أبحاث

أصول المنهج المعرفي من القرآن والسنة

العدد 87

يتعلق هذا البحث ببيان الأصول التي ينبني عليها المنهج المعرفي في الإسلام من خلال استقراء نصوص الوحي, وهي أصول يمكن إجمالها في النقط الآتية:

  • اعتبار الوحي مقومًا وموجهًا للبحث العلمي, ومصدرًا معرفيًّا.
  • اعتبار الوحي مقومًا موازيًا للوحي والحس يتعامل معهما في حدود معطيات كل منهما.
  • باعتبار الوجود أساسًا ومنطلقًا لممارسة النشاط المعرفي المنتج على مستوى الواقع.

 

الأصل الأول : الوحي

  • مصداقية الوحي

إن اعتبار الوحي أصلاً من أصول المنهج الإسلامي له دلالته من الناحية المعرفية؛ إذ المعرفة الإسلامية لا يمكن أن تنفصل عن توجيه الوحي, بل إن من أخص خصائص هذه المعرفة أنها منضبطة ومحكومة بهذا الأصل, وهي المميزة التي تجعلها منفردة بمنهجها عن بقية المعارف الإنسانية التي تصدر عن اجتهاد إنساني محض.
إن المنهج المعرفي في الإسلام لابد أن يتكيف مع الإسلام في كل أبعاده, في ثوابته ومتغيراته. فهو لا يملك أن يجاوز الثوابت التي أقرها الإسلام؛ إذ يعتبر كل اجتهاد فيها إهدارًا للوحي ومصادمة لليقينيات التي تثبتت بطريق الوحي, وقد كانت نكبة المعرفة الإنسانية نتيجة مباشرة لعدم احترام هذه القاعدة المنهجية, فانتهت النظريات الفلسفية والمذاهب الفكرية المختلفة المشارب إلى التيه والتحكم وطغيان النزعة الذاتية وفرض الأفكار القبلية…, وهو ما يفسر شدة التضارب والاختلاف الذي تشهده الساحة المعرفية. وهو في مجال المتغيرات يملك أن يجتهد ويبدع, ولكن عملية الاجتهاد والإبداع تظل بدورها مشروطة بموافقة الحق, ومحكومة المقاصد العامة التي أراد الإسلام تحقيقها وهي التي تنتهي إلى تحصيل مصلحة البشر في أوسع معانيها.
إن الإنسان لا يتأتى له أن يحيي حياة مستقيمة بمعزل عن توجيه الوحي, وقد كان للإعراض عن هذا الطريق انعكاساته السلبية على المجتمع الإنساني, وهي نتيجة طبيعية لتحكيم الإنسان عقله في مجالات لا يملك أن يفصل فيها كإنسان, وهذا يكفي للدلالة على مصداقية الوحي موجهًا ومقومًا لحركة الإنسان على الأرض, يحدد له سلوكه وأخلاقه, ويضبط فكره وتصوره, ويجيب على كثير من تساؤلاته الفطرية المشروعة حول الأبعاد الغيبية التي لا يملك الإجابة عنها, ويحدد له مكانته في هذا الوجود والغاية منها, ويعرفه بخالقه وما يلزمه في مقام العبودية, كما يعرفه بحقوقه تجاه نفسه وغيره…., وهي مجموع القضايا التي تشكل الحقل المعرفي لنشاط الإنسان في سعيه الدؤوب نحو إعطاء إجابات مقنعة وصحيحة قد يقترب فيها من الحقيقة بدرجات متفاوتة, ولكنه قد يتنكب الطريق بمعزل عن الوحي وهو الأغلب الأعم.

إن المعرفة الإنسانية المحضة لا يمكن أن تكون إلا نسبية ومحددة؛ لأنها محكومة بمحدودية الزمان والمكان, والإنسان قد يجد بعض الحلول لمشكلاته المختلفة في حدود ضيقة, ولكنها لا تجاوز معطيات زمانه ومكانه الخاصة به, ومن هنا حاجته إلى معرفة يقينية لا تكون في نهاية المطاف مجرد إفراز لمعطيات وحيثيات الزمان والمكان, وهي سمة تخص الوحي وحده. إن الوحي تقدير إلهي كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يوجد الزمان والمكان, ومهمة الإنسان أن يتفاعل مع هذا الوحي وفق معطيات زمانه ومكانه إذا تعلق الأمر بالمتغيرات, بينما تظل الثوابت جامعة مشتركة؛ لأنها تخص الإنسان كإنسان بغض النظر عن حدود الزمان والمكان.

  • وظيفة الوحي

إن الوظيفة التي يقوم بها الوحي في المجالات المعرفية المختلفة ليست على درجة متساوية, وحضور النص القرآني أو الحديثي ليست له نفس الأهمية من حيث الوظيفة التي يؤديها. إن النص قد يستقل بإعطاء إجابات نهائية في بعض القضايا, ولكنه في قضايا أخرى قد يكون حضوره لمجرد التوجيه والترشيد, فحاجتنا إلى النص قد تقوى أو تضعف بحسب طبيعة المجال المعرفي الذي نعمل فيه :

أ- قد يستقل الوحي بتقديم معرفة جاهزة حول قضايا معينة بحيث يكون دور الإنسان فيها هو التلقي والفهم دون تدخل منه في تحديد عناصر هذه المعرفة أو اختيار موضوعها أو التعديل فيها بالزيادة والنقصان… وهنا يواجه الإنسان مجموعة من المعارف التي تعتبر حقائق يقينية ونهائية, يجد نفسه مطالبًا بالتسليم بصحتها ابتداءً, ومن هذا القبيل مجموع المعارف التي يتلقاها الإنسان عن عالم الغيب الذي لم يُعْط إمكانات البحث فيه.
إن القرآن يفصل بين عالمين مختلفين:
عالم الغيب, وعالم الشهادة, لكل منهما مجاله الخاص وطبيعته الخاصة, فإذا تعلق الأمر بعالم الغيب أحال القرآن على الوحي كمصدر وحيد يستمد منه الإنسان معرفه على جهة الإخبار, بينما نجده فيما يتعلق بعالم الشهادة يحيل على الواقع ويدعو الإنسان إلى استعمال قدراته العقلية والحسية.
إن القرآن يؤكد بإصرار أن عالم الغيب من اختصاص الوحي وحده, وهذا الإصرار- من الناحية المنهجية ـ له دلالته في توجيه الإنسان إلى توفير الجهد العقلي الذي يبذله في محاولة استكشاف عالم الغيب, وتوظيف طاقاته في عالم الشهادة, وهو المجال الذي يمكن أن يبدع فيه. إن نقرأ في القرآن الكريم آيات متتالية في هذا المعنى, يقول تعالى
}وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) {الأنعام: ( 59 {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ{ (يونس: 20 ) {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (هود (123 ، بل إننا نجد أن القرآن ينفي أن يكون لأحد من البشر- حتى ولو كانوا أنبياء دور في إدراك هذا الغيب والقدرة على كشفه ما لم ينزل بذلك وحي} عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (الجن( 26 -27,  {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا (الشورى (52وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِين فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ{ (الحاقة( 44-47  {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ{ (المائدة 67 ) وهكذا يفهم من هذه الآيات أن الإنسان ليس له من الغيب سوى التبليغ وهو خاص بالأنبياء, والتلقي وهو لعامة الناس. ومن هذه الجهة جهة إخبار الوحي- تثبت جميع الحقائق التي يحتاج إليها الإنسان ويتوقف عليها نظامه الحياتي لتحقيق مقام العبودية, مع العلم أن الوحي لا يكشف للإنسان من هذه الحقائق إلا القدر الذي يصلح له ويحقق الاستقامة وينفي عنه الحيرة والتردد ويمنحه اليقين والطمأنينة.

ب– قد يستقل الوحي كذلك ببيان مجموعة من المعارف التي تتصل بتنظيم حياة الإنسان من الناحية الأخلاقية والتشريعية, وتقدَّم له في صيغة مجموعة من المبادئ والأوامر والنواهي, ويكون دوره فيها مجرد التلقي للامتثال لا غير, وهي مجموعة المعارف المتعلقة ببعض الأحكام الشرعية التي تكفل الوحي ببيانها, وتعتبر أحكامًا قطعية ثابتة بالنص ولا تقبل الاجتهاد. وهذه المعارف لها أهمية قصوى في ضبط حركة الإنسان في علاقاته مع نفسه ومع الناس, وقد كان لعدم احترام هذا الأصل انعكاساته السلبية على واقع المجتمع الإنساني على المستوى الأخلاقي والتشريعي معًا.

جـ  قد لا يكون للوحي هذه السلطة المطلقة في تقديم معرفة في شكل أحكام تشريعية نهائية, ولكنه يظل سلطة مرجعية يهتدى به في تحديد قواعد السلوك فيما لم يأت فيه نص صريح, وذلك من باب الاجتهاد وفق القواعد المقررة عند علماء التشريع.

وهذه الخاصية التي تميز بها المنهج الإسلامي في هذا المجال تمنحه بعدًا خاصًّا يتميز بموافقة الفطرة الإنسانية ويجعل تأثيره على الناس قويًّا جدًّا إلى الحد الذي يجعل استجابة الناس لهذا التشريع أمرًا تعبديًّا محضًا, كما يعتبر الخروج عنه تمردًا على قدسية الشريعة. إن انعدام هذه الخاصية في الدراسات القانونية الوضعية جعلت منها مجرد إجراءات لا سلطة لها على النفوس, ولم تفلح الآداب الصناعية في التخفيف من وطأة الإجرام وإعادة الثقة إلى الإنسان. لقد اعترف علماء الغرب بفشل مؤسساتهم القانونية ـرغم تقدمها- في صنع الإنسان الذي تحكمه النوازع الإنسانية, وتعتبر اعترافات الدكتور (ألكسيس كاريل) واحدة منها. يقول الكاتب:  ((ألم تهبط الحياة العصرية بمستوى ذكاء الشعب كله وأخلاقه؟ لماذا يجب أن ندفع ملايين الملايين من الدولارات كل عام لنطارد المجرمين؟ لماذا يستمر رجال العصابات في مهاجمة المصارف بنجاح, وقتل رجال البوليس, واختطاف الناس وارتهانهم, أو قتل الأطفال بالرغم من المبالغ الضخمة التي تنفق في مقاومتهم؟ لماذا يوجد مثل هذا العدد الكبير من المجانين وضعاف العقول بين القوم المتحضرين؟ ألا تتوقف الأزمة العالمية على الفرد والعوامل الاجتماعية الأكثر أهمية من العوامل الاقتصادية؟ من المأمول أن يضطرنا منظر الحضارة في بداية تداعيها إلى أن نتأكد مما إذا كانت أسباب الكارثة غير كامنة  في أنفسنا ومعاهدنا, وأن ندرك تمامًا ألا مناص من تجديد أنفسنا)[1].
إن ما ذكرناه في المجال التشريعي والأخلاقي ينطبق على المجال التربوي إلى حد بعيد, وإن استقلالية معاهدنا ومؤسساتنا التربوية عن توجيه الوحي الذي يكفل الحفاظ على هوية الأمة وشخصيتها الحضارية كان المسئول المباشر عن ظهور أجيال الاغتراب الفكري والحضاري والثقافي. والتربية التي تتحرر من قدسية الوحي وسلطته تظل مجرد إجراءات شكلية فارغة من أي محتوى إيماني, وهو أمر يكفي لقتل الحوافز الدافعة نحو الإبداع والتفوق, وأعراض هذه الظاهرة تغني عن كل بيان.

علاقة الوحي بالعلوم

في مجال العلوم الإنسانية

علاقة الوحي بالعلوم الإنسانية علاقة متعددة الجوانب, ومن الصعب أن نلم بمختلف أطرافها في هذا الحيز الضيق.
وأهمية العلاقة بين الوحي والعلوم الإنسانية تكمن في أن كليهما يعالج موضوعًا مشتركًا هو عالم الإنسان بكل أبعاده المادية والنفسية والتنظيمية والأخلاقية…, وهي موضوعات لا بد أن يقول فيها الوحي كلمته الفاصلة ولا يتصور أن يستقل بدراستها الإنسان بمعزل عن رقابة الوحي وتوجيهه.
ودون الدخول في تفاصيل الموضوع نحدد طبيعة هذه العلاقة في اتجاهين:
الأول : يخص بعض التوجيهات والقيود المنهجية التي يفرضها الوحي؛ لتقترب هذه العلوم من الصواب. والثاني : يخص المعلومات الجاهزة التي يكشف عنها الوحي والتي من شأنها أن تعين هذه البحوث.

  • على المستوى الأول
    يمكن أن نستفيد من الوحي عدة ضوابط منهجية تمكن هذه العلوم من تحقيق موضوعيتها. نعرضها مختصرة:
  • إن شمولية الوحي واستيعابه لمختلف النشاطات الإنسانية المادية منها والروحية من شأنه أن يفتح آفاقًا واسعة أمام العلوم الإنسانية؛ لتخرجها من إطارها المادي الضيق الذي وجدت فيه والذي انتهت معه إلى اختزال الإنسان في جوانبه المادية مع إغفال جوانبه الروحية والنفسية والعناصر الجمالية فيه.
  • إن هذه الشمولية يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة بإمكانها أن تغير الصورة التقليدية لمفهوم العلمية من سلطة النزعة التجريبية كما تمارس في العلوم الطبيعية والفيزيائية البحتة, وتعيد الاعتبار للأنساق المعرفية التي تعيد الاعتبار للقيم وتعتمد الدين مصدرًا معرفيًّا. وهنا فقط تتحرر العلمية من رواسب التاريخ الثقافي الغربي وتضع حدًّا لكونيته المزعومة.
  • إن الوحي من شأنه أن يحرر العلوم الإنسانية من المنحى المادي الذي يكرس النزعة الإلحادية, وهي إشكالية غربية محضة ارتبطت بتاريخ الغرب الثقافي.
    وفي أفق التوحيد الذي يفرضه الوحي تتحول العلوم الإنسانية من مهمة تبرير مشروعية التصورات المادية حول الإنسان والمجتمع… إلى العمل على اكتشاف القدرة الإلهية المبدعة في الإنسان والمجتمع والحياة.
  • إن تعاليم الوحي التي تدعو إلى الصدق والأمانة والاحترام الحقوق وحسن الجوار .. يمكن أن تقوم بدور أساسي في إنقاذ العلوم الإنسانية من التوجهات الأيديولوجية, حيث تحولت هذه العلوم عن وظيفتها العلمية إلى تكريس نتائجها لخدمة مصالح طبقية وقومية وحكومية واستعمارية … والعلوم الإنسانية لن تتمكن من التحرر من ثقل الأيديولوجيا الذي يفرضه الوضع الطبقي للباحث وانتماؤه الاجتماعي والقومي والسياسي… إلا في ظل عقيدة التوحيد التي ترتفع عن مجموع هذه الانتماءات وتحترم الإنسان لإنسانيته.
  • العلوم الإنسانية في عمومها ـ وإن على المستوى التنظيري ـ تفصل بين أحكام الواقع وأحكام القيمة, أي بين مجال البحث العلمي ومجال القيم وذلك لأسباب منهجية باعتبار أن القيم التي يدين بها الباحث تقف حائلًا دون تحقيق الموضوعية العلمية المرجوة, ومع أن هذا الإجراء المنهجي له قيمته العلمية في تحرير الباحث من ثقل العادات والتقاليد والموروث البيئي, فإن الثابت هو استحالة الفصل بين الباحث وبين مجموع القيم التي اكتسبها من وسطه؛ ولذلك لم يتم احترام هذه القاعدة النظرية على المستوى العملي, وظلت البحوث الإنسانية مثقلة بالتعصب والانحياز. وحل القضية في منظور الوحي ليس في تجريد الباحث من قيمه ـ فهي عملية مستحيلة ما دمنا لا نستطيع أن نجرد الإنسان من نوازعه الإنسانية ـ ولكن في ربط الباحث بقيم الحق والعدل, وتحريره من ثقل العادات والتقاليد التي يمليها الوسط الاجتماعي الضيق, والاحتكام إلى القيم العادلة التي تأخذ شرعيتها من الوحي باعتبارها متحررة من ثقل الميولات البشرية.
  • العلوم الإنسانية تُحكِّم المتواضعات الاجتماعية بما فيها من أعراف وتقاليد, وهي بذلك تعمل على تبرير الواقع الاجتماعي الفاسد وتعطي للسلوكيات المنحرفة شرعية الوجود لافتقارها إلى المقاييس التي تضبط بها قيم الحق والعدل والجمال, والتي تتيح لها التمييز بين الثوابت والمتغيرات, وهي ثغرة لن نتمكن من سدها إلا في ضوء حقائق الوحي.

إن الوحي يفصل بين مجالي الثوابت والمتغيرات, الثوابت الأخلاقية والأدبية والإيمانية التي ينبغي الرضوخ لها, والمتغيرات السلوكية التي ينبغي تكييفها وفق مقتضيات القيم العادلة. ولقد أدى تجاهل هذا الأصل إلى انحطاط الإنسان وقتل نوازع الإنسانية فيه. وقد عزى الدكتور (الكسيس كاريل) انحطاط الإنسان الأوروبي بالدرجة الأولى إلى غياب قيم الحق والعدل والجمال, وهو يتوقع أن تكون الجماعات التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نموها وتقدمها هي الجماعات والأمم الآخذة في الضعف والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من غيرها, بعد أن طرحت الآداب العامة ولم يعد هناك خلاف بين الخطأ والصواب والعدل والظلم.[2] إن العلوم الإنسانية في الغرب ـ على تقدمها وعمق بحوثها وحجم معاهدها والمتخصصين فيها ـ لم تفلح في رفع المستوى الأخلاقي للإنسان, ومن هنا كانت حاجتها الملحة إلى أخلاقيات الوحي.

  • المستوى الثاني

أما على المستوى الثاني في علاقة الوحي بالعلوم الإنسانية, فإن اعتبار الوحي ضمن المصادر المعرفية للعلوم الإنسانية يمكن أن يصحح كثيرًا من نتائج هذه العلوم, ويقدم معلومات جزئية إضافية تعين على كشف حقائق قد لا يتوصل إليها بمعزل عن إخبار الوحي.

إن الوحي يستوعب التاريخ الإنساني في خطوطه العريضة ويرسم حركته على الأرض ليس فقط في ماضيه, بل في مستقبله أيضًا, وتلك خاصية من خصائصه التي لا تشاركه فيها المعارف الإنسانية باعتباره أحكامًا إلهية نهائية, تظهر في صيغة الخبر عما كان وما سوف يكون. ولقد أخبر القرآن عن قطيعة الوحي كمصدر معرفي في أكثر من مناسبة, كما تدل على ذلك هذه النماذج : قال تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ{  (الأعراف (7 { قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى {(طه(52  {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ { (هود 100, ({وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ {(هود(120  {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْلَدُنَّا ذِكْرًا) {طه (99 وخلاصة ما تفيده هذه الآيات أن الوحي يمكن اعتباره وثيقة تاريخية فريدة في تغطية حياة الإنسان الممتدة في أعماق التاريخ, وهذا أمر له أهميته في إضاءة جوانب ظلت غامضة في تاريخ الإنسان الحضاري والاجتماعي والسياسي والمالي والقانوني والأخلاقي والأسري والديني… وهذه أمثلة توضح ذلك إن كان المجال يضيق عن ذكر الآيات الواردة في الموضوع[3].

  • يقدم القرآن حديثًا مفصلًا عن الجوانب المتعلقة بالحياة الدينية, وأنواع العبادات والمعتقدات, والصراع الذي اشتد بين أنصار العقيدة القائمة على التوحيد وأصحاب العقائد الوثنية, وأنواع الممارسات التعبدية, وأنواع العبادات القائمة على الوحي كالصلاة والصيام والحج… وعبادة الأصنام والكواكب…
    * يكشف القرآن عن النظم القانونية التي كانت سائدة عند الأمم السالفة كالقصاص في التشريع, وبعض المعاملات المصرفية في البيوع, وبعض الأخلاقيات التي تميزت بها بعض الشعوب وأصبحت ظاهرة تستحق التسجيل, كالعادات السيئة التي انتشرت بين قوم لوط, وبعض الشعوب عبر التاريخ وتوارثتها جيلًا بعد جيل, كما هو الحال مع بني إسرائيل الذين رسخت فيهم الوثنية وسفك الدماء وقتل الأطفال وإباحة المحرمات وشدة الكراهية والحسد…
  • يكشف القرآن عن بعض الظواهر الاجتماعية التي سادت تلك المجتمعات كظاهرة التقليد والترف والظلم والاستبداد في الحكم, والإجرام ووأد البنات واحتقار المرأة, وظهور الطبقية : طبقة رجال الدين, طبقة المستكبرين, طبقة المستضعفين…
  • يكشف الوحي عن الإنسان الأول : أصله وطبيعته وتكوينه العقلي والخلقي والجسمي, وهي أحكام تغير كلية تلك النظرة الإنثروبولوجية إلى الإنسان الأول الذي اعتبرته إنسانًا بدائيًّا في تكوينه الفسيولوجي والفيزيقي معًا, واعتبرته متطورًا عن أجناس حيوانية أخرى,, ويرفع كل لبس في هذا الموضوع حينما يعلن أن الإنسان الأول إنسان نبي يجسد كمال الإنسانية؛ إضافة إلى ما يثبته له في الصفات الحضارية باعتباره خليفة مسئولًا عن عمارة الأرض.
  • يكشف الوحي عن الصورة الأولية لنشأة النظم الاجتماعية التي سادت عند الإنسان الأول, وقد اعتقدت النظريات الإنثروبولوجية أنها نظم بدائية في أصلها, نشأت بصورة تلقائية, واعتبرت المجتمع بعاداته وتقاليده هو المسئول الأول عن إيجادها. وهذه الصورة المشوهة يعاكسها الوحي كلية؛ إذ يؤكد أن الأصل في النظم التي عرفها الإنسان الأول ليس في مظاهرها المرضية؛ لأن هذه المظاهر تعتبر أمرًا طارئًا في حياة الشعوب والمجتمعات لم يتجذر فيها إلا بعد ما فقدت الفطرة قوتها الدافعة؛ لتبتدع أشكالًا من النظم المنحطة, كما ينكر الوحي تجاهل الأصل الإلهي لهذه النظم وكونها هبة من الله.
  • بخصوص تطور المجتمعات البشرية حاول علماء الاجتماع أن يتطلعوا إلى اكتشاف القوانين الاجتماعية التي تخضع لها المجتمعات البشرية في مراحل تطورها, وظهرت نظريات متعددة متضاربة كنظرية الإنتقاء الطبيعي, ونظرية (كونت) في قانون الأحوال الثلاث, والنظرية الماركسية, وكلها تقع في التعميم؛ إذ إن صياغة قانون من هذا النوع ضرب من الوهم كما عبر عن ذلك منتقدوهم.

وحينما نعود إلى الوحي لنستقرئ من خلاله القانون المتحكم في سير المجتمعات وضبط حركتها غبر التاريخ, والموجه لمؤسساتها ونظمها والذي يرسم آفاقها المستقبلية نجده يرتبط بوجود عقيدة دينية, فنقطة الانطلاق في تكوين المجتمعات كانت عقيدة دينية, كما أن الثورات الاجتماعية العظمى والانقلابات التاريخية الكبرى في تاريخ الإنسانية كانت مرتبطة بالأنبياء والرسالات السماوية. وقد سجل القرآن العلاقة الطردية بين سلامة العقيدة واستقامة الناس عليها وبين توازن واستقرار المجتمعات وبالعكس, ومن مجموع الأحداث التاريخية التي عرفتها البشرية في نهوضها ونكوصها يسجل القرآن وجود سنن مطردة تحكم سير هذه الحركة وهي لا تخرج عن كونها سننًا هادية أو مدمرة.

علاقة الوحي بالعلوم البحتة

إذا كان تعلق الوحي بالعلوم الإنسانية ظاهرًا إلى حد بعيد, فإن تعلقه بالعلوم البحتة لا يمكن إلغاؤه. وفي تقديري أن التقاء الوحي بالعلوم البحتة يتم عبر نقاط أربع يلتحم فيها الدين بالعلم لتوجيه مساره التطوري توجيهًا سليمًا.

  • مهما كانت العلوم البحتة ذات طبيعة عملية فإنها لا تخلو من بعد أيديولوجي بشكل من الأشكال, وقد تستخدم كثيرًا من النتائج العلمية لتأكيد بعض الفرضيات والمواقف التي تمس قضية الإيمان بشكل مباشر. وعلى سبيل المثال فقد استثمرت النظرية المادية نتائج الكشوف العلمية في مجال الذرة والخلية لتأكيد نزعتها المادية واعتبار الطبيعة مصدر الحياة والقول ينفي الخالق.. ولقد قدر للعلم أن يسير في هذا الطريق المنحرف من منطلق ردود الفعل التي وقع فيها العلماء ردًّا على تعسف رجال الدين في الغرب, غير أن هذه الجفوة بين العلم والدين أخذت تضيق, ولم يكن أمام العلماء بد من الاعتراف بأن العلم لا يملك إلا أن يسير في طريق الإيمان[4].
  • إن تقدم العلم المستمر وما حققه من كشوف قد طرح مشكلات جديدة لم تكن معهودة من قبل, تمس قضايا إنسانية ليست بمعزل عن أحكام الدين. إن كشوف العلم حول زرع الأعضاء وبنوك الحليب وأطفال الأنابيب وبعض أساليب تحديد النسل… وغيرها كثير, لا يمكن اعتبارها قضايا علمية محضة, إنها تمس الوضع الأخلاقي والسلالي للإنسان, وهي قضايا تعد من صلب الدين, وتستوجب رقابته وتدخله لحسم الموقف لصالح القيم الإنسانية.
  • إن الوضع الحالي للعلم ـ كما هو الآن في الغرب ـ قد أصبح مصدر قلق للإنسان بعد أن انفصل التقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان في عالم المادة عن التوجيه الديني والروحي؛ مما نتج عنه عدم التوازن بين الحاجات الروحية للإنسان الآخذة في الضمور, وبين حاجاته المادية التي أصبحت طاغية إلى درجة تقلق راحته وتهدد وجوده. (إن العلم المادي – كما يقول الكسيس كاريل – اهتم إلى حد بعيد بتنمية الخصائص الكمية للإنسان, ولكنه أهمل بنفس العمق خصائصه النوعية, ولقد أدى فهم العلم المادي الذي استأثر باهتمام وإرادة الإنسان بصفة مستمرة إلى نسيان العالم الروحي نسيانًا تامًّا… وقادتنا علوم الجماد إلى بلاد ليست لنا…. ولقد أصبح الفرد ضيقًا متخصصًا فاجرًا غبيًّا غير قادر على التحكم في نفسه ومؤسساته. والتقدم الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية.., ولم يفلح رجال الدين في إنقاذ مجتمع يتداعى تحت وطأة الآداب الصناعية التي تقتل إنسانيته لتملقهم شهوات الجمهور ووقوفهم إلى جانب الساسة والأغنياء)[5]. ولسنا في حاجة بعد هذه التصريحات إلى القول بأن الوحي وحده يضمن إعادة التوازن إلى المجتمع الإنساني وإعادة بناء الإنسان وإعادة الاعتبار لأبعاده الروحية والمعنوية والقيمية, والتخلص من الدمار الذي خلفته الآداب الصناعية.
  • النقطة الأخيرة من نقاط الاتصال بين الوحي والعلم تخص المعطيات العلمية التي يقدمها الوحي في شكل معارف مجملة أو مفصلة, والتي ينتهي العلم إلى اكتشافها مع تطور الزمن وتقدم الوسائل العلمية. والحقائق العلمية التي تضمنها الوحي إذا واجهها العلماء بعقلية مجردة من الخلفية اللادينية التي أصبح العلم مثقلًا بها فسوف تشكل مصدرًا معرفيًّا مهمًّا ومؤشرًا قويًّا لتطويع طريق الكشوف العلمية. وإذا كانت كثير من المعارف التي تضمنها الوحي قد كشفها العلم أو بعضًا منها, فإن هذا التلاقي بين العلم والوحي حول حقائق علمية ثابتة من شأنه أن يعيد الثقة التي فقدت بين العلم والدين, ويعود العلم بعد شروده الطويل إلى رحاب الإيمان.

الأصل الثاني : العقل

سبق القول إن من سمات المنهج الإسلامي في المعرفة الوحدة والتكامل, فحيث فرض الوحي قضية الإيمان لم يطالب بمجرد التصديق الأعمى المجرد من البرهان العقلي, وحيث فرض التكليف لم يجرده من التعليل العقلي, وحيث فرض الأحكام الشرعية لم يغفل جانب العلة والحكمة فيها, وهي مسألة تتوقف على الإدراك العقلي, وحيث فرض عمارة الأرض كان مقتضى العمارة والاستخلاف نفي العبثية والتصرف الأعمى, وهي كل المعاني التي حمَّلها القرآن كلمة الأمانة, والأمانة تكليف, والتكليف مداره اليقظة وقوة الإدراك. فالوحي لا يلغي العقل بل يكمله ويغذيه ويرشده, كما أن العقل لا ينفي الوحي بل يتمثله ويكيفه حسب مقتضى الزمان والمكان, وكما لا يُخشى على العقل من الوحي, لا يُخشى على الوحي من العقل.

  • ماهية لاعقل عند المسلمين

كان من المنطقي أن يختلف التصور الذي يعطيه علماء الإسلام لماهية العقل

  • وهو تصور واقعي ـ عن التصور الميتافزيقي الذي تحمله الثقافة اليونانية.
    إن الفلاسفة يعرفون العقل ((بأنه جوهر قائم بنفسه), ومن هنا جاءت بحوثهم حول ماهية العقل كشيء له وجوده المستقل عن الإنسان, وهي بحوث ليس تحتها طائل؛ لأنها تحمل تصورًا غبيًّا وتبحث في شيء لا وجود له على مستوى الوجود الواقعي.

ولقد أدرك المسلمون خطأ الفلاسفة في تعريف العقل فلم يهتموا بالبحث في ماهيته كجوهر مستقل بذاته قائم بنفسه, بل اهتموا به كوسيلة للتفكير والإدراك, أي صفة لازمة للعاقل لا يتصور لها وجود البتة بمعزل عن موصوفها, فالتعقل عندهم صفة لازمة للعاقل نفسه. يقول (ابن تيمية) : ((العقل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل سواء سمي عرضًا أو صفة وليس هو عينًا  قائمًا بنفسه سواء سمي جوهرًا أو جسمًا, وإنما يوجد التعبير بإسم العقل عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس)[6].

فسمي ((العقل)) عند المسلمين صفة, هو عرض قائم بالعقل. وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى : }لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ , {يَعْقِلُونَ بِهَا,{ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} ومعنى كونه صفة أنه قوة مدركة فطرية في الإنسان؛ ولذلك قالوا إنها غريزة فطرية في الإنسان يدرك بها الأشياء ويستنبط بها الأحكام, تمامًا كما أن في العين قوة بها يبصر, وفي اللسان قوة بها يذوق, وفي الجلد قوة بها يلم[7].

  • معنى العقل في القرآن والسنة:

الحديث عن معنى العقل في القرآن والسنة يستلزمه ذلك الجدل الحاد حول هذا الموضوع, الذي يهدف إلى إفراغ هذا المصطلح القرآني من كل دلالاته المعرفية والعملية وحصر مدلوله في معناه اللغوي الذي يعني مجرد المنع والكبت والإمساك, ومن ثم وصف الإسلام بالتحجر والانغلاق وضيق الأفق, أو في معناه الأخلاقي الذي يأتي في صورة تأنيب وتقريع, وهنا تضيق دائرة العقل في الإسلام لتختزل مجموع العلميات العقلية في الوجدان والإحساس والشعور, أو في معناه الإيماني الذي يعني التفكير بنعم الله وإحسانه وإثارة مشاعر التعجب في الإنسان لا ستجاشة وجدانه, ومصدر التعقل هنا دائمًا هو القلب لا غير[8].

والقاعدة العامة التي تحكم هذا التصور أن العقل في التصور الذي تنقله اللغة العربية المعجمية يرتبط دومًا بالذات وحالاتها الوجدانية وأحكامها القيمية, وهو في نفس الوقت عقل وقلب ووجدان وتأمل وعبرة…. أما في التصور الذي تنقله اللغات الأوروبية فالعقل مرتبط دومًا بالموضوع فهو إما نظام, وإما إدراك هذا النظام, وإما القوة المدركة. وإذا وجد شيء من هذه المعاني في الثقافة الإسلامية فهو دخيل عليها وتسرب إليها من دخول الفكر الإغريقي إلى العلم الإسلامي)[9].

هذا باختصار شديد ما يوصف به معنى العقل في القرآن والسنة وفي الثقافة العربية الإسلامية عمومًا قبل أن تنفتح على المفاهيم الخارجية التي غيرت الكثير من معالمها حسب هذا التصور, وهو تصور يقدم نفسه بنفسه؛ إذ يظل حبيسًا للمقولات الاستشراقية التقليدية لا يقدم جديدًا في هذا الموضوع.

على أننا نقرر هنا ـ وهي قضية منهجية محضة ـ أن تحديد معنى العقل في القرآن والسنة يتوقف أساسًا على استقراء معطياتهما, وقد دل الاستقراء على أن المعنى الذي توحي به النصوص على اختلاف ألفاظها واستعمالاتها تجعل من العقل قوة إدراكية معيارية, وهذه أمثلة تدل على ذلك. استندنا في تصنيفها إلى كتاب : “مفهوم العقل والقلب في الكتاب والسنة” :

  • أ‌- يوجه القرآن الكريم الإنسان إلى تأمل ظواهر الطبيعة كدليل على وحدة الخالق :  {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{ (البقرة(164, والآيات التي ترد في مجال الظواهر الطبيعية كثيرة ونكتفي بهذه لكونها جامعة.

قيل إن الآيات القرآنية التي جاءت في هذا السياق تؤدي مجرد وظيفة ((إشارية)) أي إنها تشير إلى عظمة الخالق فحسب, وهي قضية وجدانية لا علاقة لها بالعقل الذي هو فهم نظام الطبيعة[10]. والحقيقة أن القرآن يضع كتاب الطبيعة أما الإنسان ليقرأ صفحاته؛ واعتبارها ((آيات)) أي أدلة وبراهين, يقتضي أن تكون البراهين عقلية أيضًا لأنها تساق إلى قوم يعقلون. فإذا كان تأمل الطبيعة ودراسة أسرارها ودقائقها ودراسة مظاهر الحياة والموت والإنسان والحيوان والنبات.. يلقي ضوءً كاشفًا على الحقيقة, فإن الفعل ((يعقلون)) يوحي لنا بأن العقل واسطة هذا الكشف, فالعقل هنا أداة التعقل ودوره تتبع الظواهر وإدراك العلائق التي تربط بينها وبين استنباط الحقائق[11].

  • ب‌- يوجه القرآن الإنسان إلى تأمل العلاقات السببية القائمة بين ظواهر الطبيعة كجعل الماء سببًا في الحياة ـ كما هو في الآية السابقة ـ ومن البدهي أن التعقل الذي يدعو إليه القرآن هنا هو إدراك طبيعة هذه الارتباطات القائمة بين الظواهر كمعطى خارجي لا علاقة له بالوجدان وهذا الإدراك يورث معرفة عقلية منطقية.
  • ج‌- يصل الطرح القرآني للعقل بمعنى الفهم والإدراك إلى أبعد مستوى حينما يقرر أن الأمثال المضروبة في القرآن الكريم, وهي الأقيسة العقلية, لا يعقلها إلا العالمون : { وَتِلْكَ الاَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ{ (العنكبوت(43.
  • د‌- إن القرآن ينفي الجنون عن محمد ـصلى الله عليه وسلم- بعد أن أشاع الكفار ذلك, والجنون ضد العقل وهذا معناه أن العقل هو الميزة الأساسية التي دافع القرآن بها عن الرسول ودعوته.
  • ه‌- إن القرآن يعيب على اليهود مواقفهم المتناقضة بين القول والفعل, وينفي عنهم بسببها صفة التعقل؛ لأن العقل يقتضي التوافق ودفع التناقض, ومن هنا يأتي هذا الإنكار عليهم : }أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (البقرة44 ).
  • و‌- إن القرآن يستعمل ألفاظًا أخرى كالقلب والفؤاد والنُّهى والحلم والحجر للدلالة على نفس المعنى, وإن كانت لها معانٍ جزئية جانبية, فالحلم من التحلم, والنهى من النهي, والحجر من المنع.. وهي صفات العقل التي تمنع من الجهل والتورط والاندفاع فيما لا ينبغي له, وهذا جانب من جوانب المهمة التي توكل للعقل في هداية النفس. لقد ورد لفظ القلب في قوله تعالى : }إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37أي قلب سليم يدرك به كنه ما يشاهده من الأمور, ويتفكر فيها كما ينبغي. وقد فسره (ابن عباس) و(مجاهد) و(أبو الليث) بالعقل. وفي نفس المعنى يذكر القرآن أن الرجل له قلب واحد, فيلزمه أن يتخذ موقفًا واحدًا؛ حتى لا يناقض نفسه, فيأتي القلب في معنى العقل,
    }مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ {(الأحزاب4).

وورد لفظ النُّهى بمعنى العقل }أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لأولِي النُّهَىٰ( طه(128، والآية تدخل تضمن الأمثال المضروبة في القرآن وأخذ العبرة من الأقوام السابقين, وقد استخلص (ابن تيمية) من هذه الأمصال قانونًا عامًا سماه (قياس الطرد) و(قياس العكس), وهذه مسألة برهانية منطقية.

وجدير بالذكر أن العقل في القرآن والسنة إلى جانب كونه عقلًا برهانيًّا إدراكيًّا, فهو في الوقت نفسه عقل معياري قيمي, لا يكتفي بالإدراك المجرد, ولكنه يدرك الإدراك الذي يجعله يتعرف بالهداية, ويسلك سبيلها, ويتقرب إلى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه, ولا تعارض بين هاتين السمتين, فكونه معياريًّا قيميًّا ـ وهي مسألة لا تقوم على الإدراك والتعقل ـ لا ينفي كونه إدراكيًّا برهانيًّا. فلإنه يميز بين الحق والباطل, والحسن والقبح, والخير والشر, يقف إلى جانب الحق والعدل والخير, ويتجنب الانحراف والضلال, وهو موقف قيمي؛ ولهذا بين القرآن الكريم أن سبب الانحراف يعود إلى عدم العمل بمقتضى هذا العقل السليم }قَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ{ (الملك/10-11). والجمع بين الإدراك الموضوعي إلى جانب الوقفة المعيارية سمة الإسلام الذي لا يعرف الانفصام والانفصال.

ومن جهة أخرى يخص القرآن القلب بوظائف أخرى تجاوز مجرد الإدراك, فالقرآن أسند إليه وظائف تتصل بالتفكير والعقل تارة, وتارة أخرى بالحس والإلهام, وأخرى بالإحساس والمشاعر…. ويمكن القول بوجود عموم وخصوص بين العقل والقلب, فهما معًا يشتركان في الناحية الفكرية ويتختص القلب بالناحية الوجدانية[12].

  • وظيفة العقل :
    من البدهي أن يكون العقل الذي يتحدث عنه القرآن والسنة هو العقل الذي يتميز بالقدرة على الإدراك الواعي لطبيعة هذا الوجود ونظامه وترتيبه وعلاقاته, فهي معان أولية يتوقف عليها حمل الأمانة التي كلف بها الإنسان, وكان عبثًا أن يُحَمِّل القرآن الإنسان أمانة عمارة الأرض ـ بكل ما تحمله هذه الوظيفة من أبعاد معرفية وحضارية ـ ثم يلغي بعد ذلك عقله ويختزل إدراكه في دائرة الإحساس والوجدان.

إن هذه الوظيفة التي كلف بها الإنسان تقتضي بالضرورة أن يمتلك الإنسان القدرة على فهم النظام السنني الذي رتب عليه هذا الوجود كشرط أولي لصنع الحدث التاريخي وإنتاج الحضارة.

إن علماء الأنثروبولوجيا والإنسان يميزون بين إنسان بدائي وإنسان حضاري, والشعوب البدائية هي التي بقيت على هامش التاريخ وعاشت حياة الهمجية المتدنية تتحرك بدوافع غريزية محضة تمامًا كما تفعل الحيوانات التي تدفعها غريزة الأكل والشرب والتناسل إلى حفظ بقائها, ولكنها لم تصنع تاريخًا ولم تنتج حضارة. ويعتقد علماء الأنثروبولوجيا أن الفرق بين الشعوب البدائية عقلية بسيطة غريزية خرافية سحرية تفسر ظواهر الكون بالخوارق والأرواح التي تتوهمها, ولكنها لا تدرك النظام السببي والعلاقات العلمية القائمة بين ظواهر الكون. وسواء صحت هذه الفرضية أم لا, فإن الثابت أن توفر القدرات العقلية عند الإنسان هي منطلق فاعليته وحركته في التاريخ وشرط في أداء وظيفته الحضارية.

ولكن ما هي الحدود التي يرسمها الوحي لوظيفة العقل؟ أهي وظيفة مطلقة تُسيِّد الإنسان وتجعله حَكَمًا في كل شيء؟ أن أنها تخضع لضوابط معينة؟.

قلنا إن سمة المنهج المعرفي الإسلامي التي تميز بها وانفرد بها هي الوحدة والانسجام, وهنا نعود مرة أخرى إلى طرح مشكلة العقل ضمن نسقها العام في علاقتها بالوحي وفي علاقتها بالوجود.

  • أ‌- العقل والوحي

العلاقة بين العقل والوحي جدلية, فالوحي باعتباره خطابًا تكليفيًّا يحتاج فهمه إلى فقه عميق لفهم ألفاظه ودلالاتها ومستويات هذه الدلالة لتنزيل النص القرآني على الواقع الإنساني وتكييفه وفق مقتضيات الزمان والمكان. فالوحي بمعزل عن اجتهاد الإنساني خارج حدود الوحي نقض للأمانة والتكليف.

على أن هذه العملية الاجتهادية لا تتحدد ضمن إطارها التشريعي الضيق, كما قد يتبادر إلى الذهن, فهي عملية تقويمية تمس مختلف الجوانب الإنسانية التصورية والتشريعية والفكرية والاجتماعية والسياسية, والإنسان مدعو إلى أن يقوِّم دائمًا أوضاعه تلك في ضوء حقائق الوحي ما كان منها نصًّا صريحًا أو كليات ومبادئ حتى يسلم من الانحراف.

ولسنا في حاجة إلى التذكير هنا بأن وظيفة العقل إنما تتحدد في عالم الشهادة, بينما يكون عملها في الجوانب الغيبية هو التلقي والفهم القائم على البرهان العقلي, بمعنى أن القضايا الاعتقادية التي يطرحها الوحي لا يتنافى كونها غيبية مع إمكانية إثبات صدقها عقليًّا, فالألوهية والتوحيد وقيام الساعة والبعث قضايا غيبية من جهة الإخبار, ولكن إثبات صدقها ممكن من جهة البرهان العقلي, وهذه البرهنة تؤسسها النصوص نفسها, فالنص نقلي خبري في مصدره وبرهاني عقلي في محتواه ومضمونه. وسواء تعلق الأمر بقضايا تشريعية أو اعتقادية فعمل العقل عمل استنباطي استدلالي وقياسي برهاني, وتلك أخص خصائصه.

  • ب‌- العقل والوجود

تتحدد المعرفة الإنسانية المتعلقة بالوجود المادي للأشياء انطلاقًا من معطيات الحس والتجربة كشرط أولي لبناء معرفة يقينية في هذا المجال؛ ولهذا السبب وجدنا القرآن يوجه العقل إلى معطيات الحس ويجعلها مناط المسئولية :   }لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا{ (الإسراء(36  وهي التفاتة لها دلالة علمية تقتضي استثمار الإنسان حواسه المختلفة باعتبارها منافذ يطل من خلالها على الوجود الحسي, كما هو محدد في الزمان والمكان.

يشكل الوجود ـإذن- المجال الذي يمارس فيه الإنسان نشاطه المعرفي, يتعرف فيه على خصائص الأشياء وصفاتها. ولكن المعرفة العقلية في مجال الأشياء ـ كما يقول (عبد المجيد النجار) ـ لا يتعدى نطاقها حدود الظواهر والصفات والآثار إلى حقيقة الماهيات والأكناه[13]. ومعنى ذلك أن الإنسان بإمكانه أن يبحث في صفات الأشياء وخصائصها وتركيبها كمعطيات حسية آنية, ولكنه ليس من اختصاصه أن يبحث في أصل وجود هذه الأشياء وكيف وجدت, فتلك أسئلة لا تمس الأشياء في خصائصها المادية المدركة, ولكنها تمس الأشياء في بعدها الغيبي الذي يخرج عن حدود الزمان والمكان, وتلك قضية تخرج عن اختصاص العقل.

لقد وجه الوحي الإنسان إلى تأمل الطبيعة من حوله, ووراء هذا التوجيه حكمة بالغة, ولم يكن عبثًا أن يحشد القرآن هذا السيل من الآيات التي تدعو إلى التفكير في أجزاء الطبيعة, فلم يكن ذلك إلا لتنبيه الإنسان إلى الانتفاع بها, وهو الأمر الذي يعبر عنه القرآن بـ((التسخير)). فكل شيء في هذه الطبيعة مسخر للإنسان }أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ (الحج65 ) {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (إبراهيم   (32-33 {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا{ النحل( 14 على أن هذه الأشياء الهائلة الممتدة التي سخرها الله للإنسان لا يمكن أن ينتفع بها إلا إذا عرف خصائصها ووقف على السنن التي أودعها الله فيها, وتلك قضية نالت اهتمام القرآن؛ ليغرس في شعور الإنسان أن كل ما حوله من أشياء تمضي وفق قانون ثابت لا يتخلف, والوقوف على اكتشاف القانون هو وحده الذي يمكنه من الانتفاع بها } فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}الأنعام/96)  {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (الأنعام( 97 {وَالَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (يونس (5{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (الرعد(2  {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون} (يس  (40 وهكذا نجد حشدًا هائلًا من الآيات تحيل الإنسان على استقراء ما حوله من أشياء وظواهر تشير إلى ثباتها في سنن تسمح له باستثمارها والانتفاع بها, ومن ثم تأتي دعوة الوحي إلى العقل لتدبرها والتفكير فيها.

  • واقعية العقل في المنظور الإسلامي :

الواقعية سمة طبعت التفكير الإسلامي في كل المجالات المعرفية التي يتحرك في أفقها, وهي واقعية تصادفنا على مستويات مختلفة, تظهر في الإعراض عن الخوض في المشكلات التي تأخذ بعدًا افتراضيًّا, وتظهر في معارضة التفسير الخرافي الوثني, كما تظهر في تحكيم الحس لاختبار صدق القضايا الحسية, وتحكيم الوحي في اختبار صدق القضايا الغيبية.

  • أ‌- التزام البحث في القضايا العملية :
    هذه القاعدة الثابتة يعبر عنها (الإمام مالك) رحمه الله فيقول : ((الكلام في الدين أكرهه, ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه… ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل[14]((. ومقتضى هذه القاعدة أن كل اجتهاد فكري ليس تحته عمل أي ليس له تعلق بقضايا عملية, فالخوض فيه ضرب من الوهم؛ ولذلك رفض طريقة المتكلمين الذين تكلموا في قضايا عقدية خالفوا فيها المنهج القرآني, ودعا إلى نبذ المناظرة في الدين, ودعا إلى الاجتهاد في القضايا التي تمس واقع الناس. وعلى المستوى الفقهي المحض رفض فقهاء الإسلام ما اصطلح عليه بالفقه الافتراضي, وهو الفقه الذي يفترض القضايا ليبحث لها عن الحلول, فكانت القاعدة المشهورة عند الفقهاء ((دعها حتى تقع)) لأن الواقعة متى وقعت درست في إطار شروطها الموضوعية وحيثياتها الملموسة.
  • ب‌- تحكيم الحس في القضايا الحسية :

يميز علماء الإسلام بين الإمكان الذهني والإمكان الخارجي. والإمكان الخارجي. والإمكان الذهني معناه أن الشيء الذي نتصور وجوده في الذهن لا نعلم ما يمنع وجوده في الخارج, أما الإمكان الخارجي فمعناه : أننا نعلم بوجود الشيء في الخارج, وهم يقولون إن الإمكان الذهني بمعنى أنه ليس كل شيء نتصور وجوده في الذهن يمكن أن يوجد في الواقع, وهم يعتبرون ذلك مذهب السوفسطائيين وأهل الجدل الباطل[15].والتمييز بين الإمكان الذهني والإمكان الخارجي دليل على الحس العلمي في منهج المعرفة الإسلامية الذي يرفض الاحتكام إلى الفرضيات العقلية في القضايا الحسية, وينطلق من التجربة الحسية ذاتها في إثبات صدق القضايا الحسية. يقول الأستاذ (محمد المبارك : ((إن الوحي يتحدث عن طبيعة حية ملموسة, يتحدث عن أجزائها وظواهرها وعناصرها المختلفة باعتبارها عناصر واقعية ممكنة الإدراك وفي متناول العقل والحس؛ ولذلك يستحث الإنسان على إعمال سمعه وبصره ونظره وتفكيره, وبذلك يكون الوحي قد أحدث تغييرًا جذريًّا عميقًا بالغ الأهمية, فبدل المنهج التأملي الذي كان ينهجه اليونان والذي يعتمد على مجرد التصور العقلي والقياس المنطقي المجرد, أقام المنهج التجريبي وجعله المنهج الأساس في مجال البحث الطبيعي[16].

  • ج‌- تحكيم الوحي في القضايا الغيبية :

ليس اعتباطًا أن يتعرض المسلمون لنقد الفكر الفلسفي الذين احتكوا به في تلك الفترة المبكرة من تاريخهم, فقد كان الفكر الفلسفي اليوناني ذا نسق ميتافيزيقي, ينشد تحصيل الحقائق الغيبية بالأقيسة العقلية والأنظار الفكرية, وتصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع, وتلك إحدى الدعامات التي استند إليها المسلمون في تعليل رفضهم لهذا الفكر[17]. هذا المسلك يقوم على دمج عالم الغيب في عالم الشهادة وإخضاعهما لنفس القانون في الإدراك, وهي مجازفة لا يقبل بها العقل الإسلامي الذي لا يقحم نفسه في قضايا تفوق إمكاناته وقدراته, وقد قال )ابن خلدون( قولته الشهيرة : ((إن من يسعى إلى أن يزن حقائق الغيب بعقله كمن يسعى إلى أن يزن الجبال بميزان الذهب[18] ((. واعتراف العقل الإسلامي بهذا العجز, ومن ثم تحكيمه الوحي في الغيبيات هو تمام كماله ومنتهى واقعيته.

  • رفض التفسير الخرافي

يقوم المنهج الإسلامي على إقصاء الخرافة والتعليل الخرافي القائم على ربط حادثتين ربطًا اعتباطيًّا. لقد كان اليونان يعللون حمرة الشفق بالحرب بين الآلهة في عقيدتهم الوثنية, وكان العرب يربطون بين وجهة طيران الطائر ونجاح العمل أو إخفاقه, وكانت الوثنية حيثما كانت مباءة للخرافة ومرتعًا للأساطير, وقد جاء الإسلام ليحارب الوثنية ويخرج الكون من رتبة التأليه حين عبد الإنسان الشمس والقمر[19].إن تحرير الإنسان من الوثنية التي تكرس الخرافة والأسطورة يعني إعادة الاعتبار للفكر العلمي الذي يفسر الظواهر بعللها كما هي مستجدة في عالم الواقع, وتلك سمة من سمات الكمال في هذا المنهج.

الأصل الثالث : الوجود

إن اعتبار الوجود ضمن الأصول التي يقوم عليها منهج المعرفة الإسلامي يأتي مؤشرًا على انسجام هذا المنهج وتكامل عناصره التي لا تعرف طغيان جانب على آخر. إن الوحي يصور الوجود كمصدر معرفي للإنسان يسعى في دروبه وشعابه ومختلف ظواهره؛ ليتعرف على الأسرار التي أودعها الخالق سبحانه فيه, والمعرفة الإنسانية التي يملكها الإنسان عن نفسه وعن أجزاء الطبيعة من حوله تبقى مبتورة ما لم تنطلق من صميم المعطيات الحسية المجسدة في عالم الوجود من حوله.

  • صورة الوجود في الوحي

إن الصورة التي يقدمها الوحي عن الوجود تختلف عن الصورة التي ترسمها المناهج الفلسفية إلى حد بعيد, فصورة الوجود في الوحي هي جزء من الصورة العامة التي جاء بها الإسلام عن الكون والحياة والإنسان. إن الفلسفات القديمة كانت تصور هذا الوجود على أنه مجرد أشباح وصور ناقصة لعالم آخر هو عالم المثل الذي يتمتع وحده بالوجود الحقيقي, ثم جاءت الفلسفات الحديثة لتقدم نقيض هذه الصورة, وتعلن تأليه العالم المادي لتجعل منه العالم الوحيد الذي يتمتع بالوجود حقيقة, وتنزع بذلك صفة الوجود عن العالم الآخر الذي يجاوز حدود الحس, ومن هنا تأتي أهمية العرض الذي يقدمه القرآن للطبيعة.

فالطبيعة التي يتحدث عنها القرآن ـ كما يقول الأستاذ (محمد المبارك) : ((هي الطبيعة الحية الواقعية, لا الطبيعة المجردة المتخيلة, فالقرآن لا يذكر الجوهر والصورة والهيولي والجزء الذي لا يتجزأ, إنما يتذكر الهباء والذرة والدخان والماء والنار.. وغيرها من الموجودات الواقعية. فالعرض القرآني حسي واقعي وليس عرضًا تجريديًّا خياليًّا[20])).

وفي مقابل النظرة المادسية التي تؤلِّه الطبيعة, نجد العرض القرآني يجعل هذا الوجود وما فيه ومن فيه مجرد مخلوق من بين مخلوقات الله عز وجل, ومن ثم يعرفنا ببدايته ونهايته والغاية من وجوده. وفي ظل هذا العرض القرآني فقط تكتمل الصورة النهائية لهذا الوجود, ويزول عنه كل ما علق به من تصورات وهمية كانت تلغيه أحيانًا, وأحيانًا تؤلهه فتجعله مصدر شر أو سلطان تقرب له القرابين.

  • الوجود موضوع المعرفة

الحديث عن الوجود يتضمن كذلك الوجود الإنساني, وحينما دعا القرآن إلى تأمل هذا الوجود كانت دعوته شاملة تخص الوجود الطبيعي كما تخص الكينونة الإنسانية, وهو ما تشير إليه الآية الكريمة }وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِين وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون } (الذاريات(20-21: فالوحي يقدم الوجود كموضوع للمعرفة يستغرق مجموع عناصره وأجزائه وأحداثه ومتغيراته…, وهو الذي يعبر عنه بـ ((الآفاق)), وقدم الإنسان نفسه موضوعًا للمعرفة, يستوعب تركيبه العقلي والنفسي والفيسيولوجي والفيزيقي… وهو الذي يعبر عنه بـ((الأنفس)), وهو بعد ذلك يقدم حركة الإنسان على هذا الوجود كموضوع للمعرفة, يستوعب تاريخه وحركته عبر هذا التاريخ؛ ليقدم بذلك مجالًا حيويًّا خصبًا لبناء الحقل المعرفي المتعلق بالإنسان.

إن الوحي حينما يطرح هذا الوجود كموضوع للمعرفة والدراسة يقدمه عبر مجالاته الثلاثة : الوجود (الطبيعة), والإنسان, ثم حركة الإنسان على هذا الوجود. ومن المجازفة أن نجعل حديث الوحي عن الوجود مقصورًا على جانبه الطبيعي فحسب, فالظواهر النفسية والتركيب العضوي للإنسان, إلى جانب الظواهر الاجتماعية والحوادث التاريخية, إلى جانب الظواهر الطبيعية وحوادثها…. تستغرق مجموع معاني الوجود.

ومن البديهي أن المقام يضيق هنا عن سرد كل ما ورد حول هذه الجوانب الثلاثة من نصوص الوحي, ولكن الأهم من ذكر النصوص هو لفت الانتباه إلى المشكلات المعرفية التي تثيرها هذه النصوص, فليس المهم أن نردد العناصر الجزئية التي تذكرها هذه النصوص ولكن المهم أن نذكر ما تحمله من إشارات شكلت المجال المعرفي الذي استأثر باهتمام الإنسان.

إن القرآن لا يكتفي بذكر عناصر الوجود المادية وآحادها دون أن يستثمر ما فيها من تناسق وتقابل وانتظام, كما أنه لا يكتفي بذكر وقائع وحوادث الإنسان عبر التاريخ كمواقف فردية أو حالات خاصة, فالقرآن ليس سجلًا تذكاريًّا يجد فيه القارئ قصصًا ممتعة حول هموم الناس وشئونهم الخاصة, ولكنه يستثمر معطيات التجربة الاجتماعية التي عاشها الناس ليكشف أبعادها القيمية, ويحدد عناصر القوة والضعف فيها. ومن هذا المنطلق سأكتفي بذكر نماذج من هذه المثيرات المبثوثة في الوجود كمعطيات علمية تحمل أبعادًا معرفية تستحق التسجيل والدراسة, كالتقابل بين الأشياء المختلفة, والتكامل بين عناصر الوجود, والحركة الدؤوبة التي لا تهدأ, والنظام الذي يرتب هذه الحركة في سنن مطردة, والمقادير التي وضعت وفقها الأشياء بدقة وإحكام, وأصناف المخلوقات وما توحي به من اتحاد في النوع, ومن ثم في الوظيفة… إلى غير ذلك من المؤشرات المعرفية.

  • أ‌- تقابل عناصر الوجود :

يلاحظ في العرض القرآني هذا التقابل بين عناصر الوجود, وهو تقابل جدير بأن يلفت نظر الإنسان إلى دراسة هذه الظاهرة والوقوف على أسبابها واستجلاء خفاياها وكشف نظامها. لم يكن عبثًا أن يذكر القرآن الليل في مقابل النهار, ويجعل ذلك قانونًا مطردًا في الحياة. فهذا التقابل لا بد أن يثير فضول الإنسان لكشف حركة الزمن وفك رموزها. ولم يكن عبثًا أن يذكر القرآن الخلق في مقابل الفناء, ويجعل ذلك سنة تحكم الإنسان والحيوان والوجود كله…, وهكذا في كل العناصر المتقابلة التي ذكر القرآن أمثلة كثيرة منها, إنه يعرض لاختلاف الليل والنهار, والبعد الفاصل بين المشرق والمغرب, وانبثاق النور عن الظلام, والحركة عن السكون, والحياة عن الموت, والموت عن الحياة, ورفع السماء وانبساط الأرض, وخفض البحار ورفع الجبال, ويشير إلى الخسوف والكسوف…

  • ب‌- الحركة والتغير في عناصر الوجود :

من خلال المشاهد التي يعرضها التي يعرضها الوحي يبدو الوجود حيًّا دائم الحركة لا يهدأ لحظة واحدة؛ حتى أن ذلك ليترك في الحس والعقل انطباعًا قويًّا بأن التوقف عن الحركة لحظة واحدة إنما يقود إلى الفناء والدمار. كل شيء في الوجود حي نابض متحرك : حركة الزمن : تعاقب الليل والنهار, والشهور والسنون, ودوران الشمس والقمر, وحركة الجماد : بحيث يظهر كل شيء متغيرًا على وجه الأرض تبعًا لحركة الزمن وفصول السنة, حتى المظاهر والألوان والأشكال تربو حينًا وتخمد حينًا, تخضر وتصفر…., وكذلك حركة الإنسان كفرد بين القوة والضعف, وكجماعة حيث تتعاقب وتعاقب الأجيال, وحركة الصراع بين الحق والباطل, والطاعة والعصيان, وتدافع الخير والشر, والكفر والإيمان…

  • ج‌- الانتظام والسننية :

يعرض الوحي الوجود في صورة حية متحركة, ولكن هذه الحركة ليست حركة عشوائية عبثية, إنها حركة منتظمة وفق ترتيب معين, وسنة معينة تحكم كل أفراد الوجود وآحاده وأجناسه بما فيها حركة الإنسان, والحقيقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر أن هذا الانتظام يشكل أكبر تحدِّ للعقل الإنساني, ومن ثم دعوته للوقوف طويلًا أمام هذا الكم الهائل من الأجرام والمخلوقات والعوالم التي لا يتصور العقل مداها وحدودها وآفاقها, هي مع ذلك لا تتخلف طرفة عين عن سننها وقانون سيرها؛ فكان حتمًا أن ينتهي البحث العلمي المتحرر من الجحود ومغالبة الفطرة إلى الحكم القرآن :  }رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ((آل عمران191)

  • التقدير المحكم :

من خصائص العرض القرآني لمعطيات الوجود أنه ينبه إلى التقدير المحكم لهذه العناصر وحركتها وانتظامها ووجودها وفنائها, يكثر في القرآن ذكر هذه التقديرات والكميات }وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} (الحجر   (19{وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَار}ٍ) الرعد  (8 {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَا }  (المزمل  ( 20{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرً} (الفرقان20 )   وتصريح القرآن بتعميم التقدير على كل آحاد الوجود يغني عن التفصيل, فلا شيء يشذ عن هذا التقدير حتى الورقة تسقط من شجرتها, وهو أمر جدير بأن يلفت انتباه الإنسان ويسخر كل طاقاته العلمية لتعميق معرفته وكشف خصائص الأشياء ومكوناتها وأجزائها, وهو الأمر الذي استفادت منه علوم الفيزياء والفلك وغيرها… إلى حد بعيد.

إن تتبع طريقة العرض القرآني يكشف كثيرًا من المثيرات العلمية اللافتة لانتباه الإنسان, فهناك تكامل عناصر الوجود ودلالته على شدة التفاعل والارتباط بين هذه الأجزاء والعناصر, وهناك تصنيف هذه العناصر في أجناس وأنواع وجماعات وأمم وما تثيره في العقل الإنساني من تساؤلات حول خصائصها وعاداتها ووظائفها وطريقتها في العمل, وهناك ظاهرة الخلق وما يتعلق بها من انتقال من طور إلى طور وهكذا..

وفي تقديري أن هذه الظواهر وهذه المثيرات هي التي تستحق التسجيل, وهي التي كانت وراء الجهد العلمي الجبار الذي قطع فيه الإنسان أشواطًا بعيدة, وهذه الظواهر والمثيرات تكفي وحدها لتلهم الإنسان طريق العلم دون الرجوع إلى آيات القرآن, وتلك نعمة إلهية على الإنسانية أن جعل لها كتابًا مفتوحًا تقرأ آياته في الكون؛ ولذلك لم يكن عبثًا أن ينعتها القرآن بكونها آيات }وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِين وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات  (20-21 فهي تقابل آياته في الذكر الحكيم, وتظل هذه الآيات تلهمه طريق العلم, سواء تعرف عليها في كتابه المقروء كما في كتابه المفتوح ما دامت تعرض نفسها في صورة تحد تثير فضوله وانتباهه, وتضعه وجهًا لوجه أمام غوامض الكون ورموزه ومثيراته.

العلاقة بين هذه الأصول

لعل السمة التي تميز بها الإسلام في كل تجلياته هي الوحدة والانسجام والتناغم, وهي نفس السمة التي تطبع منهج المعرفة الإسلامية باعتبارها جزءً ينبثق عن هذا الكل, والوحدة تنفي التقاطب والتنافر بين الأصول المعرفية, وهو التنافر الذي سجله تاريخ العلم في البيئات التي ظلت معزولة عن التوجه الإسلامي, إن الحقل المعرفي متنوع بطبيعته ولا يتصور أن ينفرد به أصل دون آخر. وتردد النشاط المعرفي بين دوائر الوحي والعقل والحس يستدعي بالضرورة حضور العناصر الثلاثة مجموعة دون أن يلغي أحدها الآخر. إن العلاقة التي تنتظم هذه الأصول هي علاقة تكامل أو هي علاقة تساند لا تعاند. حيث يكمل بعضها بعضًا, ووجود هذه العناصر مجتمعة يمثل تمام المنهج المعرفي الإسلامي في شموليته. إن المنهج المعرفي الإسلامي منهج إيماني يقوم على التسليم ببداهات الوحي وأحكامه في الوجود الدنيوي والأخروي, وفي أحكامه القضائية والكونية, وهو منهج عقلي يعتد بأحكام العقل, كما أنه منهج واقعي لا يلغي الوجود الحسي من اعتباره في بناء معرفة يقينية وعلمية.

هذه الأصول الثلاثة تتوزع المجالات المعرفية التي ينهض الإنسان بتغطيتها, ولو اقتصر على أصل واحد منها لجاءت معرفته مبتورة وناقصة, ولما استطاعت أن تستوعب مختلف المجالات المعرفية الضرورية للإنسان في تحقيق وجوده وأداء وظيفته.

إن مجالات المعرفة مجالات مختلفة, منها ما يدرك بالحس دون العقل أو الوحي, ومنها ما لا حظَّ فيه للعقل والحس, ومنها ما يتوقف على الإدراك الحسي المباشر, ولا يغني فيه وجود مصادر أخرى قد تأخذ صفة التوجيهات والكليات والمبادئ أو صفة العموم والإجمال.

هذه فكرة مجملة عما نقصده بوحدة المعرفة في المنظور الإسلامي, ولكنها غير كافية في الدلالة على المقصود, وهو الأمر الذي سوف توضحه هذه الفقرات.

  • التحام الغيب بالحس

في المنظومة المعرفية الوضعية تكون العلاقة بين الغيب والحس علاقة تنافر وتقابل, فالغيب يقابله الواقع, والإيمان بالغيب يعني الإيمان بالخرافة في مقابل الإيمان بالواقع الذي يعني التفسير العلمي. فالإيمان بالغيب هنا يصبح إيمانًا بشيء لا وجود له على المستوى الوجودي لعدم خضوعه للحواس. والنظريات المعرفية الوضعية المادية على اختلاف منطلقاتها تلتقي ـ في العموم ـ حول قاعدة تعتبرها من البديهيات, وهي أن الوجود كله منحصر في الوجود الحسي, وهو وحده مصدر المعرفة[21].

هذه النظريات على اختلافها تهدف إلى التأكيد على مشروعية التصورات المادية حول قضايا الإنسان والمجتمع والطبيعة, وتسقط من حسابها البعد الغيبي الذي تراه منافيًا لكل معرفة علمية جديرة بهذا الوصف.

أما في المنهج الإسلامي في بناء المعرفة فإن ثنائية الحس والغيب لا تأخذ بعدًا تقابليًّا, فالاثنان ينسجمان في كل ٍّ واحد. ولا يمكن أن ترتسم الصورة الكاملة للحقيقة العلمية في تصور الواقع مع غياب أحدهما  أو إسقاطه. إن الغيب لا يقابله الواقع كما لا يقابله الوجود إنما يقابله الحس. فالوجود يشمل ما أدركناه بحواسنا وما غاب عنها سواء بسواء, وعدم إدراكنا للشيء لا يعني عدم وجوده, فما غاب عن حواسنا قد ندركه بعقولنا. إن الوجود وجودان : وجود حسي ووجود غيبي. والقرآن حينما يتحدث عن الوجود يتحدث عنه بهذا المعنى الشمولي كما في قوله تعالى:  }عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}  (التغابن   (18{هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}  (الحشر   (22{ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة}  (الجمعة  (8 فأخبر أن علمه يتعلق بالوجود كله في جانبيه الحسي والغيبي معًا.

إن ما غاب عن حواسنا قد ندركه من جهة العقل أو من جهة الوحي, وهنا يأخذ المجال المعرفي الذي يمارس فيه الإنسان نشاطه طابعًا شموليًّا وتكامليًّا في نفس الوقت, ويجاوز دائرة الحس الضيقة. وبالمقابل فإن حصر النشاط المعرفي والتفكير العلمي في حدود المادة يقف عائقًا في وجه العلم دون الوصول إلى إدراك الحقيقة في شموليتها تلك ما دام الحقل المعرفي الذي يتحرك فيه جزئيًّا ومحدودًا بحدود الحس والمادة.
ومن جهة أخرى لا يخلو النشاط المعرفي الذي يتقيد بالحس من مخاطر الشك والريبة؛ لعجزه عن استيعاب الوجود في كليته, وهو الأمر الذي نبه عليه (بول زاله) في كتابه عن تاريخ الفلسفة ((المطالب والمذاهب)) حيث نبه إلى أن التوغل في التجربة ينتهي إلى الحسبانية, أي السفسطائية الريبية, وسبب ذلك أن المجرب لا بد أن يبقى أمامه ناحية لا تصل إليها تجربته مهما تقدم, فيساوره الشك من تلك الناحية[22].

إن الحقائق الغيبية متى ثبتت صحتها, مهما كانت الطرق المنهجية التي ثبتت بواسطتها مخالفة للطريقة الحسية تبقى حقائق علمية نهائية وقطعية, قد لا تصل الحقائق التجريبية نفسها إلى درجة قطعية ثبوتها, فمع سلامة المنهج التجريبي في الحسيات قد تخطئ التجربة وقد تتخلف ولا تطرد في كل الحالات.

لكن لماذا اقتضت الحكمة الإلهية أن يخفي جانبًا من الوجود وهو الذي يعبر عنه القرآن بعالم الغيب في مقابل الجانب الحسي الذي يعبر عنه بعالم الشهادة؟ سؤال جدير بالطرح وجدير بالاهتمام معًا.

إن الإنسان لو قدر له أن يعلم كل شيء ويجد الجواب جاهزًا لكل تساؤلاته الفطرية حول المشكلات الفلسفية الكبرى التي شغلت اهتمام العقلاء, لو قدر له ذلك لما كان للحياة معنى قط. إن الإنسان بفطرته يتطلع دائمًا إلى اكتشاف المجهول وتلك حكمة إلهية بالغة, فكلما استشعر الإنسان عجزه عن اكتشاف المجهول استشعر عظمة الخالق المدبر الحكيم, وهو شعور للإنسان يمنحه كثيرًا من الطمأنينة والأمن النفسي في الحياة كلما تذكر أن للكون خالقًا رتب أجزاءه وحدد نظامه؛ إذ مقتضى هذا الترتيب والنظام أن الإنسان له مكانته وقيمته في أفق هذا الوجود الفسيح وليس مجرد ذرة منفلتة تائهة في أعطافه. وبالمقابل لو قدر للإنسان أن يعيش في عالم حجب عنه كل شيء لاستحالت عليه الحياة وسط هذا العماء المعرفي القاتم.

وبين جلاء الحس وخفاء الغيب, وبتعبير القرآن بين عالم الغيب وعالم الشهادة تكمن الوحدة والانسجام وتكتمل الصورة المعرفية للإنسان حول الوجود ((فالعقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود ليست عقيدة, ولا تجد فيها النفس ما يلبي فطرتها وأشواقها الخفية إلى المجهول, كما أن العقيدة التي لا شيء فيها إلا المعميات التي تدركها العقول ليست عقيدة, فالفكر البشري لا بد أن يتلقى شيئًا مفهومًا له, فيه عمل يملك أن يتدبره ويطبقه, والعقيدة الشاملة هي التي تلبي هذا الجانب وذاك)[23].

إن منهج المعرفة الإسلامية الذي يتميز بالتكامل يرفض تلك الثنائية التي تقيمها المذاهب الفلسفية بين ما هو حسي وبين ما هو غيبي أو مثالي؛ لتختزل الوجود في أحد جوانبه, هو ينظر إلى هذا الوجود كما هو في حقيقته بكل مكوناته وعناصره المادية والمعنوية, الحسية وغير الحسية, يؤمن بالوجود المشاهد الذي تدركه الحواس قدر إيمانه بالغيب الذي يدركه العقل.

  • تعاضد العقل والدين أو العلم والإيمان

لا شك أن أخطاء كبرى وقعت واعترضت سبيل التقدم المعرفي للإنسان وفهم حقيقة وجوده, وكانت في أصلها ناتجة عن غياب الفهم الواضح لهذه العلاقة التكاملية بين هذه الأصول المعرفية, وعدم فهم المجالات التي يستقل بها بعضها دون الآخر, وعدم فهم الحدود الفاصلة أو المتداخلة بينها. لقد ظلت المعرفة الغربية لمدة تقارب على خمسة عشر قرنًا تتيه في الخرافة والوهم؛ نتيجة هذا الخطأ عندما سيطرت على العقلية الغربية أفكار كهنوتية يدعمها منطق صوري أقعدها عن العطاء المستمر, وجعلت منها عقلية مثالية تحلق في عالم المثل متجاهلة عالم الواقع.

وفي مقابل إلغاء الكنيسة كل اعتبار للعقل الإنساني الحر, وإلغاء كل اعتبارات غير دينية في فهم ما يحتاج الإنسان إلى فهمه في عالم الطبيعة, وإقصاء الأصول الأخرى عن دائرة العمل العلمي, كان من الطبيعي أن تنشأ تلك التناقضات التي أدت إلى ردود فعل قاسية وقفت على الطرف المناقض؛ لتلغي بدورها كل الاعتبارات الدينية, وتبقي فقط على الاعتبارات المادية والحسية دون سواها, وهو المسلك الذي نهجته الفلسفة الوضعية والمادية التاريخية.

على أن النظرة الإسلامية التي تقوم على وحدة المعرفة وتكامل الأصول المعرفية تبدو أكثر أهمية إذا علمنا أن المنهج المعرفي الغربي لا يزال توجهه ردود الفعل تلك, ويصر على اختزال المعرفة الإنسانية في أبعادها الحسية على حساب الروافد الأخرى, وهذا يجعلنا نعلق آمالًا عريضة على منهج المعرفة الإسلامية لتخليص نظرية المعرفة من صراعاتها المفتعلة.

إن النظريات المعرفية الغربية عامة, وعلى اختلاف مشاربها تتحدد فيها العلاقة بين العقل والدين في كونها علاقة تقابل وتعارض, وفي أحسن الأحوال علاقة انفصال وانقطاع, فالحكم العقلي إما أن يناقض الحكم الديني أو يستقل عنه فيكون للعقل مجاله وللدين مجاله. الموقف الأول تجسده الفلسفات والمذاهب الوضعية والمادية التي تقوم في جوهرها على أساس وجود قطيعة معرفية بين المعرفة العلمية المرتبطة بكل ما هو محسوس, وبين المعرفة الدينية التي تعبر في جوهرها عن تصور ميثولوجي خرافي مناف للتفسير العلمي. أما الموقف الثاني فيمثله أصحاب المذاهب الفلسفية المسيحية الذين فصلوا بين دائرة اختصاص كل منهما حيث يستقل العقل بالعلم وتنمية الخبرة الإنسانية في الحياة, ويستقل القلب بالإيمان وقضايا الاعتقاد, والإيمان فوق العقل ولا يثبت عن طريقه.

إن (كانط) من كبار الفلاسفة المسيحية يؤمن بوجود الله, ولكنه ينفي إمكانية تأسيس هذا الإيمان على العلم. يقول (كانط) : ((إن الإيمان على الأكثر يكون أقوى من العلم))[24]. ويقول (فرح أنطون) من المفكرين المسيحيين العرب في تأكيده هذه القطيعة بين العلم والإيمان : ((إن العلم يجب أن يوضع في دائرة العقل؛ لأن قواعده مبنية على المشاهدة والتجربة والإمعان, وأما الدين فيجب أن يوضع في دائرة القلب؛ لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد في الكتب المقدسة من غير فحص في أصولها)), ويقول : ((إن الدين متى صار عقليًّا لم يعد دينًا بل أصبح علمًا(( [25]. والموقفان معًا يقيمان نوعًا من التقابل بين طريق العلم وطريق الإيمان, فمن ينحاز إلى طريق العلم ينكر طريق الإيمان, ومن ينحاز إلى طريق الإيمان ينكر طريق العلم ويرفع شعار : اعتقد وأنت أعمى.

وإذا نظرنا إلى المشكلة في طرحها الإسلامي نجد علماء الإسلام يقولون : أن الإيمان الذي لا يستند إلى العلم ـ أي الدليل ـ عرضة للتشكيك[26]. فكون الإيمان مسألة قلبية وجدانية لا يتعارض مع كونها أيضًا مسألة عقلية يمكن إثباتها بالدليل العلمي القاطع.

إن هذه النتيجة التي انتهى إليها علماء الإسلام هي نتيجة لاستقراء الشواهد القرآنية, ونحن نقتطف أمثلة مما ذكره (ابن القيم) في كتابه : ((مفتاح دار السعادة)) و(الحارث المحاسبي( في كتابيه : ((العقل)) و((فهم القرآن)).

قال تعالى } :شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئـِمَا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران (18 فقد استشهد سبحانه على وحدانيته بأولي العلم دون غيرهم من البشر, وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته, وموضوع الشهادة هو التوحيد, وهي أعظم قضية شغلت فكر الإنسان وأجلها على الإطلاق, فاختار لها أجل الخلق وأكابرهم وسادتهم وهم أولو العلم.

إن القرآن يجعل شهادة العلماء تلك حجة على المنكرين, فآيات الله لا يعقلها إلا العالمون ولذلك قال تعالى} :أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى } (الرعد ( 19  فإذا رأى أولو العلم أن ما أنزل على الرسول حق فلا عبرة لإنكار غيرهم ممن عمت بصيرتهم عن إدراك آيات القرآن ولائله. وإذا كان موقفهم هذا عن جهل وكان موقف المؤمنين عن علم, فإيمانهم أو عدمه لا قيمة له ولا يغير الموقف من قضية الإيمان, وهذا المعنى هو ما تؤكده الآية القرآنية  } قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} (الإسراء ( 107فما دام أهل العلم قد آمنوا, فسواء أن يؤمن غيرهم أو ينكر.

إن القرآن يخبر أن الجديرين بالإيمان بالله وخشيته إنما هم العلماء, وقد خصهم من بين الناس بذلك, قال تعالى }إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر28) وهذا حصر لخشية الله في أولي العلم. وحينما ذكر القرآن مصير العلماء ذكرهم في مقام الرضي }رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} (البين8). وقد أخبر أن أهل خشيته هم العلماء لعلمهم, وذم المنكرين لجهلهم } وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}  (الأنعام ( 111{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}‏) الأنعام(37.

إن القرآن ينزع صفة التعقل عن المنكرين لقضية الدين }إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} (الأنفال 22) ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك10) والتعقل كفعل وممارسة عملية, صفة مشتركة بين سائر البشر, والقرآن إذ يصفهم بالصم البكم الذين لا يعقلون, لم يعن أنه خرس مجانين, فهم في الدنيا أهل بصر وسمع وعقل, والواقع يشهد بوجودها, ولم ينف عنهم القدرة على كشف الروابط القائمة بين ظواهر الأشياء للنفاذ إلى حقيقتها, ولكن العقل السليم لا بد أن يوصل صاحبه إلى الإيمان بوحدة الخالق المدبر, كما أن العقل المجرد عن هذه الخاصية يظل عقلًا معتلًا مهما كان دقيقًا في كشف أسرار الكون ونظامه. فالعاقل هو الذي يفهم عن الله أدلته وآياته.

قال (ابن القيم) عن العلاقة بين العلم والإيمان والجهل والإنكار[27] : ((إن مما يقف دليلًا على اتحاد طريق العلم والإيمان, أن الأنبياء وهم رسل الإيمان كانوا يتعوذون من الجهل كما قال (موسى( عليه السلام:   }أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (البقرة (67 ، وقال تعالى لـ (نوح) : }إٍنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(هود 46)، وأمر القرآن النبي ـصلى الله عليه وسلم- بالإعراض عن الجاهلين }وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف199). (الأعراف/ 199)، {وأثنى على عباده المؤمنين لإعراضهم عنهم }  {سَلامُ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (القصص/ 55)  {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا } (الفرقان/ 63) . وهكذا تجد القرآن يصور العلاقة بين العلم و الإيمان بأنها علاقة توافق و اتحاد، و يصور العلاقة بين الإيمان و الجهل بأنها علاقة اختلاف و تضاد، فحسّن العلم و رغّب فيه، و قّبح الجهل و حذر منه، ووصف العلم بمستلزماته من النور و الضياء و بعث الحياة، كما وصف الجهل بمستلزماته من الظلمة و الشر و الهلاك: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُلُمَاتِ لَيْسَ بخَارِج مِنْهَا} (الأنعام/ 122)،  قَدْ جَاءَكٌمْ مِنَ الله ِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبينٌ يَهدِي بهِ اللهُ مَنِ اتَبَعَ رِضْوَاَنهُ سُبُلَ السَلاَمِ وَيُخْرِجُهُمُ مِنَ اَلظُلُمَاتِ إِلَى النُورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ(المائدة/ 15 ـ 16 [، } يَاأَيُهَا النَاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا] (النساء/ 174] .

  • التوحيد و التفسير العلمي

لا يمكن أن نتصور مذهبًا عقديًا مجردًا عن أسسه الفلسفية التي يقيم عليها بناءه ويحدد سلفًا تصوره للوجود، و يحكم تفكيره و مزاجه وأخلاقه …، و هذا الأساس الفلسفي هو الذي يمنحه وحدة المفاهيم و التصورات، ويجعل مجموع عناصره الفكرية و الثقافية و السلوكية تنصهر في هذه الوحدة بحيث تظهر منسجمة في تصوراتها و طرق تفكيرها و قواعد سلوكها. و من هذا المنطلق يمكن أن نميز بين الأنماط الحضارية ذات الأسس الفلسفية المتباينة. إن هذه الوحدة نلمسها في النمط الحضاري المادي للكون و التفسير المادي لكل ظواهره، تمامًا كما نلمسها قي النمط الحضاري الذي يقوم على الاعتراف بوجود الخالق، و من ثم يبني تصوره على ثنائية الخالق و المخلوق انسجامًا مع العقيدة التي توجهه و تؤسسه .

وفي حين نجد المنحى المادي يقدس الإنسان و الطبيعة، ويعتبرهما القوة الوحيدة الفاعلة في الوجود، نجد المنحى الإسلامي يتجه أساسًا إلى اكتشاف القدرة الإلهية المبدعة. في الإنسان و المجتمع و الطبيعة. وفي حين نجد المنحى المادي يعتبر أن كل تفسير لظواهر الكون و حوادثه خارج الحدود المادية التي لا ترى في هذا العالم سوى مجموعة تفاعلات ذاتية و تلقائية ضريًا من السحر، و هو أمر ينسجم مع تصوره الفلسفي، على حين يعتبر المنحى الإسلامي أنه ما من حركة أو سكنة تقع في هذا الكون الفسيح إلا و هي تقدير إلهي سابق في الأزل، و هو حكم ينسجم مع التوحيد الذي يشكل أساسه الفلسفي .

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، يتعلق بمصداقية التعارض الذي يقيمه المنحى المادي بين التفسير السببي الذي يقوم على إدراك النظام الترتيبي للوجود و إرجاع الظواهر إلى عللها و أسبابها الكامنة وراءها يتنافى حتمًا مع القول بوجود خالق يملك القدرة المطلقة و يتصرف تصرفًا مطلقًا في ظواهر الكون؟ و بكلمة، هل القول بالتوحيد يتنافى مع التفسير السببي ؟ .

يقول المرحوم محمد المبارك: (إن الإسلام إذ قرر ترابط أجزاء الكون و حوادثه ترابطًا مطردًا منظمًا، وهو ما يسمي في الفلسفة الحديثة بالنظام السببي للكون، لم يقف عندن كما وقف الماديون بل جاوزه إلى طرح أعظم قضية كونية: من أين جاء الكون و نظامه؟، من خلقه ؟، من قدر نظامه ؟، ثم الإجابة عليها بتسلسل منطقي و إلزام عقلي . إن هذه النظرة التي لا تقف عند حدود العلم التجريبي هي استمرار و استكمال للفكر العلمي، بل إن سلسلة التفكير العلمي تبقى ناقصة و غير منطقية دون هذا التحديد للخط البياني لبحث ما وراء منطقة العلم التجريبي)[28].

نفهم من هذا أن الوقوف عند إدراك النظام السببي للكون هو وقوف في منتصف الطريق، ولابد من مجاوزة ذلك إلى الأهم: الوقوف على موجد هذا النظام و مرتبه لتكتمل الصورة. وهنا يظهر جليٌا أن التعارض المزعوم بين قدرة الله خالق الكون و نظامه السببي تعارض مفتعل؛ فالإيمان بقدرة الله المطلقة التي أبدعت هذا النظام لا يقف حائلاً دون النظر في تعاقب الحوادث و ترابطها و تعليلها و خضوعها لسنة مطردة و قانون عام فالأحرى أن يعارضه، بل إننا حينما نتعرف بوسائلنا وإمكاناتنا العلمية على هذا النظام لا نفعل شيئًا أكثر من اكتشاف هذه القدرة المطلقة المبدعة لنجد أنفسنا واقفين على عتبة التوحيد.

يقول الدكتور أحمد فؤاد باشا أستاذ الفيزياء بجامعة القاهرة: (إن الإيمان بوحدانية الله سبحانه تعالى يستلزم بالضرورة العقلية أن يرد الإنسان كل شيء في هذا الكون إلى الخالق الحكيم الذي أوجد هذا العالم بإرادته المباشرة المطلقة، و خلقه على أعلى درجة من الترتيب و النظام و الجمال، وأخضعه لقوانين معينة ثابتة لا يحيد عنها .. وقد شاءت إرادته تعالى أن تبين لنا من خلال نظام الكون و وحدته استمرارية المواد كأشياء و تكرر الحوادث و الظاهرات كعلاقات سببية؛ لنراقبها و ندركها و ننتفع بها في حياتنا الواقعية[29].

و خلاصة القول: إن البحث العلمي المتحرر من الخلفيات المادية لابد أن ينتهي من البحث في ترابط الأسباب إلى مسبب الأسباب، فالتوحيد يحيل مباشرة على القوة الفاعلة في الطبيعة و نظامها على السواء.

أخلاقيات المنهج الإسلامي

يتميز المنهج المعرفي في المنظومة الإسلامية بجملة من الخاصيات المنهجية المكتسبة من طبيعة الإسلام و مبادئه و توجيهاته نفسها. و هذه الخاصية هي جزء من المنظومة الإسلامية المتكاملة التي دعا الإسلام إلى التزامها بغض النظر عن مجال ممارستها و تطبيقها. و من هنا فإن هذه الخاصيات المنهجية تعبر في الواقع عن جملة من الضوابط الأخلاقية و العقلية و المنطقية التي تقرب الباحث نحو الموضوعية العلمية و تحد من شططه و تورطه في الذاتية المفرطة. وهي ـ من هذا المنظور ـ ليست بعيدة عن قواعد البحث العلمي المتحرر من الضغوط النفسية و الأيديولوجية، بل إنها تسعى إلى تحرير الباحث من الوقوع ضحية هذه الضغوط.

المشاهدة و المعاينة الحسية:

يتضح من خلال استقراء كثير من آيات القرآن الكريم أن الخوض في القضايا الغيبية التي لا يسندها الحس ضرب من الوهم، و من ثم ينكر القرآن كثيرًا من الآراء و المعتقدات التي سادت عند المشركين لكونها قضايا غيبية لم تصل إليها حواسهم، و هو بذلك يوجه نظر الإنسان إلى المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه معرفة يقينية، و هو عالم الشهادة الذى يدركه بحواسه و عقله.

والأمثلة على ذلك من القرآن الكريم كثيرة جدًا، فقد ادعى المشركون أن الملائكة إناث [وَجَعَلُوا الْمَلاَئَكَةَ الَذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَحْمَنِ إِنَاثَا(الزخرف/ 18)، فرد عليهم القرآن دعواهم بأنهم لم يشهدوا خقلهم:[أَشَهدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) (الزخرف/ 18)، ثم قال } ما لَهُمْ بذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُون{ (الزخرف/ 19)، فنفي عنهم العلم .

وفي صورة الصافات ينسب المشركون لله البنات وهو الملائكة؛ فيرد عليهم القرآن بنفس المنطق [أَمْ خَلَقْنَا الَمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ] (الصافات/ 150)، فكيف حكموا على الملائكة أنهم إناثًا وما شهدوا خلقهم. ولأنهم لم يعاينوا خلق الملائكة كان ما يقولون كذبًا و إدعاءً [أَلا إِنّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون وَلَدَ اللهُ وَإِنَهُمْ لَكَاذِبُونَ] (الصافات/ 151 ـ 152)، وفي سورة الكهف يحكي القرآن عن المشركين اتخاذهم إبليس و ذريته أولياء من دون الله؛ فيرد عليهم بنفس المنطق [مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ مَا كُنْتُ مُتَخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُدًا( (الكهف/ 51)، فهؤلاء عبيد لا يمكلون شيئًا، ولا شهدوا خلق السماوات والأرض، ولا أنفسهم فكيف يكونون شركاء لله ؟.

وفي سورة الإسراء نهي قاطع عن القول الذي لا يؤسسه علم للإنسان بموجب استخدامه حواسه [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بهِ عِلْمٌ إنَ الَمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاَ(ا (لإسراء/ 36.(

هذه أمثلة ترسم طريق تحصيل اليقين في مجال المعرفة الحسية و تحدد منهجًا في التعامل مع الحسيات يقتضي تأسيس المعرفة الإنسانية على المعايشة و التجربة الحسية، و اعتبار الوجود المادي للأشياء منطلقًا للحكم العقلي، وفي نفس الوقت مقياسًا لإثبات صحة معارفنا؛ حتى لآ ينساق الباحث وراء الفرضيات العقلية و يبني أحكامه على مجرد التأملات الذهنية .

التثبت من صحة الفرضيات:

المنهج العلمي يقتضي من الباحث أن يتثبت من صحة معارفه، فلا يعتقد إلا ما قام الدليل على صحته؛ حتى يسلم من الوهم و القول بالظن. و القرآن الكريم يجعل التثبت من القول و الخبر و الحدث أساسًا لبناء معرفة يقينية؛ و لذلك نجده يرد كثيرًا من الآراء التي شاعت عند طوائف من الأمم على تعاقبها؛ لأنها لم تكن قائمة على برهان و لم تثبت لأصحابها. ففي سورة يونس/ 68 يرد القرآن دعوى المشركين بنسبة الولد إلى الله {قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَاَنهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بهَذَا أَتَقُولُنَ عَلَى اللهِ مَا لاّ تَّعْلَمُونَ}فنفي أن تكون عندهم حجة بما قالوا. وفي سورة النجم/ 23، يرد القرآن على المشركين في اتخاذهم آلهة دون الله : {إنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمء مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانًا، بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم. وفي سورة الصافات/ 156 ـ 157، يرد دعوى المشركين بشأن الملائكة {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كَنْتُمْ صَادِقِينَ} ، يعني حجة واضحة، وقد سمى الله الحجة سلطانًا، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه: (كل سلطان في القرآن فهو حجة)[30].

و إذا كان القرآن قد نقض دعاوى المشركين؛ لأنها لم تكن مؤسسة على حجة و برهان فقد ألزم المؤمنين برسالته بالتثبت التوثيق، كما نقرأ ذلك في سورة الحجرات/6:  { يَا أَيُّهَا الذَّينَ ئَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأِ فَتَبيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} . وفي الآية تنبيه على ما يترتب عن عدم التثبت من تبعات، وما قد ينجم عن ذلك من ضياع لحقوق الناس … و من هنا نفهم تعدد الآيات في الاحتراز من القول بالظن و تقليد الشائعات… فقد نهى القرآن عن اتباع الظن الذي هو التوهم و الخيال كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنَّ} (الحجرات/ 12)، وفي الحديث: (إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث) وفي سنن أبي داود: (بئس مطية الرجل زعموا)، كما ورد النهي عن التقليد لما ينتهي إليه من قناعات زائفة غير مؤسسة على برهان و لذلك ندد القرآن بالتقليد و السير وراء ما ورثه الأبناء عن الآباء كمما في قوله تعالى:  {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبعُ مَا أَلْفَيْنَاَ عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} (البقرة/ 170(.

إخلاص النية في البحث و التجرد من الهوى :

هذا المبدأ يتحدث عنه علماء المناهج باسم الموضوعية و التجرد من النزعة الذاتية، و مهما اختلفت التسميات فإنها تبقى عناوين لمواقف متحدة. كان المشركون من قبل ينحازون لمعسكر الشرك و يجحدون بآيات الله وإن كانت قد استيقنتها أنفسهم، و اليوم يتحدث الناس عن الانتماء الطبقي و السياسي و الانحياز الأيديولوجي. و الموقف واحد، فالباحث الذي يركب هواه و ينحاز لما تمليه عليه مصالحه الطبقية و انتماءاته القومية أو السياسية يتنكب الموضوعية، و يضع بينه و بين الحقيقة حاجزًا يصعب عليه تخطيه .

و لتحرير الإنسان من قبضة الهوى و ضغط الانتماء الأيديولوجي نبه الإسلام إلى ضرورة تخطي منطقة الصراع بالباطل، وتجاوز المصالح و الضغوط و التجرد عن الميولات الشخصية، وألح على التعلق بقيم الحق و العدل، وهو معنى من معاني الإسلام التي تقتضي إخلاص النية، و  القصد لله، و التحرر من الهوى و ما يلزم عنه من الضلال .

نقرأ في القرآن الكريم آيات كثيرة تحذر من اتباع الهوى و الركون إلى حديث النفس، من ذلك قوله تعالى:  {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيِلِ الله} (ص/ 26)، و قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم} (النازعات/ 40 ـ 41)، وفي الحديث (جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم)[31].

وفي المجال العلمي يعتبر الإسلام اتباع الهوى خيانة في العلم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تناصحوا في العلم، فإن خيانة في العلم أشد من الخيانة في المال)؛ و لذلك سمى هؤلاء بعلماء السوء كما جاء في الحديث: (لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شر الخلق أبى وقال: (اللهم غفرًا) حتى كرروا عليه فقال: (هم علماء السوء). ولقد فهم علماء الإسلام هذا المبدأ فكانوا لا يأخذون علمهم عن صاحب هوى، كما أثر ذلك عن الإمام مالك قال: (لا يؤخذ هذا العلم من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو إلى بدعته، ولا من كذاب في أحاديث الناس).

التأمل الإيجابي:

القرآن الكريم لا يترك موضعًا في الوجود دون أن يثير انتباه الإنسان إليه؛ ليتأمل و يتفكر فيه، و يجعله موضع اهتمامه و تدبره. ولكن التأمل الذي يدعو إليه القرآن يختلف عن التأمل الفلسفي المجرد عن دليل الوحي، وهو تأمل لا يمتنع أن ينتهي بصاحبه إلى الحيرة و الشك و تحكيم خياله و خطرات نفسه؛ ليخرج على الناس بعد ذلك بمذهب فلسفي معين تنقصه المصداقية في أغلب الأحوال.

إن التأمل الذي يدعو إليه القرآن: تأمل إيجابي هادف، يجمع بين الحس المرهف و العقل الواعي و الإيمان الثابت، يثير مشاعر الفطرة في الإنسان و يفتح أمام فهمه أبواب المجهول، و ينتهي منه إلى برد اليقين، تأمُّلٌ يفتح أبواب العلم و الهدى على السواء.

يقول ابن القيم في معنى قوله تعالى: {إنَّ فِي ذَلِكَ لّذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيد} (ق/ 37)، (إن التأمل يفتح أبواب العلم و الهدى، وبإهماله ينغلق باب العلم؛ لذلك أمر الله عباده أن يتدبروا آياته المتلوة المسموعة و المرئية المشهودة بما تكون تذكرة لمن كان له قلب، فإن من عَدِم القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه، ولابد لحصول الانتفاع من النظر في آيات الله من توفر ثلاثة أمور: سلامة القلب و صحته و قبوله، فإحضاره و جمعه و منعه من الشرود و التفرق، فإلقاء السمع و إصغاؤه و إقباله على الذكر، و هي الشروط الثلاثة التي تضمنتها الآية: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}، أي قلب واع؛ لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له، {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ}، وإلقاء السمع يعني الإصغاء الذي لا ينشغل عنه قلب بغير ما يسمع، {وض هُوَ شَهِدٌ} ، أي حاضر بفطنته؛ لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب)[32].

وهذا التأمل هو الذي دعا إليه القرآن في آيات متتالية استعرضت أجزاء الكون و ظواهره و حوادته و نوايسه … في مثل قوله تعالى:  {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} (يونس/ 101)، {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} )الطارق/ 5) {وَفِي أَنْفُسِكُمُ أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الذاريات/ 21) ، {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (عبس/ 24 ({أَوَلَمْ يَرَوْاَ إِلَى الطّْير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} (الملك/ 19) {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّأ عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُون وَلَهَمْ فِهَا مَنَافِعَ وَ مَشَارِبُ أَفَلا يَشْكرُونَ} (يس/ 71 ـ 73).

و التأمل لا يعني مجرد تحصيل المعرفة بالثراءة أو الحفظ، إنه مرتبة سامية تجاوز حدود القراءة العفوية لظاهر الأشياء إلى الغوص في أعماقها و تدبر غوامضها، ومن قل تأمله- كما قال الحارث المحاسبي ـ كثر جهله و بان نقصه، و لم يجد طعم البرّ ولا برد اليقين ولا روح الحكمة، وما بلغ علمًا مَنْ درس العلم بلسانه، و حفظ حروفه بقلبه، وأضرب عن النظر و التذكر و التدبر لمعاينه، وطلب بيان حدوده، ما أقربه في حياته من حياة البهائم التي لا تعرف إلا ما باشرته حواسها.

الشورى و تداول الرأي:

ليس اعتباطًا أَن يأتي الأمر بالشورى في كل ما يعرض من قضايا و مشكلات، فالشورى تفسح المجال أمام وجهات النظر المختلفة لاختيار أوفقها، و تعصم من الاستبداد بالرأي الذي يكثر معه الخطأ؛ و لذلك امتداح الله المؤمنين لتشاورهم في أمورهم فقال:  {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }(الشورى/ 38)، على أن أهمية الشورى و خطورتها تظهر جلية إذا علمنا أن الآية التي لم تستثن الرسول صلى الله عليه وسلم  قد أخذ بمشورتهم في الخروج. ومع أن النتيجة كانت تبدو في ظاهرها سلبية، يأتي الأمر الإلهي بالاستمرار على مبدأ الشورى و عدم التخلي عنه؛ ليجعل من الشورى حكمًا تشريعيًّا إلزاميًّا.

و لحكمة إلهية أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتزام مبدأ الشورى مع عصمته و تسديد الوحي إياه مما يغنيه عن الشورى، ولكن حكمة الله أرادت أن تجعل من ذلك مناسبة لتقرير هذا المبدأ في كل الأحوال حتى ولو وجدت القيادة الرشيدة المؤيدة بوحي السماء لتسد الطريق أمام الانفراد بالرأي مهما اعتقد صاحبه و جاهته. ومبدأ الشورى لا يخص مجالاً دون آخر، وليس حكرًا على المجال السياسي الذي ينصرف إليه الذهن عادة؛ ذلك أن الآية أوجبت الشورى في (أمر) المسلمين، والأمر ـ كما يقول علماء اللغة ـ لفظ عام يشمل الأقوال و الأفعال و الأحوال، فهي مفروضة شرعًا في كل ما يعترض الإنسان من مشكلات بغض النظر مجالها التداولي. على أننا نعثر على أحاديث نصت صراحة على وجوب الشورى في مجال البحث العلمي، فقد روى سعيد بن المسيب عن عليّ رضي الله عنهما أنه قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن و لم تمض فيه منك سنة؟ قال: (اجمعوا له العالمِين)، أو قال: (العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه رأي واحد)[33].

إن القضايا العلمية ليست أقل خطورة من القضايا السياسية التي ينصرف إليها مدلول الشورى، فالمشكلات المستجدة في عصرنا على الخصوص يستعصي حلها على فرد واحد لتباين التخصصات و تشعب المجالات المعرفية، مما يحتم تضافر الجهود و تكامل الرؤى و تنوع الخبرات.

حق الاجتهاد في الرأي:

نريد بالاجتهاد تلك الروح الإبداعية الواعية التي أصَّلها الإسلام في أتباعه، وإن كان الاجتهاد من حيث الاصطلاح ينصرف مدلوله إلى مجال الفقه و التشريع، وهو المجال الذى استأثر باهتمام المسلمين إلى حد بعيد؛ حتى عرفت الحضارة الإسلامية بأنها حضارة فقه، ولا غرابة في ذلك، فإن الفقه في معناه العام كان يشغل مساحة شاسعة جدًّا تستوعب مجموع نشاط الأمة سياسيًّا و اجتماعيًّا واقتصاديًّا وحياتيًّا، و كان على علماء المسلمين أن يجتهدوا وسعهم؛ لتحقيق النموذج الاجتماعي الملتزم بآداب الإسلام وقوانينه ومفاهيمه، و لكن المتأخرين عجزوا عن تحقيق المستوى الذي حققه الأولون في عصور التخلف و الانحطاط، لقد كانت الروح الغالبة على القرون الأولى من التاريخ الإسلامي هي روح الإبداع والابتكار والاجتهاد، و كان الدافع إلى هذه الروح العلمية والحركة الدءوبة جد سندها في نصوص الوحي نفسها، فقد كان من الطبيعي أن يكيف المسلمون الواقع الاجتماعي الجديد وفق مقتضيات الإسلام، ويجعلوا من الكتاب و السنة نظام حياة و ليس مجرد قوانين أخلاقية صورية لا تجد سبيلها إلى واقع الناس.

لقد نزل القرآن ليهيمن على حياة الناس فرادى و جماعات، ويسير بهم في طريق الحياة الفاضلة، فكان من الطبيعي أن يتقرر الأمر بالاجتهاد لحمل سلوك الناس وأفكارهم على مقتضى الإسلام. قال تعالى:  {وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقَّ مُصَدَّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبَعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقَّ} (المائدة/ 48(

ولقد فهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر القرآني، فكان لزامًا عليه أن يجتهد في صياغة الإنسان الحضاري الذي أراد الإسلام تحقيقه على أرض الواقع، و يعطي القدوة لأصحابه، فقد علمهم كيف يواجهون متغيرات الحياة بروح إيجابية بناءة لا تعرف الركون و السلبية، لقد رُوي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟) قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟) قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: (فإن لم يكن في سنة رسول الله؟) قال: اجتهد رأيي ولا آلو، قال معاذ: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري وقال: (الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله و رسوله)[34].

لقد كان هذا الحديث كافيًا ليفهم جيل الصحابة ـ ومن بعدهم الأجيال المتعابة ـ أن الاجتهاد حق في مختلف نواحيها، وهو كاف أيضًا ليفهم منه المسلمون أن تقديس القرآن لا يعني إلغاء عقولهم و تعطيلها من وظيفتها و أداء رسالتها، وأن الوحي لا يقف سدًّا منيهًا يحول بين الإنسان ودفة الحياة، ولكنه يدفعه إلى ذلك بقوة ويقين.

ولقد كان لهذا المبدأ ـ مبدأ الاجتهاد ـ أثره البالغ في قيام الحضارة الإسلامية التي استطاعت أن تتمثل مجموع الثقافات الإنسانية التي احتكت بها عبر فترات تاريخية مختلفة، واستطاعت أن تستوعبها وتجاوزها وتبقى على إيجابياتها دون سلبياتها، و وقف علماء الإسلام من التراث الإنساني موقفًا نقديًّا بنَّاءً تفاعل معه دون أن يفقد ملامح شخصيته الثقافية أو يمس ذلك هويته العقدية و الفكرية أو يغير من نمط حياته المجتمعية أو يشككه في تجربته التاريخية.

ظلت هذه السمة تطبع الحركة العلمية التي قادها المسلمون و التي اتخذت شكلاً تصاعديًّا لا يعرف خط الرجعة إلى أن عرف المسلمون عصور الانحطاط و التخلف، وهي العصور التي قفل فيها باب الاجتهاد، و سيطرت الروح السلبية تجاه الحياة، وقنع المسلمون باستيعاب واستهلاك ما أبدعه الأولون، فلم يكن من قبيل الصدفة أن يوجد هذا التلازم بين الانتعاش الحضاري في عصر الاجتهاد و التجديد، وبين الركود الحضاري و سيطرة روح التقليد، مما ولد روحًا انهزامية، و عقمًا فكريًّا، وجدبًا حضاريًّا.

وإذا قدر لهذه الفترة التاريخية القاتمة تطول و تأخذ حيزًا كبيرًا من الحضارة الإسلامية، فإن ذلك لا يمس جوهر الإسلام و مبادئه التي صنعت تاريخ المسلمين و حضارة الإسلام حينما تفاعل معها المسلمون، فهذه الظاهرة تجد جذورها و عللها في شروط و ظروف تاريخية موضوعية قعدت بالمسلمين عن أسبابه و سلوكهم غير طريقه. على أن هذه المرحلة التاريخية إذا قومت تقويمًا صحيحًا فسوف ينتهي بنا البحث إلى اعتبار عنصر التقليد و منع الاجتهاد علة العلل، فلم يكن التقليد وجهة نظر تسمح بخلاف الرأي بقدر ما كانت دينًا يتحكم في عقول الناس تمامًا، كما كان الاجتهاد من قبل دينًا يحرر عقولهم. وبلغ التقليد حدًّا من التعصب فقد معه طريق الخلاص و أذهل المجتهدين في ذلك الزمان.

ولقد وصف العز بن عبد السلام ما كان عليه المقلدة من تعصب قال: (من العجب العجاب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذه (أي الإمام) بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلده فيه و يترك من شهد الكتاب و السنة و الأقيسة الصحيحة لمذهبهم، جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب و السنة، و يتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن مقلده … كأنه نبي أرسل. و هذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب)[35]. ويذكر الشوكاني أن المقلدين ذهب بهم التعصب إلى الاقتصار على تقليد شخص بعينه دون سواه، مع الاعتقاد أن الحق مقصور عليه وما عداه باطل، وبلغ من تعسفهم أن العالم من علماء الاجتهاد إذا تكلم فيهم بشيء يخالف ما يعتقدوا قاموا عليه قومة جاهلية، و وافقهم على ذلك أهل الدنيا و أرباب السلطان. فإذا قدروا على الإضرار به في بدنه وماله فعلوا ذلك، وهم بفعلهم مشكورون عند أبناء جنسهم من العامة و المقلدة؛ لأنهم قاموا بنصرة الدين يزعمهم. ولقد بلغ من شدة المقلدين على المجتهدين أن الواحد منهم كان يكتم ما يعتقده من تحريم التقليد إلى ما بعد موته، وقد كتب ابن دقيق العيد ورقة قبل موته وجعلها تحت فراشه فلما مات استخرجوها فإذا هي في تحريم التقليد مطلقًا[36].

إذا كان هذا حال التقليد في عصر التخلف، و كان التقليد عندهم دينًّا، فإن العلماء في زمن النهوض الحضاري كانوا لا يعتبرون المقلد من أهل العلم، فقد حكى الإمام الشافعي عن بعض العلماء أنهم أجمعوا على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله[37].

وإذا تقرر أن التقليد دخيل وطارئ أفرزته ظروف التخلف الحضاري، وإذا تقرر أن الاجتهاد هو السمة التي تطبع منهج المعرفة الإسلامية وتؤسسها، وأن الإسلام يزكي في أتباعه روح الإبداع و التجديد، فإن علماء الإسلام قد أحاطوا هذا المبدأ بسياج محكم يحميه من الدخلاء و المتطفلين لضمات حسن السياسة و دقة التخطيط.

وإذا تصفحنا كتب الأصول نجد أن العلماء يشترطون مجموعة من الشروط تستوعب المواصفات العقلية و الأخلاقية للمجتهد. فمن حيث المواصفات العقلية اشترطوا البلوغ، فلا يقبل اجتهاد الصبي؛ لعدم اكتمال ملكاته العقلية التي يتم بها الإدراك. وهذا الشرط يمس مباشرة الوضع الحالي لواقعنا الفكري حيث كثر الخلاف و الانفراد بالرأي و الارتجال و غياب الرأي الواعي المتبصر لطغيان الاجتهاد الطفولي، و تصدر (الاجتهاد) حملة الشهادات الصورية ممن ليسوا أهلاً للرأي، و سواء أن يكون القصور ناتجًا عن صغر في السن أو سفه في العقل.

و كان علماء الإسلام يشترطون في العالِم ما سموه بفقه النفس، وهي صفة تعني أن يتمتع المجتهد بملكات عقلية فطرية فائقة، فيكون حاد الذكاء، حاضر البديهة، سريع الفهم و الهضم والاستيعاب، وهي صفات تميزه عن غيره ممن يعتمد في اجتهاده على معلومات مكتسبة من مجرد الحفظ دون الإبداع الشخصي. ومن حيث المواصفات الأخلاقية اشترطوا العدالة، وهي ـ كما عرفوها ـ ملكة تحمل صاحبها على اجتناب الكبائر و ترك الإصرار على الصغائر و البعد عما فيه خرم للمروءة. وقد يستغرب بعض المثقفين هذا الشرط و يستبعدوا علاقته بالبحث العلمي، و الحقيقة أن هذا الإشكال نتج عن شيوع العرف الغربي الذي يفصل الناحية الأخلاقية عن ميدان البحث العلمي بينما ينزل الإسلام الاعتبارات الأخلاقية منزلة الاعتبارات العقلية.

وهذا الاعتبار له دلالته بالنظر إلى المهام الخطيرة التي يتعين على المجتهدين الثيام بها، وقد أنزلتهم الأمة منزلة النخبة التي تسلم إليهم تسيير شئون الحياة في كل أبعادها المادية و المعنوية، وقد كان إهمال هذا الشرط سببًا في كل الانتكاسات التي يعيشها العالم الإسلامي. ولم يقصد علماء الإسلام بهذا الشرط أن العدالة شرط في بلوغ الشخص درجة الاجتهاد بل شرط في قبول اجتهاداته، وقد كان لهذا التوجه ما يبرره خاصة في العلوم الشرعية، فقد يتأهل كثير من الناس لاستنباط الأحكام الشرعية، ولكن أمر الاحتيال على الشريعة وهدم قواعدها يظل قائمًا إذا لم تتوفر العدالة؛ و لذلك قال الإمام الغزالي: إن العدالة تشترط لجواز الاعتماد على فتواه لا لبلوغه درجة الاجتهاد في نفسه، فكأن العدالة شرط لقبول الفتوى لا شرط صحة الاجتهاد[38].

بالإضافة إلى هذه المواصفات الأساسية هناك شروط جزئية تتعلق بكل فن، فلا يتصدر الاجتهاد في فن من الفنون من ليس بأهل لذلك الفن، ومن لم يستكمل الأدوات اللازمة لاجتهاده مما يفقد اجتهاده قيمته العلمية وما ينتج عن ذللك من فوضى فكرية.

إقرار مبدأ النسبية واحترام أدب الخلاف

تقرر-  فيما سبق أن الاجتهاد –  من المبادئ التي تؤسس منهج المعرفة في الإسلام. والاجتهاد  من حيث هو جهد بشري يعتمد الوسائل المتاحة، ويستثمر الخبرات الإنسانية الممكنة في مجال البحث العلمي، يفرز بشكل طبيعي اختلافًا في وجهات نظر المجتهدين و الباحثين لاختلاف مداركهم و فهومهم. ومع أن الشورى قد تقلل من درجة التباين و الاختلاف وتخلق جو الانسجام و التقارب إلا أن إلغاء الاختلاف أمر متعذر و غير ممكن لمناقضته سنة الله في خلقه من جهة؛ ولأن الاختلاف سمة لازمة للبحث العلمي نفسه؛ لتفاوت الأدلة المعتمدة وتفاوت العلماء في إدراكها و كيفية استخدامها. وعلى سبيل المثال فقد اختلف الفقهاء الأربعة ـ و كان حتمًا أن يختلفوا ـ مع تقدير بعضهم لبعض لأسباب موضوعية. من ذلك أن بعضهم قد لا يبلغه الحديث الذى بلغ غيره فيعمل بموجب غيره من الأدلة، وقد يبلغه الحديث فلا يطمئن إلى صحته فيخالف بذلك غيره، وقد يبلغه الحديث ولا يدرك معناه؛ لغرابة لفظه أو احتماله أكثر من معنى أو لكونه منسوخًا ….. إلى غير ذلك من الأسباب العلمية و الموجبة للخلاف.

وليست المشكلة في الاختلاف في الرأي بقدر ما هي في التعصب للرأي الواحد مع إنكار غيره، وهنا يحتاج الباحث إلى أن يتعلم أدب الخلاف ما دام الوفاق متعذرًا من الناحية العلمية. ولقد كان الفقهاء من أئمة المذاهب يختلفون فلا ينكر بعضهم على بعض، و كانوا يصوبون المصيب، و يستغفرون للمخطئ، ويحسنزن الظن بالجميع، ويسلمون بقضاء القضاة على أي مذهب كانوا، و يعمل القضاة بخلاف مذاهبهم عند الحاجة من غير إحساس بالحرج …، و كثيرًا ما كانوا يصدرون اختياراتهم بنحو قولهم: هذا أحوط أو أحسن، أ, هذا ما ينبغي، أو نكره هذا، أو لا يعجبني، فلا تضيق ولا اتهام ولا حجر على رأي.

إن التزام الأدب إزاء المخالفين قد فرضه القرآن حتى في حق الرسول صلى الله عليه وسلم  فقد قال تعالى لنبيه:  {ادْعُ إِلَى سَبِيِلِ رَبَّكَ بالْحِكْمَةِ وَ الْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بالّتيِ هِيِ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيِلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل/ 125)، فلم يطلق له جدال مخالفيه حتى قيده بالأحسن مع وصفه عليه السلام بأنه على خلق عظيم.

وإذا كان هذا واجب في حق الرسول صلى الله عليه وسلم  فهو في حق الأمة أوجب من باب أولى؛ ولذلك أمر الله عز وجل بالخطاب بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَقُلْ لِعبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ للإنسان عَدُوًّا مُبِينًا}الإسراء/ 53)، وبذلك نجد أ، القرآن لا يرفع الخلاف مطلقًا، ولكنه يوجهه إلى الحوار وفق الأحسن.

الحرية و التعددية

من الثابت أنه لا حرج في التعددية في الآراء و الموقف ما دام قصد العالِم يتجه إلى البحث عن الحقيقة، ويقول بما أداه إليه اجتهاده. وقد ثبت في الحديث ما يرفع الحرج عن الباحث النزيه إذا لم يؤده بحثه إلى الوصول إلى الحقيقة كما في الحديث المشهور (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر)، ثم إن التعدد في الآراء و المواقف شيء طبيعي؛ لاختلاف الناس في مداركهم وقدراتهم و طبائعهم، وهو أمر يقره القرآن الكريم ولا ينكره: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمّ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود/ 118 ـ 119)، وإذا كنا نقر بحرية الفكر و تعددية الآراء و المواقف و نجعل ذلك سمة من سمات منهج المعرفة الإسلامية، فمن الخطأ أن نعتقد أن إبراز أهمية و خصوبة الثقافة الإسلامية تكمن في إبراز عناصر الاختلاف و التضاد في تراثنا، و اعتبار حدة الاختلاف و اتساع منطقة النزاع في الفكر الإسلامي ظاهرة صحية تعبر عن خصوبة هذا الفكر و قدرته على إفراز العناصر المتنافرة. وأعتقد أن هذه الفكرة بالذات لها جذور استشراقيه، وهي لا تخدم وحدتنا الثقافية المتميزة بأصولها الموحدة و المستقلة عن التيارات الثقافية المباينة لها، والتي ولدت فيها الاختلاف وعمقت فيها دائرة النزاع.

إ، هورتن ـ على سبيل المثال ـ يقرر وهو بصدد الحديث عن الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام و استعراض آثار مفكري الإسلام في ميدان التفكير والبحث، يقرر أن تاريخ الإسلام قد يوصف بحق أنه تفاعل تدريجي بين قوتين متمايرتين، تغلغلت كل واحدة في الأخرى. وهاتان القوتان هما الثقافة و المعرفة الآريتين من ناحية، ووجود دين سامي من ناحية أخرى. ولقد وفق المسلم دائمًا بين رأيه الديني و بين مبادئ الثقافة التي استقاها من الأمم المحيطة. لقد ظهر في الإسلام ما بين عامي 700 و 1100م ما لا يقل عن مائة فرقة من الفرق الدينية، وهو أمر قاطع في الدلالة على مرونة التفكير الإسلامي، كما يدل على ذلك ما بذله المفكرون الأوائل من نشاط موصول.

قد برى بعض منا في هذا النص شهادة على مدى مرونة الإسلام ورحابة صدره إلى حد الجمع بين التناقضات، وربما وجد البعض في ذلك شهادة ينتزعها من الخصوم للتدليل على خصوبة الحقل المعرفي في الإسلام، ولكن النظر الثاقب يدرك أن الثقافة الإسلامية ليست مجرد وعاء يجمع بين المتناقضات، فهذه نظرة تغفل أهم خاصية تميزت بها هذه الثقافة وهي وجود مجموعة من الثوابت لا تقبل تعددًا ولا اختلافًا من هذا النوع.

ولا نشك أن كثيرًا من المآسي التي شهدها التاريخ الإسلامي كانت ناتجة عن الخلاف المنهي عنه وهو الخلاف الذي يمس المسلمين في عقيدتهم التي لا تقبل التعدد بطبيعتها. كما أننا نجد أن القرآن الكريم ذم المختلفين في الدين و نهي عن التفرق فيه، ونحن نقرأ في ذلك قوله تعالى:  {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال/ 46)، وهذه النصوص الواردة في هذا السياق كثيرة جدًّا، تواترت في هذا الكتاب و السنة، تدل بما فيه الكفاية على أن تعدد الفرق في فهم الدين على غير هدى الوحي ليس من التعدد الذي ندب إليه الشارع حتى يتخذ دليلاً على خصوبة الإسلام، وبالمقابل نجد النصوص تعدل المجتهدين في المسائل الحياتية العملية؛ لما فيه من توسعة على الخلق و رفع الحرج و الضيق في ما من شأنه أن يختلف فيه الناس باختلاف أوضاعهم الاجتماعية و البيئية و الزمانية…

والواقع أن الانطلاق من تعدد المذاهب الفلسفية و الفرق الدينية للتعبير عن خصوبة الثقافة الإسلامية جاءنا من تأثرنا بالمذاهب الغربية التي تتخذ من تعددها و تناقضها دليلاً على حرية الرأي، وهي الحرية التي تنقلب إلى فوضى في الفكر و التصورات و العقائد و السلوكيات. على أ، تعدد المذاهب الفلسفية في الفكر الغربي أمر طبيعي تمامًا؛ لافتقارها إلى أساس موحد وثابت تتمحور حوله، وذلك باعتراف الغربيين أنفسهم[39]. وليس الأمر كذلك في الإسلام، فوجود معارف ثابتة تضبط التصورات و تحكم المعتقدات يلغي الاختلاف و يمنع التعدد في مجال الثوابت. ومما لا شك فيه أن التعدد في المذاهب و المعتقدات يفرق الأمة إلى وحدات متنافرة؛ ولذلك كان لزامًا على المنهج الإسلامي أن ينتج معرفة من شأنها أ، تخلق جو الانسجام و رفع حواجز الاختلاف.

إن حرية الفكر و تعدد المواقف سيء لصيق بفطرة الإنسان، و حرمانه منه لا يخلو من مخاطر تنتهي إلى قتل نوازع الإنسان و كينونته تمامًا، كما أن حرمانه من الغذاء يقتل جسده؛ و لذلك رفع الإسلام الحواجز التي كانت تفرض عليه باسم الدين، وهو ما يفسر خلو الإسلام من سلطة كهنوتية تفرض وصايتها على الناس، بل ويذهب الإسلام بحرية الإنسان إلى نهايتها حينما يقر بحريته في الاعتقاد دون إكراه أو ضغط: {لا إكْرَاهَ فِي الدَّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيَّ} (البقرة/ 256) ، { فَمَنْ شَاءَ فَليُؤُمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيكْفُرْ} ) الكهف/ 29… (

ولكن هذه الحرية التي يمنحها الإسلام حرية مسئولة لها تبعات، وهنا يفترق الإسلام عما سواه من المذاهب التي تجعل من هذه الحرية فوضى في الفكر و السلوك. إن حرية الإنسان في الإسلام تقتضى أن يتحمل هذا الإنسان مسئوليته كاملة في كل ما يصدر عنه من حركات و سكنات، وهو ما يؤسس معنى الجزاء و الثواب و العقاب، و هذا أمر من شأنه أن يحمل الإنسان على الاستخدام الأحسن لحريته.

على أن مبدأ الحرية هذا لا يمنع من أن يحيط الإسلام الإنسان بسياج من اليقينيات التي يطمئن إليها فكره و تستقر في وجدانه و تكسبه المناعة و القدرة على الاختيار الموفق، و هو بعد ذلك لا يبارك الانحراف و سوء الاختيار و هو ما يفسر ذلك الجدل العقلي المتشعب الذي جابه به الإسلام الاختيارات الإنسانية الفاسدة، فالاعتراف بحرية الاختيار لا ينفي ضرورة الترشيد و التوجيه نحو قيم الحق و العدل.

تحديات يواجهها المنهج الإسلامي في بناء المعرفة

  • فهم التراث و توظيفه
  • أ‌- مفهوم التراث

التراث بمعناه الواسع هو كل ما ورثه الخلف عن السلف من إنتاج فكري و أدبي و مظاهر حضارية و مادية و معنوية، وإن كان مدلوله الخاص ينصرف إلى الميراث الفكري و الأدبي و العلمي. ورد في معجم المصطلحات العربية في الفن و الأدب أن التراث ما خلفه السلف من آثار علمية و أدبية مما يعتبر نفيسًا بالنسبة لتقاليد العصر الحاضر كالكتب و ما تحتويه المتاحف .. مما يعتبر جزءًا من حضارة الإنسان …

ولكن هذا المعنى الذى تُعَرَّف به التراث لا يمضي دون أن يترك إشكالاً يتعلق بالوحي و اعتباره أو عدم اعتباره جزءًا من التراث، وهي قضية يبدو أنها لا تزال تشغل الأوساط الثقافية. و الفصل في هذا الموضوع يتوقف على أمرين اثنين، يتعلق الأول بفهم مدلول التراث كما جاء في الكتاب و السنة، و يتعلق الثاني بتحديد علاقتنا و كيفية تعاملنا مع الكتاب و السنة إذا كنا نعتبرهما جزءًا من التراث الذي ورثناه عن السلف.

بخصوص الأمر الأول تأتي كلمة التراث في الكتاب و السنة للدلالة على الإرث المادي في مواضع, و الإرث المعنوي الذي ينصرف إلى العلم و الدين في مواضع أخرى. ففي قوله تعالى:  {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاّ لَمَّا} (الفجر/ 19)،  وينصرف التراث إلى الإرث المادي، و المعنى ـ كما قال ابن جرير الطبري في تفسيره – (تأكلون الميراث أكلاً شديدًا: لا تسألون أمِنْ حلال أم حرام)[40]. ووردت الكلمة في السنة بنفس المعنى كما جاء في حديث الدعاء عن على بن أبي طالب رضى الله عنه ما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في الموقف: (اللهم للك الحمد كالذي نقول و خيراً مما نقول، اللهم للك صلاتي و نسكي و محياي و مماتي و إليك مأبي ولك رب تراثي)[41]. و في حديث الثناء على المؤمن العابد قليل الحظ من الدنيا، عن أبي أمامة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه و أطاعه في السر، و كان غامضًا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، و كان رزقه كفافُأ فصبر على ذلك، ثم نقر بأصبعيه فقال: عُجَّلَتْ منيتُه، قلّت بواكيه، قلَّ تراُثه) قال الإمام أحمد: تراثه ميراثه[42].

وقد دلت آيات و أحاديث كثيرة على جواز إطلاق التراث على ميراث النبوة و هو العلم الإلهي؛ مما يدل على اعتبار الوحي جزءًا من التراث الذي ورثناه عن السلف. ففي العلم قال صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العم، فمن أخذ بالعلم أخذ بحظ وافر[43]). قال ابن القيم في معناه: إن اعتبار العلماء ورثة الأنبياء من أعظم مناقب أهل العلم، فإن الأنبياء خير خلق الله وورثتهم خير الخلق بعدهم، ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته؛ إذ هم الذين يقومون مقامه بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء، كانوا أحق الناس بميراثهم. ومن ذلك قوله تعالى:  {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} (النمل 15/16)، دل على أنه ميراث العلم و النبوة لا غير. وهذا باتفاق أهل العلم من المفسرين، فداود عليه السلام كان له أولاد كثيرون سوى سليمان ولو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصًّا به، فالآية تدل على أن الوراثة وراثة العلم و النبوة لقوله تعالى:  {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَ قَالاْ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِين وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} فسيق لبيان فضل سليمان وما خصه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب وهو العلم و النبوة:  {إنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين}.

ومن ذلك قول زكريا عليه السلام:  {وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلهُ رَبٌ رَضِيَّأ} (مريم/ 6).

فهذا ميراث العلم و النبوة و الدعوة إلى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه خاف عصبته أن يرثوا ماله فيسأل الله ولدًا يمنعهم ويكون أحق به منهم. ومن ذلك ما يحكى عن أبي هريرة رضى الله عنهأنه مر بالسوق فوجدهم في تجارتهم و بيوعاتهم فقال: أنتم هاهنا فيما أنتم فيه و ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في مسجده، فقاموا سراعًا إلى المسجد فلم يجدوا فيه إلا القرآن و الذكر و مجالس العلم، فقالوا: أين ما قلت يا أبا هريرة ؟ فقال: هذا ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقسم بين ورثته وليس بمواريثكم ودنياكم. ولعل الآية التي دلت صراحة على اعتبار الوحي من جملة التراث الذي يرثه الخلف عن السلف قوله تعالى:  {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِعِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالْخَيْرَاتِ بِإذْن اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ}  (فاطر/ 32)،

و بعد هذا البيان، فلسنا نجد حرجًا في اعتبار الوحي ضمن التراث، وإنكاره إنكار لصريح الكتاب و السنة. ولكن القضية الأهم هي كيف نتعامل مع الوحي دون غيره من أجزاء التراث ؟ يقول الدكتور أكرم ضياء العمري: (إن الوحي الإلهي لا يقبل الانتقاء و الاختيار منه، أو محاولة تطويعه للواقع أو التفكير بتوظيفه، لتحقيق مصالح خاصة أو عامة، تتطور داخله، فإذا انتقلت خارجه فقد وقع انحراف لابد من تقويمه. وقد حذر القرآن نفسه من محاولة الانتقاء هذه قال تعالى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبعْض فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خَزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنّيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّنَ إِلَى أَشَدَّ الْعَذَابِ} (البقرة/ 85)، وأما المنجزات البشرية الحضارية و الثقافية، فإنها قابلة للانتخاب و التوظيف وفق الرؤية المعاصرة و حسب الحاجة و المصلحة[44].  و الواقع أن الذين تحرجوا من اعتبار الوحي ضمن الإرث الحضاري للأمة كان قصدهم تقديس الوحي و تنزيهه عن مقاييسنا النقدية، حتى لا نخلط بين الوحي الإلهي و الإنجاز البشري. ويبدو أن الذي أوقع هؤلاء في هذا الإشكال هي النظرة الغربية إلى التراث و طريقة تعاملها مع الوحي. فالتراث في الحضارة الغربية المعاصرة يطلق على المخلفات الحضارية و الثقافية و حتى الدينية، و الروح العلمانية المهيمنة على الفكر الغربي جعلته لا يميز بين الدين و بقية الإرث الحضاري، و يتعامل معهما على حد سواء بنظرة نقدية انتقائية، و هنا تكمن خطورة اعتبار الدين جزءًا من التراث ضمن الظلال العلمانية الغربية التي أحاطت بمصطلح التراث[45].

إن المشكلة إن ـ تكمن في الطرح الغربي للتراث، و هو الطرح الذي غزا بقية الثقافات و تأثرت به أوساطنا العلمية، و كان ينبغي أن نجرد أذهاننا من هذه الظل الغربية العلمانية، و ننظر إلى المصطلحات الغربية في إطار نظرتها الجغرافية الضيقة بدل النظرة الكونية التي يسعى الغرب إلى تكريسها لفرض قوالبه الفكرية على المنظومات الثقافية و الأنساق الفكرية التي تستمد تصوراتها و مفاهيمها و دلالاتها من أصول معرفية أخرى و شروط تاريخية و ثقافية أخرى غير التي أفرزت النظام المعرفي الغربي.

وإذا كانت الاعتبارات التي تجعلنا نفصل بين التراث و بين الوحي كون الغرب ساوى بين الاتنين في مقاييسه النقدية فهذه الاعتبارات تسقط إذا ما أدركنا طبيعة الوحي الذي يتحدث عنه الغرب، و هو الوحي الذي اختلط بتأويلات رجال الدين و تفسيراتهم و تحريفاتهم، وهي مسوغات تجعله قابلً لتلك النظرة النقدية التي تجرده من قدسيته، بخلاف المعنى الذي تحمله اللغة العربية و تجسده الثقافة الإسلامية للوحي. و يلزم عن ذلك كله أن اعتبار الوحي ضمن التراث الحضاري للأمة لا يعني بالضرورة أن يخضع لعملية نقدية و انتقائية كما هو الشأن بالنسبة للإنتاج البشري.

  • ب‌- أهمية التراث:

مهما حاولت أمة من الأمم أن تتجرد من تراثها فلن تستطيع ذلك عمليًّا، فتراثها يشكل جزءًا لصيقًا بملامح فكرها و معتقداتها و أعرافها، و يلتحم بحياتها اليومية و ممارساتها الحياتية.

و التراث سجل الأمة الحافل بالأحداث تقرأ في ثناياه تألقها وهبوطها، وتجد فيه التفسير الصحيح لأسباب قوتها و ضعفها. و تجريد الأمة من تراثها يعني فقدانها لهوايتها التاريخية و قطع صلتها بمسيرتها الحضارية بترًا لها من جذورها الثقافية و الفكرية و الدينية. و نحن لا نعرف من خلال قراءتنا لتاريخ الشعوب أمة بدأت مسيرتها التاريخية من نقطة الصفر دون أن تتأثر برواسب التجارب السابقة، كما أن بعض الشعوب التي جعلت من قطيعتها لتراثها الحضاري شرطًا في نهوضها و تقدمها في التاريخ، هذه الشعوب لم تكن لتتقدم خطوة واحدة لو أنها لم تستلهم مثلها الجديدة من تجربة أمة أخرى تستلهم تراثها و تعيش على مخلفاتها، مع ما في ذلك من مخاطر الاستلاب و الاغتراب و قتل الملامح الشخصية و القيم الذاتية للأمة.

في فترة مضت، اشتدت الدعوة إلى التخلي عن تراثنا الإسلامي و إرثنا الحضاري، و كانت العلمانية و التغريب و الاستعمار وراء هذه الدعوة، وقد نجحت ـ إلى حد بعيد ـ في سلخ الأمة عن تراثها بكل ما يحمله هذا التراث من قيم حضارية و دينية و معالم فكرية و آداب اجتماعية و مثل أخلاقية …

و كان من نتيجة ذلك كله أن تغيرات أساليب الحياة على أرض العالم الإسلامي، و تولى النمط الحياتي الذي شيده الإسلام لتحل محله الأنماط الاجتماعية المقتبسة الشرق و الغرب، مع أن تلك الأنماط كانت مثقلة برواسب الماضي تمتد جذورها إلى تراث اعتبره أصحابه هجينًا مظلمًا، فكان لزامًا أن تفقد الأمة هويتها الحضارية على مستوى الممارسة الحياتية، وإن ظلت تحتفظ ببعض المظاهر التراثية الخافتة.

كانت المواجهة مع التراث تنطلق من ضرورة التحديث، وهي بذلك تفتعل وجود تقبل وتنافر بين التراث و التحديث أو الأصالة و المعاصرة، وهو افتعال لا مبر له إذا علمنا أن أحد الطرفين لا يلغي الآخر، و لكنها المغالطة في الطرح، فإن المعاصرة و التحديث لا يعنيان بالضرورة إلغاء شخصية الأمة التاريخية، ولكنهما استمرار لفاعليتها في الزمان و المكان. ولقد أدرك دعاة التغريب هذه الحقيقة البدهية و أيقنوا تهافت فكرتهم، المفتعلة و أدركوا (أن المعاصرة تنافي التراثية ولا تقابلها تقابل تضاد ولا تناقض، وأن في التراث علمًا. وجهلا ً وحضارة ً وتخلفا ً شأن كل تراث في العالم على مدى التاريخ، وإن كان الجهل في تراثنا أقل بكثير من الجهل الموجود في تراث أقل بكثير من الجهل الموجود في تراث غيرنا من الأمم، كما أيقنوا أن في الجديد الغربي علما ً وجهلا ً ونورا ً وظلاما ً وأسدل الستار على فصل من فصول هذه الرواية المفتعلة[46]).

ولكن الرؤية التغريبية بشأن التراث لم تهتد بعد إلى الموقف السليم، إنها تقبل التراث مكونا ً أساسيا ً من مكونات شخصية الأمة، ولكنها تقبل ضمن ما تقبله من هذا التراث تلك العناصر الدخيلة التي كانت وراء هدم مقومات الأمة، فلا تميز بين الدخيل والأصيل، وقد يطفو الدخيل ويخفت الأصيل، فتعمد إلى إحياء الوجه القاتم من هذا التراث في مقابل طمس الجوانب المشرقة فيه، وهى عملية انتقائية تفرضها القناعات العلمانية والخيارات التغريبية.

  • ج‌- كيف نستفيد من التراث

إن الباحث في تراثنا لابد أن يميز بين ما هو أصيل نابع من روح الإسلام ومنبثق عن توجيهاته وتعاليمه وما هو دخيل فيه ولا يعبر عن مضمونه.

وانطلاقا ً من هذا التمييز الواعي، فإن نظرتنا إلى هذا التراث لن تكون نظرة إعجاب وتقديس لكل ما يتصل بتاريخنا الثقافي، بل نظرة نقدية واعية ومتفحصة لمضامينه؛ إذ ليست كل ثقافة نمت وارتبطت بالمسيرة الحضارية الإسلامية وتاريخها الثقافي تعتبر بالضرورة ثقافة إسلامية محسوبة على الإسلام بكل ما تحمله من مضامين مناقضة ومتعارضة مع روح الإسلام ومذهبيته.

إنه من الخطأ أن ننزر إلى تراثنا في كليته نظرة سكونية تبجيلية، فهذه النظرة قد تؤدى إلى نتائج بالغة الخطورة على واقعنا الحالي وتطلعنا المستقبلي إذا نحن فتحنا المجال أمام العناصر السلبية التي كانت بالأمس وراء تقويض المجتمع الإسلامي، بينما يتطلب منا الموقف أن نبحث فيه عن عناصر القوة والتنبيه على مواقع الضعف.

إن الدراسة الجادة لتراثنا الإسلامي لابد أن تكون مؤسسة على رؤية واضحة لما تحمله كلمة (الإسلامية) من دلالة معرفية وعقدية متميزة. ومن غير التزام هذه الرؤية تظل تكدس مجموعة من المعارف المتعارضة والمذاهب المتناقضة في كومة واحدة تضيع في ثناياها أصالة الإسلام في توجيه الثقافة والفكر.

إن الركون إلى تضخيم التراث الفلسفي او الصوفي المنحرف إضافة إلى التيارات الباطنية وتمجيد الحركات السرية التي نشأت واستهدفت تقويض المجتمع الإسلامي … على حساب التراث الفكري المنبثق عن الفهم الإسلامي الواضح سيؤدى بالضرورة إلى تعطيل التراث عن القيام بدوره الريادي والكشف عن عناصر القوة فيه.

إننا لا نشك أن  جزءا ً مهما ً من التراث الذى خلفه مفكرون وعلماء نبغوا في ظل البيئة الثقافية التي خلقت شروط نهضتها الحضارة الإسلامية، لا نشك أنه لون من الترفيه العقلي الخالي من عناصر الحياة ومجرد من مقومات التفكير العلمي الجاد القادر على العطاء والاستمرارية في الحياة. لابد إذن من الاعتراف بالدور السلبى الذى قام به جزء من تراثنا في توجيه الحياة الإسلامية وجهة سلبية تماما ً، والذى يتحمل جزءا ً من المسئولية في انحسار المد الحضاري للإسلام، ومن الخطأ أن نبقى على عناصر الضعف بدعوى الحفاظ على التراث وإحياء الموروث القديم.

وعلى سبيل المثال لنا في حركة المد الصوفي المنحرف الذى كان في كثير من الأحيان يتحالف مع المد الباطني الذى قاد المجتمع الإسلامي إلى السلبية والجمود، وفي مثاليات الفلاسفة ونزعت المتكلمين ومجادلاتهم التي جاوزت مجال الجدل في العقيدة إلى مجال المحاكمات السياسية، وفي المظاهر الفلكلورية والأدبيات الماجنة .. خير شاهد على سلبية هذه المواقف في توجيه لحياة الإسلامية تلك الوجهة التي ورثنا عناصرها وما تزال أعراضها تطفو على ساحتنا الثقافية والاجتماعية المعاصرة.

على أن ثمة قضية أخرى جديرة بالتنبيه عليها تخص مجموعة الحلول التي قدمها الأوائل للمشكلات التي اعترضتهم، هذه الحلول مع تسليمنا بوجاهتها ونجاحتها لظروف عصرها قد لا ستجيب لمشكلات واقعنا المعاصر، وينبغي ان نمتلك القدرة على مجاوزتها إذا لم نجد وجها ً لتكييفها مع حياتنا المعاصرة؛ إذ الاستغراق في الماضي لا يعنى أكثر من التنصل من المسئولية والهروب من مواجهة عالمنا، ومن العجز أن نحتكم في كل ما يفرزه عالمنا المتغير من أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية جد معقدة إلى تلك الحلول التي قدمها اولئك المجتهدون لعالم يتسم بالبساطة في أنظمته واجهزته وتقنياته ومختلف وسائله الحياتية.

ومع إلحاحنا على ضرورة التكيف مع العصر – إذا كنا فعلا ً نريد الحياة – فإننا في قضايا كثيرة سنظل مدينين للتراث، نستلهم منه الحلول لكثير من مشكلاتنا، ونبقى على إنجازاته دون تغيير؛ لأنها لا تخص الإنسان في شروط حياته الزمانية والمكانية بقدر ما تخصه كإنسان مجرد من ظروف الزمان والمكان. وسنظل نحيل – مهما تقدم بنا الزمن – على كثير من اجتهادات فقهائنا في الأخلاق والآداب والعبادات والمعاملات السياسية والاجتماع ومختلف أصناف العلوم التي أنضجتها العبقرية الإسلامية في زمن عطائها، والتي قد نعجز نحن اليوم عن التجديد فيها، إما لأنها اكتملت ونضجت، كما هو الشأن مثلا ً في كثير من العلوم الشرعية التي تهم القرآن والحديث وما يدور في فلكها من بحوث بلاغية ولغوية ونحوية .. وإما لعدم توفر الشروط الحضارية اللازمة لتحقيق قفزة علمية في مستوى العمق الذى توفر للقدماء من الشروط الحضارية المواتية.

  • د‌- بأي مقياس ندرس التراث

قد تتعدد المقاييس التي نستند إليها في دراسة التراث بحسب القناعات التي يحملها الكتاب والنقاد والخلفيات الايديولوجية التي توجه نشاطهم مما قد يدفعهم إلى التعسف في فهم تراثنا وإخراجه عن مقوماته الذاتية وتجريده من إطاره التاريخي والثقافي والعقدي الذى نما فيه، وتحميله مضامين تنافر وتعارض منظومته الفكرية.

لقد اتجهت كثير من الدراسات المعاصرة إلى إسقاط المفاهيم الحديثة على تراثنا الفكري والاجتماعي، وسخروه لخدمة أغراضهم الأيديولوجية، وأخضعوه لقوالبهم الفكرية ومفاهيمهم الجاهزة التي تعبر عن مشكلات عصرهم واهتماماتهم الخاصة. لقد تعسفوا في تأويلاتهم حتى غدا هذا التراث مادة هلامية، خصبة قابلة للتشكيل حسب الطلب، يجد فيه بغيته المادي والعلماني والماركسي والليبرالي والقومي .. من غير قيد ولا ضابط. وهذه التاويلات على اختلاف مشاربها تتجاهل الشروط الموضوعية التي أفرزت هذا التراث، والمنظومة الفكرية والعقدية التي انبثق عنها والحيثيات الاجتماعية التي تحرك فيها وتفاعل معها، والخصائص والمكونات النفسية والعقلية التي شكلت عقول المنتجين لهذا التراث.

إن التراث الإسلامي يظل في نهاية المطاف مجموع الإنتاج الفكري والأدبي والمادي … الذى أنتجه المسلمون في تفاعلهم مع أصول الإسلام: الكتاب والسنة، وهو معرض للصواب والخطأ بقدر التزامه للمضامين الفكرية والأدبية والعقدية التي تقررها هذه الأصول، سواء في شكل مبادئ محددة أو توجيهات وكليات عامة. وكل دراسة نقدية وتقويمية لهذا التراث ينبغي أن تنطلق حتما ً من القيم الجمالية والأدبية والخلقية التي يقررها الإسلام وتستحضر مجموعه المسلمات الإيمانية والدينية التي يحددها، ولا يمكن أن نفهم هذا التراث فهما ً سليما ً واعيا ً ونميز محاسنه عن مساوئه، وخطأه من صوابه وقوته من ضعفه .. إلا إذا احتكمنا إلى الأصول التي انطلق منها، وهى الكتاب والسنة.

  • النصوص والعلم الحديث

علاقة النصوص بالعلم الحديث علاقة متداخلة أثارت اهتمام العلماء والباحثين في مختلف التخصصات العلمية منذ القدم، ولكن نقط الاتصال والالتقاء بين الوحى والعلم الحديث أصبحت أكثر وضوحا ً والتحاما ً في العصر الحديث لما انتهت إليه الكشوف العلمية من تأكيد و إجلاء لحقائق وإشارات الوحى.

ومع أن العلاقة بين الاثنين واضحة وجلية تفرض نفسها على كل من يتصدى لتفسير نصوص الوحى، خصوصا ً وأن حقائق العلم أصبحت ميسرة ومشاعة بين عامة المثقفين، فإن المواقف تتباين بخصوص الحدود الفاصلة بين وظيفة كل من الوحى والعلم. ففي حين نجد بعض العلماء يقولون بضرورة توظيف نتائج البحوث العلمية في تجلية معانى النصوص، ومن ثم إظهار ما تتضمنه من إعجاز علمي دليلا ً على صدق الوحى ومصدره الإلهي لما يطرحه من حقائق علمية سبقت عصر الكشوف العلمية، نجد علماء آخرين يقفون موقفا ً معارضا ً يرى أن نصوص الوحى جاءت  لمجرد الهداية فقط، ويقولون: يكفينا أن الوحى لم يسجل موقفا ً مناهضا ً للعلم، ولا يقف في وجه البحث العلمي ولا يتعارض مع حقائقه.

ويستند هذا الموقف إلى جملة من المستندات العقلية بعضها يتصل بالوحى نفسه، وبعضها الآخر يتصل بحقائق العلم. يقولون: إن القرآن لم يجعل العلوم الكونية من موضوعه؛ لأنها خاضعة لقانون النشوء والارتقاء، والقرآن كتاب هداية وإعجاز، ولا يليق أن نجاوز به حدود الهداية والإعجاز حتى إذا ذكر شيئا ً من الكونيات فإنما ذلك للهداية ودلالة الخلق على الخالق، ولا يقصد القرآن مطلقا ً من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة والكيمياء، ولا ان يحل مسألة حسابية أو معادلة جبرية أو نظرية هندسية، ولا أن يزيد في علم الطب بابا ً، ولا في علم التشريح فصلا ً، ولا أن يتحدث عن علم الحيوان والنبات أو طبقات الأرض. إن القرآن يعلن أنه كتاب هداية، قال تعالى : (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (البقرة/1)، (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) ( المائدة 17-18)، وفيما يتعلق بالكشوف العلمية، فالعلوم الكونية خاضعة لطبيعة المد والجزر، وكثير من البحوث العلمية لا تزال قلقة حائرة بين الإثبات والنفي؛ مما زعزع ثقتنا بما يسمونه العلم وجعلنا لا نطمئن إلى نتائجها[47][.

ومع أن الباعث على هذا الموقف هو الاحتياط في فهم مراد الله وعدم الإسراف في تأويل معانى القرآن وتحميلها معانى خارجة عن مرادها، فإن هذا الموقف لا يخلو من ضعف. فنحن لا نملك أن نجرد الوحى من أشياء يثبتها لنفسه. ولا شك أن التعلل بتغير الفرضيات العلمية في رفض التفسير العلمي للنصوص فيه كثير من المبالغة، فليس كل ما انتهى إليه البحث العلمي مجرد فرضيات ونظريات، ولقد أثبت البحث العلمي حقائق تتصل بمجالات شتى لم تعد قابلة للنقض. وعلى فرض أن العلماء اخطأوا في تفسير بعض الآيات استنادا ً إلى حقائق العلم ولم يصيبوا وجه الحقيقة  فيها؛ فإن ذلك لا يمس نصوص الوحى في ذاتها فالخطأ يلحق مستوى فهمنا وتفسيرنا لها، وهو أمر نسبى يتفاوت بين عالم وآخر وعصر وآخر، وهذا الخطأ لا يقوم حجة على إسقاط الاستئناس بالعلم في تجلية معانى النصوص؛ لأننا نجد نظيره عند علماء التشريع والفقه والتفسير. فهؤلاء مع استعانتهم بوسائل لغوية ودلالية ومقصدية.. قد يخطئون في إصابة المعنى الصحيح، ومع ذلك لم يتخذ الخطأ ذريعة للتوقف عن الاجتهاد في تفسير نصوص الوحى ما دام المفسر يتقيد بآداب الشريعة والقواعد العلمية التي يجب مراعاتها أثناء التفسير.

فمن حيث المبدأ لا اعتراض على توظيف الحقائق العلمية في التفسير تماما ً كما نوظف قواعد اللغة وأسباب النزول ومقاصد الشريعة في التوصل إلى الفهم الصحيح، بل إن ذلك مما يساعد على هذا الفهم. ولكن المحاذير التي تمس هذا اللون من التفسير إنما تلحقه عند التطبيق لتوسع بعضهم في حمل نصوص الوحى على غير مرادها، وهذا أمر وقع في القديم كما في الحديث على السواء، لقد ادعى بعضهم في القديم أن القرآن حوى كل علوم الدنيا ما كان منها وما سيكون، وفي الحديث نجد بعض من يشتغل بالتفسير يبالغ في استعراض النظريات والفوضى العلمية في تفسير بعض الآيات والأحاديث[48]. ولتفادي هذه الأخطاء يجب التأكد من صح الفروض العلمية مع عدم القطع بكون الآية أو الحديث لا يحتملان تفسيرا ً غير ذلك.

أما تعلق المعارضين بكون القرآن كتاب هداية وليس سجلا ً في العلوم فو صحيح من حيث المبدأ، ولكن ذلك لا ينفي صلة القرآن بالناحية العلمية بل يقويها ويغذيها، فالوقوف على أسرار الخالق في خلقه طريق قوى من طرق الهداية، وكشف أسرار الكون جدير بأن يحمل أولى العلم على الخصوص على خشية الله والالتجاء إلى الإيمان به. إن الوظيفة العظمى للقرآن الكريم هي تحقيق هداية الناس في خلق، وقد اعتمد القرآن في ذلك على إشارات علمية، وهو يلفت نظر الإنسان إلى أسرار الله في خلقه لنفس الهدف وهو تحقيق الهداية، فلا تعارض بين إشارات القرآن العلمية وبين وظيفته في هداية الناس.

ولكن احتواء القرآن الكريم للحقائق العلمية ينبغي فهمه في نفس السياق، بمعنى أن نصوص القرآن وكذلك الحديث حينما تتعرض لقضايا علمية لا تتعرض لها لذاتها، فهي لا تقصد أن تحل المشكلات العلمية لذاتها دون أن تستثمر تلك الإشارات في إبراز قدرة الخالق وتفرده بالخلق، ومن ثم إفراده بالعبودية، ولذلك نجد القرآن الكريم يكتفي بذكر إشارات ظاهرة أو خفية ولكنها معبرة ومركزة يقتضيها السياق القرآني في تقرير قضية الإيمان. أما البحث العلمي على سبيل التحري فهو متروك للبشر.

ويبقى بعد ذلك اعتراض ثالث يتعلق بلغة القرآن، مفاده أن القرآن نزل ليفهمه العرب في الصدر الأول من الإسلام وعلينا أن نحذو حذوهم فيما فهموه من آياته البينات بحسب مدلولات ألفاظه المفهومة لأن العرب أدرى بلغتهم وأقدر على فهم معانى كلماته ممن بعدهم[49].

هذا الموقف من لغة القرآن فيه جانب من الصواب، ولكنه لا يمثل الصواب كله بالنسبة لكل ما جاء به القرآن ن أخبار. إن هذا الموقف يصدق على المعاني التي حدد اصطلاحاتها القرآن والسنة، ويصدق على ما أخبر به القرآن من قضايا العقيدة وغير ذلك من الأمور التي تعتبر قول الوحى فيها نهائيا ً دون أن يكون للإنسان في فهمها حق الاجتهاد، وفيما عذا ذلك فإن القرآن نزل للبشر كافة على اختلاف اوساطهم وأزمانهم، وقد استنبط العلماء احكاما ً لم يعرفها السابقون عليهم، والنص القرآني بطبيعته حمال أوجه، تفهم بعض نصوصه على أوجه مختلفة كلها صحيحة، وهذه الوجه قد لا يظهر بعضها إلا مع تطور العصور وتقدم المعارف.

أما أمثلة ذلك فهي كثيرة ومتعددة نذكر بعضها فقط، منها قوله تعالى : (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات / 49)، هذه الآية الكريمة هم الأمران المتقابلان تقابلا ً ما، كالليل والنهار، والأرض والسماء، والشمس والقمر .. فكل شيء زوج، والله سبحانه فرد لا مثيل له. أما المتأخرون فقد فهموا من الآية أن الزوجين في الآية هما الأمران المتقابلان بالذكورة والأنوثة، ويقولون أنه ما من شيء في الوجود إلا من الذكر والأنثى، سواء في ذلك الإنسان والحيوان والجماد وغير ذلك مما لا نعلم، ويستدلون بقوله تعالى : (سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (يس / 36)، ومن أمثلة ذلك أيضا ً : قوله تعالى (وأرسلنا الرياح لواقح) (الحجر / 22)، فقد فهم الأولون أن معنى لواقح كونها تحمل المطر الذى يحيى الأرض، ويخرج النبات، ويأتي بكل خير، وعكسها الريح العقيم، وهذا المعنى صحيح، وهو لا يتعارض مع معان أخر تكشفها نتائج العلوم بِان وظيفة الريح في تلقيح النبات بما تحمله من حبوب اللقاح من ذكورها إلى إناثها فيتم الإخصاب، وفي تلقيح التربة ومدها بالعناصر اللازمة لخصوبتها[50].

هذه أمثلة تبين أنه لا حرج من التعمق في فهم ألفاظ القرآن والحديث حسب مقتضى العصر وما تكشفه البحوث العلمية ما دام اللفظ يتسع لأكثر من معنى ويحتمل اكثر من وجه، بل إن هذا الأمر بالذات وجه من اوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، يأخذ منه كل حسب حاجته ويفهم منه كل حسب طاقته دون أن يكون في الأمر تناقض أو تعارض.

  • مشكلة اللغة والمصطلحات :
  • أ‌- ضرورة تحقيق الاستقلال اللغوي

إذا كان لكل حضارة أو مذهب عقدي أو أيديولوجي نظامه المعرفي الخاص وبناؤه الفكري المتميز الذى يعبر عن منظومة فكرية معينة، فإن هذه الخصوصيات لابد أن تنعكس على اللغة التي يستعملها، ما دامت اللغة هي الوعاء الحضاري الذى يحمل المعاني والدلالات، وما دامت هي الوسيلة الفعالة التي يكشف بها ويعبر بها ن أفكار وتصورات وقناعات هذه المنظومة أو تلك.

إن اللغة بالضبط المصطلحات التي تستعملها حضارة ما لا يمكن أن تكون لها نفس الدلالة اللغوية، حتى ولو كان التعبير بنفس اللفظ، فالوظيفة الدلالية التي يؤديها لفظ ما في نسق فكرى معين يختلف عنه في نسق فكرى مغاير، وقد يكون معارضا ً له تماما ً؛ والسبب في ذلك ان اللغة تحمل تصورات البيئة الاجتماعية والثقافية التي تنبثق عنها وتحمل قيمتها وموازينها وأخلاقياتها….

لقد تنبه علماء الإسلام إلى خطورة هذه المسألة، وحرصوا على تحقيق الاستقلال اللغوي والتمكين للغة العربية، وكان الدافع إلى هذا لموقف وعيهم بخطورة اللغة وقدرتها على التأثير في اخلاقيات الناس وصياغة سلوكهم وتصوراتهم على السواء. في هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية: (إن اعتياد الحديث بلغة ما يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً ً قويا ً بينا ً؛ لأن اللسان -كما يقول- تقارنه أمور أخرى من العلوم والأخلاق. ذلك أن العادات لها تأثير عظيم ولهذا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين (السلف الصالح) في أقوالهم وأعمالهم كراهية الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة[51]).

وإذا كانت عملية استيراد المصطلحات الجاهزة المنبثقة من منظومة فكرية مغايرة له خطورته من الناحية المعرفية، فإن إسقاط مفاهيم ومضامين معنوية منافرة لمنظومتنا الفكرية لا يقل خطورة عنه، ومن الخطأ أن تقرأ المصطلحات ذات الدلالات وثيقة الصلة بالبيئة الإسلامية بمقاييس أخرى ووفق أنساق أخرى، وهنا لابد من التنبيه على ضرورة المحافظة على خصوصية الدلالة اللغوية والمعرفية لهذه المصطلحات؛ لأنها كما يشير إلى ذلك بعض الكتاب الإسلاميين هى نقاط الارتكاز الحضارية والمعالم الفكرية التي تحدد هوية الأمة بما لها من رصيد نفسى ودلالات فكرية وتطبيقات تاريخية مأمونة، فهى أوعية الثقل الثقافي وأقنية التواصل الحضاري، وعدم تحديدها ووضوحها يؤديان إلى لون من التسطيح الخطير في الشخصية المسلمة والتقطيع لصورة تواصلها الحضاري[52].

فنحن لا نستطيع أن نفهم نمطنا الحضاري اعتمادا ً على نمط حضاري آخر مغاير، وليس من سبيل إلى فهم وضبط شخصيتنا الثقافية إلا بضبط اللسان العربي وفهمه داخل منظومتنا الفكرية. هذه الفكرة تنبه لها المسلمون قديما ً، وعبروا عنها بأسلوب يوافق طبيعة التحديات الثقافية التي كانت تواجهها الأمة الإسلامية يومئذ، وهى تختلف ولا شك عن التحديات المعاصرة التي تواجهها من حيث الشكل، ولكنها تبقى متحدة من حيث المضمون، اتجهت أساسا ً إلى إفراغ الدلالات اللغوية من محتواها الاعتقادي، وبعدها الإيمانd.

إننا نجد أمثلة لذلك في مختلف التأويلات التي أعطيت للنصوص القرآنية عن طريق تحريف مدلول اللغة وإعطائها أبعادا ً غير إسلامية كما حدث مع التأويلات الباطنية وغلاة الصوفية، وبكيفية أخرى وبدرجة أقل مع بعض الفرق الإسلامية. هذا الأمر دعا مفكري الإسلام آنذاك إلى التنبيه على ضرورة فهم وضبط النص العربي وفق الضوابط والمقاصد الشرعية وقواعد اللغة العربية. في هذا الصدد يقول الإمام ابن تيمية: (إن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا ً عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدن، وصار اعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين[53]).

وجدير بالذكر أن هذا الالتزام في استخدام الألفاظ واللغة لم يكن اختيارا ً حرا ً، ولكن التزاما ً بالأمر القرآني الوارد ف هذا الشأن، فقد نهى القرآن عن استعمال بعض الكلمات واختيار كلمات أخر بدلها؛ لما قد يعترى بعض هذه الألفاظ من معان فاسدة. ونقرأ هنا قوله تعالى : ( يا أيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذا أليم) ( البقرة / 103)، والآية نهى صريح عن استخدام كلمة (راعنا) واستعمال كلمة (انظرنا) بدلها، رغم ما قد يبدو من اتفاق ظاهر بينهما في المعنى اللغوي؛ لاختلاف الوظيفة الدلالية التي استعملت فيها كل منهما، كما تدل على ذلك الحيثيات التي نزلت فيها الآية[54].

هذا البيان يفيدنا اليوم في ضرورة تحقيق استقلالنا اللغوي، خاصة ونحن نعيش حالة الضمور الحضاري، وأصبحنا نستقبل مفاهيم غريبة عن لغتنا وبيئتنا.

  • ب‌- حدود تطور اللغة العربية

تعرضت اللغة العربية لهجومات عديدة هى جزء من الهجومات التي تستهدف العقيدة التي تعبر عنها هذه اللغة، وهو ما يفسر سر ربط هؤلاء بين تخلف اللغة العربية عن روح العصر وبين كونها لغة دينية، ويتركز الهجوم على اللغة العربية في وصفها بالجمود وعدم قدرتها على استيعاب العصر بعلومه وفنونه وثقافته المتطورة[55]. ومع أن تطور اللغة لتستوعب علوم عصرها أمر مطلوب فغن هذا التطور ينبغي أن يكون محكوما ً بالشكل الذى يحفظ خصوصيات اللغة العربية التي تميزها عن بقية اللغات؛ ذلك أن الذين ينادون بالتطور المطلق للغة العربية متأثرون بواقع اللغات الأوربية وهم يتناسون أن اللغة العربية هى لغة التواصل الحضاري، وأن الحضارة الإسلامية تفقد كينونتها ووجودها إذا تخلت عن اللغة العربية باعتبارها الجسر الذى نعبر من خلاله إلى فهم أصول هذه الحضارة ومبادئها وقيمها وأخلاقياتها وآدابها ..

إن اللغة اللاتينية عرفت تطورا ً جذريا ً تحولت معه إلى عدة لغات قومية متباينة، وأصبحت اللغة اللاتينية الأم لغة التراث معزولة عن واقع الحياة، أما اللغة العربية فهي إلى جانب كونا لغة التراث والتعرف على المنجزات الماضية، فهي لغة الحياة: لارتباطها بالدين الذى يحكم الحياة، وهذا هو الفارق الأساس الذى يميزها عن باقي اللغات.

إن خاصية الثبات التي تعرفها اللغة العربية في صيغها وتراكيبها لم تكن لتتوفر لها لولا ارتباطها بالإسلام، لا كدين شخصي، بل كدستور يهيمن على مختلف الجوانب الحياتية والتنظيمية، ومن ثم كتب لها البقاء نصوص الوحى. فهي المدخل الوحيد لفهم هذه النصوص والتعامل معها، وستظل أجيال المسلمين على تعاقبها تتوارث اللغة العربية في صيغها وتراكيبها، بل وفي طريقة النطق بحروفها كشرط أساسي وأولى للتعامل مع نصوص الوحى. إن هذا الارتباط بين اللغة والدين ضمن للغة العربية سلامتها وجمالها وعذوبتها رغم تقادم العهود وتتابع الأجيال، وهذا الأمر – كما يقول علماء اللغة – نادر الحدوث في عالم اللغات، لم يسجله التاريخ إلا للغة العربية التي نقرأ نصوصها القديمة فلا نحس بقدمها، على حين أن اللغات الأخرى تستغلق على الفهم بعد أن تمضى عليها بضعة قرون[56].

إن حفظ اللغة العربية من التطور المطلق الذى يغير من بنيتها أمر يرتبط بحفظ القرآن نفسه، كما قال تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ( الحجر/9)، فحفظ الله للقرآن هو حفظ للعربية، فالقرآن محفوظ بمعانيه وتراكيبه وطرق أدائه ومخارج أصواته ولا يمكن أن نتصور حفظ القرآن إلا مقرونا ً بحفظ لغته، فهي الوعاء الذى يحوى معانيه وينقل ودلالاته.

ولكننا حينما نقول بثبات اللغة العربية لا ننفي عنها صفة التجدد والتغير، فالتغير أمر يفرضه واقع الحياة المتجدد، غير أن هذا التغير لا يلحق التراكيب والصيغ وقواعد اللغة بقد ما يلحق المفردات والكلمات إضافة إلى تغير بعض الدلالات والمعاني حسب ما تفرضه الحاجة.

وحينما نتحدث عن ضعف اللغة العربية وتخلفها عن عصرها فإنما نعنى هذا الجانب بالذات، جانب المفردات والمصطلحات واستيعاب ما يجد في واقع الحياة…، وهذا أمر لا يمس اللغة في حد ذاتها بقدر ما يعود إلى المستوى الحضاري الذى يعيشه أصحاب هذه اللغة.

  • ج‌- أسباب تخلف اللغة العربية

لعل أهم العقبات التي تواجهها اللغة العربية في عصرنا الآلي عجزها عن مواكبة التطور العلمي والتقني وتوليد المصطلحات اللازمة للتعبير عن المعاني والأشياء المستحدثة. هذه الظاهرة تقف وراءها أسباب متعددة ومتداخلة يعود بعضها إلى أسباب تاريخية ناتجة عن عزل وإقصاء اللغة العربية عن الحياة، وبعضها الآخر لصيق بالوضع الراهن المتخلف الذى تعيشه الأمة العربية الإسلامية وانعكاسه على ضمور اللغة بشكل تلقائي. وهذه الأسباب يكاد يلتقى حولها المهتمون بهذا المجال، وهى تتلخص في النقط التالية :

  • من الناحية التاريخية، لم تستخدم اللغة العربية في الإدارة والتعليم على مدى أربعة قرون من عصر الدولة العثمانية، ثم سيطرة الدول الاستعمارية بعد ذلك؛ مما أفقد اللغة العربية شيئاً ً من استمراريتها ونوها[57].وهذا الوضع ظل وما زال مستمرا ُ إبان فترة الاستقلال، فلا تزال اللغة العربية معزولة عن التعليم العالى والبحث العلمي والتسيير الإدارى … في أغلب البلدان الإسلامية.

هناك التدفق المستمر للمصطلحات العلمية والتقنية الجديدة من الدول الصناعية، وهذا أمر يجعل من العسير على العربية مجابهتها واستيعابها بالسرعة اللازمة؛ إذ تقدر هذه المصطلحات الجديدة بخمسين مصطلحا ً يوميا ً[58].

  • في مقابل هذا الوضع المتطور هناك الركود الحضاري للأمة العربية الإسلامية وانعكاس ذلك على تخلف اللغة. إن اللغة هى الوعاء الذ يجسد المفاهيم الفحوية للحضارة؛ ولذلك فهي تنشط تبعا ً لنهوض وانتشار الحضارة التي تنتمى إليها، فإذا وصلت الحضارة التي درجة من الرقى المدني والعلمي احتاجت إلى إحداث ثورة عميقة في عالم اللغة يوازى إنجازاتها العلمية؛ لتتمكن من التعبير عن الواقع الجديد. والحضارة الناشئة بحكم تفوقها عالميا ً لابد أن تفرض ظلالها على الحضارات العالمية، وهنا تقوم اللغة بالدور الرئيس في نقل المفاهيم الحضارية والتجارب المتخلفة لتدويلها. والحضارات التي تأخذ وتستهلك منتجات غيرها لا تكفي بنقل المظاهر المادية فحسب، بل إنها تستورد الأشياء كما تستورد أسماءها، وهنا تجد لغة ما طريقها إلى الانتشار عالميا ً. لقد حدث هذا بالنسبة للغة العربية حينما كانت الحضارة الإسلامية حضارة عالمية سائدة في أقطار العالم، وكانت اللغة العربية اللغة العلمية والتقنية إلى جانب كونها اللغة الدينية والأدبية، فاقتبست منها الحضارات الأخرى أسماءها ومصطلحاتها ومفاهيمها، ولا تزال اللغات العالمية الحية تحفظ الكثير من مفرداتها اللغوية العلمية والأدبية والفنية.

وفي نظر المهتمين بهذا الموضوع، فغن اللغة مرآة تعكس واقعها الحضاري، حتى إن الباحث يستطيع أن يقيس تقدم الأمة حضاريا ً ويحدد ملامح ثقافتها عقيدة وفكرا ً بإحصاء المصطلحات اللغوية في الإنسانيات والعلوم والتقنيات. ولقد عكست اللغة العربية واقع العالم العربي إلى حد بعيد، فهي من جهة تعكس بتخلفها وقصور مصطلحاتها العلمية والتقنية التخلف العلمي والتقني للعالم العربي، وهى من جهة أخرى تعكس تمزق الأمة العربية وتشتتها سياسيا ً وإدارياً، وهذا ظاهر للعيان في ازدواجية المصطلح العربي؛ إذ نجد أن كثيرا ً ما يعبر عن المفهوم العلمي الواحد بعدد من المصطلحات التي تختلف من قطر عربي إلى آخر[59].

ومن الإنصاف للغة العربية أن نذكر هنا أن مشكلتها لا تكمن في عجزها عن استيعاب الجديد، بل إن محنتها الحقيقية هى في انهزام أبنائها نفسيا ً أمام الزحف اللغوي الداهم واستسلامهم في مجال العلوم للغات الأجنبية بحيث تكونت في العالم العربي جبهة عنيدة تجاهد للإبقاء على العربية. بمعزل عن مجال العلوم التكنولوجية[60]. فهناك إذن الضغوط الجنبية التي تزكيها وتساندها التوجهات العلمانية للحكومات الإسلامية؛ مما أقعد أبناء العربية المخلصين عن التخطيط الجدى لتطوير اللغة العربية، وحتى على صعيد التسيير الإداري تظل الهيمنة للغات الأجنبية المختلفة.

إن مجاوزة حالة التخلف هذه تتطلب ضرورة التعريب واستخدام اللغة العربية لغة الغدارة والتدريس، واعتبارها لغة حضارية تستوعب مختلف الاهتمامات الحياتية. وحسب تصريحات بض المهتمين بقضية اللغة فإن المرحلة الراهنة جاوزت الجدل الذى كان قائما ً بين أنصار التعريب ومعارضيه، وتجاوزت التساؤل عن قدرة العربية على التعبير العلمي، واقتنع الجميع بضرورة التعريب الذى لم يعد موضع خلاف، وهى ضرورات متعددة سياسية واجتماعية واقتصادية وحضارية ونفسية وتربوية ولغوية[61].

ومما يزكى وجاهة هذا الرأي ان اللغة العربية لم تواجه مثل هذه التحديات لأول مرة بل حدث مثل ذلك أكثر من مرة في تاريخها، فقد جاء الإسلام بمفاهيم عقدية واقتصادية واجتماعية وعلمية جديدة غير معهودة في السياق العربي، ومع ذلك استجابت اللغة العربية هذه المفاهيم بتوليد المصطلحات التي تعبر عن هذه المفاهيم. وفي العصر الأموي أمر الخليفة عبد الملك ابن مروان بتعريب الدواوين التي كانت بيزنطية في الشام وفارسية في العراق، وسرعان ما جاءت العربية بمصطلحات جديدة في الإدارة والسياسة والاقتصاد. الأمر نفسه حدث مع انشاء دار الحكمة ببغداد في مختلف العلوم، بالقدر نفسه استجابت اللغة العربية لمتطلبات النمو الحضاري الذى عرفه المسلمون وما نتج عن ذلك من كشوف واختراعات[62].

  • ضعف المعرفة :

أسبابها وكيفية معالجتها

يرتبط ضعف المعرفة بالوضع العام الذى يعرفه العالم الإسلامي وحالة التخلف التي يعيشها سياسيا ً واجتماعيا ً واقتصاديا ً وعقديا ً، ولا يمكن أن يتحقق نمو معرفي عميق بمعزل عن تحقيق نمو مواز في الجوانب الأخرى.

إن خطط التنمية في العالم الإسلامي تتميز بالارتجال والعشوائية وغياب التخطيط وعدم الاكتراث وغياب الرؤية الحضارية الشمولية، فضلا ً عن غياب الدافع الإيماني العقدي الذى يشكل حافزا ً قويا ً لمواجهة تحديات العصر. وهذا الوضع انعكس بكل سلبياته على واقع التعليم ومناهج التربية وأساليب البحث العلمي.

إن هذه البيئة المتخلفة التي تؤطر مجال المعرفة والبحث العلمي في العالم الإسلامي هي نتيجة طبيعية أفرزتها الظروف السياسية التي مر بها العالم الإسلامي في عهود الاستعمار، ولكن ثبات هذه البيئة على تخلفها في مرحلة ما بعد الاستقلال يظل مؤشراً ً قويا ً على صورية الاستقلال السياسي والثقافي للبلاد الإسلامية واستمرارية هيمنة القوى المعادية وتحكمها في توجيه أهدافها التنموية وجهة معاكسة لطموحات الأمة. إن قوى التغريب عمدت إلى فصل الأمة عن عقيدتها، لأنها تدرك أنها سر قوتها ومصدر انبعاثها، وقد سمح للأمة العربية والإسلامية بأن تجرب كل الخيارات في مشروعها النهضورى إلا الخيار الإسلامي الذى يصوغ الأمة وفق عقيدتها.

لقد سيطرت الروح العلمانية على المؤسسات التربوية والجامعات الإسلامية عامة، وعلى مراكز البحث العلمي والمعاهد العليا ذات التخصصات المختلفة، وأصبحت هذه النزعة جزءا ً لا يتجزأ من السياسة التربوية. بل إن بعض المهتمين بمجال التربية والتعليم يقولون إن المؤسسات التربوية الإسلامية التقليدية لم تكن في يوم من الأيام أضعف منها اليوم، كما أن المؤسسات العلمانية بمدارسها وكلياتها لم تكن في يوم من الأيام أكثر جرأة منها اليوم، وقد تلقت العلمانية الدفعة الكبرى بعد الاستقلال حيث تبنتها الدولة على أنها طريقتها وخطتها، فوجهت الاعتمادات المادية العامة إليها[63].

إن هذا التوجه العلماني ظهر وانعكس على الأهداف التي توختها الدول العربية الإسلامية من رسم سياستها التعليمية. فغذا رجعنا إلى ميثاق الوحدة الثقافية العربية الذى أجيز بواسطة وزراء التربية والتعليم في الدول العربية في مارس 1964 م، والذى أقرته جامعة الدول العربية، نجد هذا الميثاق يرتكز على تعميق المفاهيم العلمانية، ويعمل على عزل السياسة التعليمية عن الروح الإيمانية، ويعتبر قضية الإيمان إزاء التربية والتعليم عنصرا ً ثقافيا ً يفرضه الإرث الحضاري الذى ورثته الأمة عن تاريخها الماضي مجردا ً من فعالية التوجيه في الحاضر والمستقبل. لقد حدد الميثاق أهدافه باختصار في ايجاد شباب عربي واع مستنير، ومع أن الميثاق لا يهمل نشر الإيمان بين الشباب، فإن الإيمان المقصود عنده والمطلوب إنما يتحدد في قضايا لا صلة لها بالإيمان الحق، وإنما يراد به كما جاء في الميثاق (الإخلاص للوطن العربي ومعرفة رسالة العرب القومية والإنسانية، والتمسك بمبادئ الحق والجمال وبناء السلوك العربي على المثل الإنسانية العليا، وتنمية الشخصية العربية، وتقوية إرادة النضال المشترك وتحقيق التطور القائم على العلم والأخلاق للمجتمعات العربية، وإثبات مكانة العرب بين الأمم، ثم تأمين حق الشعب في الحرية والأمن والحياة الكريمة) . وهى كل المبادئ التي أثبتت التجربة بعد ثلاثين سنة من الممارسة غيابها عن واقع الحياة العربية والشباب العربي.

ومع ان هذه الأهداف تتجه إلى أمة لها رسالة وتحمل عقيدة، لا تخرج عن كونها ترجمة حرفية لبعض الأهداف التربوية التي ترسمها الدول الغربية اللادينية. ومع أنها كانت تتجه نحو تحقيق الحرية والكرامة والاستقلال…، إلى غير ذلك من الشعارات الجوفاء، فغن جل الانتكاسات التي عرفها العرب إنما جلبتها هذه الأهداف الصورية. وكما يقول أحد الخبراء[64].  في مجال التربية والتعليم، فغن النكبات التي حلت بالعرب إنما جاءت كلها بعد تحديد الأهداف التي تطمس الهوية الحقيقية للأمة العربية، فلا تزال الأمية في ازدياد، وأصبحت أمية حضارية مركبة، ولا تزال الحريات مهضومة، ولا تزال الأمة العربية تفقد يوما ً عن يوم كرامتها واستقلاليتها… وما زال علماء التربية العرب إلى فلسفة تعليمية واضحة، وكأن العالم العربي المسلم خلال تاريخه التربوي الطويل لم تتضح بعد فلسفته ونظرته للحياة والكون.

إن هذه الأهداف ذات الوجهة العلمانية المكشوفة لم تبق مجرد حبر على ورق، بل عملت الدول العربية على ترجمتها عمليا ً وتخطيط سياستها التربوية في ضوء متطلباتها، وظهر أثر ذلك في مناهج التربية ومقررات الدراسة التي وضعت للمؤسسات التربوية على اختلاف مستوياتها بما فيها الجامعات والتعليم العالي والمنظمات والهيئات الثقافية الكبرى. بل إن بعضا ً أو كثيرا ً من هذه المؤسسات قد حاربت مشروع التعليم الإسلامي لانتمائها القومي وتبينها أيديولوجيات معادية للإسلام. ولقد كانت المنظمة العربية للثقافة والعلوم والتربية التابعة لجامعة الدول العربية يجلس على قمتها الشيوعيون الذيم حاربوا التعليم الإسلامي في السودان وغيره، وكانت ولا تزال كثير من الجامعات في العالم الإسلامي تقف في وجه البحوث الأكاديمية والرسائل العلمية التي تتجه وجهة إسلامية، وتفرض رقابة صارمة على البحث العلمي الذى تؤطره الخلفية الإسلامية، بل إننا نجد في أقرب الكليات إلى الروح الإسلامية من يمنع طلبة الماجستير والدكتوراه من اختيار المواضيع العلمية التي توظف المفاهيم الإسلامية، حتى ولو تعلق الأمر بالأدب، ناهيك عن المشكلات الكبرى التي تمس قضايا حيوية في الأمة. وإذا كانت هذا شأن الجامعات ومراكز البحث العلمي فليس غريبا ً أن تسود النزعة النقلية والترجمة الحرفية لما يبدعه الآخرون من مفاهيم ونظريات وأفكار، ويغيب الوعى النقدي الذى ينطلق من مقوماتنا وخصوصياتنا الثقافية والمعرفية، وتبقى الجامعة معزولة عن رسالتها في الإبداع والبحث العلمي.

ولقد كان من البدهي أن تعقد المؤتمرات العلمية لمراجعة مسيرة البحث العلمي وإعادة تأسيسه من الناحية الفلسفية على أسس إسلامية – كما يقول المرحوم د / إسماعيل راجي الفاروقي – ولكن شيئا ً من ذلك لم يحدث، ليس فقط على مستوى الجامعات، بل أيضا ً على مستوى الهيئات العلمية المسئولة، كهيئة كبار العلماء في مختلف العواصم الإسلامية, ومعهد الدراسات العربية العالمية للبحوث، وهى المنظمات الثلاث الكبرى الناطقة والراصدة للفكر العربي و الإسلامي على أعلى مستوى، وكان أول مؤتمر اختص بمعالجة موضوع العلوم الطبيعية والتقنية من منظور الإسلام قد عقد في باكستان سنة 1983 م، ولم يعقد مؤتمر مماثل إلى الآن يختص بمعالجة العلوم الإنسانية مع شدة الحاجة إليه[65].

إن هذا الخيار العلماني التغريبي الذى فرض على الأمة يمكن اعتباره العنصر الرئيس المسئول عن تخلف مجالات المعرفة والبحث العلمي في العالم الإسلامي، وهو الذى أفرز سلبيات عدة هي مظاهر هذه الأزمة اكثر منها أسبابا ً، وهى مظاهر تظهر في صور متباينة وعلى مستويات مختلفة نعرضها من خلال ما انتهى إليه بعض الخبراء المهتمين برصد واقعنا الثقافي ونشاطنا المعرفي :

  • هناك مشكلة الازدواجية التي يعانى منها التعليم في عالمنا العربي والإسلامي، وهى قضية ترتبط أساسا ً بالهيمنة الاستعمارية وما تمخض عنها من تغريب وحصار بثقافة الإسلامية في مجالات ضيقة لا تمس جوانب الحياة. إن الاستعمار منذ ان باشر إدارته لبلادنا وضع نظاما ً جديدا ً لتعليم أبناءنا منقولا ً عما عرفه في وطنه، ومتطورا ً ليلائم مقاصده الهادمة لثقافة الأمة. وجاء الاستقلال بعد الاستعمار فمنحت كل التيسيرات للنظام الغربي المفروض، فكاد يصبح نظام الأمة الوحيد، وبقى على تأخره وعدم فاعليته. ولقد تخرجت اجيال من كلا النظامين، لك كلا الفريقين عاجز، فهناك أناس متخصصون في العلوم الحديثة لا يعون هويتهم، ويهملون تراثهم، ولا يملكون رؤية حضارية، في مقابل آخرين متخصصين في العلوم الإسلامية المقتصرة على الدراسات الفقهية الضيقة، ويهملون العلم الحديث وعلومه ومشاكله[66].
  • هناك غياب الدافع الإيماني والحافز العقدي الذى يدفع نحو التضحية والعطاء والبذل في سبيل التحصيل الجيد. إن الباحث الغربي محكوم بالفلسفة التي يؤمن بها، والمبادئ التي يعتنقها، إنه يؤمن بالتقدم والتفوق والسيطرة وتحقيق الرفاه المادي…، وهى حوافز تدفعه بقوة نحو البحث العلمي الذى يحقق له أهدافه تلك، أما بالنسبة لمعاهدنا وجامعاتنا فإن مناهجها وبرامجها تكاد تكون نسخا ً معادة لما يدرس في الغرب مع خلوها من ذلك التصور الذى يشكل القوة الدافعة لها، وافتقار هذه البرامج والمناهج إلى هذه القوة الدافعة يصبح من عوامل الضعف ويصبح تفوق يتطلب إدراكاً ً شاملا ً لمجموع المعلومات في مجال معين مقرونا ً بالحوافز التي تمكنه من القدرة على الاستيعاب، ولا يمكن للطالب المسلم والأستاذ المسلم أن يجد في غير الإسلام القوة الدافعة. وغياب قضية الإسلام كحافز هو بلا شك المأساة الكبرى للتربية الإسلامية[67].
  • هناك غياب الوعى الرسالي عند المتعلمين، وهى نتيجة حتمية لغياب قضية الإسلام عن أذهان الباحثين والمتعلمين. إن الطالب المسلم الذى لا يشعر بأنه صاحب رسالة لا يجد في نفسه ما يحمله على الهيمنة الكلية على العلم الذى يسافر من أجله، ولا يتصور وجود هذه الرغبة إلا لمن قصد تحصيل العلوم بمنظور عام شامل يحثه على إيجاد مكان للعلم الجديد ضمن فكره ووعيه العام، وفي إطار الحضارة التي ينتسب إليها .وأنى للطالب المسلم أن يطالبه وعيه بالهيمنة على العلم ككل وهو معدوم الوعى الحضاري الذى يعطيه الإسلام، فهو لم يذهب إلى الغرب سفيراً ً للحضارة الإسلامية، مستطلعا ً ما عند الحضارة الغربية، ومتبيناً سيرتها، بل سائلا ً ذليلا ً، أفحمه الشعور بضعة نفسه وضعة حضارته.

ومع غياب هذا الوعى الرسالي يتحول المتعلمون إلى أجراء يبحثون عن منفعتهم الشخصية، ويلهثون وراء الوظائف العالية والمهن المريحة. وعلى المستوى المحلى تتحول الجامعات بدورها من مراكز للبحث العلمي والتربية وتدريس ما تحتاجه الأمة من كفاءات ومهارات إلى معاهد تدريب يدخلها الطلبة للارتزاق.[68]

  • هناك العامل السياسي الذى يقوم بدور أساسي في تدهور مستوى التعليم وضعف الإنتاج المعرفي. لقد وجدت الجامعات الإسلامية نفسها وضع يصعب معه تحقيق البحث العلمي بفعل الهيمنة السياسية، حيث تضل الجامعات طريقها في زحمة الاهتمامات الصغيرة التافهة لأصحاب النفوذ السياسي ووضع البرامج والمناهج التعليمية حسب ما يرضى نفوذهم، وهنا تتلون هذه البرامج والمناهج بحسب الاتجاهات السياسية التي تفرض نفسها على إرادة الأمة وعقيدتها في كل بلد إسلامي، وتفقد الجامعة رسالتها لعدم التحامها بمشاكل الأمة وانزالها عن واقع الحياة.

ويظهر التأثير السيئ للهيمنة السياسية على التربية والتعليم في أشكال متباينة تعم مختلف جوانب الحياة :

  • فمن ذلك وضع البرامج وفق الخط السياسي الذى تتبناه الجهات المسئولة مع مخالفة ذلك جزئيا ً أو كليا ً لعقيدة الأمة.
  • ومن ذلك عدم تصميم المرافق التعليمية ومعاهد عليا …. وفق متطلبات الثقافة الإسلامية ومراعات الآداب الإسلامية.
  • ومن ذلك عدم تحقيق المنهج الدراسي لأهداف المجتمع المسلم في النواحي التشريعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ مما يخلق قطيعة شبه كاملة بين التعليم وقضايا الأمة.
  • ومن ذلك إبعاد التعليم عن مهمته التغييرية الحقة التي تصطدم مع التوجهات السياسية.
  • ومن ذلك التحكم في نوعية الطلبة الذين يتم ابتعاثهم إلى الخارج أو التي تسند إليهم الوظائف الحساسة في المجتمع؛ حيث يتقدم أصحاب المصالح على ذوى الاستحقاق[69].
  • إلى جانب هذه العوائق التي تأخذ شكلا ً هيكليا ً تمس الوضع العام للمجتمع الإسلامي، هناك عوائق ذات طابع تقنى محض تخص الناحية التنظيمية كانعدام التنسيق والتعاون بين الجامعات الإسلامية على مستوى البحث العلمي، وطغيان الناحية الكمية في البحوث مع ضعف المادة العلمية، وهذا أمر يجد مبرره في ضعف المستوى العلمي؛ مما يجعل البحوث تنحرف نحو الحشو بدل الإبداع. وإلى جانب ذلك هناك انعدام إمكانات البحث العلمي وأجوائه من مختبرات مجهزة ومكتبات مفهرسة، وانعدام الخدمة الحسنة والإشراف الكامل، فضلا ً عن مشكلة هجرة الطاقات الشابة الناضجة، او امتناعها عن العودة إلى الوطن؛ لما يعترضها من مشكلات تعرقل مسيرتها العلمية وتحد من نشاطها العلمي[70].

بعض الحلول المقترحة

إن تحديد السلبيات التي كانت وراء ضعف المعرفة والبحث العلمي في عالمنا الإسلامي هي الخطوة الأولى نحو التخطيط لمجاوزتها قدر الإمكان. ولعله اتضح أن المشكلة الرئيسية التي تعترض سبيل الجامعات الإسلامية ومراكز البحث العلمي، تكمن في انها لم تستطع بعد الوصول إلى صياغة الأطر العلمية المتخصصة علميا ً والملتزمة إيمانياً وعقدياً وهنا تبدو المهمة الأساس أمام مراكز التعليم وخبراء التربية في إعادة بناء مناهج التربية والتعليم وفق مبادئ الإسلام. وكما يقول د/ عبد الحميد أبو سليمان: (إن الكوادر الملتزمة إسلاميا ً والقادرة فنيا ً هي الجوانب العملي الوحيد لإمكانية إعادة وحدة القيادة ووحدة المعارف. ولابد من التزام الشخصية والقيم والغاية الإسلامية في تربية الكوادر الشابة، ولابد من تزويدها بالأساس من المعرفة الإسلامية لتكون موجهة ومكونة لعقلية الدارس)[71] .

وإذا كانت الازدواجية أهم عائق في وجه التواصل الفكري والعلمي بين طاقات الأمة التي يتحدث كل طرف منها لغة لا يفهمها الطرف الآخر بحكم التربية الأحادية التي تلقاها، فإن التخلص من الازدواجية لا يمكن أن يتم إلا من خلال توحيد طرق التعليم والتخلص من الإغراق في الدراسات التراثية العقيمة التي تميز المؤسسات التقليدية، مع تطهير المؤسسات العصرية من المناهج التغريبية المقطوعة الجذور بالثقافة الإسلامية.

إن توحيد مناهج التعليم هو السبيل الوحيد إلى خلق عقليات متجانسة تفكر بنفس الأساليب، تستوعب مشكلات العصر وتوظف مقوماتها الفكرية والعقدية والتراثية.

وإذا كان انقطاع التعليم والبحث العلمي عن مشكلات الأمة عائقا ً أمام تقدمه وانحساره في الدراسات النظرية والمجالات الفكرية العقيمة، فإن التحام البحث العلمي وانصهاره في قضايا المجتمع هو خير سبيل لفتح آفاق البحث العلمي وتوظيفه في حل مشكلات الأمة المتراكمة في ضوء متطلبات الإسلام. وإن هذا الأمر يتطلب رفع الهيمنة السياسية التي توجه البحث العلمي نحو اهتمامات تافهة، وتوجيه الدعم المادي إلى مراكز البحث العلمي التي تتبنى المشروع الإسلامي، وهو أمر لا يتيسر في كثير من الأحوال؛ إذ لا تزال الاعتمادات المالية المخصصة لهذا القطاع تستأثر بها الجهود العلمانية. غن هذا يدعونا إلى تكثيف الجهود الفردية وتشجيع المبادرات المستقلة عن الجامعات الرسمية، مع الاستفادة من الفرص الطبيعية التي يوفرها قطاع التعليم والتربية والبحث العلمي عن طريق توظيف الطاقات العاملة بها بقدر الإمكان في خدمة قضايا المجتمع الإسلامي.

والواقع أن الحلول الجذرية لمشكلة البحث العلمي في العالم الإسلامي تتوقف أساسا ً على تفهم الحكومات الإسلامية لمتطلبات مجتمعاتها وطبيعة رسالتها وغايتها من وجودها، وإذا كان هذا الوعى لا يزال ضعيفا ً على المستوى الرسمي بحيث لا يشكل تيارا ً قويا ً قادرا ً على ترجيح الكفة لصالح المشروع الإسلامي بدلا ً من تبنى المشروع العلماني، فإن هذه الأهداف ينبغي العمل على تحقيقها والدعوة إليها بالإمكانات المتاحة من خلال اللقاءات الثقافية والمؤتمرات العلمية، وعقد الندوات، وفتح الحوار مع المسئولين عن التربية ورجال الفكر والأدب ممن لهم القدرة على التأثير، وتوظيف كل الوسائل المتاحة لإيجاد التيار الواعي الذى يستوعب أبعاد المشكلة ويساهم في التخفيف منها.

إن المعاهد الإسلامية الواعية بطبيعة المشكلة عليها أن تتحمل عبء إنجاح هذا المشروع، وهذا يتطلب من المنضوين تحت جناحها قدرا ً كبيرا ً من المرونة الفكرية من متابعة المستجدات المستمرة في العلوم الإنسانية، ومواكبة التطور العلمي المتجدد واستلهام أفضل الحلول لمشكلات الأمة القائمة، كما يتوقف عليهم التخطيط لإيجاد أفضل المناهج التعليمية وتوفيرها لتكون مصدرا ً ومرجعا ً للعاملين في مجال التربية والقائمين على رسم وتخطيط السياسة التعليمية بشرط أن يكونوا ممن اكتسبوا خبرة واسعة في هذا الميدان؛ لأن السلبيات القاتلة التي أصابت السياسة التعليمية في عمقها أنما كانت بسبب إجراءات ارتجالية خاطئة لم تملها الخبرة والممارسة الميدانية والمعايشة الطويلة لطرق ومناهج التربية .

[1] الإنسان ذلك المجهول ص : 313.

 

[2] الإنسان ذلك المجهول صفحات :41-177.

[3] ينظر بعض النماذج في مؤلفنا: منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية ص : 179, منشورات ببيت الحكمة للترجمة والنشر, وجدة.

[4] انظر في هذا السبيل كتاب : الله يتجلى في عصر العلم, لمجموعة من العلماء والمتخصصين, وكذلك كتاب الإسلام يتحدى, لوحيد الدين خان

[5] الإنسان ذلك المجهول صفحات: 21 -42 -177 -309 ……

[6] مجموع فتاوى ابن تيمية ج9 ص : 271 توزيع المكتب السعودي ـ الرباط.

[7] المصدر السابق  ص : 287 وكذلك العقل وفهم القرآن ص :215.

[8]  Létrange et le Merveilleux dans L’Islam Médival. Arkoun, P:10édition (J.A): Paris1978

[9] Létrange et le Merveileux dans L’Islam Médival : P:27

[10] ذهب إلى ذلم الدكتور “محمد عابد الجابري” في مشروعه حول نقد العقل العربي.

[11] مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة, ص : 63.

[12] مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة, ص : 250-278.

[13] خلافة الإنسان بين الوحي والعقل, عبد الحميد النجار ص : 61.

[14] ابن عبد البر, جامع بيان العلم وفضله . باب ما يكره فيه المناظرة , ص : 411, ط/2, دار الكتب الإسلامية, القاهرة 1982

[15]  ابن تيمية : درء تعارض العقل والنقل ج1ص : 30-31, ج3 ص : 358, 365. تحقيق محمد رشاد سالم, دار الكنوز الأدبية 1979.

[16] الإسلام والفكر العلمي محمد المبارك ص  : 122-126.

[17] مقدمة ابن خلدون ج4 ص : 1199. طبعة لجنة البيان العربي 1965.

[18] المصدر نفسه.

[19]  محمد المبارك : الإسلام والفكر العلمي ص : 41, 44, 111.

[20]  الإسلام والمنهج العلمي ص : 122-126. وكذلك أحمد فؤاد باشا : فلسفة العلوم بنظرة إسلامية ص : 20.

[21] حول هذا الموضوع ينظر : محمد البهي : الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي ص : 343, الطبعة السادسة ـ دار الفكر القاهرة 1973. وكذلك إميل بوترو : العلم والدين في الفلسفة المعاصرة ص : 41.

 

[22] في هذا الموضوع ينظر : الشيخ مصطفي صبري : موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين ج2ص : 129.

[23] سيد قطب, خصائص التصور الإسلامي ومقوماته, ص : 137. الطبعة السابعة, دار الشروق, 1980م.

[24] موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين 2/24.

[25] فلسفة ابن رشد صفحات 112,181.نقلًا عن المرجع السابق.

[26] موقف العقل والعلم والعالم 2/24.

[27]  تنظر هذه الشواهد بالتفصيل في : مفتاح دار السعادة 1/48 وما بعدها, وكذلك الحارث المحاسبي : العقل وفهم القرآن ص : 217 وما بعدها..

[28] محمد المبارك، الإسلام و الفكر العلمى، ص: 118.

[29] نسق إسلامي لمناهج البحث العلمي ص: 16، و ينظر أيضًا خصائص التصور الإسلامي ص: 142 . و كذلك إسماعيل راجي الفاروقي ، المسلم المعاصر ع 27 ص 15 مقال سابق.

[30] مفتاح دار السعادة . جـ1 / 85 ـ 59.

[31] رواه أحمد و الطبرانى

[32] مفتاح دار السعادة: 1 / 169 ـ 170.

[33] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن المعجم الأوسط للطبراني: 1/ 178. ط: مصر 1352.

[34] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن المعجم الأوسط للطبراني: 1/ 178. ط: مصر 1352.

[35] [35] ينظر: ولي الله الدهلوي، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف. ص: 99، دار المفائس. ط2: 1404هـ/ 1984م.

[36] محمد بن على الشوكاني: القول المفيد في أدلة الاجتهاد و التقليد ص: 40، 50، دار الأرقم بيروت، ط2/ 1403، تحقيق عبد الرحمن عبد الخالق

[37] أعلام الموقعين: 1/ 7.

 

[38] المستصفي من الأصول 2/ 350، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.

[39] انظر في هذا الصدد: لوي وورث في مقدمة ترجمته الإنجليزية لكتاب كارل ما نهايم: الأيديولوجيا و الطوبائية، مقدمة في علم اجتماع المعرفة، ص 47-48.

[40] تفسير ابن جرير الطبري.

[41] انظر سنن الترمذي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ج/5، ص 198.

[42] انظر سنن الترمذي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ج/4، ص6، باب ما جاء في الزهد في الدنيا.

[43] الحديث أخرجه أبو داود في كتاب العلم، باب: الحث على طلب العلم، ج/3، ص316، و ابن اجة في مقدمة كتابه باب فضل العلماء و الحث على طلب العلم، ج/ 1ص 81 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

[44] التراث و المعاصرة ص: 29 د/ أكرم ضياء العمري كتاب الأمة، ع10، ط2، سلسلة تصدر عن رئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية بدولة قطر.

[45] نفسه ص 29.

[46] بخصوص الصراع بين أنصار التراث وأنصار التغريب ينظر مقال بعنوان انفتاح الإسلام على الثقافات الأخرى محمد أحمد بدرى، مجلة المسلم المعاصر ص : 52 عدد 44 .

[47] مناهل العرفان في علوم القرآن : 2 / 250 – 253 .

[48] من القدماء : الإمام الغزالي والإمام السيوطي وأبو الفضل الرسى، ومن المحدثين طنطاوي جوهري في تفسيره، انظر : التفسير والمفسرون، محمد حسنين الذهبى.2 / 474 – 505 .

[49] ينظر هذا الاعتراض في المسلم المعاصر، ع 36 ، ص: 31 . التحقيق العلمي للأيات الكونية في القرآن ، كارم السيد غنيم.

[50] ينظر هذه الأمثلة بالتفعيل في المرجع السابق ، ص:31-35.

[51] اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم تعليق محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية، ط2. 1369، ص :163 – 207

[52] محسن عبد الحميد، المذهبية الإسلامية والتغير الاجتماعي ص:12- كتاب الأمة رقم 6. طبعة أولى – قطر- الدوحة 1404.

[53] اقتضاء الصراط المستقيم: 162.

[54] انظر هذه الحيثيات في المصدر السابق، ص : 44.

[55] تنظر هذه الدعاوى في سلسلة “كتابك” ع 87: لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة ، ص : 22. فاروق شوشة.

[56]  د/ عبد الصبور شاهين ، اللغة العربية لغة العلوم والتقنية ، دار الاعتصام ، ط 2 / 1989.

[57] على القاسمي ، مقدمة في علم المصطلح، الموسوعة الصغيرة ، ع 169 ، ص: 62 .

[58] المرجع السابق ، ص : 63 .

[59] المرجع السابق ، ص : 93 – 94 .

[60] مرجع سابق.

[61] ينظر تفصيل هذه الضرورات في مقدمة كتاب : في علم المصطلح، ص: 134 – 140 .

[62] المرجع السابق ، ص : 96.

[63] إسماعيل راجي الفاروقي ، مقال بعنوان : أسلمة المعرفة، المسلم المعاصر ، ص : 10-11 ، عدد : 32

[64] د/ عباس محجوب، نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم ص : 168 – 170، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، ط 1/1408هـ.

[65] إسماعيل راجي الفاروقي، التحرك الفلسفي الإسلامي الحديث ، المسلم المعاصر، 31 ، ص : 28- 29.

[66] إسماعيل راجي الفاروقي ،حساب مع الجامعيين ، الجامعيين ، المسلم المعاصر، ع 31 ، ص:51، وكذلك عبد ابو سليمان، إسلامية المعرفة، المسلم المعاصر ، ع 31 ، ص: 28-29.

[67] المسلم المعاصر، ع32 ،ص : 12-13

[68] إسماعيل راجي الفاروقي، التحرك الفلسفي الحديث، المسلم المعاصر، ع 39، ص:17، وكذلك مقاله : حساب مع الجامعيين، المسلم المعاصر ، ع31 ، ص :56.

[69] ينظر بتصرف في كتاب : نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم، ص : 10 ، الفاروقي : الإسلام والمدنية: قضية العلم ، المسلم المعاصر، ع36 ، ص:7.

[70] نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم، ص:124، وكذلك نزيف العقول البشرة، محمد عبد العليم مرسى، ص:65.

[71] إسلامية المعرفة، المسلم المعاصر، ع 31، ص: 28-29.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر