Uncategorized

مدخل لصياغة مفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم

الموضوع الذى يهتم هذا البحث بدراسته يدور حول صياغة مفهوم (( التوجيه الإسلامى للعلوم ))، ثم تطبيق هذا المفهوم على علم السياسة الذى يمثل مجال التخصص والاهتمام الأساسى للباحثة، 

وبداية نقرر أنه على الساحة الإسلامية نجد عدة تعبيرات تشير بدرجة أو بأخرى إلى محتوى هذا المفهوم ، أحدها هو المستخدم فى عنوان هذا البحث وهو (( التوجيه الإسلامى للعلوم ))، 

       هذا بالأضافة الى عدد من التعبيرات الأخرى منها: (( أسلمة المعرفة ))، (( أسلمة العلوم ))، (( أسلمة المناهج ))، (( صياغة العلوم من منظور إسلامى )) ، أو (( إقامة نظريات إسلامية أو رؤية إسلامية، أو الخط الإسلامى للعلوم ))(1) وغير ذلك من تعبيرات وصياغات تدور حول مفهوم (( الإسلامية )) أو (( الأسلمة )). الهدف إذن يتحدد فى البيان الواضح لمفهوم (( التوجيه الإسلامى للعلوم ))، والبحث فى مدى مطابقته أو اختلافه عن التعبيرات الأخرى المستخدمة فى هذا المجال، وهل يشيرون جميعا إلى حقيقة واحدة أو ظاهرة واحدة؟. والبحث فى المفاهيم يعنى أساسا بالصياغات الفكرية المجردة. ولقد أردنا أن نضيف إلى هذا البحث المفاهيمى المجرد ناحية تطبيقة؛ لأن التطبيق يزيد من توضيح المفهوم من حيث المعنى وإمكانية الممارسة الفعلية، فحددنا لنا هدفا إضافيا يتمثل فى تطبيق هذا المفهوم على علم السياسة. أما عن المنهج الذى سنتبعه من أجل بناء مدخل لصياغة هذا المفهوم: فهو يعتمد على تحليل جزئيات هذا المفهوم، ثم من خلال المتابعة النقدية للكتابات السابقة فى هذا المجال نحاول أن ننتقل من التحليل إلى التركيب والتجميع مرة أخرى من أجل تقديم تصورنا لصياغة هذا المفهوم. أما عن التقسيم فقد حاولنا فيه- بقدر المستطاع- الوفاء بمتطلبات الهدف والموضوع، وحيث إن البحث كله يدور حول هذا المفهوم فهو- من ثم- ينقسم إلى مدخل له، وصياغة له، وتطبيق له. فأجزاؤه إذن ثلاثة هى: المدخل- الصياغة- التطبيق.                

أولا: المدخل

الحاجة إلى التوجيه الإسلامى للعلوم

فى البداية استرعى انتباهنا تساؤل هام، وهو لماذا طفت على السطح فى الآونة الأخيرة كتابات كثيرة، وحديث كثير عن (( الأسلمة)) (2)؟ ولماذا فى هذا التوقيت على وجه الخصوص(3)؟ أو بمعنى آخر: التوجيه الإسلامى للعلوم… لماذا؟؟

فى الواقع إن هذه الدعوة يرجعها البعض إلى الرغبة فى الوصول إلى حالة من الوفاق والتواؤم مع الواقع الذى يعيشه الإنسان المسلم فى العصر الحالى؛ حيث انقسم المسلمون إزاء هذا الواقع المعاصر إلى فريقين: فريق يعيش منعزلا يمارس حياته اليومية وهو متقوقع لا يكاد يشعر بالتطورات المتلاحقة فى كافة مجالات الحياة، وفى مجال العلم والتكنولوجيا، وأمثال هؤلاء لا يكادون يشعرون بمشكلة أو أن الأمر لا يعنيهم، والفريق الثانى انخراط فى هذه التطورات والتحم معها، وهؤلاء أيضا انقسموا إلى اتجاهين: اتجاه رأى أن مواجهة هذه التطورات تتطلب منه الانسلاخ عن دينه، وما يرتبط به من قيم ومفاهيم، وأن عليه اعتناق قيم ومفاهيم الحضارة الغازية السائدة. وأمثال هؤلاء ظنوا أنهم بذلك تخلصوا من مشكلة الملاءمة، وأصبحوا متوافقين مع أنفسهم. وبقى الاتجاه الأخر، ويضم هؤلاء الذين حاولوا التوفيق بين قيم ومفاهيم الحضارة الغازية، مع الاحتفاظ فى نفس الوقت بقيم ومفاهيم الدين، فى محاولة منهم لإيجاد نوع من (( التعايش ))، على الرغم من الصعوبات التى يلاقونها فى هذا السبيل، حيث يعانون مما يعرف فى علم النفس (( بالتنافر المعرفى))(4)، وهو ما يجعل الإنسان يعانى من حالة (( تمزق داخلى ))    نتيجة معايشته لواقع قد يتفق أحياناً ويتناقض أحياناً أخرى مع معتقداته ومفاهيمه. ولقد زاد من الأحساس بهذا التناقض والتنافر ما يسمى (( بثورة المعلومات )) والتقدم المتلاحق فى وسائل الأتصال والإعلام؛ حيث أصبح هؤلاء الذين كانوا بمعزل عن هذه التيارات والحوارات- أصبح هؤلاء- فى قلب هذا التناقض بعد أن كانوا فى شبه عزلة عنه. فعن طريق كافة وسائل الأعلام والاتصال أدخلت الجماهير العريضة فى عمق هذه المشكلة. (( وبدخول هذه الأعداد الكبيرة من المسلمين فى قلب المعركة أصبح التناقض الفردى تناقضا جماعيا، وأصبح المسلم يعيش مشكلة حقيقية ))(5).

1- تحديد المشكلة:(6)

إن إلقاء نظرة على الأبعاد التاريخية لمفهوم (( التوجيه الإسلامى للعلوم )) سوف تساعدنا على تحديد المشكلة التى تستدعى الدعوة إلى التوجيه الإسلامى للعلوم. ونستطيع القول إنه حينما بدأت دعوة الإسلام وانتشرت ثم استقرت دعائم الدولة الإسلامية، وبدأت فى الأتساع قامت العلوم التى أطلق عليها (( العلوم الشرعية أو الإسلامية ))، وهى التى تهتم بالقران الكريم والسنة النبوية مثل: علوم القرآن، وعلوم الحديث، والسيرة النبوية، وعلوم الفقه وأصوله. و هذه نشأت أصلا لخدمة الكتاب والسنة، وكان تطورها وفقا لمناهج علمية مستقأة من القرآن والسنة(7)، وكانت هذه المناهج دعامة أساسية للحضارة الإسلامية ولعلومها المختلفة(8)، ولما حدث احتكاك المسلمين بالحضارات والثقافات الأخرى كان لابد من مواقف يتناول العلوم والثقافات الوافدة بالتمحيص، حيث تم استيعاب ما لا يخالف الشرع داخل إطار الحضارة الإسلامية أما ما يخالف الشرع فقد تم استبعاده. هنا نلاحظ أن مفهوم العلم لدى علماء الحضارة الإسلامية كان منصبا على العلم النافع المتصل بحياة الناس، ولهذا مارسوا الاجتهاد من أجل أن يقدموا حلولا مستقاة من الشرع لما يواجهه الناس فى ممارساتهم المعيشية، ومما يحقق المصلحة المتوافقة مع الشرع. فالعلم إذا اقترن أيضا بتحقيق النفع والخير، واقترن أيضا بالعمل والتطبيق(9). ونلاحظ هنا أن العالم المسلم سواء ظهر نبوغه فى مجال الطب أو الرياضيات أو اللغة أو التاريخ أو العمران لم تكن تنفصل لديه المعرفة الفقهية الشرعية عن المعرفة العلمية أو بمعنى آخر كان جامعا للمعرفة بعلوم الدين وعلوم الدنيا، وأمامنا الكثيرون من علماء الحضارة الإسلامية كان الواحد منهم متفقها فى الدين فهو عالم وفقيه، وأيضا نابغا فى الطب أو الرياضيات أو غيرها، وكان للمعرفة العلمية الشرعية (10)مركز الصدارة والتوجيه لدرجة أن وصف العالم أو العلماء(( ارتبط أصلا بالعالم الفقيه الدارس للشرع وعلومه))(11). ولما جاء عصر الركود وانقطع الاجتهاد وبدأت بلاد المسلمين تتعرض لموجات متلاحقة من ((الغزوالفكرى))(12)حدث الانفصال بين المعرفة بالشرع وعلومه وبين المعرفة بالعلوم الأخرى، وهذا الانفصال أوجد حالة من الأزدواجية أصبحنا نعانى منها، وينبغى لنا أن نخرج منها حتى نستعيد هويتنا الإسلامية، وحتى نستعيد التوجيه الإسلامى للعلوم؛ نستطيع القون إذن أن مفهوم (( التوجيه الإسلامى للعلوم )) يمثل عمقا أصيلا فى التراث والحضارة الإسلامية.

أما عن عملية الأزدواجية التى يعيشها الإنسان المسلم سواء كان فردا عاديا أو معنيا بالعلم الأسلامى ذلك التقسيم الذى يجعل هناك نوعين من التعليم (13): الأول خاص بالعلوم الشرعية حيث ينظر إليها على أنها علوم دينية لا صلة لها بالحياة، وهناك نوع آخر من التعليم وهو التعليم المدنى أو العلمانى(14)، وهو الذى صرف إليه لفظ العلم نفسه. وهذا التقسيم قد حالة من الأزدواجية فى الشخصية العلمية للعالم المسلم المتغرب عن ثقافته الإسلامية، هذا بالإضافة إلى أثر الاستعمار والإعجاب بالثقافة الغازية(15). كل هذا جعل شخصية العالم المسلم المتغرب عن ثقافته الإسلامية شخصية تعانى من أزمة ثقة فى الذات، وأزمة فى الشعور بالانتماء والأصالة. أين هذه الشخصية من شخصية علماء المسلمين الأوائل الذين كانت لا تنفصل عندهم المعرفة بالشرع عن المعرفة بالعوم المختلفة من طب وفلك ورياضيات وغيرها، وأيضا اقترنت عندهم المعرفة العلمية بالعمل والتطبيق النافع. ونحن عن طريق التوجيه الإسلامى للعلوم نريد القضاء على هذه الأزدواجية.حتى تستعيد الشخصية العلمية الإسلامية أصالتها وتكاملها وتجمع ما بين العلم بالعلوم الشرعية والعلم بالعلوم الحديثة ( رأى بعلوم الدين وعلوم الدنيا )، كما تحرص على التطبيق النافع لهذا العلم بالعمل بأحكام الشرع والعمل النافع بعلوم الدنيا. نريد العالم المسلم فى أى فرع من فروع العلم والمعرفة عالما تقيا مؤمنا تدعم معرفته العلمية من إيمانه بالله، ويدعم إيمانه بالله من معرفته العلمية؛ قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾( فاطر: 28 ).

 وحتى نتابع هذه المشكلة علينا أن نميز بين ما يطلق عليه (( العلوم الطبيعية ))، وبين ما يطلق عليه (( العلوم الأجتماعية )) أو (( الإنسانية(16) )). ونبدأ بالأخيرة لأن هذه العلوم تعتمد جامعاتنا فى تدريسها على مناهج مستمدة أساسا من الثقافة الغربية ومدركاتها، الأمر الذى يجعل الطالب المسلم الدارس لهذه العلوم يقع فى حيرة مصدرها التناقض بين ما تدعيه هذه العلوم من منهج لا يعترف بالوحى كمصدر للمعرفة، وبين ما يحتوى