أبحاثملفات

فى الإضافات ” المسيرية ” النوعية للمشروع العربى الإسلامى

About the Messeirian Peculiar Accumulations to the Arabic- Islamic Project العدد 129

مدخل عام: أوجه التقصير في التعامل مع فكر المسيري:

يشاع في الأدبيات العربية والإسلامية أن المفكر الإنساني عبد الوهاب المسيري من المتخصصين في الشأن الصهيوني؛ أي الصهيونية ومتعلقاتها المختلفة. فلا يكاد يذكر اسم المسيري حتى ينصرف ذهن السامع مباشرة إلى اليهود واليهودية والصهيونية.. وإذا أردنا أن نوظف بعض المباحث اللغوية واللسانية لقلنا إن المسيري هو الدال، والصهيونية هي المدلول.. المسيري هو الحقيقة والصهيونية هي المجاز.

والمشكلة أن السامع لكلمة “المسيري” تضعه بشكل مباشر وسريع على أرض فلسطين التي تشهد صراعا وجوديا مريرا مع الكيان الصهيوني؛ بمعنى أننا تعاملنا مع “المسيري” وكأنه “شيء” بسيط نختزله في بعض الوقائع- على أهميتها- أو في بعض الاتجاهات- على خطورتها-، وهذا شأن اللغة الرياضية التي تغيب فيها المسافة بين الدال والمدلول، أو هي مسافة قصيرة، من السهل العبور فيها من الدال إلى المدلول أو من المدلول إلى الدال، على حد سواء.

وإذا كان المسيري ما فتئ يحذر القارئ من خطورة المناهج/ النماذج الاختزالية التي تختزل الإنسان في بعد أو بعض الأبعاد وذلك أثناء التعامل مع جملة من الظواهر والقضايا المركبة، أقول رغم هذا التحذير فإن “لعنة” الذهنية الاختزالية قد طاردت حتى المسيري، وليس فقط موضوعاته وقضاياه!

ولسنا هنا بصدد الاستهانة بموضوع مثل الصهيونية واليهودية.. فنحن نعتقد أن من بين أهم أسباب إخفاقنا في إدارة وتوجيه الصراع مع هذا الكيان المغتصِب هو فشلنا في بناء فهم سليم لهذا الكيان. وسنفصل الحديث عن هذه النقطة في مبحث خاص.

وقد تبدت هذه النظرة الاختزالية- في رأينا- في النسبة الكبيرة من الحوارات والمقابلات التي أجريت مع المسيري، والتي كان موضوعها الأساسي هو الصهيونية واليهودية واليهود..

نعم تلك النظرة راجعة إلى سبب موضوعي، وهو كون المسيري ألف موسوعة ضخمة لم يسبقه إليها أحد في عالمنا العربي والإسلامي، لا في الأولين ولا في الآخرين؛ فهو إنجاز معرفي علمي ضخم وثقيل. لكن الجهد الأكبر الذي يبذله رواد تلك النظرة متصل بالأساس بما جاء في الموسوعة من معلومات.. ولا ينصرف هذا الجهد إلى الإطار الذي ينتظم وتدور حوله تلكم المعلومات.

وإن عملا وجهدا من هذا القبيل يجعل الباحث أو القارئ يتيه في بحر المعلومات، دون أن يرى ما يربط هذه المعلومات بعضها ببعض..

والمسيري في الموسوعة درس الصهيونية كحالة، وطبق عليها منهجه الفكري والمعرفي.. وهذا المنهج “صالح” أيضا للتطبيق على موضوعات وظواهر أخرى..

يقول المسيري: “ولي تعليق على تصنيفي كمتخصص في الدراسات الصهيونية، فعملية التصنيف في العالم العربي لا تتم حسب المنهج والاتجاه الفكري، وإنما حسب الموضوع الذي تكتب فيه..” ثم يضيف المسيري موضحا: “أنا أزعم أن موسوعتي عن الصهيونية في المجلد الأول لا تتعامل مع اليهود، وإنما تتعامل مع المنهج والتحليل مع استخدام اليهودية كدراسة حالة، باعتبارها نموذجا لتفسير الظواهر التالية: الحلولية، العلمانية، الجماعات الوظيفية”. [حوار بعنوان: الإسلام يمتلك رؤية حداثية معاصرة تقدم حلولا لمشكلات العالم! مجلة العالِم، العدد: 10، ص: 53]

وإن كان لا بد من أن نحدد تخصصا معينا للمسيري، فنجد أن أقرب تخصص إليه هو دراسة النماذج المعرفية، ودراسة الفكر الغربي؛ والحضارة الغربية على وجه العموم؛ فهو في رأينا من النقاد البارزين (النقد بوجهه السلبي كما الإيجابي) للحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة.

ومرة قلت لبعض الذين يدافعون عن فكرة أن المسيري ليس مرجعا أساسيا في نقد الحضارة الغربية، إنما هو مرجع في الصهيونية، قلت لهم كيف يعقل أن يكون المسيري الذي يعتبر الصهيونية ودولة “إسرائيل” امتدادا للحضارة الغربية أو بالتدقيق امتدادا للتشكيل الاستعماري الغربي، كيف يمكن لرجل هذا مذهبه في التفكير والمقاربة، أن يكون ملما بالصهيونية وإسرائيل دون أن يكون على درجة كبيرة من الفقه والفهم فيما يتعلق بالحضارة الغربية!

ونزعم أن العقل/ الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر يعتريه مركب من التقصير بخصوص العلاقة الفكرية التي يربطها بفكر عبد الوهاب المسيري… وربما قد بدأ العقل الإسلامي المعاصر يعي هذه الأوجه من التقصير خاصة بعد سيادة الحداثة الغربية وهيمنتها على العالم. ونعتقد- أيضا وهذا هو المهم والأساس- أن كل تجاوز لتقصير معين سيمنح هذا الخطاب/ العقل/ المشروع إضافات نوعية. ولهذا المركب من التقصير تجليات عديدة سنقف عند بعضها فقط، من بين هذه التجليات نذكر ما يلي:

أولا: التقصير في تحويل الأعمال التي قام بها المسيري بخصوص الفكر الصهيوني وقضايا الصراع مع الكيان الصهيوني؛ خاصة في عمله الأكاديمي الضخم؛ عنيت موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”؛ تحويل هذه الأعمال إلى استراتيجيات وسياسات وخطط عمل. وفي هذا الصدد، أستبق التحليل والنقاش، لأتساءل: كم من زعيم عربي وإسلامي قرأ بتأن موسوعة المسيري، ورتب نظرته لإسرائيل بناء على نظرة المسيري الأكاديمية؟!!

وغني عن البيان أن نشير إلى أن فهمًا جيدًا لهذا الفكر/ الكيان، وإدارة ناجحة لهذا الصراع يتطلب التسلح برؤية دقيقة وعميقة. والبحوث الأكاديمية، التي على ضوئها تتشكل الرؤى والتصورات، ليست إضافات زخرفية ومتحفية، بل إن المطلوب النظر في المقتضيات العملية المترتبة عن تلك الرؤى والتصورات.

إن الرهانات والخيارات تكون سليمة وسديدة، كلما كان فهمنا للواقع المركب والظواهر المركبة فهما سليما وسديدا. وإن كل قراءة تبسيطية أو اختزالية لمفردات ومعطيات الواقع والظواهر، قد تضع هذه الخيارات والرهانات في موضع يستحيل معه الوصول إلى تحقيق الأهداف الكبرى والصغرى المنشودة؛ مما يعني – حتمًا – عدم القدرة -بل العجز- على إحداث التغيير والتحول المأمول.

ومن يدري، ربما كان “الفشل” في إدارة الصراع مع هذا الكيان نابع من افتقاد الكثير من السياسيين في عالمنا العربي لتصور واضح عن هذا الكيان وفكره. نعم قد تكون للسياسي رؤيته الخاصة وتصوره الخاص، وقد يزعم أنه كما أن للمفكرين (كما هو شأن المسيري) تصورًا ورؤية معينة، فإن له هو أيضا- أي السياسي- رؤيته الخاصة وتصوره الخاص!

قد يبدو هذا الكلام صحيحًا، لكن ينبغي أن نلاحظ أن السياسي الذي تستغرقه الأحداث اليومية، تكون هذه الأحداث حائلا بينه وبين امتلاك رؤية توجه تحركه وممارسته العملية؛ إذ لا بد من وضع مسافة معقولة بين السياسي والحدث حتى تتضح الرؤية في شموليتها؛ فغالبًا ما يكون الهم اليومي للسياسي- الذي يدير أي معركة سياسية كيفما كانت طبيعتها- الإجابة والتفاعل مع الأسئلة الجديدة التي تفرضها المعركة. وبالتالي، وبهذا السلوك، يتيه في التفاصيل وينسى الرؤية ويغيب التصور.

لهذا السبب، ولأسباب أخرى، قد يكون رؤية المفكر أدق من رؤية السياسي؛ فالكثير من التفاصيل الجزئية لا يمكن أن تفهم على حقيقتها إلا إذا ما تمت إحالتها على ذلك الخيط الناظم الذي تنتظم حوله تلك التفاصيل والجزئيات. لكن مطلوب من المفكر أن يعدل رؤيته باستمرار بناء على مسار تلك التفاصيل.

إذن نعتقد أن هناك تقصيرًا من السياسي العربي والمسلم في تحويل رؤى المسيري إلى خطة عمل في مواجهة إسرائيل.

وهناك مجموعة من “القواعد النظرية” التي وضعها المسيري سواء لفهم “إسرائيل” (الفهم النظري المعرفي) أو من أجل بناء تصور لكيفية خوض المواجهة مع هذا الكيان (التصور العملي الكلي). فالمسيري، في هذا الشق الثاني، وضع خطوطًا عملية عريضة للمواجهة (أو الحوار الشامل، وضمّنه الحوار المسلح..كما هو مصطلح المسيري).

لكن الناظر في الكيفية التي يشتغل بها العقل السياسي العربي والمسلم لمواجهة إسرائيل، سيكتشف دون عناء جهد أن تلك “القواعد النظرية” ليست لها مصاديق على أرض الواقع.

وبما أننا لسنا هنا في معرض تفصيل مثل هذه القضايا، سنورد بشكل سريع ثلاثة قواعد نظرية؛ نعتقد أنها بمثابة قواعد هادية للانخراط في حوار (بمفهومه الشامل) ناجح مع إسرائيل، ويعيد الحقوق لأصحابها، وينتصر للقيمة التي هي قطب الرحى في فكر المسيري؛ أقصد “قيمة العدل”.

القاعدة الأولى: “إسرائيل هي امتداد للتشكيل الاستعماري الغربي”. بمعنى أن فهم هذا الكيان وثوابته الفلسفية ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار ثوابت ومطلقات الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة.

القاعدة الثانية: “إسرائيل ليست دولة دينية”. فكلما كان تشخيصنا دقيقا لطبيعة إسرائيل، من حيث هويتها الثقافية والفكرية، كان بناءنا لخيارات وعناصر المواجهة يتسم بقدر كبير من الاتساق والمتانة.

القاعدة الثالثة: “انهيار إسرائيل لن يكون من الداخل إنما من الخارج”.

لكن الذي نلاحظه في صفوف الكثير من قطاعاتنا العربية والإسلامية هو سيادة فكرة “الدولة الإسرائيلية الدينية”. دون أن تستند تلك الفكرة وهذا التوجه إلى دراسات تتسم بقدر كبير من المصداقية والمشروعية النظرية.

والسبب، في نظري، الذي يمكن أن يفسر هذا النوع من التفكير هو التعامل مع إسرائيل على أساس أننا نعرفها. ونعرفها لأن الله تعالى قد قص علينا أحوال اليهود، وبأن الصراع معهم هو صراع أزلي تصدقه النصوص وتدعمه الوقائع!! وبالتالي نجد الخطاب الإسلامي، على وجه الخصوص، يشكو فقرا مهولا في الجانب المتعلق ببناء فهم سليم بخصوص إسرائيل؛ لأن المسألة بالنسبة لهذا الخطاب- أو بالنسبة لجزء منه على الأقل، حتى لا نسقط في آفة التعميم- قد حسمها النص المقدس، ولا داعي للاجتهاد بخصوصها.

لكن المسيري كما فعل في موسوعته رجح “منهج الفهم” على “منهج التغيير”. فلم ينظر إلى واقع الصراع مع الكيان الصهيوني من أجل تغييره (وإن كان التغيير هو الهدف البعيد) إنما من أجل فهمه أولا؛ لأن المستوى الأول من “التعامل” يقتضي توفير ظروف خاصة لتسهيل عملية الفهم (كإيجاد مراكز البحوث، وإعداد المتخصصين..) أما المستوى الثاني من التعامل، أي التعامل مع الواقع من أجل تغييره (وهو المستوى السائد في عالمنا العربي)، قد يختزل مهمة التغيير في تنزيل الأفكار والمبادئ والقبليات على الواقع دون أخذ بعين الاعتبار المسافة التي تفصل الأفكار عن الواقع.

ولا نكون مجانبين للصواب إذا قررنا –في هذا الصدد- بأن التعامل مع الواقع بذهنية التغيير – والتغيير السريع- لا بذهنية الفهم، هو الذي جعل الخطاب العربي والإسلامي المعاصر – أو على الأقل بعض مدارسه- تعتمد على “الداعية”  –غير المتخصص الأكاديمي- في فهم الواقع وإشكالاته المختلفة.

من ناحية ثانية، إن تناول أي موضوع بشكل جيد، يقول المسيري، يتطلب بداية الفصل- وبحدة- على مستوى التحليل بين الوصف والتقييم؛ فالوصف يتطلب نوعا من التجرد من القيم ورفضا لمحاكمة الأشياء والظواهر من أي منظور أخلاقي أو فلسفي، كما يتطلب الرؤية الدقيقة التي تحاول أن تصل إلى القوانين الخاصة التي تتحكم في الشيء، والتي يسميها علماء الاجتماع بـ”منطق الظاهرة”. ثم بعد هذا المستوى من التناول يأتي دور التحليل والتقييم وذلك بتجاوز المضمون الواضح والمباشر لتلك الظواهر وهذا الواقع. [الإنسان والحضارة، ص: 24- 25، مع شيء من التصرف اليسير]

أما بخصوص القاعدة الثالثة، فإن مفهومها هو أنه لا يمكن الفصل بين مواجهة “إسرائيل” ومواجهة “المصدر” (الغرب، أمريكا… لكن دون أن نسقط في التعميم) الذي يمد “إسرائيل بعناصر ومقومات البقاء. لكن ما نلاحظه هو فصل تعسفي لـ”المواجهتين”.. في حالة يستحيل معها الفصل والبتر.

سقنا هذه الأمثلة فقط لتبيان كيف أن رجل السياسة (Le politique) لم يستفد بما فيه الكفاية من رجل العلم (Le savant).

ثانيا: يتمثل التقصير الثاني في “عزوف” العقل الإسلامي المعاصر- دون أن نعمم- عن “واجب” الاسترشاد بما قدمه المسيري من اجتهادات نظرية ومعرفية، غير تلك التي دونها في موسوعته المتميزة وما استتبعها من هوامش بخصوصها. وأنا هنا لا أتحدث عن الاستفادة والاسترشاد على المستوى الفردي؛ فهذا حاصل وبامتياز! إنما الذي أقصده بالضبط هو الاستفادة والاسترشاد المؤسسي، والذي يتعلق بالعمل على صوغ نظريات للتغيير والإصلاح والتجديد بناء على تلك الاجتهادات النظرية والمعرفية.

ولهذا “العزوف” أسباب وحيثيات، منها:

السبب الأول: يتعلق بتلك الصورة النمطية التي استقرت في أذهان الكثيرين من كون المسيري مرجع في الصهيونية والفكر الصهيوني وإسرائيل… وأنه بعيد عن مثل هذه الأمور. وأعتقد أن الإعلام العربي والإسلامي ساهم- بغير قصد- بقسط كبير في تكريس هذه الصورة. لأننا إذا ما قمنا بدراسة النسبة التي يستدعى فيها المسيري للمقابلة أو الحوار باعتباره متخصصا في الصهيونية واليهود وإسرائيل… سنجد أن تلك النسبة كبيرة للغاية قد تكون أكثر من 90%!!!

وأنا هنا لست في معرض التنقيص من قيمة تلك الموضوعات، إنما فقط نرصد ونصف ” الأثر الجمعي” الذي تتركه تلك “الصورة النمطية” على أذهان الكثيرين؛ حيث أن تلك الصورة لها من القوة ما يمكنها من صرف النظر عن الجوانب الأخرى من فكر المسيري.

إلا أن الصواب، كما سبق من قبل، يحتم علينا القول بأن المسيري تشكل لديه “منهج معرفي” محدد المعالم والسمات، وعن طريقه يقارب مجموعة من الظواهر ويقدم قراءته الخاصة انطلاقًا من ذلك المنهج.

ويمكن للعقل الإسلامي أن يعتمد- ويختبر (كما يقول المسيري)- هذا المنهج في مقاربته لجملة الوقائع والظواهر التي يحبل بها واقعنا المعاصر؛ الفكري والمعرفي والسياسي.

السبب الثاني: يتمثل في تلك التحولات العميقة التي عرفها المسار الفكري للمسيري، والتي توجت باعتماد الإسلام كأرضية للاجتهاد والانطلاق الحضاري… ومن منطلق هذه التحولات الجذرية، استقر في البنية الذهنية لـ”العقل الإسلامي” (خاصة التقليدي، وحتى غيره في بعض الأحيان) أن كل ما له علاقة بالتجديد الإسلامي إنما هو حكر على طائفة من الناس دون غيرهم؛ وهي طائفة الفقهاء (بالتعريف الضيق لهذه الكلمة). بهذا أصبح الاجتهاد في النص الإسلامي (ليس من أجل استنباط الأحكام؛ لأن هذا له أهله) من أجل توليد النماذج والرؤى و”النظريات”… حكرا على تلك الطائفة (ويمكن تسميتها أيضا بطائفة الدعاة)!!

ونشير، في هذا الصدد، إلى أن الذي جعل “المشروع الإسلامي” يراوح مكانه ولا يحقق نقلات نوعية إلى الأمام، هو تعطيل فاعلية النص الإسلامي (المقدس والتراثي) من توليد النماذج والرؤى و”النظريات” التي بها نعيش عالمنا وننخرط فيه، مع حفاظنا على أصالة نصنا الإسلامي.

وتلك الطائفة المذكورة؛ أقصد طائفتي الفقهاء والدعاة، لا تستطيع أن تولد من النص الإسلامي (الذي هو عنصر أساسي من العناصر المشكلة للمشروع الإسلامي) ما سبق ذكره؛ لأن “النص الإسلامي”؛ وخاصة في شقه المقدس، يكون نص معطاء في “عملية التوليد” كلما كانت الأسئلة دقيقة والتراكمات عميقة. بعبارة أوضح، إن النص الإسلامي/ المقدس كفيل بتوليد مجموعة من الرؤى والنظريات بخصوص “مجال الاقتصاد” أو “مجال الأدب” أو “مجال الفن”… أو في غيرها من المجالات والحقول المعرفية.. إذا ما استوعبنا جيدًا وبعمق الإشكالات والقضايا الجوهرية التي يقتضيها ويفرضها كل حقل من هذه الحقول أو كل مجال من هذه المجالات. فالتراكمات والأسئلة التي يحملها المسيري عندما يتأمل في “النص الإسلامي” تختلف جذريًّا عن التراكمات والأسئلة التي يحملها معه الفقيه/ الداعية لممارسة نفس المهمة؛ أي مهمة “مساءلة النص” في ذلك الجانب/ الحقل!

ولهذا السبب نفهم لماذا المشروع الإسلامي يعرف فقرا على مستوى بنائه المعرفي والفني والأدبي والعمراني… وهو بناء لا يصمد كثيرا أمام إغراءات وإغواءات الحداثة الغربية!

وقد استطعنا، في هذه المساهمة، ومن خلال الملاحظة والاستقراء، أن نكتشف تأملات رائعة للمسيري في النص الإسلامي على وجه العموم.

ثالثا: هناك تقصير- خاصة من لدن العمل الإسلامي المعاصر كتعبير حركي على حركية واشتغال العقل الإسلامي- من الاستفادة من نقد المسيري للحداثة الغربية.

وفي هذا الإطار نقول إن الحضارة والحداثة الغربية، بطبعتها المعاصرة، لها بريق خاص. وبتعبير المسيري إنها حضارة ذات جاذبية عالية. وقد ازدادت وتزايدت وتيرة هذه “الجاذبية” خاصة بعد أن أفل النموذج الماركسي. ونلاحظ أن العقل الإسلامي في “مواجهته” و”معركته” مع النموذج والتوجه الماركسي قد نجح إلى حد ما في تقوية مناعته الفكرية والعقدية حتى لا يكتسحه هذا النموذج ويكتسح معه مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

لكن مع أفول هذه المنظومة، كان يعني ذلك “انتصار” النموذج الغربي في الحياة. والذي عبر عنه البعض بـ”نهاية التاريخ”! والحداثة الغربية استطاعت أن تخترق مجتمعاتنا العربية والإسلامية- والإنسانية بوجه عام- لأنها اشتغلت على خطين، على الأقل، وهما:

الخط الأول: هو الخط الفلسفي الفكري؛ بمعنى نشر مجموعة من الأفكار بربطها بأسسها الفلسفية وجذورها المعرفية. وهذا الخط يستهدف النخب المثقفة.

الخط الثاني: هو الخط القيمي- الثقافي؛ بمعنى أن الحداثة الغربية قامت بتسويق أفكارها الفلسفية ورؤاها المعرفية من خلال مجموعة من التعبيرات الثقافية؛ كالمنتوجات، والمسرح، والرسوم المتحركة.. وهي تعبيرات ومنتوجات ثقافية في متناول “عموم الناس”. فمثل هذه المنتوجات لا يمكن مواجهتها بالأفكار، إنما لا بد من إبداع “أسلحة المواجهة” تكون من جنس تلك المنتوجات! وهذه مهمة صعبة لكن ليست مستحيلة. ثم من ناحية أخرى، إن الناس لا تلاحظ شيئًا مخالفًا (ظاهرًا) لمنظومته وقيمه الخاصة، رغم أن تلك المنتوجات الحضارية/ الثقافية تنشئ في المجتمع علاقات وقيم جديدة تتناقض وعلاقات وقيم هذا المجتمع. ومن هنا خطورة الحداثة الغربية؛ لأنها لا تفترض أن يَدَع الإنسان جانبا أفكاره ورؤاه الخاصة، بل مع حفاظه عليها ينخرط في قيم وعلاقات جديدة تتناقض- إذا تأملنا في عمقها وليس سطحها- وتلك الأفكار والرؤى.

ومن هنا تتجلى، كما قلنا سابقا، خطورة الحداثة الغربية؛ إنها تعتمد- في رأينا- على ثلاثية الإغراق والإغراء والإغواء. فبإغراق السوق بالمنتوجات الثقافية، التي تبدو في ظاهرها بريئة، يحدث الإغراء الذي هو “شعور نفسي” أكثر منه “سلوك عملي” (أو يمكن تسميته بـ”حديث النفس”)، وبعد الإغراء يحصل الإغواء الذي هو “سلوك عملي”.

ولما كانت هذه الحداثة تحقق (في الظاهر) يوما بعد يوم انتصارات واكتساحات واسعة؛ خاصة مع التقدم التكنولوجي المطرد والمتزايد، فإن أي نقد بسيط لهذه الحداثة لا يزيدها إلا قوة ومصداقية. خاصة وأن البناء المعرفي والثقافي للعقل الإسلامي المعاصر لا يسعفه في مباشرة هذا النقد ومن ثم تلك المواجهة والحوار.

هنا يتبين مدى حاجة العقل الإسلامي للنقد الذي يوجهه المسيري للحداثة الغربية. وهو الذي درس هذه الحداثة من الداخل و”حاكمها” إلى نصوصها المرجعية، وليس إلى نصوص أخرى مفارقة لتلك النصوص، وكشف عن الفجوات المعرفية التي تعتري بناء “الحداثة الغربية”، ناهيك عن معايشته المباشرة لتجليات تلك الحداثة.

فعلى سبيل المثال، وأمام ما سبق، وأمام جاذبية “الحداثة الغربية”، يلجأ الخطاب الإسلامي المعاصر إلى “سياسة الدفاع”. فعندما يقال له إن الحداثة الغربية قد حققت الحرية للإنسان الغربي، أو عندما يروى له أن النظم السياسية الغربية- النظام السياسي الأمريكي على وجه الخصوص- هي نظم، فعلا، ديمقراطية… إلى غير ذلك من القضايا التي تتكئ عليها الحداثة الغربية من أجل اكتساب المشروعية والمصداقية، يسلك هذا الخطاب مسلكين على الأقل، وهما:

المسلك الأول: ويمكن تسميته بـ”المسلك المستبطن”؛ بمعنى أن العقل الإسلامي، عندما يواجه بتجليات الحداثة الغربية، يصوغ خطابا يستبطن فيه التسليم بكون المجتمع الغربي بالفعل مجتمعًا حرًّا.. وبكون النظم السياسية الغربية حقيقة نظمًا ديمقراطية!! فمثل هذه الأمور، وفق هذا المسلك، بمثابة مسلمات لا تقبل النقاش. ألا يحق لنا أن نتحدث هنا عن حصول “إغواء في المقاربة” بعد أن حصل “إغراء على مستوى المقولات” نتيجة “إغراق السوق” بتلك المقولات سواء كان إغراقا رمزيا أم إغراقًا أدبيًّا أم إغراقًا ماديًّا!!

المسلك الثاني: بعد التسليم بكون تلك المقولات بمثابة “مسلمات”، لم يبق أمام العقل الإسلامي إلا أن ينتج خطابا يبين فيه أن منظومتنا لا تعدم أفكارا أقرب إلى الديمقراطية، وهناك من يؤصل لها على المستوى الديني، وأن منظومتنا تملك نصوصًا حية وتراثًا ثريًّا بخصوص حقوق الإنسان. وهذا مسلك يعزز الحداثة ولا ينفذ إلى عمقها من أجل نقدها، ولم لا نقضها!

أما المسيري فلم يسلك هذين المسلكين! لم يسلك المسلك الأول الذي يسلم فيه بصدق تلك المقولات (الحرية وديمقراطية النظم في مثالنا)، بل تجرأ على نقدهما، في الوقت التي تعتبر فيه هذه المقولات طابوهات لا يمكن الاقتراب من مناقشتها أو الحوار بخصوصها، وبالأحرى نقضها! (انظروا على سبيل المثال مقال المسيري: الديمقراطية والقيم، www.aljazeera..net، 30/ 08/ 2004). ولم يسلك المسلك الثاني الدفاعي، بل بعد نقده للأسس الفلسفية التي تستند إليه تلك المقولات (والمنتوجات الثقافية في مناسبات أخرى) قام ببناء تصور لما يمكن أن يكون عليه النموذج الذي بإمكانه أن يعيد للإنسان إنسانيته وكرامته وللحياة معناها ووجهتها؛ أي أن المسيري قام بتأسيس حداثة بديلة عن تلك الحداثة السراب.

بعبارة أخرى، إن العقل الإسلامي يعتريه تقصير بخصوص الاستفادة من نقد المسيري للحداثة الغربية الجذابة.. وإن مقاربة المسيري لمثل هذه الأمور تشكل- في رأينا- إضافات نوعية للمشروع العربي الإسلامي. وآثرنا أن نثير هذه الإشارات المختصرة والمركزة من أجل تبيان “المشاكل الكبرى” التي سببتها- وتسببها- الحداثة الغربية للعقل والخطاب الإسلامي المعاصر.

رابعا: هناك تقصير فيما يخص اكتشاف المقتضيات العملية لجملة من أفكار المسيري النظرية؛ إذ لكل فكرة مقتضاها العملي. فمثلا توصيف المسيري لـ”ماهية وطبيعة الحضارة الغربية” لها مقتضيات عملية إجرائية. ونورد فيما يلي فقرة- هناك فقرات أخرى عديدة في كتابات ومدونات المسيري المختلفة- يشرح فيها المسيري تصوره وتوصيفه لـ”الحضارة الغربية”. يقول المسيري: “هذه الحضارة ليست حضارة غربية كما تدعي، فهي دون شك إحدى ثمرات التطور الحضاري الغربي، ولكنها حضارة معادية للإنسان (بما في ذلك الإنسان الغربي نفسه)، وهي حضارة لا تهاجم رؤية معينة ولا دينا معينا ولا منظومة قيمية معينة، وإنما تهاجم فكرة الرؤية والدين والقيمة. فهي تذهب إلى أن العالم تعددي بشكل مفرط، لأنه لا مركز له ولا مطلقات فيه، كل الأمور فيه متساوية، ومن ثم كل الأمور نسبية، وهي حضارة تهاجم المقولات القبلية Apriori، التي كانت تضمن وجود الإنسان كائنا مستقلا عن الطبيعة (المادة)، لأن المقولات القبلية، حتى لو وجدت في عقل الإنسان، تفترض انفصاله عن عالم الطبيعة (المادة)، هذه الحضارة الجديدة تدعي أنها تجاوزت الفلسفة والميتافيزيقا، فهي حضارة إما مؤسسة على الحقائق العلمية والتجارب العلمية، وإما لا تحتاج لأساس أصلاً؛ لأن الأساس يفترض المركز. وقد سميت ما بعد الحداثة (الفلسفة السائدة في الغرب) Anti-foundationalism، أي ضد التأسيس”. [في أهمية الدرس المعرفي، ص: 127]

هذه الفقرة، ذات طابع تجريدي نظري. وقد يظن أن مقتضياتها العملية والإجرائية لا قيمة لها! وهي بالمناسبة فقرة تقدم توصيفًا مغايرًا لتوصيف جزء كبير ومهم من الخطاب الإسلامي المعاصر، الذي يعتقد أن الغرب غرب مسيحي. وبالتالي يجعل المعركة بين الإسلام والمسيحية، مما يفقد الخطاب الإسلامي القدرة على التأثير في الغرب نفسه. لكن بـ”التوصيف المسيري” قادرون على كسب الآخرين- في الغرب وفي غيره- ليس إلى صف المشروع العربي الإسلامي، إنما إلى صف الرؤية التي يعتقد المسيري أنها هي المستهدفة من جراء سيادة هذه “الطبعة والنسخة السيئة” من الحضارة الغربية. وهي رؤية تلامس تلك النفخة من روح الله تعالى، واللصيقة بالإنسان- مطلق الإنسان- في الغرب كما في الشرق، وفي الشمال كما في الجنوب.. إن المسيري بهذا التوصيف يدعونا- ضمنا- إلى كسب المجتمعات الغربية إلى صف تلك الرؤية؛ أو لنَقْل كسبها من أجل الوعي بأهمية تلك “النفخة” وبخطورة المساس بها.

وإن هذا المنحى في التفكير سيغير تلك النظرة التي استقرت في مخيال المجتمعات العربية الإسلامية كما في مخيال المجتمعات الغربية، والمتمثلة في اعتبار الصراع الراهن صراعا بين الإسلام والمسيحية، وبأن هذا الصراع تاريخي وأزلي وحتمي. وبدت المشكلة- في نظر المسلمين- مع الغرب لأنه غرب، ومع الإسلام- في نظر الغربيين- لأنه إسلام!!

ويأتي خطاب المسيري ليخترق “الدائرة الغربية” ويضمها- نظريًّا- إلى صف الرؤية التي تعبر عن “نفخة الروح”، وليشكل سندًا للخطاب الإسلامي الذي بَدَل أن يواجه تلك الرؤية المعادية للإنسان، يدخل الواجهة ومعه كل أحرار العالم. إنها إضافة نوعية للمشروع العربي الإسلامي الذي يجب أن يكون في جوهره مشروعًا إنسانيًّا.

بل إن هذا الخطاب لن يخترق “الدائرة الغربية” فقط، إنما قادر أيضا على اختراق الدوائر البشرية الأخرى، كـ”الدائرة الآسيوية”… وكـ” الدائرة الإسرائيلية”… لأن هذه الرؤية المنتصرة للإنسان لا يخلو منها وطن ولا أرض ولا شعب.

لكن المشكلة تحصل عندما يتم التعامل مع الدوائر البشرية المختلفة على أساس أنها كتل صماء ومتجانسة، وتعبر عن رؤية واحدة! فمثلاً، قلما يُثار في الخطاب الإسلامي والعربي مسألة إمكانية اختراق المجتمع الإسرائيلي (الاختراق ليس معناه في مصطلحنا فرض ما نؤمن به من رؤى تفصيلية على الآخر والغير، إنما معناه إيقاظ الوعي، في صفوف تلك الدائرة البشرية، بخصوص طبيعة الرؤية المعادية للإنسان والرؤية المنتصرة للإنسان) لاعتبارات عديدة؛ من بينها “الإيمان بأبدية الصراع مع اليهود” وبـ”ملازمة الأوصاف الشريرة لليهود”؛ بمعنى أن اليهودي شرير من حيث هو يهودي. رغم أن تلك النفخة من روح الله تعالى مركوزة في الإنسان- من حيث هو إنسان- لا من حيث دينه أو شاكلته الثقافية!!

وبالتالي لم يدر- أبدًا- في خلد العقل الإسلامي حصول هذه الإمكانية؛ أقصد “إمكانية الاختراق” بالمفهوم الذي وضعته لـ”الاختراق”. لكن المسيري من خلال توصيفاته المختلفة للغرب أو لـ”إسرائيل” يطرح إمكانية تحقيق هذه الإمكانية.

ولعل أبرز مقتضى عملي بالنسبة لهذا النوع من التفكير هو خلق جبهة تضم كل الرافضين للرؤية المعادية للإنسان. فأين هذا كله من المشروع العربي الإسلامي؟! طبعًا، ودائمًا، ينبغي ألا نسقط في آفة التعميم.

ومن بين المقولات المسيرية النوعية، والتي نعتقد أن العقل الإسلامي لم ينتبه إليها جيدًا، وكانت قمينة بالتقدم بالخطاب الإسلامي خطوات إلى الأمام.. المقولة المتمثلة في اعتبار “الجماعات اليهودية” (كما هو مصطلح المسيري) في فلسطين ضحايا الرؤية الغربية الاستعمارية الإحلالية الاستيطانية. وأن الغرب إنما تعامل معها على أساس أنها “جماعات وظيفية” يستعملها في تحقيق ثوابته، التي لا تتجاوز ما تقع عليه حواسه الخمس.

و”إمكانية الاختراق”- كما هو مفهوم مقاربات المسيري- تمر عبر تغيير “الخريطة الإدراكية” لـ”الآخر” الذي نعتقد أنه قد اقترب أو تماهى- لظرف من الظروف- مع الرؤية المعادية للإنسان. ونورد هنا بعض آراء المسيري النوعية بخصوص إمكانية “تغيير الخريطة الإدراكية للمجتمع الإسرائيلي”، ليتضح جيدًا ما نحن بصدد الحديث حوله، وكيف أن “الانتفاضة” استطاعت أن تغير من عناصر تلك الخريطة. طبعًا “عمل الانتفاضة” ينبغي أن توازيه أعمال أخرى فكرية وثقافية وفنية للالتفاف حول هذه الخريطة من أجل تغييرها؛ لأن كل تغيير يمس هذه “الخريطة الإدراكية” هو بمثابة ابتعاد عن الرؤية المعادية للإنسان واقتراب من “نفخة الروح” التي تشير إلى رؤية متسامية.

يشير المسيري إلى أن الصهاينة أدركوا أهمية “الخريطة الإدراكية” في تشكيل الرأي العام وفي تحريك الجماهير، إذ قامت الدولة الصهيونية باعتبارها دولة استعمارية استيطانية إحلالية تؤدي وظيفتين، وهما، تخليص أوروبا من اليهود ونقلهم إلى فلسطين ليشكلوا قاعدة للاستعمار الغربي، أي أن المشروع الصهيوني حوّل يهود أوروبا إلى مجرد أداة لتحقيق هدف إستراتيجي.

ولكن، كما يقول المسيري، من الصعب إقناع أي إنسان بأن يتحول إلى مجرد أداة، ولهذا يتعين تغيير خريطته الإدراكية حتى يمكنه أن يتحرك بحماس ويحمل السلاح دفاعًا عما يتصوره وعما استبطنه.

ولتحقيق ذلك- يقول المسيري- تحركت القيادة الصهيونية على مستويين، وهما:

المستوى الأول: تأكيدها على أن اليهود كتلة بشرية قومية متماسكة لها تاريخها الخاص وخصائصها الفريدة، ولها حق مطلق في فلسطين بوصفها الوطن القومي، ومن ثم يصور توجههم لغزو فلسطين باعتباره “عودة” إلى أرض الأجداد وليس احتلالاً أو استعمارًا، وهذه “العودة”- والكلام للمسيري- تتم بناء على الوعد الإلهي وليس بناء على وعد بلفور، بل إن فلسطين طبقًا لهذا التصور هي “إرتس يسرائيل”.

المستوى الثاني: يتعلق بحديث الصهاينة- ومعظمهم ملاحدة كما يقول المسيري- يتحدثون عن التوراة والتلمود، واتخذت الدولة الصهيونية بعض الرموز الدينية، حتى تصور الكثيرون أنها بالفعل دولة يهودية، وراحوا يدركونها على هذا النحو، وينظرون إلى ما ترتكبه من بطش ومذابح على أساس هذا الإدراك.

غير أن الخريطة الإدراكية- في تصور المسيري- قد تتغير عندما يتحدى الواقع هذه الخريطة ويبين قصورها، إذ يهتز أساس الرؤية وأسلوب الإدراك ذاته فتميد الأرض من تحت قدمي صاحبها.

ويشرح ذلك المسيري بقوله: “هذا ما حدث للمستوطنين الصهاينة، حيث كان محور خريطتهم الإدراكية أن فلسطين أرض بلا شعب، أو على الأقل شعب يشبه الهنود الحمر يمكن القضاء عليه عن طريق الإبادة أو النقل أو الحصار أو التجاهل”.

ويشير المسيري إلى الدور الذي لعبته الانتفاضة في زلزلة تلك “الخريطة الإدراكية”؛ وحيث يذكر أنه قبل اندلاع الانتفاضة الأخيرة أصدر المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن الاستعمارية خريطة سياحية لا تظهر عليها أي قرى أو مدن عربية، كأنها قد أزيلت، أو كأنها لم توجد أصلاً أي أنها أرض بلا شعب.

ولكن، يقول المسيري، ما حدث هو العكس؛ إذ ظهر أن فلسطين أرض عليها شعب، وهو شعب عريق ينتمي إلى تشكيل حضاري قديم ومركب، وهو يتزايد كمًّا وكيفًا بطريقة مزعجة، فاهتزت الخريطة الإدراكية وبدأت العصبية تظهر فيما يسميه المسيري بـ”المرحلة الشارونية”، وهو تصور- يشرح المسيري- أنه يمكن تغيير الواقع بالقوة حتى يتسق مع خريطتهم الإدراكية، ولكن الواقع يتحدى بشكل مستمر الخريطة الإدراكية الأسطورية الصهيونية، فالانتفاضة مستمرة ومقاومة أصحاب الأرض تتصاعد رغم البطش الصهيوني.

وما يهمنا في هذا الإطار هو أن نعرف بأن الخريطة الإدراكية ليست أمرًا حتميًّا، إذ- كما يقول المسيري- يمكن تغييرها، وبالفعل يشير المسيري إلى كون قطاعات لا بأس بها من الجماهير الإسرائيلية بدأت تدرك عبث محاولة فرض الأسطورة الصهيونية على الواقع الفلسطيني.

ثم يختم المسيري تصوره لكيفية التعامل مع “الخريطة الإدراكية” بقوله: “أعتقد أنه قد حان الوقت لأن يتوجه الإعلام العربي إلى هذه القضية، ساعيًا إلى التأثير في الخريطة الإدراكية للشعوب الغربية”، من خلال ما يسميه المسيري “الحوار المسلح”، أي المقاومة المسلحة المستمرة التي يصاحبها إعلام قوي يحاول أن يبين حقيقة الدولة الصهيونية في المنطقة بوصفها جيبًا استعماريًّا استيطانيًّا إحلاليًّا يمثل الاستعمار الغربي ويخدم مصالحه. [الخريطة الإدراكية، www. Aljazeera.net، 03/ 10/ 2005]

كان ذلك بشكل مجمل أوجه التقصير في العلاقة بين العقل الإسلامي والعربي وفكر المسيري، وهي أوجه متداخلة فيما بينها. وكما قلنا فإن أي تجاوز لأي وجه من أوجه التقصير المشار إليه أعلاه، يتضمن إضافة نوعية للعقل والخطاب العربي الإسلامي.

وفي هذه الدراسة سنحاول- بشيء من التفصيل المركز- أن نسلط الضوء على تجليات تلك الإضافات النوعية وتبدياتها المختلفة في مقاربة المسيري لمجموعة من القضايا التي نعتقد أنها مداخل ومقدمات معرفية ومنهجية لتجديد المشروع العربي الإسلامي. ولا نزعم أن ما سنتطرق إليه من قضايا هي وحدها المداخل والمقدمات التي يعتمدها المسيري لتحقيق ذلك، إنما- وبصفة يقينية- هناك مداخل ومقدمات أخرى قد تكون أكثر أهمية من تلك التي سندرسها في هذه الدراسة. وقد وزعنا تلك المداخل والمقدمات على شكل مباحث.

المبحث الأول: مركزية التوحيد

أو الدفاع عن الإنسان من خلال الانتصار لـ”فلسفة التجاوز”

تظهر آراء المسيري المتصلة بالمسألة الدينية، والنص الديني عمومًا، من خلال تناوله لمجموعة من القضايا.. فالمسيري بالطبع ليس متخصصًا في العلوم الإسلامية أو الدينية، وهو لا يدعي ذلك أبدًا، لكن استقراءنا الدؤوب والمتأني لمجموعة من الإشكالات التي هي من اختصاص “أهل الذكر” في المسألة الدينية، تنم على امتلاك الرجل لأدوات معرفية وجهاز مفاهيمي أوصله إلى إنتاج آراء تميزت بالدقة والعمق.

ومن خلال إنجازنا لهذا الاستقراء- الأولي- استطعنا أن نقسم تلكم الآراء إلى ثلاث مجموعات أساسية، قسمناها للداعي المنهجي وهي في حقيقتها قد تكون متداخلة فيما بينها:

المجموعة الأولى: تلك الآراء التي يبديها المسيري في مجموعة من القضايا التي هي من صميم الاشتغال الديني، من مثل مسألة “التوحيد”..

المجموعة الثانية: آراء للمسيري في قضايا فكرية وفلسفية استطعنا أن نجد لها أصولاً- أو تأويلاً- في بنية النص الديني/ الإسلامي.. من مثل تحليله للنسق الديني اليهودي وملاحظته مدى التشابه بين هذا النسق والنسق المادي (الشركي في المصطلح الإسلامي).. وأيضًا ربطه بين الفلسفة المادية والنـزعة الإبادية.. إلى غير ذلك من المسائل التي استطاع المسيري أن ينسجم فيها مع روح النص الديني.

ونحن في هذا الإطار لا نحاول أن نوجد لآراء المسيري الفكرية أو الفلسفية مخارج دينية ومسوغات إسلامية، من خلال إسقاطات تعسفية أو تأويلات فاسدة، بل إننا نقول إن أي باحث يلزم نفسه بشيء من التجرد والانطلاق من دراسة متأنية للقضايا المتعلقة بالإنسان فإنه ولا شك لن يتصادم مع روح النص الإلهي؛ خاصة وأن أي إنسان- كيفما كان توجهه العقدي والفلسفي- يحوي في داخله نفخة من روح الله تعالى (أو ما يسميه المسيري بالقبس الإلهي).. ولعل أبلغ عبارة تلخص لنا هذا التوجه هو قول المسيري: “بدل الوصول إلى الإنسان من خلال الله، وصلت إلى الله من خلال الإنسان”. فهذا القبس – أو تلك النفخة- المركوز في النفس البشرية هو الذي قاد المسيري إلى الله.

المجموعة الثالثة: هي مجموعة من الآراء والفهوم التي أبداها المسيري من خلال دراسته لمجموعة من النصوص المقدسة؛ وهي النص القرآني والنص النبوي. ويمكن تقسيم هذه المجموعة إلى قسمين، يتضمن القسم الأول تلك الآراء والفهوم التي يستنبطها المسيري من تلكم النصوص.. ويتضمن القسم الثاني نموذجًا من كيفية التعامل مع بعض النصوص المقدسة، خاصة من خلال استخدام المنهج المعرفي.

وقد ارتأينا ألا نخص كل مجموعة بالحديث حولها، بل سنتناول ما تضمنته هذه المجموعات وفق موضوعات… في حتمية “الميتافيزيقا” أو “النظرية الكبرى الحاكمة”:

ينطلق المسيري في مقاربته وفهمه لمجمل الأفكار والتصورات والظواهر انطلاقًا من الرؤى الكبيرة/الكلية التي تفرزها. حيث لا يستقيم فهمنا لبنية الأفكار ومسار الظواهر وكشف العلاقة التي تربط مختلف الظواهر بعضها ببعض إلا إذا كنا على درجة كبيرة من الوعي بالناظم الفكري الذي ينظم هذه الأفكار والظواهر.

بداية يقول المسيري باستحالة التخلي عن محاولة الوصول إلى نظرية حاكمة كبرى، تمنح للإنسان رؤية للكون وللأمور المعرفية الكلية والنهائية.

فرغم اعتراف المسيري بوجود مجموعة من “القصص الصغرى” في الواقع (كما هو مذهب الاتجاه المابعد- حداثي)، إلا أنه يقرر بأن هناك داخل كل قصة – مهما بلغت من صغر- قصة كبرى. [اليد الخفية 303].

فليس هناك مفر من تبني نظرية كبرى أو رؤية كلية.. فمهما ادعى الإنسان أنه بمنأى عن مثل هذه القضايا الفلسفية الكلية لا يمكن أن يظل وفيا لزعمه وادعائه هذا. بل يذهب المسيري بعيدًا إلى القول بأن الإنسان إن لم يطور نظرية كبرى فسيقع فريسة النظرية الكبرى للآخر وضحية لما يسمى “إمبريالية المقولات”، ولعل العبارة الدقيقة التي يمكن أن تختزل فكره في هذا الصدد تتمثل في المقولة التالية: “إن الإنسان لا يتحرك في فراغ ولا يدرك الواقع بشكل حسي مباشر. وهذا الإدراك مرتبط برؤية الإنسان لنفسه وللكون وللآخر، وأن ثمة نموذجًا كامنًا وراء كل الظواهر”. [الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية دراسة في الإدراك والكرامة 20، اليد الخفية 303].

وفي رأي المسيري فإن الإنسان يتأرجح بين رؤيتين أساسيتين للإنسان: رؤية تنظر للإنسان باعتباره كيانا مركبًا يختلف عن كل الكيانات الأخرى لا في نوعه وإنما في درجة تركيبيته، التي يمكن تفسيرها في “نهاية الأمر” بما هو مادي وطبيعي، أي أنه يمكن تفسير الإنسان، كل الإنسان، من خلال قوانين الطبيعة (…). وهناك رؤية ترى الإنسان باعتباره كيانًا فريدًا مركبًا مختلفًا عن كل الكائنات الأخرى اختلافًا عميقًا في النوع والدرجة (…)؛ إذ وفق هذه الرؤية يظل الإنسان شامخًا يستعصي في كليته عن التفسير المادي الكمي (…).

وتنطلق كتابات المسيري الفكرية والفلسفية من مسلمة الإيمان بوجود فروق جوهرية كيفية بين عالم الإنسان وعالم الطبيعة/ المادة.

فالرؤية الأولى تعتبر الطبيعة نظامًا يتحرك بلا هدف أو غاية، نظامًا واحديًا مغلقًا مكتفيًا بذاته، توجد مقومات حياته وحركته داخله، يحوي داخله ما يلزم لفهمه، لا يشير على أي هدف أو غرض خارجه.

هذه الرؤية ملتزمة بنوع من التفكير الذي يرى أسبقية الطبيعة على الإنسان، يستوعبه فيها ويختزله إلى قوانينها ويخضعها إلى حتمياتها بحيث يصبح جزءا لا يتجزأ منها ويختفي ككيان مركب متجاوز للطبيعة والمادة، منفصل نسبيًّا عما حوله وله قوانينه الإنسانية الخاصة، أي- يقول المسيري- أن الحيز الإنساني يختفي ويبتلعه الحيز المادي، وبدلاً من ثنائية الإنساني والطبيعي تظهر الواحدية الطبيعية. [الإنسان والحضارة والنماذج المركبة دراسات نظرية وتطبيقية 382- 383].

فلسفة التجاوز وظهور المسافات: بنيوية المسافات في فلسفة التجاوز:

هاتان الرؤيتان بدورهما نتيجة لنوعين من المرجعيات: مرجعية التجاوز والتعالي ومرجعية الحلول والكمون.

والتجاوز كما يفهمه المسيري هو أن يرقى الإنسان ويتعالى على حدوده الطبيعية والمادية وإن ظل داخلها. ويمكن أن يطبق هذا المفهوم على الإله فتكون المقولة على الشكل التالي: إن الإله يتجاوز كل حدود الزمان والمكان، فهو منـزه عنهما وعن عالم الطبيعة/المادة وعن الإنسان. [الإنسان والحضارة 384].

والإيمان بموجود متعال يتجاوز كلاً من الطبيعة والإنسان هو سمة المنظومات التوحيدية، وهو مركز الكون، مركز غير مادي، يتجاوز المادة ولا يحل فيها أو يتوحد معها. [الإنسان والحضارة 384].

والتوحيد كما يعرفه المسيري هو: “الإيمان بأن المبدأ الواحد، مصدر تماسك العالم ووحدته وحركته وغايته، ومرجعيته النهائية، وركيزته الأساسية، ومطلقه الذي لا يرد إلى شيء خارجه- هو الإله، خالق الطبيعة والتاريخ، وهو خالق البشر، الذي يحركهم ويمنحهم المعنى ويزودهم بالغاية، ولكنه مع هذا مفارق لهم لا يحل فيهم أو في مخلوقاته ولا يتوحد معهم”. [اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود 224].

ونرى أنه من الضروري أن نشير إلى أن المسيري بعد أن يؤكد أن مصدر الوحدة في الوجود ومركز الكون غير المنظور ليس كامنًا أو حالاً في العالم، وهذا هو شأن الإله الواحد المفارق المنزه في النظم التوحيدية.. بعد هذا التأكيد، يضيف المسيري أن النظم الهيومانية الإنسانية أيضا تميل إلى الاعتقاد بوجود مسافة بين الإنسان والطبيعة.. أو بعبارة المسيري: الإنسان المتميز عن الطبيعة. [اليد الخفية 299]

ونعتقد أن الفلسفة الهيومانية لا يمكن أن تكون رؤية مستقلة بذاتها، بل هي تتأرجح بين الاقتراب من المرجعية المتجاوزة التي تنطلق من منطلق أن الإنسان يحوي داخله القبس الإلهي، وبين الرؤية الأخرى التي لا تقول بالتجاوز. ونضيف أن كل ابتعاد من الرؤية الأولى هو اقتراب من الرؤية الثانية، والعكس صحيح. فالرؤية الهيومانية تبتعد شيئًا ما عن الرؤية المادية وتقترب من الرؤية المتجاوزة. ويميل المسيري إلى القول بأن الفلسفة الإنسانية كامنة في الفلسفة المادية.

إن فلسفة التجاوز في فكر المسيري تستحضر في تحليلها مسألة مركزية وهي أنه مع الإقرار بكون الإنسان جزءًا لا يتجزأ من الطبيعة، إلا أنه في الآن نفسه متجاوز لها.

إن تجاوز الإنسان للطبيعة هو الذي جعل الإنسان يشكل ثغرة في النظام الطبيعي المادي، فهو كائن قادر على إنجاز فعلين أساسيين متسمين معا بـ”التجاوز”:

أولهما: قدرة الإنسان على تجاوز الجوانب الطبيعية في ذاته، وثانيهما: قدرته على تجاوز الطبيعة/المادة ذاتها. [اليد الخفية 300]

وإن الإقرار بوجود مسافة أو ثغرات أو ثنائيات هو الذي يقود إلى الإقرار بإمكانية التجاوز.. وإنكارها يؤدي إلى إنكار إمكانية التجاوز. وبالمناسبة، فإن هذه المسافة (بين الإنسان والطبيعة) لا يمكن أن تسد تمامًا (مثل المسافة التي تفصل الخالق عن المخلوق). فمصدر وجود واستمرار هذه المسافة وبالتالي هذا التجاوز هو ذلك الجانب الرباني في الإنسان اللصيق تماما بإنسانية الإنسان. [اليد الخفية 300].

ويزيد المسيري هذه النقطة توضيحا مشيرا إلى أن المنظومات المعرفية التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة لعالم المادة (مثل العقائد التوحيدية) تحتفظ بالحدود الفاصلة بين الخالق العلي المتجاوز وبين مخلوقاته، فهو مركز النموذج المفارق والمتجاوز له. [اللغة والمجاز 226].

ومن اللفتات الجميلة التي يوردها المسيري، في هذا الصدد، هو قوله: “إن المسافة بين الخالق والمخلوق تظل قائمة، لا يمكن اختزالها مهما كانت درجة اقتراب المؤمن من الإله”. ويضيف: “لا يمكن في الإطار التوحيدي أن “يصل” المتصوف إلى الالتصاق بالإله أو الاتحاد به أو الفناء فيه، فثمة مسافة جوهرية ثابتة”. ومن بين الاستنباطات الذكية والعميقة التي يوظفها المسيري أثناء تعزيزه لفلسفة المسافة ومرجعية التجاوز قوله أنه “حتى رسول الله r لم “يصل”، بل ظل في أقصى حالات الاقتراب قاب قوسين أو أدنى”. [اللغة والمجاز 226].

ففي الإسلام- يقول المسيري- الله عز وجل مفارق عن الإنسان، وهذه مسألة لا يمكن الحوار بشأنها، كما بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11)؛ نقترب منه ونبتعد عنه لكن المسافة بيننا وبين الله موجودة. [العقل الإسلامي بين الأنا والآخر، ص: 42]

ويذكر المسيري أن الثنائية سمة أساسية في النظم التوحيدية حيث يمثل التجاوز عمقها الفلسفي. وأما الثنائيات- أو الثنائية الأساسية كما يسميها المسيري- في النظم التوحيدية هي ثنائية الخالق (المنـزه عن الإنسان والطبيعة والتاريخ). [رحلتي الفكرية 137].

ومن خصائص هذه الثنائية أنها فضفاضة تكاملية: فالإله مفارق للعالم إلا أنه لم يهجره ولم يتركه وشأنه. فهناك تفاعل بين عنصري الثنائية، فالإله خلق العالم ونفخ فيه من روحه ولم يهجره بل دخل في علاقة معه فهو يرعاه. [اليد الخفية 299]

ويميز المسيري بين الثنائية والاثنينية أو الازدواجية؛ إذ في الأولى نكون أمام عنصرين قد يكونان متكافئين أو غير متكافئين، ولكنهما مع هذا يتفاعلان ويتدافعان. أما في الاثنينية فهما إما:

1- عنصرين مختلفين تمام الاختلاف يكادان يكونان متعادلين (مثل إله الخير والنور وإله الشر والظلام في بعض العبادات الوثنية)، ولذا يدخلان في صراع أزلي أو شبه أزلي.

2- وإما عنصرين متعادلين تمام التعادل، متكاملي تمام التكامل، فنعود للواحدية مرة أخرى. [رحلتي الفكرية 138].

مفهوم المسافة وجدلية “الانفصال والاتصال” بين “الخالق والمخلوق”:

يحدد المسيري جوهر النسق التوحيدي الإسلامي في مفهوم المسافة، الذي يؤكد علاقة الانفصال والاتصال بين الخالق والمخلوق. ويزيد المسيري هذه النقطة بيانًا مشيرًا إلى أن الله- سبحانه- ليس كمثله شيء، فهو غياب إمبريقي كامل، ولا يمكن أن يدرك بالحواس، ولكنه، في الوقت نفسه، أقرب إلينا من حبل الوريد، دون أن يتحكم بنا ويجري في دمائنا، ويصبح بذلك جزءًا من عالم الصيرورة.

بكلمة، إن الحضور الإلهي لا يأخذ شكل تجسد مادي. وإيمان الإنسان به هو عنصر ذاتي، فهو في القلب، ولكنه ليس ذاتيا تماما، فهو يستند إلى العلامات والقرائن مثل سنن الطبيعة. [اللغة والمجاز 134]

المجاز اللغوي كأداة لتقريب المسافة بين الدال/ الخالق والمدلول/ المخلوق:

يعتبر المسيري المجاز اللغوي أداة الإنسان للتعبير عن أفكار ورؤى مركبة لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الطريقة [اللغة والمجاز 17].. وإذا أرادت اللغة التعبير عن فكرة “الله” و”الغيب”، فإن المسافة تتسع وتتسع. [اللغة والمجاز 14].

والمسافة- في تصور المسيري- لا يمكن عبورها، ولكن يمكن تقريبها وتحويلها إلى مجال للتفاعل عن طريق المجاز.

هذه الوظيفة التي يقوم بها المجاز تتم من خلال ما يقوم به من توسيع من نطاق اللغة الإنسانية، وجعلها أكثر مقدرة على التعبير عن الإنساني المركب واللا محدود.

هذه الأدوار الموكلة إلى المجاز تتم عادة- كما يقول المسيري- عن طريق ربط المجهول بالمعلوم، والإنساني بالطبيعي، والمعنوي بالمادي، واللا محدود بالمحدود، وهو ربط لا ينجم عنه مزج عضوي بينهما وإنما تحويل الواحد منهما إلى طريقة لاستكشاف الآخر، إذ تظل المسافة بينهما قائمة رغم عملية الربط بينهما. [اللغة والمجاز 14]

ويلاحظ المسيري أن مفهوم المسافة يتبدى من خلال علاقة الدال بالمدلول في الإطار التوحيدي، فهي علاقة اتصال وانفصال بحيث لا يلتحم الدال بالمدلول، فالمدلولات- كما يقول- متشابكة فضفاضة، واللغة تصبح متشابكة فضفاضة تصلح للتواصل بين البشر رغم عدم كمالها. [اللغة والمجاز 134/ 135]

ولا يفوت المسيري أن يشير إلى أن مفهوم المسافة- في التصور التوحيدي- يقف على النقيض من الموقف “ما بعد الحداثي” الذي يطرح لحظة حضور كامل و غياب كامل، وكلاهما مستحيل. ومن استحالة الوصول تطرح الصيرورة كحل، باعتبارها الشيء الوحيد الممكن. [اللغة والمجاز 135].

وما يتعلق بالاتجاه “ما بعد الحداثي” ينطبق على كل الاتجاهات الأخرى التي هي نتاج الرؤية المناقضة للرؤية التوحيدية.. طبعا إذا ما تعلقنا بالتفاصيل فسنجد أن هناك فروقا- قد تبدو جوهرية- بين “الحداثة” و”ما بعد الحداثة” على سبيل المثال، لكن عندما ننظر إليها من منطلق الأسس الفلسفية لكل منهما فإننا سنلاحظ أن الفروق التفصيلية تبدو هامشية مقارنة باشتراك الاتجاهين في نفس الأسس الفلسفية الميتافيزيقية.

ويذهب المسيري بعيدا عندما يقرر أن إشكالية الدال والمدلول كامنة في الحضارة الغربية حتى قبل ظهور الفلسفة المادية والنسبية المعرفية. ودليله إلى هذا التقرير العميق ما لاحظه من اختلاف جوهري بين نقطة البدء الإسلامية ونقطة البدء المسيحية؛ ففي المسيحية واليهودية- يقول المسيري- نجد أن لحظة البدء هي الكلمة نفسها( تجسد اللوجوس)، فالكلمة هي الأساس الأنطولوجي لهذا العالم. أما في الإسلام، فإن لحظة البدء هي اللحظة التي يعلِّم فيها الإله الأسماء كلها، فلحظة بدء العالم لحظة إبستمولوجية معرفية، وتفترض وجود إله يسبق خلق المادة،