عرض ونقد كتب

قراءة في كتاب “إسلامية المعرفة: الخبرة والمسيرة” للدكتور جمال الدين عطية

العدد 163

يلقي هذا الكتاب، الضوء على تيار “إسلامية المعرفة”، ويوثق لتجربة مكتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي في القاهرة في التعريف والتأصيل لهذا التيار الفكري الإسلامي من بداياته حتى اليوم، ويضع يديه على بعض الأخطاء التي واجهت مسيرته. (ص7).

 ويسرد التجربة، ويحلل معطياتها، وينقد سلبياتها (ص6). وقد استوعبت التجربة التي يعرضها الكتاب، رأسياً، مراحل تيار الأسلمة منذ البدايات الأولى حتى الآن، مع نظرة فاحصة واعدة للحاضر والمستقبل. كما استوعبت، أفقياً، مساحات البحث الخمس؛ المبدأ، والمنهج، والتطبيق، ثم تطوير العلوم الشرعية، وإصلاح مناهج الفكر الإسلامي. (ص5)

إسلامية المعرفة:

مصطلح إسلامية المعرفة، مصطلح حديث نسـبياً، ظهـر في بدايـة الثمانينيـات من القـرن الماضي مع إنشاء المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية. وهو يعني -كما يقول الدكتور طه جابر العلواني: اكتشاف العلاقة المنهجية بين الوحي والكون، من خلال معالجة منهجية لستة محاور، هي : (بناء النظام المعرفي الإسلامي – بناء المنهجية المعرفية القرآنية- بناء مناهج التعامل مع القرآن العظيم – بناء مناهج التعامل مع السنة النبوية المطهرة – قراءة التراث الإسلامي قراءة سليمة – مناهج التعامل مع التراث الإنساني والتراث الغربي منه على وجه الخصوص).

أولاً: المبدأ

المبدأ، الذي يقوم عليه هذا التيار، يقوم على “التفاعل” بين الإسلام وما انبثق عنه من علوم من ناحية، وبين العلوم الحديثة وانعكاساتها على الحياة المعاصرة من ناحية أخرى.

وتتضمن عملية التفاعل ثلاثة عناصر، هي:

1-     النظرة الكلية للإسلام عن الله والكون والإنسان وما ينبثق عنها من مفاهيم تنعكس بالضرورة على أي تصور جزئي في الحياة.

2-     القيم الضابطة للسلوك الإنساني.

3-     الجوانب الموضوعية أو المعرفية في القرآن والسنة في مجالات العلوم المختلفة، والمتعلقة بالتفاعل بين هذه الجوانب والعلوم الحديثة ذات الصلة.

ثانيا:المناهج المستخدمة أو المقترحة لتفعيل المبدأ وتحويله من حالة المثال أو النموذج إلى الواقع التطبيقي.

ثالثاً:التطبيقات العملية في العلوم المختلفة وفروعها بما يعكس المنتج النهائي لعملية التفاعل من ناحية، وللمنهج المستخدم من ناحية أخرى.

رابعاً:تطوير العلوم الشرعية بما يعوض قرون التوقف والجمود.

خامساً:إصلاح مناهج الفكر، عن طريق البحث في أسباب الخلل في التفكير ومعالجتها. (ص8-10)

من البدايات الأولى حتى الربع الأخير من القرن العشرين:

استعرض المؤلف في الفصل الأول، حركة عناصر منظومة “إسلامية المعرفة” منذ ظهور الإسلام حتى الربع الأخير من القرن الماضي. مشيراً إلى فترة الوحي التي تميزت بالتقريب بين المثال والواقع، والتيسير على الناس ووضع الإصر والأغلال، والتدرج في نقل المثال إلى الواقع، والحث على طلب العلم، وأخذ الحكمة من أي وعاء خرجت.

ثم تناول، المرحلة الثانية (عصر الصحابة)، التي تميزت بحسن اتباع الوحي، وإعمال للفكر في ضوءه. وتمثل مفاهيم الكتاب والسنة على مستوى التصور الكلي والقيم المعيارية والجوانب المعرفية، كما كانت قواعد المنهج القرآني جزءاً من المفاهيم القرآنية التي تشربوها وتمثلوها، فتكونت العقلية العلمية والمنهج العلمي كأحد ركائز هذا المجتمع الجديد. (ص14-16)

وموضحاً، أن العلوم الإنسانية في هذه المرحلة، كانت في بداياتها، متمثلة  في توجيهات القرآن والسنة في عدة مجالات لعل أوضحها: علوم النفس والتربية والاجتماع والاقتصاد. (ص18)

كما نوه المؤلف، أنه في هذه المرحلة، اهتم القرآن بإصلاح مناهج الفكر على ثلاثة مستويات، هي: تنمية العقل، وحفظه، وتشغيله، وتكوين العقلية العلمية، واتباع المنهج العلمي ضمن مستوى تنمية العقل. (ص19-23)

إسلامية المعرفة في مرحلة النهضة الحديثة:

تابع المؤلف، تطورات تيار”إسلامية المعرفة”، بعدما آل الركود بمعظم عناصر منظومتها إلى الجمود، من خلال متابعة النهضة الحديثة، حيث تفاعل المسلمون مع نهاية القرن الثامن عشر مع النهضة الأوروبية الحديثة، ولكنه يشير إلى أنه كان تفاعلاً سلبياً، يقوم على الأخذ فقط، واستفادوا من التفاعل في تطوير العلوم الشرعية مثل: تدوين أحكام القانون المدني في المذهب الحنفي (مجلة الأحكام العدلية)، ثم توالت المؤلفات.

وبدأت عملية التطور، تأخذ مجراها من التفاعل السلبي إلى التفاعل الإيجابي، وظهرت دعوات حقيقية للتفاعل بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية، كان رائدها العلامة عبد الرزاق السنهوري، الذي أقر صراحة بضرورة تبادل الاستفادة بين الفقهين الإسلامي والغربي، ووضع منهجاً واضحاً لكيفية تحقيق هذه الاستفادة في الواقع، ونحا نحوه كثيرون في مجالات التربية والثقافة والفقه المقارن.

ويلاحظ المؤلف، أن عملية التفاعل بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين تركزت في الأساس على الجانب القانوني، بسبب أن هذا الجانب هو الذي حدث فيه أول صدام حقيقي بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية الغربية، حينما تم إقصاء الفقه الإسلامي عن التطبيق في معظم بلاد الإسلام لصالح الفقه القانوني الوضعي، كما أن هذه الدعوات للتفاعل اقتصرت في معظمها على الجانب النظري فقط، ولم تترجم إلى تطبيقات ملموسة إلا في حالات نادرة. (ص26-40)

إسلامية المعرفة وتطوير العلوم الشرعية:

تتبع المؤلف، في هذا الجزء من الكتاب، معالم التطوير في العلوم الشرعية، التي أسهم فيها تيار إسلامية المعرفة. ففي مجال علم أصول الفقه، تمثل ذلك التطوير في الدعوة إلى: فتح باب الاجتهاد من جديد التي بدأت على يد الإمام الشوكاني اليمني، وعملية جماعية الاجتهاد بسبب تغير الحياة وتنوع المعاملات التي لا يكفي للإحاطة بها فقيه واحد بمفرده، وتطوير بعض مسائل أصول الفقه؛ مثل دعوة ابن عاشور لتأسيس علم مستقل للمقاصد الشرعية، وتطوير الإجماع وتنظيمه.

حظي مجال الفقه بالنصيب الأوفر من التطوير خلال القرنين الماضيين، ومن أبرز ملامح هذا التطوير: تقنين أحكامه، وإصلاح طرق تدريسه. كذلك شهدت علوم القرآن -وخصوصاً علم التفسير- تطويراً كبيراً خلال ذات الفترة. وفي علوم السنة اتجه التطوير إلى العناية بالسنة وعلومها دون تطوير علومها.

ولكن المؤلف يلاحظ، أن علم الكلام لم يشهد تطويراً كبيراً خلال هذه الفترة، رغم أنه من أكثر العلوم الشرعية حاجة للتطوير. (ص41-71)

إسلامية المعرفة وإصلاح الفكر:

تناول المؤلف، باختصار وتركيز جهود الإصلاح في القرون الثلاثة الأخيرة الماضية متناولاً جهود الدهلوي الهندي في القرن الثامن عشر ومن عاصره مثل: ابن عبد الوهاب، والفلاتي، والشوكاني، وابن الوزير، والألوسي، والسنوسي، والمهدي، والأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، وشكيب أرسلان، ورشيد رضا، وحسن البنا. مؤكداً أن حركات التجديد لم تنقطع طوال التاريخ الإسلامي.

ثم تناول بعض جوانب الانحرافات الفكرية التي تناولها هؤلاء والمتمثلة في:

1-     العزوف عن الإبداع والأصالة والركون إلى التقليد والتبعية.

2-     توهم التعارض بين الدين والعلم، والدين والعقل.

3-     الميل إلى الارتجال وفقدان الثقة في التخطيط.

4-     غيبة المنطق العلمي عن تفكير المسلمين.

5-     غيبة الموازين في تحديد منهج التعامل مع الحضارة الغربية الحديثة. (ص72-83)

نماذج مبكرة في إسلامية المعرفة:

تحدث المؤلف، في هذا الجزء من الكتاب، عن نماذج ناضجة مبكرة في مجال إسلامية المعرفة، فتناول أفكار السنهوري ودراز وعبد القادر عودة ومحمد باقر الصدر وسيد قطب ومالك بن نبي وأبو الاعلى المودودي، وأشار إلى الإسهامات غير العربية مثل مجلة الدراسات الإسلامية، والكتاب غير العرب من المسلمين في هذا المجال. ثم تناول سريعاً بدايات الجيل الثاني بدءاً من حركة الإخوان المسلمين مشيراً إلى حركة “المشروع” التي كان أحد أعمدتها في نهاية أربعينيات القرن الماضي التي نتج عنها إنشاء مجلة المسلم المعاصر. (ص85-153)

الجيل الثاني من مدرسة إسلامية المعرفة:

تناول المؤلف، في الفصل الثاني، تجربة مجلة المسلم المعاصر، التي حملت الإرهاصات الأولى والأفكار الأولى لقضية أسلمة العلوم، وسرد إسهامات المجلة في هذا الجانب، من خلال إسهاماتها في: تطوير العلوم الشرعية، وإصلاح مناهج الفكر. ثم عرج على الجمعيات والمؤتمرات المتخصصة، التي أسهمت في تطوير فكرة “إسلامية المعرفة”. وتوقف أمام ما طرحه عام 1976 في مجلة المسلم المعاصر، من ضرورة إنشاء أكاديمية دولية للبحوث الإسلامية، التي أكدت مذكرتها الشارحة لفكرتها على بعض بذور البحث في إسلامية المعرفة مثل:

أ- لابد للعمل الإسلامي المعاصر من رسم الأطر التطبيقية للحياة الإسلامية الواقعية في كل بلد إسلامي، على أساس المنهج الإسلامي وتطبيقاته في كل فرع من فروع المعرفة الإنسانية.

ب- إبراز نظرة الإسلام إلى الله والكون والحياة وبلورة مذهبية عامة للإسلام.

ج- بلورة المنهج الإسلامي في كل فرع من فروع المعرفة.

المعهد العالمي للفكر الإسلامي:

تعرض المؤلف، لمؤتمر لوجانو لإصلاح مناهج الفكر، والذي نشأت منه فكرة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في ثمانينيات القرن الماضي، والذي تبني قضية “إسلامية المعرفة” طوال الفترة الماضية حتى اليوم. وتناول بحث إسماعيل الفاروقي عن إسلامية المعرفة الذي عرض لأزمة الأمة الإسلامية، ووصفها في جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، معتبراً أن تجديد النظام التعليمي وإصلاح أخطائه هو المدخل الصحيح لحل أزمة الأمة. هذا البحث صار خطة عمل المعهد فيما بعد، ورؤيته الشاملة لفكرة إسلامية المعرفة.

ثم تناول، كتاب عبد الحميد أبو سليمان عن “أزمة العقل المسلم” الذي ركز على الجوانب الفكرية لقضية الأسلمة، ثم استعرض كتابات الدكتور طه جابر العلواني -رحمه الله- التي اعتبرها معبرة تماماَ عن تطور فكرة إسلامية المعرفة. (ص157-201)

ثم تناول، أنشطة المعهد وتكوينه الإداري والعلمي، وإصداراته والأعمال العلمية الخاصة به،  والمشروعات التي قام بها، والمؤتمرات والندوات التي نظمها، والأعمال العلمية التي قام بتبنيها ونشرها، ثم عرض بشكل موجز لبعض إصدارات المعهد مثل: مؤتمراته الثلاثة في إسلام آباد، وكولالمبور والخرطوم التي حاولت التأصيل لفكرة إسلامية المعرفة في جوانب: المنهج والتربية وتطوير العلوم الشرعية.

وتناول، أيضاً، فترة تعاون المعهد مع مجلة المسلم المعاصر لمدة ثلاث سنوات. وعرض أخيراً، لتجربة الجامعة الماليزية الإسلامية العالمية التي أشرف المعهد عليها برئاسة الدكتور عبد الحميد أبو سليمان لمدة عشر سنوات، لتُمثِل تفعيل نظرية إسلامية المعرفة واقعياً (ص204-262)

تجربة مكتب القاهرةوإسلامية المعرفة:

عرض المؤلف في هذا الفصل، تجربة إدارته لمكتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي في القاهرة من (1988-1992م)، والجهود التي بذلت في التعريف بفكرة إسلامية المعرفة وتطويرها، متناولاً: اللجنة التنفيذية للمكتب، ومجلسه العلمي برئاسة الشيخ الغزالي -رحمه الله- وخطة المكتب، المشروعات الخاصة بالتعريف بفكرة إسلامية المعرفة التي قام بها. (ص266-285)

خاتمة:

يعد هذا الكتاب، إسهام مباشر في حركة الإحياء الإسلامي المعاصر، عبر توثيق تجربة من أغنى التجارب في مجال أسلمة المعرفة التي أنتجت جيل جديد من الباحثين؛من المؤمنين بقضية “إسلامية المعرفة”، صاروا اليوم كتاباً كباراً وأساتذة في الجامعات العربية والإسلامية المختلفة.

كما تعد المشروعات المتناثرة بين دفتي الكتاب، حجر أساس جاهز للبناء عليه للعديد من المؤسسات العلمية المطلوبة للأمة، ويعد مصدراً ثريا يمكن لمراكز الدراسات والفكر المعاصرةالاستفادة منه في تخطيطها وأجنداتها البحثية، وتلافي أخطائه التي بثها المؤلف بين ثنايا سطوره.

كما أن الكتب، التي أشار المؤلف إليها عن: مدخل إسلامي عام للعلوم،كمنهج يدرس لطلبة السنة الأولى الجامعية في جميع التخصصات لتعريفهم بعلاقة الإسلام بالعلم عموماً، وكتاب المدخل للاقتصاد الإسلامي، وكتاب المدخل الإسلامي للتربية (لم تطبع حتى اليوم) هي مشروعات يجب إعادة النظر فيها، وتحديثها ونشرها بدلاً من أن تظل حبيسة الأدراج.

وكذلك فقد أثار الكتاب، الكثير من القضايا الهامة التي يجب على مؤسسات وقادة الفكر الإسلامي المعاصر التنبه لها ومعالجتها للتخلص منها. وتأتي على رأسها قضية: عدم وجود أدنى فكرة عن مناهج البحث لدى الكثير من المثقفين، فضلاً عن عامة الناس، بل إن بعض الأساتذة يخلط بين المناهج بالاستعمال التربوي (المقررات وخطط الدراسة)، وبين مناهج البحث (كيف تكتب بحثاً أو رسالة)، وبين المنهج بالمعنى اللغوي (الطريقة)، وبين المنهج (مصادر المعرفة ونظرية المعرفة). (ص287)

وكذلك، قضية تطوير علم الكلام، وتحريره من الجدل الفلسفي والكلامي والعودة به إلى منهجه القرآني البسيط الميسر لكل مدكر. وهناك، أيضاً، قضية التطبيق لجوانب إسلامية المعرفة التي لم تحقق تقدماً مذكوراً على الرغم من مرور أكثر من ثلث قرن على التجربة.

وتبقى، أخيراً، قضية يثيرها الكتاب في عقل كل من يقرأه، وهي: ألم يأن الأوان لعمل مراجعة نقدية شاملة لمشروع إسلامية المعرفة، تقف على الإيجابيات والسلبيات، وتضع ورقة عمل جديدة للمستقبل، تركز على التطبيقات أكثر من الدوران في فلك التنظيرات المكرورة.

دعوة لمواصلة المسيرة:

أفضل ما نختم به مراجعتنا للكتاب، هو نداء مؤلفه -رحمه الله- لكل من أسهم في مسيرة تيار “إسلامية المعرفة” بشكل أو بآخر، أن يمسك بالخيوط التي تمكنه من مواصلة التحرك تحت أي مظلة من مظلات العمل الفكري الإسلامي المعاصر؛ فالمسئولية تقع على كاهل الجميع. وفي مقدمتهم كل من وهبه الله علما، أو فكراً، أوخبرة، أو موهبة، يستطيع أن يسهم بها في المسيرة المباركة. (ص 326)

* * *

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق