أبحاث

المنحى المقاصدي عند العلماء المعاصرين (الغماريون نموذجا)

العدد 154

طُبع المسار الفقهي العام عبر التاريخ بسمتين أساسيتين، أولاهما: التقيد بألفاظ النصوص ومبانيها عند تقرير الأحكام واستنباطها، وثانيتهما: النظر في مقاصد النصوص ومعانيها، وهاتان السمتان لم تبرزا في العصور المتأخرة فحسب، بل – كما هو معلوم – ظهرت منذ عهد النبي r، وذلك من خلال تعامل الصحابة مع أمره الشريف “لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة”(1)، وهو الأمر الذي انقسم في فهمه وفقهه الصحابة إلى فريقين، ومن خلال ذلك أسّسا لهذين المسارين اللذين عَرَفا عبر التاريخ الفقهي العام أنصاراً ومؤيدين بل مؤصلين ومُنَظّرين، فضمن أي المسارين يتأطر فقه أعلام الأسرة الصديقية الغمارية؟.

1 – الغماريون والمذهب الظاهري:

نسب بعض الباحثين أعلام الأسرة الصديقية جملةً إلى المذهب الظاهري(2)، ومنهم من اعتدل في أمرهم، فنسب الشيخ محمدا بن الصديق الغماري وأنجاله أبا الفيض السيد أحمد وأبا الفضل السيد عبد الله وأبا اليسر السيد عبد العزيز إلى الاجتهاد، وذكر نجلَه الرابع السيد عبد الحي ضمن جماعة من أهل العلم “ممن نُسب للمذهب الظاهري أو كان له اعتناء به أو نصرة”(3).

ومعلوم أن الانتساب إلى مذهب من المذاهب الفقهية يقتضي التزام المنتسب به أصولا وفروعا ومنهجا، فهل كان الغماريون ملتزمين بذلك حتى نقرر – باطمئنان – نسبتهم إلى الظاهرية؟

لقد أُعجب الصديقيون بكثير من آراء واجتهادات ابن حزم الظاهري، ونقلوا كثيرا من أقواله خصوصا من كتابه المحلى الذي وصفوه بالنفاسة(4)، وقد عدّه السيد أحمد بن الصديق من الكتب التي لا يستغني عنها المجتهد(5)، بل هو من المصنفات التي تجب قراءتها والاطلاع عليها(6)، ومع هذا الإعجاب، فإن الغماريين توسعوا في نقد آراء ابن حزم والرد على بعض اجتهاداته، وتميز السيد أحمد بن الصديق بطول النفَس في ذلك، حيث خصص الحيز الأكبر من كتابه “إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحضر” للرد على ابن حزم الذي قال بجواز الجمع الصوري بين الصلاتين، وأنكر الجمع الحقيقي بينهما(7)، أما إنكار ابن حزم لوجوب خطبة الجمعة، فقد تتبعه السيد أحمد بن الصديق جملة جملة، ورد عليه في عدة فصول من كتابه الممتع “الحسبة على من جوز صلاة الجمعة بلا خطبة”.

وللسيد عبد الحي بن الصديق موافقات عديدة مع ابن حزم، ومع ذلك نجده يعيب عليه إنكاره للقياس وجموده على ظاهر النصوص، وعدم اعتباره لعلل الأحكام ومقاصد تشريعها، مما أوقعه “في الطامات المضحكة”(8).

ولم ينتقد السيد عبد الحي بن الصديق المنهج الفقهي العام لابن حزم فحسب، بل تجاوزه إلى انتقاد منهجه الحديثي أيضا، حيث كان ابن حزم -رحمه الله- يحكم على الحديث من حيث القبول أو الرد دون أن يستحضر شواهده ومتابعاته، بل كان يحكم على الحديث لحِدَتِه، مما اعتبره السيد عبد الحي خطأ منهجيا “وقع بسببه في رد أحاديث كثيرة احتج بها الأئمة، نظرا للشواهد والمتابعات التي ينجبر بها ضعفها”(9)، ولم يقع ابن حزم في هذا إلا لأنه “جمد على ظاهر الأسانيد كما جمد على ظاهر النصوص”.

هذه الآراء والأقوال الصادرة عن أبي الفيض أحمد بن الصديق وشقيقه السيد عبد الحي، لا تعد انتقادات موجهة إلى ابن حزم فحسب، بل يمكن تعميمها على المذهب الظاهري جملة، وذلك لعدة اعتبارات أهمها:

* رمزية ابن حزم -رحمه الله- ومكانة مصنفاته داخل المذهب.

* أن الانتقادات والردود وُجّهت في الغالب الأعم لمنهجه العلمي وآرائه الفقهية المؤطرة بقواعد المذهب وأصوله، ولم توجه لشخصه.

لذلك نجد أبا الفيض أحمد بن الصديق يجمع أحيانا في نقده بين الظاهرية وابن حزم ولا يفرق بينهما، ففي مراسلة له مع أحد تلاميذه، استعرض أحكام الصور، وفرّق بين الصور المجسمة وغير المجسمة، ونبه إلى أنها لا تبطل الصلاة إطلاقا، لأن البطلان لا قائل به “حتى لو كانت مجسمة، اللهم إلا إن كنت ظاهريا حزمياً، ومع ذلك فهو (أي: ابن حزم) لا يقول إلا ببطلان صلاة الحامل للأصنام والأزلام التي سماها الله رجسا، ولم يرد نص في الصور كذلك”(10).

أما شقيقهما أبو الفضل السيد عبد الله بن الصديق فأفرد كتابه رفع الإشكال عن مسألة المحال للرد على ابن حزم الذي قال بقدرة الله على فعل المحال، وتوسع في الرد عليه في مسألة صلاة المسافر خلف المقيم(11)، وهو وإن قصَر نقده في هذه المواضع على ابن حزم وحده(12)، لكنه عمم ولم يخصص في مواضع أخرى، فوجه سهام نقده لعموم المدرسة الظاهرية، وذلك في سياق ترجيحه لوجوب زكاة التجارة، حيث استدل لذلك بالقرآن والسنة والإجماع، ثم بيّن أنه “لم ينكر وجوبها إلا الظاهرية، وهم معروفون بالشذوذ، فلا عبرة بخلافهم”(13).

ولم يشذ السيد عبد العزيز بن الصديق عن منهج أشقائه، بل سار على منوالهم، ونأى في دراساته الفقهية عن منهج الظاهرية وإن وافقهم في بعض الأحكام، يبدو ذلك جليا من خلال مناقشته لمسألة التقديم في إمامة الصلاة، حيث قدم صاحبُ متن العشماوية في فقه المالكية الفقيهَ على من يفوقه في الحديث أو في قراءة القرآن(14)، رغم أن هذا الترتيب مخالف لترتيب حديث “يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة”(15)، ولم تصدر هذه المخالفة للترتيب النبوي عن العلماء اعتباطا، بل كانت مؤسسة على اعتبارات مقاصدية مهمة، نبه إليها الإمام الخطابي رحمه الله، منها أن الفقيه إذا كان يقرأ من القرآن ما تجوز به الصلاة قُدّم في الإمامة على الماهر في القراءة إن كان أقل منه فقها، على عكس الصحابة الذين كان أقرؤُهم أفقهَهَم.

أُعجب الشيخ عبد العزيز بن الصديق بهذه النظرة المقاصدية في فهم النص، بل أشار إلى أن توجيه الإمام الخطابي “وجيه بل متعين”، وهو الموافق لما عليه أغلب أهل العصر ومَن قبلهم، حيث نجد كثيرا من حفظة القرآن ممن لا يتقنون فقه الصلاة، وما يجوز فيها وما لا يجوز، لكنه التفت إلى موقف الظاهرية من هذا التوجيه ورأيهم فيه، فقال: “ولكن الظاهري القح لا يساعد على شيء من هذا، ويقول إذا وُجد من يحفظ القرآن وهو جاهل بأحكام الصلاة والطهارة وغير ذلك، مع إمام مجتهد لا يحفظ إلا نصف القرآن، فينبغي أن يتقدم حافظ القرآن عليه، وهذا جمود بارد يأباه العقل السليم، وهو تنكب عن فهم مراد الشارع، ووقوف مع اللفظ بدون حجة”(16).  

يتبين مما سبق أن انتقاد الصديقيين لابن حزم ومذهبه انتقاد علمي محض، تحلوا فيه بالموضوعية والإنصاف، ولم يقلدوا بعض فقهاء المذاهب الذين قالوا ببدعة أهل الظاهر المنكرين للقياس(17)، ولم يجاروهم في محاربتهم لابن حزم ومؤلفاته(18)، بل تولوا الذب عنه والدفاع عن جهوده في مواجهة مكفريه(19) الذين رد عليهم أبو الفضل السيد عبد الله الغماري وبيّن تنكبهم عن الصواب، حيث اعتير تكفيرهم له خطأ كبيرا، وغلوا وإسرافا، لأن ابن حزم عالم كبير، “له مواقف في خدمة الإسلام، وحرصُه على اتباع السنة والعمل بها مشهور لا ينكر”(20).

ورغم هذه الشهادة الصادرة عن أبي الفضل عبد الله بن الصديق في حق أبي محمد بن حزم، إلا أنه لا يتماهى معه في آرائه واجتهاداته كما بيّنا، بل يشهد بفضله، وينكر عليه – في الآن ذاته – كثيرا من الآراء الشاذة التي لا يوافقه عليها، “ومنها تكفيره لبعض علماء الكلام، وحملته العنيفة على الأشعري والباقلاني وأمثالهما”(21).

2- الغماريون والقياس:

تميز الظاهرية بنبذ القياس، ولهم في ذلك مواقف مشهورة، وأقوال مأثورة، منها وصف الإمام أبي محمد ابن حزم -رحمه الله- له بأنه: “عين الباطل”(22)، ولم يؤثر عن الظاهرية قول مخالف لهذا، ومن قال بحجية القياس واعتبره أصلا يستند إليه في الاستدلال والاستنباط لا يعد منهم، وغير منتسب إلى مذهبهم ضرورةً، فكيف تعامل الغماريون مع القياس؟ وهل وافقوا ابن حزم ومذهبه؟ أم وافقوا جمهور علماء الأمة القائلين بحجيته؟

يجمل بي التوقف قليلا مع الحافظ أحمد بن الصديق في هذه المسألة، لأن بعض الباحثين قد يتمسكون ببعض مقولاته فينسبونه بسببها إلى المذهب الظاهري من غير روية ولا برهان.

اشتهر الحافظ أحمد بن الصديق بأمرين أساسيين:

أولهما:الاشتغال بالحديث قراءة وتدريسا وتأليفا، حيث برز في ذلك على كبار المحدثين، ومصنفاتُه في التخريج والاستخراج(23) وأجزاؤه الحديثية الكثيرة دالة على ذلك.

ثانيهما:ادعاؤه الاجتهاد، وبغضه للتقليد ونفوره منه.

لهذا السبب كان يتضايق كثيرا من المقلدين لإعراضهم عن السنة وكثرة تفريعاتهم الفقهية الموغلة – أحيانا – في المخالفات الشرعية، لذلك لما سئل عن القياس صدّر جوابه بقوله: “وبعد، فالحق ما قاله ابن حزم”(24)، وهذه العبارة تكفي المتسرع لنسبة السيد أحمد إلى الظاهرية، لكنه سرعان ما يسترسل ليجلي موقفه ويوضحه، فيقول: “لكن ليس المراد بنفي القياس طريقة ابن حزم، فإنها طريقة خاطئة أيضا، ظاهرةُ البطلان، كقوله مثلا في حديث: “لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لايجري…”(25) أن من بال في إناء وصبه في الماء الراكد أو تغوط فيه لا يكون مخالفا للحديث، لأنه إنما نص على البول فيه لا في غيره، ولا على الغائط”(26).

وإذا كان السيد أحمد يخالف ابن حزم في هذه المسألة فلماذا صدّر جوابه بما سبق؟

رفض ابن حزم القياس رفضا مطلقا، لكن السيد أحمد لم يرتض هذه الطريقة، فلم يرفضه جملة كما فعل ابن حزم، بل عارض الفاسد منه فقط، وهو الذي استند إليه كثير من الفقهاء في قضايا وأحكام فقهية عديدة، وهو ما نص عليه في رسالته المشار إليها بقوله: “وإنما المقصود أقيستهم الفاسدة، فإن ذلك هو المذموم شرعا، والذي ورد عن السلف الصالح التحذير منه، وهو إحداث شرع وقول في دين الله قياسا على قول أو على فرع، بجامع بعيد لم يخطر للشارع قصده أصلا، وقد يكون مع ذلك مخالفا لصريح النص الصحيح فيقدمونه عليه بدعوى أن القياس قطعي، والنص ظني وهكذا، فشد يدك على العمل بالدليل ومعناه، فتكون جامعا بين الطريقتين، طريقة نفي القياس الباطل موافقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، وطريقة العمل بمعنى النص المفهوم منه بفِطَر العقول، أو بالقرائن القاطعة، مخالفا في ذلك طريقة المتطرفين من أهل الظاهر”.

هذا المنهج الوسط الذي تبناه الشيخ أحمد بن الصديق هو الذي صرح به في موضع آخر بقوله: “وابن حزم، نحن نوافقه في أكثر المسائل، ونخالفه في البعض بل الكثير، ومن ذلك القياس، فنحن لا ننكره بطريقة التفريط الحزمية، ولا نقول به بطريقة الإفراط الباطلة”(27).

وإذا انتقلنا من جانب التنظير إلى جانب التطبيق، نرى القياس أصلا معتمدا في فقه السيد أحمد بن الصديق -رحمه الله-، ويكفي أن نورد ما قاله في تعريف الاجتهاد أنه “استعمال النظر في النصوص، واستفراغ الوسع والطاقة في استخراج الأحكام منها، بقياس ما لم يذكر فيها على ما ذُكر بعلة جامعة، مع مراعاة الأصول والمقاصد”(28)، فهل نجد في مصنفات الظاهرية وكتبهم ألفاظا من قبيل القياس والعلة والمقاصد؟ وهل بعد هذا يحق لأحد نسبة السيد أحمد إلى المذهب الظاهري؟

أما القضايا والأحكام الفقهية التي استدل عليها السيد أحمد بالقياس فيصعب على الباحث جمعها وتتبعها، منها استدلاله لجواز بل استحباب إخراج زكاة الفطر نقدا بعدة أدلة، أهمها القياس، حيث استند إلى ما قرره المالكية أن القياس جارٍ في كل حكم شرعي ممكن التعليل، وبما أن حكم زكاة الفطر معلل بقول النبي r: “أغنوهم…”(29)، فإن “القياس جار فيه، إذ لم يقم دليل على المنع منه”(30).

تأسيسا على ما سبق، يتبين أن السيد أحمد بن الصديق، وإن وافق الظاهرية في قضايا وآراء معينة، فإن موافقته لهم موافقة اجتهاد لا تقليد، أما فقهه واجتهاده فبعيد عن الظاهرية غير مؤطَّر بأصولهم ومنهجهم وقواعدهم.

أما أشقاؤه الثلاثة فلم يستنكفوا عن القياس ولم يعرضوا عنه، بل اعتبروه مصدرا من مصادر التشريع المعتبرة التي لا غنى للفقيه المجتهد عنها، وليس هذا مفهوما من منهجهم الفقهي التطبيقي فحسب، بل هو منطوق كلامهم الواضح الصريح، من ذلك قول أبي الفضل عبد الله بن الصديق: “أدلة الأحكام أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهذه أصول الفقه، لابتنائه عليها كابتناء البيت على أساسه”(31)، ونظير ذلك قول شقيقه وتلميذه السيد عبد الحي: “إن الأصول الشرعية التي يجب الرجوع إليها في التحليل والتحريم هي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله r، أو إجماع متيقن، أو قياس على أحد هذه الأصول”(32).

وردّاً على شبهات منكري القياس الذين أوردوا بعض الاعتراضات على أدلة مثبتيه، بيّن الشيخ عبد الله بن الصديق وجاهة الاستدلال بآية “فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ(33) على حجيته، لأن “الاعتبار مأخوذ من العبور، وهو المجاوزة من أمر إلى أمر، عبَر النهر أي جاوزه، والدمع عَبرة بالفتح لأنه جاوز العين سيلانا على الوجه، والكلام عبارة لأنه يعبر الهواء من لسان المتكلم إلى أذن السامع، ومفسر الرؤيا عابر لأنه يعبر من ظاهرها على باطنها”(34)، وإذا كانت كل الكلمات المشتقة من أصل (ع ب ر) تفيد المجاوزة والانتقال من شيء إلى آخر، فإنه يجوز الاستدلال بـ “اعتبروا” على القياس الشرعي وحجيته، لأنه “مجاوزة حكم الأصل إلى الفرع، كمجاوزة تحريم الخمر إلى النبيذ لعلة الإسكار”، وهذه المجاوزة لا بد لها من “رابط بين الطرفين”، وهذا الرابط قد يكون حسيا “كالمَعْبر بين جانبي النهر، قنطرة أو سفينة”، وقد يكون معنويا “كالكفر والمعصية في الاعتبار بحال الكفار والعصاة، وعلة الحكم في القياس الشرعي”.  

أما تطبيقات القياس في فقه الغماريين فعديدة كثيرة، يعسر استقصاؤها وتتبعها في متنهم الفقهي الثري، نورد من ذلك إباحة الشيخ عبد الحي بن الصديق للحلزون قياسا “على الجراد الحلال بالنص والإجماع، بجامع أن كلا منهما حيوان غذاؤه النبات الطاهر، وليس له دم سائل، وهذا قياس في معنى الأصل، إذ لا فارق بين الحلزون والجراد سوى أن الجراد له جناحان، وهذا وصف طردي لا تأثير له في إثبات الحكم أو نفيه بعد اشتراكهما في الحيوانية والتغذي بالنبات الطاهر وعدم الدم السائل”(35).

أما الشيخ عبد الله بن الصديق فلم يكتف بالاستدلال بالقياس فحسب، بل نبّه إلى بعض الأقيسة الفاسدة التي وقع فيها بعض العلماء، وانتقدها نقدا علميا دقيقا، وذلك من قبيل القياس مع عدم وجود العلة الجامعة، والقياس في مقابلة النص، وقياس منصوص على منصوص وغيرها(36)، لذلك نجده موافقا لشقيقه وشيخه السيد أحمد في تخطئة ابن حزم الرافض للقياس النابذ له، ولم يتردد في اعتبار ذلك الموقف الحزمي “خطأ لا صواب فيه”، وأنه كان سببا أدى به أحياناً “إلى القول بما لا تقبله العقول”(37).

3 – الغماريون والمقاصد:

 بناء على إنكارهم للقياس، كان الظاهرية أبعد الفقهاء عن الكلام عن المقاصد الشرعية، وكانوا أكثر المذاهب تشبثا بألفاظ النصوص ومبانيها، وأبعدهم من مقاصد الألفاظ ومعانيها، وقد وقف ابن حزم عند عبارة “المعاني” ليوضح مفهومها عنده، لأن أغلب العلماء استعملوها بمعنى المقاصد والحِكم من التشريع، فقال: “وقد سمى أيضا العلل معاني، وهذا من عظيم شغبهم، وفاسد متعلقهم، وإنما المعنى تفسير اللفظ، مثل أن يقول قائل: معنى الحرام؟ فتقول له: هو كل ما لا يحل فعله،… فهذا وما أشبه هو المعاني”(38)، وهذا توضيح احترازي من ابن حزم -رحمه الله-، لكيلا يفهم أحد استعماله للفظ “المعنى” و”المعاني” على أساس أنه يناقش العلل والحِكَم والمقاصد كما تواضع على ذلك جمهور العلماء.

انتقد الغماريون الإفراط في التشبث بالألفاظ دون مقاصدها ومعانيها؛ مما يمكن اعتباره جوهر الاختلاف بين الظاهرية والغماريين؛ حيث نجد ابنَ حزم ومن على مذهبه يعتبرون التمسك بألفاظ النص التزاما منهم بالشرع وبالحُكم الشرعي المتضمَّن فيه، بيد أن السيد أحمد بن الصديق يعتبر التشبث باللفظ أحيانا يُخرج الإنسان عن دائرة الامتثال والالتزام الشرعيين(39)، وأوضح مثال على ذلك تشبث طائفة من أهل العلم بإخراج زكاة الفطر من الشعير أو التمر(40)، ولم يقولوا هذا إلا لتمسكهم بلفظ النص ومبناه، وهو ما اعتبره السيد أحمد بن الصديق قلبا للحقائق وعكسا لمقاصد الشارع، “لأن التعويل على قصد المتكلم ومراده لا على الألفاظ، لأنها لم تُقصد لنفسها، وإنما قُصدت للمعاني والتوصل بها إلى معرفة المراد، فلو تمسكنا اليوم بالنص في زكاة الفطر وأخرجنا التمر والزبيب لما كنا ممتثلين ولا مزكين”(41).

وإذا كان السيد أحمد – وهو المشتهر بعلم الحديث – كثير الاعتناء بالمقاصد والمعاني، فإن اعتناء شقيقه السيد عبد الحي بها أكثر وأوفر، وذلك لتفرغه لعلم الأصول وبراعته فيه، وبرهان ذلك أنه اعتبر الاهتمام بالمقاصد من أهم الآليات الموصلة لفهم المراد، وأن المتمسك بالألفاظ دون المقاصد أبعد ما يكون عن الفقه والاجتهاد، بل قرر أنه لا سبيل لوصول المجتهد لفهم مراد الشارع من النصوص إلا بسلوك طريقين:

أولهما: النظر في الدلالات اللغوية (الحقيقة – المجاز…).

“ثانيهما: النظر في مقاصد الشريعة، لأن تكاليفها وُضعت لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالح الناس في الدين والدنيا معا، وروعي في كل حكم منها إما حفظ شيء من الضروريات الخمسة، الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وإما حفظ شيء من الحاجيات، كأنواع المعاملة التي لولاها لوقع الناس في الضيق والحرج، وإما حفظ شيء من التحسينيات التي ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات”(42)، وبعد أن بسط هذا، بيّن أن الأحكام لم تُشرع إلا لرعاية هذه المصالح وتحقيق هذه المقاصد، ونظرا لما لهذه الأخيرة من الأهمية في المنظومة الفقهية، فإنه لم يستغرب صدور الأخطاء الفاضحة “ممن يتهجم على أحكام الشريعة بعقله وهواه بدون بحث في الأدلة، والنظر في مقاصد الشارع من تشريع الأحكام، مع مراعاة القواعد الأصولية الواجب الرجوع إليها”(43)، ومن لم يلتزم بهذا، فسينأى بنفسه – حتما – عن الصواب، وسيقع لا محالة في الأخطاء الكثيرة، ومنها ابتعاد كثير من الفقهاء في فتاواهم وآرائهم عن روح التشريع الإسلامي المبني على التيسير، ووقوعهم في التشديد والتعسير على المكلفين، وهو ما خصص له السيد عبد الحي مؤلفا حافلا، جمع فيه تشديدات الفقهاء وقيودهم في مباحث الطهارة والصلاة، وأسماه “رخص الطهارة والصلاة وتشديدات الفقهاء”، بيّن من خلال فصوله ومباحثه أن كثيرا من الرخص الشرعية أصبحت أشد على المكلف من العزائم، مع أن الأصل في تشريعها هو التيسير والتخفيف، والسبب في ذلك راجع إلى “أن أتباع المذاهب خالفوا هذه المقاصد بما وضعوه وولدوه بعقولهم للعمل بالرخص من شروط وقيود لا دليل عليها ولا سند لها من أصول الشريعة”(44)، ومن أمثلة ذلك ونماذجه، أن جميع المصنفات الفقهية – صغيرها وكبيرها – التي وضعها فقهاء المذاهب متفقة على وضع باب أو فصل خاص بالمسح على الجبائر والخرق(45)، واشترطوا لذلك شروطا وقيودا، واستنبطوا تشريعات وأحكاما، من قبيل أحكام المسح وكيفيته وحكم سقوط الجبيرة بعد المسح عليها(46) وغير ذلك من الأحكام التي اعتبرها الشيخ عبد الحي بن الصديق تشديدا وتعسيرا على المريض، إذ “كيف يتأتى لمريض وضع على جرحه أو دمله خرقة أن يغتسل من الجنابة وتسلم الخرقة من البلل بالماء عند الغسل الذي يؤدي إلى زيادة مرض الجرح أو الدمل؟ ثم مع بللها يمسح عليها؟ فهل يشك عاقل فضلا عن عالم أن هذا التشديد الشديد ما هو إلا سبب في زيادة المرض وتضاعفه؟! وهل يشك أيضا أن هذا التعسير مخالف لمقاصد الشريعة في اليسر ورفع الحرج عن المكلفين، وبخاصة عن المرضى؟”(47)، وبما أن هذه الأحكام تنحو نحو التشديد على المريض والتعسير عليه، فإن المريض لا يحيد عن التيمم في رأي الشيخ، لأنه حكم القرآن أولا، ولأنه الموافق لمقاصد الشريعة السمحة التي جاءت لرفع الحرج عن المكلفين ثانيا.

ولم يكتف السيد عبد الحي بن الصديق بنقد الأحكام والآراء الفقهية بسبب مخالفتها لمقاصد الشريعة فحسب، بل جعل المقاصد معيارا لقبول الأحاديث النبوية وردها، ومن الأحاديث التي ردّها بناء على هذا المعيار، حديث جابر قال: “خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فسجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله rأخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده”(48).

توقف الشيخ عبد الحي بن الصديق مليا عند هذا الحديث، ولم يكتف بما صرح به البيهقي وجمع من الحفاظ بأن المسح على العصائب لا يثبت فيه شيء عن رسول الله r(49)، ولم يعمد إلى توهينه بناء على النظر في الأسانيد وفق ما تقرر في علم الحديث، بل توقف عند قوله: “كان يكفيه أن يتيمم ويعصب…” ليبين أنه مخالف لحكم القرآن الذي يسر على المريض وأباح له التيمم دون أن يعصب على جرحه وأن يمسح عليه، وبناء عليه، قرر أن “الحديث موضوع لمخالفته لنص القرآن، ومقاصد الشريعة، من اليسر ورفع الحرج في تشريع الأحكام عامة، والرخص خاصة”(50).

وبالطريقة ذاتها انتقد حديثا آخر رواه ابن الصمة قال: مررت على رسول الله rوهو يبول، فسلّمت عليه فلم يردّ علي حتى قام إلى جدار، فحتّه بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي”(51).

استدل الشافعي بهذا الحديث لنصرة مذهبه القائل بأن الصعيد المذكور في آية التيمم هو التراب، ولو كان مفهوم الصعيد هو وجه الأرض كلها لما حت النبي الجدار ليتيمم عليه، لكن هذا الحديث غير صالح للاحتجاج والاستدلال، وقد أفرده بالتأليف العلامة المحدث السيد عبد العزيز بن الصديق في رسالة أسماها “جني الثمار بأدلة نكارة رواية حت الجدار”، سلك فيها مسلك المحدثين، فبيّن ما فيها من انقطاع وضعف، وبالمقارنة مع ما للحديث من شواهد تبين أن زيادة حت الجدار من تفردات شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد الشديدِ الضعف، ليخلص في النهاية إلى أن الحديث ضعيف السند منكر المتن(52).

لم يكتف العلامة الأصولي السيد عبد الحي بن الصديق بما قرره شقيقه المحدث السيد عبد العزيز بشأن هذا الحديث، بل نظر إليه من زاوية أخرى ليحكم بوضعه واختلاقه، بناء على مخالفته لأصل قطعي من أصول الشريعة، وكلية أساسية من كلياتها، وهي حفظ الأموال وصيانتها، لذلك قرر أنه من المحال عقلا أن يحت النبي جدارا ليس في ملكه(53)، لأنه اعتداء على مال الغير، وشريعته صلى الله عليه وسلم “مبنية على رعاية مصالح العباد الضرورية والحاجية والتحسينية، وحفظ المال من المصلحة الضرورية التي لا بد من رعايتها في قيام أمر الدنيا والدين”(54)، لذلك قارن بين هذه العلة القادحة في متن الحديث، وبين العلل التي أوردها شقيقه المحدث، ليقرر أنها “العلة التي لا طب لها”.

بناء على ما سبق، يتبين أن السيد عبد الحي بن الصديق لا يستصحب المقاصد الشرعية في الصناعة الفقهية فحسب، بل يعممها في مجالات معرفية أخرى، فيستعملها ويستند إليها في الحكم على الأحاديث النبوية ردا وتوهينا، وهذا من كمال اعتنائه بالمقاصد وعدم إغفاله لها.

4 – النقد المقاصدي للأحكام الفقهية:نماذج وأمثلة:

يعد الغماريون من رواد حركة التجديد الفقهي المعاصرين، ولهم في ذلك اليد الطولى، ومؤلفاتهم واجتهاداتهم شاهدة على ذلك، ومن أهم ما تميزوا به في تصانيفهم تعاملهم مع التراث الفقهي بحس نقدي افتقده علماؤنا منذ زمان غير يسير، وقد توسلوا – أحيانا – في نقدهم الفقهي بالمقاصد الشرعية، فردّوا كثيرا من الأحكام والآراء الفقهية المخالفة لما تقرر من مقاصد الشريعة، ومن أمثلة ذلك:

* تحديد مسافة القصر:حدد الفقهاء مسافة القصر بالبرد والأميال، قال ابن جزي: “ثمانية وأربعون ميلا على المشهور وفاقا للشافعي وابن حنبل، وقيل أربعون”(55)، وقال ابن أبي زيد القيرواني: “ومن سافر مسافة أربعة برد؛ وهي ثمانية وأربعون ميلا؛ فعليه أن يقصر الصلاة”(56).

انتقد الشيخ أحمد بن الصديق هذا التحديد من عدة وجوه، ومنها أن التحديد بالبريد أو الفرسخ أو الميل يتضمن عسرا ومشقة من جهتين اثنتين:

الجهة الأولى: أن هذا التحديد لا يعرفه على وجه الدقة إلا خاصة الخاصة، وهم علماء الهندسة والمساحة، وهم قلة قليلة، أما العامة وبعض الخاصة، فيتعذر عليهم الأمر، ومن غير المعقول أن “يأمر الله عباده بشيء لا معرفة لهم به”(57).

الجهة الثانية: أن العلماء اختلفوا وتباينت أنظارهم في معنى الميل والبريد والفرسخ، مما أوقع المكلفين في حيرة عظيمة، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة السمحة، لأن هذا التدقيق فيه من العسر والحرج والضيق ما لا يخفى(58).

* الجمع بين الصلاتين:منع الحنفية الجمع بين الصلاتين بإطلاق، وأباحوا الجمع الصوري، كأن تصلى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها.

وجّه السيد أحمد بن الصديق سهام نقده لهذا الرأي الفقهي، ونقضه من عدة وجوه، منها أن هذا الجمع في منتهى الضيق والحرج والمشقة، لأن من أراد تحقيق هذا الجمع يجب عليه أن يقيم الظهر بحساب دقيق، بحيث يتم الركعات الأربع في وقت أذان العصر ليصليها دون انتظار، وكيف يمكن للمكلف أن يقيم الصلاة بهذه الدقة، خصوصا قبل ظهور الساعات المساعدة على ضبط الوقت.

ولو فهمنا أحاديث جمع النبي على هذا المعنى، لكان ذلك وفق الاحتمالين الآتيين:

أ – حضور الصحابة إلى المسجد مع أذان الظهر، وتأخير الصلاة إلى قبيل العصر مع بقائهم في المسجد، وفي هذا حرج كبير، يتجلى ذلك في حبس الناس عن حوائجهم، وصرفهم عن أشغالهم وسائر أغراضهم.

ب – إخبار النبي للصحابة بالجمع بين الصلاتين، وإذنه لهم بالانصراف والعودة إلى المسجد قبيل الصلاة، وفي ذلك مشقة كبرى، حيث “كلفهم بالرجوع إلى المسجد في وقت غير محدود ولا معروف لهم، لأنه ليست معهم ساعات يعرفون بها الوقت، ولا أذان قبيل العصر يجمعهم إلى المسجد”(59).

لهذه الاعتبارات، رفض الجمع الصوري، ورجح جمع النبي بين الصلاتين جمعا حقيقيا، لأنه الموافق لروح الشرع ويسره، أما الجمع الصوري فهو “تشويه لوجه التشريع وقلب لحقيقته ونقض لمقصوده”(60).

* شرط الإقامة في إمامة الجمعة:اشترط المالكية في صلاة الجمعة عدة شروط، منها إقامة الإمام(61)، والتزموا في فتاواهم بما اشترطوه، وقد أفتى أحد علماء فاس المعاصرين ببطلان صلاة الجمعة التي أقامها أهل قرية مغربية طيلة سنوات، بدعوى أن إمامهم كان يفِدُ عليهم من منطقة تبعد بحوالي ستة عشر كيلومترا.

اطلع الشيخ عبد الحي بن الصديق على هذه الفتوى، ورد عليها برسالته “أريج الآس في إبطال فتوى عالم فاس”، بيّن من خلالها أخطاء المفتي، ومنها بُعده عن روح التشريع ومقاصده، لأن جوابه كان مبنيا “على التشديد والتعسير المنافيين لما هو معلوم مقطوع به من انبناء شريعتنا السمحة على اليسر ورفع الحرج، لاسيما والمسافة المعتبرة في وجوب صلاة الجمعة مختلف فيها بين أئمة الفقه الإسلامي اختلافا كثيرا”(62).

* حكم الإقامة ببلاد الكفار:

حرم بعض العلماء الإقامة في الديار الأوربية والأمريكية بدعوى أنها دار كفر، واستدلوا لذلك بأدلة منها حديث: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين”(63).

رد الشيخ عبد العزيز بن الصديق على أصحاب هذا الرأي بعدة أدلة، منها:

أ – علة المنع محصورة في الفتنة الحاصلة للمقيم في دينه وعدم تمكنه من القيام بشعائره، وهي علة مجمع عليها، أما إذا اقترنت الإقامة ببلاد الكفار “مع الأمن والتمكن من القيام بالشعائر فلا شيء فيها ولا مانع منها”(64).

ب – بالنظر في سبب نـزول قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)(65)، يتبين أن العير المحملة بالزيت قدمت من الشام، والشام حينئذ دار كفر، “ولو كان السفر إلى دار الكفر منهيا عنه ولا يجوز للمسلم لبينه الله تعالى في هذه القصة، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأنه لو كان حراما ممنوعا لكان ذلك عاما يشمل السفر لأجل التجارة كذلك، إذ لا فرق في ذلك بين السفر لأجل التجارة ولا لغيرها من حيث العلة؛ وهي الدخول إلى دار الكفر؛ مما يدل على أن المدار في ذلك كله على الأمن من الفتنة على الدين وعدم الخوف من الإذاية على ذلك… فإذا ارتفعت العلة ارتفع الحكم المعلل بها”(66).

ج – بيّن الشيخ عبد العزيز بن الصديق أن علة تحريم الإقامة غير موجودة اليوم في البلاد الأوربية والأمريكية، لذلك بقي حكمها منحصرا بين الإباحة والاستحباب والوجوب، واستند في هذه الأحكام على الضروريات الخمس، خصوصا حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ المال، لذلك قرر:

أولا: الجواز إذا كانت “لأجل التجارة والعمل أو التعلم”.

ثانيا: الاستحباب أو الوجوب إذا كانت الهجرة إلى تلك الديار “لأجل النجاة بالدين كما وقع في هجرة الحبشة، أو السلامة من إذاية الحكام في النفس والمال كما (روي) عن الزهري أنه كان عزم على الهجرة إلى بلاد الروم خوفا على نفسه من الوليد بن يزيد الطاغية الأموي”.

* تحديد النصاب في جماعة الجمعة:

 اشترط أغلب الفقهاء لصحة صلاة الجمعة عددا معينا، قال ابن رشد: “ومنهم من اشترط أربعين وهو قول الشافعي وأحمد، وقال قوم: ثلاثين، ومنهم من لم يشترط عددا، ولكن رأى أنه يجوز بما دون الأربعين، ولا يجوز بالثلاثة والأربعة، وهو مذهب مالك، وحدُّهم بأنهم الذين يمكن أن تتقرى بهم قرية”(67)، وما نسبه ابن رشد إلى المالكية هو ما كان عليه العمل عند متقدميهم، أما المتأخرون فاختلفوا في هذا النصاب، قال البساطي: لا تجزئ الأربعة والخمسة إلى العشرة، أما أهل إفريقية فقد استقر العمل عندهم بالثلاثين وما قاربها، واختلفوا في المقارب، فلم يجز الشبيبي أن تقل عن السبعة والعشرين، ومنع البرزلي أن تقل عن الخمسة والعشرين(68)، أما مشهور المذهب فهو الاثنى عشر كما في المختصر: “وإلا فتجوز باثني عشر باقين لسلامها”، وهو الرأي المعول عليه كما قال العلامة الأمير(69).

لم يستسغ العلامة المحدث السيد عبد العزيز بن الصديق شرط استكمال النصاب في صلاة الجمعة لعدة اعتبارات، منها أن هذه الشروط يعوزها الدليل والحجية، أضف إلى ذلك أن القائلين بها والمشترطين لها “أدخلوا في ديننا الحنيف البريء من العنت والتعنت والتعسف شريعة من ديانة اليهود، ومظهرا من مظاهر عبادتهم، لأن اليهود هم الذين يشترطون عددا معينا لصلاتهم، وتراهم في أبواب كنائسهم يجمعون ما يكمل به العدد الذي تنعقد به صلاتهم وتصح به عبادتهم”(70)، وما أوقع الفقهاء في هذه الشروط إلا غفلتهم عن أهم مقصد من مقاصد الشريعة، وأهم مظهر من مظاهر الحنيفية السمحة، وهو مخالفة اليهود والنصارى فيما غيروا وبدلوا من شريعتهم، وما اتخذوه دينا وشرعا بهواهم(71)، ولو تفطن فقهاؤنا لهذا المقصد لما وقعوا فيما وقعوا فيه.

وما ذهب إّليه السيد عبد العزيز بن الصديق وجيه بل متعين، لابتنائه على نظر مقاصدي سديد، إذ من المقرر المعلوم أن شرائع الإسلام وأحكامه لا تنبني إلا على اليسر والإمكان، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(72)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)(73)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(74)، لذلك قرر الشاطبي -رحمه الله- “أن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع”(75)، والفقهاء الذين اشترطوا في الجمعة الخمسين أو الأربعين أو الإثنى عشر أوقعوا المكلفين – من حيث لا يدرون – في الحرج والعنت، لأنه قد تقع لهم ظروف وأحوال تجعل التزامهم بذلك العدد عسيرا وشاقا، بل مخالفا لقاعدة “التكليف بحسب الوسع”(76) التي قررها علماء الإسلام باعتبارها من الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية.

وعلى فرض أن اشتراط العدد واكتمال النصاب يعد من الشروط الأساسية لصلاة اليهود وفق تعاليم شريعتهم الأصلية، وليس من تحريف أحبارهم، فإن اشتراط العدد في صلاة الجمعة مخالف لمقاصد الشريعة الإسلامية، على اعتبار أن من الكليات الشرعية “تخفيف الشريعة الخاتمة من الأحكام والتكاليف المشددة التي فرضت على السابقين”(77)، مصداقا للمناجاة الربانية التي لقنها الله لنا وعلّمنا إياها: (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا)(78)، هذا إذا كان العدد المشترط لصلاة الجمعة موافقا للعدد المشترط في صلاتهم مساويا له، أما إذا اشترط الفقهاء للجمعة أكثر مما اشترط اليهود لصلاتهم، فإنهم لم يحملونا إصرا كما حمله الذين من قبلنا فقط، بل إصرا أكثر مما حملوه، وفي ذلك من التشديد ما لا يخفى على ذي لب، وهو مخالف لمقاصد الشريعة السمحة.

5 – قضايا مقاصدية:

* تعليل الأحكام:

 إذا استثنينا الظاهرية، فإن الفقهاء مجمعون على تعليل الأحكام الشرعية، لا فرق في ذلك بين المتقدمين والمتأخرين، وهو ما عليه العمل عند أئمة المذاهب المجتهدين، ففي مسألة إجبار البكر غير البالغ، قال ابن رشد: “اختلفوا في موجب الإجبار: هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال الصغر، قال: لا تجبر البكر البالغ، ومن قال البكارة، قال: تجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة، ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد، قال: تجبر البكر البالغ والثيب غير البالغ، والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك، والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة”(79).

انطلاقا من هذا النص يتبين سلوك الفقهاء المؤسسين سبيلَ التعليل، وأنه سائغ مقبول، ولم يكتفوا بظاهره وجليه فحسب، بل اجتهدوا في الكشف عن غامضه وخفيه، قال عز الدين بن عبد السلام: “وما خص الشرع بابا من الأبواب بحكم خاص، إما لمصلحة خاصة تتعلق بذلك الحكم، أو لدرء مفسدة خاصة تتعلق به، وقد وقف معظم العلماء على تلك المصالح والمفاسد، واختص بعضهم بكثير منها، وخفي أقلها عن الكل، ويعبَّر عنه بالتعبد”(80).

اقتفى الغماريون أثر الجمهور، ولم يكن للظاهرية أثر في فقههم المليء بأمثلة وافرة ونماذج عديدة من تعليلات الأحكام، منها:

أ – علة إخراج زكاة الفطر بالنقود:  

رجح السيد عبد الله بن الصديق إخراج النقود بدل الطعام في زكاة الفطر(81)، وهو ما أفرده بالتأليف شقيقه السيد أحمد، حيث بيَّن أرجحيته بالمنقول والمعقول، واستدل على ذلك بأحاديث منها “أغنوهم عن طواف هذا اليوم”، وبيّن أن العلة ليست بعيدة المنال عصية الإدراك، بل منصوص عليها في الحديث، “وهي إغناء الفقراء يوم العيد، وذلك بالمال أفضل من غيره، لأنه الأصل الذي يُتوصل به إلى كل شيء من ضروريات الحياة”(82)، أما في عهد النبي rومن بعده إلى عصور قريبة – خصوصا أهل البوادي – فلم يكن إخراج النقود متيسرا لهم ألبتة، لندرتها وقلتها، لذلك كان إخراج الطعام مناسبا لحالهم، لأنه متيسر لهم جميعا، “لا يخلو منه منـزل إلا من بلغ به الفقر منتهاه، فكان من أعظم المصالح وأبلغ الحِكم العدول عن المال النادر العسير إخراجه، إلى الطعام المتيسر وجوده وإخراجه لكل الناس”(83)، ولما زالت علة إخراج الطعام (وهي قلة النقود وعدم تيسرها للجميع) وجب دوران الحكم مع العلة، وانتقاله إلى الأيسر الأسهل على المكلفين، وهو النقود.

ولم يجعل الحافظ أحمد بن الصديق -رحمه الله- جواز إخراج زكاة الفطر نقدا مرتبطا بالتعليل الوارد في النص فحسب، بل صرح أنه لو لم يرد النص أو لم يصح، فإن “العقل وشواهد الحال وأصول الشرع قاضية باعتباره، (…) لأنه أقرب إلى القبول والبعد عن التحرج”(84).

ب – علة الجمع بين الصلاتين:

منع الحنفية الجمع الحقيقي بين الصلاتين، وعللوا الجمع الواقع في عرفة ومزدلفة بكونه للنسك، قال الطحاوي: “فإن اعتل معتل بالصلاة بعرفة وبجمع، قيل له: قد رأيناهم أجمعوا أن الإمام بعرفة لو صلى الظهر في وقتها في سائر الأيام، وصلى العصر في وقتها في سائر الأيام، وفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة، فصلى كل واحدة منهما في وقتها كما صلى في سائر الأيام كان مسيئا، ولو فعل ذلك وهو مقيم أو فعله وهو مسافر في غير عرفة وجمع لم يكن مسيئا، فثبت بذلك أن عرفة وجمعا مخصوصتان بهذا الحكم، وأن حكم ما سواهما في ذلك بخلاف حكمهما، فثبت بما ذكرنا أن ما روينا عن رسول الله rمن الجمع بين الصلاتين أنه تأخير الأولى وتعجيل الآخرة”(85).

رد السيد أحمد بن الصديق على الحنفية في تعليلهم الوارد، وبيّن أن العلة الحقيقية هي التيسير ورفع الحرج عن الأمة لا النسك كما قالوا، لأن النبي جمع بين الظهرين تقديما بعرفة ليتفرغ للدعاء ولا يقطعه أو يوقفه بصلاة العصر، وجمع بين العشاءين تأخيرا بالمزدلفة ليواصل المسير ولا يقطعه بالنـزول لصلاة المغرب لما في ذلك من المشقة على الناس، ولو كان الجمع “لأجل النسك لكان الجمع واحدا، إما كله مقدم، أو كله مؤخر، ولكان أيضا في مكة ومنى وغيرهما من منازل النسك”(86).

* التوسع في التعليل:

قد يعتقد كثير من أهل العلم أن التعليل مقتصر على أبواب المعاملات، أما المقَدّرات والعبادات فتعبدية محضة، وهو ما نجد خلافه في المتن الغماري، حيث يشمل التعليلُ العبادات وغيرها، ولذلك عدة أمثلة، نورد منها:

1 – تُدرج زكاة الفطر ضمن أبواب العبادات، ولما سئل السيد عبد الله بن الصديق عن الحكمة من إيجابها على الصغير، حاول أن يجد لها علة رغم أن الأمر تعبدي، وهي أن “الطفل إذا وعى وعلم أن أبويه يخرجان عنه الزكاة تعوّد البذل، هذا إلى أن الصدقة تدفع عنه البلاء”(87).

2 – للنبي rعدة أسماء، منها أحمد، الماحي، الحاشر، العاقب، عبد الله، الرؤوف، الرحيم،…، وعلة هذا التعدد عند الشيخ عبد الله بن الصديق لا تحيد عن إظهار شرف النبي وعلو قدره، لأن العادة عند العرب أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ونبالة قدره(88).

3 – أرشدت نصوص الشرع إلى الإسراع بدفن الميت إكراما له، وهذا ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، بيد أنهم خالفوا هذا السَّنن وأخروا دفن النبي r، وعلة ذلك عند الشيخ عبد الله بن الصديق أنهم أخروا دفنه حتى يقضوا على الفتنة في مهدها، أضف إلى ذلك أن الأمر بتعجيل الدفن لعموم الموتى مخافة تغيرهم بالمكث في البيت ونتانة ريحهم، وانتفاخ بطنهم وتعفنهم، “وهذا منتف في حق النبي r، لأنه طيب حيا وميتا”(89).

* المقاصد الجزئية:

قسّم العلماء مقاصد الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام(90):

– مقاصد عامة: مثل الضروريات الخمس، إقامة القسط بين الناس، رفع الضرر…

– مقاصد خاصة: مقاصد الشارع في أحكام العائلة، مقاصد التبرعات، مقاصد العقوبات…

– مقاصد جزئية: هي المقاصد الخاصة بحكم من الأحكام، مثل المقصد من الزواج والصداق والإشهاد…

لم يقتصر علماء الأسرة الصديقية في بحوثهم ودراساتهم على المقاصد العامة أو الخاصة، بل تناولوا أحكاماً جزئية وأخضعوها إلى ميزان المقاصد الشرعية، مثل الزواج الذي حصر العلماء مقاصده وعلل تشريعه في الإحصان والعفاف وتكثير النسل ومساعدة الرجل على دينه وتقواه، لكن أيُّ هذه الفوائد تعد العلة الأعظم والمقصد الأهم من الزواج؟

قدم بعض العلماء مقصد تكثير النسل وطلب الذرية على غيره من المقاصد، بل جعلوه المطلب الأعظم للزواج، قال الشيخ التهامي كنون الإدريسي الحسني: “للنكاح فوائد، وأعظمها طلب الولد”(91)، وقبله قرر الإمام الشاطبي أن التناسل هو المقصد الأول من النكاح، “ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء (…) والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين”(92)، وفي حاشية ابن عابدين: “فإن كونه (أي: النكاح) عبادة في الدنيا إنما هو لكونه سببا لكثرة المسلمين، ولما فيه من الإعفاف”(93)، وفي حاشية البجيرمي: “وفائدته حفظ النسل، وتفريغ ما يضر حبسه، واستيفاء اللذة والتمتع”(94).

ذكر ابن عابدين الحنفي والبجيرمي الشافعي في النصين المذكورين مقاصد الزواج، ولم ينصا على الأهم منها، لكنهما قدّما في الذكر مقصد حفظ النسل وتكثير سواد الأمة على غيره من المقاصد، أما الإمام الشاطبي والشيخ كنون المالكي فصرّحا بذلك ونصّا على أنه الأهم والأولى.

وعلى العكس مما سبق، حصر الشيخ عبد العزيز بن الصديق مقاصد الزواج في مقصدين اثنين، هما الإحصان والعفاف والحصول على المرأة الصالحة، أما مقصد تكثير النسل فاعتبره مقصدا عرضيا لا غير، وبيان ذلك(95):

** المقصد الأول للزواج: الإحصان والعفاف:

عدّ الشيخ عبد العزيز بن الصديق تحصين المرء وإعفافه المقصد الأهم والأعظم للزواج، بدليل قول النبي r: “يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج”(96)، وحديث: “ثلاثة حق على الله تعالى عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف”(97).

** المقصد الثاني: الظفر بالمرأة الصالحة:

هذا المقصد مستنبط من عدة أحاديث، منها: “فاظفر بذات الدين تربت يداك”(98)، ومنها حديث “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله تعالى خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله”(99)، حيث جعل النبي rوجود المرأة الصالحة مقارنا في الفضل لاستقامة الرجل في نفسه وذكره لربه، وما ذلك إلا لأنها أهم شريك للإنسان في حياته، وأول مُعين له على شؤون دينه ودنياه.

أما تكثير النسل فاعتبره الشيخ عبد العزيز مقصدا عرضيا ثانويا، حيث جعله من خصال الكمال في الزوجة وليس من الخصال الأساسية، لأن الأحاديث المرغبة في الزواج بالولود متعارضة مع حديث “فاظفر بذات الدين”، ولو كانت ذات الدين والخلق عقيما لكانت مقدمة على الولود غير ذات الدين، إضافة إلى ذلك، فإن حديث: “ثلاثة حق على الله تعالى عونهم” ذكر منهم “والناكح الذي يريد العفاف”، ولم يقل الذي يريد الولد، ولو كان هو المقصد الأهم من النكاح لكان النص عليه هنا أولى، لأنه أخبر أن الله جعل العون على ذلك حقا عليه سبحانه وتعالى، وليس بعد هذا في الترغيب شيء.

تأسيسا على ما سبق، يتبين أن كثيرا من العلماء غفلوا عن الأحاديث النبوية المبينة لمقاصد الزواج، أما الشيخ عبد العزيز بن الصديق فلم يحد عنها، بل عمد إليها ليستخرج منها تلك المقاصد وليرتبها، وهو مسلك محمود منه -رحمه الله-،على اعتبار أن المقاصد المنصوصة أولى بالذكر من المقاصد المستنبطة، لأن الأولى تبين مراد الشارع من الحكم، أما الثانية فهي اجتهاد من العلماء، قد تتعدد بتعددهم وتختلف باختلافهم.

* المصلحة والمفسدة:

“تنبني أحكام الشريعة كلها على مراعاة المصالح وتدور معها كيفما دارت كما يعرف ذلك من تتبعه وأمعن النظر فيه”(100). من قرأ هذا الكلام لأول وهلة قد يحسبه منسوبا إلى إمام الحرمين الجويني أو حجة الإسلام الغزالي أو سلطان العلماء العز بن عبد السلام أو الإمام الشاطبي أو غيرهم ممن اشتهر بالكلام عن المقاصد تنظيرا وتأصيلا، أو ممارسة وتطبيقا، والصواب أنه من كلام العلامة أبي الفيض أحمد بن الصديق الغماري -رحمه الله-.

وإذا كانت تلك العبارة ملخِّصة لقناعة السيد أحمد وهو المحدث الشهير، فإن أشقاءه سيتبنون هذا الكلام من باب أولى وأحرى، خصوصا السيد عبد الله والسيد عبد الحي -رحمهما الله-، لأن الأول اشتغل – إضافة إلى علم الحديث – بالمعقولات وتفنن فيها واجتهد في كثير من قضاياها، ولأن الأخير اشتهر بعلم الأصول واشتغل به تأليفا وتدريسا، لذلك كانت كثير من اجتهاداتهم وترجيحاتهم مبنية على مراعاة المصالح والمفاسد، يتجلى ذلك من خلال اجتهادات كثيرة أهمها:

أ‌- إخراج زكاة الفطر نقدا مراعاة للمصلحة:

نص الشيخ أحمد بن الصديق على أفضلية إخراج زكاة الفطر نقدا لا حَبّاً، وبنى هذه الأفضلية على:

أولا: المصلحة قاضية بذلك(101)؛

ثانيا: إخراج الحب في عصرنا فيه مصلحة مقرونة بمفسدة إضاعة المال، لأن الفقراء ليسوا في حاجة إلى الحفاظ عليه وادخاره بقدر ما هم مضطرون لبيعه وقبض النقود، فيبيعونه بأبخس الأثمان، ويضيع جراء هذه العملية “مال كثير بين مشتريه للزكاة وبائعه الفقير”(102).

ثالثا: تقع للإنسان أحيانا حوادث وطوارئ يعسر عليه بسببها الحصول على القمح وغيره، وقد يقع ذلك إبان الحروب والأزمات، ففي بداية الحرب العالمية الأولى (1939م)، قَلَّ الحب والدقيق بسبب انقطاع المواصلات بأنواعها، وقامت الحكومات في كثير من البلدان بتوز