أبحاث

المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن الكريم (2)

العدد 102

3- الباب الثاني:

(3-1) الفصل الأول:

العلاقة بين مقدمات المؤلف ونتائجه

سأعمل في هذا الفصل على دراسة أفكار الكاتب وتحليلها داخليًا ومحاولة معرفة مدى انسجامه مع ما وعد به من منهجية . وقبل الشروع في هذا الأمر تجدر الإشارة إلى أمرين هامين :

أ. أن البحث سيركز عمومًا في هذا الفصل على دراسة أمثلة المؤلف ونماذجه؛ لأن بها – كما يقول هو نفسه – تعرف منهجيته وفلسفته؛ حيث يقول: «فنحن نطرح النموذج من بعد الاسترجاع القرآني ، ليولد من خلاله قاعدة فهم تتحول إلى محدد نظري ، يتكامل مع غيره من المحددات في نماذج أخرى كثيرة لتأطير المنهج» . فصحة منهجه مرهونة بصحة نماذجه؛ لذا وجب التركيز عليها وإعطاؤه حقها من الدراسة والتمحيص، خلافًا لما قاله الدكتور طه جابر العلواني في مقدمته لهذا الكتاب وتأكيده من أن «المهم أن لا يشغل القارئ عقله وفكره بتلك الأمثلة والنماذج، بل عليه أن يركز على المحددات المنهجية والقضايا الفلسفية المثارة . فالمنهج هو قضية هذا الكتاب، ومحددات المنهج وأبعاده هي صلبه».

ب. سيعمل البحث قدر الإمكان على تناول الأمثلة والقضايا الواضحة والملزمة التى لا تحتمل غالبًا تعدد الأوجه، وذلك من خلال ما رسمه المؤلف لنفسه من مقدمات.

1. القرآن وضوابط الاستخدام اللغوي:

لقد قسم المؤلف – كما مر – هذه المسألة إلى مبحثين . بحث في الأول الفرق بين التوظيف الإلهي للغة والتوظيف العربي ، وفي الثاني ضوابط الاستخدام المنهجي النبوي للغة. فلنبدأ بأولهما .

أولاً : التمييز بين التوظيف الإلهي للغة والتوظيف العربى

لقد بدأ المؤلف بالتناقض مع نفسه منذ البداية، فهو من جهة يحاول أن يبرهن على الفرق بين التوظيفين ، وكان أهم هذه الفوارق عنده هو أن لغة القرآن لا تقبل الترادف والاشتراك؛ مما جعلها تتعارض مع ما وثقه العرب في لسانهم البلاغي ، يأتي من ناحية أخرى فينسف ما قد قرره سابقًا ويجعل كلامه يعارض بعضه بعضًا ، فيقول :«وخلافًا لقول كثيرين لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها كلمة تنوب عن الأخرى في حدسها ومعناها ولسانها ، فكلماتها كالعربى الذي أنشأها تتميز بذاتية خاصة بكل منها» . فهل بقى للشطر الأول من كلامه من معنى؟!

ومع ذلك سوف نعمل على دراسة أمثلته آخذين بعين الاعتبار مبدأه في نفي الترادف والاشتراك، ولننظر إلى أي حد وفق إجرائيًّا في إثبات نظريته.

أ. الفرق بين اللمس والمس:

يقول المؤلف – كما مر – بأنه استقرأ آيات القرآن وحللها فوجد أن هناك فرقًا بين اللمس والمس ، وبالرغم من استخفافه بالعلماء والحط من شأنهم ووصفهم بالتسرع وعدم الدقة . ومخالفته ما وعد به من احترامهم ومراعاة اختلاف الأنساق الفكرية ، فهذا أمر بالرغم من بشاعته يهون ، لو أن صاحبه أصاب وجه الحقيقة أو قاربها، ولكن وللأسف فإن المؤلف على الرغم مما تذرع به من منهجية تحليلية قد اقتصر على آية واحدة من بين ما يقارب ستين آية جاء معظمها بغير ما ذهب إليه المؤلف، ولتدل على أن المس معناه الاحتكاك المادى ، وليس الإحساس والوعي بالمعاني فقط كما ذهب إلى ذلك، ومن هذه الآيات قوله تعالى :

{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار} [النور: 35] {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113] {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَة} [البقرة: 80] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَات} [آل عمران: 24] . فأي تفاعل عقلي مع النار؟! وأيضًا قوله تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُن} [البقرة: 236] {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] فهل المس هنا يعني التفاعل العقلي؟! فالمس هنا واضح بأنه احتكاك مادي، فمس النار للجسم حركة مادية ، والولادة العادية تكون بعد مس الرجل زوجته عضويًّا أي بعد جماعها ، لذلك اعترضت السيدة مريم على الأمر ورأت أنه خلاف العادة ، وهكذا باقي الآيات فكلها تعنى الاحتكاك المادي بين النار والأجسام المحترقة .

ب. الفرق بين الرؤية والنظر والشهود:

يرى المؤلف كما سبق ذكره أن الرؤية تكون بالعين ، والنظر بالعقل ، والشهود معناه حضور الشيء ومعاينته . وقد جزم بأنها لا تحتمل غير هذه المعاني. وبنظرة بسيطة في الآيات القرآنية الواردة في هذا الشأن يتبين مجانبته للصواب وعدم دقته، بل حتى الآية التي استدل بها على الفرق بين الرؤية والنظر هي في الحقيقة حجة عليه، قال تعالى : {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَـــــــوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، فالكلمتان كما هو واضح قد تعاقبتا على نفس المعنى ، وهو الرؤية الحسية، وإلا كيف يستقيم المعنى إذا كان النظر إلى الجبل بمعنى النظر العقلي ، وما فائدة الشرط وجوابه في الآية؟! ومما يزيد الأمر غرابة أن المؤلف قد أورد آية أخرى هي من الوضوح على نقيض ما ذهب إليه مما لا يخفى على المبتدئ فضلاً عن العالم {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُـــــرُّ النَّاظِرِين} [البقرة: 69] فالنظر هنا بالعين وليس بالعقل لتعلقه باللون، وإلا لبطل معنى الآية .

أما الآيات الأخرى التي وردت في هذا الشأن فهي كثيرة، منها قوله تعالى:{فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْت} [الأحزاب: 19] معناها على مذهب المؤلف أن النبي e رأى بعينه المجردة عقول المنافقين كيف تفكر إليهحتى صارت أعينهم تدور كالذي يلفظ آخر أنفاسه . وكذلك قوله تعالى :{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض} [التوبة: 127] وهذه أيضًا معناها على مذهبه، أنه إذا أنزلت سورة فكر بعضهم في بعض. ولكن هل يقول بأن (إلى) هنا تحمل معنى (في)؟ فلو قال بذلك لأراح واستراح لقوله بالترادف الذي نفاه سابقًا.

أما ورود (ترى) بمعنى علم فالآيات في شأنها كثيرة، منها قوله تعالى :{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258] {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر: 6] {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل} [الفيل: 1] ترى هل كان النبي e حاضرًا في كل هذه الوقائع مشاهدًا لها بأم عينيه ، أم أن هذه الأمور كلها من أنباء الغيب أوحاها الله إلى نبيه الكريم e وعلمه إياها؟ قال تعالى : {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين} [هود: 49].

ولكن مما يؤسف له حقًّا أن المؤلف لما شعر بتضارب منهجه وعدم اتساقه سارع إلى المغالطة والتأويل بدل الرجوع إلى الحق واتباعه . فقد أوّل قوله تعالى : {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: 102] قائلاً : « ولهذا خاطب إبراهيم ابنه إسماعيل بالنظر في أمر الرؤيا المناسبة ، أي تقليب الرأى فيها ، ثم اتخاذ قرار قاطع كمن يرى الأمـــر عيانًا في حقيقته».

وعلى الرغم من هذا التكلف والتعسف في فهم الآية ما زال معنى الرؤيا  هنا مجازيًّا لا يستقيم ومذهب المؤلف. ثم هو قد اعتمد على السياق في ضبط المعنى، ونسى أنه قد قرر في منهجيته أن ألفاظ القرآن ترقى إلى درجة المصطلح «بحيث لا تعطى المفردة أكثر من معنى واحد محدد حيثما استخدمت في الكتاب ، وكيفما اختلف سياق توظيفها» وهاجم الأوائل في الوقت نفسه في اعتمادهم على السياق في فهم القرآن ، يقول :« لذلك لا يمكن تفسير القرآن بالاستطراد والتداعي على السياق». فلماذا هذا التذبذب وعدم الاتساق؟!

أما تحديده للشهود بمعنى الحضور حصرًا فهو أمر في غاية الغرابة . ولا يعرف ما المقاييس التى يستند إليها المؤلف في تحديد معاني الكلمات . فالعجب ليس في قوله أن هذه الآية {فَمَنْ شَهــِدَ مِنْكُمُ الشَّـهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] تعنى «حضور للشهر في الزمان والمكان؛ حيث يكون الإنسان مقيمًا» فهذا المعنى قد قال به المفسرون قبله ، قال القرطبي رحمه الله: «وشهد بمعنى حضر ، وفيه إضمار ، أي قال من شهد منكم المصر في الشهر عاقلاً بالغًا صحيحًا مقيمًا فليصمه». وقال ابن عاشور رحمه الله: «وشهد يجوز أن يكون بمعنى حضر، كما يقال: إن فلانًا شهد بدرًا وشهد أحدًا وشهد العقبة أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله e، فنصب الشهر على أنه مفعول فيه لفعل شهد أي حضر في الشهر أي لم يكن مسافرًا ، وهو المناسب لقوله بعده {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر} [البقرة: 185]» الخ.

وإنما العجب في تحكمه في معنى اللفظ واقتصاره في ذلك على آية واحدة – مع أنه ادعى بأنه يتناول القرآن في كليته – وترك غيرها من الآيات الواضحة التى تخالف رأيه ولا تحتمله، منها قوله تعالى :{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] فهل شهد هنا بمعنى حضر؟! لا بل هي بمعنى بيّن وأقام الأدلة . وقوله تعالى :{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 86] وقوله :{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166] وقوله : {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام} [البقرة: 204] فهل يعنى مما تقدم من الآيات الحضور والمعاينة؟!

ج. الفرق بين اللدّنيّة والعندّية :

لقد بلغ المؤلف درجة من التعمق والفهم لعقيدة التوحيد درجة لا يحسد عليها ، فالإله الذي يتحدث عنه هو عبارة عن هيكل له جوف وظاهر ، فهو يفهم اللدنية في قوله تعالى : {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُــرْءَانَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيم} [النمل: 6] على أنها « ذاتية الذي يعطى أي جوانيته»  أما العندية فهي «ما يكون لديه وليس لدنه» ثم يبنى على ذلك أحكامًا فيقول: «فحين يكون الوحي لمحمد فإنه من لدن الله – وهي – إفاضة من الذات الإلهية، أما أم الكتاب وهي الآيات المحكمات التى تعتبر أصلاً له من قبل تشيؤه في لغة ما ، فهي لدى الله بالغة ما بلغت من العلو والإحكام بحيث تهيمن على كل متشابه» {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَــابِ لَدَيْنَــا لَعَلِــيٌّ حَكِيم} [الزخرف: 4].

فهو يرى أن أصل القرآن الذي هو فيض من جوانية الله ، هو الآيات المحكمات التي كانت لدى الله – أي خارج جوانيته – في شكل غير مفهوم، ثم دخلت جوانية الله فحلت رموزها في لغة ما . تقول كيف هذا؟ يقال لك: هذا عين ما قاله ، وإليك مزيدًا من تناقضه وقوله على الله بغير علم:

1- ذكر أن القرآن من لدن الله – أي من جوانيته – وهو العلم اللدني الذى هو عبارة عن تشيؤ لغوي لأم الكتاب التى كانت لدى الله، أى عند الله، أي خارجة عنه ، وقد قال – هنا بترادف لدى وعند – قولاً صريحًا لا يمكنه إنكاره.

2. أن العلم اللدني – أي القرآن – هو خاصية لا تكون للجميع ولا لبعض الرسل، في حين أن العلم بأصول الكتاب – العلم العندى الخارجي – ممكن إدراكه حتى لغير الأنبياء ، فالقرآن كما هو فرع عن الآيات المحكمات ، في الوقت نفسه هو أرقى منها ولا يناله إلا الخاصة.

3. وأما العلم بأم الكتاب ومحكمه فيوهب للراسخين في العلم ليتجاوزوا به المتشابهات ، فهو بهذا قد جعل القرآن متكونًا من أم الكتاب التى هي عبارة عن رموز ، ثم من المتشابهات التى هي تشيؤ لهذه الرموز في لغة ما ، عبر إفاضة جوانية من الذات الإلهية ، وكأن أم الكتاب – الآيات المحكمات – كانت أوضح وأظهر قبل دخولها إلى الجوانية – الذات الإلهية – منها بعد دخولها فيها، ثم فيضانها عنها في شكل لغة. تعالى الله عن كل هذا علوًّا كبيرًا .

4. والعلم بأم الكتاب يصعب تحويله إلى علم موضوعي إلا بالمدى الذي يكون فيه المتلقى مهيأ لذلك ؛ لأنه علم مدخله العبادة والطهر، ومجاله مكنون القرآن وليس باطنه. فهذه الكلمات المعدودة حوت من الأخطاء والتناقضات ما حوت . فهو يقول: العلم بأم الكتاب، ولا ندرى ماذا يقصد بالعلم هنا؟ ولكن نأخذه بمقابلها وهي العلم الموضوعي أي الذهني أو الواقعي ، والمعقولي ، فيكون بهذا « العلم بأم الكتاب» هو : الوجود الصوري أو اللاواقعي ، والفردي. ثم ربط هذا العلم الصوري واللاواقعي والفردى بالطهر والعبادة – ولعله يقصد نفسه؛ لأنه ليس هناك من أحد اكتشف هذه الجواهر العلمية إلا هو – حتى يمكن تحويله إلى شيء موضوعي خاضع للتجربة والاختيار . ولعمرى إنه لضابط علمى ما بعده ضابط .

د. الفرق بين الخلق والجعل :

الأساس عند المؤلف في هذه المسألة أن الخلق هو إبداع من غير أصل أو احتذاء ، أما الجعل فهو تحويل الشيء وتصييره من حالة إلى أخرى . ثم جاء بآيات كشاهد على صحة ما ذهب إليه. والواقع أن المؤلف قد كفى غيره مؤونة الرد عليه وأبطل بآخر كلامه أوله، وظن أنه بالالتفاف على النصوص قادر على حل تناقضه المنهجي . فهو يقرر أولاً بأن الخلق هو إبداع من غير أصل ، ثم بعدها بسطر يقول بأن الله خلق الإنسان من طين.

وبعد هذا التناقض الذي ما فطن له ، ظهر بمظهر المدقق الواثق من علمه المتواضع للحق ، الذي لا تفوته شاردة ولا واردة، مستدركًا على نفسه بما يمكن أن يلتبس على العالم المدقق فضلاً عن غيره . قائلاً : « .. ويمكن للمدقق في القرآن أن يعتمد على آية {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُون} [النحل: 5] – وكأنه أحصى كل الآيات وما وجد إلا هذه الآية تحتمل شبهة التعارض مع منهجه – ليستدل على عدم قيام الفارق في الاستخدام بين العبارتين؛ إذ يستخدم الله هنا {خَلَقَ} لتعطي نسبية العلاقة . إن الأمر ليس قطعًا على هذا النحو، ولا بد من إيضاح أسلوبنا في التحليل اللغوي للقرآن {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُون} [النحل: 3-5] .

في الآية 4 تكررت كلمة الخلق ولكنها لم تعطف بالواو على كلمة خلق السماوات في الآية 3 ، غير أن والأنعام خلقها في الآية 5 جاءت معطوفة على ما قبلها… خلق الإنسان .. فالخلق في الأنعام ليس ارتباطًا بالدفء والمنافع والأكل للإنسان، فهذا جعل، ولكنه معطوف على خلق الإنسان أي ظاهرة الخلق الإلهية نفسها . وزيادة في الدقة القرآنية نجد أن هناك ما يسمى بعلامة الوقف الجائز ما بين «والأنعام خلقها» «ولكم فيها» .

وظن أنه بهذا الكلام قد قطع الطريق أمام أي اعتراض ، وما عرف أنه قد كشف عن مزيد من تناقضاته، وإليك بعضها:

1. لقد حاول فيما تقدم تحقيق أمرين مهمين بالنسبة له :

أ. إزالة شبهة الاعتراض عليه بهذه الآية .

ب. إيهام القارئ بأن المؤلف قد صدر في نتائجه عن بحث علمي دقيق.

وما عرف أن الاعتراض ليس في {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا } بل في {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة} فالخلق من نطفة وليس من غير أصل ولا احتذاء . أما ادعاء التحليل واعتماد المنهج العلمي فيؤيده قوله «وزيادة في الدقة القرآنية نجد أن هناك ما يسمى بعلامة الوقف الجائز ما بين والأنعام خلقها ولكم فيها» ، وما درى أنه قد أوقع نفسه في مزيد من التناقض ، فعلامة الوقف الجائز التى استدل بها على دقة ما ذهب إليه، ليست جزءًا من القرآن بل هي من وضع علماء عصور الانحطاط اللغوي – على حد تعبيره – لضبط الوقوف الصحيحة وبيان جائزها من ممنوعها.

أما الآيات الواردة في هذا الشأن فكثيرة، منها قوله تعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] {خَلَقَ الإِنْسَــــانَ مِنْ صَلْصَــالٍ كَالْفَخَّــار} [الرحمن: 14] {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون} [آل عمران: 59] فالخلق هنا من شيء سابق ، ففي الآية الأولى من ماء ، وفي الثانية من صلصال، وفي الثالثة من تراب ، فما بال منهجه التحليلي غفل عن هذه الآيات وغيرها؟!.

هـ – الفرق بين الإيمان والإسلام:

فهم المؤلف من الآيات الواردة في سورة الحجرات أن الله قد رفع الأميين العرب إلى درجة الإسلام قبل استكمالهم مرتبة الإيمان، ودلل على ذلك بأنهم حين أخطأوا فوصفوا أنفسهم بالإيمان أنبأهم الله بأن مرتبتهم هي الإسلام الذي هو أرفع درجة من الإيمان الذي هو مرتبة بني إسرائيل . فهو كما نرى قد وقع في تناقضات فهو بهذا الفهم قد ناقض نفسه للأسباب الآتية :

1. أن كل همه من وراء هذا الكلام هو إبطال دعوى اليهود بتفوقهم العرقي وإثبات تفوق العرب عليهم باعتبار أن الجنسين نقيضان . وأنهما طرفا الجدل في ظهور العالمية الثانية – التى بشر بها المؤلف – إلاّ إنه بهذا الفهم قد أثبت عكس ما كان يريد ، حيث أعطى اليهود صفات أرفع من الأعراب . قال تعالى بعد نهى الأعراب عن ادعاء الإيمان وإخبارهم بحالهم الحقيقية التى هي الإسلام {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} [الحجرات: 15] ، فهو قد جعل اليهود مؤمنين بالله ورسوله ومجاهدين في سبيل الله بالأموال والأنفس وشهد لهم بالصدق ، في حين أنه لو طبقنا منهج المؤلف في اجتزاء الآيات لقيل: إن صفات الأعراب كما قال تعالى : {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [التوبة: 97-98] وقال تعالى {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُون} [التوبة: 101].

فهل فكر المؤلف في كل هذا قبل أن يقول في كتاب الله بغير علم؟

ثانيًا : ضوابط الاستخدام المنهجي النبوي للغة

إن كل ما قاله المؤلف وأكد عليه من اعترافه بالسنة لا يعدو أن يكون اعترافًا بوجودها التاريخي لا اعترافًا بحجيتها ومصدريتها حاضرًا ومستقبلاً ؛ لذلك فهو يفهم الأسوة الحسنة المذكورة في قوله تعالى :{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَــوْمَ الآخِــرَ وَذَكَــــرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] بأنها القدوة العملية الخاصة بالعرب في عهد النبي e في حالة الغياب النظري لوعي المنهج ، أما العالمية الإسلامية الثانية فإنها بخلاف ذلك لأنها عالمية «تستمد من القرآن ولأول مرة نهجه الكلي ، بكافة الشمولية والاتساع كما يستطيعها الإنسان» ؛ لذلك لا حاجة لها ولا عود لها « إلى ما ثبت وما لم يثبت من أحاديث الرسول »  .

لذلك فإن المتأمل في أقوال المؤلف ومنهجيته التى تناول بها بعض الأحاديث النبوية ليظهر له جليًّا رده للسنة وإنكار حجيتها ولا أدل على ذلك من الأمور التالية :

أ. أن المنهجية التى وضعها المؤلف لقبول الأحاديث وردها هي منهجية غير علمية ولا أدل على ذلك من المثال الذي جاء به للبرهنة على صحة ما ذهب إليه وهو حديث «كلكم راع» فقد رده المؤلف لمجرد شبهة التعارض اللفظي الذى انقدح في ذهنه ، مع آيتين كريمتين (آية البقرة 104 ، وآية النساء46) . ويمكن إبطال هذه الشبهة من جهتين:

1. بلوغ الحديث إلى درجة التواتر المعنوى، فقد رواه البخاري ومسلم في ستة عشر موضعًا كلها بلفظ رعى ومشتقاته ، وكلها تحمل معنى الرعاية والمسئولية .

2. لو افترضنا جدلاً أن ألفاظ الحديث تتعارض مع آيتين ، فما قولنا في شأن الآيات الكريمة التالية {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون} [المؤمنون: 8] و {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون} [المعارج: 32] و {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] ففي الآيتين الأوليين الأمر واضح أن الله سبحانه وتعالى قد مدح المسئولين المحافظين المؤدين لأماناتهم، وفي الثالثة الأمر كذلك واضح أن الذم منصب على الرهبان وليس على لفظ الرعاية؛ مما يشعر بأن الرعاية مطلوبة ومستحبة ولو أخذ بها الرهبان ما استحقوا ذلك الذم .

ب. أنه وفق منهج المؤلف أن كل شيء انقدح في الذهن أنه يحط من قيمة الإنسان هو أمر مردود فتكون العبادات وعلى رأسها الصلاة هي أول الأمور عرضة للرد لما في ظاهر حركاتها من إذلال للإنسان وإهانته، فلا يمكن أن نقول بأن الله كرم الإنسان {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} [الإسراء: 70] ثم نقبل بأحاديث تأمر الإنسان بالخنوع والركوع ودس وجهه في التراب . أليس في هذا إهانة للناس وحطًّا من كرامتهم. حسب منهج المؤلف .. ثم نأتي بعد ذلك ونشتط ونشط في فهم الألفاظ ، ولكي نخدع أنفسنا بما يوهم أنه دليل وأنه حل لإشكال الآيات الواردة في هذا الشأن، نأتي فنقول بأن الصلاة هي مطلق الدعاء، والزكاة هي النماء، والحج هو القصد، ونستغنى بالمعاني اللغوية عن المعاني الشرعية ، ونصل بالتالي إلى إنكار السنة والشرع جملة .

ج. ومما يمكن أن يعتبره الباحث دليلاً على إنكار المؤلف لحجية السنة حكمه على الصحابة رضى الله عنهم – نقلة السنة – بالإحيائية والأنيمية، والتى تعنى البساطة العقلية في أسوأ مظاهرها، يقول : « من ذلك أن العربي في مرحلته الأنيمية كان يعيش وضعًا بدويًّا ينتشر فيه على مساحات صحراوية وصخرية جرداء، وأعنى بالتحديد البيئة الطبيعية – الجغرافية التى عاش ضمنها عرب وسط الجزيرة الذين كانوا وعاء الإسلام البشري. ومن خصائص هذه الحالة العقلية ، النظرة السكونية لحركة الظواهر الطبيعية لمنطق التكرار والتعاقب.. كل شيء وجد كاملاً منذ البداية، ثم يكرّر نفسه بروتينية تعاقبية دائبة ومكرّرة ومتناوبة … الشمس القمر … الليل والنهار … الاتساع والضيق … الزيادة والنقصان، وفي إطار فهم إحيائي للظواهر نفسها ، ويقول في موطن آخر واصفًا الصحابة ومن بعدهم من علماء السلف رضى الله عنهم بالإحيائية «كانوا ضمن (حالة عقلية تاريخية) تتعامل بطبيعتها مع الأشياء في كثرتها وتعدّدها . هذا ما يسمى بالعقلية الأنيمية في تطور الفكر البشري، وهي عقلية تاريخية ذات خصائص فكرية محددة أهمها التعامل مع ظواهر الطبيعــة كأن بها حيــاة خاصة (إحيائية) والتعامل معها في استقلاليتها الكيانية عن بعضها… لذلك بقيت العقلية تفسيرية مظهرية تنتشر في الكثرة دون القدرة على احتوائها بالتحليل . ولهذا السبب بالذات لم يتوقف المفسرون التقليديون لدى ما قام به الرسول من إعادة ترتيب لآيات القـــرآن خلافا لأشكال التنزيل» .

ولعله أيضًا هذا هو السبب الذي جعل المسلمين ينصرفون إلى السند والمنسوبات لا إلى المتن والمنهج ، الأمر الذي سهّل على اليهود تزييف الأحاديث والدسّ على رسول الله بما يتنافى وعلائمه التى بشر بها القرآن، وتلك كـارثة ما زالت تلــم بنا إلى اليوم، فهو بهذه التهمة والشبهة قد فتح الباب على مصراعيه للطعن في القرآن نفسه ، لأن الناس الذين نقلوا هذه الأحاديث المزيفة والمدسوسة هم أنفسهم الذين نقلوا القرآن .

والباحث في العالمية الثانية ليعجب كيف استثنت منهجيّتُهُ الصارمة الرسول e بذاته من هذه المرحلة التاريخية وعدم نعته بالإحيائية ، علمًا بأنه سبق وأن طبق هــذا المنهــج على غــيره من الأنبياء ؟؟! .

ومن الأسباب التى جعلت الباحث معتقدًا بعدم اعتراف العالمية الثانية بحجية السنة ، وأنها لا تعدو عند صاحبها أن تكون تجربة عربية مرحلية يمكن النظر في المقارنة التى عقدها المؤلف في كتابه لبيان الفرق بين العالميتين .

جدول الفرق بين العالميتين

ومن خلال المقارنة التى قدمها المؤلف يمكن أن يستنتج أن «القدوة الرسولية» الحسنة المتمثلة في سنته قد اختفت واستُعيض عنهـا بالمنهـج البديل (الجمع بين القراءتين) وفي هذا إسقاط واضح للاعتراف المجرد بالسنة النبوية كما يرى الباحث .

ولا شك فإنه لابد من النظر – من الوجهة الأخرى – فيما أورده المؤلف في مداخل كتابه التأسيسية من عبارات تؤكد ضرورة الالتزام بالسنة؟ فإنه يمكن أن يقع في أحد الاحتمالين التاليين :

1- اضطراب رأى المؤلف في هذه المسألة وعدم وضوحه فيها، الأمر الذى جعله يناقض ما يقول ويذم نفسه بنفسه، إذ إنه قد ذكر في أول كلامه أن السنة هي المرجعية والعاصم للأمة من الاختلاف، وخاصة في الأمور التعبدية، وذكر مثالاً لذلك الصلاة وعدد ركعاتها، وقال بأن القول فيها بالرأي يؤدي إلى الاختلاف والوقوع في العرفانية. ثم بعد كل هذا التأكيد على مرجعية السنة والتنفير من مخالفتها يفاجئنا في المجلد الثاني من العالمية بكلام طويل حول الصلاة وعدد ركعاتها وحكمة توقيتها، والحج وأركانه وحكمته وكأنه ليس هو ذاك الذي ذمّ هذا النوع من الكلام، وهو بهذا قد كشف عن أمرين:

أ – عدم وفائه بما وعد به من الالتزام بالسنة في مثل هذه الأمور مما قد يعنى أنه لا يعترف حقيقة بحجية السنة.

ب – اتهام الذات بالعرفانية؛ لأنه قال أن القول بهذا يؤدى بصاحبه إلى الوقوع في العرفانية ، ولهذا الظن ما يبرره لما قاله في مواطن أخرى من كتابه كقوله : «جبريل قوة روحية مطلقة ولا متناهية ، تعلو على الزمان والمكان ، فيصبح قابلا لأن يتجلى الله فيه دون إفنائه أو دكه كما حدث للجبل … ومحمد بخصائص اسمه ( المحمول – أحمد ) هو مطلق كوني ولكن في إطار الزمان والمكان والوعي الذي (يدمج) بينهما {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَــــانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيم} [الحجر: 87] . فاتحد الاثنان – لعله يقصد فاتحاد الاثنين – أحمد وجبريل في كلية كونيـة واحدة يمكن لها أن تفرض (جبرية إلهية) على الوجود كله انطلاقا من عالم (الأمر الالهي). لذلك لم يكن الجهاد سوى (تحريض) من أحمد لأمته ، ولو أراد بقدراته الخاصة مجاهدة الآخرين لأبادهم، ولكنه اكتفى بتحقيق نبوّته الخاتمة على مستوى (عالم المشيئة) الموضوعية» .

2- أو أن المؤلف يعي ما يقول ، وأن ما ذكره من اعترافٍ بحجيّة السنة هو مقدمة جدلية يتبعُها بيان يمكن أن ينقضها تمامًا . ومثل هذا الظن يمكن أن يؤكده الباحث من خلال ما يأتي :

أ. ما ذكره المؤلف في أول كتابه حول الندوة التى عقدت في القاهرة حول كتابه (منهجية القرآن المعرفيّة) سنة 1992م ، وما أثارته هذه الندوة وغيرها من إشكالات واعتراضات ، ثم عقب على ذلك كله بقوله : «هؤلاء جميعًا قد تناولوا كتاب العالمية الإسلامية الثانية من زواياهم ، الوضعيون برفض تعديه على حقولهم العلمية المعرفية المعاصرة، وبالذات في مجال العلوم الطبيعية والإنسانية . واللاهوتيون برفض تجاوزاته لمحددات فكرهم الديني السائد والموروث تاريخيًا عن حقب التدوين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، والمقايسون له بما كان وما هو كائن وبالرجوع إلى هذه الندوة وجدت أن من أبرز الاعتراضات والانتقادات التى وجهت إلى المؤلف هي قضية إنكاره للسنة ، لهذا لم يكن للمؤلف من بدّ للتخفيف من حدّة هذه الانتقادات وتهميش مخالفيه إلا أن يضع هذه العبارات في أول كتابه ، والعبرة في النهاية بالمنهج الذي وضعه وبالنتائج التى انتهت إليها المقدمات .

ب – ذكر المؤلف في كتابه (السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل) ، أن من أخطاء العروبيين واليساريين السودانيين عمومًا حرقهم للمراحل اللازمة وكشفهم عن وجههم الحقيقي مما جعلهم لا يصمدون أمام هجمات الإخوان، يقول : « واستطاع الإخوان محاصرة الفكر القومي العربي الثوري عبر الثغرة اللاتّراثية واللاتّاريخية في تركيب ذلك الفكر مؤكدين علمانّيته» . ويقول في موطن آخر : «كانوا – أي العروبيون – يعمدون إلى تصور ذاتي لعروبة مستجلبة غير العروبة في السودان، أي خارج تراثيتها وتاريخيتها في السودان نفسه ، ومن هنا تحرق مرحلة كاملة عبر مفهوم عدمي ، ثم لا تلبث هذه المنظمات أن تكشف نفسها في العراء أمام هجمات الإخوان وحزب الأمة» ، ويظهر للباحث أن المؤلف استفاد من تلك التجارب وحاول أن لا يقع فيما وقع فيه غيره فتظاهر بالاعتراف بحجية السنة تماشيًا مع الأمر الواقع إلى أن تُحلّ هذه المشكلة تدريجيًّا، يقول : «وإلى أن يتدرج تاريخنا الراهن لحل هذه الموضوعة الدقيقة التى سيتبعها تغير في النظرة (الأيديولوجية) للدين والتراث والشخصية ، فإن المركزية السودانية هي صيغة التفاعل المحلية بين مختلف هذه القوى، وهي الصيغة الإيجابية الوحيدة التى تحفظ للعروبة استمرارية دورها التاريخي المركزي مع الأطراف إلى أن تصبح العروبة ملهمة للآخرين الذين سيستقبلون تأثيرها الإيجابي . عدا ذلك فإن سقوط المركزية السودانية بشعارات المغالاة القومية لن يؤدى في الظرف الراهـن إلاّ إلى تأكيد المصادمات العصبية».

إن هذه الاستراتيجية – عند المؤلف – تنعكس بالتأكيد على استراتيجيّاته الأخرى، ومنها : السير في اتجاه التيار عند الشدة والخروج عنه في أقرب تفرع عنه للالتفاف عليه .

2- إشكالية الارتباط بين العرب والعالمية الإسلامية الثانية :

لقد كان لمقولة الصراع العربي الإسرائيلي الأثر البالغ في توجيه فكر المؤلف، مما حدا به إلى استدعاء مفاهيم غريبة ، ومحاولة إلباسها قسرًا للآيات الكريمة . وهو كعادته يورد تصورات ويتعب في إثباتها ثم ما يلبث أن يأتي عليها من أساسها . فقد حدد في أول كلامه عدة مصطلحات تعتبر إبداعات جديدة في الفهم سحرت كثيرًا من الطيبين المولعين بتوليد الألفاظ وتنميقها دون النظر إلى مضامينها وما تؤدى إليه من نتائج .

والمصطلحات التى أوردها هي :

الدار ، والعروبة ، والوطن ، والقومية .

وتجنبًا للتطويل والتكرار سنقتصر في البحث على مصطلح (الدار) وبيان اضطراب المؤلف في فهمه وسوء توظيفه، ففي بداية كلامه ، (الدار) عنده تعنى الحمى والحرم والخصائص والخطط، وهي ترحل برحيل أصحابها وتقيم حيث أقاموا . وقد أورد آية على أساس أنها دليل على صحة دعواه فجاء الدليل على خلاف قصده، قال : فهناك خلاف جوهرى بين قول الله تعالى : {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِين} [الأعراف: 145] وقول مثل «سأوريكم مكان الفاسقين» ثم بدأ في التحليل قائلاً : «فالمعنى الأول يشير إلى وراثة الصالحين لدار الفاسقين ، فتصلح الدار بصلاح من سكنها» ، فنسى نفسه أنه قد قرر بأن الدار ترحل مع أصحابها ، ونسى أنه في مرحلة المقارنة والاستدلال على الفرق بين المكان الذى لا يرحل والدار التى تعنى الخصائص والخطط وترحل برحيل أصحابها ، مواصلاً خلطه بين المعاني حيث يقول : « أما القول الآخر (مكان الفاسقين) فيعنى جعلـهم فاسقين». ولو عكس القول لاستقام الحال حسب ما قرره سابقًا ، ولكن الآية لا تستجيب له، ثم هناك شيء آخر: ألم يقرر في مبحث آخر أنّ (رأى) تعنى الرؤية بالعين فكيف أصبحت هنا تعنى الوراثة؟ وكيف سمح لنفسه باستخدام السياق في تحديد المعنى بينما عاب فيه الأوائل؟!

ثم أردف بدليل ما بعده دليل فقال: «لذلك تستمد الدار جذرها مما يدرأ عنه، تمامًا كمن يدرأون بالحسنة السيئة»، ونسى أن الدار من دَوَرَ الثلاثي الأجوف وهي اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة أما درأ فهو ثلاثي مهموز الآخر ويعنى الدفع . ومما لا يحتمل الشك في أنه انتهى في آخر كلامه إلى اعتبار أن الدار تعنى المكان هو قوله : «فما يصيب مكة يصيب الشخصية العربية في جذر تكوينها ، وما يصيب خارج مكة فيتعلق بالديار ، مثل ما أصاب الديار الفلسطينية» ولعله أخذ هذا المصطلح من الإعلام العربي في فترة ما قبل السلام.

إذًا «فالقدس ليست قبلته وإنما البيت الحرام، والديار الفلسطينية ليست دياره وإنما هي ديار الفلسطينين . فالمعركة لم تتسع لكل الديار العربية» ، ولم يكتف بذلك بل انتهى أخيرًا إلى إدانة مفهوم الدار والقبلة « فالمفهومان (الـــــدار) و(القبلة) كانا يحولان دون الحشد القومي المركز في المعركــة ضد إسـرائيل».

أما الآيات التى تدل على أن الدار تعنى المكان والمحل الذي يسكنه الناس فهي كثيرة منها قوله تعالى : {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَـحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين} [الأعراف: 78] {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَـــــحُوا فِي دَارِهِــــمْ جَاثِمِـين} [الأعراف: 91] {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِـمْ جَاثِمِين} [العنكبوت: 37] فهل أن معنى هذه الآيات أنهم أصبحوا في خططهم وخصائصهم جاثمين؟! أم أنهم أصبحوا في أماكنهم جاثمين، وهو الصواب .

وقال تعالى :{وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاس} [الأنفال: 47] ، وقوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243]: فهل هذا يعني أنهم خرجوا من خصائصهم وخططهم؟! .

وقال تعالى : {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا} [الأحزاب: 27]، فهل أن المسلمين ورثوا خصائص اليهود وخططهم أم أنهم ورثوا منازلهم ومحلاتهم؟!

3- معنى الاسترجاع النقدي التحليلي «القرآن بين التصديق والهيمنة»

لقد أجاد المؤلف عمومًا في فهم قوله تعالى :{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه} [المائدة: 48] ، وإن كان بعض المفسرين القدامي قد أشار إلى هذا المعنى ، حيث يقول ابن كثير بعد ذكر أقوال بعض السلف : « وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله. إلاّ أن المؤلف عند ضربه للأمثلة وتطبيقه لمفهوم الهيمنة والتصديق وقع في تناقضات وخلط عجيب . والأمثلة التى ضربها أربعة كما مر معنا أثناء عرض أفكاره وكان أولها قصة آدم u.

أ. استرجاع قصة آدم u:

1- كيفية خلق آدم u :

يرى المؤلف بأن الذي خلق أولاً هم البهائم البشرية وليس آدم u كما يزعم «الفكر التوراتي» . أما آدم u فإنه قد وقع اصطفاؤه فيما بعد من بين سائر البهائم بنفخ الروح فيه، وزعم أن القرآن قال ذلك وقد اعتمد في ذلك على التفرقة بين الخلق والجعل، وقد سبق بيان خطئه في ذلك ، إلا أنه بقى بعض الملاحظات التى يحسن ذكرها في هذا المقام :

أولاً : أن ادعاؤه بأن آدم u اُصطفى من بين البهائم البشرية هو قول يحاكي قول المجوس كما ذكر ذلك ابن عاشور رحمه الله في تفسيره «ولعل هذا أنجز لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان؛ فإن الفرس زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطّم والرمّ وكان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى البنتان، وأن ذفس، وهو المشترى كبير الأرباب في اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم».

أما الآيات التى تعارض هذا القول فهي كثيرة وصريحة، منها قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين} [الحجر: 28-29] . {ِإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين} [ص: 71-72] فحوار الله مع الملائكة توضحه هاتان الآيتان، فالحوار كان قبل الخلق والتسوية وليس بعد وجود البهائم البشرية وإفسادها في الأرض كما يقول المؤلف. وكذلك قوله تعالى :{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون} [آل عمران: 59]. فأين البهائم البشرية التى سبقت آدم u؟!

فإذا كان المؤلف يعتمد على المنهج التحليلي حقًّا فما باله اقتصر في تحليله على كلمتى آدم u وبشر دون التطرق إلى كلمة إنسان مع أنها أكثر ورودًا من سابقتيها ؟! قال تعالى : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون} [الحجر: 26] {وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِين} [السجدة: 7] {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّار} [الرحمن: 14] .

فمن هو هذا الإنسان الذى تجاهله المؤلف يا ترى؟! أليس هو ذاك «الفرد المنتخب الملقب بآدم»؟! قال تعالى : {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم} [الانفطار: 6] {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} [الأحقاف: 15].

وأخيرًا ما قوله في كلمة بشر في الآيات اللاحقة؟ قال تعالى : {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر} [مريم: 20] {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّه} [آل عمران: 79] {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد} [الكهف: 110]. فهل يعقل أن يكون معنى بشر هنا الحيونات البهيمية؟! فإذا أقرّ ذلك فمعناه أن الخليفة هم الأنبياء فقط، أما باقي البشر فهم مازالوا في طور البهيمية البشرية ينتظرون الطفرة الداروينية حتى يصبحوا آدميين .

ثانيًا : إنه اعتمد في هذا على فهمه الخاطئ لقوله تعالى : {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَــــيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون} [يس: 82] فقدرة الله عنده محكومة بالمنهج الجدلي فلابد لفعل الله من المرور بثلاث مراحل ، أمر – ولا ندري هذا الأمر نفسه كيف جاء وعبر أي منهج تكوّن؟ – ثم إرادة ثم تشيوء . فخطؤه كما ترى واضح حيث جعل الإرادة تابعة للأمر ولو عكس لأصاب. فأنت تريد ثم تأمر ، وليس تأمر ثم تريد، وإلا لكان ذلك عبثًا .

وقد أراد أن يعضد هذا الفهم بشاهد آخر من القرآن وهو قوله تعالى :{وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِــدَةٌ كَلَمْــحٍ بِالْبَصَـــر} [القمر: 50] فقال وهذه الآية التى تدل في ظاهرها على الإطلاق قد سبقتها آية أخرى توضح هذه التوسطات {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] ولا ندرى كيف يوضح السابق اللاحق؟ وأين هذا التوضيح الذي يتوافق مع فهمه؟ هذا إذا تسامحنا معه في استغلال السياق للبرهنة على رأيه؛ لأنه كما مر معنا سابقًا قد أكد على قصور هذا المنهج في فهم القرآن الكريم .

2- كيفية هبوط آدم u:

بعد أن حقق المؤلف ودقق في الفرق بين الخلق البشري وبين الخلافة الآدمية انتقل إلى مسألة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها وهي مسألة الهبوط الآدمي. ورأيه معروف كما مر سابقًا ، ويتلخص في أن هبوط آدم u هو سلب الروح عنه وهبوطه من خصائصها إلى خصائص النفس الطبيعية فابتلى لذلك بالجوع والعطش. أما أدلته في ذلك فهي منهجية منع الترادف والاشتراك اللفظي .

والمعترض فيه على المؤلف ليس تفريقه بين الروح والنفس فهذا محل خلاف واجتهاد، وإنما المعترض فيه عليه هو تناقضه المنهجي ولا أدل على ذلك من:

أ. قوله بالمشترك اللغوي خلافًا لمذهبه قال : « والحالات الروحية كما حالات الهبوط متعددة ومتنوعة» ثم عددها . « ذلك هبوط آدمى عن خصائص الروح المتعالية جسديًا على الطبيعة على مستوى عالم الأمر الإلهي، وهناك هبوط روحي آخر بيناه على مستوى الذي انسلخ من آيات ربه ، وهناك خصائص الروح القدسي للمسيح عيسى ابن مريم ، وهناك تنزل الروح على من يشاء من عباده».

فقد أعطى للهبوط معنيين ، وللروح أربعة معان ، ونزيده معانٍ أخرى للروح منها ، قوله تعالى :{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] وتعنى جبريل u، وكذلك قوله: {نَـــزَلَ بِـهِ الـــرُّوحُ الأَمِـــين} [الشـــعراء : 193 ] {وَكَذَلِـكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] تعنى الإسلام والإرشاد والهداية .

ب. تصريحه بأن الذي ميز آدم u عن أبويه اللذين هما من المملكة البهيمية البشرية ، هو نفخ الروح فيه. فهل هذا يعني بأن آدم u عاد إلى حالة البهيمية البشرية الأولى ما عدا بعض ذريته المصطفين من المرسلين ومن المصلحين المكلفين بأمر الدعوة ؟! ثم لمن بُعث هؤلاء المرسلون والمصلحون إذا كانت هذه البهائم البشرية مسلوبة الروح تحاكي في طبعها البهائم العجماوات؛ وأخيرًا من هو المخاطب مع آدم u بالنزول ، إذا كان هبوط آدم u يعنى نزوله من خصائص الروح إلى خصائص النفس؟! قال تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين} [البقرة: 36] فإن قال إبليس ، فقد أقام الحجة على نفسه حيث ساواه بآدم u ولا دليل. وإن قال آدم u وزوجته – حواء – قيل له فالضمير هنا للجمع ، وأيضًا آدم u ليس عدوًّا لحواء.

3- الأسماء التى تعلمها آدم u:

لا نريد الدوران في حلقة مفرغة، فالمؤلف ليس عنده معيار خاص يتناول به النصوص يمكن للمرء أن يناقشه من خلاله. فهو يخلط بين المصطلحات اللغوية والمصطلحات المنطقية ، حتى إن القارئ ليحار في متابعته ، ودليلنا على هذا الخلط هذه الملاحظات التى تبين اضطراب المؤلف وتذبذبه منها :

أ. لقد ذكر بأن الضمير في {عرضهم} يعود على شيء موجود وكائن – لعله يقصد عاقل – وليس على الموجود الذهني اللغوي – الأسماء – وإلا لقال عرضها ، ثم أكد بأن هذا الشيء المعروض ليس بشرً ولا ظواهر طبيعية أو أفعالاً، إذًا فما هي؟ يجيبنا المؤلف إجابة غير علمية فيقول : « فمن عُرضوا على الملائكة كانوا يتصفون بأسماء محمولة تقرر حالتهم ، وهي حالة يفترقون بها عن أوضاع أولئك الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء أي افتراق هوية وخصائص … إذن لم تكن أسماء حجر وشجر