أبحاث

النظام العام في الشريعة الإسلامية (2)

العدد 112

إذا كان مسار البحث، وعلى ما سبق، في مجال الشريعة الإسلامية، ليفصح عن أن ثمة إطاراً مرجعياً عاماً يحيط الحياة الاجتماعة للفرد المقيم بالجماعة المؤتمرة بالمنظومة الإسلامية، كما يحيط الجماعة ذاتها ونظامها السياسي، فثمة تساؤل يلح في هذا الخصوص، عن هذا الإطار، ماهيته وعناصره وحدوده؟. وبمعنى آخر: بماذا ينضبط الحق ابتداء، وبماذا تتقيد الإدارة في أصل شرعتها، وماهية هذه القيود وكنهها؟ وهو التساؤل الذي تحاول التصدى له بهذه الجزئية.

فقط يتعين بداية، الإشارة إلى أنه، ولما كنا قد استبعدنا مفهوم النظام العام برؤيته الوضعية عن المجال المعرفي للشريعة الإسلامية بنظامها الشرعي القانوني، فمن المتعين أيضاً استبعاد كافة تصورات مفهوم النظام العام والتى انطلقنا منها في تعيين هذا المفهوم وأصلنا على هداها عناصره الأساسية. فنحن هنا بصدد دراسة إطار مرجعي يمثل في ذاته – ومن ضمن ما يمثله – دوراً ارتكازياً في الحياة القانونية للشريعية الإسلامية. هذا الإطار له تصوراته الخاصة وآلياته المستقلة، المبنية في مفاهيمها وحدودها وماهياتها، لتلك الخاصة بمفهوم النظام العام الوضعي على ماتقدم عند دراسته تفصيلاً بالفصل المنقضى.

فإذا كان، وكان مفهوم النظام العام لينطلق من حقيقة كونه حد على الإرادة وهي بصدد تصرف قانوني، وذلك وفق فهم القانون الوضعى، فإن للإطار المرجعي في الشريعة الإسلامية منطلقاً يتجاوز هذه الحدود. فهو ليس بحد على الإرادة المكتملة بحيث يرد من خارجها كما هو الحال في القانون الوضعى، ولكنه ضوابط لا تنشأ الإرادة منضطبة ابتداء إلا إذا التزمت إياه، ومن ثم فلا تكتسب الإرادة أي قدرة على الفعل إلا إذا إضيفت متوافقة لأحكام هذا الإطار ومن داخله منضبطة بمقتضاه؛ لذلك كان المنضبط بهذا الخصوص ليس الإرادة فقط وهي بصدد تصرف شرعي وإنما المنضبط كافة الأوضاع التى يتم بها الفعل الإنساني، سواء وجدت فيها الإرادة أو انتفت، وسواء أخذت أي من أشكال التصرف أو الوقائع، أكانت تصرفاً شرعياً أو تصرفاً فعلياً أو واقعة شرعية، بل إنه وفي أحوال قد يرتب التزامات دون أن يكون ثمة إرادة معتد بها تكون سبب هذا الالتزام (1). وعلة ذلك، أن هذا الإطار المرجعي المعنىّ لا يتعلق فقط بالتنظيم القانوني، وإنما هو بالأساس إطار مرجعي لتنظيم حياتي كوني، يتصل بالمنظومة القانونية كما يتعلق بغيرها من المنظومات الأخرى، وعلى قمة مدارجها منظومة المفاهيم الدينية العقدية والعبادية، مروراً بالمنظومة الخلقية المتعين سياتها داخل المجتمع المسلم والمنظومة الاجتماعية الخاصة بحدود العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين جماعاتهم الفرعية المنتمون إليها، فضلاً عن جماعتهم الأصلية، إضافة إلى المنظومة السياسية الاقتصادية المتبناة، وبمعنى آخر، ما المنظومة القانونية إلا آلية من آليات ضبط انفعال الحياة الإنسانية لمجتمع يتبنى عقديّاً الإسلام داخل أصل هذا الإطار المرجعي، وعليه فإن هذا الإطار وإن وجد أصوله من أكثر من الروافد وعلى ما يبين لاحقاً، فهو بالأساس يمتد في نفوذه متغلغلاً حتى أهون جزئيات النشاط الحياتي الفاعل، وهو وبامتداد مظلته على هذا النحو، يشمل النشاط الإنساني سواء الواعي المستند إلى إرادة واعية مدركة، كما يشمل نشاطه غير الواعي الذي قد يعترض فيه الإرادة عارض يؤثر على إداركها وهي بصدد الفعل المشروع فيه، وفي كل الأحوال يرتب من الآثار ما يكون كافلاً لرأب ما انخرم داخل هذا الإطار إزاء ذلك الفعل، وإن ترتب على ذلك آثار تلحق آخرين خلاف من قام بالفعل المعنّي. ومثال ذلك ما يترتب على إحياء الأرض الموات وهو مستطلح الأرض متعذر زراعتها وليست مملوكة لأحد، فلا خلاف في تملك محييها لها (2)، ويمثل هذه الحال، لسنا بصدد تصرف شرعي وإنما هو تصرف فعلي، رتب عليه الخالق الكريم آثاراً قانونية شرعية، أهمها تملك الأرض، وهو حكم قرره المولي عز وجل عند تحقق أحد العلل التى قررها سبحانه مناطاً للتملك، حيث يتعين مناط التملك في هذه الحال المائلة، بتوفر مفهوم عمارة الأرض وحصول نفع المسلمين، الأمر الذي انتفى معه عن حال كالتحجير إثر التملك. فالتحجير هو وضع الشخص حدود لأرض إعلاماً بنواحيها، إن المحجر لا يتملك هذه الحدود التى قام بوضعها وتظل هذه الأرض مباحاً، وعلة ذلك انتفاء مناط التملك في هذا الخصوص، إذ وبحسبان أن هذه أرض كلها أو بعضها ليست مملوكة له بأي من الوسائل المقررة شرعاً للتملك كما أنه لم يقم بإحيائها أي لم يتحقق مناط عمارة الأرض، فمن ثم ليس من مسوغ شرعي لتملك لها (2)، ومن أمثلة ذلك – ايضاً – الجواز الذي يرتب أحكام تتعلق بالميراث، وهي وقائع ليس ثمة إرادة فردية أو جماعية في حصولها، ورغم هذا تترتب الآثار القانونية الشرعية، وهي منضبطة بالحدود المقدرة شرعاً بالإطار المرجعي الإسلامي، وكذلك من الوقائع الشرعية التى ترتب التزامات وواجبات، أحوال إتلاف غير المميز أو المجنون مالاً للغير، فرغم ذهاب عقل الفاعل وانتفاء إدراكه ووعيه، فإنه يظل ضامناً في ماله ما قام بإتلافه، وهو أمر يتقرر بحكم ووجوب إزالة الضرر تفريعاً عن الأصل الكلي المتعلق بحديث الرسول (صلي الله عليه وسلم)«لا ضرر ولا ضرار».

الإطار المرجعي:

يقول الله تعالي في محكم البيان ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة : 50]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُالْفَاصِلِينَ﴾[الأنعام : 57].آيات عديدة وغيرها كثير، تفيد حاكمية الله تعالي على خلقه وعلى شئون حياتهم ومناهج تجمعهم الإنساني. فبموجب هذه الحاكمية تعينت مصادر النشريع وأدلته الشرعية، وتحددت أطر الولايات العامة والفرعية والشخصية، وتقررت حقوق الإنسان – الفردية والعامة – ، ودار كل هذا في فلك العقيدة الإسلامية خادماً لها، محققاً لمنتهاها؛ ليغدو التنظيم القانوني للتشريع الإسلامي تنظيماً للسلوك الإنساني – الفردي والجماعي الرسمي (للدولة وأجهزتها) ضابطاً له بإطار كلي عينه المولى عز وجل حاكماً بهذا السلوك عينه حاكماً لنهجه العقدى والفكري والخلقي، وهذا ما أطلقنا عليه الإطار المرجعي، بحسبانه الإطار الذي يطوى بين جنباته أسس الاعتقاد الإسلامي وكليات هذا الدين وأصول مبادئه، فتكون النظام القانوني الشرعي للإسلام، ليس تكويناً منعزلاً مستقلاً عن المنظومة الفكرية الإسلامية، وإنما هو نبت لهذه المنظومة آخذ منها محتد بحدودها منضبط بأصولها، وبالحال ذاته نافع لها مكمل لإطارها الكلي بحسبانه الانعكاس القانوني لأصول ومبادئ وكليات هذه المنظومة التى يتأصل عمدها على هدى منها. الأمر الذى كان معه نظام القانوني الشرعي، هو الحال التقنيني للشريعة الإسلامية، فإذا ما اتفقنا على تعريف هذه الشريعة بحسبها: مجموع الأحكام المأخوذة من القرآن الكريم وسنة رسول الله (صلي الله عليه وسلم) وما استقر في كتب الفقه الإسلامي منذ تأسست المذاهب الفقهية المختلفة وما تفرع عن أحكام القرآن والسنة من اجتهادات فقهاء، تبين قدر التنوع الموضوعي في الأحكام والقواعد التى ينطوى عليها النظام الشرعي القانوني الإسلامي، الذي يغدو مقتصراً على ضبط سلوك التعامل داخل المجتمعات على مستويات قطاعاتها المختلفة تراثيّاً، وإنما يمتد لينال بالتنظيم مجالات من العلاقات أكثر رقيّاً من ذلك، بداية من علاقة الإنسان بربه مروراً بعلاقاته الخلقية بالآخرين. إلى إن ينتهى بعلاقات القربى وما تفرضه ديانة من واجبات والتزامات ذات انعكاس قانوني في هذه المنظومة القانونية بالغة الشمول والاتساع.

ومن ثم، وعلى أصل ما تقدم، يمتاز النظام القانوني الإسلامي عن غيره من النظم القانونية الوضعية، بأن ليس ثمة انحسار لدوائر الأطر العقدية والعبادية والخلفية عن هذه المنظومة القانونية، وإنما تتداخل فيما بينها؛ لبناء قواعد السلوك الإنساني في ساحة المعاملات الإنسانية والجمعية ، ليتكون منها جميعها المنظومة القانونية الإسلامية. هذه المنظومة تمتد لكافة أصول الإسلام وكلياته ومبادئه وأسسه، العقدى والمعاملاتي، الخلفي والعبادي، دون تمييز بينها ودون انحسار عن أيها.

وهنا يتعين موضع بحثنا بهذه الجزئية، وذاك حول الإطار الذي يتشكل منه السياج المحيط ضبطاً بالمنظومة القانونية الشرعية في الإسلام، أي الإطار المكون لأصول الشرع التى لا خروج عليها ولا فكاك منها ولا التفات عنها ولأي نظام قانوني يبغي (أو يدعى) النسبة للفكرية الإسلامية. والناظر في هذا الخصوص إنما يجد تنوعاً لهذه الأصول الشرعية، ما بين القطعى وقسيم للقطعى، وذلك حسب معايير الاستدلال المتبناة توصلاً لهذا الإطار الكلي الذي تتشكل منه المرجعية العليا للنظام القانوني الإسلامي، أي هذا الإطار المرجعي، إنما تتوزع أصول أحكامه الشرعية ما بين دائرتين، الأولى دائرة الأحكام القطعية والثانية دائرة الأحكام قسمية القطعية.

أما دائرة القطعى، فهي الأحكام المحصلة مباشرة من النص – كتاب أو سنة – أو الإجماع، ومعيار الاستدلال المنتهج في هذا الخصوص هو المعيار النصي الذي بيحث في نصوص الكتاب الحكيم والسنة النبوية المشرفة وإجتماع الأمة لتحصيل أحكام قطعية، أي أحكام تدل بذاتها ووجودها على مدلولها مقطوع مقصودها وسند ورودها. وأما دائرة قسيم القطعي، فهي الأحكام المحصلة بطريق الاستقراء، أي المتواصل إليها ليس بالسبيل المباشر من ألفاظ النصوص، وإنما بطريق غير مباشر باستقراء النصوص واستنباط كلياتها وتخريج أصولها وأهدافها، وصولاً إلى تحصيل أحكام كلية للشريعة الإسلامية تكون أصلاً تركز عليه هذه الشريعة، على ما يضعه بدرج القطعى، فيغدو قسمياً له، ومعيار الاستدلال المتبع في هذا الخصوص هو معيار الاجتهاد البشري الذي يبذل فيه المجتهد جهده ويعمل عقله ويعتصر قريحته، لبلوغ هذه الدائرة من الأحكام.

بيد أن ثمة ملاحظة واجبة الإشارة تتمثل في هذا التصنيف لأحكام الإطار المرجعي ما بين قطعي وقسيم قطعي، ليس مفاده استقلال للدائرتين عن بعضهما البعض أو استغلال لمعياري الاستدلال الخاص بكل منهما، وإنما الأمر على خلاف ذلك، إذ إن كل من المعيارين يعتمد بالأساس على النص – الكتاب والسنة – وكل منهما يتطلب جهداً في تخريج الأحكام من النصوص، فقط يتوقف الجهد في الدائرة الأولى على تبين معاني دلالات ألفاظ النص، فيحصل بهذا الحد الحكم المتطلب، حال يستلزم الجهد في الدائرة الثانية مزيد من إنعام للنظر وضم نصوص وتخريج أحكام على أحكام، حتى يتوصل إلى الحكم المراد. وفي النهاية يتعين لدينا جملة من الأحكام ذات مصادر مختلفة بعضها يرتد وبشكل مباشر إلى الكتاب والسنة وبعضها يرتد إليهما بشكل غير مباشر عن طريق سبل الاجتهاد المختلفة، وهذا ما سوف يبينه البحث لاحقاً.

القطعي

عندما تتحدث عن القطعي فإننا نعنى بالأساس انتهاج معيار نصي بيحث في المصادر النصية المقدسة، أي في النص المقدس الذي يجد مصدره قطعاً وعلى نحو مباشر في أحكام المولى عز وجل الثابتة بكتابة الحكيم. أو يجد مصدره قطعاً فيما هو منسوب إلى الله وعلى نحو غير مباشر عن طريق نبيه المرسل بالسنة النبوية المشرفة، أو يجد مصدره في إجماع أمة محمد على حكم معين بأمر معين، ذلك أننا بصدد ثلاثة أنواع من النصوص بحسب مصدرها، فهناك النص القرآني، وهناك نص السنة المحمدية، وهناك النص المقرر بالإجماع بحسبه مصدراً للتشريع الإسلامي.

أولاً: نصوص القرآن الكريم:

وجميعها قطعى من وجهتى الورود (الثبوت) والدلالة… فأما قطعية الثبوت فتعني أنه من المقطوع به جزماً أن كل نص متلو من نصوص هذا الكتاب الحكيم هو ما أنزله الله تعالى على رسوله (صلي الله عليه وسلم) الذي بلغه بدوره إلى الأمه دون تحريف أو تبديل (3)، أي ثابت يقيناً أمر نسبته إلى الله تعالى. وأما قطعية الدلالة، فالثابت استقراراً فقهاً وأصولاً أن نصوص الكتاب الحكيم إنما يتم تصنيفها مابين نصوص قطعية الدلالة وأخرى ظنية الدلالة. والنص القطعى الدلالة إنما هو ما جاء بمعنى يتعين فهمه دون سواء ولا يتحمل تأويلاً فلا ينظر فيه إلى ترادف، ولا ينظر فيه إلى حقيقة أو بحاز؛ وذلك لكون المعنى المقصود واضح بذاته متعين دون غيره، كقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12]، أن الآية قاطعة في بيان فرض الزوج في هذه الحال لكون النصف، فالدلالة هنا قطعية (4). أما النص الظنى الدلالة فهو ما جاء بمعنى يحتمل هو وغيره، إذ بتطرق الاحتمال إلى الفهم تكون الدلالة ظنية، كقوله تعالي ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾[البقرة: 228]، لفظ قرء يحتمل أكثر من معنى، فقد يكون الطهر وقد يكون الحيض، وبهذا الاختلاف في المعنى أثره على الأحكام الفقهية الفرعية؛ ولذلك فلمثل هذا التعدد في المفهوم لفظاً من النص ولاحتماله أكثر من منعى تكون الدلالة ظنية (5).

ولايعنينا في هذا المقام بهذه الجزئية سوى الصنف الأول من النصوص قطعية الدلالة.

من ذلك يتبدى لنا أن النصوص القرآنية وهى ما بين قطعى الثبوت والدلالة، قطعى الثبوت ظنى الدلالة، إنما ينقطع يقيناً بأن الصنف الأول منها يكون القطعيات التى يتشكل منها الإطار المرجعى الأعلى بموجب قطعية ثبوت نسبتها لله تعالى وقطعية فهمنا لمقصود المولى عز وجل منها. هذا الصنف من النصوص يدخل هذا الإطار المرجعي، أيّاً ما يكون طبيعة أحكامه أو موضوعها، إذ لا فارق في هذا الخصوص بين نصوص تحمل أحكاماً عقدية أو خلقية وعملية.

أ‌-    الأحكام العقدية:

تعد النصوص القرآنية القطعية – ثبوتاً ودلالة – المنظومة على أحكام عقدية خاصة بأصول الاعتقاد الإسلامي، من مرتكزات الإطار المرجعي الأعلى، كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾[البقرة:285]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر:9]، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الواقعة:77-80]، وقوله:﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[البينة:1-5]، فهذه الآيات بما تنطوى عليه من تقرير بموجبه التسليم بالإيمان با لله تعالي وتعيين الفروع هذا الإيمان، تدخل الإطار المرجعي الأعلى بحكم قطعيتها الدلالية فضلاً عن الثبوتية، وتعد قيداً لكل تفكير تشريعي مما ليس معه ثمة سبيل للفكاك منه، إذ ليس بمقصود بأي تقنين إسلامي، احتمال نطاق نصوصاً تنطوي على تشكيك فيما تقدم أو انتقاص من اكتماله أو حتى مجادلة في دلالته، كما لا يحتمل هذا النظام أي تصرف أو فعل شرعي أو مادي، يتطاول على هذه الدلالات العقدية الكلية، بحيث إن وجد هذا الفعل أو التصرف، بطل، ولزم الجزاء حداً أو تعزيزاً حسب طبيعته. ويؤكد هذا، إن في المساس بأي من الإيمان أو فروعه، أو إنكار أي منها، فإن الله تعالى بقوله: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[النحل: 106، 107]، ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[البقرة: 217] فإن الله يقوله هذا – إنما يقرر كفران مقترفها، أي خيانته لله ورسوله وسائر المسلمين، ولا جدال أن هذا إنما يمثل خيانة لجماعته التى يحيا بين ظهرانيها، خيانة توجب إنزال أشد الجزاء، فليس من جريمة أشد من خيانة الجماعة والدولة القائمة عليها، الأمر الذي يفيد ارتكاز الإطار المرجعي الأعلى على أصل من هذه الأحكام العقيدية، التى تتشكل بها البذرة الأول لسند اجتماع الجماعة في هذا المجتمع الذي يتخذ الإسلام ديناً وعقداً دنيوياً ايضاً.

ب‌-الأحكام الخلقية:

أي تلك النصوص التى تنطوى على أحكام خلقية كقوله تعالى:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور: 30، 31] مثل هذه الأحكام إنما تُعد المرجع الشرعي الأعلى لأى تنظيم قانوني ينتظم حال المرأة وعلاقة الرجل بها، فيلزم النساء بالمجتمع على الاحتشام في الثياب وإلا كان التعزير واجباً، وكذلك هذه الأحكام الأخلاقية تعد المرجع والبُعد الشرعي للنصوص القانونية التى تعين حدود المحارم والتابعين مما لا غنى عنهم والذين يرتفع عنهم الحظر المقرر في الاطلاع على النساء، ومن ثم ترفع التعزيزالذي تتضمن النصوص العقابية الخاصة بالاختلاط بالأجنبيات.

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾[الإسراء: 26- 27]، ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا﴾[الإسراء: 31]، ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾[الإسراء: 32]، ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾[الإسراء: 33]، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾[الإسراء: 35]،وهي جميعها أحكام خلقية بالأساس تحثعلى الغير، وتضع في الحال ذاته تنظيماً كلياً للمحرمات، فالنفس حرام والفرج حرام ومال الغير حرام، ومن هنا كنا بصدد إطار مرجعي يخرج على القواعد الأخلاقية واجبات قانونية تقرر منع العدوان وتحدد المحرمات، وتضع – مع غيرها من نصوص الحدود الأخرى – الجزاء القانوني الشرعي على المثل هذه الأفعال(1).

جـ –الأحكام العلمية:

وهي النصوص التى تنتظم نوعين من الأحكام، أحكام العبادات وأحكام المعاملات:

1- النوع الأول وهو أحكام العبادات كالصلاة والزكاة والحج والنذر واليمين، كقوله تعالي:﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 215]، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة: 60]، أحكام قطعية الدلالة في تعيين مصارف الصدقات ومستحقيها وكذلك قوله تعالى:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[البقرة: 185]، أحكام قطعية تفصل العزائم من الرخص في الصوم بشهر رمضان، فتوجب الصوم على من يشهد الشهر قادراً وترخص بعذر عند المشقة المتحققة في أحوال المرض أو السفر، فيكون لها موردها القانوني عند تعين الحاجة كتعزيز الفاطر رمضان دون عذر.

2-أما النوع الثاني فهو أحكام المعاملات كالعقود والتصرفات والعقوبات والجنايات مما يقصد بها تنظيم علاقة المكلفين بعضهم بعضاً، سواء أكانوا أفراداً أو جماعات، وهي الأحكام التى تعد في الفهم القانوني المعاصر أحكاماً قانونية، وهي تنقسم إلى أنواع:

1.  أحكام الأحوال الشخصية التى تتعلق بالأسرة منذبدء تكونها وحتى انفصام عراها بالموت أو الطلاق إثر هذا الانفصام كذلك، كقوله: ﴿وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾[النساء:4]،تبياناً وعلى نحو قاطع لوجوب الصداق والمهر، وقوله:﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً﴾[النساء:22]، أحكام قاطعة في تعيين المحرمات من النساء، وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[البقرة:229- 230]، أحكام في بيان مرات الطلاق التى تحرم بعدها المطلقة على مطلقها، فلا يكون بمكنته مراجعتها، وهي قطعية لا خلاف حول دلاتها. وأخيراً وفي هذه الجزئية كافة أحكام المواريث وهي قطعية إطلاقاً باتفاق الفقه إجماعاً، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾[النساء:11]، قاعدة التوريث بين العصبات، وقوله:﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾[النساء:11]،﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾[النساء:11]،﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾[النساء:11]،﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْلَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾[النساء:11]، وهذه جميعها قواعد قطعية في توريث ذرى الفروض.

2.  الآحكام المدنية المتعلقة بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة، وشركة ومداينة ووفاء بالالتزام، وهي المنتظم علاقات الأفراد المالية وحفظ حقوق ذوى الحقوق وآياتها بالقرآن الكريم سبعون آية، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[المائدة:1]، في بيان وجوب تنفيذ الاتفاقات والعقود، وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لاَ تَأْكُلُوْا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾[النساء:29]، في بيان حرمة الغبن والغش والتدليس وكافة صور التغرير في العقود، وهذه الآيات، وللحق، مصدر للعديد من الأحكام الفقهية التى تنتظم شأن المعاملات في الشريعة الإسلامية، وكذلك قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[البقرة:278]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾[البقرة:275]،﴿يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾[البقرة:276]، وفي جميعها في مقام النهى تحريماً قطعياً عن الربا، وفصل حكمها عن حال البيع الحلال شرعاً.

3.  الأحكامالجنائية:وهي المتعلقة بما يصدر عن المكلف من جرائم وما يستحقه عليها من عقوبات قصداً لحفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم، فضلاً عن تعيين حدود علاقة المجني عليه بالجاني وبالأمة. مثال ذلك قوله تعالى:﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[المائدة:38]، في بيان حد السرقة، وقوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[النور:2]، في بيان حد الزنا وكيفية إيقاع الحد، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[المائدة:90]، في بيان حرمة الخمر والميسر والنهى القطعى عنها، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوْا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيْثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةً فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيْمًا حَكِيْمًا﴾[النساء:92]، في بيان جزاء القتل الخطأ وتنظيماً لعلاقة الجاني بأهل المجنى عليه. وقوله:﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾[النساء:93]، ثم قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[البقرة:178]، ثم قوله: في بيان حكم تحريم القتل العمد وجزاؤه الأخروى ثم الدنيوى مع تقرير جواز معافاة القاتل وأحكام الإعفاء حالتئذ.

4.أحكام المرافعات وهي المتعلقة بالقضاء والشهادة اليمين قصداً لتنظيم إجراءات تحقيق العدل بين الناس، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[البقرة:282]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[البقرة:283]،ويبين مما تقدموعلى نحو قطعى الدلاة وجوب اكتمال أهلية المتعاقدين واختبارهم أو من ينوب عن الضعيف منهم، ووجوب وصف وبيان محل العقد بما ينفى الجهالة، وكذلك الشروط الإضافية كالنص على أجل الاستحقاق، كما أوضحت هذه الآيات طرق الإثبات، فقررت الإفرار بالكتابة، والدليل بالنية، والتذكير بأداء الشهادة، كما قررت كفالة الوفاء بالرهان المقبوضة.

5.الأحكام الدستورية وهي المتعلقة بنظام الحكم بالمحكوم وأصوله قصداً لتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم وتقريراً للأفراد والجماعات من حقوق (6)، كقوله تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾[ال عمران:159]،
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[الشوري:38]، فالآية الأولي بالغة الدلالة في جوب الأخذ  بالشوري، إذ إنها نزلت في أعقاب هزيمة المسلمين بغزوة أحد، وهي الهزيمة التى ما كانت لتكون – بأمر الله – لو لم ينزل الرسول (صلى الله عليه وسلم)على مشورة صحابته في الخروج لملاقاة المشركين، إلا أنه ورغم ذلك استمر توكيد الله على رسوله الكريم بوجوب لزوم الشورى في كل ما يحتاج إليها، «والنص بهذه الصورة وفي هذه الظروف نص قاطع لا يدع مجالاً للشك في أن الشورى مبتدأ أساس من مبادئ النظام السياسي الإسلامي وقيمة عليا يجب على الأمة المسلمة أن تتمسك بها دائماً وتحت جميع الظروف (7). وأما الآية الأخرى فتفيد أن الشورى من خصائص الإسلام التى يجب أن يتحلى بها المؤمنون أكانوا جماعة لم تقيم عليهم دولة بعد أو كانوا جماعة تأسست لهم دولتهم بالفعل»(8). وكذلك من الآيات القطعية في خاصة هذا الشأن قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[ال عمران:104]، ويستدل العلماء من هذه الآية على تأكيد وجوب الشورى، ذاك أن الله تعالى ضمن توفر الشورى، أن استحدث آلية تقوم برقابة الحكام في أمر التزمهم بالشورى، بحسبان أن نقول الحاكم عنها يعين فرضاً على المحكومين الانتصاب للأمر بالمعروف والنهى عم المنكر، بدعوة الحكام إلى التزام جادة الصواب في هذا الخصوص ودرء ما لحق عملهم من مفاسد بدعوة الأمة إلى ترك المنكر والتزام المعروف (9). وكذلك من أحكام هذه الطائفة، قوله تعالى في معرض بيان التزام العدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾[النساء:58]،﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾[المائدة:8]، وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُوْنُوْا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ﴾[النساء:135]، وهذا توكيد من بعد توكيد على المكانة التى بلغ «العدل» شأوها في النظر الإسلامي، فالأمر بالعدل لم يكن ليتعداه فقط إلى ماهو بين المؤمنين من علاقات وحسب، بل امتد إلى ماهو قائم من علائق بين المسلمين وأعدائهم، بل أنه فاق هذا وذاك فلم يقتصر الأمر بالعدل على حدود الفعل والحكم بل تعداه إلى العدل أيضاً في القول، بقوله تعالى:﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوْا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوْا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ﴾[الأنعام:152]، وكذلك من الأحكام القطعية بالغة الأهمية في السياق، حق الجماعة في محاسبة الحكام، وهو المستدل عليه قطعياً بقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[ص:26]، وقوله تعالى:﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾[البقرة:204]، فمن الحكام فعلاً يعتبر فساداً في الرض أو اتباعاً للهوى يجب على الأمة أن تأمره بالكف عن مثل هذه الأفعال، وإلا كانت تقصره في واجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يستجيب وجب عليها أن تحاسبه في ذلك وتسأئله عنه» (11)،(12).

6.الأحكام الدولية التي انتظمت أمور معاملات الدولة الإسلامية وغيرها من الدول ومعاملة غير المسلمين القائمين بالدولة الإسلامية وذاك بأوقات السلم والحرب، كقوله تعالي ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[التوبة:29]، وقوله :﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[التوبة:36]، وقوله :﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[البقرة:190]، وقوله :﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾[ال عمران:140،139]، وقوله كذلك :﴿لَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾[النساء:90]، وقوله :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾[التوبة:6]، وقوله :﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة:8]، وقوله :﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الحجرات: 10،9]، وقوله :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[الأنفال: 67]، وقوله :﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾[محمد : 4]، وهذه جميعا أحكام قطعية قرها الله تعالى حاكماً أعلى، نحسبها المرجع في ضبط العلاقات بين الدول الإسلامية وبينها وبين غيرها من الدول غير المسلمة، وذلك إبان الحرب وإبان السلم، وكذا علاقة الدولة المسلمة بغير المسلمين القاطنين أرضيها، وكذا علاقتها بأسرى حربها بالدول غير المسلمية.

وبعد، فهذه كانت محاولة لمقاربة القطعيات بالقرآن الكريم، أي النصوص قطعية الثبوت والدلالة به، في محاولة تصنيفية لها، حيث تبين لنا من الدراسة السابقة أن القطعيات النصية بالكتاب الحكيم إنما تتوزع على ثلاث مجموعات أساسية، تتكون المجموعة الأولي من القطعيات العقيدية حال تتكون المجموعة الثانية من القطعيات الخلقية، وأخيراً تتكون المجموعة الثالثة من قطعيات نصوص أحكام المعاملات من أحكام أحوال شخصية وأحكام مدنية جنائية وأحكام مرافعات وأحكام دستورية وأحكام دولية.

ثانياً : نصوص السنة النبوية:

تحتل السنة النبوية المشرفة المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم بين مصادر الشريعة الإسلامية. والمعنىّ بها كل ما روى عن الرسول الكريم محمد (صلي الله عليه وسلم) من قول أو فعل أو تقرير. فالسنة القولية هي أحاديثه المشرفة التى قالها في مختلف الأغراض والمناسبات كقوله (صلي الله عليه وسلم): «لا ضرر ولا ضرار» وقوله «في السائمة الزكاة» ، وقوله عن البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ، والسنة الفعلية هي أفعاله (صلي الله عليه وسلم) كأدائه الصلوات الخمس بهيئاتهاوأركانها، وأدائه مناسك الحج، وقضائه بشاهد واحد ويمين المدعي، وأخيراً السنة التقريرية هي ما أقره الرسول مما صدر عن بعض الصحابه من أقوال وأفعال بسكوته وعدم إنكاره أو بوافقته وإظهار استحسانه، فيعتبر بهذا الإقرار أو الموافقة صادراً عن الرسول (صلي الله عليه وسلم)، كحادثة الصحابيين اللذين خرجا في سفر فحضرتهما الصلاة ولم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاته ولم يعدها الآخر، فلما قصا أمرهما على الرسول أقر كل منهما على ما فعل، وقال للذي لم يُعدها: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي أعادها: «لك الأجر مرتين» والسنة النبوية من حيث الأصل، حجة على كافة المسلمين واجبة الاتباع، وهذا ما أجمع عليه المسلمون، مما صدر عن النبي الكريم من قول أو فعل أو تقرير، مقصود به التشريع والاقتداء، منقول إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظنى الراجح بصدقه، إنما هو حجة إطلاقاً ومصدراً للتشريع دون خلاف. فقط المشكل يداخل المسألة في مدى صحة ثبوت المروى إلى الرسول، ذاك أن السنة النبوية تنقسم إلى سنن متواترة وسنن آحاد، وثمة من زاد الأحناف عليها بسنن المشهور، فلئن كانت أحكام القرآن الكريم جميعها قطعية الثبوت، أي مقطوع يقيناً جهة ورودها من الله تعالى بواسطة رسوله الكريم، حسبما تقدم آنفاً، فإن سنن رسولنا الكريم ليست جميعها مقطوع ثبوتها للرسول، إن منها ماهو قطعي الثبوت وغالبها ظنى االثبوت، فالسنة المتواترة هي ماصدرت من رسولنا الكريم ورواه عنه جمع يمتنع عادة تواطؤهم على كذب لكثرتهم وأمانتهم واختلاف وجهاتهم وبيئاتهم، ورواه عن هذا الجمع جمع مثله يمتنع اتفاقهم على الكذب، وهكذا يروى من أول السند إلى منتهاه (13) ومن هذا القسم السنن الفعلية كأداء الصلوات والحج والأذان وغير ذلك من شعائر الدين التى تلقاها المسلمون عن رسول بالمشاهدة أو السماع، كل أن توجد سنن قولية تعد متواترة (14) وفي هذا الخصوص يذهب من الفقهاء إلى أن السنن القولية المتواترة – على قلتها – نوعان، المتواترة لفظاً وهي الأحاديث التى اتفق رواتها على نقلها بألفاظها زمعانيها وهي قليلة جداً، المتواترة معنى، وهي الأحاديث التى اختلف الرواة في ألفاظها واتفقوا في معانيها، فرغم اختلاف الألفاظ فإن المضامين واحدة، ومثاله حديث رسوال الله «إنما الأعمال بالنيات» وحديث رفع اليدين في الدعاء، ويذهب هذا الفقه إلى دخول غالب السنن الفعلية المتواترة في هذا النوع (15)أما سنن الآحاد فهي القسم الآخر من قسمى السنن النبوية عند الجمهور، والقسم الثالث منها عند الأحناف، وهي ما رواها عن الرسول آحاد لم يبلغ حد التواتر، ورواها عن هذا الراوى مثله، وهكذا حتى وصلت إلينا بسند طبقاته آحاد لامجموع التواتر، وهذا القسم يجمع أكثر الأحاديث التى جمعت بكتب السنة النبوية. وعند الأحناف يتوسط هذين القسمين، قسم ثالث هو السنة المشهورة، وهي تلك الأحاديث التى يكون رواتها الأول أحاد، أي رواها عن الرسول صحابي أو اثنين أو جمع لا يبلغ حد التواتر، ولكن بعد هذه الطبقة الأولى حدث التواتر حيث رواها عن هذا الرواري أو الرواة جمع عن جمع يبلغ حد التواتر (16).

وبعد فهذه هي أقسام السنة النبوية المشرفة آثرنا العرض لها بداية، لكونها ليست جميعها من ذات الحكم من وجهة القطعية الثبوتية، ذلك أن القسم المتواتر من هذة السنة، وإجماعاً، يُعد قطعي الثبوت للرسول الكريم، حال لا يُعد كذلك سنة الآحاد فهي ظنية الثبوت، ويذهب الأحناف إلى إلحاق السنة المشهورة بالسنة المواترة، من جهة قطعيتها الثبوتية، وأمر قطعية الثبوت من هذه الوجهة له أثر الهام في دلالاتها؛ إذ إن السنة قطعية الثبوت تفيد العلم الضروري، فلا يحتاج معها إلى بحث واجتهاد، كما أن منكرها يخرج عن الملة ولكون منكر القطعى يكفر، فمنكر السنة المتواترة يكفر بدوره.

وعليه ومما تقدم، يبين أن السنة المتواترة، هي يقيناً قطعية الثبوت، فإذا ما كان منها ما هو قطعى الدلالة بل إن غالبها كذلك – أمكنها هذا من حجز موقعها بين القطعيات التى تشغل الإطار المرجعي الأعلى، وتنظم بالتالي إلى النصوص قطعية الثبوت والدلالة بالقرآن الكريم، ليشكلا جزءاً هاماً من أجزاء الإطار المرجعي الأعلى موضع الدراسة

ثالثاً : الإجماع :

وهو من أهم المصادر الأصلية للفقه الإسلامي حيث يحتل المرتبة بعد القرآن والسنة في هذا المجال، ويُعرف اصطلاحاً بانه «اتفاق مجتهدى أمة محمد صلي الله نعليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي اجتهادي» (17)، أي أنه يتعين لتحقق اتفاق كافة مجتهدى الأمة فليس بإجماع اتفاق بعضهم، كما يكفيه اتفاق كافة مجتهدى الأمة في عصر من العصور فليس بشرط اتفاق المجتهدين في كافة العصور لاستجالته المادية، ويشترط كذلك فيه أن يرد هذا الإجماع على مسألة اجتهادية؛ لكون القطعى من النصوص وعلى ماتقدم، أي قطعيات القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة – ليست مجالاً للاجتهاد (18).

والإجتماع المعتبر على هذا النحو، حجة على كافة المسلمين، وآية ذلك قوله تعالي ﴿ومن﴾[النساء : 115]، ومن ثم، وقد توعد الله من يتبع غير سبيل المؤمنين بدخول جهنم، فإن هذا الوعيد الشديد إنما يرد على مخالفة اتفاق المجتهدين من المؤمنين بحسبانه سبيل المؤمنين الحق واجب الاتباع (19). وكذا قول رسولنا الكريم «لايجتمع أمتى على ضلالة» وقوله : «لاتجتمع أمتى على خطأ» وقوله : «يد الله مع الجماعة ولا يبالى الله بشذوذ من شذ» فهذه جميعا أحاديث إن كان منها في ذاته خبر آحاد، إلا أنها تشكل فيما بينها كلاً يُعد متواتر المعنى يفيد القطع بحجبة الإجماع بناء على ما ثابت من عصمة الأمى – الجماعة (20) .

ومن أ