أبحاث

المماثلة والمقابلة: قراءة ثانية في موقف بدوي من المستشرقين

العدد 79

مقدمة :

مغامرة الكتابة عن مفكر فى قامة عبد الرحمن بدوى مغامرة محفوفة بالمخاطر, لكنها مغامرة ممتعة. حيث تمثل لنا كتاباته صورة من صور تعامل الذات مع الآخر, وصورة من صور بناء الذات؛ لأن بدوى فى ذاته, وبكتاباته قلعة قوية من قلاع الفكر العربى الفلسفى المعاصر, أخشى أن أقول إنها ما زالت مجهولة لنا أو بعيدة عنا. والمغامرة تأتى من كون هذه القلعة الحصينة متعددة الأبواب, كثيرة الأبراج, متشعبة الطرق. فأى طريق نسلك ؟ ومن أى باب نلج إلى داخل القلعة لنكتشف ما فيها من كنوز ؟ تأتى المخاطر من كوننا سعينا من قبل لاقتحام أعمال بـدوى من باب ” الأصول الاستشراقية لفلسفته “(1) دون أن نشير إلى تعدد منــاحى أو مداخل البحث فى كتاباته أو الأسس النظرية التى يمكن من خلالها أن نتبين آراء وأفكار المفكر العربى ونعرض لاهتماماته وكتاباته التى هى من السعة والتنوع بحيث تحتاج إلى جهود عديـدة ومناهج مختلفة لبحثها ودراستها.

فقد أسهم بدوى منذ بداية كتاباته 1939, وربما قبلها بقليل, بجهود متنوعة تحدد لنا معالم مشروع فكرى متميز, ينبغى علينا أن نضعه فى إطاره الثقافى وسياقه التاريخى وعلاقته بالواقع الاجتماعى والاقتصادى .. إبان المد الوطنى وسيادة الليبرالية فى مصر فترة الثلاثينات وما تلاها, مشروع فكرى فى الأساس يهدف إلى إيقاظ الوعى وإحداث ثورة روحية تسهم فى بناء الحضارة, ويقوم على البحث فى ” روح الحضارة العربية ” وبيان دور ” التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية “. وهو يقوم بذلـك مسلحاً بكافـة الأدوات الضرورية اللازمة لعمله من اتقان للغات شتى, ومعرفة عميقة بتاريخ الفلسفة, وقدرة على استخدام المناهج المختلفة التحليلية والفيلولوجية والتاريخية, مع حصيلة وافرة من المفاهيم والتصورات الفلسفية, إضافة إلى علاقات عميقة ـــ ومباشرة ـــ بأعمال كبــار المستشرقين الذين درس عليهــم, أو ترجم لهــم, أو عرض لأعمالهم بالنقد والتحليل.

ونستطيع أن نحدد محــاور ثلاثة تمثل بعض قطاعات مشروع بدوى هى :

1 ـــ الموقف من التراث اليوناني(2).

2 ـــ التحقيقات الفلسفية التى تنصب على إعادة بناء الــتراث الفلسفى فى العربية.

3 ـــ الموقف من المستشرقين.

وسنخصص هذه الدراسة لبحث النقطة الثالثة ” الموقف من المستشرقين ” مع اهتمامنا فى نفس الوقت ـــ فى دراسات أخرى نقوم بها ـــ بتنـاول المحوريـن الأولـين. فكتابات بــدوى متعددة, وجهــوده متشعبة, وإنتاجـه ضخم, وهو من السعة والثراء, بحيث تعجز عن القيام به هيئات علمية ذات إمكانيات كبيرة, فقد قام بمفرده فى حياتنا المعاصرة بمثل ما قام به حنين بن إسحق من جهد فى عصر الترجمة الممهد للحضارة الإسلامية فى القرون الأربعة الأولى للهجرة, وإن كان جهد بدوى أكثر تركيباً, فقد تمثلت مهمته فى نقل وترجمة نصوص الفلاسفة المعاصرين, وأبحاث المستشرقين فى الدراسات العربية والفلسفة الإسلامية, بالإِضافة إلى أبحاثه وتحقيقاته فى التراث الفلسفى.

ويلزمنا أن نمهد لهذه الدراسة ببعض الملاحظات الأولية التى ينبغى أن نضعها بين يدى الباحثين فى الدراسات الفلسفية تتعلق بموقف بدوى من المستشرقين.

ـــ اننـا نقدم هنـا قراءة ثانيـة كتابـات بدوى. فقد سبق ـن نشرنا كتيباً عنه بعنون “الصوت والصدى” هادفين إلى بيان الأصول الاستشراقية فى فلسفته 1990, أى قبل صدور أبحاثة الأخيرة فى نقد الاستشراق مثل كتابه “الدفـاع عن القرآن ضد منتقديـه” Defenes du Coran contre ses critiques  1989. “والدفاع عن حياة النبى ضد المنتقصين لقدره” Defense de la vie du prophete Muhammad Contre ses detracteurs  1990. ومن هنا اتجهت القراءة الأولى إلى تأكيد الموقف المؤيد للدراسات الاستشراقية وتبنى مناهجها ونتائجها, وهو ما سيتضح أثناء البحث أنه أخد ملامح الصورة وليس الصورة كاملة.

ـــ ان بدوى لم يقدم لنا دراسة فى الاستشراق, أو بحث عام فى توجهات المستشرقين مثلما فعل إدوار سعيد فى كتابه “الاستشراق : المعرفة. السلطة, الإنشاء”(3), أو فؤاد زكريا فى دراسأته “نقـد الاستشراق وأزمــة الثقافــة العربية”(4), حيث إننا لا نستطيع أن نتناول موقفه من الاستشراق بل موقفه من المستشرقين الذى ترجم كتاباتهم موظفاً إياها فى إطار مشروعه, ودرس أعمالهم فى “موسوعة المستشرقين”(5), وقيمَّ دراساتهم فى “تاريخ العلوم عند العرب”(6).

ـــ ان الموقف من المستشرقين ليس موقفاً واحداً, ولا جامداً ولا متعصياً, بمعنى أننا نجد لدى بدوى مواقف متعددة تجاه أعمال المستشرقين, وتختلف هذه المواقف باختلاف موضع دراساتهم, سواء فى الفلسـفة أو النصوف, اللغة أو الشعر, أو تاريخ العلم, أو الدراسات الدينية؛ القرآن والسنة وحياة محمد. وتتعدد هذه المواقف تبعاً لاختلاف مناهج ورؤى المستشرقين وطبيعة كتبـاتهم, سواء كانت كتابات ذات طبيعة معرفية أو أيديولوجية, موضوعية أو دعائية وأيضاً باختلاف مراحل تطور بدور نفسه, أو من هنا نستطيع أن نميز ثلاثة مواقف أساسية لديه:

أ ـــ إحداها : ما يمكن أن نطلق عليه موقف التماثل “الذى يتبنى فيـه بدوى مناهج هؤلاء المستشرقين ونتائج أبحاثهم, ويتابع تحليلاتهم؛ حيث يتابع أعمالهم وينقلها للعربية ويعلى من شأنهم, ويظهر ذلك بأجلى صورة فى دراساته المبكرة التى يبدو فيها الإعجاب بأعمال : ما ســــينيون L. Massignon (1883 ـــ 1962) وكرواس P./ Kraus (1904 ـــ 1944) ونلينــــو Nallino (1872 ـــ 1038) وهانزهنريش شيدر Schaeder (1896 ـــ 1957) ومــاكس مايرهوف Meyerhof (1874 ـــ 1945) ويظهر هذا الموقف فى مرحلة مبكرة من مراحل حياة بدوى وبداية كتاباته.

ب ـــ والثـانى : الموقف الموضوعى الذى يناقش أعمالهم, ويحلل الدراسات المختلفة لهم مع بيان مناهجهم وتوجهاتهم موضحاً أين أصابوا, وفيما أخطئوا, ويتمثل ذلك فى موقفة من : جولــد تســـيهر Goldziher (1850 ـــ 1921) ومرجليوث (1858 ـــ 1940) ويمثل هذا الموقف الموضوعى الاتجاه العلمى الذى ميز كتابات بدوى فى المرحلة الثانية من تطوره الفكرى, وهى مرحلة النضج والاستقلال الفكرى, وهى مرحلة النضج والاستقلال الفكرى, وهى مرحلة وسط بين الموقف الأول “المماثلة” والموقف الثالث المقابلة, وإن كان هذا الاتجاه ظل ملازماً لـه حتى الآن, ويظهر فى كتاباته النقديـة الأخيرة.

جـ ـــ والموقف الثالث : موقف النقد العنيف والهجوم على الدراسات غير العلمية المتعصبة ضد الإسلام والقرآن والنبى محمد, ويظهر هذا الموقف فى مؤلفاته الأخيرة. ويمكن بيان ذلك بعرض أعمال بدوى أولاً, وترجماته ومواقفه المختلفة من أعمال المستشرقين.

أولاً : ترجمات بدوى لأعمال المستشرقين, (المماثلة) :

تتميز مؤلفات بدوى بسمة واضحة هى ذلك الطابع البنائى الذى يضم موضوعات ذات طبيعة واحدة, يتداخل فيه التأليف والترجمة والتحقيق. حيث يوظف بـدوى ترجماته لأعمال المستشرقين, وتحقيقاته لنصوص القدماء, وأبحاثه لتحقيق ما يهدف إليــه, كما يتضح من عناوين عدد كبير من أعماله. فكتابه : “التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية” هـو دراسات لكبــار المستشرقين ألف بينها, ترجمهـا عن الألمانية والإيطالية(7). و”شخصيات قلقة فى الإسلام” دراسات ألَّف بينها وترجمها(8). و”من تاريخ الإلحاد فى الإسلام” دراسات ألف بعضها وترجم الآخر(9). و”الإنسان الكــامل فى الإسلام “دراسات ونصوص غير منشورة ألف بينها وترجمها وحققها(10).

ونتوقف فى هذه الفقرة أمام بعض هذه الدراسات التى نقلها بدوى إلى العربية عن لغـات مختلفة, وفى موضوعات تدور كلها أو معظمها حول التراث الإسلامى خاصة, فى التصوف والكلام والفلسفة, لعدد من المستشرقين الألمان والإيطاليين والفرنسيين.

أ ـــ أعمال ماسينيون :

يمثل ماسينيون من بين المستشرقين مكانة لا يضارعه فيها إلا “نيلدكـه” و”نلينو” ز”جولد تسهير”, وهو قد امتاز عنهم جميعــاً بنفوذ النظرة وعمق الاستبطان, والقــدرة على استنباط التيار المستورة وراء المذاهب الظاهرة والأفكار السطحية ومرد ذلك إلى مزاج شخصى خاص جعل حياته الباطنة ثمرة عامرة بـأعمق معانى الروحية. ويشيد بدوى بــرأى ماسينيون الأصيل فى أن التصوف قد نشأ عن أصول إسلامية خالصة مستمدة من القرآن والسنة, وأنه بهذا دفع فى صدر تلك الآراء المغالية الواهية التى ظهرت فى أواخر القرن الماضى وأوائل هذا القرن نتيجة للمنهج الهزيل الذى اتبع منهج الأشباه والنظائر الواهيــة الظاهرة للتدليل علـى التأثير والتأثر(11).

وقد قدم دراسة عـن “المنحنى الشخصى لحياة الحلاج” ترجمتها فى كتاب “شخصيات قلقة فى الإسلام”, القاهرة 1947, وبحثاً بعنوان “سلمان باك”. وقد ترجم بنفس الكتاب. بالإضافة إلى دراستين أخريتين نشرت إحداهمــا بنفس الكتاب عن “المباهلة”(12), والأخرى عن “الإنسان الكامل فى الإسلام “ترجمها ونشرها فى كتابه الذى لا يحمل بنفس العنوان(13). وعلى هذا فقد قدم لنا بدوى ترجمة لأربعة أعمال لماسينيون, هذا بالإضافة إلى الإشارات العديدة إلى أعماله فى كتبه المختلفة, وهذه الأعمال هى :

1 ـــ “ســـلمان الفارسـى والبواكــير الروحية للإسلام فى إيران”. نقلها عن نشرات جماعة الدراسات الإيرانية, رقـم 7, بـاريس عـام 1934, ويتناول فيها استهلال عن المدائن والكوفة, وكيف يدرس سلمان, ويعرض فى خمسة نقاط لخلاصة السيرة التقليدية وتحليل “خبر سلمان” الخاص بإسلامه, وفاة سلمان بالمدائن, دعوى مجيئة العراق حليفاً لبنى عبد القيس, الدور التاريخى لسلمان مع النبى فيما يختص بالوحى ودورة فيما بعد مع على, وخاتمة, ثم ملحقين :

الأول : نصوص غير منشورة خاصة بالفرق الغلاة المسماة “السـليمانية” أو “السينية”.

والثانى : إشارات إلى المصادر.

2 ـــ “المنحنى الشخصى لحياة الحلاج شهيد الصوفية فى الإسلام” عن مجلة : “الله حى”, العـدد الرابـع عـام 1945. ويتناول فيها فكرة المنحنى الشخصى, والحلاج : مولــده وتنشــئته, زواجه, حجته الأولى, الرحلــة إلى خراسان والعودة إلى الأهواز ثـم الإقامـة ببغداد, تطورة الروحى, أتبــاع الحلاج, آثاره, قضية الحلاج, محاكمته وإعدامه, ثـم أشخاص مأساة الحلاج, وشهود هذه المأساة, وأخيراً منحنى حياة الحلاج.

3 ـــ “المباهلة بين النبى ونصارى نجران فى سنة 10 هـ بالمدينة. ميـلان عـام 1944 كيفية الآداء, الأصل القرآنــى والإسناد, إسناد الرواية, موجز الروايـة, الدور الاقتصادى لنجران, والتطور السياسى لبنى الحارث, الرمزية الدينية, تحليل كتاب المبتهلة للشلمخانى, تحليل الفصل الخاص بالمباهلة فى الطقـوس النصيرية.

4 ـــ “الإنسان الكـامل فى الإسلام وأصالته النشورية” 1947 – Eranos Jahrbuch, ويتنــاول فيــه النظرية الأخروية للإنسان الكامل وبواعثها العصرية, نشأة وتطور نظرية الإنسان الكــامل. بـــذور النظريـة فى القرآن واعتناق الشيعة لهـا. العنــاصر الثلاثة المميزة للنصوص الملحمية, وأنـواع هـذه النصوص. كتب الملاحم, تحليل “خطبة البيان”.

وحتة لا نكرر ما سبق أن ذكرنـاه فى موضوع آخر عن علاقـة بدوى بماسينيون(14) نكتفى بالقول إنه بالإضافة إلى هذه الترجمات, فـإن بدوى يعتمد عليه, ويستشهد بآرائه فى كتبه المختلفة خاصة فى “شــطحات الصوفيــة”, و “تاريخ التصوف الإسلامى من البداية حتى نهاية القرن الثانى”(15). ويعطى صورة واضحة عنـه فـى موســوعة المستشرقين(16).

ب ـــ باول كراوس :

يرتبط بدوى علميَّا بكراوس ارتباطلً وثيقاً, خاصة أن المستشرق اليهودى كان ضمن أساتذة جامعة القاهرة التى كان بدوى يدرس بهـا فى الثلاثينات, وكان ماسينيون هو الذى زكى ترشيحه للتدريس فى كلية الآداب, وذلك فى مذكرة أشاد فيها بمناقبه, وما يؤمل منه, وهى الذكرة التى عرضت على مجلس كلية الآداب, وذلك فى مذكرة أشاد فيها بمناقبة, وما يؤمل منه, وهى المذكرة التى عرضت على مجلس كلية الآداب : “وقد قرأتها يوم عرضها ـــ وكنت طالباً فى السنة الثالثة بقسم الفلسفة, فصممت على التعرف عليه غداة وصوله”(17).

ويتضح عمق هذه العلاقة ليس فقط من خلال اللغة التى تحدث بها عنه فى “موسوعة المستشرقين”, بل فى الاهتمام بكتاباته وترجمتها إلى العربية بـدءاً من “التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية ” الذى شغل به كلاهما, حيث ترجم له بحثه عن “التراجم الأسططالية المنسوية إلى ابن المقفع”(18). الذى هو تعليق على ما كتبـــه فرانشسكو جيراييلى عن “مؤلفات ابـن المقفع”, كذلك تـابع أبحاثــه عن عــدد من الفلاسفة والموضوعات فى كتابه  “تاريخ الإلحاد فى الإسلام” مثل باب برزويه فى “كليلة ودمنة” وبحثه عن ابن الرواندى(19).

ويستمر الاهتمام المشترك بنفس الموضوعات أو قل السير على نفس الدرب, أقصد الفيلسوف المصرى على درب المستشرق التشيكى اليهودى, كما يتضح فى بحثه ” أفلوطين عند العرب”.

ويهمنا أن نشير أيضاً إلى اعتماد بدوى فى كثير من أبحاث تاريخ الإحاد فى الإسلام على دراسات كرواس خاصة عن أبى بكر الرازى, وجاير بن حيان, وإليك بيانات ما ترجمه بدوى من مقالات كرواسما وأبحاثه :

1 ـــ “التراجم الأرسططالية المنسوبة إلى ابن المقفع” وقد نشر هذا البحث فى مجلة الدراسات الشرقية, المجلد الرابع عشر عام 1933. والحقيقة أن عمل كرواس هذا الذى نشر بعنوان “حول ابن المقفع” ينقسم إلى قسمين : الأول خـاص بمسألة الــتراجم الأرســططالية, ويورد بدوى ترجمته فى كتاب “الــتراث اليونانى فى الحضــارة الإسلامية” ص 101 ـــ 120, والقســم الثـانى : يتعلق بباب برزويه, وهو ما نشره فى “تاريخ الإلحاد فى الإسلام”.

2 ـــ “باب برزويه فى “كليلة ودمنة” وهو الجزء الثانى من دراسته السابقة, وقد نشر فى كتاب بدوى عن “تاريخ الإلحاد فى الإسلام”.

3 ـــ “ابن الروانـدى”, وقد نشرها كراوس فى مجلة الدراسات الشرقية, المجلد الرابع عشر عام 1934 ويتناول فيها الموضوعات التالية بعد المقدمــة, النص شذرات من كتاب الزمرد, تأليف الكتاب, وتحليل ما فيه, كتــاب الزمرد, ودفاع الكندى, البراهمة فى كتاب الزمرد, تأريخ الــرد, تحليل الــرد, حياة ابن الرواندى. ويشـــغل صفحــات 75 ـــ 188 من كتاب بدوى السابق(20).

جـ ـــ  هنرى كوربان :

يشير بــدوى إلى اهتمام كوربــان بالفلسفة الإشراقية عند السهرودى, وإلى نزعته الثيوصوفية, ويأخذ عليه مبالغته الشديدة فى إبراز نصيب الفكر الشيعى, وأجحف بالفكر الســـنى إجحافاً غربياً(21), ومع هذا فهو يتفق معه فى الاهتمام بالتصوف الإسلامى والوجودية, مما جمع بينهما فى صداقة قوية منذ عام 1954, وطوال ربع قرن من الزمان(22). وقد ترجم له كا كتبه عن السهروردى, وترجم شرحه هـو وكـراوس لأصوات أجنحة جــبرائيل للسهروردى.

“السهروردى الحلبى (ت 1191م), مؤسس المذهب الإِشراقى “نشرات جماعة الدراسات الإيرانيــة رقـم 16, باريس عـام 1939. ويتناول فيه بعد الاستهلال لحياته ومؤلفاته, المقالات الميتافيزيقية والمقالات فى ص،ورة أمثال التوحيد, مأساة السهروردى.

شرح رســالة “أصوات أجنحــة جبرائيل” السـهروردى. المجلة الأسيوية عدد يولية, ســبتمبر 1935, ترجمة القصل الثانى من كوربان وكــراوس للرسالة والشرح الفارسى لهــا. وقد نشرهما بدوى فى كتابه “شخصيان قلقة فى الإسلام”(23).

د. هانزهنريش شيدر :

يصف بـدوى شيدر فى “موسوعة المستشرقين” مشـيداً بـه وبجهده يقول : “خير وصف لهانزهنريش شيدر, هو أنــه كان أوفر المستشرقين حظاً من النزعة الإنسانية بمعناها المحدد الخاص بالقرنين الرابع عشــر والخامس عشر .. اتجه إلى بيان الأصول الإيرانية لبعض المعانى أو النظريات فى التصوف الإسلامى وتمخض ذلك عن بحثه الممتاز بعنوان “نظرية المســـلمين فـى الإنســان الكامل(24). وقد ترجمه بــدوى كمـتا ترجم له دراسته عن “الشرق والتراث اليونانى”.

1 ـــ “روح الحضارة العربية” ترجمة لبحث شيدر “الشرق والتراث اليونانى” مجلة الحضارة القديمة, المجلد الرابع(25).

2 ـــ “نظرية الإنسان الكـــامل عنـــد المسلمين مصدرها وتصويرها الشعرى”.

وأصله محاضرة ألقيت أمام شعبة برلين للجمعية المشرقية الألمانية فى 26 نوفمبر 1924, وهو يدور حول الكشف عن الارتباط الوثيق فى تاريخ الأفكار بين الدراســات الإيرانيـــة والإســــلامية”. ويشمل بعد التمهيد عن الإسلام والإيرانية والهلينية الموضوعات الآتية : الإنسان الأول فى الكونيــات الإيرانيــة القديمة, التغير الثنوى التشاؤمى الذى أصاب فكرة الإنسان الأول فى نظريات النجاة عند الغنوصيين, قبول النظرية فى الغنوص الإسلامى, الصورة الكلاسيكية لنظرية الإنسان الكامل عند ابن عربى, ويبين أن الإنسان الكامل مقصداً سائداً فى أسلوب التعبير فى الشعر الغنائى الفارسى مع ملحق بنشيد مانوى(26).

هـ ــ كرلو ألفونسو نلينو :

ومكانة نلينو بين المستشرقين جميعاً مكانة ممتازة, لا يساويه فيها غـير جولدتسيهر ونيلدكه, وهو بمتاز عن جولد تسيهر بدقته العلمية وسعة إطلاعه على مختلف المسائل الإسلامية والغربية.

ويذكر بــدوى تدريسه بالجامعة المصرية, وتأثيره الكبير على تكوين الأدباء فى مصر حاصة طه حسين أنبغ طلاب الجامعة المصرية الذى يتضح أثـر نلينو عليـه فى “الأدب الجـــاهلى”(27). ويشير بدوى فى موسوعته إلى دراساته الخاصة بـأصل تسمية المعتزلـــة واسم القدرية, والمقالة الخاصة بفلسفة ابن سينا, وهل هى شرقية أم إشراقية, وهى المقالات التى ترجمها فى “التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية”, وغيرها وقد ترجم له بدوى الدراسات التالية :

1 ـــ بحوث فى المعتزلـة ” أ : أصل تسميتها “, “ب : اسم القدريــة”, “ج: الصلـة بين مذهب المعتزلة, ومذهب الإباضية المقيمين فى أفريقيا الشمالية.

د ـــ ” حول فكرة غريبة منسوبة إلى الجاحظ عن القرآن “. وقد ظهرت هذه البحوث فى مجلة الدراسات الشرقية, المجلد السابع, روما 1916, وقد ترجمها بدوى فـى كتابه التراث اليونانى (ص 173 ـــ 217).

2 ـــ “تعليقات صغيرة على ابن المقفع وابنه” نشرت فى مجلة الدراسات الشرقية بالإيطالية ج14. ونجدها فى : “تاريخ الإلحاد فى الإسلام” (ص 64 ـــ 71).

3 ـــ “محاولـة المسلمين إيجاد فلسـفة شـرقية” ظهر هذا البحث فى “مجلة الدراسات الشرقية” المجلد العاشر, عـام 1925 بعنـوان : “حكمــة ابـن ســينا الشرقية ـــ أو الإشراقية ” التراث اليونانى (ص245 ـــ 296).

و ـــ أجنتس جولدتسيهر :

وحين نتنــاول موقف بــدوى من جولدتسيهر نجد تبــدلاً واضحــاً بين موقفين أساسيين : الأول, مؤيــداً فى التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية, وفيه يعلى من قـدر المستشرق اليهـودى مبنيــاً أفضالــه التى لا تحصى على الدراسات الإسلامية, بحيث نجد أنفسنا وكأننا نقرأ شعراً يتغزل فى هذه الشمس الساطعة ونورهــا ودفئهــا وأشعتها التى تضئ, وهذا الموقف المبكر 1941م يختفى تماماً مع الكتابــات الأخيرة ـــ التى يحلل فيه.

بـدوى جولدتسيهر وغيره فى القضايا الدينية والعقائد ـــ التى صدرت عام 1989, 1990 وفيها نجد التحليل الدقيق والهجوم الحاد على الرجل الذى أراد رد كثير مـن عقائد الإسلام وتشريعاته إلى اليهودية, وسنعرض هنا للموقف الأول, ثم نتناول فى الفقرة الثالثة نقد بدوى له.

ظل جولدتسيهر أكثر من ربع قـرن شمساً ساطعة, استمرت ترسل فى عالم البحوث الإسلامية ضوءاً يبدد قليــلاً ما يحيط بنواحى الحياة الدينية الإسلامية من ظلام, وينير السبيل أمــام الباحثين فى الوثائق التى سجلت فيها تلك الحياة, وينمو على حرارته جيل ضخم ممن كانوا بالأمس القريب, أو ممن هم اليوم أئمة المستشرقين(28). ويعلى بدوى فى كتابه “التراث اليونانى” من شأن جولدتسيهر فقد “كـان لديه نوع من التجربة الروحية الباطنة استطاع عن طريقها أن ينفذ فى النصوص والوثائق, كى يكشف من ورائها الحياة التى تعبر عنها النصوص, ويتبين التيارات والدوافع الحقيقية. فهو إذ قام بنقد الحديث ـــ كما يخبرنا بدوى ـــ فليس ذلك كى يبيـن أنه موضوع أو غير موضوع, وإنما لكى يدرك الميول المختفية والأهــواء المستورة التى يعبر عنها أصحابها فيما يضعون أو يروون من حديث(29).

تأمب اللغة التى كتب بها بدوى فى موسوعته عنه يقول : “يشاء الله أن يهب الإسلام من الأوربيين من يؤرخون لـه كسياسة فيجيدون التأريخ, ومن يبحثون فيه كدين وحياة روحية فيتعمقون هذا البحث, ويبلغون الذروة فيه أو يكادون .. وكان سيد الباحثين فيه من الناحية الدينية خاصة والروحية عامة اجتنس جولدتسيهر”(30).

أما عن منهجه فقد كان يقبل على النصوص وفى عقله جهاز من المقولات والصور الإجمالية, يحاول تطبيقها على هذه النصوص, والتوفيق بينهما وبين ما يوحى به ظاهر النص, يتلاءم وهذه الصورة الإجمالية.

ويبين بدوى فى مقارنـة دقيقة أن جولدتسيهر يختلف عن نلينو من ناحية وعن بيكر (كـارل هنريش) من ناحية أخــرى, بينمــا منهج جولـد تســيهر استدلالى يعتمد على البصيرة والوجدان, نـرى منهج نلينـو منهجاً استقرائياً خالصاً, كل اعتماد على النصوص لا يكاد يخرج منها إلى النتائج الواسعة .. كما أنه يختلف من ناحية ثانية عن بيكر فى أن بكـتر لم يكـن يحتاط كثـيراً فـى استخدام الوجدان والبصيرة.

وكتابه “محاضرات فى الإسلام” 1910 هو كما يقول بدوى : “صورة كاملة متناسبة الأجزاء للحياة الروحية فى الإسلام”. أما فى كتاب “اتجاهات تفسير القرآن عند المسلمين” فهو يقدم لنا فى الظاهر تاريخاً حيَّا لتفسير القرآن, بينما هو فى الحقيقة إنما يعرض لنا فيه مرآة صافية انطبعت فيها صورة قوية واضحة للحياة الروحية طوال ثلاثة عشر قرناً عند الملايين من المسلمين(31).

وقد ترجم له بدوى الأعمال التالية :

1 ـــ “موقف أهل السنة القدماء بــإزاء علوم الأوائل”. وقد نشر هذا البحث فى “مباحث الأكاديمية الملكية البروسية” عام 1915. القسم الفلسفى التاريخى, العدد8(32).

2 ـــ العناصر الأفلاطونية المحدثة والغنوصية فى الحديث “ظهر هذا البحث فى كجلة الاشوريات Z.A. المجلد 28 عام 1909. وكلا العلمين نشرهما بدوى فى التراث اليونانى 1941 .. صفحـــــات 123 ـــ 172, 218, 241(33).

وقد ترجم له عدة نصوص فى كتاب “دراسة المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى 1979 وهى :

3 ـــ “مقدمة لديوان جــرول بن أوس الحطيئة”؛ لقد نشر جولدتسيهر ديوان الحطيئة مجلة ZDMG المجلد 46 عــام 1892, وقدم لهذه النشرة بهذه المقدمة.

4 ـــ “جن الشعراء” وقد نشر أولاً بمجلة ZDMG المجلد 45 سنة 1891, ثم فى أعماله الكاملة, الجزء الثانى 1968.

5 ـــ “تعليقات على دواوين القبائل العربية”. وقد نشرت أولاً فى مجلة JRAS عام 1897, ثم قى أعمالــه الكاملة الجزء الرابع(34).

ز ـــ ماكس مايرهوف :

يصف بدوى مـايرهوف “طبيب العيون المشهور فى القاهرة” بأنه من أعظم الــباحثين فى تاريخ الطب والصيدلة عند العرب .. قوى الصلات ليس فقط بالأجانب فى مصر, بل وأيضاً بالنابهين من رجــال الأدب والفكر والسياسة من المصريين. ويؤكـد بدوى على صلته القوية به يقول : “وان أنس لا أنس حسن استقباله لى وأنا شاب فى الثانية والعشرين, حيث ذهبت إليه فى عيادته بتوصية من باول كرواس للحصول منه على نسخة من مقاله “من الإسكندرية إلى بغداد” كى أترجمـه .. ولا يزال هذا البحث أفضل ما كتب فى موضوعه رغم التقدم الهائل فى هذا الميدان؛ لأنه يعطـى نظرة عـامة لكيفية انتقال التراث اليونانى الطبى إلى الإسلام, ويتناول بإيجاز أشهر المترجمين والعلماء العرب حتـى القرن الرابع الهجرى(35). وقد ترجم بدوى فى التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية هذا العمل :

“من الأسكندرية إلى بغداد : بحث فى تاريخ التعليم الفلسفى والطبى عند العرب” وقد ظهر هذا البحث فى “محاضر جلسات الأكاديمية البروســية للعلوم, قسم الدراســات التاريخية الفلسفية, المجلد 23 سبتمبر 1930 فى بدوى (ص37 ـــ 100)(36).

ح ـــ كارل هنريش بيكر :

والمستشرق و السياسى الألمانى بيكر K.H.Bekker عــالم واسع الأفق بارع فى فهم الناس, شامل النظرة نحو الأشياء محيط بــالأحوال السياسية والاقتصادية التى يضطرب بها عصره, خبير بالشئون الاجتماعية والدينية الخاصة بالدول المستعمرة وبخاصة الإسلامية منها. دعى لكى يكون أستاذاً فى المعهد الذى أنشأته الحكومة الألمانية فى همبرج لدراسة المسائل الخاصة بالاستعمار, ولتكون طبقة من القادرين على إدارة شئون المستعمرات والخبراء بأحوال الأمم المستعمرة(37), ولم يعلق بدوى على ذلك بل اكتفى بتقديمه, الذى أكد فيه على كونه يجمع بين العلم والسياسة. “عرفته السياسة بمعناها الرفيع أحداً من رجالها الأفذاذ النابهين, وعرفه العلم مستشرقاً وفيلسوف حضارة كـان فى الطليعة من بين فلاسفة الحضارة والمستشرقين(38).

ترجم بدوى دراسته “تراث الأوائل فى الشرق والغرب” وهو محلضرة كان قد ألقاها بيكر فى جمعية الامبراطور فلهلم ببرلين فى مارس 1931, وطبعت بليزج فى نفس العام. (راجع بدوى التراث اليونانى .. ص 3 ـــ 23 ).

ط ـــ فرانشيسكو جايربيلى :

كبير أساتذة اللغة العربية وأدبها فى جامعة روما, برز فى دراسة الشعر العربى, وفى تحقيق التاريخ الإسلامى. ترجم له بدوى “زندقة ابن المقفع” فى كتابه “تاريخ الإلحاد فى الإسلام”(ص 40 ـــ 53  ).

“زندقة ابن المقفع” وهو فصل من دراسة أوسع بعنوان “مؤلفات ابن المقفع” نشر فى كجلة الدراسات الشرقية المجلد 13 عام 1932(39).

ى ـــ أسين بلاثيوس :

يعرض بدوى فى مقدمة ترجمتــه لكتاب أسين بلاثيوس عن ابن عربى لحياته ومؤلفاتـه وخصائص أبحاثـة, وينتقد إسرافه فى استخدام منهج التأثير والتأثر فى بيان صــلات الفلسفـة والتصوف الإسلامى بما يسبقها وتأثيرها على اللاحقين, راجع مادة بلاثيوس فى بدوى ] ص 75 ـــ 81 [.

“ابن عربى : حياته ومذهبه “ترجمة ودراسة, القاهرة 1967(40). وهـو يناقش أفكــار بلاثيـوس فـى دراســته “أوهام حول الغزالى” وذلك فى زعمــه بتأثر الغزالى والمسيحية, وذلك فى المجلد الثالث من كتابه المذهب الروحى عند الغزالى ونزعته المسيحية(41).

ك ـــ نيلدكه Naldeke :

يعد نيلدكه (1836 ـــ 1931) شيخ المستشرقين الألمان غير مدافع, وقد أتــاح له نشاطه الدائب وألمعية ذهنـه وإطلاعه الواسع على الآداب اليونانية وإتقانه التام لثلاث من اللغات الســامية مع استطالة عمره حتى جاوز الرابعة والتسعين ـــ أن يظفر بهــذا المكانه لـيس فقط بين المستشرقين الألمان, بل بين المستشرقين جميعاً(42). هذا الموقف سيغير كلية فى كتابات بدوى المتأخرة, كما يتضح فى عرضنا له فى الفقرة الثالثة من هذا البحث, ويشير بدوى إلى كتاباته, خاصة (أبحاث لمعرفة شعر العــرب القدماء) والبحث الأول فيه هو الذى قدم بدوى ترجمته فى كتابه “دراسـات المستشرقين حول صحة الشعر الجــاهلى” “من تاريخ ونقد الشعر العربى القديــم”. ] بدوى ص 17 ـــ 40 [.

ل ـــ دفيد صموئيل مرجوليث :

يتخذ بدوى موقفين تجاه مرجوليث, أو قل موقف مزدوج, يتمثل فى الإشادة بأعماله وتحقيقاته فى الأدب العربى مـن جهة, وانتقاده بشدة فى دراساته عن الإسلام. وهو ما سيتبلور فى دراساته المتأخرة التى توضح لنا موقفة النهائى من المستشرقين, فقد كتب عن “محمد ونشأة الإسلام” 1905 ثم الإسلام, وألقى محاضرات عن “تطور الإسلام فى بدايتــه” ونشرت عام 1914, هذه الدراسات كما يقول بدوى : كانت تسرى فيها روح غير علمية ومتعصبة مما جعلها تثير السخط عليها ليس فقط عند المسلمين, بل عند كثير من المستشرقين(43). إلا أن نزاهتــه وموضوعيــة بـدوى جعلته يشيد بمرجليوث فى مجالات أخرى, يقول : “إن فضل مرجليوث الحقيقى ينبغى أن يلتمس لافى هذه الأبحاث ـــ السابقة ـــ المغرضة, بل فى نشراته الكثيرة, وعلى رأسها نشرته لكتاب معجم الأدباء لياقوت وارسائل أبى العلا المعرى(44). وقد ترجم لد بدوى “نشأة الشعر العربى” نشرت هذه المقالة فى مجلة الجمعية الأسيوية الملكية عـدد يوليو 1925. زنشرها بدوى ] فى دراسات المستشرقين ص 87 ـــ 127 [.

م ـــ دراسات أخرى حول الشعر الجاهلى وهى :

1 ـــ “ملاحظات على صحة القصــائد العربية القديمة”. تأليف هـ . الفرت.

2 ـــ “فى مسألة صحة الشعر الجاهلى” أ. برونيلش.

3 ـــ “الرواية والرواة عند العرب” تأليف أوجست اشبرنجر.

4 ـــ “التأثيرات الوراثية والمشاكل التى تضعها رواية “الشعر العتيق” تـأليف ريجى بلاشير, نشرت فى مجلة, “دراسات عربية وإسلامية, ليدن, أبريل 1965.

5 ـــ “استعمال الكتابة لحفظ “الشعر العربى القديـم” تـأليف فــ. كرنكوف. نشر فى المجلد التذكارى “من الدراسات الشرقية” مهدى إلى أدورد بـــراون, كمبرديج 1922(45).

ثانياً من الترجمة والمماثلة إلى النقد والمقابلة :

ذكرنا ـــ فى تمهيدنا السابق ـــ أننا بصدد تقديم قراءة ثانية لموقف بدوى من المستشرقين, وحددنا مواقف ثلاثة تميز تعامله مع كتاباتهم. وقد عرضنا فى دراسة سابقة متابعة بدوى لهم, وإعجابه بأعمالهم, والتماثل مع موقفهــم مـن التراث؛ وهو ما يظهر فى عدد كبير مـن الترجمات السابقة التى نقلها فى مرحلـة مبكرة من حياته لكل من كـرواس, وما سينيون, ونلينو, وماكس مايرهوف, إلا أننا نجد تحولاً فى موقفــه من هؤلاء المستشرقين, حيث أعاد النظر فى عدد من الأحكام التى أصدرها على أعمال خؤلاء, مثل موقفه من جولدتســيهر. وفى هذا التزجه الجديد نجده قد ييد بمستشرق فى موقف, أو مجال, أو موضوع فى الوقت الذى ينتقده فى موقف أو مجال آخر؛ نجد ذلك فى موقفه من مرجليوث, وهو توجه يميز كتابات بدوى فى مرحلى تالية فى حياته, تمتد لفترة طويلة منـذ الستينيات وحتى عــام 1984 تاريخ صــدور “موسوعة المسترقين”,. وهذا التوجه يختلف عن المرحلة الأولى من حياتــه العلمية “المماثلة” مع أعمال المستشرقين, كما يختلف عن المرحلة الأخيرة التى تبدأ من عــام 1989 بصدور أعماله ضد الكتابات الاستشراقية المغرضــة التى تهاجم الإسلام ونبيه, وهى مرحلة “المقابلة” والتضاد, ضد أعمال ومناهج المسترقين, ونتائج أبحاثهم, وهى مرحلة يغلب عليها النقد الدينى, والنقد الدينى المضاد. وبالطبع لا تمثل هــذه المرحلة الوسطى انقطاعاً تاماً عن موقفه السابق؛ ققيها كثير من الأحكام العلمية الموضوعية التى تشيد بأبحاث وتحليلات المستشرقين, كمـا لا تختلف اختلافاً جذرياً عن المرحلة الأخيرة من كتاباته, ففيها نجد بـذور نقــده الأخــير للمستشرقين, إلا أنها تتميز عن هذين الموقفين بثراء, وخصوبـة, وتعدد الأحكام التى يصدرها على أعمال المستشرقين, بحيث تمثل مرحلة وسطى ذات خصائص متميزة وبلغة تختلف عن لغة الإعجاب الشديد فى المرجلة الأخيرة؛ إنـها لغـة هادئة, موضوعية, منصفة, محايدة لا تطلق أحكاماً عامة, بل تتعامل مع كل عمل وكل مسترق على حدة تنصف وتشيد بأصحاب الجهود العلمية الجادة, وتدين وتنقد بشدة المواقف غير العلمية, ونستطيع أن نميز بين عدة أنواع من الإدانة يصدرها بدوى على أعمال هؤلاء المستشرقين, فهو يدين بعضهم لأسباب أيديولوجيـــة سياســـية؛ لانغماســـهم فى مواقـــف سياسيــة استعمارية ضد مصر والعرب, أو يدين البعض لأسباب دينية فى فهم الإسلام وتحريـف بعض حقــائق التــاريخ الإسلامى, أو لأسباب علميـــة تتعلق بالفهم واللغة والتحليل العلمى للتراث العربى الإسلامى.

فى هذا الموقف النقدى الموضوعى الذى يمثل مرحلة وسطى فى كتابات بدوى عن المستشرقين يتوارى فهمه لهم باعتبارهم “معلمى الإنسانية .. أساتذتنا المستشرقين “ويظهر التحليل النقدى بأشكاله الثلاثة السياسى والدينى والمعرفى ـــ وإذا كانت دراستنا “الصوت والصدى” توضح موقف المماثلة معهم, الذى يتضح فى الفقرة الأولى من بحثنا الحالى, الذى تناولنا فيه ترجماته لكتابات المستشرقين, والفقرة التالية عن “المقابلة” مع تحليلاتهم وكتاباتهم, فـإن الفقــرة الحالية تمثل المرحلة الانتقالية التى تعبر عنها كتابات بدوى ـــ فى “موسوعة المستشرقين” ـــ النقدية الموضوعية, والتى نستطيع تحديدها فى عدة نقاط هى :

1 ـــ الإشادة بأعمال المستشرقين ونتائج أبحاثهم.

2 ـــ تصحيح الأخطاء العلميـــة والتحليل الموضوعى لدراساتهم.

3 ـــ إدانـــة التوجهات السياسية والتعصب الدينى فى كتاباتهم.

وسنناقش كل نقطة من هذه النقاط؛ لبيان موقف بدوى الموضوعى الذى يمثل هذه المرحلة الوسطى من أعمال مفكرنا العربى من كتابات المستشرقين.

1 ـــ إذا كانت هذه المرحلة تمثل انتقالاً فى موقف بدوى, فهى تحمل بعض آثار المرحلة الأولى التى يرتبط فيها بدوى بين أعماله وأعمال المستشرقين؛ حيث نجده يحيل فى كثير من مواد موسوعته, وعند حديثه عن كثير من هؤلاء ـــ إلى أعمالة التى تحمل نفس الاهتمامات, وتــدور حول نفــس الموضوعات, أو التى تعتمــد على نفس المصادر والمخطوطات.

يذكر بدوى فى حديثه عن المستشرق الألمانى زنكــر Zenker (ت 1884) أنه نشر ترجمة لكتاب “المقولات” لأرسطو عن المخطوط المشهور رقـم 882 عربى (ت 2335 عربى فى فهرس رسلان) “وهو المخطوط الذى نشرناه كله, ومعظمه لأول مرة فى كتابنا “منطق أرسطو” فى ثلاثة أجزاء القاهرة 47 ــ 49 ــ 1952, وقد صــدرت نشرة زنكر فى 1846″(46). ويشير إلى نشرته لترجمة أورسيوس العربية “تاريخ العالم” بيروت 1981 فى سياق تناولهلأبحاث دلافيد Della vida أثناء مقامه فى أمريكا واطلاعه على المخطوطات, وكان من ثمرتها بحث طويل بعنوان ” الترجمة العربية لتواريخ أورسيوس”(47) .. وكذلك يبين بدوى اهتمام جــاينجوس Gayangas (1809 ـــ 1897) بلأدب الأسبانى فى “العصر الوسيط ونشرة كتاباً بعنوان “كتب الفروسية” مدريد 1857, وهو نشرة نقدية لنص قصة أماديس “الغالى, ويشير لمقدمة ترجمته لـــ “دون كيخوته”  القاهرة 1964(48). وحين يعرض لـــ “سوميز” يحيل إلى كتابه “مسكويه : الحكمة الخالدة “القاهرة 1952(49). وفى تناوله للمستشرق الألمانى اليشمان يخبرنا بعثوره على نسخة نحطوطة من جـاويدان خــرد (الحكمــة الخالدة) لمسكويه, وفيـه ترجمة عربية “للغز قابس”, وعلى الأشعار الذهبية المنسوبة إلى فيثاغورس, وقيامــه (اليشــمان) بتحقيق هــذا النصيحة وترجمتها إلى اللاتينية”. ويحيل إلى نشرته وتصديـره لنفس العمل(50). وحين يذكر يوحنا الاشبيلى يشير إلى أعماله, ومنها “فى الخــير المحـــض” المنســوب إلى أرسطوطاليس, ويشير إلى كتابــه : “الأفلاطونية المحدثة عند العرب “القاهرة 1954م. وفى مادة بوكــوك يذكر أنه بعد ترجمته اللاتينية لرسالة “حى بن يقظان” توالت الترجمات الأوروبية لهذه الرسالة الأصيلة الفريدة, “وقد ذكرناها تفصيلاً فى كتابنا بالفرنسية “تاريخ الفلسفة فى الإسلام”, الجزء الثـانى, باريس, 1972(52). وحين يتحدث عن المستشرق الألمانى كوزجارتن (1792 ـــ 1862) يذكر علاقته بجوته, إذ كان يترجم لـه قصائد عربية, وكان جوتـه يعيد صياغتها شعراً, وقد ضمنها فى “الديـوان الشرقى للمؤلف الغربى”, راجع ترجمتنــا له القــاهرة عــام 1967(53). ونفس الأمر فى حديثه عن غلهلم ألفرت (1828 ـــ 1909), يشير إلى كتابـه “ملاحظات على صحة القصائد العربية الجاهلية”. وقد ترجم بدوى فى كتابه : “دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجـاهلى”, الفصل الأول منه؛ وهـو كتاب يعلى فـيه من جهود المستشرقين ومنهجهم وتحليلاتهم للشعر الجاهلى مقابل الدراسات العربيـة التى ينتقدهــا بشــدة, وفنـد المواقف المختلفة التى خاجمت طه حسين فى دراساته حــول الشعر الجــاهلى(54).

ويذكر لــ روسى Rossi (1894 ـــ 1955) المستشرق الإيطالى الذى اهتم بتاريخ ليبيا بحيث “حكــم الأســبان وفرسان مالطة فى طرابلس فى الفترة من 1510 إلى 1551” وأنـه خص هـ