أبحاث

معالم الوجهة الإسلامية لعلم النفس

العدد 64

مما يروى عن إبنجهاوس تلك العبارة الشهيرة التى نقلها عنه بورنج- مؤرخ علم النفس الشهير-  أن هذا العلم له (( تاريخ )) قصير، و (( ماض )) طويل. ويمتد ماضيه- كغيره من العلوم الطبيعية والاجتماعية- إلى جميع الحضارات الإنسانية ومنها حضارة الإسلام. أى أنه ليس وليد حضارة الإسلام.

أى أنه ليس وليد حضارة الغرب الحديثة وحدها. ومن الخطأ أن يضاف إلى قائمة ما يجب أن ينبذ منها، كما يرى ويلح بعض النقاد الإسلاميين لعلم النفس. صحيح أنه أحرز- كغيره من ميادين المعرفة- تقدما هائلا فى الغرب الحديث خلال (( تاريخه )) القصير منذ نشأته الرسمية كعلم تجريبي أكاديمى عام 1879م، وأعظم إنجازاته هو ما تم فى وقتنا الحاضر خلال الربع الأخير من القرن الميلادى الحالى، إلا أن ذلك لا يجعله من مبتكرات الغرب ومستخدماته، فأسباب ذلك ترجع فى جوهرها إلى (( تخلفنا )) نحن أكثر من رجوعها إلى (( تقدم )) الغرب.

وإذا كان علم النفس الحديث واجه خلال تاريخه القصير الأزمة تلو الأزمة فإن ذلك لا يدفعنا إلى التخلى عنه، وإلا كان هذا شأننا مع علم الفلك منذ أزمته بعد ثورة كوبر نيكس، ومع علم الفيزياء منذ أزمته مع نيوتن أو أينشتاين، ومع علم الأحياء منذ أزمته بعد تشارلز داروين، ومع علم الاقتصاد منذ أزمته بعد كارل ماركس. إن حل (( الأزمة )) بالتخلى عنها قد يكون سهلا، إلا أن الحلول السهلة- كما قلنا مرارا- ليست بالضرورة صحيحة، لأن الحل الصحيح يتطلب جهدا إيجابيا فى التشخيص ثم العلاج.

والأزمة الحقيقية التى يواجهها علم النفس الحديث- كغيره من العلوم والمعارف- فى ضوء التشخيص الإسلامى هى أزمة المعرفة كلها فى حضارة الغرب، والتى يمكن أن نلخصها فى عدم التوازن المعرفى. فالتقدم والإنجاز يعوزه الترشيد حتى صار الخلل سمة العصر سواء من الوجهة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، أو من الوجهة المعرفية. ولعل من أعظم صور هذا الخلل  (( المعرفى )) – على الرغم من انفجار المعلومات  ما يسميه أوبنهايمر ( oppenheimer 1963) صراع العلم والثقافة.

والأزمة- بالطبع- أعم من نطاق علم النفس فهى تشمل ميدان المعرفة كله لتصبح أزمة إبستمولوجية. ولا يتسع المقام لتفصيل هذه المسألة. وقد تتاح لنا الكتابة فيها فى حدود ما يمكن تسميته (( الفلسفة الإسلامية للعلم )). ولذلك سوف نقتصر على تناول هذا الأمر بصورة مجملة وفى إطار سيكولوجى ما استطعنا، تحقيقا لأهداف البحث الحالى. وفى حدود ما أتيح لنا يمكن أن نعرض فيما يلى بعض المعالم العامة لما نسميه (( الوجهة الإسلامية لعلم النفس )).

(1) معنى العلم فى الإسلام:

العلم فى الإسلام شامل لأمر الدنيا والآخرة، كما أنه شامل للعقيدة والشريعة، ولأمور الدنيا والدين جميعا. ويورد عبد العزيز كامل ( 1972) أدلة كثيرة على ذلك من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة يخلص منها إلى أن الترابط قوى فى الإسلام بين جوانب المعرفة الإنسانية مادية وروحية إلى حد القول بأن الإسلام أول من طالب (( بوحدة المعرفة وتكاملها فى نفس الوقت )).

والعلم يتطلب التعلم والتعليم. فالتعلم فى العقيدة الإسلامية هو أول نعمة أنعمها الله على الإنسان         منذ خلق آدم عليه السلام. فالاستعداد للتعلم هو جوهر معنى خلافة الإنسان لله فى الأرض، وهو الاستعداد الذى تفوق به على الملائكة. وقد ورد ذلك صراحة فى قوله تعالى:

﴿وإذا قال ربك للملائكة إلى جاعل فى الأرض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك انت العليم الحكيم ﴾( البقرة: 30- 32 ).

وكانت نعمة الله الثانية على الإنسان أن جعله قادر على التعليم. ويقول الله تعالى فى نفس السياق السابق ( استخلاف الإنسان فى الأرض ). ﴿ قال يا أدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبائهم بأسمائهم قال  ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ﴾. ( البقرة: 33).

وإذا كان (( التعليم- التعليم )) هو جوهر الكينونة البشرية عند خلق الله للإنسان، فإنه أيضا جوهر الصيرورة البشرية فى مراحل حياة الإنسان المختلفة. فالإنسان يولد ولديه هذا (( الاستعداد الفطرى)) للتعلم، إلا أنه لا يكون لديه منه شئ بالفعل؛ لأنه لم يتعرض بعد (( لخبرات التعليم )) التى تنشط حواسه وعقله فى أداء وظائفهما. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشطرون ﴾.                    ( النحل: 78 ).

والتعلم هو أن أعظم مظاهر (( قوة الإنسان )) التى أشار إليها القرآن فى صفة الموجز المعجز للمراحل الكبرى فى النمو الإنسانى التى تناولها بالتفصيل فى موضع سابق ( آمال صادق وفؤاد  أبو حطب 1987م ). يقول الله تعالى: ﴿الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القديم ﴾. ( الحج: 5 ).

﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم من بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ﴾. ( النحل: 70 ).

﴿ومن نعمره ننكسه فى الخلق أفلا يعقلون ﴾. ( يس: 68 ).

وقد بلغ اهتمام القرآن الكريم بأدوات العلم ( التعلم والتعليم ووسائلهما ) إلى حد أن أول آياته كانت حولهما، يقول الله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ﴾. ( العلق: 1- 6 ).

وبلغت مكانة التعلم والتعليم فى القرآن الكريم أن جعلهما من وسائل الأنبياء فى تحصيل المعرفة. يقول الله تعالى فى ذلك:

﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك ﴾. ( يوسف: 6 ).

﴿وقل رب زدنى علما ﴾. ( البقرة: 282 ).

يقول القرطبي فى تفسيره لهذه الآية: (( لو كان شئ أشرف من العلم لأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمره أن يستزيد من العلم )). وقد بلغ العلم فى الإسلام شرفا لم بيلغه فى أى دين آخر أو عقيدة أو فلسفة، يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ): (( العلماء ورثة الأنبياء ))، كما يقول أيضا: (( العلماء أمناء الله على خلقه )). ويجعل طلب العلم واجبا على مسلم ومسلمة، يقول: (( طلب العلم فريضة على كل مسلم )).

موضع علم النفس فى قائمة العلوم الإسلامية:

بذل علماء المسلمين جهودا رائعة فى تصنيف العلوم يتناول جمال الدين عطية ( 1988 ) بضعة منها، وعلى الأرخص رأى الإمام الغزالى، وينتهى إلى نتائج هامة تفيدنا فى تحديد موضع علم النفس فى قائمة العلوم (( الإسلامية )). ونعرض فيما يلى نتائجه مع شئ من التصرف من جانبنا:

(1) لابد من التخلى عن التفرقة الشهيرة فى العلوم بين (( الشرعى والعقلى )) أو بين (( الدينى وغير الدينى ))، لأن ذلك كله لا يتفق مع طبيعة المعرفة فى الإسلام التى عرضناها فى الفقرة السابقة،  أى الوحدة والتكامل. فهذا التصنيف يتضمن الإشارة إلى وجود علوم غير شرعية (( غربية عن الإسلام )) . بينما دعوة الاسلام الصريحة إلى طلب العلم تعنى أنه لا يجب أن ينبذ أى (( علم نافع  وضرورى للمجتمع الإسلامى )). وعلم النفس هو أحد هذه العلوم النافعة كما سنبين فيما بعد.

(2) الأصح أن نميز بين العلوم بحسب المنهج المستخدم فيها. فالعلوم التى تسمى العلوم (( النقلية )) هى تلك التى يكون مصدرها الوحيد هو الوحى الإلهى الذى أنزله الله سبحانه وتعالى فى كتابه القرآن وعلى لسان نبيه الكريم، ويعين الاستدلال العقلى عليها. وفى هذه العلوم لا يجوز لأحد الكلام بغير ما أنزله الله وورد صحيحا فى سنة رسوله.

 أما العلوم الأخرى التى تعمد أكثر على الجهد العقلى للإنسان ونشاطه فهى تلك يسعى بها الإنسان لتنفيذ (( أمر الله بعمارة الكون والرقى بالحياة )) ( عبد العزيز كامل، 1972 ) وعلم النفس الذى تنتسب إليه ينتمى إلى هذه الفئة من العلوم. وبالطبع فإن هذه العلوم تتنوع تبعا لظروف الزمان والمكان، ولا يجوز لنا بعد انقضاء قرون عديدة أن نظل على تشبثنا الجامد بتصنيف وضعه علماؤنا المسلمون استوعبوا فيه بعبقرية فذة ظروف كل عصر عاشوا فيه. وفى ذلك يقول جمال عطية ( 1988: 84 ).

(( إن تشعب العلوم فى عصرنا الحاضر يدعونا إلى إعادة النظر فى التصنيف ( يقصد تصنيف الإمام الغزالى ) بما يأخذ فى الاعتبار التصنيفات المعاصرة للعلوم البحتة والعلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية وغير ذلك مما يختص بالنظر فيه علماء فلسفة العلوم وعلوم المكتبات والمعلومات )).

ولا حاجة بنا للإشارة إلى أن علم النفس يحتل فئة متميزة فى أى تصنيف حديث للعلوم.

(3) الاقتصار على اعتبار بضعة علوم ( هى ما يسمى العلوم الشرعية ) على أنها وحدها التى يعد تعلمها (( واجبا كفائيا )) لا يتفق مرة أخرى مع التصور الشامل للمعرفة فى الإسلام. ويورد جمال الدين عطية ( 1988) أدلة من القرآن الكريم على أن العلم ورد فيه على نحو مطلق دون تخصيص للعلوم الشرعية. يقول الله تعالى: ﴿أولم يتفكروا فى أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ﴾. ( الروم: 8 ).

﴿خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فاحسن صوركم ﴾( التغابن: 3).

﴿سنريهم آياتنا فى الافاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾. ( فصلت: 53).

﴿وفى الأرض آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون ﴾. ( الذاريات: 21).

وهكذا نجد أن دراسة النفس وتأملها أمر مباشر للإنسان من الله تعالى فى كتابه العزيز للتعرف على آيات الله فى خلقه والكشف عن سننه فيها، وبذلك يصبح عبادة بالمعنى الشامل فى الإسلام.

ودعوة القرآن الكريم للإنسان للتدبر فى آيات الله فى الآفاق والأرض والنفس هى إحدى وسائله فى إرشاد الناس وهدايتهم. بل إن القرآن الكريم فى وضوح بين قد جعل الإيمان لحمة فى نسيج محكم سداه معارف العلوم الطبيعية والكونية ( عبد الحافظ حلمى، 1982).

يقول الله تعالى:

﴿إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ﴾. ( آل عمران: 191- 192 ).

ويعقب عبد الحافظ حلمى ( 1982) على هاتين الآيتين الكريمتين بأن الله سبحانه وتعالى حصر ذكره جل شأنه بين (( قوسين محيطين به من التفكير فى بديع خلقه )). والذكر لون من العبادة، وفيه يسير السياق القرآنى فى خطوات متتابعة:

(أ) لفت الأنظار إلى آيات الله الكبرى فى خلق الكون.

(ب) ذكر الله تعالى فى جميع أحوال الذكر: القيام والقعود على الجنوب.

(جـ) التفكير والتأمل فى خلق الله.

(د) الإيمان بالله سبحانه وباليوم الآخر.

(هـ) التوجيه إلى سبحانه بالدعاء. ومرة أخرى فإن الدعاء مخ العبادة.

العلم الحق إذن يؤدى بصاحبه إلى التعريف على آيات الله فى الكون والإنسان، وهو بهذا يقود الإنسان إلى الله ويصله به، ويصبح العلم محققا للغاية من خلق الإنسان التى حددها سبحانه وتعالى فى قوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾. ( الذاريات: 56).

ومفهوم العبادة فى الإسلام لا يقتصر على الصلة بين الإنسان وربه كما هو الحال فى الأديان الأخرى- وإنما يتضمن معانى أوسع نطاقا تمتد إلى مختلف جوانب الحياة تحقيقا لوظيفة الإنسان كخليفة لله فى الأرض. وهنا تأتى قيمة العلم كطريق لتحقيق العبادة بهذا المعنى الشامل. فالتعرف على آيات الله فى خلقه يؤدى كما بينا إلى توثيق صلة الإنسان بربه كما يؤدى به أيضا إلى معرفة خصائص هذه المخلوقات للانتفاع بها فى عمارة الكون الذى استحلف فيه. وهكذا يصبح معنى العبادة فى الإسلام كما يحددها كاتب معاصر ( أحمد إبراهيم مهنا: 93 ) كما يلى:

(( إن العبادة التى من أجلها خلق الإنسان فى هذه الحياة هى السير فى الطريق التى تؤدى إلى تحقيق خلافته عن الله فى الأرض. ومن لوازم، هذا- بعد الإيمان بالله- الضرب فى الأرض والتعاون مع الغير وأداء الواجب، والمحافظة على حقوق الآخرين )). وبهذا تتحقق للعلماء تلك المكانة الرفيعة التى خصهم بها الله تعالى فى كتابه الكريم حيث يقول:

﴿والرسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ﴾. ( آل عمران: 7 ).

﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ﴾. ( آل عمران: 18 ).

﴿لكن الراسخون فى العلم منهم والمومنون يومنون بما أنزل إليك ﴾. ( النساء: 162 ). 

﴿وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيومنوا به ﴾. ( الحج: 54 ).

﴿بل هو آيات بينات فى صدور الذين أوتو العلم ﴾. ( العنكبوت: 49).

﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبتتم فى كتاب الله إلى يوم البعث ﴾. ( الروم: 56).

﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك هو الحق ﴾. ( سبأ: 6 ).

﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ﴾. ( غافر: 83 ).

﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أتوا العلم درجات ﴾. ( المجادلة: 11).

كما يحقق وصف الرسول الكريم لهم بأنهم ورثة الأنبياء.

وفى هذا الصدد يبدو مهما أن نعرض موقف بعض الكتاب الإسلاميين من فهم المقصود من الآية القرآنية الكريمة التى تشير إلى العلماء الذين يخشون الله، والحديث النبوى الشريف الذى يشير إلى العلماء باعتبارهم ورثة الأنبياء، ففى رأيهم أن العلماء المقصودين بذلك هم (( علماء الدين      وحدهم )). ويشير الى ذلك صراحية وهبة الزحيلى ( 1978 ) لأن الذين يخشون الله من (( علماء المادة )) هم قلة فى رأيه، لأن أوصاف العلماء المذكورة فى الآية القرآنية الكريمة لا تنطبق عليهم- كما يقول، فهى تشير إلى تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، والإنفاق سرا وعلانية. وقبل أن نناقش هذا الرأى نذكر الآيات كاملة. يقول الله تعالى:

﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فاخرجنا به من ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز عفور إن الذين يتلو كتاب الله وأقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ﴾. ( فاطر: 27- 29 ).

ويعقب عبد الحافظ حلمى محمد ( 1982 ) على هاتين الآيتين بقوله أن حشية العلماء لله سبحانه وتعالى جاءت بعد أن ذكر الله إشارات وأمثلة لما تناولته المباحث الحديثة فى علوم الجيولوجيا والبيئة والوراثة والنبات والحيوان والأجناس البشرية. وسوف نوضح فيما بعد أن هدف الباحثين فى هذه العلوم المادية- كما يسميها الزحيلى- هو التعرف على آيات الله فيها والكشف عن سننه التى تحكمها، وهذا يؤدى الى شعور هؤلاء الباحثين بالخشية من الخالق العظيم. ولا يوجد فى النص القرآنى المعجزة إشارة إلى حرمان المؤمنين من علماء الطبيعيات والكونيات من نعمة الخشية من الله وقصرها على رجال الدين، على النحو الذى أشار إليه الزحيلى. (( فضلا عن أن ما جاء فى هذه الآية الكريمة جاء بصيغة تقرير خبرى جديد تتصدره ( إن ) للتوكيد والابتداء )) ( عبد الحافظ حلمى محمد 1982 ) أى أن الإشارة إلى تلاوة الفرآن وإقامة الصلاة والإنفاق سرا وعلانية قد تكون إشارة جديدة لا تمتد بالضرورة إلى الآية السابقة عليها، فإذا امتدت- كما فهم الزحيلى- فهى تشير صراحة فى هذه الحالة إلى علماء الطبيعيات والكونيات. وتمتد- والله أعلم- إلى علماء العلوم الإنسانية والاجتماعية. إن مطالعة آيات الله فى العالم المادى والعالم الإنسانى تزيد العالم إحساسا بعظمة الله وقدرته ( فتحى رضوان، 1972 ). وبهذا تتبدى علاقة العقيدة بالعلم، ومنه العلم الطبيعى ( جمال الدين عطية، 1988 ). وليس العلم الإنسانى والاجتماعى استثناء من ذلك. وكلما تقدمت هذه العلوم تجلت عظمة الخالق بشكل أكبر وأوضح.

يقول الراغب الأصفهانى فى كتابه ( مقدمة التفسير ):

(( إن القرآن… وإن كان فى الحقيقة هداية للبرية فإنهم لن يتساووا فى معرفته، وإنما يخطون به بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم. فالبلغاء تغرف من فصاحته، والفقهاء من أحكامه، والمتكلمون من براهينه العقلية، وأهل الآثار من قصصه ما يجهله غير المختص بفنه، وقد علم أن الانسان بقدر ما يكتسب من قوته فى العلم تتزايد معرفته بغوامض معانيه )).

ويعقب عبد الحافظ حلمى محمد ( 1982 ) على ذلك بقوله: (( إن علماء العلوم الطبيعية ليسوا بدعا من بين هؤلاء الذين ذكرهم الأصفهانى )) ونضيف إلى هذا القول أن علماء العلوم الاجتماعية والإنسانية ليسوا أيضا بدعا فى ذلك.

 أهداف علم النفس من الوجهة الإسلامية:

فى ضوء مناقشاتنا السابقة يمكن أن نحدد أهداف علم النفس- كغيره من العلوم- من الوجهة الأسلامية على النحو الآتى:

(1) الوصف: التعرف على آيات الله:

لقد أشرنا إلى أن القرآن الكريم يدعو الانسان الى التعريف على آيات الله فى خلقه فى الآفاق والأرض والنفس. وقد حفل كتاب الله. بالاشارة إلى هذه الآيات. ويتخذ القرآن أساليب بلاغية فى دعوة الإنسان للنظر فى آيات الله ومطالعتها وتدبرها. ويصنف عبد الحافظ حلمى محمد ( 1982 ) هذه الأساليب القرآنية فى ثلاثة فئات هى :

(أ) الأمر المباشر: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قل انظروا ماذا فى السموات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾. ( يونس: 101 ).

(ب) الحص الجميل: ومن ذلك قوله سبحانه:

﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ﴾. ( الغاشية: 17- 20 ).

(جـ) التقرير القاطع: ومن ذلك قوله جل وعلا:

﴿أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأى حديث بعده يؤمنون ﴾. ( الأعراف: 185 ).

وهذه الصيغ القرآنية- على اختلافها- تعد بالنسبة للمؤمن أمرا وفريضة وتكليفا. فالتعرف على الآيات الإلهية فى الكون والإنسان شأنها شأن (( العبادات المفروضة وكسب المعارف الإلهية وتهديب النفس وخدمة الخلق والسعى فى تقدم المجتمع الإسلامى )) ( جمال الدين عطية، 1988 ) هى جميعا من ألوان العبادة.

وإذا كانت معرفة آيات فى خلقه فريضة وتكليفها فلابد أن تتفاوت مستويات هذه المعرفة بتفاوت مستويات البشر. وهى تمتد من النظر الفطرى البسيط عند الأمى إلى النظر المتأمل المتعمق لدى العالم المتخصص. وبالطبع فإن العالم يكون أقدر على إدراك جلال القدرة الإلهية فى الخلق؛ ومن ثم كانت خشيته العميقة للخالق سبحانه وتعالى، كما بينا من قبل. وجميع هذه المستويات مطلوبة؛ فكل ميسر لما خلق له، كما أنه سبحانه وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها وقدرتها. وبالطبع فإن التأمل العميق فى آياته لا يستطيعه إلا القادر عليه. وعلى هذا فإنه إذا كان النظر البسيط فرض عين فإن التعرف العميق لدى المتخصصين (( فرض كفاية عليهم، كما أنهم مكلفون أيضا بتبصير غيرهم بعلومهم، وما انتهى إليه نظرهم، فقد أمرنا أن نتعلم ونعلم ونهينا عن كتمان العلم ))                       ( عبد الحافظ حلمى محمد، 1982 ).

والتعرف على آيات الله فى خلقه على مستوى العلم المتخصص لا يتحقق إلا بالوصف الجيد الدقيق لها. ومن هنا يحتل الوصف مكانة أولى بين أهداف العلم فى الإسلام، ومنه علم النفس بالطبع. وللوصول إلى التعرف على الايات الإلهية فى ميدان محدد هو علم النفس يسعى هذا العلم إلى تحقيق هدف أساسى يبدو تقليديا إلا أنه فى إطار المنظور الإسلامى الذى نتناوله فى هذا البحث تصبح له صبغة إسلامية، وهو الوصف. والوصف العلمى يعتمد فى جوهره على الملاحظة التى بيناه فى بداية هذه الدراسة. وقد تكون الملاحظات مباشرة حين تنسج الاية ( الظاهرة النفسية ) من آثارها ونتائجها وعلاماتها ومؤشراتها. وفى الحالتين تكون المؤشرات القابلة للملاحظة المباشرة التى تستخدم فى التسجيل والوصف والقياس من نوع (( معطيات الحس )) والاقتران الجميل فى القرآن الكريم بين الإيمان والعمل الصالح مرشدنا فى ذلك، فالعمل الصالح بالطبع يدخل فيما يمكن أن يلاحظ مباشرة، أما الإيمان فلا يخضع للملاحظة المباشرة، وقد يستنتج من العمل الصالح.

ومن الملاحظات الجزئية المباشرة وغير المباشرة يمكن للوصف أن يترقى إلى مستوى من التعميم يشمل ما يسمى بناء المفاهيم concepts  والتى تدل على فئات من هذه الملاحظات الجزئية يتم تصنيفها وعنونتها على أساس خصائصها المشتركة. وحينئذ تظهر القوائم والجداول التصنيفية taxonomical  الموفولوجية morphological  ( أشهرها فى الكمياء جدول مندليف ). وتوجد فى علم النفس الحديث قوائمه وجداوله أيضا، لعل أشهر تصنيفات الدوافع الانفعالية وفئات القدرات العقلية وسمات الضخصية. وقد استخدم فى كثير من التصنيفات منهج التحليل العاملى- وهو كغيره من المناهج مقبول فى إطار الإسلامى كما سنبين فيما بعد. إلا أن ما يهمنا ونحن نتحدث عن الوجهة الإسلامية لعلم النفس أن نتأمل القوائم والجداول الحالية لهذه الظواهر النفسية فى إطار إسلامى ناقد، لنتوصل إلى تصنيف يتفق مع ما جاء فى كتاب الله وسنة نبيه الكريم.

وقد بذل أحد الكتاب الإسلاميين المعاصرين ( نديم الجسر: 1971 ) محاولة جادة فى سبيل تصنيف دوافعالسلوك كما وردت فى القرآن الكريم، ونحن فى حاجة إلى جهود مركزة فى هذا السبيل، ويمكن الاستفادة فى هذا الصدد من الجهود التى بذلت من جانب بعض علماء النفس فى بناء علم نفس إسلامى والتى تناولناها بالتفصيل فيما سبق من هذا البحث.

وقد حظيت النفس الإنسانية بالجانب الأعظم من الآيات التى يشير إليها القرآن الكريم، والتى يتطلب التعرف عليها سواء على المستوى الفطرى البسيط أوعلى المستوى العلمى المتعمق المتخصص فى علم النفس. ونكتفى ببعض الأمثلة حول النمو الإنسانى والتى كانت محل اهتمامنا فى الفترة الأخيرة ( آمال صادق، فؤاد أبو حطب، 1987 ).

يقول الله تعالى فى خلق الإنسان:

﴿فلينظر الإنسان مم خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ﴾. ( الطارق: 5- 7 ).

﴿ثم جعلنا نسله من سلالة من ماء مهين ﴾. ( السجدة: 8 ).

وهذا الماء الدافق، والمنى الذى يمنى، والماء المهين هو المنى الذكرى، وهو آية عظمى من آيات الله. إلا أنه لا يكفى وحده لتكوين الانسان جنينا فى رحم الأم. ولهذا أشار القرآن إلى النطفة باعتبارها المادة التى يتم منها هذا التكوين. وقد وردت كلمة (( نطفة )) فى القرآن فى اثنى عشر موضعا ومنها قوله تعالى: ﴿أو لم يلا الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾.                ( يس 77 ).

وهذه النطفة آية أخرى من أيات الله. وقد تكون مذكرة أو مؤنثة حسب الحديث الشريف. فقد أورد مسلم فى مسنده أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لليهودى الذى سأله من أى شئ يكون الانسان؟                  (( يا يهودى: من كل يخلق، من نطفة الرجل ونطفة المرأة )).

والنطفة المذكرة ( الحيوان المنوى ) والنطفة المؤنثة ( البويضة الأنثوية ) يندمجان معا ليتكون من كل منهما نطفة جديدة مخصبة هى التى يسميها علم الأجنة (( اللاقحة )) أو (( الزيجوت )).               ويعبر القرآن الكريم عن هذه العملية تعبيرا معجزا: (( بالنطفة الأمشاج ))، يقول الله تعالى:

﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه… ﴾. ( الإنسان: 2 ).

ومن الآيات الإلهية الأخرى فى مجال النمو الإنسانى: القرار المكين، العلقة، المضغة، تكوين العظام واللحم، وهى جميعا مما يعكف على وصفه علم الأجنة وعلم نفس النمو فى الوقت الحاضر، وقد تناولها هذه المسألة من وجهة نظر علم النفس فى موضع آخر ( آمال صادف،                  فؤاد أبو حطب، 1987 ).

(2) التفسير: الكشف عن سنن الله:

إذا كان العلم فى الإسلام عبادة يتقرب بها العالم إلى الله من خلال التعرف عللا آياته أولا من خلال وصفها وصفا دقيقا محكما كما بينا، فإن سبيله إلى ذلك بعد الوصف أن يسعى للكشف عن سنن الله فى مخلوقاته. وسنة الله هى ما جرى به نظامه فى خلقه. وليس من قبيل المصادفة أن أطلق رواد العلم فى الإسلام على بعض العلوم، مثل علم الفيزياء، بأنه (( علم الكشف عن سنن الله فى الكون ))( عبد الحليم محمود، 1974 ). وفى علم النفس يكون هدفنا أيضا الكشف عن سنن الله فى سلوك الإنسان، ومع كشفنا لكل سنة منها نوجه الكشف إلى مجهولات أخرى لكشفها.

وقد نبه القرآن الكريم إلى وجود سنن إلهية تحكم الكون والنفس والمجتمع، وأورد أمثلة منها، وحث على استخدام وسائل المعرفة المختلفة للكشف عن المزيد منها. وبالطبع فإن ما يهمنا فى هذا البحث تلك السنن المتصلة بالنفس نذكر منها بعض الأمثلة الآتية التى تنتمى إلى علم نفس النمو.

يقول الله تعالى:

﴿الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ﴾.              ( الروم: 54 ).

﴿فإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستاذنوا كما استاذن الذين من قبلهم ﴾. ( النور: 59 ).

﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ﴾. ( النساء: 6 ).

﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك ﴾. ( الأحقاق: 15 ).

﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ﴾. ( الحج: 5 ).

﴿ومن نعمره ننكسه فى الخلق.. ﴾. ( يس: 68 ).

ويمكن القول أن تاريخ العلم مساره وتطوره ما هو إلا محاولات تراكمية متتابعة للكشف عن هذه السنن الإلهية باستخدام أفضل الطرق المتاحة فى كل عصر. وبالطبع تشمل هذه الطرق وسائل البحث وأدواته. وبمنطق الإسلام تصبح طرق البحث فى علم النفس- إذا توافرت فيها الضوابط التى سنشير إليها فيما بعد- مقبولة، ابتداء من منهج الرواية ( أو المنهج القصصى anecdotal) الذى شاع فى المؤلفات المبكرة ككتاب الأذكياء لابن الجوزى الذى أشرنا إليه- حتى الاستبطان والتجريب الموضوعى والقياس كما تستخدم جميعا فى وقتنا الحاضر.

وبالنسبة للمنهج التجريبى خاصة- الذى تعرض للنقد الشديد من بعض الكتاب الإسلاميين كما بينا فى مطلع هذا البحث- فإنه من صميم العلم كما يحدده الإسلام. فالإسلام لا يكتفى بالتفكير النظرى المجرد. وقد دحض محمد إقبال ( عن فتحى رضوان، 1972 ) بأدلة تاريخية حاسمة الزعم بأن أوربا هى التى استخدمت المنهج التجريبى. فقد تلقى روجر بيكون ( 1214- 1294م ) دراسته فى جامعة الأندلس، وقرأ لابن الهيثم أحد أعلام التجريب المسلمين الذين شهد الغرب بفضلهم.

إلا أن حدود وسائل المعرفة والبحث عند الإنسان- حواسه وعقله- وقصور مناهجه ونقص أدواته  ( وهذا ما سنشير إليه فيما بعد ) تجعله يعجز عن الكشف (( بيقين )) كامل وبموضوعية مطلقة عن سنن الله، وكل ما تعينه عليه هذه الوسائل والمناهج والأدوات أنها توصله إلى ما يمكن أن نسميه قوانين العلم Laws . وهذه القوانين يمكن النظر إليها من الوجهة الإسلامية على أنها صيغ يعبر بها العلماء عن هذه السنن فى حدود الممكن، وهى فى جوهرها بنى معرفية بشرية congnitive structures  قابلة للتطوير والتحسين والتعديل، ولو أن بعضها على درجة من الثبوت النسبى.      إلا أن هذه القوانين متغيرة وبعضها يثبت بطلانه فى مراحل تاريخية متتابعة بينما سنن الله- كما جاءت فى القرآن الكريم- يجب أن تكون حكما لا محكوما عليها. وقد اتجه بعض علماء الإسلام إلى رفض الاتجاه (( إلى تفسير بعض الآيات عند حدوث ظاهرة علمية أو تقرير نظرية لم ترتفع إلى مستوى القانون بما يتلاءم مع تلك الظاهرة )) ( أحمد إبراهيم مهنا، ب. ت )، إلا أننا نذهب إلى أبعد من ذلك فنرفض أى اتجاه يوحد أو يطابق مطابقة تامة بين سنة الله وقانون العلم. فهذا القانون فى أحسن حالاته ما هو إلا تقريب تتابعى لسنه الله. إلا أنه سيبقى أبدا التحديات الأساسيان اللذان يقف أمامهما العلم عاجزا وهما تحدى الخلق وتحدى الغيب. ويبدو لنا أن عجز الإنسان عن الوصول إلى الكشف الكامل والنهائى عن سنن الله فى خلقه يتفق مع خاصية التحدى هذه مادامت سنن الله هى أنماط الجوهرية لكينونة المخلوقات وصيرورتها.

وإذا أردنا أن نستخدم لغة فلاسفة العلم المحدثين- ومنهم بنجى( 1979 Bunge,) مع بعض التصريف، لقلنا أن قوانين العلم ما هى إلا الاسقاطات غير الكاملة لسنن الله على المستوى المعرفى، وهى لا تتداخل كلية، ولا تتطابق تماما مع هذه السنن بحكم التحسن التدريجى الذى يطرأ على القوانين العلمية النسبية الاحتمالية ( كعمليات بشرية ) فى مقابل الثبات البديهى المطلق لسنن الله ( كقوانين إلهية ). وهذا التداخل الجزئى أو بالأحرى ما يمكن أن يسمى بالارتباط غير الكامل بين السنن الإلهية والقوانين العملية دليل على النقص البشرى فى مقابل الكمال الإلهى. ويتمثل هذا النقص عند الإنسان فى الخطأ والنسيان والإكراه وعدم النضج والزيغ والتعجل والظن والهوى والسطحية وغيرها مما أشار إليه القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة فى وصف السلوك الإنسانى. وبالأضافة إلى ذلك فإن عدم التطابق بين سنن الله وقوانين العلم إنما هو نتيجة لطبيعة القانون العلمى ذاته- الذى يكون فى بدايته فرضا يتم اختياره والتحقيق منه عدة مرات. وهو يعبر عن إعادة بناء معرفى للحقيقة وليس انعكاسا لها، أو بعبارة أخرى نقول إن هذا القانون العلمى هو عملية بناء نموذج للحقيقة أكثر منه عملية محاكاة لها. ولذلك كله فإن صدق القانون لا يصل أبدا إلى الدقة التامة أو اليقين المطلق التى هى طبيعة السنة الإلهية التى تتعالى عن كل نقص.

ومرة أخرى فلكى نصل إلى القوانين العلمية فى ميدان علم النفس بحيث تكون هذه القوانين تقريبات للسنن الإلهية فى سلوك الإنسان، يسعى هذا العلم إلى تحقيق هدف يبدو تقليديا أيضا، إلا أنه فى إطار الوجهة الإسلامية التى نطرحها فى هذا البحث تصبح له صبغة إسلامية، وهو هدف التفسير. وبالطبع فإن قوانين العلم تتعدى حدود الملاحظة والإدراك الحسى، وحدود التصنيف معا، وهما ما يسعى إليه هدف التعرف على آيات الله بالوصف. ويبدأ القانون حين يتم الربط بين مفهومين أو أكثر بعلاقة من نوع ما. وينشأ عن ذلك تكوين ما يسمى المبادئ أو التعميمات أو القواعد. ويلعب الدور الأعظم فى بناء القوانين فى هذا المستوى عمليات معرفية راقية عند الإنسان كالاستنباط، وتستخدم مناهج فى التفكير متميزة كالمنهج الفرضى الاستنباطى، كما قد يتم تركيب عدة علاقات من هذا القبيل لبناء ما يسمى الأنساق أو النظم أو المنظومات Systems .

وقد تكون قوانين العلامات هذه محض قوانين وصفية ( أو ما يمكن أن نسميه قوانين لا تفسيرية ) وأغلب قوانين الإدراك فى علم النفس من هذا القبيل. إلا أن كثيرا من قوانين العلاقات يعد من النوع التفسيرى أى يهتم بالعوامل factors  ( التى تتضمن مبدأ الاقتران أو الارتباط ) أو الأسباب reasons. والأسباب فى العلم من نوعين: شروط conditions( وهى الأسباب الضرورية  necessary  )، وعلل causes( وهى الأسباب الكافية sufficient).

وحين يحقق العلم هدف التفسير فإن ذلك يقوده إلى هدفين آخرين يعتمدان عليه هما التحكم controlوالتنبؤ prediction. إلا أن التحكم والتنبؤ ليسا مشابهين من الوجهة الأبستمولوجية للتفسير           ( أو الوصف )، لأنهما يتضمنان قدرا أكبر من عدم اليقين. فالأوصاف لا تكون كاملة أبدا والتفسيرات ليست نهائية مطلقا، ولعدم اكتمال الوصف والتفسير ينشأ قدر كبير من عدم اليقين عند التحكم والتنبؤ اللذين يعتمدان عليهما. وبالأضافة إلى ذلك فإن التحكم والتنبؤ من خصائصهما العجز فى كثير من الأحيان عن الإدراك الفبلى لما يمكن أن يحدث من جديد وهام وغير متوقع. وحكمة الإنسان فى أغلبها هى من نوع الإدراك المتأخر hindsight( أى بعد انقضاء الأحداث ) أكثر منها من نوع بعد النظر foresight( أى قبل حدوثها ).

وفى جميع الأحوال فحين تصبح قوانين العلم تفسيرية فأنها تتضمن قدرا من الخطا سواء كانت هذه القوانين لا سببية ( عاملية ) أو سببية ( شرطية أو علية ). وقد تدخل على القوانين اللاسببية- حين تستخدم فى أغراض التحكم والتنبؤ- بعض التعديلات التى تتضمن مكونات سببية لم تكن فيها. وفيها يتم المعالجة فى بعض المتغيرات المرتبطة بالقانون موضع الاهتمام، بشرط أن تكون العلاقة واضحة وتكون مجموعة المتغيرات تحت المعالجة التجريبية من قبيل (( الأسباب ))، فإذا تغيرت قيمتها بطريقة معينة ينتج أثر معين على نحو ثابت وبطريقة معينة ينتج أثر معين على نحو ثابت وبطريقة معينة أثر معين على نحو ثابت وبطريقة متميزة دون إحداث تأثير له قيمته فى (( السبب )) إلا أن هذا لا يكفى للقول بأن القانون اللاسببي أصبح يعبر عن علاقة سببة إلا كانت العلاقة ذات اتجاه واحد uniderectionality  وليست من النوع الذى يمكن قلبه أو عكسه reversible                      ( أى علاقة ذات اتجاهين ). فإذا عولج الأثر على أنه (( سبب )) وأدى إلى نتيجة مختلفة كانت العلاقة من النوع الأول ( أى ذات الاتجاه الواحد )، أما إذا أدت هذه المعالجة إلى نفس النتيجة ظلت العلاقة من النوع الثانى ( أى ذات الاتجاهين ).

والواقع أن معظم قوانين علم النفس التى تنتمى إلى هذه الفئة ليست من النوع السببى؛ لأن معظم الارتباطات من نوع الاعتماد الوظيفى المنتظم، أى أنها لا تتغير إذا حل (( السبب )) و (( الأثر ))       كل منهما محل الآخر. ومن أمثلة ذلك العلاقة بين القلق والتحصيل المدرسى، وقوانين التعزيز بصيغها المختلفة فى التعلم.

وإذا كانت القوانين السببية نادرة فى علم النفس، فالأكثر ندرة القوانين العلية causal. فمعظم بحوثنا- وفى حدود إمكاناتنا البشرية ووسائلنا فى المعرفة والبحث والاكتشاف- لا تتعدى – وفى حالات نادرة- حدود العلاقات الشرطية ( أى تحديد الأسباب الضرورية ) أما صياغة العلاقات العلية           ( أى تحديد الأسباب الكافية ) فيبدو لنا أنها تتعدى حدود النطاق البشرى- ليس فى البحوث النفسية وحدها وإنما فى مختلف فروع العلم والمعرفة. وهذا هو السبب فى أن جهود العلم فى مختلف العصور هى سعى نحو (( كمال )) المعرفة ( فى صورة علاقات علية ) وليست وصولا إليه، وهذا هو جوهر طبيعة العلية أو السببية فى العلم والتى أدى عدم التنبه إليها إلى مشكلات حادة فى فلسفة العلم لا يتسع المقام لتناولها.

ولتلخيص مناقشاتنا السابقة عن السنة الإلهية والقانون العلمى السيكولوجى ( وغيره ) نقول أن القانون العلمى بمستوياته المختلفة التى بيناها إنما هو فى جميع الأحوال محاولة بشرية قد تصيب وقد تخطئ فى اكتشاف السنة الإلهية.

وسائل الإنسان للتعرف على آيات الله ( الوصف ) والكشف عن سننه ( التفسير ):

يستخدم الإنسان فى التعرف على آيات الله وفى الكشف عن سننه ما زوده سبحانه وتعالى به من نعم وخاصة الحواس والعقل، والأبستمولوجيا الإسلامية فى وجهتها المتوازنة لا تحدث تضادا بين الحواس والعقل كما فعلت نظريات المعرفة على مر العصور والتى أدت إلى ظهور المدارس الإمبريقية فى مقابل المدراس العقلية ( أو العقلانية ). ففى الإسلام تتكامل وسائل المعرفة تحقيقا لإحدى غايات العلم وهى شكر الله على أنعمة، والشكر من ألوان العبادة.

يقول الله تعالى:

﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ﴾. ( النحل: 78 ).

﴿وهو الذى أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ﴾. ( المؤمنون: 78 ).

كما اعتبر وسائل المعرفة مسئولية فى قوله تعالى:

﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ﴾. ( الإسراء: 36 ).

والمسئولية تعنى- والله أعلم – حسن لاستخدام كما تعنى الوعى بنقائص هذه الوسائل. وبالطبع فإن وسائلنا البشرية هى بفطرتها محدودة ومعرضة للوقوع فى أخطاء الضعف أو القصور أو النسيان ـ أو الخداع. وقد أشرنا إلى هذه المسألة فى حديثنا عن اليقين والموضوعية فى مطلع هذا البحث، وجوهرها أن الأنسان ليس معصوما من الخطأ. ومهمة العلم أن يرشد إلى الصواب فى حدود إمكانات البشر الحسية والمعرفية. وفى الإسلام أن من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطا فله أجر واحد بشرط صدق النية وخلوص المقصد. ومن الأدعية القرآنية المأثورة ﴿ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطانا ﴾. ( البقرة: 286 ).

ومن الأحاديث المشهورة قول الرسول الكريم: (( رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا  عليه )).

وقد وضع القرآن الكريم مجموعة من الضوابط لوسائل المعرفة البشرية تعين الإنسان على الاقتراب من الصواب. وقد لخص على عبد العظيم ( 1973: 69- 83 ) هذه الضوابط تلخيصا طيبا يمكن أن يعد مدخلا لمناهج البحث فى العلم عامة، وفى علم النفس خاصة، نذكر أهمها فيما يلى:

(1) التجرد من الميول والأهواء عند الباحث العلمى ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من  الله ﴾. ( القصص: 50 ).

ويشتمل هذا التحيز المسبق لنظرية أو مذهب أو اتجاه.

(2) التثبيت قبل إصدار الحكم فى مسألة علمية، وهذه القاعدة الذهبية هى التى يستخدمها الباحثون فى مختلف ميادين المعرفة، والتى تسمى القابلية للاستعادة أو التكرار، كما تتضمن قاعدة الموضوعية باعتبارها الاتفاق النسبي بين الملاحظين. وقد أمر الله صراحة بالاتبنى الأحكام على مجرد الظنون ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى عن الحق شيئا ﴾. ( النجم: 28 ).

(3) التعميق فى دراسة الخصائص الثابتة نسبيا والأكثر عمقا وعدم الوقوف عند المظاهر الشكلية أو الظواهر السطحية أو الصفات العارضة فإنها كثيرا ما تخدع الباحث. وقد أخذ الله تعالى على المدعين أنهم ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهو عن الآخرة هم غافلون ﴾. ( الروم: 7 ).

(4) العبرة فى البحث العلمى بالكيف لا بالكم. وهذا المبدأ مفيد لنا فى العالم الإسلامى، ومعظم دوله من فئة المجتمعات النامية، فى مواجهة ما تشهده من انفجار معرفى وثورة فى المعلومات. والاهتمام بالكيف يكاد يكون خاصية إسلامية متميزة يحددها قول الله فى وصف الناس عامة          ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾. ( الحجرات: 13 )،

وقياسا على ذلك نقول إن الأفكار الجيدة من الوجهة الإسلامية أفضل وأجدى كثيرا حتى ولو كانت قليلة العدد من الأفكار الأقل جودة حتى ولو كانت كثيرة.

(5) البعد عن الغرور فإن غرور العلماء منزلق خطير قد يجيد بهم عن الطريق السوى. يقول الله تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾( النجم: 32 ).

والتوضع سمة هامة للعالم المسلم، لأنه يدرك بحق أن العلم لا يدرك كله، ولذا تخفى على أعظم العلماء بعض جوانب المعرفة. يقول الله تعالى فى ذلك: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾.           ( الإسراء: 85 ). ﴿وفوق كل ذى علم عليم ﴾. ( يوسف: 76 ).

(6) التأنى فى الحكم ومقاومة الميل الفطرى عند الإنسان للتعجل. وقد أوصى الله سبحانه وتعالى رسوله بالأناة عند تلقى القرآن الكريم فقال: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾( القيامة: 16 ). كما قال تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدنى علما ﴾( طه: 114 ).

(7) الوقوف عند حدود ما معلم. ومن العبارات الهامة التى كان يرددها كثيرا أقطاب السلف الصالح (( الله أعلم )). يقول على عبد العظيم ( 1973: 79 ): (( الراسخون فى العلم يبذلون جهودهم فى البحث فإذا لم يصلوا إلى نتيجة محددة استعانوا بغيرهم أو تركوا أبحاثهم لتتممها الأجيال القادمة، وكثيرا ما تختفى الحقائق ولا تلوح إلا بعد أجيال وأجيال وبعد أن يشترك فيها علماء من كل جيل ومعنى ذلك أن العالم المقتدر هو الذى لا يتعسف فى تفسير نتائجه أو يحملها ما لا تحتمل. وقد ضرب الله سبحانه المثل بقول عيسى عليه السلام: ﴿سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق ﴾. ( المائدة: 116 ).

(8) العودة إلى الصواب والاعتراف بالخطأ إذا تبين الحق. وقد مدح الله المومنين بأنهم إذا أخطأوا لم يتمادوا فى أخطائهم ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ﴾. ( آل عمران: 135 ).

أوجه استخدام العلم من الوجهة الإسلامية:

إذا كان الهدفان الرئسيان للعلم هما التعرف على آيات الله فى خلقه والكشف عن سننه فيها، فإن الأمر لا يتوقف عند مجرد (( التعرف )) و (( الكشف ))، أى حدود ما يسمى فى عصرنا                   (( العلم للعلم )). وأكثر صفات العلم شيوعا فى الأسلام وصفه بالنفع. فقد روى عن الرسول          ( صلى الله عليه وسلم ) قوله: (( نعوذ بالله من علم لا ينفع ))، وقوله: (( اللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى )).

ويشير جمال الدين عطية ( 1988 ) بأنه لا يوجد علم (( مذموم فى ذاته )). والذم لا يأتى إلا للاستخدام السيئ للعلم، أو بسبب ضرره أو عدم نفعه. وعلى ذلك فإن العلماء فى الوجهة الإسلامية للعلم لابد أن يكونوا على درجة كافية من الوعى بأوجه استخدام العلم.

ويأتى على رأس الاستخدامات جميعا أن يكون العلم عبادة بالمعنى الذى تناولناه من قبل. فالعالم الذى نعيش فيه، والبشر الذين يحيطون بنا هم (( آيات للخالق ))، والنظام الموجود فى الكون من ناحية والسلوك الانسانى من ناحية أخرى (( دليل على المنظم المدبر )). والتعرف على آيات الله والكشف عن سننه من أهم السبل التى حثنا عليها القرآن الكريم (( لمعرفة الله والوصول إلى        عظمته )). وبهذا يصبح العلم وسيله (( للتقرب إلى الله وكسب رضاه )). وإذا كان الله تعالى قد عبر عن علامات قدرته فى خلق الكون والإنسان بأنها (( آيات )) فإنه يصف القرآن الكريم أيضا بأنه      (( آيات )) يقول الله تعالى:

﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ﴾. ( البقرة: 99 ).

وهكذا تكون علامات قدرته سبحانه (( متلوة )) فى القرآن الكريم و (( مجلوة )) فى مخلوقاته، ولذا يرى بعض المفسرين أن قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾يحتمل الآية فى كتاب الله والآية فى خلقه. وهذا الربط الوثيق بين (( آيات )) الله فى كتابه الخالد وآياته فى الكون والإنسان، دعا أحد الكتاب المعاصرين ( 173: 7 ) إلى القول بأنه (( لو كان القرآن عالما محسوسا لكان هذا الكون العجيب. ولو كان الكون كتابا متلوا لكان هو هذا القرآن، فكرهما كتاب الله البين وكلماته الكريمة )). يقول الله تعالى فى وصف القرآن الكريم:

﴿ولو أن قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموئى ﴾. ( الرعد: 31 ).

ويقول الرسول الكريم فى وصفه أيضا فى حديث طويل بأنه:

(( كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم، عو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم وهو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه )).

والقرآن الكريم فى دعوته إلى طلب العلم والتعرف والكشف عن عالم الكون وعالم الإنسان يضم فى نفس الوقت الكثير من الإشارات إلى ظواهر هذين العالمين. وقد دفع ذلك فريقا من العلماء المسلمين إلى البحث عن (( الإعجاز العلمى للقرآن الكريم )). وهو موضوع له تاريخ طويل             لا يتسع المقام لعرضه.

وبإيجاز نقول أن أحد أوجه استخدام العلم- ومنه علم النفس- أن يكون فى (( خدمة القرآن الكريم ))  أو ما يسميه عبد الحافظ حلمى محمد ( 1982 ) (( الخدمة العلمية لتفسير القرآن الكريم )).           وهنا يجب أن نشير إلى أمرين هامين:

أولهما: أن كتاب الله ليس دائرة معارف علمية تتضمن تفاصيل حقائق العلم. وما يتضمنه منها هو على سبيل تأكيد رسالته ككتاب دعوة وهداية وإرشاد، ولو كانت كل حقائق العلم متضمنة فيه ما دعانا الله سبحانه وتعالى إلى مزيد من الكشف عنها.

ثانيهما: يجب ألا تحمل كلمات القرآن الكريم ما لا تحمله من معانى، كما يجب عدم إقحامه فى التفاصيل الجزئية لنتائج البحوث والمخترعات.

والاستخدام الأمثل للعلم فى خدمة القرآن الكريم أننا لو قرأنا فيه ما يشير إلى آيات كونية أو إنسانية كإشارات إلى النطفة أو العلقة أو المضغة مثلا كآيات إلهية فى تكوين الإنسان، أو إشاراته إلى الضعف ثم القوة ثم الضعف والشيبة، أو إلى بلوغ الفصال ( الفطام ) وبلوغ الحلم أو بلوغ السعى أو بلوغ الرشد أو الارتداد إلى أرذل العمر كسنن إلهية فى نمو الإنسان يمكننا أن نظهر ما كشفته وما تزال تكشفه الدراسات الحديثة وصفا لهذه الآيات وتفسيرا لتلك السنن مقدمين فى ذلك غاية ما بلغته اجتهاد البشر بشرط ألا يمس جوهر التفسير، مع عدم الجزم والقطع فيما تقدم، فالله سبحانه وتعالى أعلم بمراده فى كتابه العزيز.

وفى هذا الصدد نحن نتفق مع عبد الحافظ حلمى محمد ( 1982 ) فى أن (( تبصرة المسلمين بالنواحى العلمية المتعلقة بحسن الفهم لتفسير القرآن الكريم أمر مرغوب فيه، وعلى الأخص فى هذا             الزمان  )). إلا أننا نتحفظ معه فى أن هذا (( لا يعنى أنه أمر مستباح لكل من اشتهاه )). فالعلم          من الفرض الكفائية التى لا يتحملها إلا القادرون على حمل أمانته.

وبهذا يصبح العلم نافعا حين تتجلى صلته بالعقيدة ويعين على حسن العبادة. إلا أن من معانى النفع للعلم فائدته المباشرة للناس. وقديما اعتبر الفقهاء تعلم الطب وصناعة السلاح وعلوم الزراعة ومختلف الصناعات واجبا كفائيا على المسلمين وذلك لفائدة هذه العلوم لهم فى عمارة أرضهم والحفاظ على صحتهم وحياتهم والدفاع عن أنفسهم، وذلك كله على أساس القاعدة الفقهية القائلة بأن (( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب )) أن تمتد هذه القاعدة الذهبية لتشمل جميع العلوم الحديثة ومنها علم النفس.

إلا أن علم النفس يحتل فى هذا الجانب العمل التطبيقى بعمارة الأرض منزلة خاصة. فالإنسان     هو غاية هذه العمارة وهو وسيلتها فى وقت واحد. وأى معرفة صحيحة من خلال العلم بآيات الله       فى سلوك الإنسان، وكشف دقيق لسنته فيه يمكن استثمارها فى تربية وتنمية وإرشاد هذا الإنسان بحيث يصبح أكثر قدرة وفعالية فى تحقيق هذه الغاية المثلى من استخلافه فى الأرض. ولعل ذلك يشير على وجه الخصوص إلى ثلاثة مجالات رئيسية لاستخدام المعرفة النفسية الموجهة وجهة إسلامية:

(أ) مجال التربية وفيه تتم تنشئة الإنسان المسلم.

(ب) مجال العمل والإنتاج وفيه يتم توجيه الإنسان المسلم إلى إحسان العمل وإتقانه.

(جـ) مجال الصحة النفسية وفيه يتم بناء الشخصية المسلمة وحمايتها ووقايتها من الخلل والاضطراب وإصلاح وعلاج ما تتعرض له من أمراض.

وفى جميع هذه المجالات العملية التطبيقية- وغيرها- لابد من الإحالة دائما إلى (( النموذج السلوكى الإسلامى )) الذى يوجه من خلاله سلوك المسلم المعاصر. ويشير ذلك إلى مهمة خاصة لابد أن يتصدى لها علماء النفس المسلمون، والتى تتطلب تحديد مواصفات هذا (( النموذج- القدوة ))                     من خلال مصادره الأساسية وهى:

(أ) القرآن الكريم: الذى حددت آياته الكريمة فى كثير من المواضع سمات هذا النموذج- القدوة، وهو ال