Uncategorized

أعلام وأفكار : مالك بن نبي

البطـاقـة الشـخصيـة :

الاســم :مــالك بن الحــاج عمـر بـن الخضــر بن مصطفى بـن نبـي.

تـاريـخ الميـلاد : ذي القعـدة 1322هـ = ينـايـر 1905م.

محـل الميـلاد :مـدينـة تبسـة التـابعـة لولايــة قسـنطينـة ـــ الجـزائـر.

تـاريخ الوفــاة :2 شــوال 1393هـ = 31 أكتوبر 1973م.

السـيرة الذاتيــة :

ولــد مـالك لأبـويـن نتـدينيـن, حــرصـا على تـربيـة تربيـة دينيـة سليمـة, وقـد أصــرَّا على تعليمـه رغــم فقـرهمـا الشــديـد, حتى إن أمَّـــه اضطـرت ذات يـوم أن تـدفـع إلى معــلم القـرآن ســريرهــا بـدلاً من المـال.

تلقـي دراستـه الابتـدائيــة في الكُتَّــاب ثــم المـدرســة الفـرنســية. وحصــل على الشهـادة الثـانـويـة سنـة 1925 من المـدرسـة الفـرنسيـة الإســلاميـة على أيـدي مـدرسـين مسـلميـن وفـرنســيين. وبعـدهــا حـاول الحصـول على عمـل في بـلاده دون جـدوى, فســافـر إلى بـاريس للبحث عن عمــل, ولكـن واجهتـه متـاعب وصعـوبـات جمـة اضـطـرتـه للعـودة إلى الجـزائـر؛ حيث عمـل لمـدة عــام مـوظفًـا بــإحـدى المحـاكـم ثـم عمـل بالتجـارة إلا أنـه لم يصـادفــه التـوفيــق, فعـاد إلى بـاريس مـرة أخـرى ســنـة 1930م قـاصـداً الـدراســة بمعهـد الدراســات الشــرقيـة ليـدرس الحقـوق ويتخـرج محـاميًـا, إلا أنـه لم يتـم قبـولـه فيـه رغـم اجتيــازه امتحـان القبـول لأسبــاب تتعلق بكـونـه مسـلمًــا جـزائريًّــا لا يجــوز لـه في نظـر السيـاســة الاسـتعمـاريـة أن يرتقى تعليمــه إلى مثـل هــذا المـرتقى؛ إذ كـانت الـدراســة في هـذا المعهـد لا تخضــع لمقيـاس علمـي وإنمـا لمقيـاس سيــاسي (على حـد قــول مـديـر المعهـد آنــذاك). فاضطـر إلى الالتحـاق بمعهـد الهنـدســة والميكـانيكـا, كمـا درس الكيميـاء التطبيقيـة بــأحـد المعـاهـد الليليـة في الوقت نفسـه. وفي عـام 1931 تزوج من فــرنســية أســلمت على يـديـه وتسمت باســم «خـديجــة» وفي خـلال فتـرة دراستـه قـام بنشــاط إصـلاحي كبيـر وسـط الطلبـة المغــاربــة حتى لُقّب بـــ (زعيــم الوحــدة المغــربيــة), والتقي بالمهـاتمـا غــانـدي, وشكيب أرسـلان, ومحمـد عبـد الله دراز. وفي عـــام 1935 تخــرج مهنـدسًــا كهـربائيًّــا, ولكنـه لم يجـد وظيفـة تـلائـم تخصصـه في فـرنســا أو الجـزائـر بعـد أن رصـد نشـاطـه السـلطـة الاستعمـاريـة, وراقبت تحـركـاتـه فعــرقلت تعيينـه في أي منصب حكـومـي, كمــا أبعـدت والـده عن وظيفتـه للـسبب نفســه. إلا إنـه لم يرضخ لهـذه الضغـوط, وتعــاقـد مع دار نشــر باريسيـة لبيع كتب العلـم المبسّـط, ثـم دُعِيَ ليكـون مـديــراً «لمـركـز المـؤتمـر الجـزائـري للثقـافـة» في مـرسيليـا؛ حيث عمـل مـوجهـًــا تـربوًّيــا وتثقيفيًّــا للعمــال الجـزائـريين. ونظـراً للنجـاح الكبـير الـذي حققـه في هـذا العمـل اســتبعـده المســتعمـر منـه بعـد تسعــة أشهــر فقط؛ بحجـة عـدم امتـلاكـه مـؤهــلاً تـربويًّـا يتيح لــه ممـارستـه. وفي عـام 1939 عمـل صحفيـًـا بجـريـدة «اللومـونــد» الفـرنســية, وألف كتيبًـا عنـوانـه «الخطـوة الجـزائريـة» لم يجـد طـريقـه للنشــر, ثـم أصـدر أول كتبـه وهـو «الظـاهـرة القـرآنيـة» باللغـة الفـرنسيـة, ثـم أصـدر بعـده عـدة كتـب, بالإضـافـة إلى العـديـد من المقـالات التي نُشــرت في مختلف الصحف والمجـالات الفـرنسيـة والجـزائـريـة.

ظـل مـالـكٌ يعيــش في بـاريس حـامـلاً وحـده لـواء الإصـلاح في وجـه العـواطف التي يثيرهــا الاستعمــار على خصـومـه, حتى جـاء اليوم الـذي بلغ فيــه الســيل الزبــى في نظـر المسـتعمـريـن حين رشـح مـالكٌ اســم بـاديس (قـائـد الثـورة الجـزائريـة وأحـد رواد الإصـلاح في العـالم الإسـلامي في العصـر الحـديث) لرئـاســة الشـرف لرابطـة الطلبـة المسـلميـن الجـزائـريين ببـاريس, فاضُطــر للهجـرة إلى القـاهـرة عـام 1956 كـي يواصـلب كفـاحــه تحت رايــة الثـورة الجــزائـريـة, وكـذلـك لنشــر كتـابـه «الفكـرة الأفـريقيـة الآسيـويـة».

أقـام في القـاهـرة سـبع سـنين كـلاجئ سيـاسـي, لاقي خـلالهـا ترحيبـاً كبيـراً, وتـم اختيـاره مستشـاراً للمــؤتمـر الإســلامي في القـاهـرة, وشــارك في جلسـات مجمـع البحـوث الإســلاميـة, وكـذلك شـارك في العـديـد من المـؤتمـرات التـى عُقــدت بالقـاهـرة, ومكـه المكـرمـــة, والكـويت وطـرابلس. كمـا زار دمشق ولبنـان أكثـر من مـرة. وأتقن مـالك ــ خـلال هـذه الفتـرة ــ اللغـة العـربيـة وألّف أول كتبـــه بهــا ـــ مبـاشــرة ـــ وهو «الصـراع الفكـري في البــلاد المســتعمـرة», وتم ترجمـة معظـم كتبـه إلى اللغـة العربيــة.

عــاد إلى الجـزائـر عــام 1963 بعـد تحـريرهـا, وتـم تعيينـه في منـاصب عـديـدة منهـا : مستشــار التعليـم العـالي, ومـديـر جـامعـة الجـزائـر, ومـديـر عـام التعليـم العـالي (وهـو يقـابل منصب الوزيـر الآن).

وفي عـام 1967 استقـال مـن منصبه متفـرغًـا للعمـل الفكـري ولنـدوتـه الفكـريـة التي كـان يعقـدهــا أســبوعيًّــا في منـزلــه بالجـزائـر العـاصمـة.

وقـد ســاهـم من خـلال هـذه النـدوة في التـأسيس للصحـوة الجـزائـريـة, حيث وجّـه شـباب الجـامعـة المـركـزيــة بالجـزائـر العـاصمـة الذين كـانوا يخضعــون نـدوتـه إلى ضـرورة العمـل داخـل الجـامعـة على إنشــاء مسجـد بهــا, فقـامـوا بـإنشــائـه بـالفعـل في سـبتمـبر 1968, ثــم قـامـوا ــ باقتـراح منـه كـذلـك ــ بتنظيـم أول معـرض للكتـاب الإسـلامي. كمـا كـان ظهـور الحجـاب في الجـامعـة بتـأثير من مــالك؛ فقــد بــادرت أربـع طالبـات من المتـرددات على نـدوتـه بارتـداء الحجـاب رغـم أن الجـامعـة كـانت يحـاصـر التيـار العلمـاني ــ الماركســي وقتئـذ.

وفي عـام 1972 أدى فريضــة الحج, وعنـد عـودتـه ألقى محـاضـرة في دمشق تحت عنـوان «دور المسـلم في الثُّلث الأخيـر من القـرن العشــريـن», كـانت بمثـابـة وصيتـه الأخيرة؛ حيث تـوفي بالجـزائـر بتـاريخ 31 أكتـوبر 1973 عـن عمـر ينــاهـز الثـامنـة والستين.

قـراءة في فكـره :

مالك بن نبي صـاحب مشـروع فكـري متكـامـل ومسـتقل يتميز بالشـمـول والعمق, فقـد كـان مفكـراً يحمـل هَـمّ أُمتــه منشغـلاً بالبحث عـن أسيـاب تخلفهــا واستسـلامهـا لوضعهــا في ذيـل الأمـم بعـد أن كـانت في صـدارتهــا. حــاول أن يجـد الإجـابـة في أطـروحـات رواد الإصـلاح, فـوجـد أن كـلاً منهـم ركـزّ عـلى جـانب من جـوانب المشكـلــة معتقـداً أنـه المعـوق لنهضـة الأمــة, فـرأى رجـل سيـاسي ـــ كجمــال الديـن الأفغـاني ــ أن المشكـلة سياسيـة تحـل بوســائل سيـاسيـة, ورأى عــالم ديـن ــ كـالشــيخ محمـد عبــده ــ أن المشكـلـة لا تُحـل إلا بإصـلاح العقيـدة والتـربيـة .. الخ. إلا أن كـل هـذا التشخيص لا يتنـاول ــ في الحقيقــة ــ المــرض, بـل يتحــدث عن أعـراضــه.«ونتج  عـن هـذا أنهـم منـذ مـائـة عـام لا يعــالجـون المـرض وإنمـا يعـالجـون الأعـراض, وكـانت النتيجـة قريبـة من تلـك التي يحصــل عليهــا طبيب يواجـه حـالـة مـريض يهتـم بهيجـان الحمـى عنـد المـريض. والمـريض نفســه يـريـد أن يــبرأ من آلام كثيرة : من الاستعمـار ونتـائجـه, من الأميـة بـأشــكـالهـا, مـن الفقـر رغـم غنــى البـلاد بالمـادة الأوليــة, من القهـر حقيقـة مـرضـه ولم يحـاول أن يعـرفــه, بـل مـا في الأمـر أنــه شــعـر بالألم الشــديـد فجـرى نحـو الصيـدليــة, يــأخـذ من آلاف الزجـاجــات ليـواجــه آلاف الآلامشـ». ]«شــروط النهضــة» ــ ص 45[.

ولهـذا وجـّه مـالك جهـوده إلى البحث في جـوهـر المـرض, وتـواصـل إلى أن أزمـة المســلم في جـوهـرهــا تعـود إلى غيــاب حضــارتـه, وغيـابـه عن صنع التـاريخ, وأن هـذا هو الإطـار الذي ينبغي أن ينتظـم كـل الجهـود الإصـلاحيــة, لنحـقق النهضـة التي طـال العمـل لهـا في العـالم الإســلامي.

«فالأزمـة في جـوهـرهــا أزمـة حضـاريـة, ولـم نتمكـن من حلهــا إلا إذا أمســـكنـا بقـوانينهــا, ونظـرنــا إليهــا بعــين التحليـل, وبحثنـا عن سنـة الله فيهـا». وهـذا مـافعلـه مــالك بــالتحـديـد, إذ دفعــه البحث في مشـكـلة الحضـارة الإســلاميـة إلى دراســة وتشـخيص مشــكـلات الحضـارة بوجـه عـام, وتحليـل عنـاصـرهـا, وكيفيـة تركيبهـا, ومـا الذى ينهض بهـا ؟ ومـا الذي يسـوقهـا إلى الانحـطـاط ؟ واســتخـدام في هـذا منهجـاً تحليليًّـا تركيبيًّــا نقـديًّـا. وقـد ســاعـده تكـوينـه الفكـري والمهنى كمهنـدس على أن يتجـه بفكـره وجهـة عمليــة لا تكتفى بالنظــرة التـأمليـة التجـريـديـة. كمـا أنـه ــ وفي طـريق بحثــه عن مخـرج مـن الأزمــة ــ لم يكتف بالاطـلاع العميق على ثقـافتــه الإسـلاميـة, بـل درس الثقـافــــة الغـربيـة وهضمهــا وسخــرهــا في خـدمـة رســالتـه, بـدلاً مـن أن تسخـره في خـدمتهــا كمـا حـدث لكثير من دونــه, وقـد عَصَمَــه من ذلـك ثبــات عقيـدتــه, وإخـلاصــه الشــديـد لأمتـه, وإدراكــه العميق لأوجـه القصـور في هـذه الثقـافـة.

ونظـراً لضيق المقـام ســنقـوم بإلقــاء الضـوء على بعـض مـن آراء مــالك في بعــض القضـايـا التي قـد تتضح من خـلالهـا بعض سمـات فكـره, والتي هي مـا زالت تشغـل عقل المسلـم :

أزمـة المســلم :

يرى مـلم أن المســلم يعـاني من أزمـة في العـلاقـة الاجتمـاعيـة بينـه وبين الإسـلام, تتمثـل في الانفصــال الذي يعيشــه بين العنصــر الروحـي والعنصـر الاجتمـاعي, بين المبـدأ والحيـاة. الانفصـال الذي يمـزق شخصـه شطــريـن : شطـراً ينظمــه في الشــارع, إلى جـانب شعـوره بالقلق نتيجـة تـأخره وتقـدم الآخـريـن.

وممـا يقتـرحـه مـالك ــ كســبيـل لمعـالجـة هـذه الأزمــة ــ عقـد مـؤتمـر إســلامي توضـع فيـه خطـة مســتوحـاة من الآيــة القــرآنيــة الكـريمــة : }إنَّ اللهَ لاَ يُغَيَّرُ مَـا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيَّـرُوا مَــا بـأَنْفُسِــهِم {]الـرعـد : 11 [يتـم فيهــا الإجـابـة عـن هـذه المســائـل :

أ ــ مــا الـذي يجب تغـيــيره في النفس الإســلاميــة لكـي نــبرئ (مـرض العـالم الإســلامي) ؟

ب ـــ مـا الـوســائـل والمنـاهج إلى هـذا التغـيير؟

جــ ومـا الهـدف ــ أو السبب النهـائي ــ الـذي يهـدف إليــه تغـييرٌ كهـذا ؟ ]«فكـرة الأفـريقيــة الآســـيويـة في ضـوء مـؤتمـر بــانـدونج» ص 247 ــ 248, «ميــلاد كجتمـع ــ شــبكـة العـلاقـات الاجتمـاعيـة» ــ ص 134 ــ 149[.

ومـرجـع ذلك أنـه كـان يـرى أن التغييـر يبـدأ في النفس أولاً, ثــم ينتقـل إلى الحيـاة الاجتمـاعيـة, وأن هـذا هـو الشــرط الجـوهـرى لكـل تحـول اجتمـاعي رشــيـد. وأن الإســلام ــ وحـده ــ هـو القـادر على إحـداث هـذا التغـيير؛ الإســلام المتحـرك في عقـولنــا وســلوكنـا, والمنبعث في صـورة إســلام اجتمـاعي, فهـو مـا زال محتفظًـا بمضـائــه الـذي صيغت بــه الحضـارة الإســلاميـة, كــدرّة فـريـدة في التـاريـخ, ولكـن المســلم هو الـذي فقــد استخـدامـه الاجتمـاعي. وليس معنـى ذلـك أن المســلم تخـلى عن عقيـدتــه تجـردت من فـاعليتهـا, لأنهــا فقـدت إشـعـاعهـا الاجتمـاعي. والمطـلوب ليس تلقين المســلم أو إعـادة تلقينـه عقـيـدتـه, بـل إعــادة تلقينـه اســتخـدامهــا وفعـاليتهـا في الحيـاة ]«شــروط.. » ــ ص96, «مشكلة الثقـافـة» ــ ص 78, «آفــاق جـزائريــة» ــ ص 168, «ميـــلاد.. » ــ ص 98 ــ 99[ . ولـذلــك دعــا إلى تنظيــم تعــليـم القـرآن, بحيث يوحـي مـن جـديـد إلى الضمــير المســلم الحقيقـة القـرآنيـة كمـا لـو كـانت جـديـدة نـزلت من فـورهــا مـن السمـاء على هـذا الضمـير ]«ميـلاد..» ص 157 ــ 159[. وهـذا الطـرح يتســع مع فكــرة رئيسـية يـؤمـن بهــا مـالك؛ وهـي أن نهضـة مجتمـع مـا تتـم في نفس الظـروف العـامـة التـى تـم فيهــا ميــلاده, وكـذلك يخضــع بنــاؤه وإعـادة هـذا البنــاء لنفس القــانـون؛ لـذلـك فــإن علينــا العـودة إلى الأصـول والمنـابع التى منهـا نَبَع تـاريخنـا «لا يصـلح آخـر هـذه الآمـة إلا بمـا صـلح أولهـا» ]«ميــلاد».. ــ ص 93, 101, 147 «بيــن الرشـــاد والتيـــه» ص 74, «شـروط..» ــ ص 28[.

مشكـلـة الاســتعمـار :

تعـد مشكـلة الاستعمـار من المشـكـلات الرئيســية التي ألحت على عقـل مـالك, وتعـرض لهـا في معـظــم كتـاباتـه, وكـانت لـه رؤيـة عميقـة في معـالجتهــا. فهـو من البـدايــة قـد أقـر بــأن الاستعمــار هو أفظــع تخـريب أصـاب التـاريخ, وأنـه يتحمــل جـانًبـا من المســؤليـة عن فـوضـى العـالم الإســلامي وتخلفــه, فهـو يهـدم مقـومــات البـلاد المستعمـرة ويحـول بينهـا وبيـن إعـادة بنـائهـا. ولا يكتفى بـاحتـلال أراضيهـا والاستيلاء على ثـرواتهـا, بل يعمـل أيضًـا على احتلال عقــل المســـتعمَـر ونفســه ]«في مهب المعــركـة» ــ ص57, «وجهـــة..»ص 108 ــ 118[.

لكنـه لم يتـوقف كثــيراً عن البحث في أسبـاب وجـود هـذا الشــر «الاستعمـار»؛ لأن ذلـك سيقحمنـا ــ كمـا تصـور مـالـك ــ في اتجـاه «عــالم الميتـافيـزيقــا»؛ حيث لا يمكـن أن تجـد حـلاً عمليًّــا للمشــكلـة, أو أي حــل؛ لأن عنــاصـر المشكـلة تصبح خــارج نطـاقنـا, وتحت تـأثــير مســببـات وعـوامـل لا تخضــع لإرادتنــا ]«الصــراع الفكـري في البـلاد المسـتعمـرة» ــ ص 64[ . ولـذلـك ســلك طـريقًــا آخــر مختلفًــا تمـامًـا ينطلق مـن هـذا الســؤال : لمــاذا نحـن المسـلميـن بالخصوص معـرَّضـون لهـذا الشـر ؟ وفي محـاولتـه الإجـابــة يُـركــز مـالك على البحث في الصفـات العقليــة والنفسيــة والاجتمـاعيـة التى تجعـل المســلميـن لقمـة ســائغـة للاستعمــار, وتجعـلهـم يمهّـدون له الطـريق, وييســرون لـه أداء مهمتــه على أكمـل وجـه. فَنَحَت مصطلحــه الشهير «القابليـة للاســتعمـار»كنقـولـة تفسـيريـة لهـذا الوضـع؛ مسـتهـدفًــا من ذلـك توجيـه المسلميـن إلى الأسبـاب الجـوهـريـة الحقيقيـة لخضـوعهـم للاسـتعمـار, مـؤكـدًا أن هـذا الاســتعمـار أثـر لتخلفهــم أكثــر ممـا هـو سـبب لـه, وأن الطـريق للتخلص منـه لا يتحقق بالاتجـاه إلى المســتعمـر ومطـالبتـه بالرحيـل, إذ أن ذلـك أسبـه بطلب الأسـير مفتـاح سجنـه من سجّـانـه, بل يتـم بالاتجـاه إلى الإنســان المســلم ذاتـه فنجعلـه يفكــر في اســتخـدام مـا تحت يـده من وســائـل العـارضـة, وأن يســتخـدم وقتــه في هـذا السبيـل, فلا يستســلم لخطـة إفقـاره وتحـويلـه كمًّــا مهمــلاً. ]«وجهـة..» ــ ص95 ــ 96[باختصـار : أن نـوفــر لــه الظـروف المـلائمــة التـى تجعـله يبني حضــارتـه مـن جـديـد, لا أن نجعـلـه ينتظـر الحصــول على حقـوقـه من طـرف خــارجـي دون أن يقـوم بـأداء واجبـاتـه. وهـذا هو الطـريق الوحيـد للقضـاء على الظـاهـرة الاستعمـاريـة, بـل ولتحقيق نهضـة المسـلميـن. ولـذلـك لمـا رحـل الاستعمـار العسكـري المبـاشـر عن معـظـم ديـار المســلميـن لم يعتـبر مـالك أن مشكـلة الاستعمــار قـد انتهت, وحـذّر المســلميـن من عـودتـه من جـديـد : «أريـد أن أذكّــر العــرب والمســلميـن بــأن (الـزرار) الـذي يصنـع بــه الاسـتعمـار معجـزاتـه, لا زال على أتـم اسـتعـداد للعمـل, فهــو مستقــر في نفوسنــا» ]«شــروط..» ــ ص 159 هــامــش 1) [وقـد أثبتت الأيــام صـدق رؤيــته, وبـدأ الاستعمــار المبـاشـر يعـود إلى أراضـي المســلميـن بشكــل أســوأ ممـا كـان.

مشكـلــة المـرأة :

بحث مـالـك مشــكـلة المـرأة في إطــار المنظـور الحضــاري الذي اعتبـره النمــوذج الذي ينبغـي أن تعــالج في ظلــه كـافــة المشــكـلات التـى يعــاني منهــا المجتمـع الإســلامـي, وقـرر أنـه لا ينبغـي أن نبحث مشــكـلة المـرأة بمعــزل عن مشكــلة الرجـل؛ لأنهمــا يشــكـلان في الحقيقـة مشكــلة واحـدة؛ هـي مشــكـلة الفــرد في المجتمـع. فضـلاً عن أن طـرح المشكـلة بهـذه الطـريقـة يجعــل كـلاً منهمـا في مـواجهـة الآخــر, وهـذا لا يحـققّ مصـلحــة المجتمــع, ويتنــافى مع كـون كـل منهــا شــقٌ للآخـر, ولا غنـى لأحـدهمــا عن الآخــر. وحــذّر مـن أن يكـون الـدافــع الحقيقي لبحث قضيـة المـرأة هو تحقيق مصلحـة المـرأة فقــط, ولـو كـان ذلـك على حســاب المجتمــع؛ لأن هـذا يــؤدي إلى تـدهــور المجتمــع وبالتـالى تـدهـورهــا هـي ذاتهــا بصفتهــا عضـوا فيـه. ]«شــروط..» ــ ص 123 ــ 125 [.

كمــا رفض تلك الأقــاويـل التي تقـوّلهـا على حقــوق المــرأة أدعيــاء تحـريرهــا, أو الــذيـن يطـالبـون بإبعـادهــا عـن المجتمـع, واعتبـرهــا مــالك مجـرد تعبير عن نـزعـات (جنسـيــة لا شعــوريـة) ]«شــروط..» ــ 127 [.

وقـرر أن تقـليـد المــرأة المسـلمــة للمـرأة الأوروبيــة لا يمثـل حـلاً لمشكـلة المـرأة بل يـزيـدهــا تعقيـداً, فحــال المــرأة الأوروبيــة لا تحســد عليــه, فقــد أدى خــروجهــا في مظهــر لا يخــاطب في نفس الفـرد إلا غـريـزتـه إلى آثـار خطـيرة كنـا نـود أن يكـون مجتمعنـا بمنجـاة منهـا, فمشــكـلة النســل في البلاد الأوروبيــة وصلت إلى حـالـة تـدعـو أحيـانـاً إلى الرثــاء, إذ إنهــا فقــدت تنظيمهــا الاجتمــاعي, فقــد جعـلت المجتمـع الأوروبي يعتــبر العـلاقـات الجنسيــة تســليـة للنفـوس المتعطـلـة, وبـذلـك فقـدت وظيفتهـا من حيث هي وسيـلة لحفظ الأسـرة وبقـاء المجتمـع.

وكـذلـك أدى نـزول المـرأة الأوروبيــة إلى العمـل في بيئـة ممتلئـة بالأخطـار على أخـلاقهـا, وقي ظـل حـريـة مشـئومـة ليس لهـا ولا للمجتمـع فيهـا نفع, إلى أن تفقـد المـرأة ــ وهي مخـزن العـواطف الإنسـانيــة ــ الشعـور بالعـاطفـة نحـو الأســرة, وأصبحت ــ لمــا ألقى عليهــا مـن أعبــاء العمـل ــ صـورة مشــوهـة من الـرجـل, دون أن تبقي امـرأة. ]«شــروط..» ــ ص 125[لـذلـك طـالب مـالـك بـأن تطبع حـركتنـا النســائيـة بطـابعنـا لا بطـابع مـا يصنــع في الخـارج. ]«بيـن الـرشــاد والتيــه» ــ ص 58[ولكنــه أوضــح أن مـا يقصـده «بطـابعنـا» ليس هو تلك العـادات والتقـاليـد التي تفصــل المـرأة عن دينـا النــاس بحجــاب تخفي بـه وجههــا, و(مشــربيـة) تـرى منهــا النـاس ولا يـراهــا أحـد, فهــذا ــ في نظـره ــ إســراف يعبـر عمـا يطبـع مجتمعـاتنــا من الميــل إلى الركــود والتخلف, كمـا يعبـر عمـا يراود أنفســنـا ــ أحيـانـاً ــ من ريــاء ونفــاق. وهـذا يعـد إفـراطًــا يقــابـل تفــريط الغرب ومبـالغتــه في تحـريـر المــرأة دون قيــد أو شــرط. «وجهــة..» ــ ص 121, «شــروط..» ص 127[.

إذن فكيف يرى مـالـك الســبيل إلى عـلاج مشــكـلة المـرأة ؟

يقــرر مـالـك أن حـل مشكــلة المـرأة لا يمكــن أن يقــوم بـه قــلم كـاتب في مقـال أو كتــاب, لأنهــا مشــكـلة متعـددة الجـوانب, ولهــا في كـل نـاحيـة من نـواحـي المجتمـع نصيب, وحلهــا يتطـلب ما يسميـه الفقهـاء «إجمـاعـاً», ولا وجهــة نظـر فـرد مهمــا كـانت قيمتهـا, ولـذلـك اقـترح عقـد مـؤتمـر عـام يشــارك فيـه إلى جـانب علمـاء الشــريعــة : علمــاء النفس. وعلمـاء التـربيـة والأطبـاء, وعلمـاء الاجتمــاع وغــيرهـم, يتنـاول مشكــلة المـرأة مـن جميـع أطـرافهـا, ويضـع تخطيطًــا في المجتمـع, وتكـون مقــرراتــه دســتورًا لتطـور المـرأة في العـالم الإســلامي.]«شــروط..» ــ ص 127 ــ 131,» في مهـب .. » ــ ص 139[.

وهكـذا يبيـن من معـالجــة مـالـك لهـذه القضـايـا مـدى مـا يتســم بـه فكــره مـن شمــوليــة والــتزام بالخط الفكـري الذي جـدده لنفســه من البـدايـة؛ وهـو أن يعـالج كـافـة المشــكـلات الجـزئيــة التي يعـاني منهــا المسلمـون من منظـور حضـاري. كمــا يظهـر من خـلالهــا تعـويـله على «الذات» في إنجـاز عمليــة التقـدم الحضــاري المنشــود, واهتمـامـه بمـراعـاة الخصـوصيـة الحضـاريـة عنـد البحث في مـشكـلات الأمــة, وعـدم انبهــاره بالحضــارة الغـربيـة, وإيمـانــه بـأنهــا تعــاني من أزمــة حقيقيـة. كمــا يتضــح مـا لأفكــار من تـوجهـات عمليــة تـدعـو إلى الفعـاليــة وتـلتـزم بالمنطق العلمـي في التفكـير والـذي يرى أن المســلم يفتقـده.

وهـذه الأمــور سـتتضح أكــثر من خـلال الاطـلاع على أطـروحـاتـه الرئيســية والتي سـنعـرض لبعضهــا ــ بإيجـاز ــ فيمـا يلي :

من أطـروحـاتـه :

1 ــ المنظـور الحضـاري :

المحـور الـرئيسـي الذي وهب لــه مـالك حيـاتـه, ودارت حـولـه أبحـاثـه, وعنــون بـه كــل كتبـه هو «مشكــلة الحضـارة»؛ إذ أنـه وجـد أن هــذه هي المشكــلة المـركـزيـة التي يعـاني منهـا العـالم الإســلامي, وأن عليـه إذا مــا أراد النهــوض أن يقــوم ببنــاء حضــارتــه من جـديـد. وأن ذلـك لـن يتـم باســتيراد منتجـات حضـارة أو حضـارات أخـرى وتكـديسهــا, ولكـن يتحقق ذاتيًّــا بتــركيب عنـاصـر ثـلاثـة : الإنســان والتـراب والوقت, على أن تقــوم الدينيــة بالتـأليف بين هـذه العنـاصـر.

( أ ) وقـرر مـالـك أن «الإنسـان» هو العــامـل الأهــم في تكـويـن الحضـارة, إذا تَحَــرَّكَ تَحَـــرَّكَ المجتمـع والتــاريخ, وإذا سكـن سكـن الجتمـع والتـاريخ, وهو الذي يعطـي العنصــريـن الآخـريـن قيمتهمــا, فهـو الذي يعمــل على الإســراع بعـامـل الـزمـن, وهـو الذي يتفـاعـل مع العنـاصـر المـاديــة التي يتضمنهـا التـراب, ثــم قبـل هـذا وبعـده هـو الذي يحمــل ويتلقي الشــرارة الروحيــة التي لابـد منهـا لحـركـة الحضـارة. ولكنـه يعـاني مـن أزمــة في العــالم الإســلامي, وهي عـزوفــه عن الحـركــة وقعـوده عـن السـير في ركب التـاريخ. ولـذا فـإنـه يجب علينـا أولاً أن نصــنع رجـالاً يمشــون في التــاريخ, مســتخـدميـن التـراب والوقت والمـواهب في بنـاء أهـدافهــم الكبـرى.

ولمـا كـان الإنســان في القـرن العشــريـن ـــ كمــا يلاحـظ مــالـك ــ يـؤثـر في المجتمـع بثلاثــة مـؤثـرات : بفكـره «ثقـافتـه», وعملــه ومـالــه, فـإنــه يجـب أن يـوجـد «توجيــه» للإنســان في هـذه الـدوائـر الثلاث.

والتـوجيـه ــ عنـد مـالك ــ هـو : «قـوة في الأســاس, وتـوافق في الســير ووحـدة في الهـدف؛ فكــم من طـاقـات وقـوى لم تســتخـد لأننـا لا نعـرف كـيف نكتّلهـا, وكـم من طـاقـات وقـوى ضــاعت فـلم تحقق هـدفهـا, حين زاحمتهـا قـوى أخـرى صــادرة عـن المصـدر نفسـه متجهـة إلى الهـدف نفسـه !

فالتـوجيــه هو تجنب هــذا الإســراف في الجهـد وفي الوقت, فهــنــاك مــلاييـن السـواعـد العـامـلة العقـول المفكـرة في البلاد الإسـلاميـة صـالحـة لأن تُســتخـدم في كـل وقـت, والمهـم هـو أن نـدير هـذا الجهـاز الهـائـل في أحسـن ظـروفـه الزمنيـة والإنتـاجيـة لكـل عضـو مـن أعضـائــه. وهــذا الجهـاز حين يتحـرك يحــدد مجـرى التــاريخ نحـو الهـدف المنشــود, وفي هـذا تكمـن فكــرة توجيــه الإنســان الذي تحـركـه دفعــة دينيـة, وبلغـة عـلم الاجتمـاع : الـذي يكتسب مـن فكـرتـه الدينيــة معنـى (الجمـاعـة) ومعنـى (الكفــاح). ]«شــروط» ــ ص 81 ــ 84, «حـديث في البنــاء الجـديـد» ــ ص 62, 50 ــ 78[ .

( ب ) أمــا عنصــر «الـتراب» فيعنـي بـه مــالـك الإمكـانـات الطبيعيـة أو الوســائـل المـاديـة اللازمـة لتكــويـن الحصـارة. وهو يتكــلم عنـه من حيث قيمتـه الاجتمـاعيـة والتي تُســتمـد من قيمــة مالـكيـه؛ فحينمـا تكـون الأمــة مـرتفعــة وحضـارتهـا متقـدمـة يكـون التـراب غــالب القيمـة, وحيث تكـون الأمـة متخـلفـة يكـون التـراب على قـدرهـا من الانحطــاط, وهـذا هـو حـال التـراب في أرض الإسـلام اليـوم, بسبب تـأخـر القـوم الــذيـن يعيشــون عليــه. فهــا هي رمــال الصحــراء اغــزو الأراضــي الخضــراء على امتـداد البـلاد الإســلاميــة ونحن نقف إزاء هـذا الغـزو مـوقف الضعيف الجبـان؛ فنقـوم بالفــرار من هـذه الأراضـي إلى غيرهــا بـدلاً من أن نبحث عن حـل عملي نواجــه بـه تـلك المشكــلة التي تهـدد كيـاننـا. مع أن الحل يسير لا يحتـاج سـوى أن ننتصـر على أنفسـنـا الخـاملــة الكـسولـة فنقـوم بغـرس الأشجــار لنـوقف غـزو الرمــال على أراضينـا, مثلمـا فعـلت فـرنســا وروسـيـا وهـولنــدا من قبـل. وعنـدئـذ نكــون قــد انتصـرنـا على أنفســنـا وعلى أهـوال الطبيعـة. ونكـون قـد أخضعنــا الــتراب ومهـدنـا فيــه لحضــارتنـا, ولم نعـد نخـاف نوائب الزمــن. ]«شـــروط..» ــ ص 139 ــ 144[.

( ج ) وثـاث هـذه العنـاصـر : الوقت أو «الـزمـن», يصفـه مـالك بـأنــه نهـر قـديــم يعـبر العـالم, ويـروي في أربـع وعشــريـن سـاعـة الرقعــة التي يعيش فيهـا كـل شعب والحقـل الـذي يعمــل بـه. ولكنــه نهــر صـامت حتى أننـا ننسـاه أحيـانـاً, وتنسـى الحضـارات ــ في سـاعـة الخـلوة أو نشـوة الحظ, قيمتـه التى لا تعــوض. كمـا هـو الحـال في العـالم الإســلامي الذي لا يـدرك قيمــة الوقت, ولا يعــرف الآن فكــرة (الزمـن) الــذي يتصــل اتصــالاً وثيقــاً بالتـاريخ, مـع أن فلكيًّــا عـربيًّــا مســلمـاً «هو أبـو الحسـن المـراكشي» يعـد أول مـن أدرك هــذه الفكـرة الوثيقـة الصـلة بنهضـة العـلم المـادي في عصـرنـا. ولـذلـك طـرح مـالك فكـرة أن نتبع أســلوبًا تـربويًّــا يســاعـد على غـرس قيمـة الـزمـن في العقـل الإســلامي, أي في أســلوب الحيــاة في المجتمـع وفي ســلوك أفــراده, يتمثــل في تعليــم الطفـل والمـرأة والـرجـل تخصيص نصف ســاعـة يـوميًّــا لأداء واجب معـيـن (لمصـلحـة المجتمـع), فــإذا حـدث ذلـك ســيكـون لـدى فكـل فـرد في نهـايـة كـل عـام حصيـلة هـائـلة من سـاعـات العمـل لمصـلحـة الحيـاة الاجتمـاعيـة في جمـيع أشكـالهـا, وســترتفـع كميـــة حصـادنــا العقـلي واليــدوي والــروحــي؛ وهــذه هي الحضــارة. ]«شــروط..» ــ ص 146 ــ 147[, ]«بيـن الرشـاد والتيـه» ــ ص 59[.

( د ) ولكـن تـوافـر هـذه العنـاصـر الثـلاثـة منفصــلة لا يكفي بـذاتـه لتقــوم الحضـارة بصــورة تلقـائيــة؛ بـل يجي أن يتـوافـر عـامـل أو «مـركب حضـاري» يقـوم بالمـزج بيـن هـذه العنــاصـر بعضهــا ببـعض. والتحليــل التـاريخــي ــ كمـا يـرى مـالك ــ يـدل على أن «المـركب» الــذ رافق دومًــا تركيب الحضــارة في التــاريخ هـو «العقيـدة الدينيــة». فالحضـارة ــ في نظـر لا تظهـر في أمــة مـن الأمـم إلا في صـورة وحـي يهبـط من السمـاء يكـون للنـاس شـرعـة ومنهـاجًـا, أو هـي ــ على الأقــل ــ تقــوم أسسهـا في توجيـه النـاس نحـو معبـود غيبـي بالمعنـى العـام, فكـأنمـا قـدر للإنســان ألا تشــرق عليـه شمس الحضـارة إلا حيث يمتـد نظـره إلى مـا وراء حيـاتـه الأرضيــة. وينطبق ذلـك على الحضـارة البـوذيــة, والحضـارة البـرهميـــة .. وكـذلـك على الحضـارة الغـربيـة, والتي يبــرز أثـر الفكـرة المسيحيـة في تـركيبهـا.

أمـا بخصـوص الحضـارة الأســلاميـة فـإن أثـر الإســلام فيهـا أشــد وضـوحـاً وأوثق ارتبـاطًـا؛ فقــد كـانت عنــاصـر الحضـارة في جـزيرة العـرب راكـدة خـامـدة’ مكـدسـة لا تـؤدي دوراً مــا في التـاريخ, حتـى إذا ما تجلت الروح بغـار حـراء, نشــأ من بيـن هـذه العنـاصـرالمكـدســة حضـارة جـديـدة, فكـأنمـا ولـدتهــا كلمــة «اقـرأ» التى أدهشـت النبي الأمــي وأثــارت معــه وعليـــه العــالم. فمـن تلك اللحظــة وثبت القــبائـل العـربيـة على مسـرح التـاريخ, حيث ظلت قـرونًـا طــوالاً تحمـل للعــالم حضــارة جـديـدة, وتقــوده إلى التمــدن والـرقــــي. ]«شــروط..» ــ ص57[.

وليس معنـى توافـر «عنـاصـر الحضـارة» و «المـركب الحضــاري» أن الحضــارة تستمـر على حـالهـا من القـوة والنهـوض إلى مـا لا نهـايـة, إذ أن هـذا يكـون مخـالفًــا لسنـة الله في خلقــه, كمـا أنــه لا يتــوافق مع حــركــة التــاريخ, فــإن «للتـاريخ دورة وتسـلســلاً, فهـو تـارة يســجـل للأمــة مـآثر عظيمـة ومفـاخـر كـريمـة, وهو تـارة يلقـي عليهــا دثـارهــا ليسلمهــا إلى نومهـا العمـيق. واستشهـد بقــولــه تعـالى : }وَتِلْــكَ الأَيَّـامُ نُـدَاوِلُهَــا بَيْـنَ النَّــاس {(آل عمــران : 140) وأخـذ بنظـريـة «الـدورة الحضـاريـة» التــى وضعهــا ابـن خـلــدون ــ مـن أن الحضـارة تمــر بثـلاث مـراحـل : الميــلاد ثــم الصعــود إلى القمـة «الأوج» ثـم الأفـوال (أو مـراحــل :  «الــروح» و «العـقــل» و «الغـريـزة» كمــا أطلق عليهــا مـالـك), ولكنـه لم يسـلم بحتمـية انهيـار الحضـارة وأنهــا إذا مـا انهــارت لا تعـود أبـدًا للوجـود ــ كمـا ذهب ابـن خـلـدون, وقـرر أن اتجـاه تطـور الحضـارة وأجـلــه يخضعـان لعـوامـل نفسيـة ــ زمنيـة يمكـن للمجتمـع المنظـم أن يعمـل في نطـاقهـا حـين يعــدل حيـاتـه, ويسعـى نحـو غـايـاتـه في صـورة متجـانســة منسـجمـة. وهـذا لـن يتحقق إلا إذا كـان المجتمـع على وعي كــامـل بمكـانـه من دون التــاريخ, ومـدركًـا لأوضـاعـه, ومـا يعتـريـه من عـوامـل الانحطـاط, ومـا ينطـوى عليـه من أسبــاب التقـدم حتى يعــرف عـوامــل النهضــة أو الســقـوط فى حيـاتـه.

ولهـذا فقـد قــدم مـالـك بـدراســة مـراحـل تطـور الحضـارة الإســلاميـة, وخـلص إلى أن هـذه الحضـارة قــد انطلقت بفضــل الدفعــة الـروحيــة الهـائـلة الـتي أوجـدهــا الإســلام في نفــوس المســلمين بحيث هيمنت الـروح تمـامًــا على الغـترائـز, وبلغت «شـبكـة العـلاقـات الاجتمـاعيـة» قمــة كثـافتهــا فكــان المجتمـع كـالبنيـان المـرصـوص, حتـى وقعت مـوقعـة صفيـن سـنـة 38 هجـريــة جيث بـدأت المـرحـلـة الثـانيــة من مـراحـل الحضـارة الإســلاميـة, فــأخـرجت هـذه الواقعـــة الحضــارة الإســلاميـة إلى طـور القيصـريـة الذي يســوده عـامـل العقــل, وتـزينـه الأبهـة والعظمـة, في الوقـت الذي بــدأت تظهـر فيــه بوادر الفتـور الـدالـة على أفـول الـروح. فخــرجت الحضـارة الإٍســلاميـة من عمـق النفــوس كقـوة دافعــة إلى سـطـح الأرض تنتشـر أفقيًّـا من شــاطـئ الأطلنطـى إلى حـدود الصيـن.

وظـلت هـذه المـرحــلة حتـى عصـر ابـن خـلـدون حيث بــدأت المـرحـلـة الثـالثــة, وهي مـرحـلة  «الغـرائـز», فقـد خـلت من الـروح والعقـل معًـا وانطلقت الغـرائـز الدنيــا من عقـالهــا, لكـي تعـود بالإنســان إلى مسـتوى الحيـاة البـدائيــة. فســادت الفـرديـة تبعًـا لتحـرر الغـرائـز, وتفســحت شـبكـة العـلاقــات الاجتمـاعيــة نهـائيًّــا. وهـنـا تنتهـي الوظيفــة الاجتمــاعيـة للفكـرة الدينيــة التي تصبح عـاجـزة تمـامًــا في مجتمـع منحـل دخـل في ليـل التــاريخ. ]«شــروط..» ــ ص 52 ــ 80, «وجهـــة..» ــ ص 25 ــ 33, «ميـلاد..» ــ 94, 96[.

2 ــ الدعـــوة إلى منهــج جـديــد في تفسـير القــرآن :

رأى مــالـك أن الـدراســات الأولى لإعجــاز القـرآن انصب اهتمـامهــا على الجـوانب البيـانيـة واللغـويـة وعلى الـتذوق العلمـي, وأنــه نظـراً للتغــيرات الثقـافيـة والاجتمـاعيـة التى مـر بهــا العـالم الإســلامي ينبغــي تعـديــل هـذا المنهـج والاعتمـاد بـدلاً منـه على أسمـاه «تطبيق التحـليل النفسي لـدراســة القـرآن بوصفـه ظـاهـرة». وقـد قــام بتطبيق هـذا المنهـج في أول كتبـــه : «الظــاهـرة القـرآنيــة», وفي ثنـايــا بعــض كتبـه الأخـرى ]مثــل : «شــروط..» ــ ص 54 ــ 66», «دور المســلم في الثلث الأخــير من القـرن العشــريـن» ــ ص9[؛ فتنــاول الآيــة القـرآنيــة من جهــة تـركيبهـا النفسـي المـوضـوعي مسـتهـدفـًـا إيجـاد منهـج اجتمـاعي في التفســير يعيــد إلى الآيــة القــرآنيــة فاعليتهــا الـروحيــة ووظيفتهـا الاجتمـاعيـة في نفس المســـلم بحيث تســتخـدم الآيــة كـأنهـا فكــرة مـوحـاة, لا فكــرة محـررة مكتـوبـة, كضــوء آخـذ يتنـزل من السمـاء فيضيء ويهـدي, ويمـلي على الفـرد ســلوكًــا جـديـداً يجــذبــه جـذبًــا إلى حيــاة العمـل والنشـاط. منهـج لا يعـزل الإســلام, وبالتـالي التفسـير, عن حـركـة الأفكــار في العـالم عــامـة وعـن الحيـاة الاجتمـاعيـة خـاصـة, وكـذلـك يقـوم بتفعيـل فهــم المســلميـن للقـرآن الكـريـم. والفهـم السـليـم في نظـره هو الـذي يستلهـم الوقـائع الاجتمـاعيـة والتـاريخيـة التى تقـع تحت سمع النـاس وأبصـارهـم. ]«الظـاهـرة القـرآنيـة» ــ ص 53 ــ 68 «وجهــة..» ــ ص 157 ــ 159[.

3 ــ تـأســـيس علــم اجتمــاع خـاص بالعـالم الإســلامي :

طـالب مــالـك بتـأســيس علـم اجتمـاع خـاص بالعـالم الإســلامي, يبــدأ بـدراســة الأمـراض التى أصـابت شــبكـة عـلاقـاتـه الاجتمــاعيـة بــالاضطـراب من جـراء خضـوعـه لســلطـان الاستعمـار, وليكـون بين يـدي مـن يشــرف على أجهـزة الـدولـة أداة رقـابـة لا تنفصـل عـن جهـاز التخـطيط. على أن يكـون منهـج هـذا العلـم شــاملاً, أي أن يتنــاول الإحصــاء والتفســير, أو بعبــارة أخـرى ينبغـي أن يعنـى بالكشف عن حـالـة الشـاذة من نـاحيـة, وأن يـدرس مصــدرهــا أو تـاريخهــا من نـاحيـة أخـرى. ]«بيـن الرشـــاد..» ــ ص 37, 35[وبــارد مــالـك بتقــديـم نمــوذج للـدراســة الاجتمــاعيــة من منظــور علـم الاجتمــاع إسـلامي, يعتمـد على الوحـي في منطـلقـاتـه من خـلال كتـابــه «ميــلاد مجتمــع ــ شبكــة العـلاقــات الاجتمـاعيــة», وكـذلـك في بعـض كتبـه الأخـرى.

وممـا يشــار إليـه أن مثــل هـذه الأطـروحـة اســتحـالت همًّــا فكــريًّــا ومعـرفيًّــا يقــوم على تخقيقــه الكثــير من العلمــاء والبـاحثيـن المســلميـن, وبعــض المنظمـات الإســلاميــة (كــالمعهـد العــالمـي للفكــر الإســلامي) يســـتهـدف تـأصيـل العـلوم الاجتمـاعيـة تـأصيلاً إســلاميًّــا يتجنــب مـا في العـلوم الغـربيــة مـن إحــالات فلســفيـة مــاديـة مســتغـرقـة في الـذات الغــربيـة, ولا تتفق مع أحـوال المجتمـع الإســلامـي ومـرجعيتــه الفكـريـة والثقـافيــة.

4 ـــ إقـامـة كـومنـولث إســلامي :

وفي مـواجهـة حـالـة الفـرقــة والتمــزق التـى يعيشهـا العـالم الإســلامي وانقســامـه دويـلات متنـاقضــة متخـاصمــة ممـزقـة الأوصــال, بحيث أصبحت بلا كيـان وبـلا قــاعـدة روحيــة وأخـلاقيــة, طــرح مــالـك فكــرة كـومنولث إســلامي, يتمثــل في فكــرة ســاميـة هي الإســلام وتمثــلـه من النـاحيـة التنظيميـة هيئـة, قـد نسـميهـا الخـلافــة.

واعتــبر أن الكـومنولث الإســلامي ضـرورة تـاريخيـة تـدعـو الشـعـوب الإسـلاميـة إلى حلبــه التـــاريخ لا في صـورة «إمبـراطـوريـــة» ولكـن في صـورة «حضـارة», توظف الطـاقـات الاجتمـاعيـة المـوجـودة, وتنشــئ تـدريجيًـا وسـائـلهــا الفنيـة بقــدر مـا تتخـلص من من رواسب ومعـوقـات مــا قبــل الحضـارة. ويجب أن يكـون «الكـومنـولث» ــ بجــانب ذلــك ــ نظـامًــا أخــلاقيًّـا وإشــعـاعًـا روحيًّـا لمـواجهـة الأزمـة الاجتمـاعيـة داخـل دار الإســلام, والأزمـة النفســية التى تغمـر الإنسـانيـة كلهــا مـن نـاحيــة أخــرى. ]«فكــرة كـومنـولث إســلامي» ــ ص 8, 57 ــ 66[.

5 ــ فكــرة الأفـريقيـة الآسيـويـة :

دعـا مــالـك إلى تعمـق فكــرة قيـام كيـان سيـاسـي أفـريقي آسـيوي, والتى انطلقت في مـؤتمـر بـانـدونج سنـة 1955, لتصبح فلسفـة عـالميــة وإنسـانيـة انطـلاقـاً من تلاق ثقـافي أفـريقي آسـيوي, مـؤكـدًا على أهميـةً أن تظهـر الفكـرة الأفــروآســـيويـة كـقـوة أخــلاقيـــة صـالحـــة لأن تبعـث على نمـو الشــعوب الأفـروآســيويـة (من طنجــة إلى جـاكـرتـا) وتحـافـظ على التـوافق والانسجــام بيـن مقتضيـات هـذا النمـو والمصلحـة العليـا للإنســانيـة بحيث تكـون هـذه المنطقـة محـور «القـوة» الممتـد مـن واشنطـن إلى موسكــو. الســلام بمعنــاه الإنســاني الحقيقي الذي تضمنــه المبــادئ تحت رقـابـة فعـالــة من الضمــير العـالمـي, وليس ــ كمـا يطـرحـه محـور القـوة ــ مجـرد نتيجـة لحـرب ظـافـرة يحميـه الســلاح.

إن مالكًــا كــأن يرى أن حـل الأزمـة العـالميــة في قيــام حضــارة تحمـل في مضمـونهـا بضـاعـة روحيـة تضـع حـداً لنهــم القنبـلــة الذريــة. وإن هـذه لمهمـة الشعـوب الأفـروآسـيويـة المتـأهبــة للحضـارة. على أن يقـوم الإســلام بـدور الجســر الذي يصـل بين الأجنـاس والثقـافـات باعتبـاره «عـامـل بـلـورة, وعنصــراً جـوهـريًّــا إذا مـا أردنــا تكـويـن حضـارة عـالميــة». ولكـن هـذا مشــروط بـأن يرفـع المســلم مســتواه إلى مســتوى الحضــارة أو أعلى منهـا : «إذ بمقـدار مـا يرفـع المسـلم مستـواه إلى مستـوى الحضـارة, بمقــدار مـا يصبح قــادرًا على تعمـيم ذلـك الفضــل الـذي أعطـاه الله لـه (أعنى دينــه). إذ عنـدهــا فقـط يصبح قـادرًا على بلـــوغ الحقيقـة الإســلاميـة, واكتشــاف فيـم الفضيلــة الإســلاميـة ومـن ثــم ينــزل إلى هضــاب الحضـارة المتعطشـة فيـرويهــا بالحقيقـة الإســلاميــة وبـالهـدى, وبـذلـك يضيف إليهــا بعـدًا جـديـدًا, لأن الحضـارة الإلـكترون, اكتســبت هـذه الأشيـاء وضيعت بعـدًا آخـر تشعـر بفقـدانـه وهــو بعـد الســمـاء». ]«الفكـرة..» ــ ص102, 26, «دور المســـلم..» ــ ص 29, مشكـلـة الثقـافـة» ــ ص 125 [.

وكــأن مـالكًــا يـقــول لفـوكـويـامـا : إن التـاريخ قــد انتهـى بـالفعـل, ولكنــه تـاريخ الحضـارة الغـربيـة التي بلغت طـورهـا الأخـير (طـور الغـريـزة), وأن الوقت حـان لتبـدأ دورة جـديـدة للحضـارة الإســلاميـة تنتشـل فيــه العـالم مـن الضيــاع الذي أوشـك أن تـوقعــه فيـه تلك الحضـارة الغـربيـة المُنحـلَّــة بعـولمتهـا الـديكتـاتوريـة الهمجيـة, وعلمهــا الذي نـزعـت عنـه الضـمير.

من مصطلحـاتـه ومفـاهيمــه :

القـابليــة للاستعمــار :

يقصــد مــالـك بالقـابليــة للاســتعمـار : مجمــوع الخــواص الفكـريــة والنفســية والاجتمـاعيـة التي تجعـل مجتمعًـا مـا في وضـع مهـيئ للاســتعمـار ســواء تم اســتعمـاره بالفعـل أو لم يتـم. فالقـابليـة للاستعمـار هي التي تـدعـو الاســتعمـار, والتخلص من الاستعمـار لا يتـم إلا بالتحـرر منهـا أولاً : «إن هنــاك نتيجـة منطقيـة وعلميـة تفـرض نفسهــا, وهي أنـه لكـي نتحـرر مـن (أثـر) هو الاســتعمـار, يجب أن نتحـرر أولاً من (سببـه) وهـو القـابليــة للاســتعمـار». ]«وجهـة..» ــ ص 95[.

والعـالـم الإســلامـي ــ في رأي مـالـك ــ مصـاب بهـذه القـابليــة منـذ ســقـوط دولـة المـوحـديـن, والاســـتعمـار لم يفعـل شــيئاً ســوى أنه اسـتغـل حـالـة التخلف الحضـاري التي يعيشهـا المسـلمـون : «إن القضيـة عنـدنـا منـوطــة أولاً بتخلصنــا ممــا يســـتغله الاسـتعمـار في أنفسـنـا من استعـداد لخـدمتـه, من حيث نشعـر أو لا نشعـر, ومـا دام لـه ســلطـة خفيــة على تـوجيــه الطـاقـة الاجتمـاعيـة عنـدنـا, وتبـديـدهــا وتشـتيتهــا على أيـديـنـا, فـلا رجـاء في اسـتقـلال, ولا أمـل في حـريـة, مهــا كـانت الأوضــاع السـياســية, وقـد قــال أحـد المصـلحيـن : «أخـرجـوا الاســتعمـار مـن أنفسـكـم يخـرج مـن أرضكـم». إن الاستعمــار لا يتصـرف في طـاقتنـا الاجتمـاعيـة إلا أنــه درس أوضـاعنـا النفسيـة دراسـة عميقـة, وأدرك منهـا مـوطـن الضعف, فســخـرنـا لمـا يريـد كصــواريخ مـوجهـة يصيب بهـا من يشــاء؛ فنحـن لا نتصـور إلى أي حـد يحتـال لكي يجعــل منّـا أبـواقًــا يتحـدث فيهــا وأقـلامًــا يكتب بهــا, إنــه يســخـرنـا وأقــلامنـا لأغــراضـه, يســخـرنـا لـه بعلمـه وجهـلنـا». ]«شـــروط..» ــ ص 158 ــ 159[.

والـواقـع أن مـالكًــا قــد اسـتمـد فكـرتـه «القـابايــة للاســتعمـار» ليس فقـط مـن خـلال ثقـافتـه التـاريخيـة المـوســوعيـة, ولكـن نتيجـة اســتيعـابـه العمــيق لآيـات القـرآن الكـريـم التى تعـزو كـل ســيئـة تصيب الإنســان إلى نفســه :}وَمَـا أَصَـابَـكَ مِنْ سَــيَّئـةٍ فَمِــنْ نَفْسِــكَ {(النسـاء : 79), }قُــلْ هُـوَ مِــنْ عِنْــدِ أَنْفُسِــكُـمْ{  (آب عمــران : 165) }وَمَــا أَصَــابكُــمْ مِـنْ مُصِيبَـــةٍ فَبِمَــا كَسَــبَتْ أَيْـديِكُــمْ{  (الشــورى : 30)؛وتـرفـض أن يخضـع المســلم للظـلم بحجـة أنــه مســتضعف في الأرض : }قَـالُـوا فِيـمَ كُنْتُــمْ قَـالُـوا كُنَــا مُسْتَضْعَقِينَ فِي الأَرْض قَـالُـوا أَلَـمْ تَكُـنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِــعـةً فَتُهَــاجـرُوا فِيهَــا{(النســاء : 97). ومـن هنـا أدرك مـالـك أن الاسـتعمـار ــ كـالشيطـان ــ ليس له سـلطـان على أحـد : }أنَّمَــا سُــلُطَانُـهُ عَلَـى الَّذِيـنَ يَتَوَلَّـوْنَـــهُ وَالَّـذِيِن هُـمْ بـهِ مُشْــرِكُـونَ{  (النحــل : 100), }وَمَـا كَـانَ لِي عَلَيْكُــمْ مِـنْ سُـلْطَـان إلاَّ أَنْ دَعَـوْتُكُــمْ فَـاسْتَجَبْتُـمْ لِي فَـلاَ تَلُـومُونِــي وَلُـومُــوا أَنْفُسَــكُـمْ {(إبـراهيــم : 22). فــأطلق هـذا المفهـوم لا لتـبريـر خضــوع المســلميـن للاستعمــار (كمـا يحـلو للبعـض أن يـوظف هـذا المفهــوم) وإنمــا لاسـتنهـاضهـم وحثهـم على مقـاومـة ما في أنفســهم من آفـات تتيح للاستعمـار أن يخضعهـم لإرادتــه. ولـذلـك فـلو كـان مـالك حيًّــا لوجـد فيمــا يقـوم بـه شعـب فلســطيـن حـاليًّــا النمــوذج الــذي كـان يـدعــو إليــه.

شبكــة العـلاقـات الاجتمـاعيـة :

يعني بهــا مـالك : مجمـوعـة العـلاقـات الاجتمـاعيـة الضـروريـة النـاتجـة عن الصلات والعــلاقـات بين عــوالـم الفعـل الإنســاني الثلاث : الأشخـاص والأفكـار والأشيـاء. ويشــكـل الفـرد في هــذه الشــبكـة كُـلاًّ اجتمـاعيًّـا كبيـراً لــه أهــداف عـامـة وأدوار مستقـلة وثقـافيـة فـرعيـة, كمـا أن نشــأة هـذه الشــبكـة مـرتبطـة باكتمـالهـا مـع الـدين الإســلامي؛ لكـونهـا وسيـلة من وسـائـل تكـون الصـلات والـروابـط بيـن الأفـراد والمجتمعـات : «ومـن أجـل ذلـك كـان أول عمـل قـام بـه المجتمـع الإســلامي هو الميثاق الذي يربـط بـين الأنصـار والمهـاجـريـن. وكـانت الهجـرة نقطـة البـدايـة في التـاريخ الإســلامي, لا لأنهــا تتفق مع عمــل شـخصي قـام به النبي ـــ صّلى الله عليــه وســلم ــ, ولكـن لأنهـا تتفق مـع أول عمــل قــام بــه المجتمـع الإســلامي, أي من تكـويـن شبكـة عـلاقـاتـه الاجتمـاعيـة, حتى قبل أن تتكـون تكـونـاً واضحًــا عـوالمـه الاجتمـاعيـة الـثلاث. فـإن التـاريخ إنمـا يبـدأ في الواقـع قبـل أن تتكـون هــذه العــوالـم, وذلـك واضـح في حـالـة المجتمـع الإسـلامي سـاعـة ميـلاده. كمـا انـه قـد ينتهـى أحيـانًـا ــ بينمـا المجتمـع غنـى بمـا فيــه من «أشــخـاص» و «أفكــار» و «أشــياء». كمــا قـد حـدث أيضًـا للمجتمـع الإســلامي إبــان أفـولــه, أي عنـدمــا نجـم في تطـوره مـركب القـابليـة للاســتعمـار. لقــد كـان المجتمـع الإســلامي آنــذاك غنيًّــا, ولكـن شــبكـة عـلاقـاتـه الاجتمـاعيـة قـد تمــزقت.» ]«ميـلاد..» ــ ص 30 ــ 31[ .

ومفهــوم «شبكــة العـلاقـات الاجتمـاعيـة ــ كمـا طـرحـه مــالـك في كتـابـه ــ أرحب سعــةً من مفهــوم المجتمـع المـدني, المتـداول حـاليًـا بشــكـل واســع في داوائـر العـلوم الاجتمـاعيـة, الــذي يقتصـر على المنظمـات اللاربحيـــة ويتنــاســـى دور المـؤسســات الطبيعيــة أو الأقـل اصطنــاعيـــة, وهي مـؤسسـات الأسـرة والجـوار والمسجـد, ولا يخفـى الـدور الذي قـامت به المـؤسسـات الخيـريـة الوقفيــة في التـاريخ الإسـلامي.

عصــر مـا بعـد المـوحـديـن :

يقصــد بــه مــالـك عصـر التخلف الحضــاري في العــالم الإســلامي, الـذي انتهـت مع بـدايتــه دورة الحضــارة الإســلاميـة, وبـدأ عهــد الانحطـاط الذي مــازال مســتمـراً حتى الآن, ويطـلق على مســلم هـذا العصــر «إنســان مــا بعــد المـوحـديـن» و«إنســان مـا بعـد الحضـارة» الـذي اعتبـره خَلَـف إنســان الحضـارة الإســلاميـة, وأنــه يحمــل في كيـانـه جميـع الجـراثيــم التـ