أبحاث

في المنهجية العلمية والتنظير السياسي

العدد 78

اعتمد الفقهاء الذين تصدوا لمهمة تحديد أسس النظام السياسي على مصدرين أساسيين: نصوص الوحي، وتجربة الرعيل الأول،  وتم تطوير نظرية الإمامية التي انبنت اسسها على توجيهات النصوص القرآنية والنبوية، وعلى ممارسات الصحابة الكرام للعمل السياسي خلال العهد الراشدي، واكتملت اُسس نظرية الإمامية واتضحت معالمها مع مطلع القرن الخامس الهجري في كتاب الإمام الماوردي الشهير بالأحكام السلطانية.

وبقيت نظرية الإمامة في كتاب الماوردي الأساس المعتمد للنموذج السياسي الإسلامي دون أي تغيير يذكر حتى منتصف القرن الهجري الماضي، حيث تعرضت النظرية لشىء من التحوير والتعديل علي يد كتاب معاصرين، يتقدمهم محمد رشيد رضا وأبو الأعلى المودودي. ويركز التعديل المعاصر على ضرورة إعطاء وظيفة الشورى أهمية خاصة من خلال إنشاء مجلس رسمي للشورى, يمكِن قيادات الأمة ونوابها من المشاركة في تحديد الخطة السياسية للدولة.

بيد أن ما يثير انتباه الباحث في قضايا النظام السياسي الإسلامي عدم الاهتمام بشكل كافٍ بالأساس النظري المتماسك لمجمل التعديلات المقترحة، ونزوع التنظير المعاصر إلى التوفيق و التجميل، مما يحرم النظريات والافكار المقترحة العمق التأسيسي والتأصيلي، لذلك نرى أن مؤسسة الشورى التي دعا إليها بعض الباحثين الإسلاميين المعاصرين، تحت عنوان “مجلس الشورى” قد عرضت على اعتبار أنها بديل إسلامي للمؤسسة الديمقراطية الغربية.

وعلى الرغم من أن مبدأ الشورى المقترح يرتكز نظريًا على النص القرآني وممارسات الصحابة, إلا أن المنهج المتبع في تحليل وفهم النص أو استقراء الواقع التاريخي حال دون تطوير نظرية عامة تتألف من قواعد ومبادئ كلية متماسكة، تمكن الباحث من تجاوز التناقضات النصية أو الفعلية دون الاعتماد على رأي شخصي أو نزعة ذاتية، وتبدو النزعة التوفيقية جلية عندما يحاول المفكر السياسي المعاصر بسط أبعاد البنية العملية وتعيين الخطوات الإجرائية اللازمة لتطبيق مبدأ الشورى الإسلامي، فينتهي إلى تبني الأشكال والممارسات السياسية التي أفرزتها التجربة التاريخية الغربية.

المشكلة التي يواجهها الفكر السياسي الإسلامي المعاصر هي عين المشكلة التي واجهها الفكر السياسي التقليدي، بالتحديد مشكلة القصور المنهجي. ذلك أن المنهج المعتمد من قبل علماء السياسة القدماء و المحدثين يغلب علية الطابع التجزيئي الوظيفي فالمنهج المعتمد التجزيئي؛ لأنه لا يطمح إلى دراسة متكاملة لمختلف النصوص المتعلقة بظاهرة سياسية معينة، بغية استنباط قواعد عامة تشكل منظومة متكاملة لفهم الموقف القرآني او النبوي الكلي من الظاهرة المعينة، بل يكتفي بسوق انتقائي لنصوص مختارة لتأييد فهم محدد او موقف معين. إذ يمنع محمد رشيد رضا، مثلاً، الإمامة من يطلبها، استناداً إلى حديث: ” إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله أو أحداً حرص عليه” (1) . كما يحظر المودودي مشاركة المرأه في مجلس الشورى بناءً على الأية {الرجال قوامون على النساء} (2). فالأنتقال من الأية، أو الحديث إلى الحكم الشرعي لم يجر وفق منهج مطرد، بل اعتمد على موقف قَبْلي اختاره المفكر، ثم انتقى نصًا قرآنياً أو نبوياً لتبرير الموقف المختار. فالحديث الذي ساقه محمد رشيد رضا لا يقضي بمنع طلب منصب الإمامة، أو أي منصب سياسي آخر يتم تحديده خلال عملية الشورى، بل يدل على واجب القيادة السياسية في عدم الاستجابة لرغبة من يطلب منصباً إداريًا لتحقيق غرض شخصي، أو من لا يملك الكفاية للقيام بأعباء المنصب المطلوب. وكذلك فإن آية {الرجال قوامون على النساء} سيقت في معرض الحديث عن العلاقة الزوجية، وحقوق وواجبات الزوجين، فلا يصح استخدامها في سياق الحديث عن حقوق المرأة السياسية، دون مزيد بحث واستدلال.

الطابع الآخر الذي يميز المنهج الحالي للتنظير السياسي هو أنة منهج وظيفي، يحدد البنية السياسية من خلال الوظيفة التي تؤديها، دون اعتبار المقصد أو المقاصد التي توجة الفعل السياسي، أو تحكم العلاقات السياسية، لذلك يثبت الإمام الماوردي طريقتين لإنتقاء الإمام، الاختيار والعهد، بناء على عمل الرعيل الأول من الصحابة، دون النظر في القاعدة الكلية التي وجهت سلوكهم وعلاقاتهم، فالمؤسسة السياسية، من وجهة النظر الوظيفية، شرعية طالما أدت الوظيفة السياسية المنوطة بها، وهي تؤدي وظيفتها عند اتصاف القائمين عليها بالعدالة، وتحقيقهم متطلبات الكفاءة والكفاية كما يعفي أبو الأعلى المودودي رئيس الدولة من مسؤلية التقيد بقرارات مجلس الشورى اقتداء بعمل الخلفاء الراشدين، واعتباراً لمسؤلية القيادة التنفيذية، وهي مسؤلية مرهونة، كما يرى المودودي، بقدرتها على العمل بما تراه حقًا و صواباُ،  و تجاهل قرار الأغلبية إذا ما تعارض مع قناعتها الذاتية. ثم يعود فيجيز، في نهاية تحليلة، تقييد فعل القيادة التنفيذية بقرارات مجلس الشورى؛ نظراً لأنه “لا يمكننا أن ننشىء في البلاد مثل هذه الروح و العقلية” (3) التي سادت في مجتمع الصحابة؛ فجعلتهم يتبعون قرار الخليفة الأول أبي بكر رغم مخالفتهم إياه في الرأي؛ لثقتهم بإخلاصة و حكمتة.

ولقد أدت هذه النزعة الوظيفية التي تجاهلت المقاصد الكلية و القوانين العامة التي تحكم الفعل السياسي إلى تبرير الممارسات الفعلية باستخدام منهج قياسي صوري، يفتقر إلى العمق النظري والاطراد المنهجي.

لذلك نرى الإمام أبا بكر الباقلاني يمنع الأمة من فسخ عقد الإمامة بعد انعقادة بالمقايسة على عدم جواز أن يفسخ الولي عقد الزواج بعد انعقادة، رغم الاختلاف البين بين هذين العقدين (4).

كذلك يرجع الماوردي عقد الإمامة الأول حال انعقاد الإمامة لرجلين ، قياساً على صحة عقد النكاح الأول وبطلان اللاحق عند قيام عقدي نكاح لامرأه واحدة(5).

ويصحح عقد الخلافة لرجلين أو أكثر على الترتيب، قياساً بتأمير رسول الله لثلاثة قادة على جيش مؤتة، بحيث يلي القائد الثاني عند مصرع الأول، والثالث عند مصرع الثاني (6)، دون اعتبار التغاير بين العقد المقاس والعقد المقاس عليه.

التحليل السياسي: البنية والوظيفة والمقصد

دراسة الحياة السياسية من خلال تحديد العلاقة بين البنية و الوظيفة السياسية كانت، ولم تزل، واحدة من اهم وسائل البحث السياسي والاجتماعي ، فالمتتبع لتاريخ الفكر السياسي يلحظ أن التحليل البنيوي الوظيفي كان رائجاً لدى العديد من المفكرين من إسلاميين او سواهم. فقد لجأ أفلاطون في كتابه الشهير “الجمهورية” إلى تقسيم المجتمع السياسي الإغريقي إلى ثلاث طبقات، تبعاً للوظيفة الاجتماعية السياسية لكل طبقة. واعتمد هذا التقسيم الوظيفي قياساً على الوظائف الثلاث للنفس الإنسانية. فكما تنقسم النفس إلى وظائف: القيادة، والدفاع، والإنتاج. وبالتالي تبرز الحاجة، كما يرى افلاطون لانقسام المجتمع إلى ثلاث فئات أو طبقات، هي طبقات: الحكام، والجنود، والحرفيين.

وبالمثل نجد النزعة الوظيفية في كتابات المتقدمين من فقهاء السياسة الإسلاميين. فالماوردي يحدد البنية السياسية للمجتمع المسلم باستخدام تحليل وظيفي صرف. فالإمامة، كما يرى الماوردي ” موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا “(7). “فإذا قام بها من هو اهلها سقط فرضها على الكفاية، وإن لم يقم خرج من الناس فريقان، احدهما، أهل الاختيار؛ حتى يختاروا إماماً للأمة ، والثاني، أهل الإمامة؛ حتى ينتصب احدهم للإمامة “(8). واضح من النص السابق أن الماوردي يرى منصب الإمامة من خلال قيمتة الوظيفية المجردة. فإذا قام باعباء هذا المنصب من يحقق شروط الإمامة تحقق المطلوب، وسقط فرضها الكفائي عن الأمة. بل إن المنهج الوظيفي في تحليل البنية السياسية يدفع بالماوردي إلى إضفاء الشرعية على إمارة الاستيلاء، فيقول: ” وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار، فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلدة الخليفة إمارتها، ويفوض إليه تدبير سياسيتها. فيكون الأمير باستيلائه مستبداً بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذاً لأحكام الدين، ليخرج من الفساد إلى الصحة، ومن الحظر إلى الإباحة. وهذا، وإن خرج عن عرف تقليد المطلق في شروطه واحكامه، ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلاً مدخولاً، ولا فاسداً معلوماً، فجاز فيه، مع الفرق بين شروط المكنة والعجز “(9).

يظهر من النص السابق أن إمارة الاستيلاء يمكن في رأي الماوردي أن تستمد شرعيتها من الوظيفة التي تؤديها، والمتمثلة في ” حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية “، وإن خالفت شروط الإمارة و أحكام الولاية.

ليس المنهج الوظيفي حكراً على دراسات المتقدمين، بل هو الركيزة الأساسية في الدراسات السياسية والاجتماعية المعاصرة. فالدراسات السياسية المعاصرة المتأثرة بالنزعة الوظيفية التي أفرزها الفكر السياسي الغربي الحديث، تعتمد في تحديدها للبنى التنظيمية السياسية على فرضية ضمنية مؤداها أن المؤسسات السياسية لا يمكن أن تتحدد إلا من خلال معرفة الوظائف السياسية التي يتطلبها المجتمع المعاصر. لذلك فإنها كثيراً ما تنتهي في بحثها إلى أشكال تنظيمية شبيهة بالأشكال التي أفرزتها التجربة الغربية. ومن هذا المنظور يستنتج أبو الأعلى المودودي، مثلاً، أن الدولة الإسلامية ” دولة شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها “، لذلك لا يمكن ” لأحد ان يقوم في وجهها ويستثني أمراً من أموره، قائلاً: إن هذا امرٌ شخصي خاص؛ لكيلا تتعرض له الدولة “(10). ويضيف المودودي مؤكداً تشابه الدولة الإسلامية والدولة الفاشية أو الشيوعية؛ نظراً للطبيعة الشمولية التي تتصف بها كلتا الدولتين (11). إن دعوى شمولية الدولة الإسلامية وتشابهها مع الدولة الفاشية  أو الشيوعية ناشئ دون شك، عن تحليل وظيفي للحياة السياسية في الإسلام، دفع المفكر المسلم إلى تنزيل المفهوم الغربي للدولة على معايير السلوك الاجتماعي، كما حدده القرآن. إن وَسْمَ المودودي للدولة الإسلامية بالشمولية لا يعتمد على دراسة لمهمة الدولة في التاريخ الإسلامي أو على القواعد الكلية التي تحدد بنية الدولة ووظيفتها في إطار المرجعية الإسلامية، بل ينطلق من التصور الغربي بأن الدولة المركزية هي المخولة بتعيين حدود السلوك المشروع والسلوك غير المشروع، وتطبيق الأحكام القانونية . وبما أن الشريعة الإسلامية توجه السلوك الفردي والجماعي للمجتمع المسلم في مختلف جوانب الحياة، وجب، وفق هذا المنطق، إضفاء الصيغة الشمولية على الدولة الإسلامية.

إن استخدام التحليل الوظيفي كأساس لتحديد البنية السياسية للدولة هي خطوة لاحقة لخطوة سابقة، تتمثل في استنباط الوظائف السياسية من البنية السياسية الثاوية في النموذج المعتمد. فبعد دراسة النموذج المثالي وتحديد الشكل العام لبنيتة السياسية والوظائف المرتبطة بها، يقوم المحلل الوظيفي بتعميم النتائج المستفادة من الدراسة علي جماعة سياسية أخرى، متجاهلاً الفروق النوعية والكمية بين هذه المجتمعات والمجتمع النموذجي. لذلك نجد أصحاب النزعة الوظيفية من الإسلاميين يدعون إلى تطوير نظام يطابق في أشكالة التنظيمية المجتمع الإسلامي الأول، كما نر أصحاب هذه النزعة من غربيين أو تغريبيين يدعون إلى تعميم النموذج ” الليبرالي ” على جميع الجماعات السياسية. وهذا ما يجعل النزعة الوظيفية نزعة تقليدية تدعو إلى تكريس البنى السياسية، وإن تغيرت البنى الاجتماعية والظروف الوجودية الداعية لقيامها.

إن قصور المنهج الوظيفي ناجم عن خطأ معرفي. ذلك أن الباحث الوظيفي يقف في تحليلة العلمي للظاهرة السياسية عند البنية والوظيفة، متجاهلاً الأساس الفعلي للبنية السياسية من ناحية، وارتباط البنية ببتطور الوعي السياسي من ناحية أخرى، فالبنية السياسية هي في حقيقتها مجموعة من العلاقات بين أفراد المجتمع، تعكس تفاعلاً متسقاً ومطرداً، إن فهم البنية على أنها اطراد واتساق للفعل الاجتماعي للأفراد يفتح أمام التحليل السياسي آفاقاً جديدة، ويمكننا من استخدام مفهوم تحليلي ثالث إضافة إلى مفهومي البنية والوظيفة، مفهوم المقصد. فإذا فهمنا البنية على أنها مجموعة من العلاقات الثابتة المطردة للجماعة السياسية في حقبة معينة من تاريخها، تبين لنا أن مصدر هذا الاطراد كَامِنٌ في الوحدة المقصدية، أي، وحدة القواعد السلوكية لأفرادها.

إن تطابق القواعد أو القوانين السلوكية للجماعة السياسية هو الأساس الذي تقوم علية المؤسسات الاجتماعية والسياسية، وهو لذلك الأساس الضروري الذي يمكِن الجماعة الإنسانية من تحقيق وظائفها ومهماتها المشتركة. وبذلك تصبح البنية السياسية والوظيفة التي تؤديها، تجليًا وتشخيصاً مكانيين وزمانيين للقواعد السلوكية الكلية. إن إيمان و التزام مجموعة من الناس بقواعد سلوكية متشابهة يدفعهم الى البحث عن صيغة تمكنهم من التعاون لتحقيق القوانين التي آمنوا بها ، وترجمتها الى افعال وسلوك جماعي، ويدفع بهم، بالتالي، إلى تطوير بنى تتناسب من حيث الشكل والوظيفة مع فحوى القوانين الكلية، وتتلاءم مع معطيات الحياة الاجتماعية  والقدرات المادية المتاحة، وبتعبير آخر، يمكن القول: إن البنية والوظيفة السياسية محصلتان ناجمتان عن تطبيق المبدأ العام على الظرف الاجتماعي والتقني الخاص، ذي الطبيعة التاريخية الانتقالية.

وإذا كان ذلك كذلك فإن تجاهل الأساس المقصدي للبنية السياسية، والاقتصار على تحليل وظيفتها ، يؤدي إلى انحرافات فاحشة في فهم العلاقة بين المبدأ الإيماني وتطبيقاته التاريخية، وإلى خلط بين القاعدة العامة الثاوية في التنزيل، والمستبطنة في فعل الرعيل الأول من ناحية، والتجليات السياسية للقاعدة، المخصوصة بالظرف الاجتماعي والتقني في مرحلة معينة من تطور الأمة التاريخي من ناحية أخرى.

إن عدم التمييز بين الفعل السياسي ذي الطبيعة التاريخية الخاصة والقاعدة الكلية العامة التي تحكم الفعل وتوجهه أدى إلى قبول علماء على درجة عالية من المعرفة الفقهية والسياسية لممارسات سياسية أفرزتها أوضاع تاريخية خاصة، وإعطائها صفة العموم و اللزوم رغم تعارضها مع مبادئ كلية، فالماوردي، مثلاً، يجيز انعقاد الإمامة بعهد من الإمام السابق للإمام اللاحق، معللاً ذلك ب ” انعقاد الاجماع على جوازه ووقوع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما ، أحدهما، أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه فأثبت المسلمون إمامتة بعهده، والثاني، أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر؛ اعتقادا لصحة العهد بها، وخرج باقي الصحابة منها “(12). إن اعتماد سلوك الصحابة كمصدر للشرعية السياسية لاينبني بطبيعة الحال على عصمتهم أو قدسيتهم، فهم في التصور الإسلامي بشر غير معصومين، يحتمل فعلهم الخطأ والصواب، بل على الاعتقاد بأن موقعهم من رسول الله قد مكنهم من ملاحظة واستنباط المقاصد العامة، والقواعد الكلية للحياة الاجتماعية و الأخلاقية والسياسية، ومن هنا يصبح لزاماً على العالم والمفكر الإسلامي أن يتعقب المقاصد والقواعد الموجهة لسلوكهم وفعلهم ويحددها، قبل الشروع في التنظير. ومن هذا المنطق، يمكن فهم تحرج علماء السلف من الخوض في احداث الفتنة الأولى، وما رافقها من اقتتال وصراع دموي على السلطة. فمقارنة سلوك الصحابة بالمقاصد والقواعد الإسلامية العامة، هو ما منع فقهاء السياسة المتقدمين، ويمنعنا اليوم، من إجازة الاقتتال على السلطة بين المسلمين، والبحث عن بديل سلمي لتحديد العلاقات السلطوية، رغم تورط بعض الصحابة في الصراع السلطوي المسلح. ذلك أن الاقتتال من أجل السلطة يتعارض مع مقاصد الإسلام العامة وقواعدة الكلية.

ورغم اعتماد كثير من علماء الإسلام السابقين واللاحقين على التحليل الوظيفي للظاهرة السياسية، فإننا لا نعدم نماذج من التحليل المقصدي في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي. ولعل من ابرز تلك النماذج تحليل ابن خلدون لاشتراط قرشية الإمام المختار. فابن خلدون يلحظ تعارض شرط القرشية المتعلق برابطة النسب، ومقاصد الشريعة التي تعوِل على الجدارة لا النسب في المفاضلة بين الناس. يقول ابن خلدون: ” إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي ومقصد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو في المشهور، وإن كانت تلك الوصلة مجودة، والتبرك بها حاصلاً، لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية، كما علمت، فلابد إذن من المصلحة في اشتراط النسب، وهي المقصودة من مشروعيتها “(13). لذلك يعمد ابن خلدون إلى البحث عن علة اشتراط القرشية، ليخلص بعد دراسة وتحليل إلى النتيجة التالية: ” وإذا سبرنا وقسمنا لم نجدها [ أي: المصلحة في اشتراط النسب] إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب، فتسكن إلية الملة، وينتظم حبل الألفة فيها. وذلك أن قريشاً كانوا عصبة مضر، وأصلهم، وأهل الغلب منهم. وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف، فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، ويستكينون لغلبهم. فلو جعل الأمر في سواهم؛ لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم “(14). وليس يعنينا الآن بحث مصداقية نظرية العصبية الخلدونية، أو تقرير قيمتها المعيارية أو المعرفية، بل ما نريد أن نشدد علية هنا هو توظيف ابن خلدون للتحليل المقصدي في فهم الظاهرة السياسية.

إن مهمة الباحث، من منظور التحليل المقصدي، لا تنتهي مع تحديد البنية السلطوية ، والوظائف الملحقة بها، للجماعة السياسية في فترة تاريخية معينة، بل تتجه بدءاً إلى تحديد القوانين والمبادئ لتقويم التجربة السياسية في زمان ومكان محددين، وإظهار عناصر الخصوص والعموم فيها. فالمبادئ الكلية هي وحدها القادرة على الانفكاك من شروط الزمان والمكان، وهي لذلك عنصر أساسي من عناصر تكوين البنية السياسية العامة. بل يمكن القول إن تطوير نموذجٍ عامٍ للدولة الإسلامية يعتمد اعتماداً جذرياً على توظيف التحليل المقصدي، والبحث عن المبادئ الكلية للنظام السياسي الإسلامي.

النموذج بين المثالية الطوباوية والاعتبارية

السؤال الذي يعترضنا هنا، هو التالي: ألا تنطوي الدعوة إلى تطوير نموذج عام وتحديد المبادئ الكلية للنظام السياسي على خطر انفكاك النظرية الحاصلة عن ملابسات الواقع العملي للجماعة السياسية، وبالتالي النزوع إلى المثالية الطوباوية التي تقدم نماذج غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد، بدءاً، من التفريق بين سمات المثالية الطوباوية والمثالية الاعتبارية. إذ تتجلى المثالية الطوباوية في تطوير منظومة من الأفكار المبنية على مسلمات لم تخضع تاريخيًا للتجربة العملية، أو لا تتفق مع المعطيات الاجتماعية والنفسية للحياة الإنسانية، ولعل أبرز الأمثلة على الفكر المثالي الطوباوي النظام السياسي الذي طورة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون في كتاب “الجمهورية “، أشرنا إلى طرف منه آنفاً. فبعد دعوته إلى تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات متمايزة، تتخصص إحداها في العمل السياسي و الإداري، وتتولى قيادة المجتمع وإدارة شئونة العامة، وتتخصص الثانية في العمل العسكري، وتتولى مهمة الدفاع عن الدولة ضد أعدائها، بينما تتخصص الطبقة الثالثة والأخيرة، والتي تشكل أغلبية السكان، في العمل الإنتاجي من زراعة وصناعة وخدمات عامة، يتابع أفلاطن تنظيرة الطوباوي، فيقرر حرمان الطبقة الحاكمة آصرة الزواج، داعياً إلى إبقاء العلاقات بين الجنسين مفتوحة، بحيث يمنع أفراد هذه الطبقة من إنشاء أسر أو اتخاذ أطفال، ويعلل أفلاطون إجراءه التعسفي هذا بالإحتكام إلى الضرورة السياسية، فإلغاء مؤسسة الزواج في صفوف الأسرة الحاكمة إجراء ضروري في نظر أفلاطون؛ للحيلولة دون انقسام هذه الأسرة الطبقة إلى أسر صغيرة، وما يتبع ذلك من إمكان احتكار السلطة في إحداها، وحرمان الآخرين من حق المشاركة في السلطة، وبالتالي إلغاء التقسيم التخصصي لمهمات المجتمع ووظائفة. وبالمثل يحظر أفلاطون على أبناء الطبقة الحاكمة حق الملكية الخاصة، خشية افتتان الحكام بالثروة، والعكوف على جمعها والاستمتاع بها، وإستخدام إمكانيتهم السلطوية لانتزاع أموال الرعية واستغلال خيرات البلاد لتحقيق مآرب خاصة.

وفي مقابل النزعة المثالية الطوباوية تقف النزعة الواقعية الارتهانية التي ترفض كل فكر متعالٍ على الواقع الراهن أو داع إلى تطويره وتبديلة، ولأن الواقع السياسي الراهن لأغلب المجتمعات الإنسانية قد تم تشكيلة وفق النموذج الغربي، فإن دعاة الفكر الارتهاني هم من القيادات الفكرية الغربية أو التغريبية. فلابد إذن للأمة الإسلامية، وقياداتها السياسية والفكرية، من رفض النهج الارتهاني وتبني نهج مثالي، وذلك لاعتبارين.

أولاً: إن قبول النهج الواقعي الارتهاني في التعامل مع القضايا السياسية يعني تكريس الوضع الراهن للعالم الإسلامي، وهو وضع يتصف بالفوضى السياسية، والاستلاب الثقافي والاقتصادي.

ثانياً: إن تبني منظومة من القواعد و المبادئ الكلية، والعمل لتحقيقها في أرض الواقع هو عمل يتصف بطبيعته بالمثالية، إلا أن تبني نهج مثالي لا يعني بالضرورة اللجوء إلى المثالية الطوباوية المتمثلة في المشروع الأفلاطوني المتعارض في أسسه ومقاصده مع معطيات الوحي والتاريخ، بل يمكن للمنهج المثالي أن يأخذ شكلاً مغايراً تماماً، شكل المثالية الاعتبارية.

تتميز المثالية الاعتبارية عن المثالية الطوباوية في أنها لا تتجاهل المعطيات التاريخية والنفسية للخبرة الإنسانية خلال عملها التنظيري، بل تعمد إلى تطوير نموذجها السياسي من خلال اعتبار تطبيقاتة التاريخية، وتحاول استيعاب التطبيق بالرجوع إلى أسسه المبدئية، وبالتالي فإن المثالية الاعتبارية تتفادى إفراط المثالية الطوباوية التي تتجاهل القيود الوجودية التي تحدد إمكانية وحدود تطبيق المثال على أرض الواقع، كما تتفادى تفريط الواقعية الارتهانية التي تتعامى عن أهمية المثال في تطوير الواقع وتحسينة. ومن هذا المنظور فإن التوجه المثالي الاعتباري لا يرى العلاقة بين النموذج السياسي وتجلياتة التاريخية على أنها علاقة أحادية، ينعكس عبرها التطبيق التاريخي للمثال بحذافيره، أو ينبثق خلالها النموذج بكامله من التجربة التاريخية، بل يعتبرها علاقة جدلية يتم عبرها وخلالها تطوير الواقع ليقارب المثال، وتعديل النموذج بناء على معطيات التجربة ودروسها.

النموذج السياسي في النظرية الاتباعية

لابد إذن لأي نظرية سياسية من أن تعتمد و تتبنى نموذجاً محدداً، سواء انبنى هذا النموذج على فكر مثالي طوباوي أو فكر واقعي ارتهاني، أو اعتمد على فكر متوسط بين هذين الطرفين، أي على المثالية الاعتبارية، لذلك فإننا مطالبون قبل الشروع في تحديد الأسس العامة  للنظام السياسي الإسلامي بتبرير جهدنا التنظيري الرامي إلى تطوير نظرية عامة وتقديم نموذج قياسي بديل، بدلاً من الاكتفاء بالنموذج الثاوي في النظرية الاتباعية(15).

إن النموذج المعتمد للنظرية الاتباعية التي طورها الفقهاء الأصوليون هو النموذج الراشدي، فالماوردي، مثلاً، يؤسس طريقة تعيين الإمام على الطرق الإجرائية التي اعتمدها الخليفتان الأول والثاني، فيقول: ” والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل، والثاني، بعهد الإمام من قبل، فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد، فقد اختلف العلماء في صدد من تنعقد الإمامة منهم على مذاهب شتى، فقالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد؛ ليكون الرضاء به عامًا والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها”(16).

يظهر من المثال السابق أن الماوردي يرد قول العلماء الداعين إلى اشتراك جمهور اهل الحل والعقد في اختيار الإمام، بدعوى مخالفة هذا القول للطريقة التي اتبعت عند اختيار الخليفة الأول أبي بكر الصديق. ويلاحظ ان الماوردي اعتمد عمل الصحابة دون النظر إلى محدداتة المبدئية، ودون اعتبار أو تحديد القاعدة العامة التي وجهت هذا السلوك، ومقارنتها بالمبدأ القرآني أو المقصد الشرعي. كما لم يحاول الماوردي تفهم الحيثيات الاجتماعية أو الظروف السياسية وربطها بطريقة اختيار الخلفاء الراشدين. وبالتالي فإن سلوك الصحابة العملي اكتسب قيمة معيارية وتشريعية، بغض النظر عن مدى مطابقتة أو معارضتة لمبادئ الوحي ومقاصدة.

لا شك أن تجربة الرعيل الأول تجربة بالغة الأهمية، لا يمكن لأي عمل تنظيري جاد تجاهلها، إلا أن أهمية هذه التجربة لا تعود إلى أشخاص الصحابة، بل إلى مساهمتهم في تحويل الفكرة والمثال إلى واقع معاش، وأفعال منجزة من جهة، وإلى قرب عهدهم بالرسالة السماوية وحاملها عليه الصلاة والسلام من جهة أخرى. لذلك فإن نموذجية تجربتهم يجب أن تنبني على فهم صحيح وواضح للمبادئ التي وجهتهم، وللقواعد السلوكية التي ضبطت تفاعلهم وتعاملهم، أما تقليدهم تقليداً أعمى قبل تعيين محددات فعلهم، وأما اتخاذ البني السياسية والمؤسسات السلطوية التي طوروها واعتمدوها نموذجاً عاماً يحتذي في كل مكان وزمان، فذلك عمل غير علمي، يتعارض مع مبادئ التفكير السليم التي حددها القرآن الكريم، وفي مقدمتها مبدأ السلوك المنضبط علمياً، والمتمثل في قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}(17).

فإذا سلمنا بأن نموذجية التجربة الراشدية تتعلق بالقواعد الكلية التي وجهت أفعال الصحابة، لا بذواتهم وأشخاصهم، وجب، أولاً، تحديد هذه القواعد، وذلك باستقرائها من أقوال الرعيل الأول وأفعالهم، وعندما تصبح القواعد الموجهة لسلوك الصحابة السياسي واضحة بينة يمكن، من ثم، مقارنتها مع مبادئ الوحي وتوجيهاته الكلية لتعيين أوجه التوافق والتعارض بين مبادئ التنزيل الإلهي وقواعد السلوك، فإذا تم إنجاز هاتين الخطوتين أمكن الانتقال إاى الخطوة الأخيرة، والمتمثلة بتحليل البنية السياسية المتولدة عن القاعدة العامة، وذلك لتحديد الخاص والعام في تلك البنية، فالبنية السياسية المتولدة عن مبدأ عام تفقد من عمومها تبعاً لمقدار الخصوص في البنية الاجتماعية للجماعة السياسية. وبالتالي فإن تنزيل المبدأ العام على وسط اجتماعي مغاير لا يمكن أن يتم من خلال استعارة البنية السياسية الأولى وتشغيلها في الوسط الجديد، بل لابد من اعادة ترتيب البنية السياسية لإعمال المبدأ العام في سياق البنية الاجتماعية المهيمنة.

إن الدراسات التي تريد استرجاع البنية السياسية المنبثقة عن تجربة الرعيل الأول تتجاهل الفروقات الجلية في البنية الاجتماعية بين المجتمع الراشدي والمجتمع المعاصر، فالمجتمع المعاصر مجتمع صناعي تعددي البنية، يعتمد لتحقيق وظائفة على هيئات ومنظمات متشابكة ومعقدة. وهو مجتمع يعول في نشاطاته على شبكات من الفعاليات الإدارية والتجارية توظف تقنيات متقدمة وخطط عمل متطورة، وتتداخل فيه المصالح وتنتشر، وتقصر فيه المسافات وتتلاشى، في حين يتزايد الاعتماد المتبادل بين الجماعات السكانية. هذا المجتمع يختلف اختلافاً جذريًا عن المجتمع الرعوي أو الزراعي الأحادي البنية الذي ورثه الصحابة، حيث ترتبط المصالح بوحدات صغيرة متناثرة، ويقتصر النشاط على مهام معدودة بسيطة، وتتحدد القرارات الجماعية بقضايا قليلة محصورة بهموم محلية

القواعد المنهجية لتطوير نظرية عامة

يتضح من النقاش السابق أن قيام مؤسسات سياسية إسلامية، تتلاءم ومعطيات الحياة المعاصرة، يتطلب بناء نظرية عامة للدولة الإسلامية. وهذا يحتاج بدوره إلى تطوير منهج علمي مناسب. إن منهج البحث العلمي الذي سنعكف في الصفحات التالية على إظهاره وتحديد أسسه وآلياته، ينطلق من نفس المنطلقات التي اعتمدها علماء السياسة المتقدمون، وبالتحديد نصوص الوحي والتجربة التاريخية للأمة. إلا أننا سنعتمد في تعاملنا مع هذين المصدرين على قواعد مختلفة بعض الشىء عن تلك التي استخدمها الأولون لتطوير النظرية الاتباعية. فأسس النظام السياسي الذي طوره علماء السياسة المتقدمون انبنت على نصوص مفردة أو أحداث تاريخية معزولة عن سياقها النصي أو الاجتماعي العام، سيقت لدعم تصور معين أو مبدأ محدد. هذا الانتقال المباشر من النص أو الحدث المفرد لتعيين البنية السياسية وتحديد أسس العمل السياسي لا يؤدي إلا إلى تطوير بني وممارسات تتناسب والظرف التاريخي الخاص، والبيئة الاجتماعية الموافقة والمساوقة للجهد التنظيري، وبالتالي فإن البنى والممارسات الناجمة عن عملية التنظير هذه مقيدة ومرتبطة بالظرف التاريخي المواكب.

إن تطوير نظرية عامة للدول الإسلامية يقتضي اعتماد مبادئ وقواعد كلية للفعل السياسي، مستمدة من نصوص الوحي ومعطيات الخبرة التاريخية للأمة. لذلك فإن قضايا المنهجية تتعلق أساساً بقواعد وآليات استنباط المبادئ الكلية من مصادرها المعتمدة، فما هي مصادر التنظير السياسي، وما هي آلياته ؟.

تنطلق العملية التنظيرية من مصدرين: نصوص الوحي، ومعطيات الخبرة التاريخية. فنصوص الوحي هي، دون شك، الأساس الأول والمعيار الرئيسي الذي ينطلق منه المسلم لبناء تصوراته واستقاء قيمه وتحديد قواعد فعله وسلوكه. لكن فهم النص المنزل وتمييز أحكامه يتطلب دراسة الظرف التاريخي الذي واكب نزوله.

ومن هذا المنظور كان اهتمام علماء السلف بتقصي أسباب نزول آيات الكتاب. ومن هذا المنظور أيضا اهتم علماء السلف بدراسة التجربة التاريخية للرعيل الأول وتحليل الأحداث والممارسات السياسية التي أحاطت بقيام أول نظام سياسي في تاريخ الإسلام. وكما يتطلب فهم النص دراسة الظرف التاريخي المواكب لنزوله، فإن تطبيق النص على واقع حياتي مغاير يتطلب دراسة متأنية للظرف الإجتماعي لتحديد أوجه الشبه والخلاف بين الظرفين. إذ لا يمكن لمن جهل الاختلاف والتشابه بين الحالين تطبيق الأحكام الشرعية، أو تحقيق مناط الحكم الشرعي. ولقد تنبه الإمام الشاطبي منذ القديم إلى العلاقة التبادلية بين النص والواقع، فعبر عن ذلك بقوله: ” كل دليل شرعي فمبني على مقدمتين، إحداهما، راجعة إلى تحقيق مناط الحكم. والأخرى، ترجع إلى نفس الحكم الشرعي. فالأولى نظرية، أعني، بالنظرية هنا ما سوى النقلية، سواء علينا أثبتت بالضرورة أم بالفكر أم بالتدبر؛ ولا أعني بالنظرية مقابل الضرورة، والثانية، نقلية. وبيان ذلك ظاهر في كل مطلب شرعي، بل هذا جار في كل مطلب عقلي أو نقلي، فيصح أن نقول: الأولى راجعة إلى تحقيق المناط. والثانية راجعة إلى الحكم؛ ولكن المقصود هنا بيان المطالب الشرعية، فإذا قلت إن كل مسكر حرام، فلا يتم القضاء عليه حتى يكون بحيث يشار إلى المقصود فيه ليستعمل أو لا يستعمل…. فلابد من النظر في كونه خمراً أو غير خمر، وهو معنى تحقيق المناط “(18).

إن الحاجة إلى دراسة الظرف الاجتماعي التاريخي ومعرفة حيثياته لتحديد السبيل لتنزيل الحكم الشرعي على الواقع آكد وأبلغ في الدراسات السياسية؛ نظراً لتشابك البنية الاجتماعية وتعقيدها، وغموض خصائص الحياة الإنسانية، قياساً على خصائص الأشياء المادية.

المصدر الأول للتنظير السياسي: نصوص الوحي

إن نصوص الوحي هي، كما نوهنا سابقاً، المصدر الأساسي للتنظير السياسي، ونحن إذ نقرر ذلك لا نأتي بجديد، بل نؤكد القاعدة التي اعتمدها علماء المسلمين الأوائل. لكن مصدرية النص المنزل لا تعني بأي حال أن يقوم المنظر بسوق اتفاقي لنصوص مختارة دعماً لمقولاته وأطروحاته، بل لابد من ارتكاز النظرية السياسية على منظومة من المبادئ والقواعد العامة مستخرجة من النصوص عبر عملية استقراء شامل لكافة النصوص المتعلقة بالظاهرة المدروسة، وتمر عملية الاستقراء هذه عبر عدد من الخطوات المتعاقبة والمترابطة، يمكن تلخيصها على النحو التالي.

أولاً: اختيار النصوص التي تتناسب من حيث الموضوع، أو المصطلح مع الظاهرة المعنية، فعند دراسة ظاهرة القيادة السياسية، مثلاً: يعمد الباحث إلى انتقاء النصوص التي تناسب موضوع البحث، فيتعقب النصوص التي تتضمن مصطلحات قرآنية مكافئة لمصطلح القيادة، مثل: ” ولاية الأمر ” و ” الإمامة ” ، أو تحتوي معاني ودلالات مناسبة للظاهرة المدروسة.

ثانياً: فهم المعنى العام للنص وفق قواعد اللغة العربية. وهذه القواعد تنقسم إلى قواعد نحوية، تحدد العلاقة بين الألفاظ، فتميز بين الفعل والفاعل والمفعول والظرف والمضاف.. إلى آخره، وقواعد لغوية، تحدد المعاني المعجمية للألفاظ وطريقة اشتقاقها، وقواعد بيانية، تحدد كيفية تمييز الحقيقة من المجاز، وفهم التراكيب والاستعارات اللغوية. إن التقيد بالقواعد اللغوية شرط أساسي لمنع تحريف معاني النصوص وإبعادها عن مقاصدها الرئيسية. ونجد في تاريخ الفكر السياسي أمثلة عديدة لعلماء تورطوا في تأويل الآيات القرآنية وإخراجها من الحقيقة إلى المجاز، حتى عند عدم احتمال مثل هذا الإخراج. ولعل أكثر من تورط في هذا الباب علماء الشيعة و الصوفية، الذين أولوا آيات الكتاب بمعان لا يمكن للنص احتمالها بأي حال من الأحوال. فينقل الفقيه والمحدث الشيعي علي بن الحسين ابن بابويه القمي في كتابه ” الإمامة والتبصرة من الخيرة ” عن أبي جعفر أنه أوَل قول الله عز وجل: { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين }(19). فقال: ” هذه آية نزلت في القائم، يقول: إن أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون أين هو، فمن يأتيكم بإمام ظاهر، يأتيكم بأخبار السماء، وحلال الله جل وعز وحرامه”       ولا يعنينا هنا البحث في صحة نسبة هذه الرواية إلى أبي جعفر، إنما يعنينا أن نبين أن مثل هذا التأويل يتعارض وقواعد التأويل المتبعة في لغة العرب، والمعتمدة عند علمائها. ذلك أن إخراج اللفظ من الحقيقة إلى المجاز يشترط عدم إمكان حمل النص على الحقيقة. والنص السابق ظاهر المعنى، يمتن فيه الله تعالى على عباده ويذكرهم باعتمادهم على فضله وحاجتهم إلى عطائه  وكرمه، ويحذرهم من قدرته على منع العطاء وإيقافه إذا ما تمادوا في غيهم. إن بين هذا المعنى الظاهر بمفرداته، المناسب في سياقه، والمعنى الذي أورده القمي لبوناً شاسعاً.

لا شك في أن معرفة أسباب نزول الأية يساعد المفسر ويسهل مهمة تحديد المعاني المفردة والمعنى الكلي للنص، إلا أن أسباب النزول ليست تفسيراً يقدمه صحابي أو تابعي، بل هي حدث رافق وواكب نزول الأية. ويمكن القول أن فهم الظرف التاريخي والملابسات الخاصة التي رافقت النزول ربما يكون حاسماً في فهم النص. ومن هذا القبيل تحديد معنى لفظ فاسق في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } . فالمفهوم القرآني العام للفظ فاسق يتعلق بمخالفة المرء في أفعاله لتعاليم الإسلام. والحكم المستنبط من هذا الفهم وجوب التبين والتحقق من صحة خبر نقلة رجل ظاهر الفسق. إلا أن المعنى المستنبط بعد دراسة أسباب النزول يفيد عدم اشتراط ظهور الفسق في أفعال حامل النبأ قبل وقوع الحدث الذي استوجب التبين.

فقد نقل ابن كثير عن مجاهد وقتادة أن رسول الله أرسل ” الوليد بن عقبة [ابن أبي معيط] إلى بني المصطلق ليصدقهم [أي: يأخذ منهم الصدقة]، فتلقوه [أي: خرجوا من حيهم للقائه] بالصدقة، فرجع، فقال إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك… وأنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه، وأمره أن يثبت، ولا يعجل. فانطلق، حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالداً رضي الله عنه أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا آذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد رضي الله عنه، فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى الآية”.    واضح من الرواية السابقة أن كلمة ” فاسق ” استخدمت في سياق الآية؛ لتصف سلوك مبعوث رسول الله الذي اتهم بني المصطلق بالتمرد والردة، بناء على ظنون وتخمينات وأوهام نابعة من هلع وضعف نفسي. لقد توهم الوليد الشر عند رؤيته جموع بني المصطلق خارج حيهم، ففسر خروجهم على أنه ارتداد عن الإسلام؛ ليعلل رجوعة إلى المدينة خاوي الوفاض، فالفسق هنا وضع طارئ، وليس سلوكاً معتاداً من الوليد، ولو كان الفسق معروفاً على الوليد لما ائتمنه رسول الله على أموال المسلمين بادئ ذي بدء.

إن تفسير النص وتحديد معناه الكلي مرتبط بسياقه العام، وهو سياق ذو أبعاد ثلاثة:

(1)سياق نصي.

(2)سياق خطابي.

(3)سياق حالي أو وجودي.

فالسياق النصي، يمكننا من ربط مفردات النص المدروس وجملة بمفردات وجمل النصوص السابقة واللاحقه له مباشرة. في حين يمكٍننا السياق الخطابي من فهم المفردات التي هي موضوع البحث من خلال مقارنتها بمثيلاتها في الخطاب القرآني أو النبوي، كما يمكننا من ربط الأحكام المتولدة عن النص المدروس بالأحكام المتفرقة في هذا الخطاب. أما السياق الحالي، فإنه يسمح لنا بفهم الدلالات الاجتماعية والسياسية للنص على الواقع المشهود. ومن هذا تبرز أهمية أسباب نزول القرآن الكريم باعتبارها السياق الحالي للوحي الإلهي.

ثالثاً: الخطوة الثالثة في استقراء المبادئ السياسية الكلية من النصوص، تتمثل في تعليل النص، لاستخراج الحكم العام المتضمن فيه، والتعليل أو معرفة علة الحكم، عملية لازمة في جميع الأحكام التي تنظم الأفعال التبادلية للأفراد؛ كالبيع، والشراء، والقصاص، وهو ما يعرف في الفقه الاتباعي بفقه المعاملات. إذ لا يمكن قياس الأشياء والنظائر دون معرفة علة أو مناط الحكم، وهذه المعرفة ألزم في القضايا السياسية، نظراً لأرتباط تطبيق هذه الأحكام بمصالح المسلمين العامة، والمتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. فالمتتبع لآيات القتال في القرآن الكريم، مثلاً، يجد نصوصاً توجب كف الأيدي عن القتال، وأخرى تدعو إلى السلم والمصالحة، وأخرى تأمر ونحرض على القتال، ولا يمكن إزالة التعارض الظاهر في هذه النصوص إلا من خلال تحديد العلل التي أوجبت القتال حيناً ودعت إلى السلم حيناً آخر.

رابعاً: إن التعارض الظاهر بين الأحكام المستخرجة في الخطوة السابقة لا يمكن إزالته بصورة منهجية إلا من خلال استنباط قواعد عامة ومقاصد كلية للفعل السياسي ضمن المجتمع الإسلامي، وهذا يحتاج إلى تصنيف الأحكام المستخرجة في الخطوة الثالثة ضمن مجموعات تنتظم تحت مبادئ عامة، فيمكن، على سبيل المثال، من خلال مراجعة مجموعة الأحكام التي تحظر الغرر في البيع، أو إتلاف مال الغير، أو سرقة أملاك الآخرين واختلاسها، استنتاج قاعدة احترام الملكية الخاصة، ووجوب صيانة الجماعة السياسية لممتلكات افرادها، ضمن القيود العامة التي تحددها القواعد التشريعية، فالانتقال من الخاص إلى العام عبر عملية تجريد متتال، بحثاً عن القواعد العامة والمقاصد الكلية، هو شرط رئيسي لتطوير منظومة مطردة ومتسقة من الأحكام الشرعية، إذ يهدف التجريد المتتالي إلى غاية مزدوجة. فمن ناحية يمكن إزالة التناقضات الداخلية الظاهرة، وبالتالي إيجاد نظام سياسي يتصف بالاطراد والتماسك في بنيته الإدارية والسلطوية، وبذلك يمكن تجاوز الطبيعة التجزيئية للفكر السياسي المتولد عن المنهج الاتباعي، وتطوير فكر مترابط متكامل. ومن ناحية أخرى يمكننا من خلال عملية التجريد هذه من الوصول إلى أحكام يقينية قطعية. ذلك أن الأحكام المستخرجة من آحاد النصوص لا يمكن، كما لاحظ الشاطبي قديماً، أن ترقى إلى مرتبة القطع، بل تبقى عرضة للظن والشك، يقول الشاطبي: ” كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته، فهو صحيح ينبني عليه، ويرجع إليه، إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، لأن الأدلة لا يلزم ان تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها كما تقدم “.

ولا بأس من التنبيه هنا إلى ان المقاصد الكلية للحياة السياسية لا تتطابق ضرورة مع المقاصد الشرعية الخمس التي عرفها الشاطبي. ذلك أن ما أسماه الشاطبي مقاصد الشريعة ليست سوى المقاصد العامة للأحكام القانونية الحقوقية، وليست هي مقاصد الوحي بكليتها. فالشريعة في مصطلح الفقهاء هي مجموعة الأحكام الشرعية التي تنظم الحياة الجماعية ، وهي بذلك لا تطابق في معناها المصطلح القرآني. وبالتالي فإن عالم السياسة يحتاج إلى تحديد مقاصد النظام السياسي من خلال عملية استقراء مستقلة.

النص القرآني والنص النبوي

استخدمنا ـ فيما سبق ـ عبارة نصوص الوحي للدلالة على آيات الكتاب وأحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام دون تمييز. ذلك أن الحديث الصحيح هو الوعاء الذي نقل إلينا تطبيق رسول الله لوحي السماء. فالسنة النبوية شارحة وموضحة ومفصلة لأحكام الكتاب. ومن هنا حرص علماء المسلمين على تدوينها، واعتمدوها لفهم توجيهات الكتاب الكريم. ومنذ وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام اعتمد الصحابة على اقواله وأفعاله لبيان أحكام الكتاب وفهم مدلولاتها. لكنهم لم يروا أن الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صنو للقرآن من حيث الاحتجاج والإتباع، بل جعلوها تابعاً للكتاب وقيدوا أحكامها بأحكامه. فعائشة رضي الله تعالى عنها ردت حديث ” إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ” لمعارضته لقول الله تعالي: {ألا تزر وازرة وزر أخرى}. كما ردت حديثا ” إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار ” لمخالفته مبدأ توحيدياً رئيسياً، وهو أن الأمر كلة بيد الله. واستمر هذا الفهم لموقع الحديث من القرآن عند التابعين. فالإمام مالك بن أنس توقف في العمل بحديث ” من مات وعليه صيام صام عنه وليه ” لمعارضته المبدأ القرآني الثابت {ألا تزر وازرة وزر أخرى}. كما أنكر حديث ” إذا ولغ كلب إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات إحداهن بالتراب ” لتناقض ذلك مع جواز أكل الصيد الذي حمله الكلب، قائلاً: ” يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟ ”  .

وأستمر رد الحديث أو التوقف فيه عند تعارضه مع القواعد القرآنية إلى أن قام الإمام الشافعي بتأسيس الحديث كمصدر مستقل بذاته، لا كمصدر تابع للكتاب. ففي كتابه الهام “الرسالة ” جعل الشافعي السنة مصدراً تشريعيًا مستقلاً، وذلك بإعطائها خاصية ثالثة إضافة إلى الخاصيتين اللتين أجمع عليهما علماء السلف قبله: متابعة أحكام الكتاب، وتبيين مجملها. الخاصية الثالثة التي أثبتها الشافعي، هي إنشاء حكم لم ينص عليه الكتاب، أو بتعبير الشافعي “ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب “. ودلل الشافعي على خاصية إنشاء الأحكام التي تتمتع بها السنة بالإشارة إلى الأحاديث التي تأمر برجم الثيب الزاني بدلاً من جلده، أو تحريم الجمع بين المرأه وعمتها ، وغيرها من الأحاديث التي أثبتت أحكاماً لم يذكرها القرآن، ليكرس بذلك استقلال الحديث، ويرفع مرتبته إلى مرتبة القرآن الكريم. يقول الشافعي: ” قال [القائل هنا مُناظِر الشافعي مَستور الهوية] : أفرأيت لو قال قائل: حيث وجدت القرآن ظاهراً عاماً، ووجدت السنة تحتمل أن تبين عن القرآن، وتحتمل أن تكون بخلاف ظاهرة، علمت أن السنة منسوخة بالقرآن، فقلت له: لا يقول هذا عالم، قال: ولما، قلت: إذا كان الله فرض على نبيه اتباع ما اُنزل إليه، وشهد له بالهدى، وفرض على الناس طاعته. وكان اللسان، كما وصفت من قبل ، محتملاً للمعاني، وأن يكون كتاب الله ينزل عاماً يراد به الخاص، وخاصاً يراد به العام، وفرضاً جملة بين رسول الله، فقامت السنة مع كتاب الله هذا المقام، لم تكن السنة لتخالف كتاب الله، ولا تكون السنة إلا تبعاً لكتاب الله، بمثل تنزيله، أو مبينة معنى ما أراد الله، فهي بكل حال متبعة كتاب الله.

إن الأمثلة التي ضربها الإمام الشافعي للتدليل على أطروحته على أن الحديث ينشئ أحكاماً، ولا يكتفي بتبيان الأحكام التي أنشأها القرآن، لا تستقيم في اعطاء الحديث استقلالية تشريعية. ذلك أن حكم رجم الثيب الزاني، وحرمة الجمع بين المرأة وعمتها، لا ينبني على أحاديث آحاد فحسب، بل أيضاً على إجماع أجيال المسلمين المتقدمة على فترة تدوين الحديث على أن هذه الممارسات سنة اعتمدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق. فإشكالية اعتماد أحاديث آحاد في إنشاء حكم خارج عن احكام الكتاب لا تتعلق اساساً بحق الرسول في التشريع، كما يعرض الشافعي المسألة، ولكن بالطبيعة الظنية لحديث الآحاد. فالإشكالية التي تواجهنا في هذا الصدد، والتي تعود جذورها في تقديرنا إلى اجتهاد الشافعي، هي إيجاب تخصيص القرآن الكريم وتقييد نصوصه بأحاديث آحاد لا يمكن القطع بثبوتها عن رسول الله، ولا يعرف حيثيات وظروف اقتضاء أغلبها. فالشافعي يثبت خبر الواحد ويوجب العمل بمقتضاه، ويسوق للتدليل على رأيه حوادث جرت في عهد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، تظهر عمل أهل قباء بخبر الواحد عن رسول الله، مثل خبر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام بناءً علي إنباء صحابي واحد أو خبر إراقة الصحابة لجرار الخمر عند إعلام أنس بن مالك لهم بنزول آية في تحريم الخمر    .

إن الإشكالية التي تواجهنا عند بحث قيام السنة بإنشاء حكم سكت عنة القرآن، أو تخصيص و تقييد حكم قرآني عام أو مطلق ، لا تتعلق بصواب عملية تخصيص السنة وتقييدها للقرآن، فهذه مسألة نثبتها ولا نشكك في سلامتها. لكن الإشكالية كما نراها تتعلق بإطلاق عملية الإنشاء أو التخصيص أو التقييد دون ضبطها بضوابط تحول دون إخضاع القطعي لهيمنة الظني. فكما يؤدي رفض حجية الحديث إطلاقاً إلى الذهاب بالأحكام الموضحة والمفسرة التي أتت بها الأحاديث، فإن إطلاق دور الحديث المقيد والمخصص يؤدي إلى هيمنة المقاصد والقواعد العامة الثاوية في الحديث على تلك المستنبطة في آيات الكتاب. وهذا يؤدي إلى اعطاء الحديث الظني الثبوت اليد العليا في تحديد المفاهيم العامة والأهداف الكلية لتعليم الوحي. لقد ابرز الإمام الشاطبي هذه الإشكالية بإحكام، فعمد إلى تحديد العلاقة بين الكتاب والسنة تحديداً صارماً، كما يتضح في النص التالي. يقول الشاطبي: ” كل دليل شرعي إما ان يكون قطعياً أو ظنياً، فإن كان قطعياً فلا إشكال في اعتباره… وإن كان ظنياً فإما يرجع إلى أصل قطعي، أو لا. فغن رجع غلى قطعي فهو معتبر أيضاً. وإن لم يرجع، وجب التثبت فيه، ولم يصح إطلاق القول بقبولة. ولكنه قسمان: قسم يضاد أصلاً، وقسم لا يضاده ولا يوافقة، فالجميع أربعة أقسام، فأما الأول، فلا يفتقر لبيان، واما الثاني، وهو الظني الراجع إلى أصل قطعي فإعمالة أيضاً ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد.. وأما الثالث، وهو الظني المعارض لأصل قطعي، ولا يشهد له أصل قطعي، فمردود بلا اشكال… وأما الرابع، وهو الظني الذي لا يشهد له اصل قطعي ولا يعارض أصلاً قطعياً ، فهو في محل النظر، وبابه باب المناسب الغريب ” .

لابد إذن من التشديد على تبعية الحديث للكتاب، ورفض فكرة استقلاليته، وبالتالي فإن قبول متن الحديث الصحيح أو التوقف فيه مرهون بموافقته للقواعد والمبادئ العامة المستخرجة من عملية استقراء النصوص، كما أوضحنا سابقاً. لذلك لا يصح الاستدلال على شرعية بنية أو ممارسة سياسية معينة بالاستناد إلى أحاديث منفردة. بل لابد من تضافر وتضايف الآيات والأحاديث عبر عملية استقراء شامل، تؤدي إلى اثبا