الطرق الصوفية).

– تيار الإسلام الحضاري.

– المؤسسات الإسلامية الرسمية.

تيار الغضب والاحتجاج العنيف:

يتمثل هذا التيار في شكلين هما تنظيم الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، وقد كان التأسيس ومنطقة الانتشار الأولى في منطقة صعيد مصر، وهي منطقة يقل فيها الاحتكاك مع الأفكار الحديثة، وتتسم بقدر من الانغلاق، وتقل فيها عمليات التنمية الحضرية، وفي الجانب الاجتماعي يسود فيها المنطق القبلي والعائلي، وينتشر فيها السلاح لأسباب عديدة، منها حماية أنفسهم ومواشيهم من الذئاب واللصوص الساكنين في المنطقة الجبلية المتاخمة، هذا بخلاف عادات الثأر المتجذرة، ومن ثم يكاد لا يخلو بيت من سلاح.

وكل التنظيمات التي نشأت في هذه المنطقة لها أفكار تقوم على تغيير المنكر باليد، والمنكر الأكبر بطبيعة الحال- وفقًا لنظرتهم- هو الحكم بغير شرع الله، ومن ثم كانت المواجهة العنيفة مع المجتمع ثم ضد النظم القائمة.

ووفقًا لكثير من الروايات عن مرحلة التشكل الفكري لهذه الجماعات، أن القيادات تتبنى الموقف الحركي من القضية ثم يأتي التأصيل الشرعي، وهو ذات المنهج الذي تم في المراجعات الفكرية، فجاء فكرهم الجديد وفقًا للظرف المحيط، وهو السجون والتعذيب والقتل المنهجي، فكان تحولهم الفكري لطرف النقيض، إذ تحولت من وجوب الخروج على الحاكم الظالم، إلى حرمة الخروج عليه، أو التعاون من أجل إسقاطه، وتحولت من الآراء الفقهية الموجبة للخروج إلى الآراء المناقضة لها، وهو أمر نستطيع استيعابه في ظل الصفقة الوحيدة المتاحة لإخراج آلاف الشباب من غياهب السجون، وكانت لهم مواقف مترددة تجاه الثورة، ولكن يمكن فهم ذلك في ظل خضوعهم لضغوط أمنية، ولكنهم أثبتوا صدق تحولهم عن العنف مع سقوط نظام مبارك في مصر، رغم حدوث مداولات ساخنة داخل الجماعتين، ولكنها حسمت لصالح نبذ العنف، ولكن المتابعة لأدبياتهم قبل وبعد نبذ العنف لا نجد إجابة عن تساؤل أساسي ومنطقي، وهو: ما تصورهم للأوضاع إذا ما نجحوا أو نجح التيار الإسلامي في الوصول للحكم؟ ما هو تصورهم أو موقفهم من مؤسسات الدولة القائمة وفقًا لمنظومة الدولة القومية؟ أو ما هي المؤسسات اللازمة للدولة الإسلامية المنشودة؟

لا نجد في أدبياتهم وكتاباتهم إلا إشارات لتصور تراثي لا أرضية له في الواقع المحيط، ومع ذلك نجد أنهم شرعوا في خوض السياسة بعد الثورة، وصار لهم ممثلوهم في مجلس النواب، وأحزاب حاضرة في المشهد السياسي، وموقف أغلب قيادات هذا التيار من التيار السلفي أنه مخترق أمنيًا، ويتم توظيفه بأشكال مختلفة ولكن ما يثير التساؤل أيضًا هو لماذا انفصالهم عن التيار الإسلامي الإصلاحي المتمثل في جماعة الإخوان؟ وما هو الفارق الفكري الجوهري بينهم وبين جماعة الإخوان، في ظل خيارهم المتمثل في التراجع عن العنف، والنـزول لساحة الممارسة السياسية المصرية من أجل الإصلاح، بل والتصريحات المتكررة من أجل طمأنة سواء النخبة الثقافية العلمانية أو المجتمع بشكل عام حول بعض المسائل المثارة مثل تطبيق الشريعة والحريات العامة وغير ذلك، وما نجده في ما اتجهوا إليه من ترشيح مرشح آخر غير مرشح الإخوان للرئاسة لكي لا تستأثر جماعة الإخوان بكل مؤسسات الدولة، فلماذا النظر لتيار إسلامي متقارب في الفكر والمرجعية على أنه آخر…..؟!!

تيار الاعتزال:

ينقسم هذا التيار إلى شكلين بينهما عداء قديم، وهما التيار السلفي، والتيار الصوفي، والتيار السلفي لم ينتظم في شكل تنظيمي في مراحله الأولى، ولكن له جمعيات قديمة، مثل جمعية أنصار السنة والجمعية الشرعية، ودعاة مستقلون، والدعاة المستقلون هم الأعلى صوتًا، والأكثر أتباعًا، ومشكلة هذا التيار أن كل داعية فيه يعتبر شيخًا، والسمت عندهم أن الصغار يوقرون ويتبعون المشايخ أولي العلم، وأكثر هؤلاء تعلموا علمهم الشرعي بشكل اجتهادي شخصي، ولم يكونوا من خريجي الكليات الشرعية، وقد قسمتهم عدد من الدراسات إلى:

– التيار الأكاديمي ومركز قوته بالإسكندرية، ونرجع تسميته بالأكاديمي على الأرجح بسبب تأسيسه ما يعرف باسم المدرسة السلفية، وهي ذات منهج مقنن، ويقوم مشايخه بالتدريس فيها، وعلى رأس هذه المدرسة اليوم محمد عبد الفتاح ويعرف بلقب أبو إدريس، وبجواره كل من ياسر برهامي ومحمد إسماعيل وسعيد عبد العظيم.

– التيار الحركي ومركز قوته القاهرة وعلى رأسه الشيخ محمد عبد المقصود والشيخ فوزي السعيد والشيخ نشأت أحمد.

وهذان الفصيلان لا يختلفان في المنهج، ولا يوجد عداء بينهما، وهما على صلة وثيقة بكل التيارات الإسلامية، كما لهما تواصل جيد مع الجمعيات السالفة الذكر، ولهما تحليل سياسي ورؤية لكل ما يجري، لكنهما يقصران هذا على مجالسهما الخاصة فيما قبل الثورة، ويتعاهدان على كتمان ما تم التصريح به، كما أن لهما اتصال وثيق بالأجهزة الأمنية.

– التيار المدخلي، وهم أتباع الشيخ ربيع بن هادي المدخلي بجنوب المملكة العربية السعودية، وتأثر بهم بعض دعاة السلفية المصرية، وصار من رموزه الشيخ محمد سعيد رسلان والشيخ أسامة القوصي والشيخ محمود عامر، وليس لهم مكان قوة محدد، ولكن مساجدهم هي قبلة التابعين لهم، ومن أشهرها المسجد الشرقي بقرية سبك الأحد بأشمون محافظة المنوفية.

وهذا الفصيل في حالة عداء مع كل التيارات سواء السلفية أو غيرها، ويحرم الخروج على الدولة، أو الاعتراض على أي مؤسساتها أو رموزها، بل واعتبر بعضهم رئيس الدولة (مبارك) أمير المؤمنين.

– السلفية الجهادية، هم فصيل من السلفية الأكاديمية، اختار أن يقوم بعمل تنظيم على شاكلة التنظيمات الإسلامية الأخرى، وهو حالة وسط بين السلفية والفكر الجهادي، لا أعرف له قيادات مسماة، ولكنه يعمل بشكل سري منذ وسط التسعينيات، استطاعت الأجهزة الأمنية أن ترصده وتفككه، ولكنه استطاع تنظيم نفسه من جديد منذ عدة سنوات، وهو قريب من أفكار تنظيم القاعدة، لكنه لا يرى الانتقال للحالة الجهادية العسكرية في الوقت الراهن، ويظهر اسم في بعض وسائل الإعلام يدعي لنفسه قيادة أو متحدثًا باسم هذا الاتجاه، ولا أظن أن له وزنًا حقيقيًا داخل هذا التيار.

هذا بخلاف عدد من دعاة السلفية المنتشرين في محطات فضائية بعينها، مثل قناة الحافظ وقناة الحكمة وقناة الرحمة، بالإضافة لقناة الناس الشهيرة، وكذلك لهم انتشار في مساجد معروفة في كثير من الأقاليم.

ليست هذه السطور محل شرح لمنهج هذه الاتجاهات، ولكن يجب رصد بعض المواصفات، مثل اهتمام هذا التيار بعلم الحديث ومصطلحه والفقه وعلم الكلام والعقيدة الإسلامية، وكذلك الأمور الوعظية من ذكر للآخرة والموت، وقليلاً ما نجدهم يتجهون لتفسير القرآن، ونادرًا ما يتحدثون في علم أصول الفقه، فضلاً عن علم مقاصد الشريعة، فنجد أكثر بحوثهم تتجه لأمور جزئية، ويتحصنون وراء عقيدة الولاء و البراء في كل ما يتعلق بالأفكار أو النظم الغربية، وقد اختار هذا التيار اعتزال العمل السياسي، بل أدان كل مشارك فيه من التيارات الإسلامية، ووصل ببعضهم وصف المشاركة في الانتخابات والترشح لمجالس تشريعية من الأعمال الكفرية، وهذا هو الباب الذي استطاعت الأجهزة الأمنية استغلالهم فيه، فضلاً عن موقفهم المعلن من تحريم المشاركة في المظاهرات أو الاعتصامات الشعبية، هذا إضافة إلى تبنيهم الموقف الفقهي الرافض للخروج على الحاكم، هذا برغم حكم سائر فصائله- باستثناء المدخلي – بكفره لعدم تطبيق الشريعة.

ولكن ماذا حدث لهذه الفصائل بعد الثورة، ظل الفصيل المدخلي على حاله، يرفض الخروج على نظام حكم مبارك، ولكن التساؤل ما موقفه إذا وصل فصيل إسلامي مختلف معه إلى سدة الحكم، هل سيحافظ على موقفه الفقهي بحرمة الخروج على الحاكم أو الاعتراض عليه؟!، أما الفصيل الرابع فهو يعيش أزمة حول الدور الذي يجب عليه أن يلعبه في الأحداث الجارية، وفي الأغلب هم يعيشون حالة مراجعة، ولكن الخوف أن يتحول لحالة صدامية إذا لم تسر حالة الحرية والديمقراطية في مصر في مسارها المرتجى (وما يثار عن نشاط مسلح داخل سيناء لهذا التيار، لا يخرج عن حالة ارتباك أمني من رصيد القمع للقبائل في عهد مبارك، بالإضافة لعملية ردم الأنفاق التي كانت عملاً مزدهرًا لكثير من المهربين في الفترة السابقة ويجري تجفيفها حاليًا)، أما الدعاة المستقلون، أو الهيئة الشرعية التي أسسها بعض منهم بالتعاون مع بعض التيارات الأخرى، فهم في حالة تخبط منذ الأيام الأولى للثورة، فلا يكادون يصلون لرأي ويدعون الناس إليه حتى تأتي المستجدات بما يثبت لهم أن رأيهم لم يكن محل الصواب، فزادوا المشهد السلفي والإسلامي إرباكًا وتشتتًا.

ولكن الأمر جد مختلف بالنسبة للتيار الأول والثاني، فقد اختارا النـزول للساحة السياسية، وهنا يجب أن نرصد الاختلاف الذي جاء به هذا الموقف:

– الإقرار بمنظومة النظام السياسي القائم من أحزاب ومجالس تشريعية وغير ذلك.

– قبول الترشح للمجالس التي تعمل في نطاق التشريع، بما يعني قبول عرض الأحكام الشرعية على هذه المجالس، رغم أن هذا يجعلها في نطاق القبول والرد، فتكون إرادة الأمة هي المسوغ النهائي لتطبيق الحكم الشرعي أو عدمه.

– قبول تزكية النفس في مواجهة إسلامي آخر يرشح نفسه.

– قبول تولي المرأة للولاية العامة التي تمارسها هذه المجالس بترشيح عدد من النساء على قوائم الأحزاب السلفية.

– قبول خروج وظهور المرأة في الإعلام والمؤتمرات لمناقشة أمور الأمة.

– قبول خروج المرأة للدعاية الانتخابية للمرشحين والانتخاب.

– قبول ظهور الصور الشخصية للمرشحين في الدعاية الانتخابية، وظهور صورة إحدى المرشحات في منطقة القناة.

– حذف ألقاب “الشيخ” و”الأخ” و”الحاج” من أسماء المرشحين.

– ارتداء الأزياء الغربية من جانب أغلب المرشحين، وتهذيب بعضهم اللحى.

– قبول الخروج في مظاهرات.

ولم نجد أدبيات تناقش هذه الأمور قبل حدوثها، بل جاء أغلب ما صدر مواكبًا للحركة في الشارع السياسي، ولم نجد كتابات تناقش مصداقية الخضوع لكل المنظومة الغربية في الجانب السياسي وفقًا لعقيدة الولاء والبراء، وهي التي تحصنت وراءها سنوات طويلة.

على جانب آخر تظهر أسئلة من نوع جديد، مثلاً إذا ما وصلوا إلى السلطة ما موقفهم من الحريات العامة، وقضايا المرأة، والفن بكل أشكاله، والمواطنة الكاملة للمسيحيين، وهل ستتحول مواقفهم الفقهية في قضايا أخلاقية وأخرى خلافية إلى قوانين ملزمة لسائر الشعب، هذه بعض الأمور التي لم يتعرضوا لها من قبل في ظل حالة الانعزال التي عاشوها طويلاً.

بل يمكن أن نطرح أسئلة معاكسة لموقفهم القديم، ونعني أن موقفهم القديم في حرمة الخروج على الحاكم، فكيف سيكون تعاملهم مع الخروج على الحاكم متى كانوا هم في الحكم، وما موقفهم من المؤسسة العسكرية التي حكمت البلاد في الفترة السابقة، في ظل فقه أصحاب الشوكة (أي السلاح)، ومكانهم في منظومة أهل الحل والعقد، هذا في ظل المطالبة بدولة مدنية.

هذه الأسئلة، والخلل الذي دب في مواقفهم الفقهية التقليدية، يدفع للتساؤل ما الذي دفع بهم للنـزول إلى الساحة السياسية؟

يدور حديث بين بعض المقربين منهم حول خوفهم من وصول الإخوان للسلطة فيكونوا معوقين أو مقيدين لحركتهم الدعوية، فأرادت قياداتهم حماية الدعوة السلفية بوجود عناصر منها في السلطة السياسية، وإذا صح هذا السبب فهذا يعني أن ثقتهم كانت في نظام مبارك الذي اعتزلوا العمل السياسي فيه أكبر من ثقتهم في جماعة الإخوان التي تقول الشواهد أنهم في طريقهم لقمة السلطة.

والسبب الثاني هو المشاركة في حماية الهوية الإسلامية للشعب المصري، في مواجهة الاتجاه العلماني، والسؤال متى كانت الدساتير أو القوانين تحمي أو تغير هوية الأمة، والجمهوريات الإسلامية الروسية وتركيا خير مثال، وتظل التساؤلات قائمة… لماذا اختاروا النـزول للساحة السياسية؟ وما هي رؤيتهم للمستقبل؟

التيار الثاني هو التيار الصوفي، وهو لا يحتاج كثير شرح، فالصوفية اختاروا من بدء تاريخهم مع الدولة المصرية الحديثة أن يبتعدوا عن المشاركة السياسية، وصلاتهم بالأمن معروفة ومستقرة، ولكن في زحمة الأحداث، ونـزول الجميع لساحة العمل السياسي، اجتمعوا على قرار المشاركة، وأسسوا بالفعل حزبًا سياسيًا، ثم اختلفوا فيما بعد ذلك على ماذا يفعلون، ومن صاحب القرار في الحزب، وهل ينافسون الآخرين على السلطة السياسية، ومخالفة الأصل الذي اشتهروا به من البعد عن الصراعات السياسية، هذا بخلاف وقوعهم فريسة الصراعات الداخلية على مناصب مشيخة الطرق الصوفية ونقابة الأشراف، ولم يلتحقوا بأي من التيارات الإسلامية التي شاركت في الحياة السياسية، ويتجه ظني أن هذا التيار جرى تفجيره من الداخل بمعرفة الأجهزة الأمنية، لأن هذا التيار له من الثقل ما ليس لغيره، إذ تصل بعض التقديرات بعددهم بين سبعة إلى عشرة ملايين منتظم في صفوف الطرق المختلفة، وأتباعه يدينون بولاء مطلق لشيخ الطريقة، مما يجعلهم قوة لا يستهان بها عند الحراك في المجال السياسي، وهو ما لا يمكن مواجهته، ومن ثم يتم السيطرة بالشكل التقليدي وهو نشر الخلاف بين الطرق على المكاسب والمناصب، هذا بخلاف العداء التاريخي مع التيار السلفي، والذي يتم تفجيره في أوقات محسوبة في أحيان، وغير محسوبة في أحيان أخرى، ولكن يظل هذا التيار كالاحتياطي الاستراتيجي الذي ينتظر من يستطيع التعامل معه، أو مع قطاع كبير منه، وتفعيل قدراته في المجتمع.

وبعد:

عند هذا الحد نستطيع أن نعيد تقسيم التيار الإسلامي بشكل مختلف، باستثناء كل من جماعة الإخوان المسلمين والطرق الصوفية، إذ يمكن تقسم التيارات السالفة الذكر بالشكل الآتي:

– بشكل عام يجتمع كل من التيارات السابقة على أنها تنتهج المنهج السلفي، لكن هذا التيار أو أصحاب هذا النهج ينقسمون إلى:

* تيار يشارك في الحياة السياسية بشكل فاعل وهو في هذا يسير وفق النظام الحزبي الديمقراطي الغربي، وهو يتحرك وفق مقتضيات الأحداث ثم يبحث بعد ذلك عن غطاء شرعي لتحركه.

* تيار يراقب ويشارك بالرأي، دون مشاركة فاعلة، وهم يمثلون العقل الفقهي للتيار، ويقومون بتقديم الغطاء الفقهي اللازم عند الحاجة.

* تيار معارض للتورط في أفعال لم يتم حل مشاكلها الفقهية بعد، ولكنه مؤيد بشكل عام للوقوف أمام محاولات التيار العلماني في السيطرة على مقدرات توجيه المجتمع.

بشكل عام تتجه هذه التيارات إلى منهج التفكير السلفي، وهو منهج يقوم على أساس ثنائيات ذات صبغة شرعية، بمعنى النظر في الأمور على أنها إما فعل حرام أو فعل حلال أو مباح، وفقا للتقسيم الفقهي، وفعل كفري وفعل إيماني إسلامي، وفقًا لعقيدة الولاء والبراء، وهذا ملائم لمنهج الاعتزال أو الصراع مع السلطة، بمعنى آخر أن هذا ملائم لموقف البعيد عن ممارسة صناعة القرار، أو المشاركة في الحياة العامة للأمة، ولكنها منهجية تفكير لا تصلح للممارسة السياسية، أو لإدارة أمور دولة، إذ يتحرك الفعل السياسي بين مستويات ثلاثة شهيرة وهي: فعل أمثل، وفعل ممكن، وفعل متاح، وبين هذه الثلاثية يكون ما هو مناسب وملائم وما هو غير ملائم، أو فعل مقبول وفعل مرفوض شعبيًا، وقرارات تصنع بحسابات قدرة الدولة، وأخرى بحسابات القوى الخارجية وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، وغير ذلك مما يحتاج للمعرفة أولاً، ثم التدريب العقلي والنفسي على ممارسته، هذا بخلاف مقاومة إغراءات عديدة لم تكن يومًا ضمن برامج التزكية عندهم والتي يمكن أن تعزز قدرات المقاومة لها.

ومن ثم فهذا التيار بأسمائه المختلفة مدعو لإعادة النظر في أفكاره وتكويناته الحركية، كما هو مدعو لمراجعة توافق ممارساته مع أفكاره، ووضع تصور واضح لآليات صناعة القرار، وإيضاح المسافة عند قادته بين القرار السياسي وبين الفتوى والرأي الفقهي.

في نهاية الحديث عن هذه الجماعات… فإن هذه السطور تأتي وسط أحداث سريعة التغير، ولكن تبادر لذهني سؤال في النهاية، خاصة إذا عرفنا أن كل جماعة صار لها حزبًا، ولكن الجماعات مازالت باقية، والسؤال هو: إذا وصل التيار الإسلامي للحكم، والذي سوف يحقق من خلاله مبادئه، خاصة أن كافة هذه التيارات والجماعات بمثابة رد فعل على سقوط الحكم الإسلامي وعدم تطبيق الشريعة، وغياب حق الإسلاميين في الممارسة السياسية، هل تستمر الجماعات بعد ذلك؟ وما مبرر بقائها؟

تيار الإسلام الحضاري:

مع هذا التيار سوف يتغير المنهج لحالة رصد وتأريخ له، وهذا لغياب أي دراسة حوله، وأزعم أن كاتب هذه السطور يضع أول سطور في هذا الاتجاه، وهو ما أرجو أن يكون موضوع دراسة مستقلة حول مقولات وأدبيات ورموز هذا التيار وتطوره.

هذا التيار يتشكل منذ أكثر من نصف قرن ويمكن أن تجد له جذورًا في كتابات رواد التجديد مثل محمد عبده، كما نجد بذور الكتابات عن الحضارة الإسلامية مع أحمد زكي باشا في محاضراته في الجامعة المصرية، والتي صارت كتابًا يحمل نفس الاسم، وكذلك في كتابات عدد من المفكرين ورواد الحركات الإسلامية، فنجد كتاب عبد الرحمن عزام “الرسالة الخالدة” يأخذ هذا المنحى، وكذلك ما وضعه حسن البنا كهدف من أهداف الجماعة أطلق عليه “أستاذية العالم” والذي يعني به إعادة الإسلام للعالم كحضارة تجمع البعد الروحي والأخلاقي إلى جانب البعد المادي، وتكون محل إرشاد وتوجيه للبشرية على النحو الذي كانت عليه من قرون خلت، كما نجد ذلك في كتابات عدد من المفكرين والباحثين في فترة لاحقة مثل كتابات مالك بن نبي ومحمد الغزالي وغيرهم، وفي نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات تصل ترجمات لكتب أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي للمشرق العربي، واطلع عليها نفر من الجامعيين في جماعة الإخوان المسلمين، وقاموا بدراسة منهجية ذات بعد مختلف عن الدراسة التقليدية داخل الجماعة، وكانت هذه المجموعة موزعة بين الجهاز السري للجماعة والتنظيم الطلابي العام، واستطاع أحدهم (وهو عبد الحليم أبو شقة) أن يتواصل مع المرشد العام حول هذه المجموعة، فأقنع المرشد بضرورة فصل هذه المجموعة عن السياق العام وصنع كيان خاص بها، واستطاع المرشد أن يتفاهم مع قائد التنظيم السري (عبد الرحمن السندي) على تحويلهم لقسم الطلبة، ثم تم التفاهم مع رئيس قسم الطلبة على فصل هؤلاء عن التورط في الأنشطة التقليدية، وتشكلت المجموعة التي صار لها مجموعة قيادة على رأسها عبد الحليم أبو شقة، وتحت إشراف المرشد نفسه، ووصل عدد هذه المجموعة لحوالي سبعين اسمًا، منهم جمال الدين عطية ومحيي الدين عطية، وعز الدين إبراهيم وصلاح عبد المتعال وأحمد كمال أبو المجد وغيرهم، وهي المجموعة التي عرفت بين الإخوان وقتها باسم جماعة الشباب المسلم (كان هذا اسم مكتبة ملك لأحدهم وكانوا أحيانًا يجتمعون بها)، ودخل مجموعة من هؤلاء إلى المعتقلات في اعتقالات الإخوان في نهاية الأربعينيات، واجتمعوا في أحد عنابر سجن مصر، وشرعوا في مناقشات كثيرة حول الجماعة وهل هي جماعة المسلمين أو جماعة من المسلمين، وأطلق عليهم أحد زملائهم (وائل شاهين) عنبر الفلاسفة، وخرجت هذه المجموعة، واستمرت المدارسات، ووصلت بعض أسئلتهم للمرشد الجديد المستشار حسن الهضيبي، فنشر ردود على هذه الأسئلة في مجلة المسلمون التي كانت تصدر في هذا الوقت، ونشرت هذه الإجابات في كتاب تحت اسم “7 أسئلة في العقيدة والإجابة عليها”، ثم جاءت عواصف الثورة، بين تحديات داخلية وصراعات مع الثورة، أدت في النهاية لتفرق هذه المجموعة بين مجموعة في السجون ومحنتها المعروفة، وبين مجموعة هاربة خارج البلاد في أقطار مختلفة، وبدأ كل منهم يستكمل فكره الخاص بحسب ما سمحت له ظروفه، في هذه الفترة ظهرت كتابات مالك بن نبي، وأسس لفكرة النهضة على أسس ومرجعية إسلامية، ومعها ظهرت كتابات سيد قطب التي تؤسس لفكرة تميز الحياة الإسلامية عن الحياة وفق منظومات الحداثة الغربية (والتي أعدم بسببها سيد قطب في مصر)، ومعها كتابات أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي، وانتشرت الكتابات التي تؤسس لمنظومة فكر مختلفة، عن طريق تعاون وثيق بين بعض أفراد مجموعة الشباب المسلم ووزارات الأوقاف في بعض الدول الخليجية، وكان من ثمرة هذا التعاون أن شرعت في طبع هذه الكتابات الإسلامية وتم التوزيع (مجانًا) لهذه الكتابات على كافة المراكز الإسلامية في العالم، ولكن شرع كل صاحب اتجاه يوظف بعض هذه الكتابات بما يخدم فكره، فكان ما اشتهر من توظيف لكتابات المودودي وسيد قطب في جماعات ذات فكر خاص، وهي التي تعددت أسماؤها مثل جماعة التكفير، أو جماعة القطبيين أو غيرهم، ولكن ظل اتجاه الإسلام الحضاري ينمو ببطء، ويسعى بعض جماعة الشباب المسلم وما أضيف لهم من روافد جديدة لاستعادة نشاطهم وتنظيم مجتمع فكري يجمعهم، وظلت هذه المجموعة تبحث عن شكل رسمي للظهور، واستغرق هذا حوالي عشر سنوات، وتعددت المؤتمرات الدولية بين هذه المجموعة وروافدها الجديدة في عدد من البلدان، حتى عقد مؤتمر لوجانو في عام 1977م، وفيه تم التواصل بين عدد من رموز هذا التيار من دول عديدة، وتحول الأمر لقرارات بتشكيل مؤسسات فكرية، وسبقه بعام نجاح مجموعة من المفكرين في تأسيس أول مجلة تعكس هذا الفكر، وهي مؤسسة مجلة المسلم المعاصر، ونتج عن المؤتمر قرار بتأسيس الأكاديمية الدولية للبحوث الإسلامية، والتي تطورت فكرتها لتظهر بشكل المعهد العالمي للفكر الإسلامي في عام 1981، ثم حاولوا تطوير الأمر وفق رؤية جديدة صدرت في كتيب قام عليه عبد الحليم أبو شقة، ونشر تحت اسم “نحو تيار إسلامي جديد”، والذي لم يحظ بفرصته في ظل حالة الاحتقان السياسي والصدام بين التيار الإسلامي والسلطة في مصر، ثم تطور في شكل مراكز بحثية، وانضم له عدد من الباحثين في مجالات مختلفة، وهم نخبة فكرية لها توجه فكري متقارب، تدور رؤيتهم حول الإسلام الحضاري وتفعيل المقاصد الشرعية في بناء المنظور الإسلامي للحياة المعاصرة، من أعلامه المعروفين الآن فهمي هويدي والمستشار طارق البشري ومحمد سليم العوا وغيرهم كثير، انضمت لهم مجموعة من أساتذة العلوم السياسية مثل سيف عبد الفتاح ونادية مصطفى وهبة رؤوف عزت، وفي مجموعهم لهم اهتمام بقضايا
الأمة بمختلف مستوياتها، ولكن ليس لهم تنظيم يجمع جهودهم الفكرية ويحولها لبرامج عمل للتيارات الإسلامية الحركية، فظلت كتاباتهم محل تداول في دوائر النخبة، رغم أن بعض كتابهم من أمثال طارق البشري نادوا صراحة بالعصيان المدني، والوقوف أمام حالة الفساد السياسي منذ عام 2006م.

ولكن بعد الثورة اجتهدوا في النـزول لساحة الفعل السياسي، وتواصلوا مع مختلف اتجاهات الحركة السياسية، وبشكل خاص مع التيارات الإسلامية، وتحولت أشخاصهم ومراكزهم لدور الاستشاري لكثير من الدوائر الفاعلة بعد الثورة، وحاولوا أن يكون موقفهم متوازنًا بين التيارات، لكنهم أثناء هذه الممارسة:

-ارتضوا بمستويات مختلفة من التعاون مع المجلس العسكري الحاكم بعد مبارك، رغم إدراكهم أن التجربة التاريخية سواء المصرية أو العربية في اعتلاء الجيش للسلطة السياسية لم تكن لصالح الأوطان، وكان الخلط بين احترام الجيش كقوة حماية للثورة، وبين الإذعان لتوليه السلطة السياسية في البلاد، ونستطيع تفهم محاولتهم رسم خريطة طريق لإخراج الجيش عن قمة السلطة مع الاحتفاظ بتواجد متوازن داخل المنظومة الكلية للحكم، ولكن رغم ذلك استطاع المجلس العسكري (كحاكم سياسي للبلاد) أن يستتر وراء القوى الإسلامية التي اندفعت للساحة السياسية، وكذلك وراء الرموز الفكرية الإسلامية من هذا التيار الذي يحظى باحترام عند كافة الجماعات الإسلامية بشكل خاص وعلى المستوى الوطني العام، كمستشارين ولجان خبراء مصاحبة في المسار السياسي، وهذا لاكتساب مصداقية لدى قطاع كبير من الشارع السياسي والإسلامي، ليفعل هو بعد ذلك ما يريد.

والسؤال الذي يجب طرحه، هل كان الأجدى الابتعاد… أم ما قاموا به من محاولات كان هو الأصوب؟ وما هي النتائج التي تحققت على الأرض من هذه المحاولات؟ هذا يحتاج لزمن للإجابة عليه.

-لم تكن لديهم ذخيرة من الأعمال الفكرية القابلة للتفعيل، والتي كانت التيارات الإسلامية بمجملها في حاجة ماسة لها، ولم يكن لدى هذا التيار القدرة على رسم الخطوط المستقبلية المحتملة في ظل المتغيرات المفاجئة التي كانت تصنع أحداثًا جديدة كل يوم، فلم تكن الثورة واردة على أجندة البحث لديهم، ولا لدى سواهم، ولكن ماذا عن النقاش لمسألة الخروج على الحاكم المستقرة في فكر الجماعات سواء قبولاً أو تحريمًا، وماذا عن البناء السياسي الإسلامي المعاصر، ماذا عن المؤسسات الفاعلة في المجتمع المدني، ماذا عن أجندة التشريعات اللازمة للثورة.

ويتكرر السؤال، هل قامت بينهم محاولات للقيام بهذه المهمة أم لا؟، وما مدى اتساع هذه المحاولات وجدواها؟ هذا أيضًا يحتاج لمعلومات من داخل مؤسسات هذا التيار، والتي هي غير متوفرة لكاتب هذه السطور، كما أن الإجابة تحتاج لزمن كاف للحكم على الجدوى.

– أن هذا التيار لم يستطع أن ينظم صفوفه ويحدد أجندته وفق رؤيته لما تحتاجه الأمة لإحداث النهضة، والعوامل اللازمة للتحول للمسار المحقق لهذه النهضة، وأن يسارع في عمل ورش عمل خاصة برسم الخطط المصلحة لأحوال الأمة وفق رؤية كلية للنهضة،وأن يشرع في تسويق هذه الأجندة عند التيارات الإسلامية المنخرطة في الفعل السياسي بشكل خاص، وبين القوى السياسية الوطنية والثورية بشكل عام، وانشغل بعض أفراده بترشيح ذاته لمناصب، وانشغل بعضه بالعمل كمستشارين للتنفيذيين في الدولة بما أغرقهم في المشاكل اليومية للمجتمع، وغاب بعضهم عن الصورة بالكلية، إذ استشعر إهمالاً ممن تصدروا المشهد من بعض أفراده، فآثروا الانسحاب.

قد يكون لدى هذا التيار اجتهادات عبقرية في عدد من المجالات، وهذا بالفعل ما أعلمه علم اليقين، مثل مبحث المستشار طارق البشري حول مؤسسات الدولة السياسية التي تتصالح مع المنظور الفقهي حول شخص الرئيس ليكون مسلمًا أو مسيحيًا، رجلاً أو امرأة، ولكن مع الأسف لم ينجح أن يقنع التيار الإسلامي بأن يتبنى اجتهاداته، سواء قبل أو بعد الثورة.

وأظن أن هذا التيار مدعو لتنظيم صفوفه من جديد، والتجاوز عن بعض الحرج النفسي في صدور بعضهم، والوقوف على مسافة من الفعل السياسي، ليشكل في مجموعه الكلي عقلاً ومرجعًا للتيار الحركي الإسلامي، وأن يوجد خطوط تفعيل لأفكاره في مستويات الحركة داخل وخارج الساحة السياسية، وأن يعمل على تكوين مؤسسات مختلفة تكون بمثابة مرجعية فكرية للأمة، وصناعة الاجتهاد المعاصر، فمشروعات النهضة لا يصنعها التيار الحركي، ولكن يحمل التيار الحركي أسئلته، وتعمل المنهجية والعقلية الاجتهادية على إبداع الإجابات المناسبة ذات العمق الشرعي والمستفادة من التجربة البشرية، والمناسبة لقدرات هيئات التنفيذ المتاحة.

المؤسسات الإسلامية الرسمية:

هي الأزهر الجامع والجامعة، ومؤسسة الفتوى، ومجمع البحوث الإسلامية، والمؤسسات الثلاثة كانت تخضع للدولة بشكل مباشر في كل مقدراتها، وتصبغ الشكل الشرعي متى احتاجت الدولة لغطاء شرعي لشأن ما، وفي عهد شيخ الأزهر السابق تدهورت مكانة الأزهر بشكل كبير، وكان الفراغ الناشئ عن تراجع دور هذه المؤسسات يتم شغله بالدعاة الجدد، الذين تعددت مستويات خطاباتهم بين عمرو خالد والحويني، وتم تغييب العمامة الأزهرية، ولكن اجتهد كل من الشيخ الجديد للأزهر والمفتي في تطوير مؤسساتهم، ومحاولة إعادة بناء هذه المؤسسات لاستعادة الدور المنوط بها دينيًا ودنيويًا، وهذا بحسب المساحة المتاحة لهم قبل الثورة، وعندما بدأت الثورة كانت لا تزال تحت سلطان الدولة، ومن ثم لم يكن ينتظر أحد أن تثور مع الثوار، ومن ثم كان موقفها متراوحًا بين إدانة الثورة والثوار (نموذج دار الإفتاء)، والدعوة إلى التفاهم والحوار بين الدولة وشباب الثورة (نموذج مشيخة الأزهر)، ولكن بعد نجاح الثورة تمايزت المواقف، فظلت مؤسسة الإفتاء محافظة على ولائها للنظام والدولة التي سقطت رموزها، بينما خرج شيخ الأزهر ليقرر أنهم شاركوا في منظومة الدولة الفاسدة، وشرع في التعاون مع التيارات الإسلامية كمرجعية إسلامية، وسارع ليفوز باستقلاله بقانون جديد، ويصدر وثيقة جامعة للدولة الجديدة، عرفت باسم وثيقة الأزهر، والتي توافقت عليها كافة التيارات والقوى السياسية.

ولكن هل سيستطيع الأزهر أن يستعيد دوره الوطني والعالمي كمرجعية إسلامية؟ وهذه العقول والنفوس التي تربت داخل محاضن التطويع والتوظيف لحساب الدولة، هل ستتحول إلى نفوس تساند الشعب في مواجهة تسلط الدولة، وتقود المظلومين في مواجهة الظالم المستبد؟ هل ستسترجع الدور العلمي المفقود منذ أكثر من نصف قرن وتقنع طالب العلم الشرعي أن يترك المدرسة السلفية، ومناهج التربية الإخوانية، ليتحلق حول مشايخ الأزهر مرة أخرى؟

أجد أن الأزهر صار مرجعية عالمية بموطن قوته الأصيل وهو القوة العلمية، وبه صار مرجعًا عالميًا في عرض الوجه الشرعي في كافة ما يعرض عليه، ومصدرًا أصيلاً لعلماء الإسلام، ولكن ضعف نتاجه العلمي من البشر ومن المؤلفات، فتح المجال أمام مدعي العلم، واستباح الصغار الكلام في المسائل الكبار لغياب أهلها، والآن هل يتجه اهتمام الأزهر لاستعادة هذه الهيبة العلمية، ويستعيد لعلمائه مصداقيتهم؟ أم سيقتصر على ممارسة الدور السياسي، وينادي بمرجعيته الدستورية في ظل غياب هيبته العلمية، وهو الدور الذي سوف يتحول لدور شرفي إذا استمر غيابه العلمي…….. هذه معركة داخل الأزهر وليست خارجه.

التيار الإصلاحي:

مع هذا التيار أيضًا لابد أن يختلف منهج المعالجة، فهو التيار صاحب الأرضية الأوسع بين التيارات الإسلامية، ومن ثم سيكون الرصد، ومعه مناقشة بين القوة التنظيمية والقدرة على المبادرة وطرح التصورات البديلة.

تناول صاحب هذه السطور جماعة الإخوان المسلمين في الفترة من 1928 إلى 1954م بالدراسة في رسالته للماجستير– التي أجيزت بتقدير ممتاز من جانب لجنة المناقشة- وتناول بالبحث والمناقشة من خلال فصول هذه الرسالة نشأة جماعة الإخوان المسلمين وتطورها، وبناءها الفكري والتصورات النابعة منه في المجالات المختلفة، والأهداف التي جاهدت لتصل إليها وخطتها في محاولة تغيير الواقع لتحقيق آمالهم وأحلامهم تحت الشعار الذي وضعه مؤسسها بقوله: “إن حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد”، وفي هذا السبيل حاولت الجماعة أن تربي رجالاً يكون كل واحد منهم “يوسف هذه الأحلام”، أو أن يكون محققًا الشعار القائل “إن الرجل الواحد باستطاعته أن يبني أمة متى صحت عزيمته”، وقد انتهى البحث إلى نتيجة مفادها أن الجماعة فكرًا وحركة تصب فيما يمكن أن نطلق عليه “المشروع البديل”، مشروع ينسجون خيوطه من قواعد الإسلام الكلية دون التورط في اختلافات السابقين واجتهاداتهم المرتبطة بعصورهم، ومن تجارب الأمم السابقة والمعاصرة، إسلامية أو غير إسلامية، متى كانت متوافقة مع قواعد الشريعة ومقاصدها، أما كون المشروع “بديلاً” فهو يريد أن يكون بديلاً للواقع الذي استقرت بوصلته على الاتجاه الغربي، وقد أمسك بدفته المؤمنون بالحضارة المادية الغربية، والأمر ليس أمر اصطناع مثالية ليس لها أساس من الواقع، بل محاولة واعية لتحقيق ما تصبو إليه الأمة بمختلف طوائفها، والتعرف على القاسم المشترك بين تطلعات هذه الطوائف، وفتح آفاق جديدة مع الاحتفاظ بهوية الأمة وجذورها، ومن هنا نستطيع أن نفهم ما اعتقده الباحثون صيغًا عمومية في فكر الجماعة، ونستطيع أن ننظر إلى البرامج المطروحة من الجماعة على أنها أمثلة – مجرد أمثلة- على صلاحية المشروع ومواءمته للأمة، وتحقيق هذه البرامج للتأثير المطلوب في المجتمع من حيث إثبات صلاحيتها لأن تتعامل مع الواقع وأن تعيش فيه، وبذلك تحقق الجماعة القاعدة الجماهيرية اللازمة لوضع مشروعها موضع التنفيذ، وفي نفس الوقت نجد الجماعة تحرص على أن تتقدم في كل مجال ببرنامج لإثبات قدرة مشروعها على التعامل مع كافة مجالات الحياة، بل وتقوم بتطبيق بعض من هذه البرامج من خلال ممارسات تقوم عليها بنفسها وبرجالها تدريبًا لهم من ناحية، ومن ناحية أخرى لإثبات أن برامجها قابلة للتطبيق والنجاح والثبات في أرض الواقع.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو… هل الجماعة ظلت على حالها بعد مرور أكثر من نصف قرن من الزمان؟؟؟ بمعنى هل ظلت تحمل هذا المشروع ولديها تصورات بديلة للواقع أو تصور عن كيفية إصلاح ما فسد؟ لكي نجيب على هذا التساؤل يجب رصد بعض المتغيرات التي دخلت لجسم الجماعة على مدى هذه السنوات، وهو ما يحتاج لدراسة مطولة بكل تأكيد، وتعرضت له كتابات متفرقة، نحتاج الآن لجمعها وإعادة قراءة لها، ولكن المتاح في هذه السطور هو رصد بعض الملامح الكبرى، مثل:

– دخول فكر سيد قطب لساحة التكوين الفكري للجماعة، وهي كتابات تحمل عددًا من أوجه الفهم، وقد أشرنا لهذا من قبل، ولكن الثابت أن هناك جيلاً من الجماعة تربى على أفكار الرجل، وجاء حكم الإعدام ليزيد من قداسة هذه الأفكار عند حامليها، سواء داخل الجماعة أو خارجها، وصار من العسير نقد الصياغات التي استخدمها سيد قطب للتعبير عن أفكاره فضلاً عن مناقشة الأفكار نفسها.

– زاد من عمق تأثير أفكار سيد قطب أنها كتبت في سياق إقصائي للجماعة وأفرادها، وملاحقة واعتقال وقتل منهجي لقيادتها، وخروج مظاهرات تحفز على الاستمرار هذا النهج في التعامل مع الجماعة، وتأييد من المؤسسات الدينية الرسمية، في ظل المشروع القومي لجمال عبد الناصر في مصر والمنطقة العربية، مما صنع قدر من المفاصلة الشعورية بين الجماعة وبين المجتمع ومؤسساته، وهو ما جعل لأفكار سيد قطب وصياغاته الأدبية الحادة تأثيرًا مضاعفًا في نفوس جيل الستينات.

– استقرار عدد غير قليل من الإخوان في دول الخليج والسعودية، وآخرون في عدد من الدول الغربية، وهذا في الفترة الناصرية أو بعدها، وتفاعل كل فريق مع ثقافة الأرض التي لجأ إليها، وتأثر بمناهج التفكير فيها، وتفاعل من ذهب منهم للسعودية والخليج مع الأرضية الثقافية المشبعة بالفكر السلفي الوهابي، هذا بخلاف ظهور تيار يتبع هذا الفكر في فترة السبعينات، وينقل لمصر منهج تفكير جانب غير قليل منه مبني على الثقافة الذاتية لدول الخليج والسعودية، (يعرف من اختلط بهذه المنطقة أن تيار الإخوان فيها سلفي وهابي أكثر من التيار السلفي المصري) وقد عاد عدد كبير من إخوان مصر بالخليج لمصر في فترة السبعينات وبعدها، ونقلوا تدريجيًا قدرًا من التأثر بالتيار الذي تفاعلوا معه على مدى سنوات، ومواقفه من عدد من القضايا الفكرية، وزاد من الأمر تأثير التمويل القادم من أبناء هذا الاتجاه، ولم يعد بنفس القدر الذين عاشوا في الدول الغربية، ومن ثم لم يكن لهم تأثير يذكر، رغم قيام عدد كبير من الإخوان برحلات للدول الغربية، ولكن لم يستطع أحد منهم أن ينقل معه المؤثرات التي نشأت في المراكز الإسلامية الغربية في طرق صناعة القرار، ومناهج التربية الحديثة، ومنهجية الانفتاح على الأفكار والرؤى المغايرة.

– استمرار حالة الإقصاء لجماعة الإخوان على مدى أكثر من نصف قرن، وتجريم الانتماء إليها، مما دفعها للعمل التنظيمي السري، وإن كان لها ممارسات علنية، ولكن سرية التنظيم وضع قيادات العمل السري في فترة الأربعينات على رأس العمل في الجماعة، بما تحمله من رؤى وأفكار، يضاف لها أفكار التنظيم في فترة الستينات التي ارتبطت بأفكار الشقيقين سيد قطب ومحمد قطب (في ظلال القرآن ومعالم في الطريق للأول – وجاهلية القرن العشرين والتطور والثبات للثاني).

وهذا الشكل من العمل يقلل من إمكانية المناقشة سواء للأفكار أو القرارات، ويكون وضعها بذلك أقرب لحالة أي جماعة في حالة حرب ومطاردة، وبالتالي تصير الأولوية حرص القيادة على أمن الجماعة وتماسكها واستمرارها، وهذا الشكل من العمل بطبيعته لا يسمح بالتجديد في البناء الفكري، كما لا يسمح بالنظر خارج إطار الأولوية المشار إليها إلا في حدود رفع الضغط عن الجماعة، أو موقف لابد منه مثل الموقف من قضية فلسطين، أو ما تسمح به حالة الحرية المتاحة، وهذا في النهاية يفرز حالة تراجع في الرؤى الإصلاحية للمجتمع أو الدولة، خاصة مع انسداد الأفق السياسي على المستوى العام، وحالة تحالف الفساد الإداري مع الاستبداد السياسي التي عاشتها مصر قبل الثورة.

نؤكد أن تاريخ الجماعة في فترة ما بعد الثورة بما دخل عليه من مؤثرات يحتاج لدراسة معمقة، ولكن ما يجب أن نشير إليه في الوضع الراهن هو أن هذا التيار لا يمثله الإخوان المسلمين وحزبهم الحرية والعدالة فحسب، بل أيضًا ما انبثق من أحزاب متماثلة مع الإخوان، مثل حزب الوسط وحزب الريادة وحزب النهضة، بل والشباب الذين خرجوا عن الإخوان، وما سوف يستجد من أحزاب، مثل حزب مصر قوية وحزب التيار المصري بمعنى عام هم من مدرسة الإخوان المسلمين.

– وهذا التيار من الوضوح بحيث لا نحتاج لشرح حول رموزه أو مركز قوته، وهي جماعة الإخوان حتى وقتنا هذا، ولكن الجدير بالرصد أن مرشدها الأسبق مصطفى مشهور اشتهر في فترة قيادته للجماعة بكتاباته أن الجماعة مقبلة على مرحلة “التمكين”، وتعني تحقق كامل أهداف الجماعة من الحكومة الإسلامية ثم الخلافة، رغم ذلك كانت خطة الجماعة الأصيلة في السنوات الأخيرة هي الحفاظ على الوجود، في ظل انسداد الأفق في الحياة السياسية المصرية، وفقدت قدرتها على تحديث البناء الفكري لها، رغم أن مرشدها الأول كان دائم الدراسة لواقع المجتمع واقتراح الحلول وإرسالها للحكومات المختلفة، وقامت الجماعة بعد أقل من شهر من قيام ثورة يوليو 1952م بتقديم خطة عمل لإصلاح الأوضاع في المجالات المختلفة لقيادة الثورة، ونشرتها في الجرائد المصرية، ولكنها في الفترة الأخيرة – سنوات ما قبل الثورة- كان همها الأول الحفاظ على تنظيمها الداخلي، وقد يكون هذا مفهومًا في ظل حالة المحاكمات العسكرية المتوالية لقياداتها، فضلاً عن الاعتقال لكثير من كوادرها، وكانت محاولات عبد المنعم أبو الفتوح في الانفتاح على الكيانات الثقافية المصرية استثنائية، وأثبتت الأحداث بعد الثورة أنها كانت شاذة عن الفكر السائد في الجماعة الآن، وهو الذي صار أقرب للتيار السلفي الانعزالي منه للفكر الإسلامي الحضاري المنفتح على المجتمع.

– قامت الثورة في 2011 وعدد من قيادات الجماعة في السجون، وتم اعتقال عدد كبير من القيادات في أيام الثورة الأولى، قبل أن يخرج الجميع في ظل حالة الانفلات الأمني وفتح السجون، وبعد خروجهم لم تستوعب القيادة مساحة التغير في الجماهير التي نـزلت للشوارع ومواجهتها الرصاص والقتل دون تراجع، ومن ثم قبلت المساومات التي تمت معها في المرحلة الأولى، ثم تراجعت عنها عندما وجدت أن الجماهير لن تقبل ببقاء رموز السلطة في أماكنهم، فعادت لصفوف الثورة مرة أخرى، ثم دخلت في حلقة المساومات الجديدة مع تولي المجلس العسكري للسلطة، وكان أول إنجاز لها بعد 11 فبراير هو فصل عدد من المجموعات الشبابية الإخوانية التي نظمت المرحلة الأولى من الثورة، واتجهت هذه المجموعات لقيادات قديمة لتتعاون في تأسيس أحزاب جديدة، ولجأ بعضهم للانخراط في تنظيمات مفتوحة على كافة القوى المشاركة في الثورة، ودخلت الجماعة في العمل السياسي بشكل مباشر، وأسست حزبًا بطريقة التعيين، والطريف أنها أعلنت أن الحزب له استقلالية تامة عن الجماعة، ثم لم نجد إلا أعضاء مكتب الإرشاد أو المرشد العام نفسه من يعبر عن رأي الحزب أو يبرر مواقفه، وأصبحت الجماعة نفسها بلا شكل قانوني، وحزبها له وصف قانوني، ومن يعبر عن الحزب هم قيادة الجماعة، ويغيب في كثير من المواقف قيادات الحزب، فمثلاً لم نجد نائب رئيس الحزب المسيحي (بروتسانتي) يخرج ليتكلم عنه أو يمثله في أي من اجتماعاته، ولا حتى في حواراتهم مع الكنيسة المصرية، ونستطيع أن نصف الوضع بأن الناظر لا يعرف أين تنتهي الجماعة ويبدأ الحزب أو العكس.

– كانت ممارسات الجماعة تقول للجميع هذا استحقاق دفعت ثمنه طوال السنوات الماضية، ولكنها لم تستوعب أن التعامل مع الشعب يختلف عن التعامل مع أفراد التنظيم، بل أن التعامل مع أفراد التنظيم نفسه تختلف في فترات الحرية عن فترات الملاحقة والاعتقالات، وأن الخروج من حالة السرية يفرض منهجاً جديداً في إدارة الجماعة سواء لشأنها الداخلي أو علاقاتها الخارجية، منهجاً أتقنه من تربوا في الجماعة في مرحلتها الأولى، فبرع فيه المرشد الثالث عمر التلمساني، ولكن من تربوا وفق منظومة السرية، وعلى أفكار سيد قطب التي تحمي الأفراد من الخضوع للقهر بمشاعر الاستعلاء الإيماني، لا أظن أنه سيجيد التعامل مع أفراده الذين يعيشون في مجتمع تمارس فيه حرية التعبير والحركة.

– من الواضح أن الجماعة لم تستوعب المرحلة الجديدة، فلم تجتهد لوضع تصور لسيناريوهات المستقبل، واستسلمت لخضوع البلاد للمجلس العسكري، رغم تجربتها المريرة في مصر، وكذلك فروعها في الدول العربية، للإدارة العسكرية للشأن السياسي، ولم تضع أجندة ترتب بها أولويات العمل داخل المؤسسات التي سوف تسعى لها، مثل المؤسسة التشريعية، ومن ثم جاء الأداء مرتبكًا، بل ظلت تمارس دور المعارضة رغم الأغلبية الكبيرة للتيار الإسلامي في مجلس الشعب، وظلت تتحرك بمنطق ردود الأفعال، رغم أن الساحة السياسية بعد الثورة مباشرة أعطت الجماعة كل التأييد الذي تحتاجه لتكون صاحبة المبادرة، ولكنها أفسدت فرصتها، بالتردد حينًا، والمواقف السلبية حينًا آخر، ومن ثم فقدت مصداقيتها تدريجيًا، وجاء ترشح ممثل عنها في الرياسة موغلاً في هذا السبيل، ففقدت تأييد كثير من القوى السياسية، بل والتيارات الإسلامية الأخرى.

– أما الأحزاب الأخرى فما زالت تبحث لنفسها عن كيان فكري تتميز فيه عن الإخوان، بل بدأ يدور حديث عند بعضهم عن صحة فصل الدين عن الدولة.

– بالجملة هذا التيار له اختيارات قديمة من المنظومة الغربية، وليس لديه مشاكل فقهية أو عقائدية مع الممارسات السياسية المعهودة، ولكنه يفتقر لأجندة واضحة في أولويات الإصلاح، كما يفتقر لمفكر يطور رؤاه للمستقبل، ولسياسي يدير مفاوضاته وصفقاته، وإداري يجيد التعامل مع الأزمات.

في النهاية مازالت الأحداث تجري، والتغيرات واردة، والضبابية في الرؤية تشمل قطاعًا عريضًا، وما تقوم به تيارات علمانية يحتاج لرصد، حتى في إطار دراسة خاصة بالتيارات الإسلامية، لأن في ظل حالة الانفتاح والسيولة القائمة، صارت الأفكار تختلط بالمواقف، ونحتاج لشيء من التدبر لمعرفة أين الفكر المعبر عن التيار، وأين رد الفعل المبني على موقف طارئ.

ولكن يجب في الختام أن نوجه النظر لعدد من الأمور:

– هذه الورقة تهدف إلى تقديم الأسئلة وإثارة ما صاحب الممارسات السياسة للتيار الإسلامي من مشكلات.

– توجيه الأنظار لرؤية لا تتعلق بالصراعات الجارية على الأرض بين القوى السياسية، ومن ثم توجيه النظر لغياب التأصيل الفكري لكثير من الممارسات السياسية.

– وجوب انتباه الحركة الإسلامية أن لكل مرحلة رجالها، وأن مرحلة العمل الدعوي أو التنظيمي الخاص بالتيار الإسلامي، تختلف عن مرحلة تتولى فيه شأن الدولة وتصنع قرارات للمجتمع كله، ومن ثم يجب التوجه للكفاءات من أبناء الوطن كله وليس من أبناء الجماعة أو التنظيم، حتى لا تقع المفاضلة بين أهل الثقة (رجال الدعوة والتنظيم) وأهل الخبرة (رجال الدولة وأصحاب الكفاءة).

– يجب الانتباه للجوانب الأخرى مثل الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

– محاولة العمل على تغييب الشحن السياسي للمجتمع، والاتجاه للتوحد لتحقيق مصالح البلاد والعباد.

– المرجو أن يقوم كل فصيل سياسي بوضع وثيقة توضح رؤيته وثوابته ومنطلقاته وأصوله الفكرية في المجالات المختلفة.

– ووفق النقطة السابقة يتم تشكيل مجموعات عمل من التيارات المختلفة لوضع تصورات في المجالات المتخصصة ترسم خطوط المستقبل.

في النهاية هي محاولة، أظن تحتاج للمناقشة، كما تحتاج للمتابعة، والله أسأل الإخلاص والسداد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق