أبحاث

العبادة في الإسلام .. مفهومًا وغايةً

Worship in Islam: Concept and Purpose - العدد 140

يمتاز مفهوم العبادة في الإسلام بمجموعة من المزايا الفريدة مقارنة بما كان عليه في الأديان والمعتقدات السابقة، وفي مقدمة هذه المزايا: شمولية العبادة، حيث أسبغ الإسلام على جميع أعمال الإنسان – تقريبا- صفة العبادة، شريطة إخلاص النية للخالق سبحانه وتعالى.

ولعلّ من أبرز الآيات القرآنية التي تبين هذا المعنى بوضوح تام قوله تعالى، في معرض حديثه عن المجاهدين في سبيله، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون) (التوبة: 120-121).

1- المعنى العام للعبادة:

لا يخرج المعنى العام للعبادة في الإسلام عن حدّ إظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل، كما تتضمن العبادة كذلك معنىً أساسيًّا لا يجوز أن يغفل عنه المؤمن، ألا وهو: أنّ ممارستها تأتي بعد الإيمان بالله الذي شرّعها، وبرسوله الذي بلغها وبيّن تفاصيلها، وأنّ القيام بها تنفيذٌ لأمر الله ورسوله الذي جاءنا من عنده بالعقيدة والعبادة، بالشريعة والشعيرة، بالدين والمعاملة: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110)

أما العبادة لغة؛ فتعني الطاعة، فأصل العبودية الذل والخضوع. يُقال: تعبّد فلانٌ لفلان، إذا تذلّل له.

والعبادة هي عبارة عن نوع محدد من الخضوع لا يسْتحقُهُ إلا المُنعم بأعلى أجناس النِّعم: كالحيَّاة، والفهْم، والسّمع، والبصر. أما التعبيدُ؛ فيُراد به مطلق التذليل. يُقال: طريقٌ مُعَبّدٌ، أي مُمهدٌ للمشي عليه. والتعبُّد أيضا هو التنسُّك، تفرق بين المعاني بحسب الاشتقاق، على حين أن المقصود من قوله تعالى: (فادخلي في عبادي)؛ أي في حزبي، إضافة معنى جديد للعبادة، ألا وهو الولاء المطلق للمولى سبحانه. وتبعا لذلك؛ فإن كلا من: العبادة، والخضوع، والتذلل، والاستكانة، ليست سوى قرائب في المعاني(1).

وإلى جوار المعنى العام أو الأصليّ للعبادة في اللغة – وهو غايةُ الطاعة والخضوع على ما تبين- ؛ يُبرِزُ ابنُ تيْمِيةَ معنًى آخر لا تتحققُ العبادة في الإسلام إلا من خلاله، ألا وهو “الحب”!، فالدّين يتضمنُ معنَى الخضوع والذُل “يُقال: دِنْتُهُ، فَدَان، أي أذْلَلتُهُ فَذلَّ. ويُقال: يَدينُ اللهَ، ويَدينُ لله، أي: يعبُدُ الله ويُطيعهُ، ويخضعُ له. فدّينُ الله: عبادتُهُ، وطاعتُهُ، والخضوعُ له.

والعبادةُ أصْلُ معناها: الذُّلُّ أيضًا. يُقالُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ، إذا كان مُذَلَّلاً قد وَطَّأتْهُ الأقدام. لكنّ العبادة المأمورَ بها، تتضمّنُ معنَى الذُّلِّ ومعنى الحبِّ [معا]، فهي تتضمَّنُ غاية الذُّلِّ لله تعالى، بغايةِ المحبةِ له. فإنّ آخرَ مراتبَ الحُبِّ هو التَّتيُّمْ … يُقالُ: تَيْمُ اللهِ، أيّ عبْدُ الله، فالمُتيَّمُ: [هو] المعبَّدُ لمحبوبهِ. ومَن خضعَ لإنسان مع بُغْضِهِ له [كحال الاضطرار] لا يكونُ عابدًا له، ولو أحبَّ شيئًا ولمْ يخْضَعْ لهُ، لم يكن عابدًا له”(2).

ففي هذا النص يساوي شيخ الإسلام ابن تيمية ما بين الدين والعبادة أولا، ثم يشترط توافر صفتي الذل والمحبة لأجل تمام معنى العبادة ثانيا. وإذا كانت العبادة لله تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد، وكمال الذل المتضمن معنى التعظيم؛ فإنّ القلب يكون فقيرا بالذات إلى الله من وجهين:

أولهما: من جهة العبادة؛ وهي العلة الغائية للدين.

ثانيهما: من جهة الاستعانة والتوكل؛ وهي العلة الفاعلية.

وبذلك يظل العبد مفتقرا دائما إلى حقيقة: “لا إله إلا الله”، وحقيقة: “إياك نعبد وإياك نستعين”، فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المراد المعبود، ومن حيث هو المستعان به المتوكل عليه. ومن ثم؛ لا تتم عبودية الله إلا بهذين الأصلين “فمتى كان يُحب غير الله لذاته أو يلتفتُ إلى غير الله بعينه، كان عبدا لما أحبه ورجاه بحسب حبه له ورجاؤه إياه. وإذا لم يحب لذاته إلا الله، وكلما أحب سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئا إلا الله، وإذا فعل من الأسباب أو حصّل ما حصّل منها، كان شاهدا أن الله هو الذي خلقها وقدّرها، كان قد حصل له من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك”(3).

وقد تابع ابنَ تيمية في قوله هذا تلميذهُ ابن القيم حين أكد أن :”أصل العبادة مَحبةُ الله، بل إفرادُهُ بالمحبّة، وأنْ يكونَ الحبُّ كلهُ لله، فلا يُحِبُّ معهُ سواه، وإنما يُحِبُّ لأجلهِ وفيه (…) وإذا كانت المحبةُ لهُ هي حقيقةُ عبوديتهِ وسِرِّهَا؛ فهي إنما تتحققُ باتباع أمرهِ واجتنابِ نهيه”(4).

والواقع الذي لاشك فيه، أنّ مراتب العبادة في الإسلام تضم إلى جانب هذا الأصل العظيم (المحبة) أصلين آخرين هما: الخوفُ، والرجاء. فالخوفُ من الله تعالى ملازم للرجاءَ كجناحيْ الطائر إذا استويا استطاع أن يتحرك ويطير، وإذا اختل أحدهما حيل بينه وبين ذلك، وهو ما عبر عنه سبحانه بالقول: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورَا) (الإسراء: 57) حيث اشتملت الآية على درجات الإيمان الثلاثة التي لا يقوم بناؤهُ إلا عليها، ألا وهي: الحب، والخوف، والرجاء. فابتغاءُ الوسيلة إليه يعني: طلبُ القرب منه سبحانه بالطاعة والعبادة.

أما الرجاء؛ فهو عبارة عن: “حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب [وهو الله والدار الآخرة] ويطيِّبُ لها السير. وقيل: هو الاستبشارُ بجود وفضل الرب تبارك وتعالى، والارتياحُ لمطالعة كرمه سبحانه. وعلامة صحة الرجاء: حسنُ الطاعة، والنظر إلى سعة رحمته تعالى”(5).

وفي السياق ذاته، يُلاحظ أن آيتي سورة الحجر قد اشتملتا أيضا على عاملي الخوف والرجاء: (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم) (الحجر: 49-50) وقد دفع ذلك ابن عطاء الله الأدمي لآن يفسرها بالقول: أي أقم عبادي ما بين الخوف والرجاء ليصحَ لهم سبيلُ الاستقامةِ في الإيمان؛ فإنه مَن غلبَ عليه رجاؤُه عطّله، ومَن غلب عليه خوفه أقنطه(6) (مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون) (يوسف: 87).

2- رؤيتان لمفهوم العبادة:

في المقابل من ذلك، يرى الإمام مُحمّد عبده أنّ الذي يُميز العبادة عن غيرها من مختلف ألوان الخضوع وأنماط التذلل وضروب الانقياد الأخرى، ليس هو درجة الطاعة والخضوع – كما يقول اللغويون الذين يرون العبادة هي أقصى درجات الطاعة والخضوع- وإنما العمدة في توضيح ذلك يكونُ بالنظر إلى منشأ هذا الخضوع، فإنْ كان منشؤهُ وسببهُ أمرًا ظاهرًا كالمُلكِ والقوةِ ونحوهما، فلا يُسمى عبادة، وإنْ كان منشؤهُ الإقرارُ بعظمة المعبود وأنه يمتلك قدرًة تعلو على قوى الإدراك والحس معا، فذلك ما يصحُ أنْ يُطلق عليه لفظ “العبادة”.

ويتساءل الإمام في سياق تفسيره قول الله تعالى: (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِين)(7): “ما هي العبادة؟ يقولون: هي الطاعة مع غاية الخضوع. وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل، فكثيرا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه، ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، (…) وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لـ “عَبَدَ” وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضَعَ وخنَعَ وأطاعَ وذلَّ، نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي “عَبَدَ” ويحل محلها ويقع موقعها! ولذلك قالوا: إن لفظ “العباد” مأخوذ من العبادة، فتكثر إضافته إلى الله تعالى، ولفظ “العبيد” تكثر إضافته إلى غير الله تعالى، لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرِّق، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى. ومن هنا قال بعض العلماء: إنّ العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى، ولكن استعمال القرآن يخالفه”.

فعلى سبيل المثال: “يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوا كبيرا حتى يفنى هواه وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يُسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويُبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم مالا تراه من المتحنثين القانتين، فضلا عن سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة. فما هي العبادة إذن؟!

يجيب الإمام على تساؤله هذا بالقول: “تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح على أنّ العبادة ضربٌ من الخضوع بَالغٌ حدَّ النهاية، ناشيءٌ عن استشعار القلب عظمًة للمعبود، لا يَعْرفُ منشأهَا، واعتقاده بسلطةٍ له لا يُدركُ كنههَا، وماهيتهَا، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه، فمَن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده، وإن قبّل موطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفا، وهو الخوف من ظلمه المعهود أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة للذين يعتقدون أن المُلْك قوة غيبية سماوية أُفيضتْ على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، (…) وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابا وعبدوهم عبادة حقيقية [من دون الله]”.

وينتهي الإمام إلى تقرير أنّ لكلّ عبادة من العبادات الصحيحة “أثرٌ في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، و[أنّ] الأثر إنما يكون على ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وُجدتْ صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة [على الحقيقة]، كما أنّ صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسان”(8).

أما أبو الأعلى المودودي؛ فيشير هو الآخر- استنادا إلى الاستعمال اللغوي الغالب على مادة “عبد”-، إلى أنّ مفهوم العبادة الأساسيّ هو: أنْ يُذعِنَ المرءُ لعلاءِ أحدٍ وغلبته، ثم يَنْزلُ له عن حريته واستقلاله، ويترك إزاءه كل المقاومة والعصيان وينقاد له انقيادا [ظاهرا]. وهذه هي حقيقة “العبدية” و”العبودية”، ومن ذلك أن أول ما يتمثل في ذهن العربي لمجرد سماعه كلمة “العبد” و “العبادة” هو تصوُّر العبدية والعبودية. وبما أن وظيفة العبد الحقيقية هي إطاعة سيده وامتثال أوامره، فحتما يتبعه تصور [وجوب] الإطاعة”(9).

وفي السياق ذاته يوضح المودوديُّ أنّ التأله والتنسك، هما عبارة عن حالةٍ تُطلق على العبد الذي لم يقف به الأمر على أنْ يكون قد أسلم نفسه لسيده طاعة وتذللاً فحسب؛ بل كان مع ذلك معتقدًا بعلائه معترفا بعلو شأنه، وكان قلبه مفعما بالامتنان على نِعَمه وأياديه. ومن ثم؛ فإنه يُبالغ في تمجيده وتعظيمه، ويتفنّنُ في إبداء الشكر على آلائه، وفي أداء شعائر “العبدية” له. فهذا المعنى لا ينضم إلى معاني “العبدية” الأولى، إلا إذا كان العبد لا يُخضِعُ لسيده رأسَهُ فحسب، بل يُخضِعُ معه قلبه أيضا(10).

وذلك يعني أنّ الإذعان والخضوع الكليّ، هما أصلُ العبادة، وأنّ عبودية القلب أسْمى منزلةً من عبودية الجوارح؛ لأنّها تنقل المُتعبِّدَ من “العبودية” إلى “التنسُّك، بمعنى المبالغة في العبادة ظاهرًا وباطنا، ثم إلى التألُه”، وهنالك ينطبق عليه قول المولى سبحانه: “من آذى لي وليا فقد استحق محاربتي، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي، وإنه ليتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت رجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن موته وذلك أنه يكرهه، وأنا أكره مساءته”.

يتحصل مما سبق إذن، أن العبادة في الإسلام اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ وذلك بحكم كونها الغاية المرضية له، والتي خلق الخلق من أجلها، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون) (الذاريات: 56)، وبها أرسل جميع الرسل، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت) (النحل: 36).

وبحسب ما يؤكد سيد قطب؛ فإن المعنى المحدد الذي طلبه جميع الرسل من أقوامهم لا يخرج عن أمور ثلاثة هي:

أولا: أهمية هذا الأصل باعتباره قاعدة التصور الإسلامي.

ثانيا: خطأ منهج علم مقارنة الأديان عن “تطور” عقيدة التوحيد، من دون استثناء الرسالات السماوية؛ بل بالإغفال المتعمد لاستقلال هذه الرسالات عما صاغته العقول البشرية من ركام العقائد والتصورات، واعتبار ما جاءت به مجرد تطور في المحاولات البشرية في مجال الاعتقاد.

ثالثا: خطر هذا المنهج على العقيدة الصحيحة، لمناقضته للمنهج القرآني، ومخالفته عن قول الله في هذه القضية(11).

3- شمولية العبادة:

يتضمن معنى العبادة في الإسلام إذن الدين والحياة من جهة، وكيان الإنسان ظاهره وباطنه من جهة أخرى. ولعل ذلك هو ما دفع ابن تيمية لأن يضمنها – إلى جانب الشعائر المفروضة- ما زاد عليها من ألوان التعبد التطوعي من ذكر وتلاوة واستغفار، ومن أخلاق وفضائل إنسانية جامعة: كصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من ضروب العبادة المشهورة، ومن أخلاق ربانية عالية: كحب الله ورسوله وخشيته والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه،…إلخ(12).

ولعل ذلك أيضا هو ما دفع تلميذه ابن القيم في مدارج السالكين لأن يفصِّل مراتب العبودية وحظ القلب واللسان والجوارح والحواس منها في خمسين مرتبة موزعة عليها، مؤكدا أن رحى العبودية في الإسلام تدور على خمس عشرة قاعدة، مَن كمّلها فقد كمّل مراتب العبودية “وبيانها: أنّ العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه. والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح. وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح”(13).

وواقع الأمر أن ابن تيمية أضاف إلى جميع ما سبق ذكره فضيلتين أو بالأحرى فريضتين كبيرتين بمثابة السياج لذلك كله، ألا وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله(14). مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ينحو في مواضع أخرى من كتاباته إلى عدم حصر الجهاد في معناه العسكري، أو الجهاد الأصغر فحسب؛ وإنما يعبر به عن معنى “الجهاد الأكبر” تبعا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : “رجعنا من الجهاد الأصغر [القتال] إلى الجهاد الأكبر [جهاد النفس]”(15)، إذ يتسع معنى الجهاد في الإسلام ليشتمل على أنواع، أو أبعاد، أو جبهات أربع هي:

أولا: جهاد أو مقاومة المحتل الغاشم الذي يبدأ بالعدوان.

ثانيا: مقاومة الحاكم الجائر، والاستيلاب المطلق للأنظمة الشمولية.

ثالثا: مقاومة كلّ تقليد من شأنه أن يؤدي إلى التبعية العمياء للآبائية.

رابعا: مقاومة/مجاهدة النفس، المعبر عنها في الحديث الشريف بـ “الجهاد الأكبر”.

– فعلى الصعيد الأول – الجهاد الأصغر (القتال)- نلاحظ أنّ الإسلام يأمر المسلمين بأن يأخذوا بالمسالمة العامة مع كل الفئات المسالمة، من كل الناس الذين يختلفون معهم فى المعتقد، وذلك عن طريق الأخذ بأسباب العدل، في معاملتهم وبالإحسان إليهم، مصداقا لقوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين) (الممتحنة: 8) أما الذين يمارسون البغي والعدوان بالقتل والتشريد ومساعدة الأعداء، فلهم وضع آخر، يكشف عنه المولى عز وجل حين يقول: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون) (الممتحنة: 9)

ونفهم من ذلك أنّ الجهاد لم يفرض على المسلمين إلا بعد أن طال بهم أمد الإيذاء من جانب المشركين، فنزلت الآية الكريمة: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور) (الحج 39-41).

– أما بالنسبة لارتباط العبادة بالصعيد الثاني، وأعني به مقاومة الحاكم الجائر والاستيلاب المطلق للأنظمة الشمولية، فيكفي للتدليل على ذلك أنّ القرآن الكريم قد قرن عبادة الله في أكثر من موضع من آياته بالتوقف عن عبادة الطاغوت فقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: 36) ويكفي للتدليل على ذلك أيضا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”(16) وقوله كذلك: “أفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله [بسبب ذلك]”(17).

– وفيما يتعلق بارتباط العبادة بالمستوى الثالث – مقاومة كل تقليد من شأنه أن يؤدي إلى التبعية العمياء للآبائية- فيكفي للتدليل على ذلك أنّ القرآن الكريم قد استند في دعوته الكفار والمشركين إلى الإسلام على هدم منظومة التبعية العمياء والدعوة إلى التحرر من قيود التقليد، ووطد لهذا المبدأ الذي يعد ركيزة أساسية لبناء المؤسسات الحياتية بمبادئه وسلوكياته القائمة على معيار العقل والمنطق، ومبادئ النظرة الكلية للكون، وقيم النزعة الذاتية التحررية، كما أكد أيضا؛ أنه لا ضرر مطلقا في اعتماد الحوار وسيلة في أكثر الأمور الفكرية تعقيدًا، لأنه أراد أن يفتح الطريق أمام العقول الواعية، لتقرر الأدلة على المعرفة الجازمة التي تنفي كل تقليد يؤدي إلى التبعية العمياء: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ إذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِين) (الأنبياء: 51-54).

– أخيرا، فيما يتعلق بارتباط المستوى الرابع/ مقاومة النفس بالعبادة، فيكفي للتدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه “الجهاد الأكبر” وهو المقصود بقوله عن الإسلام في موضع آخر: “وذروة سنامه الجهاد”(18). خاصة وأنّ القصد من الدين، فيما يؤكد الشيخ محمود شلتوت، “ليس إلا تزكية النفس، وتطهير القلب، وظهور روح الامتثال والطاعة، واستشعار عظمة الله، وإقرار الخير والصلاح في الأرض على أساس قوي متين من ربط الإنسان بخالقه”(19).

على أنّ تلك الارتباطات تدفعنا إلى طرح تساؤل من نوع آخر، ألا وهو: إذا كان لكل شيءٍ حقيقة؛ فما حقيقة العبادة إذن؟ هل هي تلك الشعائر المفروضة من صلاة وزكاة وصيام وحج؟ أم أنّها شيءٌ آخر يكمُنُ وراءَ ذلك وأعظم منه؟!

إنّها بلاشك شيء آخر وراء ذلك وأبعد منه؛ “فالفرائض والشعائر التعبدية جسد حياته الشعائر الروحية، والشعائر الروحية صورة حقيقتها، التذلل للمعبود جلّ جلاله، وخضوع له وامتثال لأمره، ووقوف عند حده، والشعائر التعبدية مظهر، وباطنه توحيد المعبود جلّ وعلا”(20).

ولعل ذلك يفسر – في ناحية من النواحي- شمولية العبادة في الإسلام؛ خاصًة وأنّ محاولة الوصول إلى الغايات من العبادات يُمثل بحدّ ذاته جزءًا من العبادة، يقول تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) (آل عمران: 190-191)، ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقّب على هذه الآية بالقول: “ويل لمن قرأها ثم لم يتدبرها”(21).

4- العبودية والحرية:

غير أن هذا الأمر – أعني الجهاد الأكبر، أو تزكية النفس- فضلا عن ارتباطه بالعبادة بالدرجة الأولى، يرتبط بأمرين آخرين على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية؛ ألا وهما: الحكمة والحرية. فالحكمة “جند من جنود الله يقوي بها قلوب أوليائه”(22). يقول تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُو) (المدثر: 31) ومن ثم؛ فبمقدور المرء أن يطمح إلى أن يكون من جند الله، وذلك بأن “يسعى بأقصى ما في طاقته من جهد في سبيل بلوغ هذه الغاية السامية، لكن الله وحده يعلم جنوده، إن لكل إنسان حرية السعي نحو الدخول إلى سلطان الله”(23).

فوحْدَهُ القلبُ الممتلئ حكمة هو مَن يعرف المعنى الحقيقي للتعاليم الدينية إذ يُعاينها في قلبه، بعد أن تتكشّفَ له طبيعتُها الجوهرية، يقول أبو بكر الشبليُّ في هذا المعنى: “إنّ لله عبادا يرون ما وراءهم من الأشياء: يرون أحوالَ الدنيا بلحظات قلوبهم، وأحوالَ الآخرة بخطرات سِّرهم، وأحوالَ ما عند الله بإشارات خفيهم”(24).

ومن هنا نفهم سرَّ ارتباط التفقه في الدّين بالتقوى، كما في قوله سبحانه: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) (البقرة: 282) وكما في قول مصطفاه: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”، وقوله كذلك: “مَن عمل بما علم ورثه الله علم مالم يعلم”.

أما بالنسبة لارتباط “الجهاد الأكبر” بالحرية؛ فإنه يستند إلى الإيمان بأنّ حرية المرء ليست أمرًا خارجا عن العبودية لله باعتبارها أعلى مراتب الحرية. وهذا المعنى الفريد للعبودية يقترن بمنتهى الطاعة لله، وخلاص السالكين من “رِّق الأغْيَار” وعبودية ما دون الله، إذ لا عبودية إلا لله. ومعنى ذلك أنّ التحرر من العبودية لا يتم إلا بإحلال “عبودية الله” محل “عبودية الإنسان”؛ فالعبودية لله مشروطة إذن باللاعبودية للسلطان، وفي هذا يكمن معنى شهادة أن لا إله إلا الله.

ولعل الاقتران يبدو واضحا هاهنا ما بين العبودية والحرية، فغاية العارف – بحسب الجنيد البغدادي- هي الحرية: “آخر مقام العارف: الحرية”(25)، وفي هذا يقول أحمد بن خضرويه البلخي: “في الحرية تمام العبودية وفي تحقيق العبودية تمام الحرية”(26) والسر في ذلك أنّ المتجرد لله سبحانه وتعالى لا يصح أن تستعبده الأشياء، فمن: “تفرد بالله لم يذله سلطان ومن توكل عليه لم يضره إنسان. وأفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه ومن لم ترد الشبهة يقينه”(27).

وبعيدًا عن التعريفات ذات المنحى التجريدي، نجد أن الحرية وفق هذا المعنى ذات مضمون فاعل في تحقيق التحرر داخل النفس البشرية من عبودية السلطان من جهة، ومن عبودية الشهوات وإطاعة اللذات من جهة أخرى، ففَرْقُ مَا بينَ المؤمن وغيره “أنّ المؤمن خرج من العبودية لنفسه وللمخلوقين إلى العبودية لربه. خرج من طاعة هواه إلى طاعة الله. ليس المؤمن “سائبًا” يفعل ما تهوى نفسه أو يهوى له غيره من الخلق. إنما هو “ملتزم” بعهد يجب أن يفي به، وميثاق يجب أن يحترمه، ومنهج يجب أن يتبعه، وهذا التزام منطقي ناشئ من طبيعة عقد الإيمان ومقتضاه”(28).

ذلك أن مقتضى عقد الإيمان يحتم ضرورة أن يُسْلِمَ المرءُ زمامَ حياته كلها إلى الله، وأن يُخرج نفسه من دائرة الخضوع لهواه إلى الخضوع لأمر الله، مصداقا لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا) (الأحزاب: 36).

يتحصل مما سبق؛ أنّ الحرية في الإسلام لا تقتصر على ذلك المحتوى المرتبط بالسلوك السياسي داخل الإطار الاجتماعي فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى الحرية بمفهومها الروحي المتعالي: فثمة حرية ذاتية، وحرية غيرية، وتحقق هذين الضربين من الحرية يفضي لا محالة إلى تحقق كلا الجهادين: الأصغر والأكبر معا.

5- الأبعاد الاجتماعية لمفهوم العبادة:

ومن هذا المنطلق يمكننا أن نفهم الأسباب التي دفعت بابن تيمية إلى توسيع معنى العبودية وبيان شموليتها لكلّ ما فيه صلاح الخلق في العاجل والآجل. ولا أدل على ذلك كله من أنه عدّ الأخذ بالأسباب، ومراعاة السنن الإلهية التي أقام الله الكونَ عليها من العبادة، فقال: “إن كل ما أمر الله به عبادَهُ من الأسباب، فهو عبادة”(29).

فعبادته سبحانه وتعالى ليست محصورة في الصلاة والصيام وما يلحق بتلك الفرائض من تلاوة وأذكار واستغفار، كما يحسب كثير من المتدينين أنهم إذا رددوا أذكار الصباح والمساء، وداوموا على أذكار ما بعد كل صلاة، فقد قاموا بواجب العبودية لله كاملا! فمع ما لهذه الشعائر العظيمة من منـزلة وأهمية كبيرة في الإسلام؛ إلا أنها تمثل جزءا يسيرا فقط من مفهوم العبادة، وليست هي كل العبادة التي خلق الله لأجلها الإنسان.

والحال، أنّ فهما أعمق لغائية الشعائر التعبدية في الإسلام يفضي ضرورة إلى الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بأنّ شرف المؤمن ليس في قيام بضعة ركيعات بالليل فيما هو راضخ للظلم خانع للاستبداد أثناء النهار، وإنما شرفُ المؤمن حقا هو أنْ يأمُرَ بالمعروف وينهى عن المنكر ويسعى لهداية الناس في أمور دينهم ودنياهم. شرفُ المؤمن حقا أن يقاوم قوى الطغيان في نفسه والعالَم من حوله، وأنْ يحْمِلَ على عاتقه مهمة تبليغ رسالة الإسلام، وهو على أتم إدراك أنّ جوهرها الحي إنما يكمن في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لا أنْ يرْضى لنفسه وللآخرين بالعيش في أعمق عمائق الظلمات مكتفيا بشرف قيام الليل، فيما هو مسلوب الشرف فاقده بالنهار!!(30).

والواقع أنّ حال مَن يفعل ذلك يكون أشبه بحال مَن ينطبق عليه المثل القائل: “ما فائدة اللبن إذا ما أطاحت البقرة بالدلو”؟!، فكثير من الخلق لا يراعي في أداء العبادات إلا نفسه فحسب؛ أما انعكاس تلك الشعائر بصورة إيجابية على معاملاته فلا يحقق فيه شيئا مذكورا حيث لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر والبغي! بل إن كثيرا منهم لا تذكره الأعياد الدينية برحم يجب وصلها، أو ببطون جائعة يجب إطعامها، ولا بأجساد عارية يتعين كساؤها، ناهيك بمظلوم يبحث عن سند له في مواجهة ظالم أقوى منه! أو بمسكين تكفيه اللقمة  فلا يجدها!

وعلى ذلك؛ فإن كل عمل اجتماعيّ أو سياسيّ أو ثقافيّ أو تربويّ نافع يعد عبادة عند الله تعالى، وما أن يخلص المؤمن في عبادته لله، وفق هذا المعنى، حتى تصبح حياته جهادا في سبيل الله. ينطبق ذلك على أقلّ الأعمال وأكثرها في آن معا: فمساعدة الزوج زوجه في أعمال البيت عبادة، واللعب مع أطفاله عباده، وإطعام أهله من الرزق الحلال عبادة، وسيره إلى العمل ورجوعه منه عبادة، وذهابه إلى الجامعة ورجوعه منها عبادة، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، وتبسمه في وجه أخيه المسلم صدقة، ونظافة بدنه عبادة، وتلبية حاجته الجنسية في الحلال عبادة؛ ففي الحديث:

أنّ أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنّ بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا!

فما الظن بكلّ عملٍ يمْسَحُ به المسلم دمعةَ محزون، أو يُخفِفُ به كُرْبةَ مكروب، أو يُضْمد به جراح منكوب، أو يسدُّ به رَمَقَ محروم، أو يشدُّ به أزرَ مظلوم، أو يُقيلُ به عثرةَ مغلوب، أو يقضي به دين مدين…إلخ؟! ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصه: “رأيتُ ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الحسنةُ بعشر أمثالها والقرضُ بثمانية عشر”، لأنّ الأولى تطال فردا واحدا، أما القرض فلربما أدخل البهجة والسرور على أسر بأكملها، ولك أن تتخيل ما قد ينتج عن هذا الإقراض لشاب يريد أن يتزوج من عفة نفسه وزوجه، وفرحة أسرته وعائلة زوجه، وإتاحة الفرصة لتكوين أسرة يعمها الخير والأمن والسلام!

ومع ذلك؛ فإن كثيرا من أوجه الخير في زماننا هذا تنصرف إلى جهات أدنى مرتبة وأقل ضرورة، كالمبالغة في بناء وتزيين المساجد، وكثرة الذهاب لآداء مناسك الحج والعمرة…إلخ. وفي حديث آخر: “إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنته يُثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة”(31).

فالإسلام لا يكتفي باستحباب رفع الأذى عن الطريق وسقاية الحيوان الظمآن والنهي عن حبس القطط فحسب، وإنما يدعو إليها، ويحث عليها، ويأمر بها، وهو تارة يسميها “صدقة” وطورا يسميها “صلاة”، وهي على كل حال عبادة وقربة إلى الله تعالى. ولا أدل على اشتمال العبادة كل هذه الأعمال من حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي قال فيه:

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله. قلت: يانبي الله؛ مع الإيمان عمل؟ قال: أن ترضخ مما خوّلك الله [أي تعطي مما ملّكك الله]. قلت: يانبي الله؛ فإن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: فليُعن الأخرق [أي الجاهل الذي لا يعرف صنعة، يعينه على تعلم صنعة]. قلت: يا رسول الله؛ أرأيتَ إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: فليُعن مظلوما. قلت: يانبي الله؛ أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟! قال: ماتريد أن تترك لصاحبك من خير؟! ليُمسك أذاه عن الناس. قلت: يا رسول الله، أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذتْ بيده حتى تدخله الجنة(32).

ولاشك أنّ الإسلام ليس أفعالا تعد على الأصابع من دون زيادة أو نقصان؛ وإنما هو صلاحية الإنسان للسير في الحياة بينما هو يؤدي رسالة محددة، رسالة الاستخلاف في الأرض وعمارتها. فكما يقول الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، فإنّ لكل آلة صلاحية ما، فصلاحية الطائرة للانطلاق، وصلاحية المدفع للقذف، وصلاحية القلم للكتابة، وهذه الصلاحيات هي مناط الحكم على قيمة الأشياء فإذا اطمئننا إلى وجودها [الصلاحية] قبلناها ورجونا ثمرتها. كذلك الإنسان، يريد الإسلامُ أن تسْتقيمَ أجهزتُهُ النفسية أولا؛ فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة: بصدق اليقين، وسلامة الوجهة، فإن كل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة لله. ففي شؤون الحياة ليس للأعمال الصالحة حصر تنتهي عنده ولا رسم تخرج فيه، إنما هو إسلام الوجه لله وإصلاح العمل والبلوغ به حد الكمال(33).

وبذلك أيضا نفهم أن ربط شيخ الإسلام ابن تيمية معنى العبادة بالمحبة لم يكن أمرا عبثيا وإنما تم عن قصد ومعرفة بمكانة العبادة في الإسلام، بحكم أنها تمثل الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة أمر الله ومحبته ورضاه. فالعبادة: “اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حب، لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين [معا]”(34).

خاصة وأنّ المحبة لله تعد أرفع منازل أهل الصدق قاطبة، وهو ما عبر عنه شقيق البلخي بالقول: “إنّ المنازل التي يعمل فيه أهل الصدق أربع منازل: أولها الزهد، والثاني الخوف، والثالث الشوق إلى الجنة، والرابع المحبة لله [تعالى]”(35).

يرتبط خلق الإنسان، ومن ثم العبادة، في الإسلام إذن بتزكية النفس وتربيتها؛ ذلك أن الله “أنشأ خلقه لإظهار ربوبيته، ولبروز آثار قدرته، وتدبير حكمته، وليكون ذكره ومدحه مرددا على القلوب، وعلى ألسنة الخلق والخليقة، لِما علم في غيبه، فأنبأنا في تنـزيله، فقال جل ذكره: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الجاثية: 22)، فأعلمنا لما خلق، فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) قال أهل اللغة: إلا ليوحدون، ومثل ذلك قوله تعالى: (إيَّاكَ نَعْبُدُ) يعني نوحد”(36).

فإذا اكتمل التوحيد قلبا وقولا وعملا، استقرت المعرفة بأنه واحد، واطمئن قلب المؤمن “فالمؤمن قلبه مطمئن بالإيمان، والتوحيد ظاهر على لسانه… فمن نوّر الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت، وأيقنت [بوعد ربها]، وائتمنته [الإيمان/القلب] على نفسها، فرضيت لها به وكيلا، وتركت التدبير عليه… فإذا سكنت النفوس  تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس [وعلى رأسها الاشتغال بهَمِّ الرزق] عن القلوب فيما يراد بها، وما يكون [في الحاضر] وما يحدث [في المستقبل]؛ لأنها قد أيست عن أن يكون غيرُ ما جرى به القلم، وعند الإياس تسكن النفوس”(37).

ومن أجل ذلك ترتبط شمولية العبادة في الإسلام بالإنسان ارتباطا مباشرا من أجل أن تحقق له توازنه الداخلي المنشود، وهذا النظام ليس مقصورا على الصلاة والزكاة والصيام والحج فحسب، بل إنه نظام منفتح على الكون وشامل لكل حركة، ولكل فكر، ولكل شعور، إنه نظام عبادي ومنهج رباني شمل حركة الحياة بأسرها واحتوى كل جزء فيها احتواء يحقق له الانسجام مع نفسه ومع سائر الأجزاء الأخرى.

ولذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الذي يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه. ثم قال: “مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد”. ورغم هذا الأجر العظيم الذي أخبر النبي أصحابه الكرام أنه لا يطيقونه، فإنه أطلق على هذا النوع من الجهاد عظيم الأجر لقب “الجهاد الأصغر” مقارنة بجهاد النفس!

وفي الأحوال كلها؛ فإنه ينبغي أن يتحقق التوافق ما بين الظاهر والباطن في كلا الجهادين، وذلك هو ما دفع ابن عطاء الله الأدمي لأن يفسر قول الله تعالى: (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة: 41) بالقول: أي خفافا بقلوبكم، وثقالا بأبدانكم(38).

وحبّ الحصيد؛ إنّ الجهاد الأكبر – بمعناه السابق- يتضمن حركات الإنسان وسكناته كافة ما دام أنه في حال المجاهدة. ولهذا أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه أصحابه: “عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله” (سنن الترمذي: 1639). على أنّ الحراسة في سبيل الله لا يفهم منها هاهنا أنّها تقتصر على الرباط في الثغور، أو الجهاد لمحاربة الأعداء فحسب؛ وإنما يتسع معناها لتشمل كل شيء تقريبا: فطالبُ العلم تحرسه الملائكة وهو في طريقه إلى الدرس ذهابا وإيابا، لماذا؟ لأنه يحرُسُ في سبيل الله، وكذا الحال بالنسبة لكل من: الطبيب، والمهندس، والمزارع، والتاجر الصدوق، والشرطي الصالح، والإطفائيُّ…إلخ. ولذلك عندما سئل عمر بن عبد العزيز: أي الجهاد أفضل؟ اجاب: جهادك هواك.

ونتيجة لذلك؛ فإن إدراك العبادة في الإسلام يختلف مما هو في كل دين آخر؛ وذلك بحكم كونها “ليستْ محصورًة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلوات والصيام مثلا، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضا. وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم “عبادة الله” فيلزمنا حينئذ – ضرورة- أن ننظر إلى هذه الحياة، في مجموع مظاهرها كلها، على أنها تبعة أدبية، متعددة النواحي”(39).

ومن هنا نفهم قول الله تعالى لمشركي مكة: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التوبة: 19-22).

6- العبادة بوصفها طريقا إلى الكمال:

يترتب على هذا الفهم مجموعة من الأمور المهمة برأينا، في مقدمتها: أنه يجب أن نأتي أعمالنا كلها – بما فيها تلك التي تبدو تافهة لنا- على أنّها عبادات، وأن نأتيها بوعي، وعلى أنّها تؤلف جزءا من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه المولى عز وجل. فموقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل؛ فهو يعلمنا:

أولا: أنّ عبادة الله الدائمة، والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها، هي معنى هذه الحياة نفسها. ويعلمنا،

ثانيا: أنّ بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلا ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين: [1] حياتنا الروحية، [2] وحياتنا المادية؛ إذ يجب أنْ تقترن هاتان الحياتان، في وعينا وفي أعمالنا، لتكون (كلاًّ) واحدا متسقا، خاصة وأنّ الإسلام – باعتباره منهج حياة- لا يكتفي بأنْ يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة فيما بين المرء وخالقه فقط، ولكنه يعرض أيضا – بمثل هذا التأكيد على الأقل- للصلات الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية. إن الحياة الدنيا لا يُنظر إليها على أنها صدفة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة التي هي آتية لا ريب فيها من غير أن تكون منطوية على معنى ما، ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة في نفسها(40).

وعلى ذلك؛ فإنّ عبادة الله في أوسع معانيها تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية ذاتها، فثمة فرق كبير بين مَن يجاهد في سبيل الله بتأسيس المجتمع الصالح الذي يريده الإسلام، والمتعبد بالعبادات الفردية من دون أن يترتب عليها أثر إيجابي في الحياة: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون) (البقرة: 177).

وهذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال في إطار حياته الدنيوية الفردية، فمن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام وحده يعلن أنّ الكمال الفردي أمرٌ ممكن في الحياة الدنيا. إنّ الإسلام “لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات “الجسدية”، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من “تناسخ الأرواح” على مراتب متدرجة، كما هي الحال في الهندوكية، ولا هو يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية من العالم. كلا، إن الإسلام يؤكد في إعلانه أنّ الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية، وذلك بأنْ يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوي في حياته [الشخصية]”(41).

لهذا كله كان الاكتفاءُ بالعبادات المخصوصة وحدها والاقتصار منها على مظاهرها الخارجية فحسب، وإغفالُ العمل لإقامة ذلك النظام الاجتماعيّ المتكامل الذي دعا إليه الإسلامُ طامًة كبرى أصابت المسلمين في دينهم ودنياهم، مع أنهم لا ينفكون يرددون قول الرسول الأكرم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر”.

وبالتالي؛ فإنّ “اتخاذ تلك العبادات في مظهرها الخارجي مقياسا للصلاح والتقوى، وإهمال الأخذ بالأسباب التي سنها الله في الكون، يمثل انحرافا خطيرا عن جوهر الإسلام وتشويها لقيمه ومعاييره وانحطاطا عن رسالته الشاملة”(42).

وفي الحقيقة، لم