أبحاث

التراث السياسي الإسلامي وحقوق الإنسان

العدد 130

مقدمة:

عسيرٌ هو وضخمٌ سؤال هذه الورقة: ما عناصر رؤية التراث السياسي الإسلامي لحقوق الإنسان؟ وذلك بالمقارنة مع التناول المعاصر لهذه الحقوق؟

مصدر الشعور بالعسر والضخامة هو – من ناحية أولى- ما يتراءى للدارس من اتساع مساحة التراث السياسي الإسلامي وتشابك خريطته وتعدد مداخله وكثرة مصادره(1)، ثم – من ناحية أخرى- ما تبدو عليه قضية حقوق الإنسان في واقعها المعاصر من تعقد وتركيب وتداخل للأبعاد الفكرية والعملية، واختلاف مستويات التناول والتعامل وزوايا النظر المتعلقة بها بين الدارسين والممارسين والمراقبين.

بداية نجد أن كثيرين – من إسلاميين وعلمانيين مع الفارق(2)– يرون أن هذه مقولة لا مفهوم لها؛ بمعنى أنه لا يوجد في التراث الإسلامي ما يمكن أن يسمى “حقوق إنسان” بالمعنى الحديث، وأنه لا اشتراك في المعنى بين تعابير التراثيين – القدماء- عما هو “حق” أو “إنسان” وبين التناولات الحديثة لهذه المفاهيم. فالقضية، في تصورها وماصدقاتها، مُحدَثة تمامًا لا قديم لها لا سيما في الرؤية الدينية التي تدور حول الإله والمقدس الديني ويترتب فيها مقام الإنسان الأجرد(3) متأخرًا عن أن يكون هو المركز في رؤية العالم كما يتصورها هذا الفريق.

ومن العلمانيين والغربيين كثيرون يرون أن التاريخ السياسي الإسلامي –وكذلك تراثه الفكري غالبًا- هو أبعدُ مادةٍ يمكن أن يُستقى منها كلام أو شواهد على اعتراف بحقوق إنسانية أصيلة من قبيل حريات التفكير والتعبير والاعتقاد والانتقال عبر الأديان والمشاركة السياسية والمعارضة والتمكين للمرأة سياسيّا، ومفاهيم مثل المواطنة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن “الدين أو الجنس أو اللون أو النسب أو اللغة أو الرأي والاتجاه السياسي وغير السياسي”(4). فهذا التراث كان ذكوريًّا أبويًّا لا يفلح فيه قوم ولوا أمرهم امرأة(5)، وعشائريًّا نَسَبيًّا الأئمةُ فيه من قريش(6)، تراثًا كرَّس التمييز الديني باسم أهل الذمة ونظم الملة(7) وأحكام الديار وتقسيمها(8)، وأقصَى إمكانَ بروز معارضة سِلمية بدعوى أنها من عمل الخوارج والبغاة(9)، وبرَّر الانقلابات والاستيلاء غير القانوني على الحكم بمقولات الاستيلاء والتغلب والانقهار للسلطان القاهر(10)، وأكد على مفاهيم السمع والطاعة المطلقيْن وإن أخذ الحاكم مالَك وجلدَ ظهرك، وأن السلطان الغشوم خير من فتنة تدوم، وأن لا تنابذوهم ما أقاموا فيكم الصلاة، وما نجم عن عقيدة القضاء والقدر من التراخي والتواكل والعزلة والاكتفاء بلعن السياسة ورهبة الساسة(11). إلى غير ذلك من المزاعم التي بثها الاستشراق(12) وخاض فيها أبناء هذا التراث وخَلَفه ممن نقموا عليه وحمّلوه تبعة ما آلت إليه أحوالهم الراهنة من ضعف وفقر وفرقة، وتأخر عن ركب الغربيين المتمكنين.

وللوهلة الأولى يتراءى بين ثنايا هذا الكلام مواطن صدق وحقائق لا يسوغ جحدها، ولا تصح المماراة فيها بل إن بعضها نقول به غير مبالين بهذه الصياغة الاتهامية(13)، لكن تتبدى كذلك مشكلة خطيرة وأسئلة وانتقادات كثيرة. فالمشكلة الخطيرة أن الكثير مما يأخذه هؤلاء الآخذون على التراث السياسي الإسلامي نظريِّه وعمليِّه هو من منطوق الشرعة الإسلامية نفسها ومن كلام رسول الله r، وإن كان بعضهم يتجمل فينكر هذه الأحاديث أو يرد السّنة برمتها، ويكتفي من الإسلام بالقرآن أو بعضه، ولكن هذه قضية أخرى. وأما الأسئلة والانتقادات فتدور حول أمرين: صدق الخبر وعدالة التقويم، وأيضًا تفصيل هذا له موضع آخر.

المقصود أن جزءًا مهمًّا وزاعقًا من الرؤية المعاصرة للتراث السياسي الإسلامي فكرًا وتاريخًا ونظمًا يشتمل على أفكار سلبية رافضة إزاء هذا التراث تتراوح بين الاعتقاد الشمولي وبين التصور القائم على معلومات جزئية، وأن هذه الرؤية قد جرت لها عمليات من التشييع والتعميم لا سيما في الساحات الأكاديمية والثقافية؛ أي عند النخبة المتصدرة في التعليم والإعلام وإنتاج الخطاب العام لعامة الناس. عبر عقود القرن المنصرم تجد أن أقسام السياسة والتاريخ والفلسفة والاجتماع والأدب والقانون والتربية في جامعاتنا، وكثيرًا من الكتب السيّارة والصحف والمجلات ذات الطابع الثقافي، والبرامج الإعلامية الثقافية وما يسمى بالدراما التاريخية والدينية، تجد أن كثيرًا من تلك الجهات ترسخ هذه الرؤية السلبية في عقول الناشئة والأجيال الصاعدة، وتحفرها في أذهانهم(14).

الأئمة في المساجد عبر الأمة والتدريس في الجامعات الدينية كالأزهر الشريف وكِتاب التاريخ في التعليم الأساسي ومادة التربية الدينية الإسلامية والبرامج الدينية وبعض الفضائيات المستحدثة وبعض الجهود الأكاديمية والفكرية (15) والعملية، تقدم رؤية أخرى: إن هذا الدين هو الحق المبين الذي لا يكون الإنسان إنسانًا يستحق حقوقًا إلا به وفيه، وقد أنشأ أمة وسطًا هي خير أمة أخرجت للناس، تراثها العلمي والفكري، وتاريخها العسكري والسياسي والاجتماعي والعمراني، وحضارتها ومنهاجها في التعامل مع غير المسلمين في الداخل والخارج ومع النساء والأطفال والشيوخ وذوي الاحتياجات الخاصة … كل هذه شواهد عدول على عظمة التراث الإسلامي، مهما اعتوره من استثناءات ومخالفات، وأن فيه مادةَ تقدُّمِ الأمة ونجاة الإنسانية؛ فإن هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها؛ ألا وهو الدين والتمسك به.

وأيًّا كان الموقف المذهبي أو الأيديولوجي من التراث السياسي الإسلامي، فلا شك أنه تعرض –كما يقرر بالأرقام والوثائق د. نصر عارف(16) لمتسلسلة من المظالم المنهجية بدءًا من الإهمال، إلى التعامل القاصر والمستخف والمتساهل، إلى التعامل العشوائي المتسربل بشكلانية علمية زائفة، إلى منتهى المسألة المتمثل في إصدار التعميمات وتكرارها واجترارها، وأغلبها تعميمات سلبية بخصوص هذا التراث، دون إعمال للقاعدة المنهجية العلمية الأساسية التي يعنون بها د. نصر لكتابه: “قاعدة الاستقراء قبل التعميم التي أجمع عليها مفكرو الشرق والغرب قديمًا وحديثًا، معتبرين أن التعميم دون مبرّر أو مسوّغ من استقراء وحصر، تفكير غير علمي وغير منطقي”.

أمام هذه الحالة والجدل الدائر بين الرؤيتين المتعارضتين يتجلى ما أشير إليه من صعوبة الطريق الذي ينبغي أن تشقه هذه الورقة للإجابة عن سؤالها الذي طرحه الأكارم المسئولون عن المؤتمر. لكن لعل مما ييسر الأمر ويساعد على انتهاج السبيل الأنسب هو التفكر في طبيعة الجواب المطلوب وخصائصه ومقصده.

بناءً على ما سبق، فإن المقصد الأمثل لهذه الورقة – في تصوري- هو استكشاف ما إن كانت ثمة حقوق إنسانية في التراث السياسي الإسلامي أم لا، مقارنةً بما هي عليه في الوقت الحاضر؟ وإن وجدت فما هي؟ وكيف تصورها أهل تراثنا؟ وكيف تعاملوا بها في واقعهم؟ ومن ثم تكون دراسة التراث الفكري المكتوب هي الأساس مع الإلماح إلى جانب النظم والحركة ودلالاته على عموم التجربة التراثية فيما يتعلق ببناء الإنسان وتحديد حقوقه ومستحقاته.

إذًا، فالتركيز يقع على الشق الأول من المعادلة: التراث الإسلامي وبالأخص في المجال السياسي؛ إذ هو مقام الدراسة ومادتها الأساسية، بينما يتم عرض مجمل الرؤية الغربية والدولية عن حقوق الإنسان، عند المقارنة، من واقع النظر في أهم المواثيق الحديثة والأدبيات السابقة. فما المقصود تحديدًا بهذا التراث؟ وكيف نقرأ قضية حقوق الإنسان فيه؟

*بين يدي التعريف بالتراث السياسي الإسلامي:

فيما يتعلق بمدلول “تراث إسلامي” تتبنى الورقة المفهوم الذي يُخرج من مقصود التراث الإسلامي، الأصليْن الموحَى بهما: الكتاب والسُّـنَّة؛ ليقتصر مدلول التراث السياسي الإسلامي على المنتَج الفكري للمسلمين في الشأن السياسي، مع التسليم بارتباط ذلك بالأصول أو بالأصليْن تحديدًا إن إيجابًا أو سلبًا(17). وذلك على خلاف من يرى هذا الفكر “مجموعة النصوص المباركة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وما جاءت به قرائح علماء المسلمين… عبر رؤية إسلامية متميزة متكاملة…”(18).

ومن ناحية المدخل إلى هذه الأفكار، يفضل البعض – من أمثال مونتجمري وات- أن يدرس هذا الفكر من خلال الممارسات العملية للمسلمين الأوائل، أو التراثيين، وهذا هو دأب المدارس الاستشراقية: أن تعتمد على الممارسات التاريخية أو تدمجها مع النصوص(19)، وهذا ما ترفضه قواعد المنهج كما سيتضح. يحبذ آخرون الاقتراب من هذا الفكر من طريق “الموروث الكتابي”، مع الميل للتمييز بين ما يسمى بـ”فكر إسلامي أصيل” يتصل بالمثل السياسية التي تفرضها متطلبات الشرع الإسلامي، وبين “فكر إسلامي دخيل” اتصل بثقافات الساسانيين واليونانيين القدماء(20). وهذا الاتجاه هو الأقرب إلى دراستنا غير أننا لا نسلم بالتمييز المذكور.

فـ”الفكر السياسي عامةً” – أيًّا كان التصور الذي يقدمه له الباحثون- لا يتسنى الإمساك به مجرَّدًا ولا يستحسن الإصرار على ذلك، بل يُدرَك أو يتميز حين يتجسّد في “نصوص” تعبر عن مضمون هذا الفكر، وتفصح عن مغازيه وخصائصه.

وعليه يتم تحديد المقصود بالفكر السياسي في التراث الإسلامي بـ: الأفكار والطرائق التفكيرية التي عبَّر عنها أدبٌ معنيٌّ بالمجال السياسي والظاهرة السياسية كشأن عام مرتبط بظاهرة الحكم، كتبه مسلمون في ظل مناخ عام مرتبط بمرجعية إسلامية، في الفترة السابقة على بروز علم السياسة بصورته الحديثة.

ومن ناحية أخرى، فإن مفهوم “السياسة” في التراث السياسي الإسلامي – مقارنة بالمفهوم الوضعي السائد اليوم في الساحة الأكاديمية والفكرية والتطبيقية في الغرب والمروَّج له في عالمنا العربي والإسلامي- مختلف، ولا يقتصر على تلك العلاقة القانونية التي تقوم اليوم بين الحاكم فردًا ونظامًا وبين المجتمع كلاًً وأفرادًا، والمتعلقة بأداء وظائف السيادة والإدارة والخدمة العامة. وخلاصة التعريفات الإسلامية الحديثة للسياسة والتي اجتهد أساتذة معاصرون في بنائه وبيانه، أنه قيام عام على الأمر العام بما يُصلح منه(21)، يشارك في عملية القيام هذه كل صاحب سلطان وولاية ورعاية من باب أن كل الناس راع لرعية، وكلاًّ من الرعاة مسؤول عن رعيته. وفي المجال السياسي العالي يقوم بالرعاية للأمر العام الحاكم والوزير والقاضي والعالم والمحتسب وأمير الإقليم وأمير العمل من الأعمال العامة مثل الشرطة والمالية والحرب والحراسة والسفارة وغيرها. ولها قوانينها وقيمها ومقاصدها، التي تصب في خانة الإصلاح (بما يصلحه)، كل ذلك في إطار المرجعية الشرعية الإسلامية.

فالسياسة – في الرؤية الإسلامية- من أعمال الدين الذي هو المظلة الفكرية والخلفية المعنوية الموجَّهة والهادية لشؤون الدنيا. وهي ليست من المعاملات الإنسانية المنقطعة عن العبادات، بل هي مما يتخذ قُربة يتقرب بها إلى الله تعالى بتعبير ابن تيمية رحمه الله تعالى (وأكثر كُتّاب التراث السياسي الإسلامي)؛ ففيها الجهاد وحماية البيضة، وأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل، وتحكيم الشرع الإلهي، والإصلاح بين الناس وإقامة الوحدة والألفة، وإعداد القوة، ومكافحة الفساد والإفساد في الأرض، وتعليم الناس أمور دينهم وإقامة الشعائر في الأرض، والدعوة إلى الله تعالى وسبيله القويم، وإبلاغ المنافع، ورفع الحرج عن الخلق، إلى غير ذلك من تفاصيل القيام على الأمر الجامع للناس بما هو أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد. ومن ثم فهي تاج أمور الدنيا المكنوفة بهداية الوحي. وكذلك فإن السياسة – وإن وقعت أساسًا فيما هو تشريعي وتعاملي- فإنها تقوم على قاعدة من التصور الاعتقادي بأنَّ لله تعالى الأمر كما أن له الخلق، ومن ثم فالجميع له محكومون قبل أن يكون ثمة حاكم من الناس أو محكوم. وهذا مما ذاع تميز الرؤية الإسلامية به ولم يعد في حاجة لتنبيه ولا تفصيل.

والخلاصة أن بين مفهوم السياسة في الرؤية الإسلامية وبين نظيره الغربي الرائج بونًا يجب اعتباره، كما أنه بلا شك هناك بين الجانبين مشتركٌ لا يسوغ إهداره أو التغاضي عنه؛ إذ هو مما تكتمل به صورة العلاقة بين الخطابين وما ينبني عليهما من نُظم وهيئات وسلوك. ولا غرو أن يقوم على هذا التمييز أثر في النظر إلى قضية حقوق الإنسان بالمضاهاة بين التصوريْن.

منهجية الورقة:

وبالنسبة لمادة هذه الورقة، فينبغي التنبه إلى أن سؤال البحث متضمن لحركتين: حركة في الزمان باتجاه تراثنا الممتد لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وأخرى في المكان بالمراوحة بين الغرب (مصدر أفكار حقوق الإنسان المعاصرة) وعالمنا الإسلامي المستقبِل لهذه الأفكار. وكلا الحركتين يتطلب مراعاة السبيل التي تليق به. بيد أن المفارقة المهم إبرازها في هذا المقام أن المراوحة الأساسية لا تقع بين ماضينا وماضي الغرب ولا بين حاضرنا وحاضرهم، بل بين ماضينا وتراثنا –رغم امتداده فينا- وبين حاضر الغرب المنبت عن عامة ماضيه والمنقلب عليه.

فالمقارنة تنعقد بين نصوص حقوق الإنسان الحديثة غربية المشرب وما يحيط بها من سياق، وبين نصوص من التراث السياسي الإسلامي وما اكتنفها كذلك من ملابسات واقعية؛ مع التركيز على النصوص. ومن هنا تأتي ضرورة المجانسة بين عناصر المقارنة وبناء الإطار المرجعي المتعلق بالتقويم.

فالمجانسة بين عناصر المقارنة تعني أن يقارن الفكر بالفكر: أي يضاهى فكر حقوق الإنسان المعاصر بالتراث الفكري لا بالتاريخ العملي، بينما يقارن هذا التاريخ العملي بالسياسات الدولية والداخلية الراهنة المتعلقة بحقوق الإنسان، وأن تقابَل نوبات الصعود الحضاري بما يجانسها بين الحضارتيْن، بينما تقارن محطات الهبوط ببعضها البعض. كذلك تقارَن الشواهد العامة؛ أي أحوال العصر وخصائصه بما يكافئها على الضفة الأخرى. وكذلك يميز بين الأفكار والممارسات المعبّرة عن التكوين الحضاري وثوابته وبين ما هو من باب النتوءات والمخالفات التي تعبر عن أشخاص أو أحوال غير ثابتة. بدون هذا يمكن أن نشيد رؤيةً ما، لكن لا يمكن القول برشادها وعدالتها.

وأما الإطار المرجعي المنشود للحكم والتقويم فلا يكون – ويا للمفارقة- إلا معتمدًا على أصولٍ من هذا التراث نفسه متخيَّرة بوعيٍ من قِبل أبنائه وورثته أو من شاركهم من المنصفين؛ لأنه لا يُتصور أن يكون الإطار المرجعي لباحث متجاوزًا جذوره وأصوله برمتها. وهذا دونه دعوة وجهاد واجبان لردّ الشاردين عن ديارهم وآبائهم إلى حيث ينبغي أن يبدؤوا وينطلقوا.

هذا، وتتضمن منهجية التعامل جانبين: الأول- النص الحقوقي المرجعي المعاصر (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) وتحليل مضمونه وخطابه؛ بغية الوقوف على شبكة مفاهيمه المعبرة عن فلسفته، وأجندة قضاياه الدالة على مجال الاهتمام ومقاصده ومنهاجه.والجانب الثاني- هو التراث السياسي الإسلامي -في تجليه الفكري- الذي يجري تناوله على مستويين: مستوى كليّ، وآخر جزئيّ.

فعلى المستوى الكليّ يتم التركيز على أربعة مداخل أساسية يمكن أن تمثل بعض أهم تصنيفات هذا التراث؛ وهي: المدخل الفقهي، والمدخل الفلسفي، والمدخل الأخلاقي، والمدخل العمراني. ولدواعي المساحة والبيان يتم تناول نماذج ممثلة ومعبرة عن كل مدخل منها؛ تتراوح تقريبًا بين القرنين الثاني والتاسع الهجريين مما يجعلها أكثر اقترابًا من التعبير الموضوعي والتطوري عن هذا التراث. ولا شك أن هذا لا يكفي للتعبير الأتم صدقًا وعدلاً عن التراث السياسي الإسلامي، لكنه قد يمثل مرحلة أولية أليق بجِدَّة الدراسة ودواعي الاستكشاف؛ ومن ثم تفتح المجال أمام مراجعات عليها وإضافات واجبة.

وعلى المستوى الجزئيّ، يتم النظر في هذه النصوص وقطف الأجزاء التي يتجلى فيها التعبيرات المختلفة المناظِرة لمفهوم “الإنسان” ومفهوم “الحق” والمفهوم المركّب منهما، ومحاولة تبين دلالاتها المعنوية، ودلالتها في السياق السياسي كما تصوره النصوص، وتبين امتدادات هذه الدلالات في ما وراء النصوص من المدركات العقدية (التصور)، والمنهجية (الكيف)، والسياسية (المضمون).

ومن ثم فإن المنهج المتخير في الدراسة يتألف من مقتربين أساسيين: المقترب المفاهيمي، والمقترب الموضوعي، فيتم تعريض النص التراثي لنوعين من الأسئلة:

– أسئلة المفاهيم: ما أهم المفردات والتراكيب المستعملة في التراث للتعبير عن حقوق الإنسان؟ وما دلالاتها؟ وما المقابل المعنوي للمفاهيم الأساسية الحديثة المتعلقة بحقوق الإنسان في هذا التراث: من قبيل الحرية، والكرامة، والمساواة، والتمييز، وإرادة الشعب، والعالمية..؟

– وأسئلة الموضوع: ما الدلالة التراثية لقضايا ومسائل حقوق الإنسان المطروحة اليوم؛ مثل: الحريات الأساسية: حرية القول والعقيدة، وتساوي الرجال والنساء في الحقوق، ورفض التمييز في الحقوق الأساسية بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر، وحق الحياة، وحق الأمان على النفس (على شخصه)، وقضية الاسترقاق والاستعباد وتجارته، والتعذيب والعقوبات القاسية واللاإنسانية الحاطّة بالكرامة، والاعتراف بالشخصية القانونية لكل فرد، والمساواة أمام القانون، وحق الحماية القانونية، وحق التحاكم الوطني والمساواة التامة فيه، ورفض التعسف الحكومي، وشروط المحاكم: من الاستقلال والحياد، وحقوق المتهمين، ومسألة المعاملة بأثر رجعي، والتدخل في الشؤون الخاصة للأفراد وحق الخصوصية، وحق التنقل داخل البلد ومغادرتها والعودة إليها، وحق اللجوء للدول الأخرى، وحق الجنسية وحق تغييرها، وحق التزوج وتأسيس أسرة للبالغين “دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين”(22)، وحقوق الأسرة، وحق التملك وحفظ المِلك، وحرية الفكر والوجدان والدين: “ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو في جماعة، وأمام الملأ وعلى حدة”، وحرية الرأي والتعبير، وحق حرية اعتناق الآراء والتماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها من الآخرين “بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”، وحق حرية الاجتماع السلمي، وحق عدم الانتماء لجمعية ما، و”حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية”، و”حق تقلد المناصب العامة في بلده” لكل شخص بالتساوي مع الآخرين، وحق الانتخابات النـزيهة الدورية بالاقتراع العام “على قدم المساواة بين الناخبين”، وحق الضمان الاجتماعي، والحق في العمل وحرية اختياره، والحماية من البطالة، والعدل في ظروف العمل وأجره، و”الحق في أجر متساوٍ على العمل المتساوي” دون تمييز، وحق إنشاء النقابات، وحق الراحة وأوقات الفراغ بعد العمل، والحق في مستوى معيشة لائق وفي التأمين ضد “الغوائل”، وحقوق الأمومة والطفولة الخاصة، والحق في التعلم الأساسي المجاني والإلزامي(!) في الابتدائية، وحق المشاركة الحرة في الحياة الثقافية للمجتمع، وحقوق حماية المصالح المعنوية والمادية للإنتاج العلمي والأدبي أو الفني، والحق في نظام اجتماعي ودولي إنساني(23)؟

ولكن قبل أن نقرأ النص التراثي من واقع هذين المستويين، فإنه يلزم أولاً الوقوف بهما أمام الخطاب الحقوقي المعاصر وبالأخص الوثيقة التي تعد أساسًا ونبراسّا له؛ ألا وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تمثل ذكرى صدوره الستين مناسبة اقتضاء هذه الورقة.

أولاً- قراءة عامة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: المفاهيم والرؤية:

عبر ستين عامًا، قُدمت قراءات عديدة – من مرجعية إسلامية- لقضية حقوق الإنسان، تميز كثير منها بالتركيز على نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948م، باعتباره خطابًا ذا فحوى، وأشارت إليه بملاحظات عامة وسَمَته بالإطلاقية وبالطابع العمومي. ولاحظت بعض القراءات اندراج نصوص هذا الإعلان ضمن ثلاث دوائر أساسية: دائرة الفكر الغربي المتعلق بالإنسان والسياسة والقانون، ودائرة فلسفة القانون والتشريع في مسارها الغربي أيضًا؛ بحيث لا يمثل الإعلان تقنينًا محددًا بقدر ما يوجه توجيهًا عامًّا إلى تبني أفكاره ومقاصده، ودائرة المجال العام مع ميل واضح للمستوى السياسي منه المتعلق بالعلاقة بين فرد محكوم (المواطن) وهيئة حاكمة (الدولة القومية). وعلى الجانب الآخر، جرت أعمال علمية وعملية شتى لخدمة المفاهيم المنبثقة عن هذا الإعلان، والتعريف والتبشير بها، وإقامة فعاليات تتبناها وتنقلها إلى شعوب الأمة العربية والإسلامية، حتى نجد أن إحدى العلامات الفكرية المميزة للنصف الثاني من القرن العشرين إصدارات مركز القاهرة لحقوق الإنسان.

بيد أن القليل من الكتابات هو الذي وقف عند المفاهيم والتصورات التي تضمنها الإعلان، فضلاً عن محاولة وصلها بالمرجعية القانونية والفكرية الدولية العامة التي يعد ميثاق الأمم المتحدة (1945م) أحد أهم تجلياتها في الحقبة الراهنة، ومقارنتها برؤية العالم والنماذج المعرفية الخاصة بالحضارات الأخرى غير الغربية، وبالتحديد الحضارة العربية الإسلامية.

لقد اشتمل الإعلان على ديباجة وثلاثين مادة. وفي ديباجته ورد عدد من المفاهيم والأفكار التي يمكن أن تدل على المحضن الفكري للإعلان والكثير من خصائصه، من مثل: “الأسرة البشرية، قومية وعالمية، بصورة عالمية، الإدراك العام، الأمم المتحدة، القانون، الميثاق، الاعتراف، التعهد، الكرامة، الحرية، الحق، ..”، فكيف تكوّن هذه المفاهيم جملة مفيدة؟

إن الإعلان يبدأ بالإنسان ومفهوم الإنسانية من اللحظة الراهنة، وهذه اللحظة ليست لحظة زمنية ميقاتية، بل هي لحظة فكرية تصورية، لحظة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة في نيويورك 1945م(24)، لحظة التبشير بأسرة بشرية جامعة تتعايش فيها الدول-القومية – بصورة عالمية تحت مظلة الميثاق الذي أضحى يمثل الإدراك القانوني العام، باعتراف الدول وبما تعهدت به حين انضمامها إلى الرَّكْب الليبرالي الذي قوامه مفاهيم الكرامة والحرية في الاعتقاد والقول والحق للإنسان الفرد، في مقابل السلم والأمن في عالم الدول.

فهذه الحقوق هي بالأساس للفرد في مقابل الآخرين وبالأخص: نظام الحكم، تجعل “غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة”، وعلى أساس أن “شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية”(25).

يبدو الإعلان لأول قراءة وكأنه مغلق الطرفين ولا تتبين له حدود: أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية، لكن محاولة فتح طرفيه (فقراته وسياقه) تكشف عن حدوده: الفلسفة الإنسانية المادية، العلمانية الشاملة، الليبرالية المغالية، التعاقدية القانونية النصية من جهة والاستحلالية مترامية الأطراف باسم الحرية الأصيلة من جهة أخرى. هذا هو السياق المعرفي والعقدي الذي أحاط بقادة الدول في هذه اللحظة. فالحرب العالمية الثانية كانت حربًا غربية بالأساس، ومهما تكن قد قسمت الغرب بين منتصرين ومنهزمين، فإنها أعلنت للجميع أن الغرب أكبر من الجميع، وأنه حين يذهب الغرب يرتب أوراقه لما بعد الحرب فعلى سائر الدول –سواء من كانت استقلت لتوها أو هي في طور الحصول على استقلالها- أن تصطف في الساحة التي أضحت بفعل عالمية الحرب تسمى ساحة السلم العالمي؛ ومن هنا تأسست “العالمية السياسية الراهنة” بقيادة الغرب.

نعم انتهت الحرب العالمية، لكنها تركت بصمة مهمة على عالم ما بعدها: إنها آذنت بقيام “عالم أضيق من ذي قبل”، ليس لأفراده (الدول) حرية الاستقلال التام بمساحة خاصة بهم، بل على جميع أفراد القطيع أن يأووا إلى الحظيرة الدولية التي أضحت تعرف بالمجتمع الدولي والتي تجسدت أيضًا في بناية نيويورك الساحقة: هيئة الأمم المتحدة. لقد مهدت عولمة الفكر الغربي – أو ما عرف بالغزو الفكري والتغريب- منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مهدت لإسباغ ملمح شبه اختياري على عملية الإدماج الكبرى هذه التي تمت للدول عبر القارات الست(26).

إن الذي يُجمع عليه الكافة أن الإعلان ما جاء ليقرر علاقة بين الإنسان وخالقه، بل هو تجاوزَها لتأسيس علاقة أفقية فقط بين بني الإنسان لكي “يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء”(مادة 1). فاللفظة الأولى في المادة الأولى “يُولد” المبنية لفاعل غير مسمى لا يمكن مثلًا أن تحمل دلالة مثيلتها الواردة في الحديث النبوي المشهور: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة”(27)؛ لأنها بوضوحٍ تتجاوز قضية “يُولد على…” لصالح “يولد حرًا”؛ أي تتجاوز العلاقة مع الأعلى (الخالق) لصالح العناية بالعلاقة مع النظير (الإنسان). وكذلك لا تبلغ اللفظة الثانية “وُهبوا عقلاً وضميرًا..” أن تقوم مقام فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالبناء لغير مسمى هو أداة التجاوز الأساسية..

وشأنها شأن المواد الأوائل من العهود والمواثيق، كان للمادة الأولى في الإعلان وظيفة التأسيس لما بعدها والدفع بالمخاطب إلى الدائرة التي تتوخاها الوثيقة. فقد تم – في كلمات قليلة- وضع حجر الأساس الفكري المتجاوز لقضية “ما قبل الإنسان” و”ما قبل الاجتماع الإنساني”(28): (يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء). لا يهم إن كانوا يولدون خلقًا من لدن خالق أم ترتيبًا من قبل الطبيعة، ولا يهم أن يولدوا لآباء مؤمنين أو لآباء غير مؤمنين، والمهم أنهم يولدون متحررين من أن يقيد أحدهم الآخر بقيد من عنده، ويولدون على قدم المساواة في مقاماتهم النسبية والحقوق – والواجبات- المتبادلة بينهم. وبعد أن يتسرب هذا التصوير إلى المتلقي يشرع بتتبع خطوات الإعلان.

لا تقل المادة الثانية(29) من الإعلان أهمية عن الأولى في وظيفتها المشتملة على المقصد والوسيلة معًا: من المساواة العامة إلى التسوية التامة بين كل الأفراد: تسوية بلا “تمييز”، و”دون أية تفرقة”(30). فالذكر هاهنا كالأنثى، والمؤمن كالملحد، والشيوعي كالليبرالي، والوطني كالأجنبي، والعربي كالعبري، هكذا مطلقًا وعمومًا. تتجلى في أهم مواد الإعلان ومنطلقه الأساس سمتا الإطلاق والتعميم التي يتأخر الاستدراك الواقعي والبديهي عليها إلى الفقرتين الأولى والثانية من المادة قبل الأخيرة؛ المادة (29):

“(1) على كل فرد واجبات نحو المجتمع، الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نمواً حرًّا كاملاً.

(2) يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي”.

وفيما بين المادة الثانية وهذه التاسعة والعشرين لا تجد سوى التقريرات التالية: “لكل إنسان حق…”(م2)، و”لكل فرد الحق في…”(م3، 14/1، 21/1، 27/1 -2، 28)، و”لكل إنسان أينما وجد الحق في…”(م6)، و”كل الناس سواسية…”(م7)، و”لكل شخص الحق في…”(م8، 17/1، 18، 19، 20/1، 23/1، 23/4، 24، 25/1، 26/1)، و”لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في…”(م10)، و”لكل فرد حرية…”(م13/1)، و”يحق لكل فرد أن…”(م13/2)، و”للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج…”(م16/1)، و”لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في…”(م21/2)، و”لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في …”(م22)، و”لكل فرد دون أي تمييز الحق في…”(م23/2)، و”للأمومة والطفولة الحق في…”(م2/2)، و”للآباء الحق الأول في …”(م26/3). و”لا يجوز…” (م4، 9، 15/2، 17/2، 20/2)، و”لا يُعرَّض أي إنسان لـ…”(م5، 12)، و”لا يُدان…”(م11/2)، ولم ترد العبارة الوحيدة: “على كل فرد واجبات نحو المجتمع …” إلا في المادة التاسعة والعشرين على نحو ما أشرنا.

ومن هنا فالميزان يبدو بكل وضوح غير متكافئ بل إنه لا يحوي سوى كفة واحدة: تسع وعشرون مادة لبيان الحقوق وتفصيلها والإلزام بها وتشريع ضمانات حمايتها وإعمالها، ومادة واحدة هي التي تتحدث عن “واجبات” الإنسان (الشخص، الفرد) تجاه “الغير” و”المجتمع” و”النظام العام والمصلحة العامة والأخلاق”، على حد تعبير الإعلان. فهل تتحمل الحياة الإنسانية الحقة هذا التوجه المائل؟ وهل تقر أخلاق الإنسان وطبائع العمران وسنن الاجتماع والسياسة هذه الرؤية؟ كثير من النقد اعتبر هذا التوجه غير واقعي؛ ومن ثم هو إلى اليوتوبيا أقرب منه إلى الحقيقة الموضوعية؛ أي إنه مستبعَد الإنفاذ والتحقيق على أرض الواقع. لكن هل هو حائد عن ميزان العدل والاعتدال؟ وهل فيه نزوعُ نحو إطلاقٍ لعنان الشهوات الفردية ودعوة إلى التجرد من الضوابط؟ قال بهذا بعض الناقدين.

لا شك أن مراجعةَ ما قامت به الفاشية والنازية فيما بين الحربين العالميتين يمكن أن يفسِّر ذلك الجنوحَ تفسيرًا داخليًّا؛ أي تبريريًّا؛ فيقال إن ذلك الجنوح لصالح الفردانية وبعيدًا عن الشمولية التي مسخت الفرد الحقيقي لصالح كلٍّ موهومٍ أو مبتدَع، كان هذا الجنوح واجبًا لإعادة الأمور إلى نصابها، وشد الحبل في الاتجاه المقابل لاستعادة وضع التوازن. لكن هذا التبرير هو نفسه ينّبه إلى نسبية الإعلان: مقاصده ورؤيته، ومن ثم ضرورة مراجعة مشتملاته من زاويتين: زاوية المطلق الذي تشتمل عليه كل حضارة ومن ثم مراعاة الخصوصيات الثقافية والحضارية، وزاوية النسبي العالمي؛ أي متطلبات اللحظة التي يمر بها العالم اليوم؛ وهي لحظة إعلان الهيمنة الأمريكية واستراتيجية حرب الأفكار والصراع بين الحضارات الذي تتبناه القوى الكبرى باسم الحرب على الإرهاب(31).

هذا من حيث التحليل المفهومي المختصر. أما من حيث موضوعات الحقوق التي اشتمل عليها الإعلان وفتح بها الباب نحو إصدار فيض من الاتفاقيات والإعلانات والمبادئ الحقوقية الصادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وعن المنظمات الإقليمية والمجالس الوطنية عبر أنحاء العالم، فيمكن إجمالها وتصنيفها إلى ثلاث فئات:

أ‌- عامة-سياسية: فيما بين الأفراد وتدخل فيه الدولة أيضًا: حفظ البقاء (الحياة) والسلامة الشخصية، والاسترقاق وتجارته وتحريمهما، وحرمة الحياة الخاصة والمسكن والمراسلات والشرف والسمعة وحمايتها قانونًا، وحق التملك الفردي أو المشترك، وحرمة الملكية الخاصة، وحرية التفكير والضمير والدين، (ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة) (م 18)، وحرية الرأي والتعبير (ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية) (م19).

ب‌-سياسية صرفة، يُخاطَبُ بها الدولة والحاكمون: تحريم التعذيب والعقوبات الوحشية، والمساواة القانونية والقضائية ودورها في حماية سائر الحقوق الإنسانية واستقلال القضاء، وحظر التعسف في الحجز الحكومي لشخص، وقواعد حماية حقوق المتهم، وحريات التنقل (الداخلي) والإقامة ومغادرة الدول والعودة إليها (الخارجي)، وحق اللجوء السياسي للمضطهدين، وحق الجنسية وتغييرها، وحرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية، والحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده، وتقلد الوظائف العامة في البلاد. وتتمتها: حق الضمان الاجتماعي الدولي الضامن لتحقق الحقوق السابقة “تحققًا تامًا”(م28).

ج- اجتماعية-سياسية تتعلق بالأسرة والعلاقات بين أفراد المجتمع: حق التزوج لكل بالغين بإرادتهما (دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين)، والمساواة بين الزوجين، ثم حقوق العمل والضمان الاجتماعي والمعيشي والصحي والتعليمي والتربوي (الفردي والأسري)، وحق المشاركة الثقافية والفنية العامة.

تحليل: الإنسان وحقوقه ضمن الدولة والسياسة والعلمانية:

إذًا، فالحقوق الإنسانية هي بالأساس حقوق سياسية أو تقع تحت مظلة السياسة ودولتها القومية الحالية، يعبر عن تغول واستفحال لمساحة “السياسي” المتعلق بالسلطان ونظام الحكم(32). وهو تغول سلطوي يرتبط بما يسمى عملية اتخاذ القرار واختيار البدائل ضمن سياسات عامة سيادية وخدمية تفتات على الكثير من الفعاليات التي صادرت عليها نظريات التمدين والتحديث ونبذتها باسم القوى “التقليدية”. هذا التغول لا يكافئ بالضرورة التغلغل المسؤول المؤمِّن الذي يشير إليه مفهوم “السلطان القاهر” كما سيرد في الرؤية التراثية الإسلامية، فضلًا عن مفاهيم الرعاية والحياطة والإصلاح وأداء الأمانات والنصح لكل مسلم بمضامينها التي تعبرعنها الأصول والشروح الإسلامية.

الدولة-القومية مشروع مصنع قوامه ضرورة تسخير الداخل وعناصره من أجل الحضور المشرّف في الساحة الدولية. ليس هذا من مزاعم السلطات المتآمرة فقط والتي تعلن ذلك لتحشد المقهورين وراءها من باب الحمية الوطنية، بل إنه وازع ومطلب شعبي تتحدد بناء عليه درجة شرعية نظم الحكم. لقد صار الكبرياء الوطني الخارجي الذي لا يمكن حفظه إلا من خلال السلطة العامة الوطنية مبررًا أساسيًّا لتسليم أزمّة الحياة العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية، لهذه السلطة لتمارس دور “المدير العام” المتصرف بأمره (وقد يكون أمره هو اللائحة أو القانون الذي يُشرَّع حسب الحاجة كما تراها النخبة الحاكمة وباسم الجماهير)، يتصرف في كل تفاصيل الحياة العامة التي تؤثر بدورها على المجالين الخاص والشخصي.

في هذه الدولة الصُّندوق، تصبح السياسة وظيفة واسعة النطاق ممتدة إلى أضلاع الصندوق وأركانه بل محيطة به من خارجه. وانتقلت الدولة من الهيئة المعاونة والمكمِّلة لما تتراجع عنه قدرات فئات المجتمع العادية، وتقتصر مهامها الأساسية على عدد محدود من الوظائف الرئيسة التي لا تقوم إلا بالسلطان كالجهاد وإعداد قواته والقضاء حكمًا وتنفيذًا وتيسير سبل العمل والعيش الحر العادل للأفراد والجماعات، انتقلت إلى أن تكون تاجرًا وصانعًا ومصدّرًا ومستوردًا. وأضحت الأعمال العادية للناس لا تتم إلا بتصريح وترخيص إداري وإذن سياسي وموافقة أمنية ومراقبة مالية (ضريبية). وليس الإشكال في هذه الصورة للدولة التي تبدو تارة عائلية محافظة كما في الخبرات الماركسية والقبلية-القومية، ولا في التي تبدو أحيانًا عائلية متحررة في خبرات أخرى، إنما تقع المشكلة في تقييدها قدرات الإنسان والجماعة في إطار مفهوم مضيَّق للسياسة والإنسان السياسي (المواطن).

لقد صار الإنسان – في الدولة القومية- “مواطنًا” يرتبط بالناس من حوله برباط تجسده الدولة نفسها، لا يتجاوزه، غير ممكّن من ممارسة كثير من مظاهر الروابط الدينية والثقافية والإنسانية الأسمى وبالأخص الخارجية، إلا عبر القنوات الرسمية المرخّص بها، والتي تصبغ نشاطه الإنساني بسمة “العضوية” ضمن كيان مصطنع. تأبى الدولة-القومية العلمانية (غير الرسالية) إلا أن تتغافل عن كونها صناعة وضعية محدودة المعنى لكي تتغول وتدعي حلول المعنى فيها. ومن ثم فالدولة لها “السيادة” المطلقة من كل قيد، والكلية التي لا تقبل التجزئة، والشاملة لكل إقليمها والتي لا تقبل التفريط في شبر منه، والعامة التي لا يجوز تخصيصها، والدائمة التي لا يسمح بالتنازل عنها أو عن جزء منها. وبعد ذلك يقال للفرد أنت حرّ داخل هذا الصندوق حرّيةً مطلقة.

نعم تكفل المواطنة – دستوريًّا وقانونيًّا- المساواة العامة بين أعضاء الدولة، لكنها لا تكفل لهم الحرية المتساوية والحقيقية في الحياة الواقعية. والأهم من ذلك أنها حين تكون مواطنة حابسة فإنها تُعرِض عن روح الإنسان الفرد وأشواقه الخاصة لصالح التعاقد المبرم مع المجتمع، والذي تغلب عليه روح النفعية والحسابات غير المتراحمة. وفيما تسود في المجتمعات الليبرالية نظم قانونية صارمة وربما بدت قاسية، وبينما يحفظ التنفيذ الصارم للقواعد القانونية استقرار النظام العام ونوعًا من العدالة في التنفيذ، فإنه قليلاً ما تستصحب روح القانون في الحكم به وتنفيذه؛ لأن القانون نفسه لا روح له غالبًا، بل هو جسد وحسب وإن بدا متناسق الأجزاء. وسوف تجلي المقارنة بالتراث الإسلامي هذه التشخيصات.

نحن إذًا أمام حقوق إنسان تحمل من خصائص تُرْبتها الكثير: صندوقية الدولة القومية، نفعية الحقوق وماديتها مهما عُبِّر عنها بتعبيرات قيمية وأخلاقية إلا أنها في النهاية تتلبس الصيغة التعاقدية التي تجسدها مقولة (حقّي وحقّك)، وإنسان مواطن عضو في جماعة وظيفية غير إنسانية، تمنحه هذه الجماعة حزمة من المواصفات التي يتكيف بها مع ديناميات العيش الحديث، معرضة عن سائر مكوناته التي لا يمكن إثباتها أمام القانون والقضاء ولا يمكن البرهنة على إهدارها في الحلبة السياسية.

لم تتسلم الدولة-القومية نسخة حقوق الإنسان كما أذاعها الإعلان، بل حمّلتها بالكثير من القيود. تلقت الدول الإعلان من ذيله؛ من نفس المادة التاسعة والعشرين (مادة الضوابط والقيود القانونية) واستنسخت من هذه الضوابط على قدر الاستحقاقات والمزايا الممنوحة للفرد في سائر مواد الإعلان، ثم وضعتها –أي الضوابط- بإزاء كل استحقاق؛ لكي تجعله أدنى للواقعية والإمكان. وفي هذا تفاوت المتفاوتون. وعاد الإنسان إلى وعيه: مواطنًا في دولة (لا أسرة إنسانية كما بشَّر الإعلان منذ ستين حولاً) ذات نظم جادة وقوانين لا تدلِّلـه. ويوضح الكثير من النظّار والمتأملون في الخبرة الغربية خصائص وضع “الإنسان” في هذه الحياة الغربية باعتبارها منظومة علمانية مادية لا إنسانية، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.

حقوق علمانية لإنسان علماني وحضارة علمانية (قراءة في فكر المسيري):

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى رؤية خبير بهذا الشأن، يُجلي حقيقة إنسان الحضارة الغربية في نوبتها الراهنة التي وصفها بالعلمانية الشاملة. يشير د.عبد الوهاب المسيري رحمه الله -تعالى- إلى إنسان الحضارة الغربية الراهنة المزعوم عولمته باعتباره “نموذج إنسان العلمانية الشاملة”(33). فيقدم الدكتورالمسيري في هذا المقام عملية تأملية منهجية عميقة الأغوار واسعة الأطراف، امتدت إلى سائر القضية الإنسانية: الدين والوجود، والغيب والشهادة، والعقل والوجدان والحواس، والحضارة والثقافة، والفكر، والمعرفة والعلم والقيم والمعنى، والمادة والروح، … وفي وسط كل ذلك يقع “الإنسان”: الإنسان بين حقيقة إنسانيته وزيفها، بين كليته وتقطيعه إربًا، بين تواصل عناصر تكوينه والفصامات النكِدة التي أُحدثت بين جوانيّه وبرّانيّه، بين إعلاء قيمة عناصر الإنسانية فيه وتقديم مقتضيات طينيته على ما عداها؛ أي بين الأنسنة والعلمنة.

ففي منظور فريد، يفرق د.المسيري بين ما يسميه “العلمانية الجزئية” (أي فصل الدين عن الدولة) و”العلمانية الشاملة” (فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة في جانبيها العام والخاص)(34)؛ محاولاً إعادة تعريف “العلمانية” بطريقة أكثر تفسيرية من التعريفات المتداولة.

ويقع الإنسان في قلب التعريف الأوليّ للعلمانيتيْن: الإنسان السياسي (المواطن باللغة المعاصرة) في قلب العلمانية الجزئية الفاصمة بين الدين والدولة، والإنسان الشخص العام أو الخاص في دائرة العلمانية الكلية الشاملة.

ويرى د. المسيري أن رؤية الإنسان لنفسه ولله –تعالى- وللطبيعة والتحولات التي تطرأ عليها هي العامل الحقيقي لصناعة العلمانية، “وكل المجتمعات الإنسانية ليست بمنأى عن هذه التحولات”(35).

وليست هذه العلمنة – من ثم- قاصرة على عالم الأفكار المجرّدة، بل هي حشو عالم الأشياء؛ إذ إن “كل الأشياء المحيطة بنا، المهم منها والتافه، تجسّد نموذجًا حضاريًّا متكاملاً يحوي داخله إجابة عن الأسئلة الكلية النهائية”، ومن ثم فهي “تخلق جوًّا خصبًا مواتيًا لانتشار الرؤية العلمانية الشاملة للكون، ويصوغ سلوك من يتبناها وتوجهه وجهة علمانية” وهذا هو معنى بنيويتها: أي داخلة في تركيب الشيء، وكامنة فيه غير واضحة(36).

ولذا يلفت النظر إلى إشكالية مهمة وهي: ممارسة الرؤية بلا وعي، وتقمص النموذج بلا شعور، وأن يصنع الإنسان منتجاتٍ ويقدم أفكارًا تغرس العلمانية وهو لا يعي العنصر البنيوي الكامن في هذه المنتجات والأفكار والمتعلق بالعلمانية(37). المهم في هذا كله أن هذه العلمنة –بعناصرها وتجلياتها الحضارية البارزة والكثيرة– هي التي تشكل إنسان العصر: تصورَه لذاته والحياة والكون والغاية، تجعله إنسانًا وظيفيًّا: وجدانًا وتفكيرًا، يتكيف مع وتيرة الحياة ونوعيتها المادية، يتدروَن (من داروين)، يصير نسبيًّا في قيمه ومعياريته ومقاصده، لا يؤمن بمطلق متجاوز، ولا يعترف بثابت أصيل.

ويؤكد د. المسيري قائلاً: “لقد ازدادت الدولة العلمانية قوة وتغولاً، وأصبحت “الدولة التنين” التي تنبأ بها هوبز، وأحكمت بمؤسساتها الأمنية قبضتها على الفرد من الخارج. كما أحكمت مؤسساتها التربوية قبضتها عليه من الداخل، تساعدها في ذلك قطاع الإعلام وقطاع اللذة، اللذان تمدَّدا وتغوَّلا بطريقة تفوق تغُّول الدولة و”تنينها”، كما أن حركات العلمنة البنيوية ازدادت تصاعدًا ونشاطًا، وبالتالي اتسع نطاق العلمنة وتخطى عالم السياسة والاقتصاد ووصل إلى عالم الفلسفة (فلسفة الاستنارة والعقلانية المادية)، ومنها إلى كل مجالات الحياة العامة والخاصة، أي إن الإنسان تم ترشيده وتدجينه تمامًا من الداخل والخارج. ولم يعد هناك أي أثر للمرجعية المتجاوزة، ولم يعد هناك أي أساس لأية معيارية”(38). مشيرًا إلى الدور الخطير الذي بات يلعبه قطاعا الإعلام واللذة “لإعادة صياغة صورة الإنسان لنفسه بشكل جوهري، وبإشاعة مجموعة من القيم خارج أي إطار قيمي أو معرفي، ودون التزام اجتماعي أو حضاري”.

ومن هنا أصبح نصيب الإنسان والنفس الإنسانية والحياة الإنسانية من “متتالية العلمانية” وأزماتها في الغرب السبّاق كبيرًا: أزمة الإنسان الحديث، أزمة الحضارة الإنسانية، أزمة التحديث، الاغتراب، أزمة المعنى، ضمور الحسّ الخلقي، هيمنة القيم النفعية، غياب المركز، تفّشي النسبية المعرفية والأخلاقية، الأنومية/اللامعيارية، تفتت المجتمع، تآكل الأسرة، تغول الدولة البيروقراطية والأمنية، .. بداية اختفاء ظاهرة الإنسان،.. ظهور فلسفات معادية للإنسان، العدمية الفلسفية، الإحساس بالعبث، تراجع الفردية والخصوصية، التنميط، سيطرة أجهزة الإعلام على البشر، ظهور الحتميات المختلفة (البيولوجية، والبيئية والوراثية والتاريخية)، العالم الحديث كقفص حديدي (عبارة ماكس فيير) التسلع (أي تحول الإنسان إلى سلعة)، التشيؤ (تحول الإنسان إلى شيء)، دعوى موت الإله (أي سقوط مفهوم الكل”، موت الإنسان(39).

وكلها مصطلحات ظهرت في الدوائر الغربية بلا تفسير كلي جامع واصل بينها.

من تبني الحقوق “العلمانية” إلى محاكمة التراث “الديني”:

وبانتقال الفكرة العلمانية إلى الشرق العربي والإسلامي منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي برزت طبقات من العلمانيين الجزئيين والشاملين والمتراوحين بينهما، وكانوا هم الأسرع في تبني مقولات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية حين برزت على الطريقة الغربية ومفهومها الخَطِّي للتاريخ والتقدم الإنساني؛ ومن ثم اندلعت ملحمة التراث والمعاصرة ومعاركها التي ما برحت تكبح عجلات النهوض والتقدم في الأمة أن تتحرك إلا إلى الوراء.

وهكذا، فلقد تم تفسير أكثر الحقوق الواردة في الإعلان وتوابعه على أنها دعوات انعتاق من أسر الدين أو التراث أو التقاليد المرتبطة بهما، وبدأ فاصل من محاكمة الدين والتراث من منطلق هذه الحقوق وفلسفتها.

1- فحفظ البقاء (الحياة) والسلامة الشخصية، وتحريم التعذيب والعقوبات الوحشية: مقولة تستعمل ضد تطبيق الحدود الشرعية التي رميت بكل كبيرة من عبارات الاستبشاع التي قد تلمز بها عبارة “الوحشية” المذكورة؛ سواء القطع أو الجلد أو الرجم أو القصاص بالقتل أو المس بشيء من الإيلام الجسدي لأصحاب التهم الكبيرة للضرورة. وظهرت