أبحاث

السنة التشريعية وغير التشريعية

العدد الافتتاحي

تمهيد

     يقول الله تعالى في كتابه الكريم ” وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ” ولم توصف أمة من الأمم بوصف ” الوسط ” فكان هو مميزها على من سبقها من الأمم وعاصمها – فيما تستقبل من أمورها وتستدبر من الوقوع في النقيضين الافراط والتفريط, أو الغلوّ والتقصير, الذين وقع فيهما كثير ممن كان قبلنا من اليهود والنصارى

. . . ولذلك بعث الله نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ” ومهيمناً عليه ” إذ لو بقي الكتاب الذي أنزل قبله من توراة وإنجيل غير محرف ولا مغير ما احتاج الناس إلى نبي يبعث (1).

     وأوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ومثله معه فكان من هذا المثل سنَّته التي هي ” ما أثر عنه من قول أو فعل أو تقرير ” فكانت مع القرآن عاصمة لهذه الأمة من الضلال “تركت فيكم أمرين ما أن تمسّكتم بهما فلن تضلوا ” كتاب الله وسنتي ” . وكان التمسّك بهما سبيل الحق الذي وصفه بحق الإمام الشوكاني بأنه ” بين المقصر والغالي ” ( ص 38 من ارشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول, طبعة 1937 بالقاهرة ).

     ولقد كان ضلال الأمم السابقة مرجعه الوقوع في أحد النقيضين الافراط والتفريط أو ان شئت قلت : الغلوّ والتقصير. فقد غلا أصحاب موسى عليه السلام حتى طلبوا أن يعين الله لهم بقرة بذاتها فيما حكاه القرآن عنهم ولو أطاعوا الأمر من أول نزوله . . . ” إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ” لأدّوا المطلوب منهم . . ولكنهم تساءلوا ” أتتخذنا هزوا ” . . . حتى بلغ الأمر أن نعى الله عليهم فقال : ” فذبحوها وما كادوا يفعلون “. وفرطوا أو قصروا حتى ظنوا أن إله موسى وإلههم هو العجل الذي اتخذه السامري فعكفوا عليه وقالوا لهارون ” لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى “. ففي الأولى غلو وإفراط في السؤال في مسألة تشريعية من باب الأمر والنهي . . . وفي الثانية تقصير وتفريط في واجب إفراد الله بالعبادة والألوهية.

     وغلا أصحاب عيسى وأتباعهم في العبارة التي تنسب إليه في الانجيل . .  ” ما بُعثت لأنقض الناموس وإنما بعثت لأتمم ” – وهي عبارة لا يبعد صدور مثلها عنه عليه السلام إذ يحكي القرآن أنه قال عن نفسه ” ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ” – قالوا أن الناموس هو شريعة موسى والانبياء من بعده وقد كانوا يسوسون بني اسرائيل . . وكان كل منهم نبياً ورئيساً دينياً وحاكماً في وقته للناس وذلك ما أراد عيسى أن يتممه ويؤكده . . فجعلوا الكنيسة مهيمنة على نظم الحكم في البلاد التي دخلتها المسيحية . . فتبع ذلك ما يعرفه الناس جميعاً من محاكم التفتيش وصكوك الغفران . . وقتل العلماء واضطهاد الأحرار . . ثم نكسوا على رؤوسهم بعد أن رأوا فساد ذلك كله فارتدوا من الغلو إلى التقصير في فهم العبارة التي تُنسب إلى المسيح “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” فقالوا بابعاد الدين عن سياسة الدولة . . وقصر وظيفته على الهداية والارشاد الفرديين. فنتج ما نراه اليوم من مذاهب الحادية . . وانحلال اخلاقي . . وبعد دينهم – بل عجز – حتى عن أن يؤدي دوره بين الأفراد.

     وسبيل الحق الذي بعث الله له الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات وسلامه أن يعرف الناس لربهم حقه في الافراد بالعبودية والألوهية, وللرسل وظيفتهم في الهداية والارشاد . . فيقفوا عند عبادة الله عقيدة وعملاً . . وعند طاعة الرسل في القول والفعل . . ولا يُحمّلوا آيات الله في كتبه ولا أقوال أنبيائه ورسله أكثر مما تحتمل . .

     ولا يعرفوها عن حقيقتها فيهملوا العمل بها والطاعة لها. وليس أولى من المسلمين بهذه السبيل ” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني”.

     وقد وقع بعض المسلمين في مثل ما وقع فيه النصارى واليهود من قبلهم . . . وأنت تقرأ في عديد من الكتب وتسمع في كثير من المساجد من يقولون أن رسول الله هو أول خلق الله, وهو نور عرش الله, وأن الدنيا فاضت من جوده, وان علم اللوح المحفوظ بعض من علمه صلى الله عليه وسلم . . وذلك فضلاً عن أنه ينافي القرآن الكريم الذي يصرح بعكس هذا في كثير من الآيات وينص على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم . . فانه يجعل له مكانة فوق مكانته التي جعل الله له ” قل انما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ” , ويفيض على أقواله وأفعاله عصمة حتى خارج دائرة الرسالة التي هي فضيلته الكبرى بعد عبوديته لله عز وجل (2).

     ووقع بعض المسلمين في أفدح من هذا الخطأ . . . فذهب إلى أن رسل الله جميعاً ” قد باشروا جميع أنواع الحكم من جنائية ومدنية وتجارية ودولية وشخصية وما تفرع عنها في أممهم, باشروا جميع أنواع الحكم التي يخطر على بال أي إنسان أنها من اختصاص ملك أو رئيس أو غير ذلك (3) ومؤدى ذلك – كما فهم بعض الكاتبين – أن كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” دين عام لازم لا يتغير ” أو أنه تشريع أبدي لكل العصور وكل الأماكن(4).

     وإذا كان بيان خطأ هذه الآراء, وتحقيق بطلان هذه المفاهيم واجب العلماء في كل جيل من – أجيال المسلمين . . وذلك أيضاً – هو سر وجود مبدأ التجديد في دين الاسلام إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ” (5) فإن هذا الواجب يقع من باب أولى على عاتق علماء الحركة الإسلامية التي تنادي بالعودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة وتعمل لذلك . . . وهو واجب من باب أولى على هذه الحركة وعلمائها لأنها ما لم تبين للناس ما هو الإسلام الذي تدعو إليه فقد قصرت في التبليغ, ولا أخالها تبلغ ما تريد من استجابة الناس لها حتى تبين لهم – فضلاً عن منهجها – مبادئ الدعوة وأسسها, وضوابطها وقيودها. ومن إدراك هذه الحقيقة, ومدى الحاجة إليها, كانت فكرة هذه الصفحات التي لا أزعم أنها قد تغطي الموضوع كله . . وإنما غاية ما أرجوه ان تلقي عليه ضوء كافياً.

2- أقسام السنة من حيث أثرها التشريعي :

      وإذا كانت السنة هي ” ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير”, فان سنته عليه الصلاة والسلام على أنواع من حيث أثرها التشريعي , أو من حيث اعتبارها مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي. وللعلماء في هذه الأقسام أقوال أقربها وأخصرها ما قاله الامام ولي الله الدهلوي من تقسيم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين :

     ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة, وفيه قوله تعالى ” وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا “. وثانيهما ما ليس من باب تبليغ الرسالة وفيه ورد قوله صلى الله عليه وسلم : ” انما أنا بشر مثلكم, فاذا امرتكم بشئ من رأيي فأنما أنا بشر ” (6) وقصة هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجدهم يلقحون نخيلهم فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه. قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً. فتركوه ( أي كفوا عن التلقيح ) فلم تثمر النخل, فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال ” انما أنا بشر . . . ” وروى الامام أحمد هذا الحديث في مسنده بلفظ ” ما كان من أمر دينكم فاليّ, وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به “. وفي رواية لمسلم أيضاً ” أنتم أعلم بشؤون دنياكم “.

     ولو لم يكن غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سنته صلى الله عليه وسلم ليست كلها شرعاً لازماً, وقانوناً دائماً لكفى. ففي نص عبارة الحديث – بمختلف رواياته – تبيين أن ما يلزم اتباعه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو ما كان مستنداً إلى الوحي فحسب. وذلك غالبه متعلق بأمور الدين, وأقله متعلق بأمور الدنيا. وليس أوضح في الدلالة على هذا من قوله صلى الله عليه وسلم ” إنما أنا بشر, وأنتم أعلم بشئون دنياكم ” وكان بوسعه أن يقول أنني لا خبرة لي بالنخل – إذ ليس في مكة نخل – أو لا أحسن الزراعة, فبلدي وادٍ غير ذي زرع .. ولكنه عليه الصلاة والسلام تخير أحسن العبارات وأجمعها, وجعل من حديثه في هذه المسألة الجزئية قاعدة كلية عامة مؤداها أنه في ما لا وحي فيه من شؤون الدنيا فالأمر للخبرة والتجربة والمصلحة التي يحسن أرباب الأمر معرفتها دون من لا خبرة له به. فلم يكن الجواب قاصراً على مسألة تلقيح النخل . . وإنما جاء شاملاً لكل أمر مما لم يأت فيه وحي بقرآن أو سنة. والآتي من الأمثلة يوضح ذلك ان شاء الله.

     قال الإمام الدهلوي أيضاً في معرض حديثه عن تقسيم السنة ” ومنه ( أي من النوع الثاني من السنة ) ما فعله صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة دون العبادة ” (7), ومن أشهر ما جاء في ذلك حديث أكل الضب حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ” فهل يجوز أن يقال بناء على ذلك : أن من السنة عدم أكل الضب ؟.

     وحديث حبه صلى الله عليه وسلم للكتف من الشاة أو للذراع معروف مشهور . . فهل يقال أن من السنة أن يأكل الانسان كتف الشاة كل ما استطاع لأن رسول الله كان يفضلها ؟ أو ان هذه أمور اعتيادية وقد يحب رجلاً أكل الضب ولا حرج عليه . . وقد يكره آخر لحم الكتف ولا جناح في كراهيته له.

    ولعله من الطريف هنا أن نقارن بين هذه الأمور التي هي – بلا شك – من العبادات وبين أمر يتعلق بالطعام هو – بلا شك – من السنة التشريعية . .

     ذلك هو ما رواه الشيخان عن عمر بن أبي سلمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وهو غلام : ” يا غلام : سمّ الله, وكل بيمينك وكل مما يليك ” (8) فذلك, وهو أمر متعلق بطريقة الأكل, أمر تشريعي بدليل القرائن الكثيرة التي أوضحها ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم من انه ” كان يحب اليمين في أمره كله “. فهذا الحديث وما أحاط به من قرائن يفيد حكماً تشريعياً هو استحباب استعمال اليمين في الأكل أو الندب لذلك, وأنه ليس من مسائل العادات التي يترك أمرها إلى كل فرد وما أحب, أو التي تتغير بتغير العرف أو الزمان.

     ومن هذا القسم أيضاً ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تحقيقاً لمصلحة جزئية يومئذ وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة (9) ومن ذلك تعبئة الجيوش وتنظيمها, وعقد المعاهدات وتحديد شروطها, بل ومنهم الرَمَلُ ؟ كنا نتراءى به المشركين, ( أي نريهم قوتنا ) وقد أهلكهم الله ” ثم أردف قائلاً ” ولكنه أمر فعله رسول الله ” ورمل. وثمة جانب آخر من هذا القسم هو جانب الأقضية التي كانت تصدر منه تبعاً للبيّنات التي يدلي بها الخصوم أمامه . . وفي هذا الجانب قوله صلى الله عليه وسلم ” انكم تختصمون إليّ وانما أنا بشر ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض – فأحسب أنه صادق فأقضي له – فأني أقضي بينكم على نحو ما أسمع, فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً ( ظلماً ) فلا يأخذه فانما أقطع له قطعة من النار ” (10) وفيه أيضاً قوله لعلي رضي الله عنه حسين بعثه ليقضي أمراً ” الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ” (11).

     ولقد شغلت هذه التقسيمات للسنة النبوية الشريفة العلماء منذ بداية عصر تدوين العلوم : فالامام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المنوفي سنة 276 ه يقول في ” تأويل مختلف الحديث ” (12) والسنن عندنا ثلاث : سنة أتاه بها جبريل عليه السلام عن الله تعالى كقوله – أي قول رسول الله – ” لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها ” و ” يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ” و ” لا تحرم المصّه ولا المصتان ” و ” الدية على العاقلة ” وأشياء هذه الأصول . . .  وسنة أباح الله فيها لنبيه أن يسنها, وأمره باستعمال رأيه فيها فله أن يرّخص فيها لمن شاء على حسب العلة والعذر, ومن ذلك إذنه في لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف لعلّة كانت به, واستثناؤه الإذخَر من شجر مكة حين نهى عن تعضيد شجرها وأمثال هذه الأمور . . . والسنة الثالثة : ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأديباً لنا فان نحن فعلناه كانت الفضيلة في ذلك وان نحن تركناه فلا جناح علينا ان شاء الله . . .

      أما الإمام القرافي المالكي, فيقسم تصرفات الرسول إلى أربعة أنواع : تصرفات بالرسالة, وأخرى بالفتيا وثالثة بالحكم ( يعني القضاء ) ورابعة الإمامة (13).

     فتصرف الرسول بالرسالة والفتيا هو تبليغ عن الله عز وجل, وهو في التبليغ بالرسالة “ناقل عن الحق للخلق ” . وفي تصرفه تبليغاً بالفتيا مخبر عن الله تعالى بما يجد في الأدلة أنه حكم الله عز وجل. وكلا تصرفيه بالرسالة والفتيا شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين, إذ ليس لرسول الله في هذا الشأن إلا التبليغ عن ربه الذي هو أصل وظيفته كرسول, فلم ينشئ هنا حكماً برأيه مرتباً على مصلحة معينة, وإنما بلّغ ما أوحى اليه أو ما تبين بيقين أنه حكم الله تعالى في أمر ما. ومن أمثلة ذلك الصلاة والزكاة وأنواع العبادات, وكون الملك يترتب على العقود من بيع وهبة وأمثالها.

     أما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالحكم أو القضاء فهو مغاير لهذين التصرفين بالفتيا أو الرسالة . . وهو قاصر على محل وروده, لترتبه على ما ظهر له من البينات التي نص صلى الله عليه وسلم على أنه يقضي بها في الحديث الذي أشرنا إليه سابقاً, وهو صريح أن القضاء يتبع البينات. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام ينشئ الحكم على المتخاصمين وان كان متبعاً لأمر الله في انشاء الأحكام وترتيبها بناء على ما يظهر له من الحجج والأسباب.

     أما تصرفه بالإمامه فهو تصرفه صلى الله عليه وسلم في شؤون السياسة العامة للدولة بما تقتضيه المصلحة بعد أن فوضت اليه (14) ومن هذا النوع قسمة الغنائم, وتجهيز الجيش, وتوزيع الاقطاعات من الأراضي والمعادن, وعقد المعاهدات, وتعيين الولاة في الأمصار والبلدان البعيدة عن مقر حكمه, وما إلى ذلك من الأمور.

     وهذان النوعان من تصرفاته صلى الله عليه وسلم أو من سنته لا يجوز لأحد أن ينشئ الأحكام بناء عليها إلا أن يكون قاضياً في مثل المقام الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو حاكماً على رأس دولته أو جماعته فُوَّضتْ اليه مصالحها وشئونها. وليس ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين القسمين ملزماً لكل قاض أو حاكم يتبعه ويقتضي به في المبدأ الأصلي وهو بناء الأحكام في القضاء على البينات والأسباب, وبناء التصرفات السياسية على ما يحقق مصالح الأمة ومنافعها . وذلك معنى قوله تعالى ” فاتبعوه لعلكم تهتدون”.

3- اختلاف الفقهاء في نسبة بعض تصرفات

    الرسول إلى أقسام السنة المتقدمة :

     وبناء على هذا التقسيم واختلاف حقائق تلك الأقسام وتنوع آثارها التشريعية وعدم وجود تحديد قاطع لكل نوع اختلف الفقهاء في بعض تصرفات الرسول. هل يعد من قسم الفتيا والرسالة أم من قسم الامامة والحكم. واتفقوا فيما وراء ذلك على بعض ما هو من كل قسم. وقد ضرب القرافي رحمه الله ثلاثة أمثلة لاختلاف الأئمة في تحديد نوع بعض تصرفاته صلى الله عليه وسلم هي اختلافهم في فهم قوله ” من أحيا أرضاً ميتة فهي له, وليس لعرق ظالم حق ” (15) فقيل ان هذا تصرف بالفتيا  فكل من أحيا أرضاً ميته فهي له يملكها بلا توقف على اذن إمام أو حكم حاكم. وقيل هو تصرف بالامامة فلا تملك الأرض الميتة بالإحياء إلا إذا اذن الامام في ذلك أولاً.

     واختلافهم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة حين شكت إليه بخل أبي سفيان ” خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ” فقيل أنه تصرف بالفتيا فلكل من ظَفَرَ بحقه أن يأخذه أو يأخذ عوضاً عنه من جنسه متى ظفر به دون توقف على قضاء قاض, وقيل أنه قضاء فلا يجوز ذلك إلا لمن حكم له قاض به في واقعة معينة (16).

     واختلافهم في فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سَلبُه” وكان ذلك يوم غزوة حنين, فقال بعض الأئمة هو تصرف بالفتيا, وهو شرع عام, فكل من قتل قتيلاً في معركة فقد استحق سَلبَهُ سواء قال ذلك القائد قبل المعركة أو لم يقله. وقال آخرون هو تصرف بالامامة لأن الظاهر أن الرسول قال ذلك لمصلحة وقتية, ترغيباً في القتال, فان وجد قائد الجيش في معركة ما مصلحة في تقرير هذا الحكم قرره, واستحق كل قاتل سلب قتيله. أو لم يقرره فيبقى على الأصل في تقسيم الغنائم على الغانمين بقوله تعالى ” واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول . . . ” الخ (17).

     فهذه التقسيمات كلها . . . والخلاف حولها بين الأئمة الفقهاء يدل ” في وضوح أن ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كله تشريعاً لازماً للأمة في كل حين, بل منه ما هو كذلك, وهو الأغلب, لأن وظيفته الأولى هي التبليغ, ومنه ما هو قضاء وحكم بني علي من قام عنده من الدلائل والبينات وهي وقائع جزئية يشير اليها الفقهاء كثيراً في مناقشاتهم بقولهم : “قضية عين لا عموم لها “. ومنه ما بنى على المصلحة التي قامت في زمنه صلى الله عليه وسلم, وهذا يجب أن يتبع المصلحة ويدور معها : فما حقق المصلحة أجريناه وما عارضها أو الغاها توقفنا عن اجرائه وإلا كنا مخالفين للأمر الرباني بطاعة رسول الله, فان طاعته – على الحقيقة – في أن نسلك سبيله التي سلكها, فندير هذا النوع من الأحكام على المصلحة (18).

     ومن أمثلة هذه السنن التي بنيت على المصلحة القائمة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله في شأن الزي ” خالفوا المشركين أوفروا اللحى وأحفوا الشوارب ” ففي صيغة النص ما يفيد ارتباط الحكم أو الأمر بزي المشركين وعاداتهم في توفير اللحية والشارب معاً. وأزياء الناس وزينتهم أمور لا استقرار لها (19), فهو لذلك تشريع زمني روعيت فيه البيئة التي كان يعيش فيها الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا يبعد هنا أن يقال أن الأمر في توفير اللحى للندب يثاب فاعله, ولا يلامُ فضلاً عن أن يعاقب تاركه. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ” أن اليهود لا يصبغون فخالفوهم ” أي لا يصبغون الشعر حين يشيب, فذلك أيضاً مرتبط بعادات اليهود والنصارى, أفتخالفهم ان تغيرت العادة لديهم إدارة منا للحكم مع علته وسببه؟ أم نبقى على تنفيذ الأمر الوارد في هذا الحديث حتى ولو فات بذلك تحقيق مقصوده ؟ لا شك أن الأول أولى بنا وأوفق, ولله در عز الدين بن عبد السلام حين قال ” كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده, فهو باطل ” (20).

     ومن هذا الباب أيضاً ما أُثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يد السارق لا تقطع إلا إذا بلغت قيمة ما سرقه ربع دينار فصاعداً. وقد روى الفقهاء والمحدثون اجماع الصحابة والتابعين على أنه لا قطع إلا فيما له قيمة, ولا قطع في الشئ التافه الذي لا يهتم به الناس. وعلّــل الإمام ابن القيم في ” إعلام الموقعين ” كون القطع مقيداً ببلوغ النصاب ( ربع دينار ) بأن ذلك ما يكفي المقتصد وأهله قوت يومه وليلته. وهو لا يتسامح فيه الناس عادة. وواضح أن ما يكفي المقتصد قوت يوم وليلة له ولأهله يختلف باختلاف العصور والأماكن, بل ان قيمة النقود نفسها تختلف من مكان إلى مكان, وزمان إلى زمان. فهل نبقي الحكم على ما هو عليه فنقطع كل من سرق ربع دينار ذهباً – وليس عندنا الآن نقد من الذهب – أو قيمته من النقود الورقية ؟ أم نقول أنه حكم بُني على العرف والمصلحة معاً, وهما متغيران, فهو أمر اجتهادي لا مانع من تغيير الحكم فيه في كل عصر ومكان, حسب الحاجة والمصلحة ؟ (21).

4- مواقف للصحابة تدل على صحة التقسيم السابق للسنة :

     ومما يؤيد ما ذكرناه ويعضده ” أن أصحاب رسول الله, وهم حملة الشريعة والقائمون عليها من بعده, غيروا بعض السنن المروية عن الرسول لما تغيرت الظروف لعلمهم أنها صدرت عنه عليه السلام ملاحظاً فيها حال الأمة ومقتضيات البيئة زمن التشريع دون أن تكون شرعاً لازماً عاماً في كل حال. ولولا ذلك ما غيروا, ونحن نعيذهم جميعاً من أن يخالفوا حديث رسول الله, وهم يعلمون أنه دين عام وتشريع لازم لكل الناس في جميع الحالات, وكيف يتصور أن يقع ذلك منهم وهم أحرص الناس على اتباع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم, وترسم خطاه (22).

     وسنذكر بعض أمثلة ذلك لنبين حقيقة ما قلنا وان كنا نحب التنبيه أولاً إلى ما نسبه اليه قبلنا العلامة الشيخ محمد مصطفي شلبي من أن تغييرهم هذا هو في الحقيقة عين الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وانما سميناه تغييراً في مقام تبيين خطأ القول بأن كل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع أبدي وقانون عام لا يجوز تغييره. ولو سلمت لنا هذه المقدمة لما استعملنا كلمة ” تغيير ” ولسميناه اتباع رسول الله في ادارة الأحكام على المصالح والعمل بها ما أدت إلى تحصيل مقصودها.

     فمن هذه الأمثلة ما جاء في شأن الدية في القتل, حيث نص القرآن عليها ” فدية مسلمة إلى أهله ” ولم يحدد مقدارها فعرضت السنة لها المقدار بالبيان حين حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائه من الابل كما جاء في كتابه إلى أهل اليمن الذي رواه النسائي ” وأن في النفس الدية مائة من الابل ” (23). وجعلها رسول الله على عاقلة الجاني أي عشيرته التي ينتمي إليها من قبيلته. فكان الأصل في الدية مائة من الابل, ولكنها قدرت في بعض الأحيان, بسنة رسول الله أيضاً, لتغير أهل الابل, فقدرها ثمانمائة دينار لمن يتعاملون بالذهب أو عدلها من الورق (الفضة) ثمانية آلاف درهم.

     فلما فتحت الفتوح ودخل في الاسلام من البلدان ما لا يتعامل أهلها بالابل أو الذهب والورق, كان ما رواه محمد بن شعيب عن أبيه عن جده : أن عمر لما استخلف خطب الناس فقال : ان الابل قد غلت, وجعل الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر الف درهم, وعلى أهل البقر مائتي ألف بقرة وعلى أهل الغنم الف شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة (24). ثم أن عمر رضي الله عنه لما دوّن الدواوين, رأى أن التناصر بين الناس أصبح بالديوان بعد أن كان بالقرابة والقبيلة فنقل الدية إلى أهل الديوان يحملونها عمن تجب عليه ممن هو معهم فيه. ولعل هذا هو سر ما ققره فقهاء الأحناف من أنه لو أصبح التناصر بشئ آخر كالحرفة مثلاً, وجب نقل الدية اليه, إذ العلة فيها التناصر, فأي رابطة كان بها التناصر انتقلت الدية إلى أصحابها (25).

     ومن هذا الباب تحديد رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر بصاع من تمر, أو صاع من شعير, أو صاع من زبيب, بناء على ما كان من أطعمتهم يومئذ إذ المقصود من زكاة الفطر هو إغناء الفقير يوم العيد عن السؤال, وكانت قيم الصاع من كل هذه الأشياء قريباً بعضها من بعض. ولما رأى معاوية – حين ولي الشام – جودة قمحها, وأنه يزيد في قيمته عن الزبيب والشعير والتمر, قال في خطبة له ” أرى مُدين من سمراء الشام ( يعني قمحها ) تعدل صاعاً من تمر ” فأخذ الناس بهذا, وساروا على أن الواجب صاع من تمر أو زبيب أو شعير, أو نصف صاع من قمح أو دقيقة (26).

     ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو داود بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن لا يخرجن تفلات ” أي متطيبات (27). واستمر العمل بالاذن النبوي في الخروج للمساجد حتى تغيّر حال الناس ففكر بعض الفقهاء – من الصحابة – في منعهن, ودارت مناقشة بين الراغبين في المنع وبين المصرين على الاذن. فيقول عبد الله بن عمر – وكان على رأس المصرين على الاذن – ائذنوا للنساء بالخروج فقد أذن لهن رسول الله, فيرد عليه ابنه واقد قائلاً : ” والله لا نأذن لهن فيتخذنه دغلا ” وتؤيّد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وجهة نظر المانعين فتقول ” لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني اسرائيل ” (28) وعبارة ابن عمر ” ائذنوا لهن ” تفيد أن المنع كان قد وقع بالفعل, وتأييد عائشة رضي الله عنها له يدل بصراحة على أنها فهمت إذن رسول الله مقيداً بعدم ترتب مفسدة عليه فلما حدثت المفسدة – أو خشي وقوعها ما تحرجت وهي من هي تمسكاً بسنة رسول الله – من أن تقول ما قالت معللة رأيها بدفع المفسدة التي ترتبت على ما أحدثته النساء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو كان هذا شرعاً دائماً لما ساغ لعائشة مخالفته, وانما كان الشرع الدائم هو تحقيق مصلحة الأمة التي ما بعث الله الرسل – في أي أمة كانوا – إلا لتحقيقها فأينما تبين وجهها فثم شرع الله ودينه.

     ولعل من أوضح الأمثلة هنا ما فعله عمر في أرض العراق حين فتحها الله على المسلمين, وقد طال النزاع بين الفقهاء والمفسرين في تأويل فعله وتصحيحه, وليس من موضوع حديثنا أن نبين وجوه أقوالهم في هذا الصدد, فلهذا البيان مقام آخر وهو موجود في مظانه من كتب الفقه(29). وانما المقصود هنا هو بيان أن عمر فعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خشي أن يرتب فعله مثل فعل رسول الله مفسدة أو أضراراً بالمسلمين. وذلك أن رسول الله لما فتح الله عليه خيبر عنوة – كما رجحه شيخنا العلامة محمد مصطفى شلبي موافقاً رأي الإمام ابن عبد البر القرطبي – قسمها بين المسلمين قسمة الغنائم. فلما فتحت العراق شاور عمر الصحابة من المهاجرين الأولين فاختلفوا عليه فمن قائل تقسم كما قسم رسول الله خيبر, ومن قائل ترى فيها رأيك وقد كان رأيه أن تصبح من أملاك المسلمين العامة يجبى خراجها فتفسد منه حاجتها ويفيض ما يعين على قضاء وظيفة بيت المال العام. فاستشار بعدهم عشرة من كبار الأنصار فوافقوه على رأيه فترك عمر الناس يتشاورون يومين أو ثلاثة حتى كان آخر أمرهم أن وافقوه على رأيه. فقد روى أبو يوسف في كتاب ” الخراج ” (30) قصة أرض العراق هذه بعبارات تفيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنها أرض مفتوحة فهي غنيمة للمسلمين.. فحكمها حكم المغنم وهو التقسيم أخماساً . . ولكنه رأى أن ذلك يضر بمن يأتي بعد جيله من أبناء المسلمين فقد كان يقول لمن يحاجونه ” فكيف بمن يأتي بعدكم ” يريد أن مصلحة الأمة الدائمة في الأخذ برأيه . . وقد صرح بذلك فيما يروي البخاري عنه من قوله ” والله لولا أن يُترك آخر الناس ببّانا ليس لهم شئ ما فتح الله عز وجل على المسلمين قرية الا قسمتها سهاماً كما قسمت خيبر, ولكن اتركها خزانة لهم يقتسمونها ” (39).

     وفي تصرف الصحابة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في عقوبة شارب الخمر دليل لا يقبل جدلا على انهم رأوا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق ما أراد تحقيقه, بما قرره من الأحكام, من مصالح أو درء ما أراد درءه بها من مفاسد. ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بشارب الخمر فيأمر بضربه فيقول أبو هريرة ” فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه ” وسار الأمر على ذلك طوال زمن الرسول, وحدثت وقائع فيها أنه صلى الله عليه وسلم حثا في وجه شارب الخمر التراب, وفي بعضها أنه أمر الصحابة أن يبكتوه ( أي يلوموه ويوبخوه ), وفي بعضها لما قال بعض الصحابة لشارب الخمر أخزاك الله, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لاتقولوا هكذا : لا تعينوا عليه الشيطان “. فلما كثر الشرب زمن عمر ابن الخطاب أرسل إليه خالد بن الوليد يقول ان الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه. فقال عمر للرسول الذي بعثه اليه خالد بن الوليد هم هؤلاء عندك فاسألهم ” يعني أصحاب رسول الله ” فقال عليّ, وفي بعض الروايات عبد الرحمن بن عوف : أرى أنه إذا شرب سكر, وإذا سكر هذى, وإذا هذى افترى, وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر : بلغ صاحبك ما قالوا (32).

     فرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدد عدداً معيناً من الجلدات يضربها شارب الخمر, بل نوَّع في العقوبة تبعاً لاختلاف أحوال الشاربين وظروفهم, وفهم الصحابة من ذلك أمرين : الأمر الأول أن العقوبة غير محددة. بل هي مفوضة إلى رأي الحاكم أو القاضي بحسب ما يراه ملائماً في كل زمن, أو في كل حالة على حدتها. والأمر الثاني أن المقصود بالعقاب على شرب الخمر أصلاً هو زجر الناس عنها . .  فتوصلوا لذلك بهذا الرأي الذي قال عليّ أو عبد الرحمن بن عوف, وحددوا للشارب عقوبة كعقوبة القاذف. وهما جريمتان مختلفتان, ولا قياس يصح في باب الحدود. وإنما هو إعمال الرأي السليم والفكر المستقيم تحقيقاً لمقاصد الشارع الزجر – رغم زيادتها عما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافها عنه, تحقيقاً لمصلحة ردع الناس وزجرهم, ومنع الافساد الذي يترتب على شيوع شرب الخمر في المجتمع.

5- وبعد :

     فذلك كان فهم الصحابة رضي الله عنهم لسياسة التشريع في دين الله, تحقيق لمصالح الناس في المقام الأول, ودرء للمفاسد عنهم, فكلما وجدوا سبيلاً لتحقيق هذه المصالح أو درء هذه المفاسد ولجوه غير هيابين ولا مترددين, بل مطمئنين إلى أنهم متعبدون بهذا ومطيعون لله ورسوله, فلم يقفوا عند ظواهر النصوص لا يتعدّونها . . . بل أعملوا ما وهبهم الله من عقل وحكمة وفهم في أداء واجبهم فكانوا بحق كما وصفهم القرآن ” خير أمة أخرجت للناس ” وواءموا بذلك بين الحاجات المتجددة في الأزمان والبلدان التي عاشوا فيها وبين تعاليم الله في كتابه وتبيين رسول الله بسنته, فاستقامت لهم مختلف المدنيات من رومانية وفارسية ومصرية, وخضع الناس لشريعة الاسلام لا قهراً ولا خوفاً ولا ظلماً, وإنما طمعاً فيما رأوها تحفق من مصالح عاجلة وآجلة, وإيثاراً لحقها على باطل قوانينهم وتشريعاتهم التي لم تسد حاجة ولم تدفع خلَّة.

     ولم يعتبروا – كما ذهب بعض الجامدين – أن تتغير ما يجري مع المصلحة أو ما يبني على العرف والعادة, أو ما لا مدخل للوحي في تقريره من الأحكام التي أثبتتها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام – لم يعتبروا ذلك – توهيناً للسنة, أو فتحاً لباب التهجم عليها, والتغيير فيها, والخروج عنها. وإنما جعلوا لرسول الله مكانته التي إذا قيس فيها إلى الناس فهو في الصفوة المختارة من أنبياء الله ورسله, وإذا قيس فيها إلى الله فهو بشر من البشر – كما قال عنه القرآن الكريم وقال هو عن نفسه – يوحى اليه فيفهم عن الله ويبلغ الناس, ويبني أقواله وأحواله فيما فيه وحي على الوحي, وفيما لا وحي فيه على ما يراه من مصلحة حالة في وقته, أو عرف لا ضرر فيه ولا مفسدة تترتب عليه. فلم يعتدوا بسنته عليه الصلاة والسلام هذه المكانة قط, فهدوا واهتدوا رضي الله عنهم وأرضاهم. كذلك لم يصدهم عن هذا الفهم الصحيح قول الله تعالى في وصف نبيه ” وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ” فصريح نص الآية قاطع في أنها في القرآن الكريم ومحل البحث فيما وراء القرآن. بل فيما وراء ما كان مصدره الوحي في السنة النبوية . . ولا علينا أن نقول أن محل البحث هو الأحكام المعلة بالمصلحة الموقتة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم, أو بالعرف السائد آنذاك . . دون ما كان تعبدياً محضاً لا مدخل للتعليل فيه. ومن ثم نعلمُ أن استعمال هذه الآية الكريمة في هذا المقام لا يفيد إلا في رد دعوى من يدعي كون الأحكام النبوية كلها تشريعية دائمة. وصدق ابن تيمية : ” التزم لله عز وجل أنه لا يستدل مبطل على باطله بآية من القرآن أو حديث صحيح إلا كان فيهما الدليل على بطلان قوله ” (33).

     ولا يشمل فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم لهذه الأنواع من سنتة الشريفة إلا ما كان متعلقاً منها بالتشريع والأحكام العملية أو بلغة هذا العصر ” الأحاديث ذات الأثر التشريعي ” أو كما سماها علماؤنا ” أحاديث الأحكام ” أما ما كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم متعلقاً بالأخلاق واتمامها, والآداب وكمالها, والغيب وعلومه, والكون وأسراره . . فذلك كله من باب الموحي الذي لا يقال بالرأي . . ومن ثم فالواجب فيه ما دل عليه نص الحديث من ايجاب الفعل, أو الندب اليه, أو تحريمه, أو كراهته – ان كنا في باب الآداب والأخلاق – أو التصديق بالخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور الكونية والغيبية وأمثالها (34).

     بهذا الفهم, في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, جاءت دعوات مجددي الاسلام في مختلف العصور . . بمثل هذا الفهم, في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, يجب أن تكون دعوة العلماء العاملين للحركة الاسلامية في هذا العصر. ذلك أنه إذا صح أن مواد هذه الحركة ومطلبها. هو اقامة حكومة مسلمة, تطبق قوانين المسلمين التي تنبع عن الشريعة الاسلامية وتتطور لمواجهة تطلبات العصور المتطورة (35) – إذا صح هذا – وهو عندي صحيح لا ريب فيه , وإذا صح معه أن الارهاصات الظاهرة في بلادنا المسلمة – بل وفي العالم كله – تدعو إلى أن يتقدم المسلمون إلى الميدان بفكرهم وعقيدتهم وشريعتهم التي أرسى الله مبادئها لتخرج الناس من الظلمات إلى النور, ولتنقذ الدنيا من الوقوع في منكري الغلو والتقصير . . تبيَّن وجوب قيام علمائنا بواجب تجليه صفة ” الوسط ” التي شرفنا القرآن بها.

     فذلك التوسط بين النقيضين, هو الوسط الذي وصفنا الله تعالى به في كتابه الكريم . . وهو المعروف الذي جعلنا القرآن خير أمة أخرجت للناس لأننا نأمر به وننهى عن ضده من المنكر الذي لا يرضاه الله ولا رسوله. وذلك هو الذي دعا به سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام حين رأى ضلال الناس في عهده فقال ” اللهم ابرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك, ويذل فيه أهل معصيتك . . . ” فأمر الرشد هذا ليس إلا تحقيق العمل بشريعة الاسلام وتنزيل الكتاب والسنة منزلتهما الحقيقية بهما كعمادين لديننا وشريعتنا, وأساسين لحكمنا وسياستنا, لا كما تصور بعض من لا علم له أنهما قيدان على عقولنا, ومعوّقان لسيرنا, ومانعان لتطور بلادنا وتقدم شعوبنا (36).

     وليس بيان هذا الأمر – بيان الوسط الذي تمثله أمة المسلمين – بالأمر الهين اليسير, بل هو يقتضي تكاتف جهود العلماء من العاملين المخلصين, وليس ما تقدم إلا كالتوطئة الموجزة لمثل هذا الجهد . . وبقدر ما يسرع علماء الحركة الاسلامية في أداء واجب هذا البيان, بقدر ما تكسب للاسلام وقتاً وجهداً وجنداً وأرضاً . . وبقدر ما يبطئون بقدر ما تخسر من ذلك كله.

     ولقد تناول هذه التوطئة بالبحث علماء أجلاء نقرّ لهم بالفضل والعلم . . ولكنهم لعدم وضوح رؤيتهم للمسيرة السياسية للحركة الاسلامية لم تف كتاباتهم بما يجب على هذه الحركة أن تقدمه في هذا الباب, وشارك في ايضاح وجه الحق علماء آخرون من القدماء والمحدثين, مدركين حقيقة النهج الذي يتبعه الركب الاسلامي تطوراً وتحركاً, فكان مما كتبوا خيراً كثيراً(37) على علماء الحركة الاسلامية أن يفيدوا منه ويضيفوا اليه, بما يجمعون – إلى تخصصهم في شريعة الله – من رؤية واضحة وإدراك صحيح وتصور سليم لوجهة حركتهم وغايتها, ووسائلها ومنهجها, ومطلبها وهدفها.

المراجع والتعليقات

(1)اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم للأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى.

طبع دار البيان بالكويت س 1969 م ص17.

(2)المرجع السابق, ص 20 – 21.

(3)محمد طلبة زايد, في كتاب أسماه ” كمال الشريعة الاسلامية ” صدر عن ناشر غير معروف, ولا يحمل بياناً بمكان طبعه, في سنة 1971 م, ص 94-95. وللكتاب نقد مفصل منشور في ” الشعب والأرض ” العدد التاسع بيروت 1972.

(4)في نقد هذا الفهم بيان فساده راجع كتاب استاذنا العلامة : محمد مصطفى شلبي, ” الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية ” , نشرته جامعة الاسكندرية 1960 م, في الصفحات 126- 138.

(5)رواه أبو داود بسند صحيح, في سنته, ج4 ص 178, من طبعة الهند مع حاشية “عون المعبود “.

(6)حجة الله البالغة, ج1 ص271 وما بعدها, من طبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة, بتحقيق الشيخ السيد سابق. والحديث رواه مسلم في صحيحه باب وجوب امتثال ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم شرعاً دون ما ذكره من معايش على سبيل الرأي.

(7)حجة الله البالغة, ج1 ص272.

(8)الحديث رواه البخاري, ج7 ص88, ومسلم ج13 ص 193. ونص النووي في شرحه على مسلم ( ص191 ) على أن الأمر هنا يفيد الاستحباب. وحديث الضب أيضاً متفق عليه, واللفظ هنا للبخاري ج7 ص 95 و96. وفي سنن ابن ماجة ج2 ص 1099 – من طبعة المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي حديث حبه صلى الله عليه وسلم الذراع.

(9)حجة الله البالغة, الموضع السابق.

(10) رواه البخاري ومسلم ومالك ( في الموطأ ) وأبو داود والترمذي والنسائي والطحاوي ( في مشكل الآثار ) وابن ماجه والامام أحمد بن حنبل في مسنده. وما في الاصل رواية المسند مع زيادات من رواية البخاري ومسلم. أنظر المسند ج6 ص290و307 – 308. وصحيح البخاري ج5 ص77 وصحيح مسلم بشرح النووي ج12 ص4-7.

(11) الطرق الحكمية في سياسة الشرعية, لابن قيم الجوزية. وانظر في تفصيل القصة – الفقه الاسلامي بين المثالية والواقعية, ص129.

(12)ص196 وما بعدها من طبعة القاهرة سنة 1966 وقد نقلنا عنه بتصرف واختصار.

(13)الاحكام في الفرق بين الفتاوي والأحكام وتصرفات القاضي والإمام, للامام القرافي, بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة, طبعة حلب سنة 1967 ص 86 وما بعدها إلى ص109. ولم يحقق القول في هذا الموضع أحد مثل القرافي وبعده شيخنا في الفقه الاسلامي بين المثالية والواقعية المشار اليه سابقاً. وانظر أيضاً, الفروق للقرافي ج1 ص205 ومعها حاشية ابن الشاط على الفروق.

(14) نقلاً عن شيخنا محمد مصطفى شلبي, المرجع السابق, ص130 – 131.

(15) رواه الترمذي في سننه ج3 ص363. وبلفظ مختلف عما هنا رواه البخاري ج3 ص139, وكذلك ابو داود في سننه ج3 ص178.

(16)  الحديث متفق عليه, أنظر اللؤلؤ والمرجان, لمحمد فؤاد عبد الباقي ج2 ص193. وللنووي افادات جليلة في شرحه اهذا الحديث في صحيح مسلم. ج12 ص7-10. وراجع في الخلاف الفكري في مسألة الظفر : المغني لابن قدامة ج12 ص229-231.

(17)  فتح القدير للكمال بن الهمام, ج4 ص334. وانظر الفروق للقرافي, ج1 ص209 لمعرفة وجهة نظر مالك. والحديث متفق عليه.

(18) بزيادة وتصرف من كلام شيخنا محمد مصطفى شلبي, في المرجع المشار اليه سابقاً. ويلاحظ أن كون أغلب تصرفات الرسول مبناه التبليغ من قول القرافي في الأحكام. وهو قول قد يصل الباحث إلى خلافه عند إمعان النظر في الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل الذي يغلب الظن على أن أغلب المروي عنه في شؤون الدنيا – خارج نطاق العبادات والمقدرات والمحرمات – ليس من الشرع اللازم. والمسألة تحتاج إلى مزيد بحث واستقصاء على أي حال.

(19) مصادر التشريع الاسلامي فيما لا نص فيه, للشيخ عبد الوهاب خلاف, طبعة دار القلم بالكويت 1969 م ص 162. والحديث متفق عليه.

(20) قواعد الأحكام في مصالح الأنام, لعز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء, ج2 ص143. وانظر الموافقات للشاطبي ج4 ص194 وما بعدها. والحديثان في هذه الفقرة متفق عليهما كما في مشكاة المصابيح ج2 ص492 من طبعة دمشق بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

(21) راجع في هذا الموضوع رسالتنا ” نظرية العقاب في الشريعة الإسلامية ” بالانجليزية, قدمت لجامعة لندن للحصول على الدكتوراه سنة 1972 وكذلك مقالنا عن عقوبتي السرقة والحرابة في ليبيا, المنشور في ” الفكر الاسلامي ” السنة الرابعة عددي 6, 7. ( والمجلة تصدر عن دار الافتاء بلبنان ).

(22) من كلام الاستاذ محمد مصطفى شلبي, في المرجع المذكور سابقاً ص132.

(23) نيل الأوطار للشوكاني, ج7 ص48 من طبعة القاهرة سنة 1357 ه.

(24) المرجع السابق ص 54. وكذلك تعليل الأحكام لشيخنا الأستاذ محمد مصطفى شلبي, القاهرة 1947 ص41.

(25) فتح القدير, لكمال الدين بن الهمام, ج8 ص403.

(26) اعلام الموقعين, لابن قيم الجوزية, ج3 ص23-24 من طبعة القاهرة سنة 1955 م.

(27) السنن ج1 ص155.

(28) تعليل الأحكام ص 37 – 39.

(29) تعليل الأحكام ص 48 – 56.

(30) ص14 وما بعدها.

(31) البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر, ج7 ص344, وقد رواه يحيى بن آدم في الخراج بسنده إلى أسلم مولى عمر بن الخطاب بدون زيادة ” ولكن اتركها . . . ” أنظر ص42 من طبعة العلامة المرحوم أحمد محمد شاكر سنة 1384 ه بالقاهرة.

(32) راجع رسالتنا في نظرية العقاب المشار إليها سابقاً, ص92 – 111. وكذلك تعليل الأحكام ص59 – 62.

(33) نقله عنه تلميذه العلامة ابن قيم الجوزية في كتاب ” الروح ” في بحث قوله تعالى : “لا تدركه الأبصار وهو يدرك الابصار ” وغاب عني الكتاب فلا اذكر رقم الصفحة. والطبعة التي كنت نقلت منها هذا النص هي طبعة حيدر آباد الدكن بالهند والكتاب مطبوع بمصر أيضاً.

(34) راجع في هذه التفرقة : الدهلوي في المرجع السابق ذكره, والاستاذ شلتوت في الاسلام عقيدة وشريعة, الطبعة الثالثة, ص525.

(35) من كلام الاستاذ حسن العشماوي, رحمه الله ورضي عنه, في بحثه ” الفرد العربي ومشكلة الحكم ” الذي نشر ملحقاً بمسرحية سياسية رمزية عنوانها ” قلب آخر لأجل الزعيم” طبعة بيروت, سنة 1970 م ص179.

(36) تجد تنفيذ هذه الدعوى في كتاَبيْ شيخنا : الفقه الاسلامي بين المثالية والواقعية المشار اليه آنفا, والمدخل لدراسة الفقه الاسلامي, القسم الأول من ط بيروت 1968 م. ( الطبعة الثامنة ) في مواضع متعددة من الكتابين.

(37) من القدامى الأئمة الشاطبي والقرافي المالكيين, وعز الدين بن عبد السلام الشافعي, (والقرافي تلميذه ), وابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية, رضي الله عنهم جميعاً. ومن المحدثين لم نر أحداً وفّى هذا الموضوع حقه, في فهم وبصيرة, ووعي لمسيرة الحركة الاسلامية المعاصرة, وادراك لحقيقة مطلبها, مع ذكاء خارق وبعد عن مواطن الشبهات والريب, مثل شيخنا العلامة محمد مصطفى شلبي نفعنا الله به. وقد نقل بعضهم من كتاباته في هذا الموضوع الصفحات الطوال دون اشارة, فسمعته يحتسب ذلك ويقول ” فائدة العلم أن ينتفع به ” !

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق