أبحاث

بيان غير المسلمين لدينهم في مجتمع المسلمين بين الجواز والمنع

العدد 147

مقدمة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله، وآله وأصحابه، والسالكين سبيله، والداعين بدعوته إلى يوم الدين، وبعد،

فإن الإسلام هو كلمة الله الخاتمة إلى البشرية كلها، فهو رسالة الزمان والمكان والإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا دين بعد الإسلام، ولا رسول بعد محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – ولا كتاب بعد القرآن، ولا أمة بعد الأمة المسلمة.

ولهذا كان الإسلام الدينَ “الجامع” و”المهيمن” على ما قبله من الأديان، و”المصدق” لما سبقه من رسالات؛ فأودع الله فيه من المقومات والكليات والأصول والحقائق ما يمكِّنه من أن يكون رسالة الخلود والشمول والاستيعاب والصلاحية الحضارية لكل زمان ومكان، وجيل وحال.

ومن الجوانب الفكرية والفقهية المهمة العلاقة بـ”الآخر”، وكيفية التعامل معه؛ دينًا ونظرية وواقعًا، وماذا يعني هذا الآخر للإسلام، وكيف ينظر إليه، وكيف يحترمه ويقدره باعتباره مخلوقًا مكرمًا، له فكره ودينه ومعتقده ومشاعره وشعائره التي ينبغي أن يعتنقها في غير ما إكراه، ويؤديها في أمان وحرية.

ومن الموضوعات المهمة في هذا الجانب وضْعية غير المسلمين في المجتمع الإسلامي من ناحية حرية فكرهم وبيان دينهم، والتعبير عن معتقداتهم ومحاسن عقيدتهم وشعائرهم كما يتصورون ويعتقدون، وضوابط هذا كله وشروطه، ومَن الذي يمارسه ويقوم به… إلى غير ذلك من مسائل تتصل بهذه القضية المهمة.

والحق أن هذا موضوع خطير وبالغ الحساسية لا سيما في واقعنا المعاصر، فالقول بحرية الاعتقاد، وحرية التعبير عن الرؤى والأفكار لا يماري فيه من له أدنى صلة فكرية بالإسلام، لكن الخطورة والحساسية تكمن في واقعنا المعاصر الذي سيتنـزل عليه وفيه هذا الموضوع، فما من شك أن الواقع معقد، والعلاقات متشابكة، وأبعاد الموضوع متنوعة، وجوانبه مختلفة ومتباينة، ومآلاته خطيرة ومزعجة ما لم يكن مضبوطًا بضوابط تحمي من وقوع هذا كله؛ سعيًا لقبول المبدأ الثابت بيقين في نصوص الشرع، وضبطًا لتنـزيله في المكان والزمان والحال.

والواقع أن هذه المسألة بالذات بعدما بحثت فيها وجدت أنها في حاجة إلى بحث وتحرير، وإلى تثاقف وتحاور حولها؛ لأنها – بالفعل – لم تنضج بحثيًّا، ولم أر أحدا من علمائنا – حسَب اطلاعي – قال فيها كلمة شافية، أو وصل فيها لرأي مفصل ومؤصل.

ومن هنا تناولت هذه القضية في هذا البحث الذي أسميته: “بيان غير المسلمين لدينهم في مجتمع المسلمين بين الجواز والمنع”، واحتوى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة.

وقد احتوت المباحث تحديد مصطلحات الموضوع وضبط مضامينه، وآراء العلماء واتجاهاتهم في هذه القضية، ثم الرأي المختار مع أدلته النقلية والعقلية، وضوابط إجراء هذا الرأي، وفوائده، وأخيرا شبهات وردود حول الرأي المختار.

وإني أسأل الله تعالى أن أكون قد حالفت الصواب، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يثقل به موازيني، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

المبحث الأول

تحديد مصطلحات وضبط مضامين

الحديث عن المصطلحات في بداية أي موضوع أو مطلع تناول أي فكرة بالبحث والتحليل والضبط والتحديد يعتبر من الأمور الأساسية؛ إذ بضبط مضامينها وتحديد مصطلحاتها يكون الانطلاق صحيحا، والتناول منضبطا وواضحا. أما الدخول في الموضوع مباشرة دون تحديد مصطلحاته، فهذا فيه خطر كبير على الموضوع نفسه من ناحية، وعلى القراء والمتلقين من ناحية أخرى، وقد يُحْدث ذلك خلافا وجدالا بغير التي هي أحسن.

قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: “والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد اختلاطُ أسماء ووقوعُ اسمٍ واحد على معاني كثيرة؛ فيخبر المخبرُ بذلك الاسم وهو يريد أحدَ المعاني التي تحته؛ فيحمله السامعُ على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبرُ؛ فيقع البلاءُ والإشكال، وهذا في الشريعة أضرُّ شيء وأشدُّه هلاكًا لمن اعتقد الباطل، إلا من وفقه الله تعالى”(1).

أولا: المقصود بغير المسلمين في البحث:

نعني بغير المسلمين في هذا البحث ما سوى المسلمين في مجتمعات المسلمين، وإن كان البحث – بالدرجة الأولى – مهتمًّا بأصحاب الأديان السماوية من أهل الكتاب – اليهود والنصارى – ولكن لا مانع من دخول غيرهم فيه كذلك؛ إذ الإسلام يكفل حرية الاعتقاد للجميع بلا أدنى إكراه (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256)، كما كفل تكريم بني آدم، مطلق بني آدم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70).

ومن هنا فإن المذاهب الفكرية والعقائد الأرضية التي لا علاقة لها بالسماء، ولا شبهة للوحي فيها يمكن أن تدخل ضمن نطاق هذا البحث؛ فالحق أبلج، والباطل لجلج، ولن يصح في النهاية إلا الصحيح: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ..) (الرعد: 17).

ثانيًا: الفرق بين البيان والدعوة:

البيان هو إظهار محاسن الشيء “الدين”، والكشف عن معالمه وكلياته وحقائقه دون استخدام وسائل معينة بقصد الحشد لهذه المحاسن والعملِ على توليد وسائل لإقناع الناس بها، فهو بيان، مجرد بيان.

أما الدعوة فهي لا تقتصر على البيان فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى الترغيب في اعتناق هذه الحقائق، والاقتناع بهذه المحاسن؛ عقيدة وإيمانًا يحمل صاحبه على الدعوة له والدفاع عنه؛ فضلا عن الإيمان به.

ومن هنا يتبين أن البيان قد يتضمن دعوة لمجرد كونه بيانًا، لكن لا يلزم بالضرورة أن يكون دعوة، أما الدعوة فهي بيان يتجاوز مجرد البيان إلى الدعوة إلى ما يتضمنه البيان بحيث يؤمن به الآخرون ويعتقدونه ويدعون له. ومن هنا فإن كل دعوة بيان، وليس كل بيان دعوة.

ثالثًا: الفرق بين الدعوة والتنصير:

الدعوة – كما سبق ونـزيد عليه – عبارة عن بيان أفكار ورؤى ومعتقدات جهرا وعلانية دون إساءة لأحد أو استغلالا لظروف الغير، وهي مشتقة من دعا يدعو، أي صاح به وناداه، وحثه على اعتناق ما يدعوه إليه عبر الدليل والبرهان، كما أن الدعوة نوع من الحوار المجتمعي بين أفكار، والناس عليها شهود وينحازون لمن يقتنعون، والحوار أقوى وسيلة أو أداة دعوية، بل الحوار أقوى من الدعوة نفسها؛ إذ الدعوة بلاغ عام ومطلق، لكن الحوار فيه حجاج ومناظرة مشهودة، وإلجام للخصم وإلزام له بالحجة والدليل.

أما التنصير فهو مشتق من الفعل نصَّر (بتشديد الصاد) يُنَصِّر تنصيرا من “فعَّل”، وهي صيغة مزيدة بتشديد عين الفعل تُعَدِّيه إلى غيره، وكل تشديد أو زيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، فكأن من يقوم بهذا الفعل يحمل غيره حملا على اعتناق ما يدعو إليه عبر وسائل معروفة واستغلال لحاجات الناس بمعزل عن الدعوة المجردة التي تقتصر على إظهار المبادئ والأفكار بعيدا عن حمل الناس على معتقد ما أو سلوك طرق ملتوية.

وتتركز أفكار المنصرين على محاربة الوحدة الإسلامية، وإضعاف الصلة بين الإسلام والأجيال المسلمة الصاعدة، وتحويلهم عن دينهم، ولهم في ذلك مؤتمرات كثيرة ومتنوعة(2).

وإنْ رأى البعضُ أن الدعوة لا فرق بينها وبين التنصير؛ لأن كليهما دعوة في النهاية، فحسبنا أن الآليات والوسائل والطريقة مختلفة تماما ومتباينة بشكل واضح وكبير، ويزداد الفرق وضوحا إذا تأملنا في الواقع وما يجري فيه.

ولهذا يرى د. محمد عمارة أن الإسلام دين الجهاد انتشر سلمًا، بينما النصرانية دين التصوف المسالم انتشرت بالسيف والقهر والإكراه، وأورد شهادات غربية متنوعة على هذا(3).

وقد ذكر د. عمارة أربعة فروق بين الدعوة إلى الإسلام والتنصير، وهي إجمالا:

الفرق الأول: أن الإسلام يتميز بأنه دين ودولة، وحكومات الدول الإسلامية لا يمكن أن تكون محايدة إزاء الإسلام.

الفرق الثاني: الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتعرض الآن إلى حرب ضروس معلنة من قبل مؤسسات الهيمنة السياسية الغربية.

الفرق الثالث: التنصير قد خرج عن أن يكون مجرد دعوة إلى النصرانية ليصبح أداة من أدوات الغزو الفكري والتغريب والمسخ الحضاري.

الفرق الرابع: إن المسلمين الذين يدعون غيرهم إلى الإسلام لا يخلو هؤلاء المدعوون من إحدى ثلاث حالات: إما أن يكون وثنيا، وفي هذه الحالة تتم دعوته إلى الإيمان بالديانات السماوية وهذا لا يمثل ازدراء للأديان غير الإسلام. وإما أن يكون يهوديًّا، وفي هذه الحال فإن دعوته للإسلام لا تمثل ازدراء لليهودية ولا للنصرانية وإنما تتضمن بقاء الإيمان بهما كما نـزلا من عند الله، وإضافة الإيمان بالإسلام. وإما أن يكون نصرانيا، وفي هذه الحال لا تمثل دعوته للإسلام ازدراء للنصرانية ولا كفرا بها كما جاء بها الوحي، وإنما هو تدرج في “سلم” النبوات والرسالات والشرائع التي توالى نـزولها من الله الواحد إلى الإنسان.. بينما دعوة النصراني المسلمَ إلى النصرانية فيها دعوة إلى الكفر بدين سماوي، والجحود بكتاب سماوي، والازدراء لرسول الإسلام وشريعته الخاتمة(4).

وهذه الفوارق هي مقارنة بين الإسلام والدعوة إليه، وبين النصرانية والدعوة إليها، وهي فكرة جزئية فيما نحن بصدد الحديث عنه، فحديثنا هنا ليس مقارنة بين الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى دين أو مذهب آخر، وإنما هي حول مدى جواز أن يقوم غير المسلمين – بتنوعهم، وبخاصة أهل الكتاب منهم – في المجتمع الإسلامي ببيان دينهم ومحاسن عقيدتهم.

المبحث الثاني

اتجاهات العلماء في هذه القضية

بالتأمل فيما قاله علماؤنا وباحثونا في هذه القضية يمكن تقسيمهم إلى اتجاهات ثلاثة:

الاتجاه الأول: منع قيام غير المسلمين ببيان دينهم وعقائدهم:

وهذا الاتجاه يكمن عند فقهائنا الأوائل وعلمائنا السابقين، وهم لم يتحدثوا في هذه القضية صراحة؛ لعدم وجود ما يستدعي طرحها، لكنهم تحدثوا عما هو دونها من إقامة الشعائر الدينية وحق غير المسلمين، وبخاصة أهل الكتاب، في أدائها وإقامتها داخل معابدهم في بلاد المسلمين، ويمنعون من إظهارها في أمصار المسلمين؛ لأن أمصارهم مواضع إظهار شعائر الإسلام، فلا يصح إظهار شعائر تخالفها لما فيه من معنى الاستخفاف بالمسلمين والمعارضة لهم، أما في القرى والمواضع التي ليست من أمصار المسلمين فلا يمنعون من ذلك فيها، وهو مذهب الحنفية(5).

والحنابلة قالوا بالمنع دون تفصيل الحنفية(6).

والشافعية كالحنابلة في هذه القضية، إلا أنهم صرحوا بجواز الإظهار إذا انفردوا في قرية(7).

وواضح من تلمس حكمة المنع والإباحة في أقوال الفقهاء – كما يقول بحق العلامة عبد الكريم زيدان – أن هذا مبني على مراعاة المصلحة العامة للدولة الإسلامية؛ لئلا يؤدي إلى الفتنة والاضطراب، فليس المنع منصبا على ذات الشعائر، ولو كان المنع لذات الشعائر لمنعوها في كل مكان وفي كل حال(8).

وإذا كان فقهاؤنا اختلفوا في مدى جواز إظهار شعائرهم، فمنهم من أجاز بشروط، ومنهم من منع، فكيف ببيان عقائدهم والحديث عن شعائرهم في مجتمع المسلمين؟ لا شك أنه ممنوع بلا خلاف.

الاتجاه الثاني: جواز بيان عقائدهم ومحاسن دينهم بضوابط:

وأما الاتجاه الثاني فيذهب إلى جواز ممارستهم لشعائرهم وبيانهم لعقائدهم؛ فهذا مكفول لهم بما أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، شريطة ألا يكون في ذلك خطر على المجتمع وحين تؤمن الفتنة، وممن ذهب إلى هذا الرأي:

1- أبو الأعلى المودودي:

كان أبو الأعلى المودودي – رائد فقهاء القانون الدستوري الإسلامي المعاصر – واضحًا جدًّا وحاسًما في تقرير حرية غير المسلم، يقول: “سيكون لغير المسلم في الدولة الإسلامية من حرية الخطابة والكتابة والرأي والتفكير والاجتماع ما هو للمسلمين سواء بسواء، وسيكون عليهم من القيود والالتزامات بهذا الباب ما على المسلمين أنفسهم، فيجوز لهم أن ينتقدوا الحكومة والحكام وعمالها حتى رئيس الحكومة نفسه ضمن حدود القانون، وسيكون لهم الحق في انتقاد الدين الإسلامي مثل ما للمسلمين الحق في نقد مذاهبهم ونحلهم، ويكونون أحرارًا في بيان محاسن دياناتهم، وإذا دخل أحد من غير المسلمين في دين غير الإسلام فلا تعترض عليه الحكومة الإسلامية، أما إذا دخل مسلم مقيم في هذه الدولة في غير دين الإسلام فلا تسمح له الدولة بذلك، وفي هذه الصورة الأخيرة تكون المؤاخذة، ويجب على المسلمين أن يلتزموا حدود القانون في نقدهم هذا كوجوب ذلك على غير المسلمين، وستكون لهم الحرية كاملة في مدح نحلهم، وإن ارتد المسلم فسيقع وبال ارتداده على نفسه، ولا يؤخذ به غير المسلم، ولن يكره غير المسلم في الدولة الإسلامية على عقيدة أو عمل يخالف ضميرهم، وسيكون لهم أن يأتوا كل ما يوافق ضميرهم من أعمال ما دام لا يصطدم بقانون الدولة”(9).

وذكر الأستاذ المودودي كلاما مفصلا شبيها بهذا إجابة على سؤال: هل تجوز الدعوة للبوذية أو الهندوسية فقال: “الدعوة لها أنواع:

النوع الأول: أن تكون طائفة دينية تدعو أتباعها إلى مذهبها، وهذا لا إشكال فيه.

النوع الثاني: أن تكون هناك طائفة دينية تدعو بالكتابة أو الخطابة، وتبين الخلاف بينها وبين غيرها بما فيه الإسلام، وهذه يسمح لهم بها، ولكن لا نسمح لأي مسلم أن يغير دينه ويرتد وهو مقيم في الدولة الإسلامية.

النوع الثالث: أن تكون هناك طائفة تنشئ حركة معينة، ويكون الغرض منها الانقلاب على الحكم الإسلامي، وهؤلاء لا يسمح لهم”(10).

2- أمين أحسن إصلاحي:

وهو من تلاميذ الأستاذ الفراهي المفسر المشهور، وكان من الجماعة الإسلامية ثم استقال، يقول: “الحريات المدنية مثل حرية التعبير والرأي والدعوة إلى الديانة والنقد وحرية الاجتماع تكون للمسلمين كما تكون لغير المسلمين، حسب ما هو في الدستور وتعطى لهم هذه الحقوق كاملة”(11).

وكان ثناء الله الأمرتسري ـ من كبار أصحاب أهل الحديث السلفيين، ومن المناظرين المشهورين ـ يناظر النصارى والهندوس، ويكون من بينهم من يرتد عن الإسلام، مثل البادري بركة الله، وبادري عبد الحق، وغيرهما من النصارى، ولم يتأثر المسلمون بهذا التنصير، وهم قلة يعدون على الأنامل.

ولعل سؤالا يقفز هنا إلى الذهن ويقول هذه الآراء مكتوبة في بلاد يعبدون فيها البقر، ولم تكتب لبلاد إسلامية يحكم فيها الإسلام، والجواب أنها مكتوبة في باكستان، وهي من كبرى الدول الإسلامية(12).

3- د. عبد الكريم زيدان:

أما الدكتور عبد الكريم زيدان فيرى أن لولي الأمر أن يسمح لأهل الذمة بإظهار شعائرهم دينيًّا في أمصار المسلمين وغيرها إذا أمن الفتنة ولم ير مانعا من هذا الإظهار، ولا ضررًا يترتب عليه، وهذا هو ما يتفق مع الأصل المعروف في الشريعة، وهو ترك الذميين وعقائدهم دون التضييق عليهم فيها…..

ولهم – على ما نرى – إبداء محاسن دينهم، والمجادلة مع غيرهم بالحسنى؛ لأن الإسلام ذكر أنبياءهم بالخير، وذكر ما في شرائعهم من محاسن، وأمر بمجادلتهم بالحسنى، قال تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت: 46).

فالجدال والمناقشة بالحسنى في أمور أهل الديانة من الأمور المباحة للذميين”(13).

4- د. يوسف القرضاوي:

أما شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي فيقول: “الواجب عليهم أن يحترموا شعور المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيهم، وأن يراعوا هيبة الدولة الإسلامية التي تظلهم بحمايتها ورعايتها، فلا يجوز لهم أن يسبوا الإسلام ورسوله وكتابه جهرا، ولا أن يروجوا من العقائد والأفكار ما ينافي عقيدة الدولة ودينها ما لم يكن جزءًا من عقيدتهم كالتثليث والصلب عند النصارى”(14).

يعني لو كان جزءًا من عقيدتهم جاز ذلك، في ضوء الضوابط والشروط السابقة بالطبع.

5- الشيخ راشد الغنوشي:

تحت عنوان: “حرية التعبير في الدفاع عن العقيدة أو الدعوة إليها أو نقدا لغيرها” يقول الأستاذ راشد الغنوشي: “لقد قدم الأنبياء عليهم السلام نماذج رائعة من الحوار الرفيع مع خصومهم في استمالتهم للإسلام، ودحض الحجج المخالفة من أجل إرساء الاعتقاد على أساس متين من البراهين، ولنا اليوم ونحن نعيش صراعًا عقائديًّا أن نستهدي بالمناظرات التي دارت بين إبراهيم عليه السلام وبين طاغية بلاده، وبينه وبين أبيه، وكذا سائر الأنبياء وصولا إلى النبي الخاتم، وكيف عالجوا عليهم السلام حجج خصومهم بالحسنى بعيدا عن المهاترات والمشاحنات التي تردى إليها الجدل الفكري والسياسي اليوم، وصارت على هديهم الحياة الفكرية في عهد الصحابة والتابعين، وفي عصور الإسلام الزاهرة؛ حيث كانت تتم المناظرات داخل الفرق الإسلامية أو بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى بما فيهم الزنادقة في بلاطات الملوك أو في المساجد، لا سلطان عليها لغير الحجة والبرهان، فكان ذلك تعبيرا واضحا عن تسامح الإسلام وعلى المنـزلة العليا التي أولاها للعقل وللعلم والحرية”(15).

ويقول: “ونحن مع هذا الرأي شريطة التزام الجميع بالآداب العامة للحوار؛ ذلك أن إقرار أحد على مذهب يقتضي ضرورة الاعتراف له بحق الدفاع عنه لإظهار محاسنه ومساوئ ما يخالفه، وذلك جوهر عمل كل داع، استمالة الآخرين عن طريق إبراز محاسن دعوته ومساوئ ما عليه الآخر”(16).

6- د. محمد فتحي عثمان:

تحدث الدكتور محمد فتحي عثمان عن حرية التدين وحرية ممارسة الدين والشعائر، وحرية الاقتناع، واستشهد لها من التاريخ، وأورد العديد من الآيات القرآنية، وبيّن كيف كفل الإسلام هذا كله، وكيف أورد القرآن الكريم مقولات الكافرين والضالين ولم يحل دون سماعها، بل بينها ورد عليها بالدليل والبرهان، ثم قال: “وحرية التدين هي أخطر صور الحرية الفكرية وأشدها حساسية، فإذا ضمنها الإسلام فقد بلغ الذروة في ضمان حرية التفكير.. وحرية ممارسة الدين وشعائره هي أخطر صور إعلان الرأي، فإذا ضمنها الإسلام فقد بلغ الذروة في ضمان حرية الرأي والتعبير”(17).

7- د. مثنى أمين:

أما الدكتور مثنى أمين الكردستاني – الباحث في العقيدة والفكر السياسي الإسلامي – فيقول: “وأدلة هؤلاء العلماء قوية في الواقع – يعني من ذهبوا للجواز – بل هذا هو الصواب الذي ينبغي الذهاب إليه لما ذكروه من الأدلة؛ ولأن هذا هو الأصل في إقرارهم على دينهم، ولم يذكر أحد من علماء السلف أن من أسباب نقض عقد الذمة: دعوة أهل الكتاب إلى دينهم، ولم يشترط الرسول – عليه الصلاة والسلام – والصحابة ذلك عليهم، بل إن الرسول كان يناقش أهل الكتاب بمحضر الصحابة، والقرآن نقل أقوال كل الملل والطوائف، وذكر شبهاتهم على التوحيد وحججهم، ثم قام بالرد عليها، وهذه الشبهات كانت تنتشر في المجتمع الإسلامي آنذاك إلا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ما كان يهمه أن يتتبع مصدر هذه الشبهات ومن يثيرها، بل كان يرد عليها أو ينتظر الرد الإلهي، وفي كل الأحوال كان محضر الجلسات والنقاشات وأقوال كل الأطراف كانت تنتشر في القرآن الكريم، والقرآن يأمر بالمجادلة بالتي هي أحسن: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125)، والمجادلة مفاعلة للمشاركة، وتقتضي أن تسمح للطرف الآخر أن يأتي بكل حججه وبراهينه، بل نادى القرآن بذلك: (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 111).

ثم يقول: “وأخيرا نقول لكل من لا يرى هذا الرأي: هل الإسلام ضعيف حتى يخشى من الحوار والمناظرة؟! وهل يجوز أن ندعو إلى حرية الدعوة الإسلامية في العالم ودول النصرانية وغيرها من الأديان ثم نمنع نحن دعوة الأديان الأخرى في بلادنا؟! هذه ازدواجية، وكيل بمكيالين لا تليق بالمسلمين”(18).

الاتجاه الثالث: الجواز مع حق الاقتناع والإقناع بين طرفيْنِ واعيَيْنِ:

وأما الاتجاه الثالث والأخير فيرى جواز أن يبين غير المسلمين دينهم في مجتمعات المسلمين، ويدعون إلى ذلك، بل منحهم هذا الرأي حق الإقناع للآخرين، وحق الاقتناع بالآخرين من عدمه، ويمثل هذا الرأي واحد فقط يعتبر من أبعد الناس حديثًا في هذا الموضوع؛ حيث دفع بالحديث إلى مناطق متقدمة، وهو: د. إسماعيل راجي الفاروقي – أستاذ علم الأديان المقارن بجامعة تنبل الأمريكية، رحمه الله.

وقد فرَّق في بحثه المهم: “حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية” بين حق الاقتناع وحق الإقناع؛ فيقول عن الاقتناع: “إذا لم يقتنع المشرك بالحقيقة التي قدمها الإسلام، فإن لديه الحق في درجة غير منتقصة من الاحترام، ويجب أن نتذكر أنه عندما سمع مسيحيو نجران دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ذاته، واهتدى بعضهم ولم يهتد البعض، فإنه استمر في معاملتهم بنفس الأسلوب من كرم الضيافة الذي يستحقونه، وقَبِل عرضهم لتضمنهم في السلم الإسلامي، وأعادهم إلى منـزلهم في حراسة وفي صحبة شخص موثوق به ليقدم لهم العون في شئونهم الخاصة. وإن الضمير الحر للإنسان يمنحه كرامة منقطعة النظير وقد عرف جميع أنبياء الله كيفية احترامها، ومن اتخذ القرار منهم بقبول الإسلام فقد فعل ذلك بإرادته الحرة بعد أن اقتنع بصحة الدعوة الإسلامية”(19).

ويقول عن الإقناع، وهو حق دعوة غير المسلمين إلى دينهم، فيقول: “يتمتع المشرك بذلك الحق الثالث، أي الحق في إقناع المسلم بآرائه أيا كانت، وثمة سببان يبرران ويقويان هذا الحق الخاص بالمشرك تحت لواء الإسلام:

أولا: أن الاقتناع عملية ذات وجهين فهو عملية من المناقشة والمناقشة المضادة، وليس من الممكن أن يتم إلا في وجود المناقشة الحرة بين شخصين أو طرفين لديهما ما يكفي من الوعي، وإن الاقتناع الذي يكون غير ناتج عن تلك العملية الجدلية ليس هو هدف الإسلام، فإن مثل ذلك الاقتناع يفترض أن الشخص يكون مثل اللوح الأملس يحفر عليه المعلم بياناته التي قد تكون خاطئة. إن نوع المعرفة التي نعنيها هنا تكون غير ذات فائدة لو لم تكن قد أثارت بعض رد الفعل، وأحدثت بعض التغيير بالنسبة لتوجيه الشخص هدف التأثير.

ثانيا: من الطبيعي أنه إذا كان لدى المسلم الحق في عرض قضيته، فإن الذمي يُخَوَّل نفس ذلك الحق، وإن ذلك الحق المتبادل لا يتأثر بإساءة استعمال أي طرف له؛ نظرًا لأنه ينتمي لكل منهما بمقتضى إنسانيتهما، وليس من الممكن الجدال بأن الذمي لا يستطيع أن يعرض قضيته على المسلمين، فإنه من المفترض أن المسلمين على معرفة كافية بأثمن حقيقة لديهم، وإذا كانوا غير قادرين على دحض قضية الذميين، فإن واجبهم هو زيادة التعمق في إيمانهم، أو على الأقل نشدان تحقيق ذلك من خلال علمائهم، وإذا كانوا عرضة للخروج عن الإسلام من خلال مثل تلك المواجهة، فإن الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نلومه هو ضعف معرفتهم وإيمانهم.

إن الإسلام لا يطالب المسلمين بحجب الجاهل عن الأنظار، ولكنه يطالبهم بتعليمه وإرشاده، وعلى أي حال فإنه مع التقدم الحديث في تكنولوجيا الاتصال لن يكون من الممكن الاحتجاب أو العزلة التامة، فالمناقشات المضادة سوف تصلهم بأي وسيلة، وأسلوب الحماية الوحيد ضد أي مناقشة هو تقديم مناقشة أخرى أفضل وأكثر تعقلاً وصحة.

إن ما يمكن أن نخشاه من ممارسة هذا الحق بواسطة المشركين هو التحريض على الفتنة أو الخيانة ضد الدولة الإسلامية، أو ضد الأمة ككل، ولكن ذلك سوف يكون غير شرعي طبقا للسلم الإسلامي الذي قبله المشرك، وتستلزم مقاضاته وفقًا لقانون الدولة، وإذا لم يكن ثمة تحريض على الفتنة، فليس من الممكن أن تكون ثمة محاكمة أو تقييد بالنسبة لممارسي الحق في إقناع الآخرين، وإذا ما لجأ المشرك إلى ممارسات تتنافى مع الأخلاق مثل الرشوة أو أي وسيلة للإكراه والإغراء تعد دخيلة على الطبيعة العقلية أو الروحية للمناقشة، فإن المسلم يجب أولا أن يرفض ذلك العرض، ويدين القائم به، وفوق ذلك، فإن الدولة الإسلامية ليس لديها الحق فحسب – بل عليها الواجب – بالتدخل لإيقاف تلك الاتصالات العامة، وعليها أن تحمي مواطنيها ضد مثل تلك الوسائل، ولكن عرض الحقائق الذي يتسم بالإخلاص لله أيا كانت الناحية التي يأتي منها، يجب السماح به دون توقف أو إعاقة من أي مصدر”(20).

والواقع أن كلام د. الفاروقي يعتبر أقوى ما وجدت في هذه القضية عبر تفصيله لحقوق غير المسلمين، والحديث عن كل حق بهذه الطريقة، وعلى نحو منضبط بالحقائق والمخاوف والشروط والضوابط، وكل ذلك في ضوء مراعاة حفظ الأمن العام والسلام الاجتماعي والأمن القومي، والقانون الذي يحكم هذا كله.

المبحث الثالث

الرأي المختار

(أدلته – ضوابطه – فوائده – شبهات وردود)

بعد هذا العرض الذي احتوى ثلاثة آراء، الرأي الأول منع، والرأي الثاني أجاز بضوابط، والرأي الثالث أجاز مع منح حق الإقناع للآخرين؛ فضلا عن الاقتناع من الآخرين بضوابطه أيضا – آن لنا أن نكشف عن الرأي الذي نختاره ونرجحه.

والواقع أن الرأي الأول كانت له ظروفه وسياقاته التي حكمتْه؛ حيث لم يكن هناك داع لمناقشة مثل هذه القضية، وذلك لاستقرار الأوضاع، وعيش غير المسلمين عيشًا سعيدًا في كنف الدولة الإسلامية، ولم يكن الحوار أو البيان يمثل خطرًا على المجتمع، ولا تهديدًا لأمنه أو استقراره، ولم تكن له أبعاد سياسية عميقة ومعقدة ومتشابكة كما هو الحال في عصرنا، كما أن الدولة كانت واحدة ومترامية الأطراف، ولم يكن أيامها توجد دول قطرية، كل دولة لها سيادتها وحدودها وجنسيتها وطبيعتها.

ومن ثم لم يتعرض فقهاؤنا السابقون لهذه المسألة، كل ما هنالك أنهم تحدثوا عن حفظ دور عبادتهم، ومنحهم الحرية لأداء شعائرهم، دون إبراز لها في مجتمع المسلمين حتى لا يؤدي ذلك إلى استفزاز مشاعرهم؛ فلم يمنعوا هذا لذاته، وإنما لما يؤول إليه أمره كما أوردنا عن العلامة عبد الكريم زيدان آنفًا.

ولما تغير الواقع عندنا وظهر في المشهد المعاصر أقليات مسلمة في الغرب، وانفتاح في وسائل الإعلام، وتغير في مفهوم الدولة المعاصرة، فضلا عن التعقيدات الفكرية والسياسية التي أصبح لها دور كبير في توجيه هذه القضية؛ فكان لابد من طرحها وإعادة النظر في المسألة بما يتناسب مع هذه التطورات؛ وبخاصة أن الأمر كله مبني على المصلحة والمفسدة واحترام نظام الدولة وتنظيم القانون لهذه المسائل، وتحقيق ما فيه الصالح العام للمجتمع، لما كان ذلك كذلك وجدنا من العلماء والباحثين المعاصرين من تحدث في المسألة رغم أن كثيرا منهم لم يوفها حقها، كما سبق بيانه.

والذي نطمئن إليه أن بيان غير المسلمين لدينهم ومعتقداتهم بالحوار الناجع المبني على الحجة والدليل والبرهان، والصادر من أهله، وفي مكانه اللائق به، وبين جمهوره المستوعب له، أو أفراده القادرين عليه؛ إقناعًا أو اقتناعًا – هو الذي نرجحه ونبيحه بضوابطه وشروطه؛ لأنه ليس هناك ما يمنعه، بل هناك من الأدلة ما يمكن أن يوصف بالتواتر مؤيدًا له، وهو ما كوَّن في النهاية ما نسميه بالحرية الدينية، أو حرية الاعتقاد، وإليك أدلة نصية، وأخرى اجتهادية تنهض بهذا الرأي:

أولا: أدلة نصية للرأي المختار:

1- أدلة هذا الرأي من القرآن الكريم كثيرة جدا، وهي كل ما جاء عن حوار الأنبياء مع أقوامهم، وكل ما جاء حول الجدال والحوار، ونحو ذلك، ومنه:

قول الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).

وقوله تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت: 46).

قال الطاهر بن عاشور: “ووجه الوصاية بالحسنى في مجادلة أهل الكتاب أن أهل الكتاب مؤمنون بالله غير مشركين به؛ فهم متأهلون لقبول الحجة، غير مظنون بهم المكابرة، ولأن آداب دينهم وكتابهم أكسبتهم معرفة طريق المجادلة، فينبغي الاقتصار في مجادلتهم على بيان الحجة دون إغلاظ؛ حذرًا من تنفيرهم”(21).

وقول الله تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8)، ومنعهم من التعبير عن رأيهم وبيان محاسن دينهم ومعتقداتهم بضوابطه الآتي الحديث عنها، ليس من الإقساط إليهم؛ فضلا عن البر بهم.

بل إن الله تعالى كان يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم للحوار، والحوار يتضمن إظهار كل فريق ما لديه من أفكار ومعتقدات، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنـزلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (آل عمران: 64-66).

بل إن الله تعالى – بذاته العلية – ناداهم وأقام عليهم الحجة فقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة: 19).

2- أما السنة النبوية ففيها أدلة كثيرة بلغت حد التواتر في الوصية بأهل الكتاب، وسيرته مليئة بالحوارات معهم، بل بالحوارات مع الوثنيين والكفار في مكة، ولن ننقل هنا حواره مع وفد نجران الشهير، ولكن ننقل حواره مع الوثنيين الذين لم يكن لهم سبب بوحي السماء.

أورد ابن كثير في تاريخه في باب بعنوان: “باب مجادلة المشركين رسول الله”. عن ابن إسحاق قال: قال عتبة: يا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها؛ فنعطيه إياها، ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون.

فقالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم إليه وكلمه.

فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم.. فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.. قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا الوليد أسمع”.

قال: يا ابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الامر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به مُلكا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبْرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه – أو كما قال له – .

حتى إذا فرغ عتبة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أفرغت يا أبا الوليد؟” قال نعم! قال اسمع مني، قال أفعل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حم . تَنـزيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فلما سمع بها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجدها ثم قال: “سمعت يا أبا الوليد؟ قال سمعت.

قال: “فأنت وذاك”، ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.. فلما جلسوا إليه، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي..خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تُصِبْه العربُ فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهرْ على العرب فمُلْكه ملكُكم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به..قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.. قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم(22).

فهذا حوار طويل بين النبي صلى الله عليه وسلم – صاحب الدعوة ورأسها – وبين أحد رموز المشركين وصناديدهم، سمع منه النبي، وأسمعه النبي حتى صار بعد الحوار ما صار.

وحسبنا القاعدة السياسية المستفيضة: “لهم ما لنا، وعليهم ما علينا”(23)، وبمقتضاها فإن لهم ما لنا، فإن كان لنا حق البيان فلهم حق البيان، وإن كان لنا حق حرية الاعتقاد فلهم الحق ذاته، وكذلك عليهم ما علينا من واجبات إلا ما كان فيه خصوصيات تخص الدين كالأحوال الشخصية مثلا.

وفي دستور المدينة ما يكفي ويشفي، أما التنصير بآلياته ووسائله وإمكاناته الضخمة المعروفة، وحمل الناس حملا بهذه الأساليب والآليات فمرفوض قطعا.

ثانيا: أدلة اجتهادية للرأي المختار:

هذا، وهناك أدلة أخرى عقلية اجتهادية لهذا الرأي يجب اعتبارها، ومن ذلك:

أولا: أنه ليس من المعقول أن نمنع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي من بيان معتقداتهم بضوابطها ونحن نعيش في عصر العولمة وعصر الفضائيات التي لا يستطيع أحد أن يمنعها أو يسيطر عليها، وكذلك مواقع الإنترنت، فالعالم أصبح قرية واحدة، وانفتح بعضه على بعض بما ألغى الحدود الجغرافية، ومكَّن كل أهل ملة ومذهب من قول ما يشاءون.. صحيح أن هناك فرقًا بين وجود الواقع، وبين أن تسمح أنت به، أو تعطيه مشروعية، ولكن لم نجد من الأدلة ما يمنع، بل هناك ما يشهد له ويؤيده.

ثانيا: أنه لا يصح أن نمنع غير المسلمين في مجتمعات المسلمين من بيان معتقداتهم بل والحوار حولها بضوابطه، ثم نطالب بحرية الأقليات المسلمة في بلاد الغرب في الدعوة للإسلام، وتمكينهم من ممارسة هذه المعتقدات عبادة ودعوة، وهو سؤال يلاحق المسلمين المقيمين في الغرب دومًا، على أن الأقليات هناك تتمتع بحريات واسعة، وتكسب أرضًا جديدة يوما بعد يوم، بل تشتري بعض الكنائس وتحولها إلى مساجد..صحيح أن إسلامنا دين ودولة، أما هم في الغرب وغيره فالدين في حياتهم قضية ثانوية، ولكن هذا لا يمنع من إباحة هذا لهم ما دام الجميع منضبطًا بالضوابط التي سنتحدث عنها فيما بعد.

ثالثا: أننا لو منعنا هذا فماذا تعني الحرية الدينية؟ هل تعني ممارسة شعائرهم، واعتناق ما يشاءون فقط؟ فأين حق الإنسان – مطلق الإنسان – في التعبير عن رأيه ومعتقده؟ وأين حوارات الله تعالى في القرآن الكريم – وهو المصدر الأول للتشريع والدعوة – مع إبليس نفسه وغيره من أهل الديانات والملاحدة والمشركين، وأين حوارات الأنبياء مع الكفار في القرآن بطوله وعرضه، وأين حوارات الكفار لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في السيرة النبوية – وهي التطبيق العملي التشريعي للإسلام – بل أين قولهم له: نعبد إلهك يوما ، وتعبد إلهنا يوما – أليست هذه دعوة – فأنـزل الله لذلك سورة “الكافرون”، وأين عرضهم عليه المال والملك والتطبيب كما سبق إيراده قبل قليل؟ ثم أين حوار وفد نجران مع الرسول وبمحضر من الصحابة وفي المسجد؟؟!

كل هذا يدلنا على أن الإسلام لا يمنع من ذلك، بل يرحب به، ما دام منضبطًا بضوابطه؛ لأن الإسلام ليس لديه ما يخشاه ولا ما يخفيه شريطة أن يكون المتحدثون باسمه على مستوى المسئولية علما وخلقا وعملا، وما أحسن ما قاله الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي في هذا الصدد: “والإسلام قضية عادلة، بيد أنها – للأسف – وقعت بين أيدى محامين فاشلين!! وكثير ما أستمع لمتحدثين عن الإسلام، فأتمنى لو أنهم سكتوا، فلم ينبسوا بحرف. أغلبهم لا يفهم الدين كما تنـزَّل من عند الله، والنـزر اليسير الذى يفهمه لا يحسن الإبانة عنه بأسلوب مقبول!! وذاك كله في أيام تتزين فيها المبادئ التافهة، وتعرض نفسها على الناس في تزاويق ماكرة، كما تتوارى الشمطاء وراء حجب من الأصباغ والملابس والحلى والدلال!! والناس بطبيعتهم أعداء ما جهلوا… فانظر أي تقصير خطير يرتكبه المسلمون إذا لم يشرحوا دينهم شرحًا دقيقًا منصفًا، لا تزيد فيه ولا انتقاص؟ شرحًا يعتمد على تجلية الحق وحده…؟ وللحق- إذا اتضح- سناؤه الذى يجتذب الأنظار والألباب… إن الأجيال فقيرة إلى معرفة الإسلام بلغة طيعة ودلالة قريبة”(24).

ثالثًا: ضوابط إجراء هذا الرأي:

قبل الحديث عن الضوابط لابد من تقرير أن اشتراط عدم إثارة الفوضى والفتن ـ كما ورد في كلام الاتجاهين الأخيرين ـ كلام واسع يمكن أن يستخدمه الحاكم استخداما موسعا ومتعسفا فيه بما يقضي على هذا الرأي تماما، لكننا نقول: إن مبدأ حرية الاعتقاد وإتاحة فرص البيان والحوار والجدال بالتي هي أحسن إنما هو بمثابة الدستور الذي ينبغي أن يفصله القانون تفصيلا دقيقًا بكل جوانبه وجزئياته وشروطه وضوابطه؛ بحيث ينظم هذه المسألة، ويخضع له كلُّ المواطنين في مجتمع من المجتمعات.

ولعل الجو الصحي وتوافره في المجتمع من أهم المقومات لنجاح مثل هذه الآراء، ولضمان عدم إثارة الفتن والفوضى؛ لأن الاستبداد والقهر السياسي دائما ما يكون سببًا في هذا، ويكون حائلا دون إجراء أي حوار أو دعوة.

ومن الأهمية بمكان أن يكون المجتمع مؤهلاً لاستقبال مثل هذا الحوار والبيان، فلا يكون مجتمعًا متعصبًا، ولا ضيق الأفق، إنما مجتمع تربَّى على ثقافة الحوار والجدال بالتي هي أحسن، واحترام الآخر والتعامل معه وفق ما تعارف الناس عليه إنسانيًّا وإسلاميًّا.

هذه بعض أساسيات الضوابط التي لا يصح إهمالها، ولا يمكن أن نتحدث عن ضوابط قبل توافرها أو إجراء هذا الرأي دون تهيئة الأجواء وتربية المجتمع، ونوجز أهم الضوابط فيما يلي:

1- حفظ أمن المجتمعات، وعدم زعزعة النسيج الوطني فيها، وعدم إثارة الفوضى والفتن في المجتمع.

2- احترام وامتثال المواثيق والعهود التي بين غير المسلمين وبين الدولة المسلمة التي يعيشون فيها ويقيمون بها.

3- عدم استفزاز مشاعر المسلمين؛ لا سيما إن كانت الأغلبية لهم، كما يجب على المسلمين ألا يستفزوا مشاعر غير المسلمين سواء بسواء؛ لأن هذا سيعصف بأمن المجتمع.

4- عدم الإساءة إلى رسول الإسلام أو الشريعة أو القرآن، أو ازدراء أي دين أو معتقد أو تجريحه، فالقرآن قال عن غير المسلمين: (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ) (التوبة: 12)، وقال للمسلمين: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 108).

5- عدم استغلال حاجات الناس من فقر ومرض، وسذاجات الضعفاء، ونحو ذلك؛ لأن التنصير يعتمد على هذا، والمنصِّرون عندهم تعليمات مشددة أن يبتعدوا عن الجدال الديني، ويكتفوا بتقديم العون الصحي والاجتماعي للمعوزين ليتخذوا ذلك ذريعة لتنصير المسلمين، وقد قامت مؤتمرات مخصوصة من أجل هذا، ورصدت لذلك ميزانيات ضخمة ليس هذا موضع الحديث عنها.

6- عدم الاستقواء بالخارج؛ لأن هذا من أكبر ما يزعزع الأمن الوطني، ويثير الفتن، (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة: 191، 217).

7- أن تكون الدعوة والبيان في العلن عبر أداة الحوار التي تعتمد الحكمة والأدلة العقلية والنقلية والتاريخية.

8- أن تكون الفرص المتاحة متكافئة لكل الأطراف، فلا تمنح طائفة حرية كبيرة، ثم لا تعطى حرية لطائفة أخرى، وكما يقول المفكر والداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله: “إن الإسلام لا ينهزم أبدا في ميدان متكافئ، وإنما تنـزل به الكوارث في ميدان ذل فيه دعاته، واستُبعد هداته، وتولى رعْي الشعوب فارغو العقول والقلوب”(25).

9- أن يكون هذا الحوار أو الجدال أو البيان أو الدعوة أو حتى الإقناع والاقتناع بين أهل العلم المعتبرين من الطرفين فقط، ولا يكون بين العوام، إلا إذا كان على سبيل المناظرة بين العلماء يحضرها عامة الناس، وتعتمد الحوار الفاعل المبني على الحجة والبرهان بين علماء الطرفين، والجدال بالتي هي أحسن.

رابعًا: الفوائد العشر للرأي المختار:

إذا ذهبنا إلى القول بالجواز مع رعاية الشروط والضوابط التي يجب أن تراعى عند إجراء هذا الرأي، فإن للقول بالجواز فوائد مهمة يحسن أن نوردها في هذا السياق، ومن ذلك:

1. إباحة تعبير غير المسلمين عن آرائهم ومعتقداتهم في مجتمع المسلمين بضوابطه يبين الإسلام كما هو، بحقائقه، وسماحته، وسعته، واستيعابه، واحتضانه للجميع، والقول بالمنع لا يتناغم مع سعة الإسلام وسماحته، ما دمنا سنجري هذا الرأي بضوابطه المشار إليها سابقا.

2. القول بالجواز مع ضوابطه تطبيق عملي لما ورد في القرآن الكريم من حوارات ونقاشات وجدالات بالحسنى مع أهل الكتاب وغيرهم؛ فضلا عن حوارات الله – عز شأنه – مع إبليس المطرود من رحمة الله تعالى! كما أنه تطبيق فعلي واتساق فكري مع ما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من إجراء هذه الحوارات مع أهل الكتاب؛ فضلا عن حواراته مع كفار قريش، ومنعه يتناقض قطعًا مع ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية.

3. القول بالجواز المنضبط يتسق مع مقصد الحرية الذي هو من المقاصد العالية للشريعة الإسلامية، ومنع غير المسلمين من ذلك يتناقض مع هذا المقصد الكبير الذي تسعى إلى تحقيقه تشريعات إسلامية في أبواب متنوعة من الفقه الإسلامي.

4. القول بجواز إجراء هذه الحوارات وهذا البيان من المسلمين وغيرهم في مجتمع المسلمين بضوابطه يسهم في بيان قوة الإسلام وعصمة نصوصه من التحريف والتغيير والتبديل، وهو ما يساعد – بدوره – على مزيد من انتشار الإسلام، واعتناق الآخرين له بإرادة حرة، واختيار مبني على الدليل الصحيح، ومؤسس على البرهان الساطع.

5. القول بالجواز المشروط يقضي على بؤر التوتر في المجتمعات المعاصرة، ويقضي على دوائر الفتن التي تحدث يوما بعد يوم بين المسلمين وغيرهم، وبخاصة أهل الكتاب، وعلى وجه الخصوص النصارى، في بلد مثل مصر، على سبيل المثال.

6. القول بالجواز بضوابطه يحقق السلم الاجتماعي في المجتمع، ويجعل الجميع في مجتمع المسلمين يعيشون في أمان وسلام ومحبة ووئام، فلن تحدث كراهية أو ما شابهها بين الجميع بسبب ذلك، لا سيما والأمور تناقش في العلن، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وسيظهر الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، وفي هذا ما فيه من تعزيز السلم الاجتماعي والأمن الفردي والجماعي؛ لأن مثل هذه الأمور لا تعالج إلا بالحوار، والفشل كل الفشل في معالجتها بالآلة الأمنية “البوليسية” كما كان يحدث في مجتمعاتنا، ولا يزال يحدث في مجتمعات أخرى.

7. القول بالجواز المنضبط يسهم في إظهار الأنظمة المستبدة والفاشلة على حقيقتها، ويعمل على السعي للتخلص منها بضوابطه وشروطه أيضا؛ حيث كان النظام الحاكم ـ في مصر مثلا ـ يولّد هذا التوتر ويُحدثُ هذه الفتن وغيرها؛ إلهاءً للناس عن جرائم يفعلها، وصرفًا لأنظارهم عما يرتكبه من شنائع في حق المجتمع بكل طوائفه ومِلَلِه.

8. إعلان الجواز المنضبط في المجتمع يجعل المسلمين في مأمن من محاولات الإخراج من الدين عبر الوسائل الخسيسة التي تلتف حول المسلمين باستغلال فقرهم أو حاجتهم بقصد تنصيرهم أو