أبحاث

المنهج العلمي للبحث من وجهة إسلامية في نطاق العلوم الاجتماعية ومهمة المساعدة الإنسانية

العدد 67- 68

مقدمة:

قد لا تكون هناك قضية أولى بالاهتمام وأجدر بالتناول الجاد من جانب المهتمين بأسلمة العلوم الاجتماعية أو بالتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية أو – إن كنت تفضل – بالتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية من قضية المنهج العلمي  الذي ينبغي على الباحثين في تلك العلوم استخدامه للتوصل إلى معارف محققة يمكن الاعتماد عليها في بناء ” النظريات العلمية” التي تتصدى لتفسير الظواهر النفسية والاجتماعية، أو في بناء ” نظريات الممارسة” التي تستخدم لتوجيه التدخل المهني الذى يستهدف إحداث تغييرات مرغوبة في تلك الظواهر ، فمن المسلم به أنه لا علم بغير منهج ، كما أنه لا ممارسة مهنية تستحق هذا الاسم دون قاعدة علمية تستند إليها ، ودون ضوابط منهية تسير الممارسة وفقا لها.

وفي الواقع فإن حركة ” التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية – التي قد اكتسبت الآن أبعاداً، يمكن اعتبارها ” ثورة علمية ” حقيقية Scientific Revolution وفقاً للمعايير التي وضعها مؤرخ العلم الأشهر توماس كون Thomas Kuhn(1)  هي حركة تسعى أولاً وقبل كل شيء إلى إحلال توجه جديد Paradigmفي النظر للعلم وللمنهج العلمي للبحث محل المفهوم التقليدي الوضعي للعلم Science  المنهج العلمي Scientific Method ، خصوصا فيما يتصل بدراسة الإنسان والسلوك البشري والعلاقات المجتمعية ، ونتيجته لذلك فإن نقد النموذج القديم وتحديد أبعاد التوجه الجديد في النظر إلى طبيعة العلم و المنهج العلمي تحتل دون جدال مكان الصدارة في أي مناقشة لقضية التأصيل الإسلامي  للعلوم الاجتماعية.

وقد يصاب البع بالدهشة مما قد يظنه تجرؤا على انتقاد ما ثبت واستقر لدى العامة والخاصة ( أو على الأقل بعض الخاصة) من فهم لطبيعة العلم والنهج العلمي ، وخصوصاً إذا ما  أخذنا في الاعتبار ما جنته البشرية من ثمار رائعة لتطبيقاتها في حياة الناس ما لا يخفى على أحد  ولقد وصف توماس كون Kuhnبوضوح شديد أنواع وأسباب المقاومة التي يبديها المشتغلون  بالبحث العلمي في أي مجال عندما يطلب منهم أن يتحولوا عن ارتباطهم الطويل المدى ” بالتوجه العلمي السائد تقليدياً ” The Paradiamلكى ينظروا بجدية في الأدلة والنتائج المناقضة للتوجه التقليدي التي أخذت في التراكم مؤكدة عجزه عن تفسير الحقائق ، وموحية بضرورة التحول العلمي الجديد الذى تشير الأدلة في اتجاهه ، فليس من اليسير أن يتحول الباحثون – كبشر – عن أطر تصورية أنفقوا العمر في تحصيلها واستيعاب أبعادها، وارتبطت مكانتهم العلمية والعملية بها ، لكى يبدأوا من جديد في محاولة تفهم واستيعاب أطر تصورية جديدة لم تحصل على الاعتراف الكامل من مجتمع العلميين بها ، لا لسبب إلا لمجرد أن التوجه الجديد قد أثبت قدرته على تفسير النتائج التي لم يستطع التوجه السائد تفسيرها ؛ تلك النتائج المناقضة التي يكون الباحثون قد درجوا بشكل روتيني على استبعادها من دائرة الاهتمام ” العلمي” بزعم أنها ليست إلا نتائج شاذة وخارجة عن النط المعتاد Anomalies ( دون تفكير جاد في السبب في ذلك).

ولما كان الباحثون والممارسون في المحيط الاجتماعي في العالم الاسلامي قد تعرضوا طوال حياتهم العلمية – دراسة وممارسة – للمفهوم التقليدي للعلم و المنهج العلمي الذي نما في الغرب في احضان الفلسفة الوضعية(2) Positivism  ومشتقاتها الوضعية Logical Positivism  والإمبيريقية المنطقية Logical Empiricism  ، فإن الكثيرون منهم لازالوا لا يستطيعون التصور بإمكان العلم والمنهج العلمي في إطار مختلف عن ذلك التصور التقليدي الذى درجوا عليه، رغم أنه قد ظهر للكافة الآن قصوره عن التوصل إلى فهم حقيقي للإنسان كما ظهر عجز وتضارب النظريات المستمدة منه في محاولاتها لتفسير سلوكه كفرد أو كعضو في جماعة أو مجتمع. ولقد يبلغ تشرب الباحثين والممارسين بروح ذلك المنظور التقليدي حداً يظنون معه أحيانا أن مجرد مناقشته ونقده يعتبر نوعا من الهرطقة العلمية التي لا تجوز في هذا المنتج الإنساني العظيم الذى كان السبب وراء التقدم التقني ( التكنولوجي) الذى يجنى العالم ثماره ( وأضراره !) اليوم.

ومن هنا قد نلمس لدى بعض الباحثين أو الممارسين شيئاً من المقاومة أو التردد أو التحفظ على فكرة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية ؛ لأنهم يفترون أن المنهج العلمي التقليدي الذي نجح في العلوم الطبيعية نجاحًا باهرًا ، والذي يقوم على استقراء الظواهر الجزئية “المحسوسة” وصولًا إلى تعميمات تصدق في كل زمان ومكان (حسب التصور الشائع) بعد ثبوت مطابقتها للواقع الإمبريقي (المحسوس)- يفترضون أو يكادون أن هذا هو النموذج الأمثل الذي لا يمكن أن يطرأ عليه التعديل أو التغيير حتى يرث الله الأرض ومن عليها بعد ما ثبت للعام والخاص من كفاءته ، وأن العلم الحديث لا يجوز أن يخضع لإعادة النظر أو التقويم، وممن؟ من  جانب الباحثين والممارسين في العالم الإسلامي الذي لم يقدم في عدة القرون الفائتة اسهامات علمية بارزة تؤهله لأن يكون مصدرا لأي دعوة إلى إعادة النظر في المنهج أو النظرية. ويفوت أصحاب هذه التصورات أن يدركوا الحقائق الآتية:-

1-       إن البحث العلمي إنما هو مجرد نشاط إنساني متأثر في نشأته وتطوره وفي صورته الحالية- كغيره من الأنشطة الإنسانية الأخرى- بالظروف التاريخية والاختيارات الثقافية والقيمية التي تحكم المجتمعات الغربية التي تبلور فيها حتى وصلنا في صورته الحالية ، وإنه بهذا يحتمل ظهور توجهات أخرى منبثقة من نظرات أخرى للكون والحياة ودور الإنسان فيهما تختلف عن تلك التي سادت في الحضارة الغربية حتى الآن .. نظرات قد تتطلب ادخال تعديلات جوهرية على تلك النظرة التقليدية خصوصا عند التعرض بالدراسة للظواهر الإنسانية

2-       إن نظريات العلوم السلوكية والاجتماعية ، التي تبلورت في إطار المنهج العلمي التقليدي المستمد من الفلسفات المادية والوضعية التي تسود الفكر في المجتمعات الغربية قد سارت في طريق مسدود ولم تستطع تجاوزه في محاولاتها للتوصل غلى فهم واقعي للنفس الإنسانية والسلوك الفردي والاجتماعي والنظم والترتيبات المجتمعية يشهد بذلك ما تعانيه تلك المجتمعات المتقدمة ذاتها من مآسي إنسانية ومشكلات اجتماعية عميقة يبدو ألا أمل في حلها من خلال المنظور السائد ، وهذا يعطي قدرا كبيرا من المصداقية لقول من قالوا بوجود انحياز خطير في النظرة التقليدية الغربية للعلم والمنهج العلمي ، يتمثل في الاقتصاد على دراسة ما يمكن مشاهدته باستخدام الحواس ، وإغفال أي معارف ذات مصدر غير بشري ، وأن هذا التجاهل للمعارف المتنزل بها الوحي هو السبب الأساسي في ذلك القصور والعجز الذي تعاني منه العلوم الاجتماعية ، وإنه لن يمكن التوصل إلى فهم حقيقي متكامل للإنسان إلا برجوع إلى ما علمه إياه خالقه إضافة إلى ما أعطاه القدرة على دراسته واستخلاص أحكام حوله.

3-           إن النجاحات التي حققها النهج العلمي التقليدي قد كانت أساسا في محيط العلوم الطبيعية ، وان المادة المدروسة Subject – Matter  أو الظواهر التي تنصب عليها الدراسة في العلوم الاجتماعية تختلف عنها في العلوم الطبيعية ، ولقد كان هذا يتطلب إعادة نظر جذرية منذ زمن بعيد في الافتراضات الضمنية التي قام عليها المنهج في العلوم الطبيعية حتى يصبح ملائما للدراسات الاجتماعية – لولا الأمل المفرط في إمكانية تحقيق نفس النوع من الفاعلية النجاح الذى حققته تلك العلوم من جهة  لولا الحرص على إظهار العلوم الاجتماعية بمظهر العلوم المنضبطة Exact Science  لتحقيق نفس المكانة العلمية الرفيعة لتلك العلوم للمشتغلين بالعلوم الاجتماعية من جهة أخرى.

4-       لقد كان المسلمون أصحاب الريادة في ظهور المهج العلمي التجريبي في دراسة الظواهر الطبيعية في الماضي ، وكانوا من أهم أسباب استنفاذ الحضارة الغربية من ضيق الدائرة المغلقة للقياس الصوري الأرسطى العقيم إلى سعة الاستقراء القائم على المشاهدة والتحقق باستخدام الحواس ،  وليس بمستبعد على المسلمين أن يقوموا مرة أخرى – مستندين إلى ما حباهم الله به من علوم الوحى – بتصحيح مسار الفكر والعلوم الإنساني في محيط دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية ليعود بعد طول حيرة إلى الطريق الصحيح بعد أن توقف عطاء المسلمين لأسباب وعوامل وظروف لا تخفى (ليس هذا مجال تفصيلها) لعدة قرون.

5-       غن التأصيل الإسلامي  للعلوم الاجتماعية ومناهجها لا يعني تجاهل ما ثبت صدقه من حقائق علمية Facts  وتعميمات إمبريقية ، كما لا يعنى التفريط في المناهج والأدوات الصحيحة التي استخدمت في التوصل إليها ، ولكن يعنى ” استكمال” ما ثبت من نفص فيها سواء م حيث التوجه العام للدراسات والبحوث في المجال الاجتماعي أو من حيث أنواع الظواهر التي تخضع للدراسة .  بما يعيد الدراسات الاجتماعية عامة إلى جادة الطريق ، وبما يزيد من فاعليتها في فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية من جهة  وبما يهد الطريق من جهة أخرى أمام الممارسين العاملين في مجالات الخدمة الاجتماعية وغيرها من مهن المساعدة الإنسانية Helping Professions  لبناء ممارستهم على ما يصلح لمجتمعاتهم  بل ويصلح لكل الناس لو كانوا يعلمون ) من قاعدة علمية صحيحة غير مبتورة او مختزلة.

وسنتعرض في هذه الدراسة تفصيلا للقضايا التي أجملناها في النقاط السابقة ، حيث نحاول في الجزء الأول استجلاء الأصول التاريخية والثقافية للمنهج العلمي بصورته الراهنة ، مع بيان جوانب القصور في المنهج العلمي التقليدي المستخدم الآن في دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية ، ثم توضيح ما يتعين عمله لمواجهة ذلك القصور ، وننتقل في الجزء الثاني من الدراسة إلى توصيف للمنهج العلمي لدراسة الظواهر النفسية والاجتماعية من منظور الإسلام الذى نرى أنه هو السبيل لإنقاذ العلوم الاجتماعية من أزمتها الراهنة ، حيث نشرح الأبعاد التفصيلية للكيفي التي يتم من خلالها إيجاد التكامل الصحيح بين ما هو مستمد من الوحى وما هو مستمد من المشاهدات الإمبريقية.

نود أن نوضح هنا أن هذه الدراسة وإن كانت تركز على العلوم  الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية كما جاء في عنوان الدراسة إلا أننا أكثر اهتماما فيما يتصل ” بالعلوم الاجتماعية” أو ” السلوكية ” على نطاق اهتمام علم النفس وعلم الاجتماع بصفة أساسية ، كما اننا اكثر اهتماما فيما يتصل ” بمهن المساعدة الإنسانية” بالعلاج النفسي وبصفة أخص بالخدمة والاجتماعية ومرجع هذا الاهتمام يكمن في أن تلك ” العلوم ” تتعرض أساسا لذلك من الظواهر الذى ينصب تدخل مهنة الخدمة الاجتماعية عليه بهدف إحداث تغييرات مرغوبة فيه ، انطلاقا من النسق القيمي للمهنة ذاتها من جهة ، وللمجتمعات التي تمارس فيها المهنة من جهة أخرى . وغذ فإننا نود أن يكون مفهوما أن الخدمة الاجتماعية إذ تعتمد في قاعدتها العرفية Knowledge Base (3) على نتائج تلك ” العلوم ” ( وعلى غيرها من العلوم الاجتماعية ) لتدرك أن فاعليتها في تحقيق أهدافها المهنية تعتمد إلى حد كبير على درجة صدق تلك العلوم وأصالتها ، ليس فقط في وصف تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية التي خصصت في البحث فيها ، وإنما أساسا على درجة عمق ” فهمها وفقهها” لتلك الظواهر ، ومن هنا نشأ اهتمامنا بالتعرض لقضايا العلم الاجتماعي ومناهجه . ومن جهة أخرى فلقد أثرت تلك العلوم بتوجهاتها ومناهجها على دراك الممارسين لمهنة المساعدة الإنسانية وخصوصا مهنة الخدمة الاجتماعية لحقيقة مكان وطبيعة القاعدة القيمية Value Baseللمهنة ، ذلك أنه على الرغم من وضوح الفرق بين علم النفس أو علم الاجتماع للذين ينتميان إلى جنس العلم Science  من جهة وبين الخدمة الاجتماعية التي تنتمى إلى جنس التقنية Technology  من جهة أخرى على الوجه الذى بينه تفصيلا منذ فترة من الوقت ايرنست جرينوود (4)  ذلك الفرق الذى تترتب عليه اختلافات جوهرية في نظرة كل منهما للقيم ، ولدرجة التأثر بالتفصيلات المجتمعية ، إلا أننا نجد أن بعض الممارسين فى بلادنا يضفون على الممارسات المهنية المستفادة من مجتمعات أخرى تختلف عن مجتمعاتنا الإسلامية في ثقافتها وقيمها اختلافا كبيرا نوعا من العمومية أو العالمية التي يفترضها نموذج “العلم” التقليدي ، والتي هي الآن   موضع تساؤل شديد ، ومن هنا فإن مناقشة القضايا المتصلة بالعلم والقيم والأطر الثقافية تكون ذات أهمية خاصة للوصول إلى درجة أكثر من الوضوح فيما يتصل بفلسفة الخدمة الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية .

ولقد يكون من الملائم هنا أن نشير إلى اننا نستخدم اصطلاح ” العلوم الاجتماعية ” في هذا البحث لنشير به إلى ما يطلق عليه احيانا ” العلوم السلوكية” أو ” العلوم الإنسانية” بدرجات مختلفة من التداخل بينهما على ما هو معروف من خلاف في الكتابات العلمية حول هذه الموضوعات (5).

ولكن تركيزنا سيكون منصبا بصفة أساسية كما ذكرنا على علم النفس وعلم الاجتماع لما لتلك العلوم من أهمية خاصة باعتبار أنها تقدم ” القاعدة العلمية” التي تستد إليها مهن المساعدة الإنسانية وخصوصا الخدمة الاجتماعية.

واخيراً فلقد آثرت استخدام تعبير ” من وجهة نظر إسلامية” في العنوان بدلا من العبارة الأصلية ” من منظور الإسلام” التي كنت أراها أكثر وضوحا في التعبير عن اتجاه الدراسة . ولكنني تجنبته لما قد يوحى به من ادعاء بأن الاتجاه الذى سلكه كاتب هذه السطور هو المنظور ” الوحيد” المطلق من تراث الإسلام ؛ ولكنني على يقين بأن السنوات القليلة القادمة ستشهد – بفضل الله سبحانه وتعالى – تحولا من التركيز على الألفاظ إلى تركيز على “المفهوم ” مما تنتفى معه أشكال الحساسية أو التحرج . ، ويكون الحك فيه للمحتوى أكثر من التوقف عند الألفاظ.

الفصل الاول

أصول المنهج العلمي المعاصر

المبحث الأول : مفهوم العلم والمنهج العلمي

جاء فى لسان العرب أن ” العلم ” نقيض الجهل ، وأن العلم هو المعرفة (6)  ، أما الجرجانى فقد ذكر في كتاب التعريفات (7)  أن العلم هو ” الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ” وأضاف أنه ” قيل : العلم وصول النفس إلى معنى الشيء ” ، وقد عرف الراغب الأصفهانى (8)  العلم بأنه ” إدراك الشيء بحقيقته ” ، كما عقد مقارنة بينه وبين ” الحكمة ” التي ذكر أنها ” اسم لكل علم حسن وعمل صالح… بالعمل فيما هو غاية المراد من الإنسان ” ، ويضيف الزرنوجى (9) أنه ” إنما شرف العلم لكونه وسيلة إلى البر والتقوى الذى به يستحق الكرامة عند الله تعالى والسعادة الأبدية ” كما يقل عن أبى حنيفة النعمان قوله : ” ما العلم إلا للعمل به ، والعمل به ترك العاجل للآجل ” . هذا هو مفهوم العلم عند المسلمين ونلاحظ أنه يتضمن العناصر الآتية :

1-       السعي ” المخلص الجاد ” للوصول إلى الحقيقة بمعناها الشامل لكل ما فى الوجود أو ما وراء الوجود ( أو المعارف الناتجة عن ذلك السعي) .. إخلاصا نتصور معه  أن  الباحث المسلم يسعى للوصول إلى ما يشبه الاتحاد أو الاقتراب الوثيق بين ذاته العارفة وبين موضوع بحثه.

2-       الهدف من هذا السعي هو ” العمل ” بمقتضى المعرفة ” المطابقة للواقع ” ( في قول الجرجانى) لتحقيق الرسالة التى ن أجلها خلق الإنسان ، ألا وهى الوصول إلى إرضاء الخالق سبحانه ، وتحقيق السعادة فى الحياة الآخرة مع الاستفادة بالنتائج الحسنة للعلم فى تدبير شئون الحياة الدنيا بطبيعة الحال ، ولكن على الوجه الذى يرضى الله سبحانه وتعالى أيضا.

فإذا انتقلنا من نظرة المسلمين للعلم لكى نستطيع تصور الحضارة الغربية له – أو بشكل أكثر دقة …. إذا تفحصنا نموذج العلم ” كما بلورته الحضارة الاوروبية الحديثة ” على حد تعبير جيروم رافيتز(10) . وهو النموذج السائد فى عالمنا اليوم فإننا سوف نلاحظ أن العلم Science  قد أصبح ينظر إليه من زاوية أكثر تحديدا – أو على الأصح أكثر محدودية – بكثير عن الصورة التى وجدناها عند المسلمين.

لقد اختار الدكتور عبد الباسط حسن – بعد أن استعرض عددا من التعريفات المستخدمة فى الكتابات الغربية – التعريف التالي للعلم (11) : ” العلم هو المعرفة المصنفة التى تم التوصل إليها باتباع قواعد المنهج العلمى الصحيح مصاغة فى قوانين عامة للظواهر الفردية المتفرقة” ثم أكد على أن العلم “منهج ” أكثر مما هو مادة للبحث ، وأوضح أن العلم يقوم على الاستقراء Induction  الذى يعتمد على الملاحة ووضع الفروض وإجراء التجارب للتحقيق من  صحة الفروض  وصولا إلى القوانين والنظريات العامة ، مؤكداً فى موضع آخر أن العلم ” لا يستمد حقائقه إلا من الملاحظة الحسية المباشرة ” .

أما عن المنهج العلميMethod  Science   فإننا نجد أن قاموس وبستر (12) يعرفه بشكل يتفق إلى حد كبير مع التعريف السابق ” للاستقراء ” حيث يقرر أنه ” منهج للبحث يتمثل فى تحديد المشكلة وجمع البيانات ووع الفروض والتحقق الإمبريقي Empirical  من صحتها “.

أما القاموس الحديث لعلم الاجتماع فيعرف النهج العلمي بأنه ” عملية يتم في إطارها بناء كيان من المعرفة العلمية من خلال الملاحظة والتجريب والتعميم والتحقيق وهو مبنى على افتراض أن المعرفة العلمية لابد أن تكون مبنية على الخبرات المدركة عن طريق الحواس ، وأن أي عبارة تتصل بالظواهر الطبيعية لا يمكن قبولها على أنها صحيحة أو ذات معنى إلا إذا كان يمكن التحقيق من صدقها إمبيريقيا …. ولكن بالرغم من أن المنهج العلمي يعتمد على جمع الحقائق الإمبريقية ( المستمدة من المدركات الحسية) فإنه يتجاوز ذلك ، فالحقائق وحدها لا تكون علما ، وحتى يكون لها أي معنى فلابد من ترتيبها بطريقة ما وتحليلها وإصدار التعليمات المنطلقة منها وربطها بالحقائق الأخرى . ومن هنا فإن بناء النظريات يعتبر أحد المكونات الحيوية للمنهج العلمي ، فالإطار النظري يمدنا بالوسائل الازمة لتنظيم الملاحظات الإمبيريقية وتفسيرها وربطها بما توصل إليه الباحثون من قبل نتائج ” (13).

وبمقارنة هذا المفهوم الأوربي الحديث بالمفهوم الإسلامي للعلم فإننا نلاحظ بوضوح أن المفهوم الحديث قد قلص بشكل كبير من مهام العلم وهويته سواء من حيث موضوعات الدراسة أو من حيث المنهج، فلقد أصبح العلم مقتصرا على دراسة ما يعرف بالواقع المحسوس أو الإمبيريقى Empirical Reality  أي الظواهر التي يمكن مشاهدتها بالحواس ، أما عن المنهج فإنه يركز بصفة أساسية على الاستقراء الذى يبدأ من الحالات ” الجزئية ” توصلا إلى القوانين العامة.

 ومعنى ذلك أن موضوعات الدراسة التي تتصل بالقطاعات الأخرى من الظواهر التي تخرج عن نطاق المشاهدة الحسية أو تلك التي تتصل بعالم التفضيلات والقيم – مهما كانت أهميتها لحياة الناس أو سعادتهم – مستبعدة عند علماء العصر الحديث من نطاق الدراسة ” العلمية ” ، وكأن عالم المحسوسات وحده هو الذى له وجود حقيقي ، أو على الأقل وكأن عالم المحسوسات لا يتأثر إطلاقا بما وراء الحس ( كالروح مثلا) ، أما بالنسبة لمناهج البحث ومصادر المعرفة فإننا نجد أنه قد تم استبعاد الوحى استبعادا تاما كمصدر للمعرفة ، وبطبيعة الحال فقد ترتب على هذه الاختبارات المحددة نتائج  هامة تتمثل أساسا في التقدم العظيم ” للعلوم الطبيعية ” التي تتعرض لدراسة ظواهر محسوسة ، وفى التخلف الذريع في محيط العلوم السلوكية والاجتماعية التي تتعرض بطبيعتها لعالم الإنسان ككائن حي عاقل ذي وعى Consciousnessبذاته وبما حوله مما لا يدرك مباشرة بالحواس.

ولنا أن نتساءل الآن عن الأسباب والظروف التي أدت إلى صياغة العلم الحديث على هذا الوجه الخاص جدا ، وأن نحاول أن نتبين ما إذا كان النموذج التقليدي للعلم هو النموذج النهائي الناضج الذى يستطيع حقا أن يوصلنا غلى معرفة معرفة متكاملة ومحققة بالإنسان والمجتمع البشرى ، أو أنه مجرد شكل من الأشكال الممكنة للبحث عن الحقيقة نشأت استجابة لظروف مكانية وزمانية خاصة جدا ، مما يترتب عليه الجزم بأن خروج العلوم الاجتماعية من ورطتها الحالية يتطلب ما يمكن اعتباره ” ثورة علمية” في المنهج العلمي المستخدم لدراسة الظواهر الإنسانية – على الأقل من النظور الإسلامي.

إننا لن نجيب عن تلك الأسئلة بتأكيدات أو مزاعم من عندنا ، ولكننا سنتوقف عند ما قاله الثقات المختصون في تاريخ العلم الحديث ممن ينتمون هم أنفسهم إلى التيار السائد في الحضارة الغربية المعاصرة ، والذين بدأت تتكشف أمامهم بعض الحقائق التي تستند إليها هذه الدراسة.

المبحث الثاني

الأصول التاريخية والثقافية

للمنهج العلمي الحديث

تقول دائرة المعارف البريطانية في المقال المتخصص الذى أوردته حول (14) موضوع ” تاريخ العلم ” والذى يستعرض فيها مؤلفه احدث ما توصل إليه الباحثون في هذا الموضوع :

” إن مؤرخي العلم كانوا حتى وقت قريب ينظرون لتاريخ العلم على أنه سلسلة متصلة ومتراكمة من الانتصارات العظيمة التي حققتها المعرفة ضد الجهل والخرافة ، وأنه قد ترتب على التطبيق العملي لتلك الانتصارات إثراء كبير في حياه البشرية ثم يعود المؤلف بعد ذلك ليقرر أن مؤرخي العلم الآن يعيدون النظر في هذا التصور المبسط القديم في ضوء ما تكشف لهم أخيرا من ” أن العلم يواجه شكليات اخلاقية ( أدبية) في داخله ، إضافة إلى وجود قوى خارجية تغط على العلم وتؤثر على تطوره من خارج ، ثم إن هناك أيا المخاطر المترتبة على التغير التكنولوجي الذى لا ضابط له”.

ويقرر جيروم رافيتز مؤلف المقال أن مؤرخ العلم سرعان ما يتبين له أن فكرة ” العلم ” بالصورة التي تعلمها خلال دراسته ليست إلا واحدة فقط من بين عدد من ” التصورات الممكنة ” للعلم ، وأن هذه الصورة التي نعرفها ليست إلا نتاجا لظروف مؤقتة ( أو عارضة) ، وأن المؤرخ كلما زادت تعقيمه في دراسة جذور العلم الأوروبي الحديث كلما ازدادت الصعوبات التي تواجهه عندما يحاول الفصل بين ما يعتبر اتجاهات علمية ونتائج محققة واقعيا من جانب وبين ما يبدو له  غير علمي وغير محقق من جانب آخر ، وينتهى من ذلك إلى القول بأننا ينبغي أ ننظر إلى علمنا ( الحديث) على أنه أحد مراحل علية مستمرة من التطور.

ويقدم رافيتز الدليل التاريخي الناصع على صحة ما ذكر من خلال التتبع المنظم للحقب التاريخية المختلفة واصفا للصورة التي اتخذها العلم في كل عصر منها ، ومحللا العوامل التي ساعدت  على تشكيل تل الصورة ، حتى ينتهى إلى الصورة الأخيرة ” للعلم ” الحديث بالمعنى المتداول بيننا الآن.

وسنحاول  في هذا المبحث أن نتتبع مع رافيتز وغيره ممن كتبوا حول هذه القضية الحيوية من علماء الحارة الغربية أنفسهم للتحولات والمراحل التي مر بها  العلم منذ كان جنيا في رحم الفلسفة على أن وصل إلى صورته الفتية الحالية ، مبينين الظروف التي أحاطت  بتلك التحولات ، حتى يتبين للباحث المسلم حقيقة المنهج العلمي المعاصر ، وأنه ليس بذلك المنتج النهائي الصادق بذاته الذى لا يحتمل التعديل ولا يخضع للنقد ، بل يتضح له أنه إسهام ” بشرى ” بكل ما يحتمله هذا التعبير من عظمة وضعف في آن واحد ، بما يسوغ لنا أن نستفيد من جوانب القوة والحق فيه ، فنحن أولى بالوقوف عند الحق م غيرنا ، وأن نقوم بأمانة النقد والإصلاح لنواحي الضعف فيه ، ونحن أولى مرة أخرى من غيرنا بأن تكون لدينا الشجاعة الأدبية والرغبة في الإصلاح دون مصلحة ذاتية ودون مراعاة للخلق – بل مراعاة في الأمر كله لوجه الحق وما يرضى الرب سبحانه. فإذا بدأنا رحلتنا بالعصور الوسطى من أوربا ( والتي تمتد فيها بين القرن الرابع او الخامس الميلادي  إلى القرن الثالث عشر الميلادي) فإننا لن نجد تراثا علميا يستحق الذكر إلا في نهاية تلك الحقبة ، حيث يذكرنا جيروم  رافيتز أن أوربا ظلت سادرة حتى عام 1000 الميلادي فيما يعرف بالعصور المظلمة Dark Ages  التي كادت تكون – حسب تعبيره – خلوا من كل علم وفكر، إلى أن بدأ شيء من النهوض في القرن الثاني عشر الميلادي يرع كما ذكر إلى “الاحتكاك بالحضارة الإسلامية الأرقى في أسبانيا وفلسطين ، وإلى نمو المدن التي تضم طبقة من الأغنياء المتعلمين ” ، ويضيف بعد ذلك قوله ” إن الحضارة الإسلامية تعتبر أكثر الحضارات صلة بالعلم الأوربي … لقد صادفت عصور ازدهار الإسلام عصر انحطاط الثقافة الأوربية الغربية …. ولم يبدأ القرن العاشر الميلادي حتى كانت اللغة هي لغة العلماء لدى الشعوب فيما بين بلاد فارس وإسبانيا ، حيث جلب الغالبون العرب بصفة عامة معهم السلام والازدهار للدول التي استوطنوها … وقد شهد القرن الثاني عشر الميلادي برنامجا هائلا لترجمة الكتب من اللغة العربية إلى اللاتينية بدأت بكتب التنجيم والسحر ثم بكتب الطب وأخيرا بكتب الفلسفة والعلم (15) ، ويلاحظ هنا أنه لم يكن يوجد حتى ذلك الوقت تمايز أو فصل واضح بين الفلسفة والعلم بعناه المستخدم اليوم.

ويوضح أبرت ليفى في مقاله الهام عن ” تاريخ الفلسفة الغربية ” في دائرة المعارف البريطانية أن ترجمة المؤلفات الفلسفية والعلمية ذات الأصول اليونانية والعربية قد خلفت ” انفجارا في المعرفة ” في غرب أوربا في تلك الفترة ، ويضرب مثلا بابن سينا الذى يذكر انه كان له ” تأثير غير عادى على مفكري العصر المدرسي) (أواخر العصور الوسطى : القرن الثاني عشر إلى الرابع عشر الميلادي) خصوصاً في توضيحه لآراء أرسطو الفلسفية وفى إضافاته في محيط علم النفس والنطق والفلسفة الطبيعية ( ما يعادل العلوم الطبيعية اليوم) حتى إن كتابه القانون في الطب قد ظل حجة في الموضوع حتى العصر الحديث ، ويبين المؤلف أن تلك الكتابات اليونانية والعربية قد كان لها تأثير مباشر على جامعة أكسفورد من خلال رئيسها روبرت جروستست Roert Crosstest  ( المتوفى عام 1253 م) أما تلميذه روجر بيكون ( المتوفى 1292م) فقد ساعدت كتاباته على انتشار اصطلاح ” العلوم التجريبية ” (16).

ولقد كان ألبرتوس ماجنوس (  المتوفى 1280م) من ” أوائل من أدركوا القيمة الحقيقية للكتابات العلمية والفلسفية اليونانية والعربية التي ترجمت حديثا في تلك الفترة ، حتى أنه قام بإدراج كل ما رآه ذا قيمة منها في كتاباته الموسوعية ، كما تولى مهمة تعليمية لمعاصريه ” ن أما تلميذه الأشهر القديس توماس الأكوينى ( المتوفى 1274) فإنه قد شارك أستاذه في تقدير الفلاسفة القدماء خصوصا أرسطو وكذلك في تقدير المفكرين العرب واليهود والأقرب عهدا “ولكنه كان اكثر أصالة وإبداعا من أستاذه وكان يرحب بالحقيقة حينما وجدها ويستخدمها لإثراء الفكر المسيحي ، فكان يرى أنه لا يمكن أن يكون هناك تناقض بين العقل والنقل لأن لهما جميعا نفس المصدر الإلهي” ، وبصفة عامة فإنه يمكن القول بأن ” فلسفة العصور الوسطى قد استمر توجهها دينيا ….حيث كانت وسيلة لإلقاء الضوء على حقائق العقيدة وأسرارها ” (17).

­­­ولقد كان من نتائج بزوغ الاهتمام الكبير بفهم طبيعة وإدراك أسرارها م جهة ، وباستخدام النظر والمشاهدة وإجراء التجارب بدلا من مجرد الاقتصار على القياس الصوري الأرسطي من جهة أخرى ظهور ما يسمى بعصر النهضة الأوربية Renaissance (القرن 15-17م) الذى تميز بثورة علمية كبرى في مختلف ميادين  العلم على ايدي أمثال ليوناردو دافنشي وكوبر نيكوس وجاليليو وكلبر وفيزاليوس وهارفى ، كما تميز بثورة موازية في مناهج البحث العلمي والفلسفي على أيدى أمثال فرانسيس بيكون وديكارت ، وقد ترتب على جهود هؤلاء التوصل إلى نظرة واقعية جديدة للعالم الذى نعيش فيه اختلف عما كانت الكنيسة تؤمن به وتفسر به آيات الإنجيل ، فبدأ صراع عنيف ومرير بين الكنيسة كمؤسسة ذات سطوة دينية وسياسة كبرى من جانب وبين العديدين من العلماء الذيم توصلوا إلى نتائج مبنية على ملاحظاتهم الحسية وتجاربهم العلمية من جهة أخرى ، وقد قامت الكنيسة في إطار ذلك الصراع بمعاقبة أولئك العلماء بشدة وعنف بالغين ، وقامت محاكم التفتيش بدورها المشئوم في التنكيل بهم بالصورة التي تحفل الكتابات التاريخية بأخبارها ، وإذا كان هذا التعنت والعنف البالغان اللذان أصبأ رجال الفكر والعلم قد أجبرا بعضهم على السكوت فترة أو حملا الآخرين على إخفاء آرائهم تحسبا من نفس المصير فترة أخرى ، فإنه كان من المحتوم ان تنتصر الحقائق الواقعية الناصعة على التأكيدات الكنسية المخالفة للواقع المحسوس  مهما كانت سلطة من يروجون لها ، ولقد كان الحصار المر لهذا كله في النهاية أن الفكر في عصر النهضة قد اتسم  زوز بنزعة معادية للسلطة الدينية كما اتسم برغبة جامحة للخلاص بكل طريقة ممكنة من الخضوع للقيادة الفكرية والعلمية لتلك السلطة الدينية ، ومن هنا فلم يكن هناك مفر من إعطاء اهتمام خاص لأى مصدر آخر للحقيقة يكون بديلا عن السلطة الدينية للكنيسة ، وكلما كان هذا المصدر  مؤديا إلى معارف معارضة أو مناوئة لتلك السلطة كلما كان ذلك أفضل ن التركيز على ” الخبرة” الإنسانية واستخدام ” الحواس” كأساس للمعرفة العلمية الحقة ؛ لأن ذلك يعطى الإنسان قيمته وحريته (بل ويبالغ في ذلك أيما مبالغة) من جهة كما يقلل من قيمة المصادر الإلهية إلى أقصى حد من جهة أخرى.

يقول البرت ليفي (18) إن ” عصر النهضة قد اعلن التمرد على حكم الدين، إن ” عصر النهضة قد أعلن التمرد على حكم الدين ، ومن هنا كانت الثورة ضد الكنيسة ، وضد السلطة ، وضد الفكر المدرسي ( المسيحي) ، وضد أرسطو ، وازدهار اهتمام مفاجئ بالمشكلات التي تدور حول الإنسان والطبيعة والمجتمع البشري ، كما يضيف رافيتز أن عصر النهضة : اصبح ينظر للطبيعة نظرة خالية من أي خصائص روحية او بشرية  بل  تجب دراستها بتعقل وبطريقة غير شخصية Impersonal  باستخدام الخبرة الحسية والعقل ” …… ولم ينته القرن التاسع عشر إلا وكانت البيئة الثقافية في أوربا – بما فيها العلم – قد اتخذت طريقها بقوة في اتجاه العلمانية الكاملة” (19).

ولقد كان للسير فرانسيس بيكون – الذي يعتبر أبا العلم الحديث – دور بارز في توجيه العلم في اتجاه الاقتصار على الخبرة الحسية فلقد أراد الرجل أن يصنع برنامجا جديدا شاملا لتقديم المعرفة وإصلاح المنهج العلمي وذلك من خلال ” اعتبار الحقائق التي يتم مشاهدتها بالحواس (Empirical) هي نقطة البداية لكل علم، مع الاعتماد على النظريات فقط في الحدود التي يمكن اشتقاقها من تلك الحقائق ” (20). ومن هنا فقد أصبح ينظر لبيكون على أنه أيضا أبو الاتجاه الحسي” Empiricismأي المتطرف في الأمبيريقية وذلك بسبب إصراره الذي لا يلين على اعتبار الخبرة المستمدة من المشاهدة الحسية المصدر الصحيح ” الوحيد ” للمعرفة.

ويقابل بيكون عل الطرف الآخر ( الذي يقلل من شأن الحس) رينية ديكارت الذى يعتبر أبا للاتجاه العقلاني Rationalism  ، والذى رأى أن العلوم الطبيعية ينبغي أن تؤسس على معيار اليقين المطلق ، وان ” المعايير النهائية لصدق الأفكار وصحتها هي الوضوح والدقة وامتناع التناقض … وأن الفهم أرقى بشكل كبير من معطيات الحس … وأن العقل البشري فقط هو الذى يستطيع الحكم على العلم بالصدق ” (21).

ورغم أن أي مناقشة جادة للمنهج العلمي – كما يقول ليفي (22) – تتضمن بالضرورة بعدا حسيا إمبريقيا  Empiricalوبعداً رياضياً عقلانياً Rational  وانه ليس هناك ما يدعو للصراع بين هذين البعدين الرئيسين ، إلا أن كلا منهما يمثل قطباً مغايراً يسهل التطرف في تقدير مكانته مع التقليل من أهمية القطب الآخر أو استبعاده ( في الحالات الشديدة التطرف ) ، كما سنرى فيما بعد فإن تاريخ العلم فيما بعد فإن تاريخ العلم في العصور التالية يشهد بالمدى الذي وصل إليه الحسيون (الإمبريقيون ) خصوصا في تطرفهم في اتجاه عدم الاعتداد إلا بالخبرة والمشاهدة الحسية كأساس لكل علم – بل ولكل معرفة !! ولكن الذي يهمنا أن نؤكد عليه الأن هو ان كلا من الاتجاهين كان يمثل محاولة مستميتة من جانب رجال العلم والفكر للتوصل إلى إيجاد – وإثبات مشروعية – طرق أخرى للوصول إلى معرفة صحيحة بخلاف ” الوحى ” الذى احتكر التحكم في فهمه وتفسيره رجال الكنيسة المسيحية أرادوا فرضه كرها على العلماء على الوجه الذى دونوه في كتبهم المقدسة وفي تفسيراتهم لتلك الكتب مدعمين في موقفهم بالقوة القهرية للدولة وبالسيطرة الدبية على عقول الدهماء دون سند من  الواقع  أو العقل ، ويبدو أن رجال العلم الوليد قد وجدوا ضالتهم فيما قدمته الحضارة الإسلامية من استخدام للملاحظة والتجريب والعقل والمنطق في الوصول إلى الحقيقة ، يشهد بذلك ما قال رافينز في مجال توضيحه ” لطبيعة العلم الأوروبي ” حيث يقول : ” يمكن تفسير الشخصية المميزة للعلم الأوروبي في ضوء الظروف التي عمل في نطاقها العلماء في هاتين المرحلتين المتعاقبتين ( عصر النهضة – عصر التنوير)  في ضوء المادة و الأدوات التي ورثوها ، والتي تشمل المبدأ الأساسي المتمثل في ان معرفة العالم الطبيعي إنما تكون من خلال حجج يمكن البرهنة عليهاDemonstrative Argument ، وهو مبدأ تحقق أولا في الحضارة اليونانية ثم التقطته الحضارة الإسلامية وحدها دون أي حضارة أخرى) (23).

وإذا كان عصر النهضة قد أفلح في وضع حجر الأساس لمعرفة علمية لا تستند إلى سلطة رجال الدين المسيحي مبنية على مشاهدات الحواس – في إطار النزعة الحسية الإمبريقية – وعلى عمل العقل – في إطار النزعة الحسية الإمبريقية – وعلى عمل العقل – في إطار النزعة العقلانية – فإن عصر التنوير Enlightenment  ( القرن 18 الميلادي) قد ” أدخل العلم في مجال السياسة لأول مرة … وتمثلت رسالته في النضال ضد الكنيسة وعقائدها الجامدة وضد الخرافات الشعبية ، مع استخدام حقائق العلم وطرقه العقلانية كسلاح أساسي في هذا السبيل …

وقد انضم للفلاسفة أفضل العقول في فرنسا وساعد على ذلك كراهيتهم للرقابة الغبية المفروضة على الفكر … وقد اعتبر هؤلاء أن مهمتهم هي استكمال جهود بيكون في الارتقاء بالمعرفة العلمية ولكنهم قاموا بذلك بأسلوب ديكارت الذى يخضع كل شيء سواء كان اجتماعيا أو فلسفيا لنقد العقل … ولكن صفوف الحركة سرعان ما انشقت إلى فرق…. ومع ذلك فقد كانت نقطة الاتفاق فيما بينهم هي أن عدوهم الأول هو الكنيسة” (24).

وعلى أي حال فإن الصراع في أوساط العلماء ظل محتدما بين الحسيين والإمبريقيين من جانب والعقلانيين من جانب آخر ، وكان الأمبريقيين دائما اكثر ميلا للتطرف في الاعتماد على معطيات الحس والثقة بها واكبر قدرة على اجتذاب النصار ، فوجدنا دافيد هيوم يتابع جون لوك في نظرته ” النفسية” للمعرفة فقرر أن ” الأصل في المعرفة هو الانطباعات الحسية” . ولكنه تجاوز ذلك إلى القول بأن العلاقات التي يصل إليها العقل ” مثل علاقات التشابه والتقارب والسببية.

ليست ذات صدق ذاتي داخلي ولكنها مجرد نتيجة لعادات عقلية لا نستطيع تفسيرها “، وقد رتب على ذلك أن مبدأ العلية الذى يستند إليه كل معرفة لا يشير إلى علاقات ضرورية بين الأشياء وإنما هو ببساطة أمر يعرض للعقل بسبب الترابط الدائم بين الأشياء في عقول الناس، وفوق ذلك فإن العقل نفسه هو أبعد شيء عن أن يكون قوة مستقلة ، فهو عبارة عن ” رابطة من المدركات” A Bundle of Perception  دون وحدة أو ترابط ، ومن هنا فإن هيوم يكون قد أنكر من جهة وجود نظام في الطبيعة ( وإنما مجرد انطباعات حسية متفرقة) كما أنكر وجود ذات مدركة ذات وحدة أو تماسك من جهة أخرى .(25).

وقد حاول عما نويل كانط التوفيق بين الاتجاهين الحسي والعقلاني من خلال فلسفته النقدية التي تقرر أن المدركات الحسية وحدها لا يمكن ان توصلنا إلى  معرفة بالظواهر الطبيعية الخارجية عنا (على الوجه الذي يظنه أصحاب الاتجاه الحسى) ، كما ان تلك الظواهر ليست واضحة بذاتها Self – evident  أمام عقولنا ( على الوجه الذى ينادي به أصحاب الاتجاه العقلاني ) ، ولكن المعرفة بالعالم الطبيعي من حولنا تكون ممكنة عندما ” يصل العالم إلى نسق عقلي متماسك من التفسيرات التي تطابق الواقع الأمبيريقي” ، أي ان كانط يرى أن الإنسان يفرض بناء عقليا على معرفته من خلال المفاهيم والفئات التي يأتي بها من عنده لتشكيل خبرته الحسية وتفسيرها ، ولقد أثبت هذا التفكير الكانطي خصوبة متناهية لأنه ساعد على تحليل عملية بناء النظرية ، واستمر تأثيره على ما يزيد على مائة عام بل وغلى اليوم من بعض النواحي (26).

يرى البعض أن القرن التاسع عشر الميلادي يعتبر العصر الذهبي للعلم ‘ ذلك أن تطبيقاته العلمية في مجالات الصناعة والطب كانت قد ظهرت آثارها بشكل كبير ، مما رفع مكانة العلماء ودعم موقفهم ضد جمود رجال الدين المسيحي ، واستمر في ذلك القرن باستخدام  الحقائق العلمية ومنهج البحث العلمي في الصراع ضد الوصاية الفكرية للكنيسة ، ” ذلك أن ذكرى محاكمة اليليو كانت لا تزال حية في الأوساط العلمية ، كما زاد الجدل الدائر حول الدارونية في إنجلترا من قوة هذا الصراع الأيدولوجي لدرجة معتنقي المسيحية من الليبراليين كانوا يناصرون الملاحدة ضد الملتزمين بالدين المسيحي “(27) ، ولكن هذا القرن قد شهد تطورات هامة فيما يتصل بالدراسات الاجتماعية ظلت آثارها معنا حتى الوقت الحاضر على الوجه الذى نبينه الآن.

لقد انصبت دراستنا لتاريخ العلم والمنهج العلمي حتى الآن بصفة أساسية على العلم الطبيعي وبدرجة أقل على دراسة الإنسان وفهم سلوكه الفردي أو الاجتماعي ، ولقد نادى الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بتطبيق نفس قواعد المنهج العلمي المستخدم في العلوم الطبيعية في دراسة الظواهر الاجتماعية ، وانطلق في ذلك من نزعة إمبريقية ( حسية) متطرفة سار فيها على نهج بيكون ولوك وهيوم مبشرا بما سماه بالفلسفة الوضعية   Positivism التي  وصفها البعض بانها ” فلسفة للعلم بلغت من ضيق النطاق حدا انكرت معه أي صدق لأى نوع كان من المعرفة لم يتم التوصل إليه بالمناهج  العلمية المقبولة ” (29) بقولهما ” إنها موقف فلسفى يؤمن بانه لا يمكن الوصول إلى المعرفة إلا من خلال الخبرة الحسية، ويرفض التفكير فيما وراء الطبيعة والبصيرة الحدسية والتحليل المنطقي المجرد باعتبارها تخرج عن نطاق المعرفة الحقة ، وينظر إلى مناهج  العلوم الطبيعية على انها الوسيلة الدقيقة الوحيدة للحصول على المعرفة ومن هنا فإن العلوم الاجتماعية ينبغي أن تقتصر على استخدام تلك المناهج وأن تتخذ العلوم الطبيعية كنموذج تحتذيه”.

والحق أن كونت يعتبر أول من أوضح معالم هذه الأيدلوجية الفلسفية التي اتخذت أبعاد حركة علمية بعيدة الأثر تطور عنها في مراحل تالية ما يعرف باتجاه الوضعية المنطقية Logical Poditivism   والإمبريقية المنطقيةEmpiricism   Logical  .

وبصفة عامة فإن فكرة الوضعية التي استند إليها العلم الحديث تقوم إجمالا على التأكيدات الآتية (30) :

1-       إن كل معرفة تتصل بالحقائق الواقعة لابد أن تبنى على شواهد إيجابية الوجود   Positive من واقع الخبرة.

2-       فيما وراء مجال الحقائق الإيجابية يوجد مجال المنطق البحث والرياضيات البحتة والذى كان هيوم يقول منطلقا من إمبيريقية المتطرفة إنها تهتم بالعلاقات بين الأفكار ” والتي اعتبرت فيما بعد من قبيل العلوم الصورية Formal Science  ( أي تلك العلوم التي تبحث في صور الفكر وليس في المحتوى المادي المتعين للأشياء ).

3-       أما على الجنب السلبي Negative  فترى الوضعية إنكار ما وراء الطبيعة وكل مالا يمكن حسمه بالدليل الواقعي مثل المعارف المتعالية أو المتجاوزة أي التي تتجاوز نطاق العقل Transcendent .

وقد أعلن كونت بناء تحليلاته التاريخية ما سماه بقانون الحالات الثلاث التي زعم ان تطور الفكر البشري يمر بها ، والتي توازي مع المراحل التي يمر بها الإنسان الفرد من الطفولة إلى النضج ، تبدأ اولاها بالمرحلة الدينية التي تفسر الظواهر فيها بإرجاعها إلى قوى قدسية ، وهى عنده تمثل مرحلة الطفولة في الفكر البشري ! أما المرحلة الثانية فهي المرحلة الميتافيزيقية التي لا تخرج عن كونها دينية ولكن بنظرة غير شخصية تفسر فيها الظواهر بقوى حيوية أو غيبية لا تقدم تفسيرات أصلية في رأيه (كالحقيقة المطلقة والأسباب الأولى والبدايات المطلقة) ، اما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الوضعية او العلمية التي لا تهتم إلا بالحقائق الإيجابية من حيث وجودها في الواقع المحسوس .

ومن هذا نرى مع فيجل أن ” الوضعية من حيث موقفها الأيديولوجي الأساسي إنما هي علمانية قاصرة على هذه الحياة الدنيا ومعادية للدين وللبحث فيما وراء الوجود ، وأن أهم شروط الوضعية إنما هو الالتزام الصارم بشهادة الملاحظة والخبرة” ، كما يضيف ليفى (31) ، إلى ذلك الأثر الدائم الذى تركه كونت يتمثل في انه قد أنشأ توجها مضاد للدين ولما وراء الوجود في فلسفة العلوم استمر معنا حتى العصر الحاضر ، ولعل ما يجدر ذكره هنا اوجيست كونت قد أسس ” ديانة” جديدة لم تعمر طويلا لم تكن العبادة فيها موجهة إلى الإله الذى يتعبده الموجودون وإنما موضع العبادة فيها هو الإنسان.

وقد شهدت بدايات القرن العشرين ظهور ما يسمى بالوضعية المنطقية Logical Positivismالتي بنيت على التوجهات الإمبريقية المتطرفة لهيوم والتوجهات الوضعية التي وجدناها عند كونت إضافة إلى فلسفة العلم عند إيرنست ماك ، ويعرف القاموس الحديث لعلم الاجتماع (32) الوضعية المنطقية على انها ” موقف فلسفى تطور عن الوضعية يؤمن بأن الحق في أي عبارة يثبت بالتحقيق من صدقه من خلال الخبرة الحسية ، وأن أي عبارة لا يمكن التحقق من صدقها بالرجوع إلى الخبرة الحسية كالعبارات الدينية او المتصلة بما وراء الطبيعة فإنها لا معنى لها Meaningless   … ولما كانت هناك حاجة إلى التحليل المنطقي لتوضيح المعاني التي تم التحقق من صدقها أو تم رفضها باستخدام الخبرة الحسية ، إلا أن مثل تلك التحليلات المنطقية ينبغي ان تبقى وثيقة الصلة بالملاحظات الإمبريقية ،( ومن هنا) فإن بناء النظريات ينبغي أن يقلل منه إلى أدنى حد ممكن”.

ومن هنا فإن الوضعية المنطقية تقوم على الأفكار الأساسية الآتية (33):

1-       إن المهمة الأصلية للفلسفة هي توضيح معاني المفاهيم والتأكيدات الأساسية للعلم ، وليس محاولة الإجابة على الأسئلة التي لا إجابة لها مما يتصل مثلا بطبيعة الحقيقة المطلقة أو غيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى.

2-       جميع العبارات المتصلة بالقيم الأخلاقية او الجمالية أو الدينية لا يمكن التحقق منها علميا ، وبذلك تعتبر كلاما فارغا ( أي لا تحمل أي معنى يرتد للحقيقة على وجه الإطلاق).

3-       معنى كلمة ” منطقية” في اصطلاح الوضعية المنطقية يقصد به التأكد على الطبيعة الخاصة للحقائق الرياضية والمنطقية التي تعتبر صحيحة بنفس المسلمات والتعريفات التي تقوم عليها.

وأخيراً فإن الثلث الثاني من القرن العشرين قد شهد تحولاً نحو استخدام اصطلاح الإمبريقية المنطقيةEmpiricism   Logicalبدلا من ” الوضعية” وذلك لأن هذا المفهوم الأخير قد أصبح مرتبطاً بشدة بتفكير أوجيست كونت ، وأيضاً بآراء إيرنست ماك الذى بلغ بشدة في التأكيد على الحقائق الإيجابية للملاحظة حتى أنه اتخذ اتجاها معاديا لفرض وجود ” الذرة” في علم الطبيعة على أساس أنه لم يكن من الممكن مشاهداتها بالحواس ، ومع ذلك فإن الفكر الجديد قد احتفظ من الوضعية بإصرارها على ضرورة اختبار الفروض والنظريات في الواقع الإمبريقي ، ومن هنا صارت التسمية ” بالإمبريقية”، في نفس الوقت الذى استخدمت فيه تسمية ” المنطقية” للدلالة على مكانة المنطق والرياضيات التي يتوقف صدق قضاياها على صحة المسلمات والتعريفات كما ذكرنا من قبل (34).

ويلاحظ أن الإمبريقية المنطقية تمثل النموذج ” السائد” اليوم في فلسفة العلوم (35) بصفة عامة وهي لذلك تستحق وقفة خاصة لبيان طبيعتها، وقد أوضح ليفى (36) الأفكار الأساسية للإمبيريقية المنطقية كما يلي:

1-       كل كلام ” ذي معنى” يتكون من:

أ‌-           عبارات ” صورية” منطقية أو رياضية.

ب‌-       قضايا تشير إلى حقائق علمية ” واقعية”.

2-       أي قضايا تزعم او تشير إلى حقائق يكون لها معنى فقط إذا كان في الإمكان بيان الطريقة التي يمكن بها التحقق منها بالرجوع إلى الواقع المحسوس.

3-       أي قضايا تتصل بما وراء الوجود ولا تقع في نطاق الفئتين المذكورتين أعلاه لا معنى لها.

4-       جميع العبارات المتصلة بالقيم الأخلاقية أو الجمالية أو الدينية لا يمكن التحقق منها علميا وهي بهذا لا معنى لها.

هذا هو النموذج السائد في فلسفة العلم اليوم، وتلك هي الظروف التي وصل إلينا من خلالها ولقد قصدنا بهذا العرض التاريخي تطور فكرة ” العلم” في الحضارة الغربية في سياقها الواقعي أن نضع أساسا يمكن في ضوء القيام بمناقشة متأنية تفصل ما هو أصيل عما هو عارض فيما يتصل بالعلم والمنهج العلمي، بما يمكننا من اتخاذ الموقف الصحيح من كل منها.

     

المبحث الثالث

أثر التاريخ والبيئة والثقافة

في تشكيل المنهج العلمي الحديث

لا يمكن لأى منصف ان يزعم أن كل نشاط فكرى او علمي لا يخرج عن كونه مجرد انعكاس خالص للظروف التاريخية والبيئية و الثقافية التي أحاطت بظهور ذلك النشاط وتطوره (وإن كان هناك من العلماء من يرون هذا بالفعل) ، وقضايا المنهج باعتبار طبيعتها ” العامة” في خدمة كل العلوم أولى من غيرها بأن تتجافى مع الخضوع للملابسات الوقتية او الظروف التاريخية العارضة الضاغطة ، فالمنهج عادة ما يكون بمثابة المحور الذى تدور حوله العلوم المختلفة ، وعليه يعتمد الباحثون والعلماء في الوصول إلى نتائجهم ، وهم لهذا يتوقفون بقوة عند أي تغيير أو حتى محاولة لتغيير أي من المسلمات الأساسية للمنهج ، ومن هنا فإن المتوقع دائما انه من خلال عمليات التصحيح الذاتي التي يتميز بها العلم أن يظل المنهج (نسبيا) بمنأى عن التأثر الشديد بالتيارات التي تتجاذب ما ينتج من تطبيقه من نماذج ونظريات علمية تلك التيارات التي قد تكون شديدة أو حتى عاصفة في بعض الأحيان.

ولو تأملنا التطورات التي مر بها المنهج العلمي في البحث حتى وصل إلى صورته الراهنة ( على الوجه الذى عرضناه في المبحث السابق ) فغننا لن نملك إلا الإعجاب بالجهود التي بذلها العلماء والباحثون في كثير من الحيان ” للخلاص من تأثير”  الضغوط الفكرية التي مارستها الكنيسة عليهم ، متحملين ما يلحقهم في سبيل ذلك من قهر وعنف ( يصل أحيانا إلى حد تقييد الحرية بالسجن أو تجريم نشر المؤلفات ويصل أحيانا للتهديد بالموت او لتنفيذ ذلك التهديد) تمسكا بما وجدوا انه الحق من خلال مشاهداتهم الواقعية التي لا يمكن لعاقل أن يتشكك فيها ؛ اللهم  إلا أن يكون ذا مصلحة أو صاحب هوى ، وقد تمخض عن مجادلة هؤلاء العلماء الأفذاذ ومثابرتهم ومقاومتهم لتأثيرات البيئة وضع قواعد المنهج العلمي الأوربي الحديث  والذى جعل في الإمكان تحقيق التقدم التقني ( التكنولوجي) الذى يجنى ثماره الناس اليوم ( في جوانبها الخيرة).

ولك هل سلم هؤلاء العلماء الأفذاذ حقا من تأثير الضغوط الثقافية والبيئية التي جاهدوا لمغالبتها ونجحوا في النهاية في الانعتاق من ربقتها بالكلية ؟ هل يمكننا القول بأمانة إن المنهج العلمي الأوربي الحديث بصورته السائدة اليوم هو حقا مجرد نتاج لسعى متجرد للبحث عن الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة؟ إن الكتابات الأكاديمية والمراجع الجامعية حول المنهج العلمي تصوره على غير ذلك الوجه الذى يبدو به،….. يصدق في كل مكان وزمان …. كما لو كان نشأ أو تشويش – فهل نستطيع أن نسلم بهذا المنطق ونحن نتأمل أبعاد وتطور المنهج العلمي في إطاره التاريخي والثقافي الذى عرضنا له في الصفحات السابقة؟

وفى الحقيقة فإن إعجابنا بما حققه المنهج العلمي للبحث من إنجازات رائعة في العلوم الطبيعية ، واحترمنا لإسهامات أولئك العلماء الأفذاذ الذين جاهدوا حتى توصلوا لتوصيف أبعاد هذا المنهج وإقامة اركانه لا ينبغي ان تلفتنا عن الجانب الآخر للصورة – كما أوضحنا في الصفحات السابقة – والذى يتمثل في ان أولئك العلماء في غمرة غيرتهم في طلب الحقيقة وفى إطار حماسهم لمقاومة المؤثرات قد تجاوزوا الحقيقة ووقعوا تحت تأثير المؤثرات من وجه آخر.

فلقد أدى التخاصم والعداء الشديد بين رجال العلم ورجال الكنيسة في الظروف التاريخية التي سبق عرضها إلى استبعاد الوحى كمصدر للحقيقة استبعادا كليا ، اكتفاء بالرجوع إلى الواقع “المحسوس ” كمصدر وحيد للمعرفة ” العلمية” ، مما أدى إلى فصام بين طريقين للمعرفة كان يمكن لو توحدا ( في إطار ديني مختلف كما في حالة الإسلام) ان يؤدى توحدها ذلك إلى الخروج من الطريق المسدود الذى تجد العلوم الاجتماعية نفسها امامه اليوم؛ تلك العلوم التي تتعامل مع ظواهر هي في بعض جوانبها غير إمبريقية بالإضافة إلى جوانبها الأمبريقية التي اختص العلم الحديث نفسه بالعمل في محيطها ، ولكن أنى لأولئك العلماء القبول بوحدة حقيقية ( بمعنى الجمع بين الوحى والمشاهدات الواقعية) إذا كان ما يأتيهم باسم الوحى – في تلك الظروف التاريخية – لا يمكن بأي حال التوفيق بينه وبين المشاهدات الواقعية المحققة ، وإذا كانوا يقهرون للتسليم بما يرى رجال الكنيسة أو الوحى الذى لا محيص لهم عن الالتزام به وغن أرادوا ان يظلوا في ساحة المؤمنين بالمسيح وأن يحققوا لرواحهم الخلاص الأبدي ، وأنى لهؤلاء العلماء أن يتصوروا  وجود بدائل أخرى من ” الوحى ” الصحيح الذى عانوا هم  من آثاره حتى نتوقع منهم أن يتجهوا ببحثهم إليها ؟

إننا في تلك الظروف نستطيع أن نتفهم السبب الذى من أجله اندفع أولئك العلماء اندفاعا عظيما في اتجاه اعتماد المشاهدات الحسية الأمبريقية والبعد عن كل ما يمت إلى الوحى والشرع بصلة ، ولا يستطيع منصف أن يلومهم على عدم قدرتهم على تجاوز حدود الزمان والمكان لاستشراق ظروف أخرى يمكن فيها ( بسهولة شديدة) تحقيق التكامل والتناغم بين معطيات الوحى ومعطيات الحواس كتلك التي توفرها العقيدة الإسلامية ، خصوصا وأن أولئك العلماء كانوا متهمين فقط بما لدى المسلمين في عصور ازدهارهم من علوم وتكنولوجيا متقدمة ( يمكن التحقق من صدقها إمبيريقيا) أكثر من اهتمامهم بما لدى المسلمين من عقيدة وشريعة . ويبدو هذا أمامنا بوضوح إذا تذكرنا أن المفكرين والفلاسفة الأوائل الذين نقلوا العلوم الإسلامية إلى الغرب كانوا هم أنفسهم من رجال الدين المسيحي الذى كانوا يحسون بطورة العقيدة الإسلامية على معتقداتهم كما عبروا هم انفسهم عن ذلك (راجع المقالات المتصلة بتاريخ العلم التي سبقت الإشارة إليها).

ولكن التماسنا العذر لأولئك العلماء لا يعفى نفرا آخر منهم تجاوزوا كل الحدود من حيث المغالاة في تلك النزعة الامبيريقية  بما لا يعتبر خدمة للعلم بقدر ما يعبر عن شخصية العالم نفسه أو عن شخصية العالم نفسه أو مصلحته الضيقة ، حتة أدى ذلك بهم إلى التوقف عما لا يستحق التوقف فيه ، وأوضح مثال لذلك موقف ايرنست ماك عالم الطبيعة النمساوي وويلهلم أشتوالد مؤسس علم الكيمياء العضوية ومن شايعهم ممن توقفوا عن القبول “بفكرة” وجود الذرة في الواقع بناء على نظرتهم  الوضعية المتطرفة في امبيريقيتها ، حيث يرى ماك مثلا أن ” كل معرفة حقيقية إنما تتكون فقط من تنظيم وتدقيق لما تقدمه .. الخبرة المباشرة من بيانات” ….ولما كان لا يمكن رؤية الذرة بالعين المجردة أو الناظر المكبرة ( في ذلك الوقت) فقد اعتبر الوضيعون فرض وجود الذرة مجرد ” خيال مريح” على أحسن تقدير أو فرضا غير شرعي على أسوأ تقدير .وتمثل هذه الفصلية من الوضعيين الذين رفضوا التسليم بوجود الذرة في الطبيعة أحد الاشكال المتطرفة لتخويف الوضعية من أي شيء لا يمكن ملاحظته ، فالحجر عندهم مثلا ليس إلا مجموعة من الصفات التي تنطبع على الحواس كصفات الصلابة واللون والكتلة ، وهم يرفضون فكرة وجود مادة أو شيء يمكن وراء تلك الصفات الحسية ، فإذا سألتهم عما يتبقى من ذلك شيء الذى نلاحظه ( الحجر) إذا تصورنا أننا جردناه من تلك الصفات المدركة بالحواس فإن إجابتهم أنه لا يتبقى هناك شيء (37).

وفي مقابل أصحاب النظرة الإمبريقية المتطرفة Empiricists  وجدنا فريقا آخر  من العلماء تطرفوا في الاتجاه العقلاني Rationalists” ينكرون أن تبدى الحقائق الإمبريقية الخام بذاتها وفى ذاتها أي علاقات يمكن فهمها أو تحكمها اى قوانين ضرورية….. فالخبرة العارية التي يحصل عليها العالم من ملاحظة الظواهر الطبيعية تظل عبارة عن تجمع غير منظم أو سيال حتى يستطيع العالم ان يكتشف إطارا عقليا أو مبدأ يربط بع بين هذه الحقائق المفككة وبين إطار كلى أقرب للفهم” (38).

وفي ضوء ما تقدم يتبين لنا بوضوح ان المنهج العلمي الحديث إنما هو نتاج عقول بشرية تسعى للوصول إلى الحقيقة في حدود ظروف الزمان والمكان ، وفي حدود قدرة البشر ( أو عدم قدرتهم) على التحرر من ضعفهم الإنساني ومن تأثيرات علاقاتهم الاجتماعية والمهنية وتأثير زملائهم في المجتمع العلمي ، ومن هنا يتضح خطا التصور بان هذا المنهج العلمي الأوروبي الحديث هو خاتمة المطاف في تحديد طرفي السعي للوصول الي الحقيقة ، أو حتى الظن بأن هذا المنهج بصورته الحالية هو ” أفضل الممكن” .

ولعل هذا هو الموقف الذى انتهى إليه جيروم رافيتز بعد تحليل دقيق لتاريخ العلم إذ يقول ط لقد اصبح المؤرخون يرون أن العلم الأوروبي الحديث إنا هو جزء لا يتجزأ من الحضارة ( الغربية) ن وان نقائصه مثل فضائله غنما هي مستمدة من جوانب ( الحياه) الأوروبية التي تضرب في جذورها في طريقة الحياه الغربية  ، فالارتباط وثيق بين بقاء العلم وبقاء الحضارة ( التي تحتضنه) ” ، ثم يضيف موضحا أنه ليس لدينا ضمان في أن تستطيع الحضارة الغربية تحقيق التوافق مع الطبيعة بالشكل الذى يلزم لبقائها ، وان هذا الامر يتوقف جزئيا على خصائص العلم الطبيعة كما تبلور في الحضارة الأوروبية على مدى القرون (39).

ويؤكد هذا المعنى المفكر الشهير جوهان جالتونج في كتابه عن المنهجية والأيدلوجيا (40)إذ يقول إن العلاقة بين بناء العلم والبناء الاجتماعي علاقة تبلغ من القوة لدرجة ان الحديث عن المنهج العلمي دون إشارة إلى البناء الاجتماعي الذى يستخدم في إطاره يعتبر تضليلا ، لأنه يؤدى إلى ادعاءات بأن هذا المنهج عالمي ومطلق Pretenses of Universalism and absolution  مع إخفاء حقيقة أن أي منتج علمي صادق إنما يمثل في الوقت ذاته وإلى حد كبير تصديقا وتدعيما للبناء الاجتماعي الذى تم إنجازه في إطاره ، ويصل ويتكين وجو تشولك إلى قاعدة مشابهة عند الحديث عما ينبغي مراعاته عند تقويم النظريات العلمية أو النظر في أهداف العلم فيقولون إنه ” بنفس الطريقة التي نجد بها النظريات قد تعكس القيم  المتمركزة حول الثقافة المحلية لمن وضعوها … فإن التصورات المتعلقة بأهداف العلم أيضا تعكس المعتقدات الثقافية كما تعكس معايير غير إبستمولوجية” (40).

وينتقد د. فؤاد أبو حطب الاتجاه الذي يتصور أن العلم سواء أكان علما طبيعيا أو اجتماعيا أو إنسانيا ذو طبيعة محايدة ثقافيا بقوله إن هذا الاتجاه ” يتجاهل ما في العلوم من تحيز ثقافي لا يتفق مع الصورة التي تقدمها الدراسات و المسوح التي أجراها علماء النفس في الغرب أنفسهم حول مسيرة هذا العلم” ويستشهد بكاتبات جلجلن وجلجلن عام 1987 التي بينت أهمية ” التنبيه الي الطابع الثقافي ثم الأيدلوجي للعلم وبخاصة العلوم ذات الطبيعة الاجتماعية و الإنسانية ” ، ثم يقرر أن الوعى بهذه الخاصية الثقافية الايدلوجية للعلم عامة قد ظهر خفيا في معظم ما يكتبه فلاسفة ومؤرخو العلم المعاصرون كما ظهر الوعى بها صريحا في علم النفس مع التوجه الأوروبي نحو الوحدة في شكل الحديث عن علم النفس الأوروبي ، كما أشار إلى توجه اليابانيين نحو التأصيل الياباني لعلم النفس مع ظهور اليابان كقوة عظمى(42).

وبناء عل هذه الأدلة الدامغة التي تثبت التأثر الشديد للعلم والمنهج العلمي بالبيئة الثقافية التي يمارس فيها ، بل وبالظروف التاريخية التي نبت فيها فإنه لا يسع للباحث المنصف إلا ان يكون تناوله لهذه القضية منطلقا من افق أوسع يأخذ في اعتباره حقيقة أن نظرة المجتمع للإنسان ولمكانه في هذا الوجود والطريقة التي يختارها المجتمع لحياته وحضارته إنما تضع الإطار العام الذى يتحرك فيه العلم و العلماء مثل غيرهم من الناس ، وان التركيز الضيق على الإجراءات المنهجية وما توحى به من عمومية وعالمية يعتبر إلى حد كبير من قبيل النظرة الميكروسكوبية القصيرة المدى التي تقتصر عن إدراك الصورة في كليتها ، فإذا عرفنا أن العلم الاجتماعي مثلا يواجه أزمة أو محنة في ثقافة ما ( كما هو حادث في الثقافة الغربية اليوم) فإن هذا لا يعنى أن الحال ينبغي أن يكون كذلك في كل الثقافات الأخرى ، وغذا كان ” العلماء” في تلك الثقافة عاجزين عن ” النظر من خارج ” الأطر الثقافية لمجتمعاتهم  إلى العلم و المنهج العلمي لتمحيصها واكتشاف ما إذا كانت مسلماتها القيمية مسئولة عن وجود تلك الأزمة ؛ فليس الحال كذلك بالنسبة للباحثين من ” خارج” تلك الحضارة ممن انتقلت إليهم النماذج الغربية الحديثة عن طريق التقليد ، وإذا كان الفريق الأول قد يعذر لصعوبة المهمة أمامه ( أو حتى استحالتها) فإن الفريق الآخر لا يمكن أن يعذر على إصراره على التقليد وتمسكه بما هو عقيم مجدب مع أن مفتاح الحل قد يكون تحت أقدامه . وسنرى بعد قليل أن تطبيق المنهج “العلمي ” بصورته التقليدية في دراسة الظواهر الاجتماعية قد فشا فشلا ذريعا في تحقيق فهم وتفسير السلوك الإنساني والعلاقات الاجتماعية حتى في محيط الحضارة الغربية؛ مما يجعلنا نقول بلا مبالغة إن ضرر استخدام هذا المنهج بصورته التقليدية في دراسة الظواهر الاجتماعية قد يكون أكثر من نفعه، وأن الأمل في تحقيق أي فاعلية في فهم الإنسان والمجتمع قد يتوقف على الخروج عن نموذج العلم الطبيعي التقليدي وتلخيصه من القيود التي كبلته بها الاتجاهات الوضعية والإمبيريقية.

الفصل الثاني

الأزمة الحالية في العلوم الاجتماعية: مظاهرها واسبابها

المبحث الأول: مظاهر الأزمة

إذا كانت الوظائف الأساسية ” للعلوم” هي الفهم والتفسير والتنبؤ بالظواهر ، وإذا كانت الوظائف الأساسية ” للمنهن هي التحكم في مسار تلك الظواهر والتدخل لإحداث تغييرات مرغوبة فيها، فإن لنا ان نتساءل عن المدى الذى وصلت إليه نظريات العلوم الاجتماعية ونظريات الممارسة في مهن المساعدة الإنسانية فيما يتعلق بكلا من النوعين من الوظائف فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية والتنبؤ بها من جانب ، والتدخل المهني لإحداث تغييرات و إصلاحات مرغوبة فيها من جانب آخر ، وفى الحقيقة ان أي مراجعة او تقييم جاد للمستوى الذى وصلت إليه نظريات العلوم الاجتماعية – التي يفترض انها بمثابه الوعاء الذى يحوى الحصيلة النهائية للنتائج التي توصلت غليها تلك العلوم – في محاولاتها لفهم وتفسير العلوم الاجتماعية تكشف لنا عن ضعف و اضطراب النظريات ” العلمية” في المجال الاجتماعي كما تكشف لنا عن تضاربها الشديد تضاربا يصل في بعض الأحيان إلى حد التسفية الكامل من جانب أنصار بعض النظريات المنافسة ( كما يفعل أصحاب المدرسة السلوكية في علم النفس عادة عند تقويمهم لنظرية التحليل النفسي مثلا) ، وأي مراجعة للكتابات التي تعرضت لتقويم حالة النظرية في العلوم الاجتماعية عموما تكشف عن مثل ذلك التناقض والتضارب والعجز عن التفسير.

يلخص كيت ديكسون مثلا حالة النظرية في علم الاجتماع بقوله (1)” إن أي معرفة بأدبيات نظريات علم الاجتماع عموما تكشف بوضوح ان بناء النظرية في علم الاجتماع – إذا حكمنا عليه بالمعايير المأخوذ بها في العلوم الطبيعية – يفتقر لوجود أي منطق متماسك، فهناك اختلافات كثيرة ليس فقط حول مناهج البحث الاجتماعي، وانما أيضا حول طبيعة علم الاجتماع ذاته … إن بإمكاننا أن نثبت أن علم الاجتماع رغم مضى مائة عام على تحقيقه لدرجة نسبيه من الاحترام الأكاديمي لازال …. لم يتوصل بعد إلى توجه موحد مقبول للممارسة المهنية، وكنتيجة لذلك فإننا نجد امامنا كثرة كاثرة من ” النظريات” المتنافسة …. حيث لم يتم تحقيق السيادة لأي إطار بعينه …. ولم يعد من الممكن أن نغزو هذه الحالة لى الزعم بأن علم الاجتماع لازال في “طفولته” … ففرض حداثة العهد ” الطفولة” لا يفسر لنا شيئا، وإنما هو يشير إلى ” الحالة” التي عليها علم الاجتماع.

فإذا انتقلنا إلى علم النفس فإننا نجد انه يعاني أيضا من تعدد مطلقاته النظرية وتناقضها على خط مستقيم في بعض الأحيان ، كما عبر عن ذلك بوضوح آيزينك وراتشمان إذ يقرران في مقدمة أحد مؤلفاتهما أن علم النفس كما يراه السلوكيون إنما هو فرع تجريبي من فروع العلوم الطبيعية ، وإنهما كسلوكيين يسيران ” في الاتجاه العكسي تماما Exactly Opposite  لاتجاه مدرسة التحليل النفسي (2). ويشير جورج هوارد (3)في مقال هام نشر بمجلة علم النفس الأمريكية في عام 1985 إلى بحوث ونظريات علم النفس كانت حل تساءل شديد على مدى العشرين عاما الماضية ، وينقل عن كوش قوله إن علم النفس قد بنى منهجه العلمي على فلسفة العلم كانت قد تقادم بها العهد وأصبحت مهجورة حتى عند ذلك الوقت (عام 1964) . ويعقد هوارد مؤيدا بقوله إنه إذا كان واطسن مؤسس المدرسة السلوكية قد كتب يوقل إن علم النفس فرع تجريبي موضوعي خالص من فروع العلوم الطبيعية  لا يحتاج إلى دراسة الوعى ( الشعور ) إلا كما يحتاج علم الكيمياء أو الطبيعة إلى ذلك ” فإن الزمن قد اثبت ان الوعى أو الشعور ليس على الاطلاق بالمر الذى لا يهم علم الطبيعة الحديث ، وينقل عن أحد علماء الطبيعة المعاصرين قوله ” إن من المستحيل صياغة قوانين نظرية الكم Quantum Theoryبطريقة كاملة الاتساق دون إشارة إلى الوعى” حيث قد ثبت علميا أنه لا يمكن فهم الظواهر الطبيعية المتناهية الصغر دون إدخال موقع الباحث الذى يقوم بالملاحظة ومكانه من الظواهر التي يشاهدها ضمن معطيات قوانين نظرية الكم .

فإذا انتقلنا إلى مهن المساعدة الإنسانية   The Helping Professions التي  تستند في ممارستها المهنية إلى نتائج تلك العلوم الاجتماعية ونظرياتها المتضاربة فلن يدهشنا ان نجد ان تلك المهن قد أصابها شرر الآثار المترتبة على قصور الفهم والتفسير الذى تعاني منه تلك العلوم ، وهذا يفسر لنا ما تشير إليه الكتابات في تلك المهن حول ما تعانيه من أزمة في الهوية أو ضعف في تأثير وفاعلية الممارسة المهنية وقصورها في تأثر وفاعلية الممارسة المهنية وقصورها في تحقيق النتائج المتوقعة منها.

فإذا نظرنا إلى موقف العلاج النفسي فإننا سنجد أن نظرياته ” المتصارعة” تنطلق عن نظريات علم النفس ومدارسه التي تتناقض مع بعضها تمام التناقض ، كما يشهد بذلك ما أوردناه من أقوال آيزينك ولراتشمان من أن الاتجاه السلوكي يسير في ” الاتجاه العكسي تماما لاتجاه التحليل النفسي ” والربط بين هذه الملاحظات وبين ما اوردناه عن مدى نجاح الممارسة إذ يقولان ” إننا نعتقد أن الفشل العام في تحقيق الشفاء بقدر ما يرجع إلى الطرق الخاطئة المتبعة لمحاولة تحقيقه” (3ب)، فالقضية إذن وفقا لرأيهما ( الذى قد يتفق فيه معهما الكثيرون ، ولكن من زاوية غير تلك التي ينطلقان منها) إنما هي قضية التوجه النظري وقضية المنهج في الأساس ، غير ان عين الانحياز النظري وعدم القدرة على الخروج من أسار التوجه العلمي السائد The Paradigm  وهى التي تمنع من رؤية الموقف برمته في ضوء جديد يدرك معه هؤلاء الباحثون وغيرهم ممن يسيرون في نفس الأطر التقليدية ان الخروج من الأزمة غنما يتطلب نوعا من الراجعة الشاملة للأساسيات كما سنجد فيما بعد عند أصحاب النظرية المعرفية أو العقلية في علم النفس على سبيل المثال.

ورغم أن رينيه داويس Dawis  يعترف بأنه لا يزال من أنصار التوجه العلمي السائد The Received View of Normal Scienceكما ينطبق في محيط ممارسة التوجيه والإرشاد النفسي ، إلا انه يسلم بأن ” القاعدة المعرفية لهذه الممارسة ليست كافية – إذا استخدمنا تعبيراً مهذباً ” … كما يشير إلى أنه لا باس لديه من تجربة مداخل جديدة ” مادامت المداخل القديمة لا يبدو انها تعمل ” (4).

واما بالنسبة للخدمة الاجتماعية فإن الموقف لا يختلف منها كثيرا عما وجدناه في مهن المساعدة الإنسانية الأخرى ، فلقد كتب جوزيف هيس في عام 1980 حول ما اسماه بأزمة الهوية التي تواجه الخدمة الاجتماعية والتي تظهر آثارها سواء في الجوانب النظرية او في الممارسة أو فيما يتصل بأخلاقيات المهنة ، فيشير مثلا إلى ” الحرب ” الأيدلوجية الطاحنة الدائرة في محيط المهنة بين ” النموذج الطبي” ونموذج ” التغيير الاجتماعي ” الذي يتخذ في صورته المتطرفة خطوطا ماركسية ، ثم يوضح  ان ضحايا تلك الحروب الحرب إنما هم الأخصائيون الاجتماعيون الذين يصابون بالاحتراق المهني Bur – out  ، والعملاء الذين يضيعون بين التوجهات المهنية المتنازعة . ويرى هيس أن أساس الأزمة  كلها إنما يكمن في إهمال البعد الروحي والممارسة(5) ، وأما الدراسات التقويمية التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية ( التي تعد أكثر الدول تقدما في مجال الخدمة الاجتماعية) والتي حاولت القيام – بطريقة علمية – بتقدير مدى فاعلية طرق الخدمة الاجتماعية من حيث تحقيقها لتغييرات مرغوبة ودائمة في العملاء فإنها لم تصل إلى نتائج مشجعة أيضا ، فلقد قام جويل فيشر في عام 1973 بتلخيص نتائج عدد من الدراسات العلمية التي كانت قد أجريت لتقويم مدى فاعلية التدخل بطرق الخدمة الاجتماعية ، كما قام وود في عام 1978 بفحص نتائج 22 دراسة تقويمية أخرى وجاءت نتائج تلك الدراسات وغيرها مخيبة للآمال إلى حد كبير (6) ، ولقد لخص وليم رايد وزميلته ذلك الموقف بقولهما (7) : لقد احتدمت المناقشات خلال العشرين عاما الماضية حول درجة فاعلية طرق – الخمة الاجتماعية … أثارتها النتائج التي أظهرتها سلسلة من التجارب الميدانية التي تبين منها بشكل متصل وبطريقة تدعه للانزعاج أن الخدمات التي يقدمها الأخصائيون الاجتماعيون المهنيون لم تختلف في تأثيرها على العلماء الذين تلقوا تلك الخدمات عن حالة العملاء الذين لم تقدم لهم أي خدمة على الأطلاق أو عن العملاء الذين قدمت لهم خدمات من نوع أدنى” ولقد دعا هذا الموقف الذى ألقى بظلاله على المهنة كلها – دعا رايد وزملائه للقيام بتحليل نتائج اثنين وعشرين دراسة أخرى أجريت في الفترة من 1973 إلى 1979 تم اختبارها وفق شروط وضوابط معينة، وتوصل الباحثان في ضوء تحليلهما إلى النتيجة الآتية : أنه إذا كانت نتائج الدراسات التقويمية التي تم تحليلها تشير إلى أن الخدمة الاجتماعية يمكن أن تكون فعالة إلا أن طرق التدخل التي تم اختبر نتائجها ” كانت محدودة النطاق ” وأن ” التغييرات الحادثة في العملاء نتيجة التدخل …. لا يمكن اعتبارها حاسمة … ومع ذلك فإن هذه النجاحات القليلة التي سجلت في الوقت الحاضر أفضل من الوان الفشل الذريع التي سجلت في الماضي” (8).

ولكن جريل فيشر الذى كان من أوائل من نبهوا إلى خطورة   قضية دراسة مدى فاعلية التدخل المهني أكد مرة أخرى في مقال له عام 1981(9) على انه في الفترة من الثلاثينيات إلى أوائل السبعينات كانت نتائج الدراسات التقويمية ” غير مشجعة من حيث انها لم تنجح في إثبات فاعلية أي طريقة من طرق التدخل التقليدي للخدمة الاجتماعية ، بل ان بعض الدراسات قد اوحت بان بعض العلماء قد يكونوا تضرروا أو تدهورت حالتهم كنتيجة لاتصالهم بالأخصائيين الاجتماعيين المهنيين ” غير انه قد ابدى تفاؤلا بان نتائج تلك الدراسات التقويمية الأولى وما اثارته من ضجة وما ترتب عليها من إعادة نظر في المهنة كلها قد كان من يثاره حدوث ثورة علمية في الخدمة الاجتماعية لتصبح ” نهنه اكثر استناداً إلى العلم ” في ممارستها ، ولكن دعوته إلى ” العلمية” قد جاءت في صميمها دعوة مسرفة في الإمبيريقية والإجرائية  Operationalism كما أوضح ذلك وليام جوردن في رده القاسي على فيشر (10) .

ومن هنا نتبين كيف ان قادة الفكر في المهنة – أو بعضهم على الأقل – لا زالوا حتى اليوم يدعون على نموذج العلم القديم حتى بعد أن ثبت عدم كفايته في دراسة الظواهر الإنسانية بسنوات طويلة كما سنرى يما بعد.

المبحث الثاني: أسباب الازمة واتجاهات العلاج

إن اى مراجعة متأنية لتاريخ العلم والمنهج العلمي الحديث لتكشف لنا بوضوح – كما رأينا في الفصل الأول – عن التأثير الشديد للعوامل البيئية والثقافية والظروف التاريخية الخاصة في تشكيل التوجه العام السائد للعلم الأوروبي الحديث ، ذلك التوجه المادي الوضعي القائم على المباعدة بين العلم وبين كل ما يمت بصلة للدين أو الوحى او حتى القيم، والذى يصر على ان أي محاولة للمزج بينهما ستكون ضارة بكليهما على حد التعبير الذى جاء في قرار لمجلس الاكاديمية الامريكية للعلوم عام 1981 والذى يؤكد على ” ان الدين والعلم مجالان منفصلان عن بعضهما البعض تمام الانفصال Nutually Exclusive  ، وان أي محاولة للجمع بينهما في إطار واحد يترتب عليها سوء فهم لكل من النظريات العلمية والمعتقدات الدينية “، وهو تفكير يعكس النزعة المادية التي صاحبت دراسات العلوم الطبيعية بسبب النجاحات التي حققها إسحق نيوتن الذى يعتبر أبا ” للنظام القديم في الفيزياء الحديثة – على حد تعبير آجروس وستانستو(11) – الذى قام بتفسير الكون المادي باعتباره مادة ” توجد في الزمان ” و ” المكان” ؛ واعتبار أن الثالوث يمثل حقائق مطلقة وثابتة إلى الأبد ، ” وقد حقق نظام نيوتن نجاحا في العديد من المجالات ولاسيما في مجال الفيزياء والكيمياء …. وتتم له الغلبة بشرحه ظواهر الحركة والحرارة والضوء والكهرباء، وطبيعي ان هذا النجاح ولد في النفوس رغبة في توسيع نطاق هذا الأسلوب في ” التفسير” بخيث يشمل جميع حقول المعرفة بما فيها علوم الحياء والنفس والتاريخ والاقتصاد ، وقد اسفرت إمكانية الكشف عن أسرار جزء كبير من العالم الطبيعي بافتراض وجود المادة وحدها عن دفع بعض العلماء تدريجيا إل اعتبار المادية جزءا من الأسلوب العلمي ذاته جزءا من السلوب العلمي ذاته … ولعل في وسعنا أن نطلق على هذا اسم  المادية المنهجية” ، ويشير آخرون إلى أن نظرة نيوتن والعلم الذى بنى عليها كانت تتبنى نموذج الآلة الميكانيكية Machine Model  لتصوير الكيفية التي يتم بها تنظيم كل الظواهر الطبيعية . ويبدو ان الكثيرين من علماء النفس ورجال العلوم الاجتماعية ليسوا واعين بالدرجة التي توجه أعمالهم بها تلك المسلمات المستعارة من ذلك التوجه ” الكلاسيكي ” للعلم الذى تمت صياغته في القرنين السابع عشر والثامن عشر” (12) .

وقد أدى هذا النجاح الذى حققته العلوم الطبيعية الكلاسيكية كما ذكرنا شعور رجال العلوم الاجتماعية بان صلاح امر النظر في الظواهر الإنسانية لن يكون إلا بما يصلح به أوله ، أي بالتشدد في تطبيق المناهج التي نجحت في العلوم الطبيعية ، حتى وجدنا جون ستيورات ميل يقول حول منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ” إن الحالة المتخلفة للعلوم الأخلاقية ( الإنسانية) يمكن علاجها بتطبيق مناهج العلوم الطبيعية عليها مع توسيع نطاقها وتعميمها”(13) ، ويقول بولكنجهورن – الذى نقل كلام ميل – إن هذه النصيحة ظلت مقبولة طوال ما يزيد عن مائة عام حتى بدأت الأصوات المطالبة بكسر هذا القالب المقيد للحركة تكسب قوة وظهورا بعد شعور العديدين من الباحثين بخيبة الرجاء في نتائج البحوث المبنية على القيم والتوجهات التي وصلت إلينا من العلوم الطبيعية . 

ولقد تبنى المختصون في العلوم الاجتماعية هذا النموذج المستمد من العلوم الطبيعية بقضه وقضيضه دون مراعاه لاختلاف طبيعة الظواهر الطبيعية، فجاءت نظريات العلوم الاجتماعية مغرقة في المادية ومعادية للدين أيضا. ” فزعمت ان من الممكن تفسير وظائف المخ والسلوك البشري في ضوء العمليات الطبيعية / الكيميائية والفسيولوجية وحدها دون ادنى إشارة إلى الوعى الإنساني … او العوامل الذاتية، وكان ينظر لهذه المبادئ على انها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها حتى تم اكتشاف خطئها المنطقي ونقصها (أخيرا) “(14) .

ويضيف روجر سبيرى (15) Sperry  في مقاله العام بمجلة علم النفس الامريكية إلى ما سبق قوله ” لعله من الإنصاف أن نقول عن … العلم والدين قد وقف كل منهما امام الآخر وقفه العدو الألد ( حتى ظهرت النظرية العقلية المعرفية في السبعينات على الوجه الذى نبينه فيما بعد ، فطوال الحقبة السلوكية – المادية اتخذ العلم موقفا يقوم على الخلو من القيم وعلى النظر للكون على ان ما يحركه إنما هي عوامل طبيعة تخلو في النهاية من اى سمات بشرية ذاتية من النوع الذى يتعامل معه الدين ، فكان العلم يفترض ان القيم الأخلاقية ، والروح ، والأهداف الإنسانية ، والكرامة ، وحرية الاختيار –عن كان لها اى وجود أصلا – لا تخرج عن كونها مجرد ظواهر سطحية لا اثر لها، أو عن كونها مجرد صفات غير فعالة للنشاط الفيزيقي المخ ، وأن الفضل تجاهلها عندما نقدم تفسيراتنا العلمية للظواهر ؛ لأنها في زعمهم لا تؤثر على اى وجه كان على مجريات الأحداث في العالم الواقعي سواء في المخ أو في الكون عموما.

وعلى العكس من ذلك فإن الكثيرين من العلماء قد اصبحوا يعترفون بالاختلافات الواضحة بين الظواهر الطبيعية و الاجتماعية كموضوعات للدراسة وكذا بين مناهج العلوم الطبيعية و مناهج العلوم الاجتماعية ، على أساس ان العلوم الطبيعية علوم نوموطيقية Nomothetic  أي علوم تسعى للوصول إلى قوانين ” عامة” حول ظواهر هي بطبيعتها متكررة ومضطردة ويمكن التنبؤ بها كالفيزياء والكيمياء ، وبين علوم أيدلوجية Idegraphic  تسعى لإدراك الخصائص ” الفردية” لموضوعاتها مثل علم التاريخ، ويرى هؤلاء العلماء انه من الخطأ تطبيق المناهج التي ثبت نجاحها في النوع الأول من العلوم ( العلوم الطبيعية) على النوع  الثاني من العلوم (العلوم الإنسانية) ، لأن ها كما يرون ” سوف يؤدى إلى خلط كبير، بل هو السبب في تلف الإنسانية … ذلك أن التعميم يعتمد على اطراد الطبيعة بينما إذا تم صياغة قوانين إنسانية فسوف تختلف باختلاف الزمان والمكان ….حقائق توجد أوجه للتشابه بين عادات وتقاليد البشر ، إلا ان وجود هذه التشابهات وحده غير كاف لإمكانية إقامة قوانين في مجال الشئون الإنسانية ” (15 ب) .

والمتتبع للمناقشة يستطيع ان يكشف بوضوح الصلة الوثيقة بين الزمة التي تعانيها العلوم الاجتماعية منذ بدايتها الحديثة حتى اليوم من جانب، وبين بعض سمات وخصائص التوجه العلمي التقليدي ” السائد من جانب آخر، وسنحاول فيما يلي ان نبين الطريقة التي تسبب بها تبني العلوم الاجتماعية لذلك التوجه ” القديم” في الزمة الحاضرة التي تعاني منها تلك العلوم اليوم، بل وتعاني منها مهن المساعدة الإنسانية بالتبعية، وسنقصر مناقشتنا لهذا الموضوع على اخطر قضيتين كان لهما اكبر الأثر في حدوث تلك الازمة وهما:

1-       إهمال تلك العلوم والمهن للعوامل الروحية والدينية وإنكار دورها كمسببات فاعلة للسلوك الإنساني.

2-       دعوى الموضوعية والزعم بان العلوم الاجتماعية ينبغي ان تكون متحررة من القيم Value – Free.

ولعل القارئ يلاحظ الترابط الواضح بين هذين البعدين والترتب بطبيعة الحال على انطلاقها من نفس التوجه الواحد الا وهو نموذج العلم ” القديم” على حد تعبير آجروس وستانسو (16) ، غير ان قضية استبعاد العوامل الروحية والدينية إنما تتصل اكثر ما تتصل بالدراسات النفسية التي تنظر في الطبيعة البشرية ومكونات الشخصية الإنسانية ، اما قضية العلم المثمر – من القيم فتتصل اكثر ما تتصل بمستوى العلاقات الاجتماعية والبناء الاجتماعي الذى يتعرض له علم الاجتماع أساسا ، والقضيتان كامنتان وراء التشويه والتشويش الذى تعاني منه مهن المساعدة الإنسانية التي تعتمد على علوم النفس و الاجتماع بدرجات متفاوتة في استلهام قواعدها العلمية.

أولا : قضية استبعاد العوامل الروحية

لو اننا تساءلنا عن كنه الأسباب التي أدت إلى تلك الحالة التي تعاني منها العلوم  الاجتماعية – والتي تتمثل أساسا في ذلك القصور المزمن في فهم الإنسان وتفسير الظواهر الاجتماعية – فإن العلماء والباحثون سيقدمون لنا طائفة كبيرة من الأسباب التي تختلف بحسب التوجه النظري لكل منهم ، ففي كل علم من تلك العلوم الاجتماعية ” مدارس” علمية متعددة ، تتبنى نظريات متباينة تتنافس فيما بينها في تقديم التفسيرات التي تعترف بها للظواهر التي تخصص ذلك العلم في دراستها ، ومن الطبيعي ان يعزو المنتمون إلى كل من تلك المدارس ذلك الاضطراب والقصور النظري إلى ان غيرهم من الباحثين في ذلك التخصص ينطلقون من النظريات المنافسة ( الخاطئة) الأخرى .. غير أن أمثال تلك التفسيرات لا تبدو كما راينا كافية ؛ لأن المنتمون إلى كل من تلك التوجهات النظرية لابد وانهم قد شاركوا بسهم وافر في بحوث ذلك العلم بأنفسهم ايضاً مستخدمين أطرا تصورية مستمدة من توجههم النظري في تلك البحوث دون ان يؤدى ذلك إلى فتح جديد في فهم وتفسير الظواهر في نطاق ذلك العلم . وهذا يسوغ لنا ان نقصر اهتمامنا هنا على التبريرات ذات الطبيعة ” العامة” التي تساق عادة عندما يثار موضوع القصور النظري والتضارب بين نظريات العلوم الاجتماعية بدلا من ان نركز على ما يسوقه أنصار أي مدرسة ضد انصار المدرسة الأخرى ، ويمكن تلخيص تلك التبريرات العامة فيما يلى :

1-       لعل اكثر التبريرات العامة التي تساق لتفسير الضعف والاضطراب النظري في العلوم الاجتماعية يتمثل في ان تلك النظريات لا تقف حتى الآن على ارض صلبه وكافية من الحقائق الإمبريقية والملاحظات الواقعية المحققة القابلة للتعميم ، ووجه الاحتجاج هنا هو أن قلة المشاهدات المحققة إمبريقيا تفتح الباب واسعا امام الباحثين لابتكار تفسيرات متعددة – بل ومتناقضة أحيانا – للربط بين تلك الحقائق والتعميمات الإمبريقية القليلة والمحدودة النطاق لكى يصبح لها أي معنى ويلاحظ ان القائلين بهذا الرأي يفترضون ضمنا ان تلك الحقائق و التعميمات الإمبريقية التي تم التوصل إليها حتى الآن رغم قلتها إلا أنها تأخذ في اعتبارها ” كل المتغيرات” الممكن دراستها لأى فئة او طائفة من المتغيرات عن وعى أو قصد.

2-       ويتصل بالتفسير السابق الذى يساق تبريرا لضعف واضطراب نظريات العلوم الاجتماعية تفسيرا آخر يتمثل في صعوبة بعض المتغيرات وصعوبة التحكم في بعضها الآخر لأسباب تتعلق بعدم قابلية تلك المتغيرات للقياس أصلا، أو لاعتبارات إنسانية واخلاقية، مما يضطر الباحثين اضطرارا لاستبعاد بعض المتغيرات من دراستهم رغم أنهم مدركون لمدى أهميتها لبناء النظريات في مجال العلوم الاجتماعية.

3-       اما التفسير الثالث فيختلف عن التفسيرات السابقة في أنه يرفض التسليم بان الصعوبات التي تواجه التنظير في اللوم الاجتماعية تكمن فقط في مجرد فقر تلك العلوم من جهة مدى توفر الحقائق الإمبريقية الصلبة ، او في صعوبات القياس والتحكم في المتغيرات وحسب ، وإنما يرى ان تلك الصعوبات ترجع أيضا وبصفة أساسية إلى أن العلوم الاجتماعية – جريا على سنن البحث العلمي التقليدية   – قد استبعدت عن عند قطاعا أساسيا من العوامل أو المتغيرات الفاعلة المؤثرة في الظواهر السلوكية و الاجتماعية واعنى بذلك المتغيرات الروحية و الاعتقادية التي يظن العلماء ( للأسباب التاريخية الى شرحناها آنفا ) أنه لا يصح إدراجها ضمن المتغيرات التي تتعرض لها دراساتهم ” العلمية”.

        وبطبيعة الحال فإن العلماء الذين لا يزالون يلتزمون بالتوجه العلمي التقليدي السائد اليوم في العلوم الاجتماعية ، الذى ينطلق من منطلقات الفكر الوضعي والفلسفة الوضعية المنطلقة ذات التوجه الإمبريقي الحسي الواضح (17) سيؤيدون التفسيرات الأول و الثاني ، والحل عندهم لقضية الاضطراب النظري في العلوم الاجتماعية يتمثل في إجراء المزيد والمزيد من الدراسات الإمبريقية الدقيقة ، وبناء المزيد والمزيد من المقاييس الأكثر دقة والتي يمكن من خلالها سبر اغوار الظواهر الإنسانية المستعصية على القياس حتى الآن ن والمتوقع عندهم أن يؤدى تراكم الحقائق الإمبريقية المستمدة من تلك البحوث في النهاية إلى الوصول إلى نظريات ” علمية” اكثر صلابة وأقل اضطرابا وتعارضا.

ولو اننا تأملنا التفسير الأول  فإننا نجد انه يصعب قبوله كأساس وحيد لتفسير الحالة الراهنة لنظريات العلوم الاجتماعية ، وذلك على أساس انه مهما ازداد عدد الحقائق الإمبيريقية  والتعميميات المستمدة منها في اتجاهات خاطئة أصلا فغن هذا لن يقربنا إلا قليلا من فهم وتفسير السلوك الإنساني والعلاقات الاجتماعية ما دامت بحوثنا مستمرة في السير في الاتجاهات التي اتخذتها تقليديا ، وذلك لسبب بسيط يتمثل في ان تطور العلم والمنهج العلمي تاريخيا في الاتجاهات التي سبق توضيحها يعتبر السبب الرئيسي في تخلف العلوم الاجتماعية لما رأيناه من تضييق لنطاق الظواهر التي تدخل بطريقة مشروعة في نطاق ” العلم” وفقا للتصور او التوجه التقليدي السائد الأن ، ذلك التصور الذى يقوم على اتخاذ قرار واع ومقصود باستبعاد العوامل الروحية المتعلقة بصلة الانسان بخالقه في نطاق الدراسة العلمية ، مع ان هذه العوامل قد تكون ” اهم” المتغيرات المفسرة للسلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية كما سنرى فيما بعد.

ثم اننا لو تأملنا التفسير الثاني الذى يرد المشكلة إلى صعوبات القياس والتحكم فسنجد انه أيضا ليس تفسيرا كافيا للضعف النظري المزمن في العلوم الاجتماعية ؛ لأننا مهما تمكنا من زيادة درجة دقة المقاييس المستخدمة وهما أضفنا كتغيرات أخرى لم تخضع من قبل للدراسة بعد ان يصبح قياسها ممكنا ، فغن قدرتنا على الفهم والتفسير لن تزي غلا قليلا ، والسبب في ذلك أنا مهما تقدمنا في قياس متغيرات تنتمي إلى التوجه التقليدي المادي للعلم الطبيعي وتترسم خطى توجهاته الأيدولوجية فإننا سنظل أسرى ذلك التوجه التقليدي ، ولن يؤدى هذا الاتجاه الصحيح على الوجه المبين آنفا.

ومن هنا فإنه لا يتبقى امامنا غلا التفسير الأخير الذى يبدو أنه يصدق جملة وتفصيلا على الموقف الراهن في محيط العلوم الاجتماعية: غننا في هذه العلوم ننطلق (عن قصد او عن حسن ظن) من منطلقات معادية للوحي ولكل ما يتصل بالله واليوم الآخر . تلك  المنطلقات التي انبثقت في إطار ظروف تاريخية ومكانية معينة وارتبطت بها ارتباطاً وثيقاً ( سبق شرحها في الفصل الأول ) ن وبناء على ذلك فإننا قد أهملنا أحد المصادر الأساسية ( هل نقول المصدر الأساسي؟) التي يمكن ان توجهنا إلى متغيرات هامة تؤدي أخذها في الاعتبار حتماً إلى زيادة قدرتنا على فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية والتنبؤ بها والتحكم فيها وتغييرها.

إن استمساك بعض العلماء بعض الهيئات العلمية اليوم يقوم الموقف فالمعادي للدين والوحى لم يعد له ما يبرره – علميا – بعد التطورات الحديثة في العلوم البيولوجية وفى فهم الطبيعة الإنسانية التي بدأت تتراكم نتائجها منذ أوائل السبعينات الميلادية من هذا القرن ، والتي أدت على ثورة شاملة في فلسفة العلم على الوجه الذى نبينه بعد قليل، ولم يعد ذلك التمسك بالقديم ذا وظيفة مفيدة لتقدم العلم ذاته بعد تلك التطورات الحاسمة التي انبثقت خطأ النظرة الوضعية المادية وقصورها عن فهم الظواهر الإنسانية .

لقد كانت النظرة التقليدية السائدة في مختلف العلوم – الطبيعية ومنها السلوكية – تقوم على أن الكل تحكمه خواص أجزائه التي يتكون منها ، بمعنى ان ” كل شيء محتوم  من اسفل إلى أعلى وفقا لمسار التطور ” الطبيعي” ، وفى إطار هذه النظرية المادية للطبيعة التي تقوم على حتمية سببيه بادئة من الوحدات الصغرى Microdeterministic  ، فقد كانت كل الوظائف العقلية ووظائف المخ تفسر على أساس أنها محتومة بنشاط الخلايا العصبية والتركيب الفسيولوجي للمخ ، وأن هذا النشاط بدوره تحكمه قوانين الطبيعة والكيمياء الحيوية – حتى نصل في النهاية إلى أن كل شيء محتوم بالتفاعلات الطبيعية فيما دون الذرة وبالقوى الميكانيكية المتناهية الصغر .(18) ، وقد سارت المدرسة السلوكية التي سيطرت على الدراسات النفسية طوال خمسين عاما على هذا المنهج في فهم الإنسان وسلوكه إلى أن جاء التوجه المعرفي العقلي الجديد Cognitive / Mentalist  منذ عشرين عاما بما يعتبر ثورة في فى الطبيعة البشرية…. ثورة تمكنت من فرض وجودها اليوم على الدراسات النفسية ، ويقوم ذلك التوجه الجديد على أننا لو نظرنا للإنسان على أنه يتكون من أعضاء تحكمها التفاعلات الطبيعية والكيمائية من أسفل إلى أعلى إلا أننا نجد في الوقت ذاته أن الإنسان كوحدة حيه ذات مستوى أرقى من مجرد مستوى الذرات والخلايا التي يتكون منها قادلا أيضا – كوحدة حية عاقلة – على إحداث تأثيرات وتحكم من أعلى إلى أسفل ، بمعنى أن (19) ” التفسير الكامل للسلوك يتطلب أن نأخذ في الاعتبار ظهور خصائص جديدة منبثقة ( على هذا المستوى) ل تكن موجودة من قبل ، ويتضمن ذلك الخواص العقلية التي تتفاعل وتؤثر كأسباب فاعلة على هذا المستوى الأعلى من الوجود ذاته ، كما أنها تتحكم من أعلى فيما هو أدنى منها تحكما سببيا أيضا …. بما يمكن أن نسميه حتمية تأثير الوحدات الكبرى Macrodeterminism    التي تعمل جنبا إلى جنب مع التحكم من أسفل إلى أعلى ، وبهذا يمكننا القول إن الحالات العقلية – كخواص منبثقة عن نشاط المخ – لها القدرة على التحكم فيا يحدث نشاط الخلايا العصبية في تلك الحالات العقلية ” ، وبلغة أخرى فكما أن المستويات الدنيا من الوجود تتحكم سببا في المستويات العليا فإن المستويات العليا أيضا تتحكم في المستويات الأدنى منها ، يقول روجر سبيرى ” إن هذا التوجه يدل على أننا وهذا الكون الذى نعيش فيه أكثر من مجرد اسراب راكضة من الذرات والإلكترونات والبروتونات الدائبة الحركة ، كما يدل على  أن الخواص والصفات الأشمل التي توجد في العالم والتي يستجيب لها المخ بما في ذلك الظواهر الاجتماعية الواسعة التي تمثل الحضارة الحديثة – كل هذه لا تقل من حيث حقيقة وجودها وقدرتها السببية على الأحداث من الوجهة العلمية عن الذرات والجزيئات التي تعتمد عليها في وجودها .. وهذه النظرية الجديدة للواقع … تتقبل الخواص العقلية و الروحية كحقائق سببية فاعلة غير أنها في الوقت ذاته تنكر أنها يمكن أن يكون لها وجود منفصل في حالة غير متجسدة بعيدا عن المخ القادر على القيام بوظائفه .. والنظرة الجديدة بدلا من أن تستبعد العقل والروح فإنها تضع هذه القوى العقلية الذاتية قريبا من القمة في هرم التحكم السببي للمخ وتعطيها مكان الصدارة في تحديد ما يفعله الشخص “.

يبدو لنا أن هذا هو اقصى ما نستطيع أن نتوقعه من جانب الكثيرين من علماء الغرب في محيط الاعتراف بالعوامل و المتغيرات – غير المادية – أقصي اهم إذا حملهم الواقع على الاعتراف بوجودها لا نه يسارعون إلى التأكيد على انها ليست ذات مصدر متعال على تلك القوى الطبيعية والكيميائية التي يتكون منها العالم في فهمهم وإنما هي عوامل منبثقة تطوريا عنها – وإذا كان سبيرى يؤكد ان هذه الاتجاهات المعرفية / العقلية الجديدة في علم النفس تفتح الأبواب امام ” التقارب بين الدين و العلم … إذ أنها عدلت من توصيف العلم للطبيعة البشرية واللذات الواعية وأصلحته بطريقة جذرية ” إلا أنه عندما يكشف لنا عما يقصده بالدين يتبين لنا أنه يتحدث عن نوع من الدين الإنساني ” العام” الذي يستطيع أن يتعامل هو طبعا معه كإنسان غربي  في ضوء رفضه لما يقم له من معتقدات نصرانية ، ويهودية .. فلا يجد أمامه إلا البحث عن دين يقوم على قيم أخلاقية هدفها – كما يرى ” المحافظة على البقاء” للإنسان في هذه الدنيا (20).

تلك هي الصورة التي تقدمها لنا المدرسة ” المعرفية / العقلية ” في فهم الإنسان ، وهناك أيضا مدرسة أخرى بدأت تجد تأييدا كبيرا بين علماء النفس المعاصرين هي المدرسة الإنسانية Humanistic Approach  والتي تسير أيضا في خطوط تؤدى إلى نتائج مماثلة ، ويعتبر الاتجاه الإنساني بمثابة ثورة على النزعة المادية الميكانيكية التي سيطرت على النموذج العلمي القديم في فهم الإنسان ودراسة الظواهر الإنسانية ، ويوضح عالم النفس ايرفين تشايلد (21) الخط الأساسي لهذا التوجه بأه يتمثل في النظر للإنسان ” كقوة واعية” لا على مجرد حيوان أو آلة ، ويرى أن هذه هي نقطة الانطلاق الرئيسية لهذا المنظور العلمي الجديد للإنسان ، ويضيف آجروس وبستانسيو أن الإنسان في هذا المنظور ليس مجرد رزمة من ردود الأفعال أو الدوافع أو الآليات النفسية ن كما أنه ليس مجرد منتج جانبي لقوى خارجية فاعلة ومؤثرة فيه، وغنما هو إنسان واع له إرادة يمتلك حرية الاختيار ، ويمتلك القدرة على التصرف من أجل تحقيق أهداف ينتقيها بنفسه ، ثم يوضحان أن الأهداف إنما تستند بالضرورة إلى ط القيم” ومن هنا فإن علم النفس في النظرة الجديدة يشمل دراسة القيم التي توجه السلوك الواعي للفرد ن وينقل المؤلفان عن كارل روجرز تأكيده على ضرورة البحث في ” المعاني العقلية والروحية للسلوك” ، ويعلق اجروس وستانسيو بقولهما إن ” مؤدى ذلك أن حياه الإنسان الفكرية وحياته الأخلاقية وحياته الروحية هي حقائق مماثلة تماما لحقيقة حياته البيولوجية” ، وينقلان عن عالم النفس رولو ماى قوله إن علم النفس الجديد مفوض من قبل المجتمع للعمل في ملكوت عقل الإنسان وروحه ، ولكن المؤلفين عندما يتعرضان للمقصود بالنواحي الروحية يسيران  في نفس الخطوط العامة للحضارة الغربية أيضا فيفسران النواحي الروحية بأنها تتصل ” بالقيم الأخلاقية والفكرية والجمالية” ويوضحان أنها تتضمن المعرفة العقلية والحكمة والمهارة الفنية إضافة  إلى جميع الخصال المحمودة  كالكرم و الشجاعة والأمانة والطيبة والصدق.

ومرة أخرى فإننا نلاحظ حتى عند علماء هذه المدرسة أيضا ميلا لا يخفى لتجنب الربط بين الجوانب الروحية وبين المعتقدات الدينية خصوصا فيما يتصل بصلة الانسان بربه وخالقه بالرغم من أن هذين المؤلفين نفسيهما يعترفان – استنادا إلى النظريات الحديثة في العلوم الطبيعية – في مواضع أخرى من مؤلفهما القيم بوجود إله حكيم وراء هذا الكون ووراء القوانين الى تسيره ، ولعل السبب في عدم قدرة أولئك العلاء على اجتياز هذه الخطوة المتبقية في طريق الرجوع إلى الحق يكمن كما رأينا في التصورات المحرفة والمشوهة للدين في تلك المجتمعات ، كما يكمن في تعدد الديانة في تلك المجتمعات وتبنيها نتيجة لذلك لفكرة التعددية الدينية  ولمبادئ العلمانية . Pluralism Secularism

أما العالم المسلم الذى ينطلق من عقيدة صحيحة غير محرفة ، والذى يؤمن بإله قوى قاهر ، رءوف رحيم ، مالك الملك ، مطلق التصرف في الكون كله  الذى خلق بنى آدم في أحسن تقويم ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ، ثم ارسل الرسل لهداية الناس وتذكيرهم بما أودع في فطرتهم النقية ، وهو من بعد ذلك راد الناس إلى معاد ن فمجازيهم على أعمالهم في يوم شخص فيه الأبصار . إن من يؤمن بهذا كله لا يمكنه إلا التسليم بأن معرفة الإنسان وصلته بربه هي محور حياته ، وأنها أهم العوامل المؤثرة على سلوكه ، فكلما كانت معرفة الانسان بالله صحيحة و صلته به قوية كان الاحتمال كبيرا في أن يأتي سلوكه متمشيا مع التوجيه الإلهي لا فيه صلاحه ، فيعيش حالة من الطمأنينة والسكينة تتمشى مع أفضل ما يتمناه من يكتبون حول معايير الصحة النفسية والتوافق الاجتماعي في الدنيا قبل أن يرتحل إلى نعيم الآخرة ، وإما إن كانت معرفته بالله محرفة أو ناقصة أو مشوهة أو كانت صلته بالله منقطعة فإن الاحتمال كبير في أن يكون أكثر تعرضا للاضطرابات النفسية والانحرافات الاجتماعية في الدنيا وهو في الآخر من الخاسرين .

 وقد فطن كثير من علماء النفس المسلمين إلى تلك الحقائق وطالبوا باعتبار التطور الروحي والخلقي للإنسان موضوعا للدراسة النفسية ، فيرى د. عبد الحيد الهاشمي (22) ان الإنسان بفطرته كائن حي يتأمل ويتأمل و يعتقد ويؤمن ، وهو قادر على ان يدرك عن يقين وجود الله تعالى ووحدانية ، ويدرك أهمية طاعة الله عز وجل ، ومن هنا فإن  من الضروري دراسة هذا الجانب الروحي في الإنسان لبيان طبيعته ومراحل تطوره وعوامل صحته وانحرافه ، ثم يرد على حجة من زعموا عدم إمكان دراسة الجوانب الروحية للإنسان دراسة علمية بأن يجهل علماء الطبيعة بجوهر الكهرباء والمغناطيسية لم يمنعهم من دراسة آثارها  كالحرارة والحركة والضوء ، كما أن علماء النفس يدرسون الذكاء والعاطفة عن طريق دراسة آثارها وعواملها مع الجهل بطبيعتها أو جوهرها ، ثم يصل إلى أن ” نفس الشيء صحيح بالنسبة للجانب الروحي من التكوين النفسي للإنسان ، فعلماء النفس ليسوا في حاجة إلى دراسة حقيقية القيمة و الروح وجوهرها بل إلى ظواهرها في حياة الإنسان” ، أما الدكتور مالك بدري فإنه يقرر من واقع دراساته التطبيقية أنه ” من الواضح أن الإسلام كأسلوب للحياة يلعب دورا رئيسا للغاية في التطور العاطفي والاجتماعي الشخصي للإنسان المسلم ” ويرى أن استمرار علماء النفس المسلمين في استخلاص نظريتهم وممارستهم من علماء النفس غير المسلمين يعتبر مأساة ، وأن النظر للجوانب الروحية على انها غير ذات بال في فهم السلوك يعتبر فهما غير علمي  أو على الأقل غير منصف (23).

ومما سبق يتبين لنا انه لا يمكن لنظريات العلوم الاجتماعية ان تصل إلى فهم الإنسان وتفسير سلوكه تفسيرا صحيحا ما دامت تستبعد عن قصد ذلك القطاع الرئيسي من قطاعات المتغيرات المؤثرة تأثرا حيويا على السلوك ألا هو القطاع المتصل بتأثير العوامل الروحية التي تتصل أساسا بوعى الإنسان بوجوده في هذا الكون ، وتساؤله الدائب عمن خلقه وصوره وسخر له ما سخر من الكائنات ، ثم معرفته بخالقه ‘ وما نستثيره تلك المعرفة من شعور بالحاجة عليه وإرجاء فيه و الخوف منه، باعتبار هذه الوجدانيات هي المحرك للنزوع والإرادة والسلوك الواقعي.

فإذا انتقلنا إلى مهن المساعدة الإنسانية وخصوصا العلاج النفسي والخدمة الاجتماعية لوجدنا توازنا بين الاتجاهات المهنية السائدة فيها وبين ذات الاتجاهات المتصارعة في العلوم الاجتماعية التي تستند إليها القاعدة العلمية لتلك المهن ، وإذا كنا قد وجدنا أن العلوم الاجتماعية قد حذت في دراستها للإنسان حذو العلوم الطبيعية وتأثرت بتلك العلوم أولا في اتجاهها المادي الميكانيكي القديم ثم أخيرا في منظورها العلمي الجديد ، فإننا سنلاحظ ان أن العلاج النفسي والخدمة الاجتماعية أيضا قد سارت كل منهما على نفس نهج تلك العلوم ، فاتخذت من منظورها التقليدي القديم توجها علمانيا خالصا يستبعد الدين بالكلية من عملية المساعدة ، ثم اتجهت بعض الكتابات فيها أخيرا على استحياء للمطالبة بعلاقة أوثق مع الدين وبأخذ العوامل الروحية في الاعتبار عند تقديم المساعدة.

فإذا بدأنا بالعلاج النفسي فإننا سنجد مباشرة ان كلا من السائرين على نهج مدرسة التحليل النفسي أو المدرسة السلوكية يتخذون بالتبعية نفس المواقف المعادية للدين والعوامل الروحية التي تتخذها تلك المدارس كما يتمثل ذلك في أقوال روادها، فالنسبة للمدرسة الأولى نجد فرويد (24) يقرر ان الأديان ” ينبغي ان تصنف باعتبارها وهما من أوهام الجماهير” وإنها نشأت من حاجة الإنسان لحماية نفسه من قوى الطبيعة الساحقة، وهكذا فإن الإنسان في زعمه هو الذى في زعمه هو الذي يخلق الله وليس العكس ! ومن هنا فغن الدين في رأيه هو نوع من الطفولية Infantilism  التي لابد أن يتجاوز الناس يوما ما ، او انه نوع من المرض النفسي . يقول دوهرتى (25) : عن فرويد قد اعتبر الدين مرضا عصابيا لنه كان بالنسبة له يمثل نكوصا إلى مرحلة الطفولية … ( وذلك من منطلق) أن الإنسان الراشد الذى لا يستطيع التعامل مع مشكلاته بطريقة عقلانية يصيبه النكوص إلى مستوى الدفاعات الطفلية ….

وهذا هو السبب في ان فرويد يرى ان الدين بذلك يعتبر العصاب الوسواس العام للبشر جميعا.

وإذا كان هناك من انشقوا فرويد وخالفوه في الرأي حول هذه القضية ( إضافة على غيرها ) مثل يونج فإن آراءهم لم يتح لها نفس الدرجة من القبول في الأوساط العلمية والمهنية بسبب شيوع الروح المعادية للدين في تلك  الأوساط كما بيننا ، وذلك بالرغم من ان يونج قد عبر عن رائه المتناقضة بكل وضوح وقوة حيث يقرر” ان الدين ابعد ما يكون عن أن الدين أبعد ما يكون عن ان يعتبر مرضا عصابيا ، وادعى انه لم يحدث ابدا أن جاءه مريض بالأمراض العصابية إلا وكان سبب مرضه هو بعده عن الدين ، كما انه لم يعالج مريضا قط إلا وكان شفاؤه بسبب عودته للدين “.

ولكن يونج كان يردد دائما أنه عالم نفس إمبيريقي، ولم يظهر التزامات نحو أي دين معين مما دعا البعض إلى الظن بانه من اللاأداريين أو حتى من الملاحدة. إلا أنه فقط يسجل الواقع المشاهد أمامه (26).

أما مؤسس السلوكية جون واسطون فكان يرى ان جسم الإنسان هو ” الحقيقة الوحيدة”، وان سلوكه وليس وعيه هو الموضوع الصحيح لعلم النفس، وكان يقول إن الناس مستعدون للاعتراف بأنهم حيوانات، غير أنهم يريدون أن يضيفوا إلى ذلك شيئا آخر يخلق المشاكل، ويندرج تحت هذا ” الشيء الآخر” عنده كل ما يعرف بالدين والحياة بعد الموت، والخلاق، والحقيقة العارية في رايه ان على عالم النفس ان يضيف سلوك الإنسان بعبارات لا تختلف عن تلك التي تستخدم في وصف سلوك الثورة الذي ينحره (27).

لا زالت هذه الاتجاهات المعادية للدين منتشرة على نطاق واسع بين المشتغلين بالعلاج النفسي،يمثلها بوضوح قول اليس عام 1980 ” يعتبر التدين من نواح عدة معادلا للتفكير غير المنطقي والاضطراب الانفعالي … والحل العلاجي الملائم للمشكلات الانفعالية هو تخلى الشخص عن تدينه … فكلما أصبح الإنسان أقل تدينا كلما أصبح معافى من الناحية الانفعالية “(28).

ولكن البندول ينطلق الآن في الاتجاه المضاد – كما يقول آلين بيرجن في مقاله الجيد عن العلاج النفسي والقيم الدينية (29) – ينطلق في اتجاهات تبتعد عن النزاعات الطبيعية والغنوصية (اللاإرادية)  والإنسانية (التي تقدس الانسان) التي سيطرت على علم النفس معظم هذا القرن بعد فقد “العلم” سلطانه القديم كمحتكر للمعرفة الحقة بعد ما تبين أن العلم ليس إلا نتاجا ثقافيا حدسيا محملا بالقيم ” ، وقد فتح هذا الطريق امام أنواع من الدراسات للظواهر المتصلة بالوعى والإدراك الذهني التي مهدت الطريق بدورها أمام النظر في إمكانية دراسة القوى الروحية المؤثرة في السلوك الإنساني رغم عدم خضوعها للملاحظة في الوقت الحالي.

وقد استعرض بيرجين افتراضات كل من الاتجاهين الرئيسين الغالبين اليوم في العلاج النفسي وهما الاتجاه الذى أسماه بالنفعية الإكلينيكية Clinical Pragmatism  والذى يتبنى قيما إصلاحية تركز على مساعدة العميل و حقيق ذاته ، ثم أوضح بيرجين أنه رغم اختلاف هذين الاتجاهين إلا ان موقفهما من الدين واحد فقال : ” إن كلا الاتجاهين النفعي والإنساني يبدي عدم اكتراث نسبي بالله وكذا بعلاقة البشر بالله ، ولا يدري إمكانية وجود تأثير للعوامل الروحية على السلوك … وبهذا فإنهما يستبعدان ما يعد واحداً من اكبر الأيديولوجيات الفرعية في المجتمع واقصد بذلك التصورات الدينية الإيمانية التي يعتنقها المؤمنون بالله ويحاولون في إطارها توجيه سلوكهم وفقا لما يدركون انه قد شرعه لهم… ورغم ما للقيم التي تقوم عليها الاتجاهات النفعية والإنسانية من فائدة كبيرة إلا انها أيضا غالبا ما تصبح سببا في تدهور المجتمع ” ، وفي ضوء هذا التحليل فإن بيرجن يدعو رجال العلاج النفسي إلى تبني اتجاه ثالث بديل يطلق عليه الواقعية Theistic Realism  وهو اتجاه يراه ضروريا لتحقيق فاعلية العلاج مع الأشخاص المتدينين من جهة ، كما يراه محققا لبعث الحياة في المجتمع ككل من جهة أخرى.

ويوضح بيرجين المسلمات التي يستند إليه هذا التجاه البديل فيقول: ” إن اول واهم تلك المسلمات هي ان الله موجود، وان البشر هم اهم من خلق الله ،  وأن هناك عمليات روحية غير منظورة يتم خلالها الإيماني من جهة وبين قيم الاتجاهين الآخرين (الإكلينيكي والإنساني ) من جهة أخرى ننقلها هنا لأهمية دلالاتها:

قيم الاتجاه الإيماني

قيم الاتجاهيين التقليديين

1-       الله قوى (متعال) ولذلك فإن

التواضع والخضوع والعظمة والطاعة

لأوامر تعتبر من الفضائل.

الإنسان متعال – تمجيد الذات – الحرية ورفض السلطة الخارجية فضائل.

2-       هوية الإنسان الشخصية خالدة ومصدرها الله، والعلاقة بالله هي التي تحدد قيمة الذات.

هوية الإنسان في هذا الوجود عارضة زائلة العلاقة بالآخرين هي التي تحدد قيمه الذات.

3-       ضبط النفس في إطار قيم مطلقة – الالتزام الأخلاقي الصارم – أخلاقيات عامة.

التعبير عن الذات في إطار قيم نسبية – أخلاقية مرنة – أخلاقيات موقفيه.

4-       الحب والعطف والاستعلاء على الذات أمور أساسية – خدمة الغير والتضحية بالذات محور النمور الشخصي.

الحاجات الشخصية وتحقيق الذات أمور أساسية – الرضا عن الذات محمر النمو الشخصي.

5-       الالتزام والولاء والوفاء في الزواج – التأكيد على الأنسال وحياه الأسرة كعوامل تؤدى على التكامل

6-       المسئولية الشخصية عن الأفعال التي تضر بالغير والمسئولية عن تعديل السلوك – القبول بالشعور بالذنب والمعاناة والتوبة كأساس للتغيير – رد المظالم لأصحابها ضروري

الزواج المفتوح أو عدم الزواج – التأكيد على الإشباع الذاتي أو النظر للجنس كنوع من التزويج دون مسئوليات على المدى البعيد الآخرون مسئولون عن مشاكلنا وعن التغيير الحادث فينا-تقليل الشعور بالذنب على أقصى حد وتخفيف المعاناة دون إدراك الاعتذار عن المظالم

7-       المغفرة لن يسببون لنا الآلام (بما في ذلك الأبوان) تستكمل عملية استعادة الذات في العلاج

القبول بالمشاعر المتهمة للآخرين والتعبير عنها كافيان

8-       التوصل للمعرفة من خلال الإيمان وبذل الجهد الذاتي – المعاني والأهداف تستمد من البصيرة الروحية – المعرفة العقلية لا يمكن أن تنفصل عن الجوانب الوجدانية والروحية

التوصل للمعرفة بالجهد الذاتي وحده، المعاني والأهداف تستمد من العقل والمنطق المعرفة العقلية هدف لذاتها – عزل العقل عن بقية جوانب الحياة

ومن الواضح أن بيرجين يدعو إلى ما يشبه أن يكون إعادة نظر شاملة، وحقيقية في ممارسة العلاج النفسي في الاتجاهات التي تظن انها يمكن ان تعتبر خطوات في الاتجاه الصحيح.

أما بالنسبة للخدمة الاجتماعية فإنها أيضا وفى إطار سعيها للحصول على مكانة مهنية محترمة كبقية المهن الأقدام منها عهدا قد تعمدت إغفال الجوانب الروحية والدينية في ممارستها بصفة عامة حتى تتخذ سمتا مهنيا عاما يمكن معه تطبيقها مع كل الاجناس والأديان مستبعدة بذلك الدين بالكلية، رغم أن الخدمة الاجتماعية كما يقرر فيلسوف الخدمة الاجتماعية الشهير فرانك برونو هي أقرب المهن إلى الدين حيث يقول : ” رغم أن الدين هو أقرب النظم الاجتماعية التصاقا من حيث الهدف بالخدمة الاجتماعية وغيرها من المهن ” (30) ، وتتفق الخدمة الاجتماعية في موفقها هذا التباعد عن الدين مع غيرها من مهن المساعدة الإنسانية عموما كما يرى جوزيف هيس إذ يقرر أن مهن المساعدة الإنسانية الحديثة تكاد تهمل الجانب الروحي من الوجود إلى مجرد تفاعل بين القوى العزيزية ( متابعة لفرويد) والحاجة للحصول على القوة (متابعة لأدلر)(31).

ولقد جاءت الكتابات الرئيسية حول الأسس النظرية والأطر الفلسفية والقيمية للخدمة الاجتماعية مستبعدة لأى إشارة للدين او العوامل الروحية، ويظهر هذا بوضوح  لدى ناتان كوهين حيث نرى الأخير يقرر على سبيل المثال ان الخدمة الاجتماعية في المجتمع الأمريكي تنطلق كلية من منظور إنساني علماني Seculur Humanitarianism  (32)، كما يؤكد لونبرج سيادة هذا التوجه الإنساني العلماني مشيرا إلى أنه إذا كان الأقلون من الأخصائيين الاجتماعيين قد حاولوا الربط بين الخدمة الاجتماعية والدين إلا ان الأكثرين قد اتبعوا اتجاها علمانيا إنسانيا ورفضوا أي محاولة للربط بين الخدمة الاجتماعية والدين ، بل ان بعض الأخصائيون الاجتماعيين يعتقدون ان مجرد الرغبة لدى البعض من الربط بين الدين والخدمة الاجتماعية إنما يدل على عدم نضج شخصياتهم ( جريا وراء مزاعم فرويد من اعتبار الدين امرا طفوليا) ، وهم مقتنعون ان محاولات الربط هذه تعتبر خروجا على المهنية ، وانها تضر بالمكانة العلمية للمهنية(33).

وفي مقال هام كتبه مارتن مارتي حديثا بعنوان ” الخدمات الاجتماعية : مؤمنة أم كافرة ” (34) يقول المؤلف إن أولئك الذين يعيشون في دنيا الخدمات الاجتماعية العلمانية الحاضرة لا يدركون ان هذه الجوانب الروحية بشكل عام يمكن أن ينطلق على الكثير من الديانات والمذاهب حيث يقرران أن الجوانب الروحية ” تتضمن الأنشطة الإنسانية المتصلة باتخاذ القرارات الموجهة أخلاقيا ، والبحث عن معنى وهدف للحياة ، والسعي للتوصل إلى علاقات متبادلة مشبعة بين الأفراد والمجتمع والحقيقة المطلقة Ultimate Reality  أيا كان تصورها ” وبطبيعة الحال فإن معنى الحقيقة المطلقة” هو “الله” عند المؤمنين بالله ، وهذا الاتجاه يفتح المجال أما تجاوز العقبة الكئود التي أعاقت إجراء البحوث في هذا المجال في الولايات المتحدة بسبب التعددية الدينية وعدم إمكان إقرار توجه ديني  واحد يمكن أن تنطلق منه البحوث.

غير أن فينسيا جوزيف تشكو من أنه حتى الآن لم يتم إعطاء العوامل الروحية والدينية ما تستحقه من اعتبار في التنظير للخدمة الاجتماعية رغم أن المهنة تنظر للإنسان بطريقة كلية Holistic، كما تقرر أن ديناميات تفاعل العامل الديني مع بقية عوامل الشخصية في مختلف مراحل العمر ، وكذلك تأثير الدين كعامل من عوامل مواجهة المواقف العسيرة في الحياة Coping جديران بدراسة أعمق ، وهى تعرف الدين تعريفا عاما أيضا ليشمل كل الديانات والمذاهب على أنه ” التعبير الخارجي ( أو الظاهر) عن العقيدة” ثم توضيح ما تقصده بالعقيدة على أنها ” المعتقدات الداخلية والقيم التي تربط بين الشخص وبين قوة أسمى أو بينه وبين الله”.

ثانيا: دعوى الموضوعية والحياد القيمي

رأينا في الفصل الأول كيف أن الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية الخاصة التي نشأ في ظلها العلم الأوروبي الحديث وتطور قد أدى في النهاية إلى صياغة نظرية المعرفة (الأبستمولوجيا) التقليدية واتجاهات تنأى بالعلم وتترفع به عن أن تكون له أدني صلة بالتصورات الدينية السائدة في الحضارة الغربية…. في اتجاهات تحصر اهتمامات العلم في الظواهر التي يمكن مشاهداتها بالحواس، والتي تتوقف بالتالي عند دراسة ما هو كائن وواقع دون إعطاء أي مشروعية علمية لتقويم هذا الواقع.

رأينا أن مؤسس علم الاجتماع في صورته الحديثة أوجيت كونت قد كان هو في الوقت ذاته مؤسس الاتجاه الوضعي الذي ارتبط ” بالدعوة إلى تحقيق الموضوعية العلمية في مجال الإنسانيات تماما كما تم تحقيقها في مجال الطبيعيات، (حيث) اعتبرت الوضعية ابتداء أن ارتباط العلم بالأخلاق والقيم من مخلفات القرون الوسطى … ولقد فصل رواد علم الاجتماع الأوائل بين … ما الخدمات الاجتماعية الحديثة لا تمثل غلا الصفحة الخيرة في كتاب يضم خمسين صفحة من الخدمات الاجتماعية المنطلقة من الدوافع الدينية والممولة والمنظمة في اطر دينية ن ويشير المؤلف إلى الأعراض والاضرار التي ترتبت على ما اسماه بعلمنة الخدمة الاجتماعية Secularization of Social Workحيث يعرف علمنة الخدمة الاجتماعية بانها تتضمن – على اقل تقدير – فكرة ان الدين (بالمعنى الأيديولوجي أو بالمعنى المؤسسي) لا شان له لا بتوجيه ولا بتشكيل عالم الخدمة الاجتماعية.

ويبين مارتي أن انعكاسات هذه العلمانية المهنية تتجلى في إهمال الدين في كتابات المهنة حتى إن العوام الطويلة تنقضي دون ان يظهر في المجالات المهنية مقال واحد يلمس موضوع الدين، كما أن كليات الخدمة الاجتماعية نادرا ما تتضمن مقرراتها إشارة إلى الأصول الدينية للمهنة، وقد أدى هذا فيما يرى إلى وجود ” فجوة تصورية بين الأخصائيين الاجتماعيين وبين الناس الذين تقدم لهم الخدمات الاجتماعية. أولئك الناس الذين قد تكون لديهم دوافع تحركها الرغبة في إيجاد معنى (لحياتهم)، ولكن لك الدوافع والرغبات لا تجد صدى عند الأخصائي الاجتماعي الذي يستبعد في لغته المتخصصة أي اهتمام بهذه النواحي”.

ولقد تساءلت (35) قبل ذلك بسنوات طويلة وبعبارات تتضمن العجب الشديد من هذا التوجه لدى الأخصائيين قائلة: ” إذا كانت هذه الحاجات والدوافع الروحية هي جزء حقيقي لا يتجزأ من حياه تلك الأعداد الكبيرة من الناس، وإذا كان استخدام العقيدة الدينية له تلك القيمة الحقيقية أو المحتملة لمثل هذه الأعداد الغفيرة من الناس، فإن المرء ليتساءل عن أسباب تردد الأخصائيين الاجتماعيين في الاعتراف بتلك الحاجات ومقابلتها في هذا المجال من مجالات رفاهية الانسان. كما يتساءل المرء عن الأسباب التي تجعلهم أكثر ارتياحا في العمل في مجال الحاجات البدنية والعقلية والانفعالية …..” ، ثم تشير بعد ذلك بنفسها إلى بعض هذه الأسباب والتي تتمثل في الاتجاهات السائدة في ثقافة المجتمع الأمريكي والحضارة الغربية المعاصرة عموما حيث يسود اعتقاد بأنه ليس من حسن الأدب مناقشة الآخرين في الأمور الدينية والاعتقادية ، مما جعل الأخصائيين الاجتماعيين يتخذون موقفا متمتعا من الخوض في الأمور الدينية مع العملاء ، ويمكن أن يرجع السبب في هذا أيضاً إلى ما ذكرناه من تعد الديانات والمذاهب ، بل و الألحاد في المجتمع الأمريكي مما يصعب معه اتخاذ موقف عام موجه بأحد الأديان دون سواه.

ويؤكد هذا ما وجده دادلى وزميلته في دراسة ميدانية أجريت على 53 من أساتذة الخدمة الاجتماعية في الولايات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية للتعرف على مرئياتهم فيما إذا كانوا يوافقون على ان تتضمن مناهج الدراسات العليا في الخدمة الاجتماعية مقررا يدور حول الجوانب الروحية و الدينية في محيط العمل مع العملاء ، إذ إنهم وجدوا تخوفا لدى البعض – وبوجه خاص لدى الأساتذة الذين يدينون باليهودية – من تدريس مثل هذا المقرر منهجا مقارنا يضم جميع الديان والمذاهب ويشترك في تدريسه أساتذة معتمدون ينتمى كل منهم إلى واحدة من تلك الأديان (36) .

اما أدروارد كاندا فقد اثبتت الفائدة الكبرى التي تعود على الاخصائيين الاجتماعيين إذا تضمنت برامج إعدادهم مثل هذه المادة موضحاً ان ” الدين جانب من جوانب الثقافة والخبرة الإنسانية وأنه يؤثر على السلوك الفردي والجماعي، وأن كل إنسان له حاجات روحية تتصل بإيجاد معنى وهدف لهذه الحياة. فالمعتقدات والممارسات الدينية غالبا ما تلعب دوراً حاسما في فهم الإنسان لنفسه وللعالم حوله خصوصا فيملا يتصل بالتوصل إلى نوع من المعنى و الهدف في العلاقات بين الذات والآخرين والبيئة والحقيقة المطلقة … إن الأخصائيين الاجتماعيين يحتاجون للحصول على إعداد يمكنهم من التعامل مع الجوانب الدينية والروحية في الخبرات التي يمر بها عملاؤهم مثلها في ذلك مثل بقية الجوانب الأخرى”(36) ، وقد بذل كاندا جهدا كبيرا في توضيح الفلسفة التي يقوم عليها إدخال مثل هذه المادة التعليمية والضوابط التي ينبغي مراعاتها عند تدريسها ، بل وأعطى مثالا لتطبيقها من خبرته الذاتية لطريقة إدماج مثل هذه المادة في أحد المقررات التي يقوم بتدريسها ، ولكنه كما رأينا بالنسبة لغيره مضطر للسير في طريق الدراسة المقارنة للأديان والمذاهب المختلفة في تأثيراتها الإيجابية والسلبية على العملاء ، كما أنه لم يتمكن من النفاذ لجوهر القضية على الوجه الذى يوحى به ما نقلناه عنه في صدر هذه الفقرة مما يمكن أن يستنبط منه  أهمية تناول الموضوع في جميع المقررات الدراسية .       

ولكن العديد من الشواهد قد بدأت تشير الآن إلى اهتمام متنام بالجوانب الروحية والدينية في الخدمة الاجتماعية   في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم كما يقرر ذلك أدوارد كاندا في مقاله القيم الصادر عام 1988 من ” تنوع التوجهات الدينية والروحية وممارسة الخدمة الاجتماعية” (38) حيث يشير إلى ظهور عدد كبير من المقالات والكتب وإلى عقد المؤتمرات في السنوات الأخيرة حول مختلف جوانب العلاقة بين الدين والخدمة الاجتماعية ، كما يشير بصفة خاصة على إسهام ماكس سيبورين وأيرين في توضيح معنى  يسمونه أحكام الواقع واحكام القيمة…

فقد كانت القيم تمثل في نظر علماء الاجتماع أخطر عائق في سبيل تقدم البحث العلمي حيث اعتقدوا أن البحث العلمي لابد وأن يكون بحثا محايدا ومجردا من كل القيم والمعايير الأخلاقية ” (39).

وجاء ماكس فيبر الذي نسج أو نسجت حوله كتاباته ” خرافة ان العلوم الاجتماعية ينبغي ويمكن لها ان تلتزم بالحياد القيمي Value –Free على حد تعبير الفين جولدنر في مقاله الشهير الذي هاجم فيه بعنف ” خرافة علم الاجتماع المتحرر من القيم ” (40)، والذي أكد فيه أن الفكرة الشائعة عن إمكانية وجود علم اجتماع محايد قيميا مستحيلة وسخيفة Absurd، وتساءل جولدنر عما يعنيه علماء الاجتماع عندما يتحدثون عن العلم الملتزم بالحياد القيمي قائلا: هل يقصدون أنه ” بالفعل” متحرر من القيم أم أنه ” ينبغي” أن يكون كذلك؟ هل يريدن لعلماء الاجتماع ألا يكونوا مبالغين بالنتائج الأخلاقية المترتبة على بحوثهم؟ أم يرون أن بإمكانهم إصدار الأحكام القيمية بشرط عزلها عن الاحكام الواقعية؟ هل يقصدون أن على علم الاجتماع ألا يتخذ المبادرة لكي يتبين (بناء على خبرته) لغير المتخصصين خطأ بعض الآراء التي ستعنقونها دون تمحيص؟ أم يقصدون أن عليه أن يلتزم الصمت فلا يتكلم إلا عندما يدعى للكلام عن النتائج المترتبة على بعض السياسات العامة في الأمور التي تقع في نطاق اختصاصه؟ إلى غير ذلك من التصورات التي تبدو من تحليل كتاباتهم.  

ثم يسير إلى ان الكثيرين من علماء الاجتماع ممن يؤمنون بأن هذا العلم محايد قيميا يقصدون أشياء مختلفة جدا عن بعضها، ويلتزمون بتلك التصورات دون تمحيص جاد للأسس التي تقوم عليها تصوراتهم، ويوضح أن فيير نفسه لم ين يمانع في التعبير عن القيم إذا تحرر البحث من الخلط بينها وبين الحقائق، كما أنه كان أكثر اهتماما باستبعاد القيم “السياسية” أكثر منه استبعاد القيم ” الدينية أو الجمالية”.

ويكشف لنا جولدنر عن الأسباب التي كانت وراء دعوة فيبر نفسه إلى أن يتصف علم الاجتماع بالحياد القيمي قائلا : إن هذه الدعوة كانت بمثابة ” عقيدة شخصية جدا لدى فييبر ، وأنها كانت نابعة من ظروف معينه عايشتها الجامعات الألمانية واستاذتها في تلك الفترة ، وعاشها علة الاجتماع كعلم ناشئ (41) ، ولكن هذه الدعوة يقول قد تحولت عند علماء الاجتماع اليوم إلى جواز مرور شكلي فارغ من المضمون يتذرع  به الباحث المتوقف عن التفكير الجاد، ثم يوضح انه إذا كان هذا الموقف قد افاد علماء الاجتماع بحريرهم من الاندفاع القهري وراء القيم الأخلاقية للثقافة المحلية التي يعيشون في إطارها ، إلا أنه أن جانب آخر قد أدى بهم إلى نوع من ” اللامبالاة الأخلاقية واللامعيارية الفاقدة للاتجاه”.

غير أن جولدنر يرى أن ” المذهب الذي يؤمن بأن علم الاجتماع ينفى ان يكون محايدا قيميا إنما هو الامتداد الحديث للصراع القديم بين الدين والعقل، ولقد نشأ هذا المذهب ولا زال يعيش على الاتجاهات التي سادت القرن الثالث عشر الميلادي لإيجاد فواصل أو حواجز بين الدين والعقل إنما يخلق هوة بين العلم والقيم وينطلق من (نفس الطريق الذي سلكه سابقوه ممن حرصوا على إبقاء كل من الدين والعلم في مجال منفصل عن الآخر)” (42).

وإذا كان جولدنر قد ألقى الضواء ” التاريخية” على أصول الدعوة إلى علوم اجتماعية محايدة قيميا كما بين العوامل ” الشخصية والمهنية” التي أفرزتها عند فيبر وعند من تابعوه بعلم أو بغير علم ، إلا أن التحليل الواقعي لكتابات علماء الاجتماع يكشف لنا من جهة أخرى أنهم لم يلتزموا ” واقعيا” بما كانوا يدعون إليه نظريا من تمسك بالحيدة العلمية بإزاء القيم والثقافة ، بل كانوا جميعاً يؤكدون على سيادة وتفوق النمط الغربي ثقافيا ً وسياسياً واجتماعياً وسلوكياً وأخلاقياً ؛ مما يجعل حيادهم القيمي محل تساؤل شديد ، ويشير جوليان فرويند إلى أن ماكس فيبر يكاد لا يرى أصالة أو تفردا أو عقلانية إلا في الغرب والغرب وحده ، حتى وصل به الحال إلى التساؤل عما إذا كانت تلك الأصالة راجعة إلى صفات وراثية عندهم !.

أما دور كايم فإنه كما يقول رايموند آرون ” قد سخر علم الاجتماع لأهداف إصلاحية لأهداف إصلاحية تقوم في جوهرها على أسس علمانية وإلحادية ومادية قصد إحداث تغييرات عميقة داخل البنية الاجتماعية والثقافية الغربية، ولم يمنعه التزامه العلمي من التصريح بأن علم الاجتماع لم يكن ليستحق ساعة من الاهتمام إذا لم يمكنا من تحسين المجتمع “، ومن الواضح أن ” أية نظرة إصلاحية إلى المجتمع وأية محاولة في سبيل تغيير الوضع القائم نحو نموذج اجتماعي أمثل لابد وأن … تتم في ضوء معايير تعبر عن قناعة الباحث الاجتماعي وتستجيب للغايات التي تهدف اليها “(43) ، فهل يمكن و الحال هذه أن نتحدث عن حياد قيمي عند هؤلاء ؟ أم يكون الأوفق أن نتحدث عن تمركز ذاتي حضاري   Ethnothentrism يعمى ويصم.

ماذا كانت نتيجة ذلك الحياد القيمي المزعوم ؟ يقول محمد أمزيان ” لقد كان لهذا التوجه المنهجي الذى سارت فيه الوضعية نتائج خطرة على المستوى الاجتماعي والأخلاقي ، فلم يعد الأمر يقتصر على تجاهل القيم الاجتماعية واستبعادها من مجال الدراسة وحسب، بل أن هذا الفصل المنهجي أدى إلى تبرير الواقع الاجتماعي الفاسد بالتأكيد على القيم السائدة أيا كانت طبيعتها وبغض النظر عن سلبياتها وإيجابياتها ، وان استبعاد النظرة المعيارية النقدية من مجال الدراسة معناه قبول هذا الواقع كما هو ( ما دام) السبيل الوحيد إلى إدراك حقيقة المجتمع هو استقراء المحسوس كما ( يتبدى) في سلوك الناس وتصرفاتهم ، والقيم السائدة في وسط اجتماعي ما – حسب الوضعية – تعبر عن ظواهر صحية وسليمة لأنها تعبر عن رغبات المجتمع واتجاهه الأخلاقي … فالمقاس الذي تتحدد وفقه المثل الاجتماعية يتحدد وفق ما هو موجود وشائع بين الناس ” (44) ، ويضيف إسماعيل الفاروق إلى ذلك قوله: ” إن التطهير المعتمد للعلوم الاجتماعية من جميع اعتبارات القيم الجوهرية قد جعلها عرضة للتأثير بأي قوة تتعرض لها ، وكانت النتيجة لذلك هي استحواذ الحقائق الواقعية لأى مجتمع على المقدرة لتكوين المعايير الخاصة به “(45).

وبلغة أخرى فإننا إذا أعطينا السلوك الواقعي والقيم الاجتماعية الحاضرة التي تمت دراستها واقعيا في مجتمع ما الصلاحية لتكون المعيار النهائي للحكم على الصواب والخطأ ن وإذا  عرفنا أن من يملكون القوة في المجتمع يكون لهم قدرة أكبر للتأكيد على معايير وقيم تصبح ” هي” المعايير والقيم السائدة ، أدركنا أننا من هذا المنظور إنما  نكرس الوضع الراهن دون أدنى أمل في الخروج نقديا من إسارة في ضوء أي معايير ذات صدق خارجي ، سواء كنا على وعى بذلك أو م نكن واعين به، كما أن هذا يفتح الباب من جهة أخرى أمام الداعيين إلى ” مذاهب النسبية والتشكك والذاتية” مما يبطل أثر العلوم الاجتماعية ويفسد قوة الإيمان والعقيدة والخير والواجب في تقدير مسارات الحياة و التاريخ (46) .

ولعل المثال التالي من العلوم السياسية أن يقدم لنا استبصار أكثر بالقضية على اعتبار أن السلوك السياسي يتعامل مع حقائق الحياة اليومية الملموسة في ضوء الصراع أو الموازنات بين القيم ، ومن هنا تتبدى قضايا العلوم الاجتماعية في نطاق ظواهره بوضوح أكبر ، يقول راشد موتنى(47) : ” إن العلوم السياسية في العالم الغربي بكل تأكيد ليست محايدة قيميا ن ورغم أن معظم رجال العلوم السياسية الغربيين يتخذون سمتا يبدو في ظاهره كالتزام صارم بالحياد القيمي فإنهم يؤكدون ( من جهة أخرى) على قضية الديموقراطية الليبرالية الغربية التي تتوقف اهتماماتها عند الربح وتحقيق أقصى ربح ممكن” ، وينقل عن كريستيان بأي قوله: ” إنهم يخلطون التوجهات الديموقراطية  المتعارف عليها بالموضوعية العلمية ” ، وبهذا فإن المعارف التي يتم التوصل إليها في دراساتهم تكون منصهرة بشكل خفى مع الشخصية والتوجه العام للحضارة الغربية مما يترتب عليه أن الآخرين يأخذون تلك المعارف بقضها وقضيضها دون وعى منهم مسلمين بأنها تمثل معرفة علمية خالصة في ذاتها.

وإذا كان أنصار النموذج العلمي القديم يدعون بالحاج إلى بناء العلم على ما يرون أنه ” حقائق” واقعية إمبريقية فقط، ولا يرون أي مكان في صرح العلم للقيم أو المسلمات التي لم يتم التحقق من صدقها بالرجوع إلى الواقع المحسوس، فإن هذا التصور يتناقض مع واقع العلم الحديث نفسه الذي يقوم على ” تأكيدات قيمية” وعلى مسلمات غير علمية Nonscientificعلى حد تعبير وليام جود وبول هات (48). حيث يشيران إلى أن العلم يقوم على المسلمات الآتية التي لا يمكن إثباتها علمياً:

إن العالم ” موجود”.

إن بإمكاننا ” معرفة ” العالم.

إن الحواس وحدها ” هي طريقنا إلى معرفة العالم”.

إن الظواهر مرتبة ببعضها ارتباطا ” سببيا”.

ومن الواضح ان تقسيم العمل الحديث قد أدى إلى ان تقع مناقشة مثل تلك القضايا الاشمل – والتي تتحكم في الإطار الذى يعمل في نطاقه العلماء – في عمل المتخصصين في فلسفة المعرفة ( الأبستمولوجي) ، أو فلسفة العلم ، أو علم العلم، في حين يظل الباحث الغارق إلى أذنيه في التفاصيل الدقيقة لبحوثه المتخصصة الضيقة غير واع بتلك القضايا وغير مهتم بها أصلا وغير مدرك لدلالتها أو لمغزاها بالنسبة لما يقوم به هو من عمل ، وهو يظن  أنه يحسن صنعا وأنه يقف على أرض صلبة ، في حين أنه في الواقع كمن يحرث في البحر أو يعطى ظهره للطريق الذى أعلن أنه ينوى السير فيه.

وإذا كان البعض قد لا يتصورون إمكانية الشك ” في المسلمات غير العلمية ” التي يقوم عليها بناء العلم الحديث في منظوره القديم فإن وجود وهات يوضحان أنه بالنسبة للمسلمة الأولى مثلا فإن ” كل الجهود التي بذلت لإثبات أن العالم موجود قد باءت بالفشل، بل إنه يمكن في الواقع إنكار وجود العالم على أسس فلسفية”، ومعنى ذلك أن العلم الذي تقوم أعمدته على التحقق والتطابق مع الواقع إنما يقوم هو نفسه على مالا يمكن التحقق منه، لا لسبب إلا لأننا ” نرغب في التسليم بتلك المسلمات ” ليقوم صرح العلم.

أما بالنسبة لمسلمة إمكانية معرفة العالم أصلا وان الطريق الوحيد لمعرفة الحقيقة هو استخدام الحواس، فإنها مسلمات تحيط بها الشكوك من كل جانب عند كثير من العلماء، فأصحاب النظرة العلمية القديمة أنفسهم تشككوا في إمكانية معرفة العالم أصلا كما يقول ىجروس وسانسيو (49)،  فالسير فرانسيس بيكون الذى يعتبر أبا العلم الحديث وصاحب المهج الاستقرائي بدأ ” بإثارة الشكوك حول الحواس بصفة عامة” على أساس أن ” شهادة الحاسة وما يرد إليها من معلومات ترجع على الدوام إلى الإنسان لا إلى الكون” على حد تعبير بيكون نفسه ، الذى شكك أيضا في قدرة العقل البشرى على إدراك العالم قائلا : ” إن العقل اشد عرضة للخطأ من الحاسة كثيرا … فالشيء المؤكد هو أنه مثلما تحرف المرآة غير المستوية أشعة الأجسام تبعا لشكلها ومقطعها ، كذلك لا يستطاع التعويل على العقل حين يتلقى صوت الأشياء عن طريق الحاسة في أن يكون أمينا في نقلها ، إذ إنه في نقل انطباعاته يخلط بين طبيعته الخاصة وطبيعة الأشياء “.

وإذا كان الإنسان لا يستطيع الثقة بحواسه ولا بعقله فعلى أي شيء يعتمد في معرفة العالم ؟ يجيب آجروس وستانسيو بأن بيكون كأنه قد وجد البلسم الشافي في ” التجربة” التي تصحح خداع الحواس حيث يقول ” أنا لا أقيم كبير وزن لإدراك الحاسة المباشر في حد ذاته ولكنني أحتال للأمر بحيث تقف وظيفة الحاسة عند الحكم على التجربة ثم تقوم التجربة ذاتها بإصدار الحكم …(إن) طبيعة الأشياء أيسر كشفا عن ذاتها تحت ضغط الحيلة البارعة منها وهى تتمتع بحريتها الطبيعية “، وقد فعل ديكارت نفس الشيء أي ” الارتياب في حواسه وعقله تماما كما فعل بيكون فهو يتساءل : ما الذى يضمن ان أيا من أفكاري واحاسيسي يمثل أي شيء خارج كياني ؟ ولكنه لا يلبث ان يرى انه لا يستطيع ان يشك في ان أفكاره هو موجودة، فحتى لو كانت هذه الأفكار لا تمثل شيئا خارج نطاق عقله فهي مع ذلك حقيقة … ومن ثم فهو يقول كلمته المأثورة: انا أفكر إذن انا موجود، وعند ديكارت أن ” النا هي أدني إلى اليقين من وجود العالم”.

والآن فإذا رأينا أنه لم يعد هناك من مناص أمام أنصار التوجه العلمي القديم من التسليم بأن العلم ذاته مبنى على قواعد ودعائم قيمية وغير – علمية Non – Scientificعلى الوجه الذى شرحه جود وهات ، فإن هناك اتفاقا في الرأي بين الجميع على ان القيم يمكن استخدامها لتوجيه خطوة اختيار مشكلة البحث  أو حتى خطوة وضع الفروض ، ولكنها لا تتجاوز هذه الخطوات لا لتوجيه الملاحظات ولا للانتقاء من بينها في مرحلة التحقق من صحة الفروض ، كما انه لا خلاف من زاوية أخرى على أن القيم ذاتها يمكن ان تكون ” موضوعا” للدراسة والبحث كظواهر ناشئة عن عملية التنظيم الاجتماعي التي يمكن دراستها بطريقة موضوعية ، ولكن موضع النزاع يمكن في استخدامها لتفسير الملاحظات وإضفاء المعنى عليها ، فهنا نجد أنصار التوجه العلمي القديم يعترضون على ذلك أشد الاعتراض رغم انهم يرتضون ما يقل عن ذلك كثيرا من حيث إمكانية الاعتماد عليها ، كالاعتماد في بناء النظرية على التخمينات وما يسمى بالتفكير الإبداعي مثلا – على الوجه الذى نفصله في الجزء الثاني من هذه الدراسة عن شاء الله.

أما التوجه ” الجديد” في العلم فإنه لم يتحدث عن الموضوعية وإنما عن ” الذاتية المشتركة” Intersubjectivity  ، يقول ستانلي سترونج (50) : ” إن الإدراك ليس فعلا سلبيا ولكنه تأويل إيجابي للواقع الخارجي ، فالواقع ليس شيئا معلوما ومسلما به ولكننا نقوم إيجابيا ببنائه (بأنفسنا) ، ولذلك فإن إدراك أي منا للواقع إنما هو بالضرورة إدراك ذاتي ومرتبط بالشخص ذاته ، ولكن لما كانت نظرة الجماعة التي ينتمي إليها كل منا تتضمن بعض أوجه الاتفاق والتجانس فإن أعضاء كل جماعة يشتركون في رؤية ” موحدة نسبيا” للعالم وفى” تفسير مشترك” للواقع ،ولا يشترط أن يكون هذا الفهم المشترك للجماعة متطابقا تماما مع الواقع الخارجي ، ” فالواقع الخارجي – كما يوجد بصرف النظر عن من يدركه – لا يمكن ببساطة أن نعرف نعرفه موضوعيا فالواقع كما يظهر لنا في الرؤية المشتركة يكون ذا صدق ذاتي مشترك   Intersubjectivity Validأما عن الصدق الموضوعي فلا يمكن الوصول إليه”.

والواقع أنه حتى لو كان من المقبول أن نتحدث عن الموضوعية والحياد القيمي في العلوم الطبيعية، فإنه لا يمكن التسليم بذلك النهج في دراسة الإنسان (ذلك أن) العالم الطبيعي يبحث موضوعات محايدة، والنتائج التي ينهى إليها في أبحاثه يتساوى تأثيرنا فيها، وليست لدى الانسان مصلحة في تغليب نظرته في العلم الطبيعي على الأخرى (هل يمكننا التسليم حتى بهذا في ضوء التناوب مثلا بين المنادين بنظرية التطور ونظرية الخلق؟) اما في حالة العلوم الإنسانية فإن الموضوعات التي يتناولها والنتائج التي تتوصل إليها تؤثر تأثيرا بالغا في قيمنا وغايتنا وتمس مصلحتنا واهتمامنا … وحين نقترب من المجال الإنساني فإن العلم لابد ان يتداخل مع المصالح ومع القيم ويصبح الحياد والموضوعية التامة أمراً عظيم الصعوبة” (51).

ونضيف إلى ذلك انه يكون أمراً غير مرغوب فيه على الإطلاق؛ لأن الحياة الاجتماعية    في أي مجتمع إنما تستند إلى النسق القيمي المعين الذي يرتضيه الناس ويختارونه من بين جميع الأنساق القيمية المحتملة والممكنة واللانهائية في تعددها، فلو سلمنا الكل مجتمع بالصدق – الذاتي لنسقة القيمي الخاص لأنهينا إلى نسبيه يستحيل معها أي علم اجتماع ذو طبيعة عامة، ولو لم نسلم بذلك صراحة فإن الواقع الذي نراه في علومنا الاجتماعية اليوم هو التسليم بذلك ضمنا ، وذلك من خلال فرض رؤية قيمية موجهة لبحوثنا مستمدة من واحد فقط من الإنساق القيمية اختارته الحضارة الغالبة في حقبه زمنية معينه ، ويزعم أصحابه ان له صدقا مطلقا كما هو الحال مع العلوم الاجتماعية المستمدة من المصادر الغربية اليوم.

وينبني على هذا نتيجة هامة جدا تتمثل في أن أي تصور شامل حقيقي يصلح لكي نرد إليه تلك الأطر القيمية المعيارية النسبية لا يمكن ان يأتي من مصدر بشرى، (فكل المجتمعات والجماعات البشرية متساوية في نسبة قيمها، ولا يستطيع أي منها ان يفترض لنسقه القيمي صدقا عاما لمجرد تغلبه الحضاري على غيره)، وإنما لابد ان يأتي ذلك الإطار الموضوعي المحايد من مصدر خارج نطاق البشر Extra – Human، أي مصدر إلهي.

ومن هنا نرى ان الخروج من هذا الطريق المسدود الذي سارت فيه العلوم الاجتماعية ردحا من الزمن، ونقصد بذلك الطريق الذي رسمته خرافة العلوم الاجتماعية الموضوعية المتحررة من القيم، الذي يتحلل في النهاية إلى تكريس نسبية قيمية ووقوع في أسر أطر ثقافية بعينها تعزي إليها قيمة موضوعية عامة؛ نقول ان تجاوز هذا الطريق المسدود لا يمكن ان يتم إلا بالجمع بين الأطر التصورية الإلهية العامة (الموضوعية)من جهة وبين الأطر البشرية النسبية أو الذاتية من جهة أخرى.

ولقد عبر أمزيان (52) عن مثل هذا الموقف بشكل جيد إذ أوضح أنه كانت الدعوة إلى التزام الموضوعية الخالصة في علم الاجتماع قد استهدفت استبعاد الحكام المعيارية تخلصا من نسبية المعايير قابليتها للاختلاف والتعارض زمانا ومكانا فانتهت إلى تكريس الواقع المحدود بالزمان والمكان أيا كان ‘ فإن التزام الموضوعية يمكن ان يتحقق في إطار الإسلام يأخذ المعايير ” من الوحى نفسه الذى يتجرد عن كل النزاعات الشخصية و الذاتية … ومن ثم فليس لنا ان نستبعد النظرة المعيارية ما دامت العلة الأساسية التي من أجلها استبعدنا الميتودلوجيا الوضعية منتقية”.

كما يعبر د. إسماعيل الفاروقي (53) عن نفس المعنى بطريقته الفريدة قائلا : ” يدعى الغرب أن علومه الاجتماعية تتم بالصفة العلمية لأنها محايدة وتتعمد تفادي الاحكام والتفصيلات الإنسانية ، وتعامل الحقائق باعتبارها حقائق ونتركها تتحدث عن نفسها ، ولكن ذلك كما رأينا يعد ادعاء باطلاً ، ومن ثم فغنه بدلاً من الامتناع عن تحليل النواحي القيمية بطريقة سرية – فإن العالم الأصيل يحاول أن يحلل كل جوانب الظاهرة المعروضة ويضع ذلك علناً … إن إضفاء الصبغة الإسلامية على العلوم الاجتماعية يجب ان يعمل على إظهار العلاقة بين الواقع المدروس بالجانب من النموذج الإلهي المتصل به ، ولما كان النموذج الإلهي هو المعيار الذى يجب أن يتحقق في الواقع فغن تحليل الأمر الواقع ينبغي الا يغفل أبدا ما يجب أن تكون عليه الأشياء “..

وإذا كان قد تبين لنا الآن استحالة الظن بوجود ” علوم اجتماعية ” محايدة قيميا في الواقع كما يشهد بذلك تاريخ  الفكر الاجتماعي ، بل وعدم جدوى ذلك حتى إن كان ذلك ممكنا ، وإذا كان قد تبين لنا ان هناك أضراراً جسيمة تلحق ليس فقط بالعلوم الاجتماعية  بل بالمجتمعات البشرية كلها من جراء هذا التوجه الزائف ، فإن نفس الشيء ينطبق من باب أولى على ” مهن المساعدة الاجتماعية” التي يفترض أنها في الأساس تجتهد لإحداث تغييرات في اتجاهات مرغوبة اجتماعيا أي موجهة قيميا ، ذلك ان الضرر الواقع في حق الأفراد الذين نساعدهم وفى حق المجتمع الذى يكون أبلغ إذا سارت تلك المهن في الاتجاهات التقليدية المفرغة من القيم مهما كانت المبررات التي تساق لتبرير ذلك الوضع.

ولقد عبر ماكس سيبرين عن الاتجاه الذي سارت فيه مهنه الخدمة الاجتماعية طوال حقبة كبيرة من عمرها فقال في عام 1975 غنه خلال نصف القرن الماضي لم تكن هناك شعبية كبيرة للحديث عن الفلسفة الأخلاقية في الخدمة الاجتماعية، وبدلا من ذلك فقد كان النموذج العلم – المتحرر من القيم، وخصوصا ” العلوم الاجتماعية – المتحررة – من القيم ” ، هو النموذج المثالي الذى تحتذيه المهنة، حيث حاول الأخصائيون الاجتماعيون ان يتوصلوا إلى قيم يمكن قياسها كميا بدلا من ان يجهدوا انفسهم في التعامل مع القضايا الفلسفية الكبرى التي تتسم بالغموض رغم أنهم بذلك قد ضيعوا البعاد الاشمل التي تتعلق بمعنى الحياه . ويضيف هوارد جولدشيتين (54). إلى ما نقله عن سيبورين قوله: إن الاخصائيين الاجتماعيين عندما وجدوا أن نظرياتهم لا تسعفهم في مواجهة تعقيدات المسائل المتصلة بالقضايا الأخلاقية بالتركيز على الجوانب ” العملية” واتخاذ موقف حيادي يتجنب إصدار الاحكام.

ولقد قم كولين بيل في عام  1988 (55)  بتحليل الاتجاهات السائدة في بحوث الخدمة الاجتماعية في الخمس سنوات الأخيرة ، فتبين له انه رغم سيادة الاتجاه الإمبيريقى الذى يقتفى اثر الإمبيريقية الوضعية أو الوضعية الجديدة او الوضعية المنطقية ، إلا أنه قد وجد اتفاقا عاما على عدم الرضا عن ذلك الاتجاه الإمبيريقى ، وإن كانت الاتجاهات نحوه تتفاوت ما بين الرغبة في تعديله وإصلاحه إلى ثورة عليه ، كما تبين له ان الثائرين على الاتجاه الإمبيريقى لديهم بديل يطرحونه بقوة هو الاتجاه المعياري Normative Approach  ، الذى يقوم على الاعتراف بالقيم ، وإيجاد التكامل بينها وبين المعارف ، مع أخذ الجوانب الذاتية والاستبصار والحدس في الاعتبار ، وقد عقد بيل مقارنه بين الاتجاهين الإمبيريقى والمعياري نحتذى منها ما يلى : 

الاتجاه الإمبيريقى

الاتجاه المعياري

–            العالم يمكن ” التنبؤ” بظواهره، ويمكن معرفته ويمكن قياسه.

يمكن ” تفسير” الواقع واكتشاف ما تعنيه بالنسبة للناس.

–            الواقع يمكن إدراكه ” كأجزاء” متفرقة فقط.

لا يمكن فهم الأجزاء إلا في ” إطارها” الاشمل

–            السلوك يمكن تفسيره بطرق ” سببية حتمية – نزعة ميكانيكية.

السلوك ” هادف وابتكاري” – يمكن تفسيره ولا يمكن التنبؤ به.

–            مصدر المعرفة هو التجريب والملاحظة وأساسها اليقين المستمد من الخبرة ” الحسية”

المعرفة تنشأ من التفسير و” البصيرة”، وأساسها الاتصال المتعاطف مع المبحوثين.

رفض كل معرفة ميتافيزيقية

الرموز والمعاني غير الظاهرة أساسية للفهم.

–            الفصل بين المعارف والقيم – القيم والمسائل الأخلاقية تقع خارج نطاق اهتمام العلم.

القيم يمكن أن تخضع للدراسة – نسبية أخلاقية تؤدى إلى عدم الاكتراث بالقيم – أو إلى فردية فوضوية.

–            رفض التفسيرات الروحية – فصل واضح بين العلم والدين.

نسبية المعتقدات الروحية – هذه المعتقدات لها أهميتها لبناء المعاني اجتماعيا.

–            الموقف المحايد قيميا يدعم ضمنا سيطرة الوضع الراهن.

اتجاه محافظ لعدم وجود تحليل بنائي أو تاريخي للمجتمع

والمتأمل للجدول السابق لا يملك إلا ملاحظة التوازي الواح مع ما سبق أن وجدنا لدى المشتغلين بالعلاج النفسي والذي وصفه بيرجن في شكل مقابلة بين الاتجاهات التقليدية الإكلينيكية والإنسان من جانب وبين الاتجاه الإيماني البديل من جانب آخر، ولكن بيل بعد أن ينهى من المقارنة بين الاتجاهين يقرر أن ” الصورة الكلية التي تنبثق من الوصف السابق تشير إلى أن العلاقة بين الاتجاهين المعياري والإمبريقي إنما هي علاقة تناقض عدائي. (ومع ذلك فإن) كلا من المنظورين مرتبط بالآخر ارتباطا وثيقا …. بحيث يكونان معا وحدة أكبر … إن المشكلة تكمن في أن كل فريق لا يستطيع أن يدرك أن كلا الجانبين يضع يده على جانب من جوانب الحقيقة، ذلك أن اختلاف كل منها عن الآخر لا يعنى خطأ الرؤية الأخرى وإنا قد يعنى أن كلا منهما له رؤية جزئية وغير كاملة، وإنني أرى أن الإمبريقية والمعيارية متكاملتان”.

ولكن كيف يمكن الجمع بين هذين المنظورين المتقابلين رغم أن كلا منها يقوم على مسلمات متعارضة؟ إن التأليف بين المتناقضين ليس مجرد عملية مزج بسيط أو خلط لخصائصها، ولكنه يتضن إيجاد وحدة جديدة مختلفة الخصائص عن كل منهما على حدة، مما يترتب نتائج تختلف عن الخصائص الداخلة في هذا التأليف.

ويتعرض بيل لبعض الطرق التي يمكن من خلالها إيجاد هذه الوحدة، ويشير إلى أن البعض قد يتصورون الحل في النظر إلى المداخل الإمبيريقية والمعيارية كمداخل منفصلة ولكنها أجزاء من مدخل أبستمولوجي متعدد الطرق Mautimethod  ، حيث ينظر من كل مدخل منهما أن يقدم لنا استبصاراً مختلفاً من زاويته دون إمكان القول بأن أحدهما مفضل على الآخر ، ن ويعطينا مثالا على ذلك بأن الباحث مثلا يمكن أن يجمع بين البيانات الموضوعية والذاتية للوصول إلى استبصار أعمق وفهم أفضل للواقع.

ولكنه يحبذ مدخلا للتوحيد ” الخلاق” أو الابتكاري الذى ينظر للواقع نظرة كلية Wholisticلا تنفصل فيه الأجزاء عن بعضها، ولكنها تتداخل (أو تنطوي) في بعضها البعض ، بمعنى أن كل شريحة تقتطع من الواقع تكون متداخلة ضمنا مع الكل ، وأن الكل حاضر ضمنا في كل جزء . ثم يوضح ما يقصده فيبين أننا لو نظرنا إلى الممارسة الواقعية للإمبريقية لوجدناها تتضمن بعض عناصر المعيارية، لكن أصحابها لا يعترفون بذلك نتيجة المغالاة وعدم القدرة على رؤية الحقيقة كما هي، والعكس بين النتائج، فالمدخل ” الخلاق” يقوم على أن الباحث ليس منفصلا عن موضوع بحثه، بمعنى أن فهم موضوع البحث لا يتم فقط من خلال الملاحظة الخارجية التي يقوم بها الباحث، ولكن من خلال ” خبراته الداخلية أيضا “، فعملية ” الاستبصار ” ليست ذاتية بحته. وليست موضوعية بحتة، ولكنها تأليف Synthesis بينهما.

ويعالج ويتكين وجوتشوك (56) الموضوع نفسه من زاوية أخرى ، وينتهيان إلى نتائج متشابهة ، فقد قاما بمراجعة المعايير التي تستخدم في تقويم النظريات في الخدمة الاجتماعية ، وتوصلا إلى أن هناك شعورا واضحا بضرورة الاستجابة للتطورات الحديثة في فلسفة العلم وفى العلوم الأخرى والتي تدعو بوضوح إلى مراجعة جذرية للاتجاه الإمبيريقي ، كما أن الضرورة لأى نظرية تستخدم في محيط الخدمة الاجتماعية أن تستجيب للإطار القيمي الذى تنطلق منه رسالة المهنة ، وينتهيان إلى أن معايير تقويم صلاحية النظريات في الخدة الاجتماعية ينبغي أن يتم توسيع نطاقها لتضم إلى جوار المعايير الأبستمولوجيا المعتادة ( مثل دقة التنبؤ والاتساق  الداخلي ) معايير أخرى لا تقل عنها أهمية مثل :

1-       ان تكون النظرية مفتوحة للنقد من خلال بيان الطر والدلالات التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية التي تعتبر من المسلمات انطلق منها النظرية ن حتى فتح المجال لنقد تلك الأسس والافتراضات التي يسلم بها عادة دون تمحيص.

2-       أن تعترف النظرية بالإنسان كعامل فعال لا منفعل سلبي أمام المؤثرات السببية،” إذ يستطيع التدبر والتأمل في أفعاله، والتغلب على الإغراءات والصوارف عن تحقيق أهدافه، والتحكم في شهواته، وتبني مبادئ جديدة”.

3-       ان تأخذ النظرية في اعتبارها خبرات الحياة الى مر بها العميل، والمعنى الذي يرى تلك الخبرات في ضوئه ومن جهة نظره، بدلا من ا ينصب الباحث نفسه ممتلئا حكمة عارفا بما وراء سلوك العميل.

4-       أن تؤكد النظرية على قيمة ” العدالة الاجتماعية” لتحرير الأفراد والجماعات من التحكم التعسفي في حياته باعتبار أن هذه من أهم القيم التي ميزت الخدمة الاجتماعية طوال تاريخها.

والواقع ان من يتفحص المحاولتين السابقتين لتحديث الأساس العلمي للخدمة الاجتماعية لكى يصبح متساوقا مع اتجاهات المنظور العلمي الجديد يلاحظ ان كلا منهما قد حاول إيجاد نوع من التوفيق بين الجانب ” القيمي” والجانب المعرفي ” الإمبيريقى” بطريقة مختلفة ، ففي حين يوحى إسهام كولين بيل بأن الاتجاه المعياري يعترف بالقيم و المعتقدات الروحية ة بأهميتها لبناء المعاني اجتماعيا ، فإنه ينظر للقيم من منظور ” العملاء” أساسا ، ولا يملك إلا الاستنتاج بان هذا الاعتراف يترتب عليه ” نسبية أخلاقية” قد تؤدي إلى عدم الاكتراث بالقيم أساسا ، ما دام قيمة المختلفة المساوية في الوقت نفسه لقيم غيره، مما يترتب عليه التسليم بالجميع واستبعاد الكل من الصورة ، ولكن إسهام ويتكن وجوتشوك يتجه من الناحية المعيارية إلى الاعتراف بقيم المهنية” بدلا من التركيز على قيم العملاء وخصوصا قيم العدالة الاجتماعية التي لا يكاد يختلف عليها احد في عمومها ولكنها تترك المجال مفتوحا امام كل التفسيرات عندما نتجه إلى التفضيلات .

 ومن هنا يتبين لنا انه لا مناص من التسليم بان الحل الحقيقي للمشكلة التي يثيرها فشل المنظور العلمي ” القديم” القائم على نظرة وضعية تدعو إلى الحياد القيمي، في نفس الوقت الذي نستجيب فيه للمكتشفات العلمية والتطورات المنهجية التي يقوم عليها المنظور العلمي ” الجديد”، …  نقول: إن الحل إنما يكمن في الاعتراف ” بالقيم” كموجة للسلوك الفردي وللترتيبات المجتمعية ، وفى الاعتراف بان نظريات العلوم الاجتماعية كما تصف الواقع بانها تشكله في الوقت ذاته ، ثم الاعتراف بانه لا يمكن الخلاص من نسبية تلك القيم لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان – مما يترتب عليه ضرورة التسليم بالنتيجة التي سبق ألا وهى ضرورة أن يكون ” مصدر تلك القيم نفسها محايداً” – وهو ما يشير بكل جلاء إلى الوحى كمصدر للقيم التي ينبغي ان توجه السلوك الفردي والجماعي من جهة كما توجه محاولات التنظير ” العلمي” له من جهة أخرى.

ثالثا: تلخيص وخاتمة

لقد حاولنا في الجزء الأول من هذه الدراسة أن نفى – بقدر الاستطاعة – بأحد المتطلبات الرئيسية لعمليه ” أسلمة المعرفة” كما وصفها د. إسماعيل الفاروقي بنظرته الثاقبة في مقاله الشهير بهذا العنوان (57) حيث يقول يرحمه الله تعالى : ” يجب ان يتم تحليل نقدى من وجهة نظر الإسلام لواقع الفرع الدراسي في أرقى حالات تطوره ( لاحظ أن تطبيقنا هنا لم يكن على ” فرع دراسي ” وإنما على ” العلم والمنهج العلمي” ) ، كما يجب التعرف على العوامل التفصيلية التي أدت بهذا الفرع في تطوره التاريخي إلى ما هو عليه وكشف أمرها … كذلك يجب تحليل مشاكل الفرع الأساسي للفرع …. (لنتساءل) هل حقق الفرع ما تصوره منشئوه؟ وهل غدراك حقيقة دوره في الخطة العامة للبحث عن العلم، أي تطلع الإنسان للمعرفة؟ وهل حقق ما ترجوه البشرية منه كجزء ن ضالتها المنشودة؟..”

لكم كان الأمر يكون ميسورا على الباحث في هذا الموضوع لو جاءت الإجابات  على كل تلك الأسئلة الأخيرة بالإيجاب ، إذن لكفينا مئونة الاجتهاد لإيجاد حلول مبتكرة ، ولأنفاقنا الطاقة بدلا من ذلك في إضافة لبنة تقليدية أخرى إلى بناء العلم القائم المفترض صحة أساسه وقواعده ، ولكن ما كل ما يتمنه المرء يدركه ، فلا مناص من الإجابة على تلك الأسئلة جميعا بالنفي ، فلقد تبين لنا ن تمحيص التصورات الأساسية للعلم والمنهج العلمي في دراسة الانسان والمجتمع ومن استخلاص مسلماتها وتوجهاتهما الأساسية انها لم تحقق الامل المنشود ولم توصلنا إلى ما ترجوه البشرية من ورائهما .

ولقد حاولنا في هذه الدراسة التعرف على واقع المنهج العلمي للبحث في الظواهر النفسية و الاجتماعية في صورته الراهنة، والتعرف أيضا على العوامل التفصيلية التي أثرت عليه في تطوره التاريخي ، وقد تبين لنا بوضوح أنه – على عكس التصور الشائع لدى الكثيرين – فإن التوجه العلمي السائد رغم أنه كان ثمرة سعى جاد مضمن ومتواصل للبحث عن الحقيقة ، ألا أنه قد أثخن في مسيرته التاريخية الطويلة بآثار- الصراع مع قوى اجتماعية وثقافية عاتية ، مما ترك بتورا وندوبا عميقة على بنيته ومسلماته الأساسية ، ظهرت آثارها حينا في تشويش مقاصد العلم وتشويهها ، كما ظهرت أحيانا في الشطط والبعد عن القصد الذى ابتلى به في مداخله وتوجهاته العامة .

فأما من جهة تشويش المقاصد وتشويهها فإن التوجه العلمي ” السائد” قد جاءنا عاقدا العزم على استبعاد كل ما يمت بصلة على الله واليوم الآخر من مجال العلم، قاصرا همه وهمته على شئون هذه الحياه الدنيا ، ومستبعدا كل اهتمام بصلة هذه الحياه الآخرة – دار القرار ، فجاءت العلوم الاجتماعية بتراء منقطعة خاوية من الداخل تستبدل الذى هو أدنى بالذي هو خير، }فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم {      ( النجم : 29-30).

وقد رأينا نتيجة هذا كله وقد انعكست على مستوى ونوعية النظريات في العلوم الاجتماعية ، التي تعانى من التعدد الذى يرجى له تكامل في المدى القريب أو البعيد ، كما تعانى من ضعف القدرة على التفسير والتنبؤ مما لا تبدو بشاير إصلاحه في المدى القريب أو البعيد ، كما رأينا نتيجته تنعكس من جانب آخر على مهن المساعدة الإنسانية التي تستمد قواعدها النظرية من تلك النظريات ، حيث وجدنا تلك المهن حائرة في الاختيار من بين تلك الأطر النظرية المتضاربة دون دليل هاد ، وقد نبذت تلك المهم أي توجه قيمي واضح جريا وراء ما زين لها من حياد قيمي مزعوم مشتق من توجهات تلك العلوم ، مما أضعف من فاعلية ممارستها ، وشككت المجتمعات في قيمتها وثمرتها ومنفعتها للناس …}أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء{  ( فاطر : 8) .

وقد رأينا على جانب الطريق جهوداً تبذل من جانب الكثيرين من العلماء المنتمين إلى الحضارة الغربية ذاتها تحاول مزاحمة  ذلك التوجه التقليدي القديم للعلم، أو إزاحته إن استطاعت ، وذلك في إطار ما أصبح يعرف بالتوجه ” الجديد” للعلم ، والذى يحاول إصلاح الموقف عن طريق إيجاد المتكامل بين الاتجاهات الإمبيريقية التقليدية والاتجاهات المعيارية ، وعن طريق توجيه الاهتمام للعوامل الدينية و الروحية في تأثيرها على السلوك الإنساني ، غير إننا قد وجدنا أيضا أن أصحاب هذا الموقف الجديد لايزالون مكبلين أيضا ببعض القيود التي أثقلت غيرهم ممن ينتمون على نفس الحضارة المادية المعادية للدين، فخرج هؤلاء علينا بنظرة للعوامل الروحية والدينية ، تتوقف عند عموميات كإضفاء المعنى على الحياة ، أو الوعى بالحقيقة المطلقة مثلا وهكذا …

والآن: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ عن الصورة التي تنبثق من هذا العرض بوضوح لتشير دون خفاء على ان إتمام مهمة الإصلاح العلمي و المنهجي المعاصر لا يمكن ان يقوم بها إلا العلماء المسلمون لسبب بسيط لا يخفى ولا يجع إلى ذواتهم الضعيفة ، ألا وهو امتلاك الإسلام للصورة النهائية للوحى بين دفتي كتاب كريم  لم يلحقه التحريف او التبديل ، إضافة إلى سنه مفضلة لما اجمل في القرآن ومتممة للبلاغ ، في حين أن أفضل العقول العلمية المقيدة بحضارتها وقد حرمت مثل هذه المصادر العليا الناصعة لم تستطع الانعتاق من قيود الديانات المحرفة التي الفوها ، وبالتالي فإنها فقدت القدرة على تجاوز الازمة.

ولكن ما هي طبيعة المهمة التي ينبغي أن يقوم بها العلماء المسلمون لتصحيح هذا الوضع؟ تتمثل هذه المهمة – في ضوء ما سبق – في التوصل إلى صيغة منهجية ملائمة يمكن بها الجمع بين معطيات الوحي من جهة وبين معطيات الحس والعقل من جهة أخرى وتكامل يتبوأ فيها كل منهما مكانه الصحيح دون مغالاة أو تعسف – هذا فيما يتصل بمصادر المعرفة ” العلمية” بالمعنى الإسلامي الصحيح.

اما فيما يتصل بفهم الإنسان فإن المهمة المطلوبة تتمثل في إعطاء الجوانب الروحية والاعتقادية مكانها الصحيح – إلى جانب المكونات الجسمية والنفسية والعقلية المعهودة – كعوامل فاعلة ومؤثرة (هل نقول حاكمة؟) على السلوك الإنساني.

وأخيرا فإن هذه المهمة يمكن ترجمتها على مستوى دراسة المجتمع الإمبيريقية والقيم الدينية والاجتماعية في إطار نظرية اجتماعية تستلهم من الوحي أطرها التفسيرية وترجع إلى الواقع لاختيار فهمنا للوحى، دون أي تسليم صريح أو ضمني بأن الواقع ” الذي يختاره الناس بإرادتهم ” يمكن أن يكون حاكما على ما يتنزل به الوحي من توجيه قيمي يتوجب على الناس طاعته والنزول عنده.

فالله سبحانه وتعالى قد خلق هذا العالم المتحول الزائل وفقا لقوانين وسنن كونية مضطردة ، وقد اقتضت حكمته ورحمته سبحانه تمكين الناس من التوصل بحواسهم وعقولهم على تلك السنن فيما يتصل ” بالعالم المادي” الذى تتفاعل فيه الأسباب والنتائج ” وتنتهى التفاعلات ونتائجها في حدود هذه الحياه الدنيا” أما بالنسبة لعالم البشر المتضمن في تكوينه إضافة للجوانب المادية ” جوانب روحية” غير خاضعة لحكم الزمان والمكان بالمعنى الذى تعرفه عنهما ، فإنه بالضروري يتضمن مبدأ متعاليا لا ينتهى بنهاية هذه الدنيا ، ولا يمكن التعرف على النواميس الذى تحكمه إلا من مصدر علوى – هو الله خالق هذا الكون وحده لا شريك له، وأي محاولة للاعتماد على ما يتوصل إليه الناي بأنفسهم من قيم وتفصيلات بشرية لتكون هي المبدأ البديل محكوم عليها أن تظل تدور في فراغ إلى أبد الآبدين ،}وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون {   ( الزمر : 45)

تلك بصفه عامة الخطوط التي نظن أن ” ثورة التنظير في العلوم الاجتماعية” من المنظور الإسلامي ينبغي أن تنطلق منها إذا أردنا أن نوجه بشكل جذري الأزمة الحالية التي تعانيها العلوم الاجتماعية غير الموجهة بتوجيه الإسلام ن ولكن تفصيل الحديث في هذه القضايا يخرج من نطاق اهتمامنا في هذا الجزء، وهو موضوع الجزء الثاني من هذه الدراسة بإذن الله تعالى.

والله الموفق والمستعان، وهو نعم الولي ونعم النصير.

المراجع والحواشي

المقدمة والفصل الأول

(1)    Thomas S. Kuhn. The Structure of scientific Revolutions ( Chicago : University of Chicago Press,1962,1970).

(2)     Anderew TudorBeyond Empiricism (London Routledge & Kegan Paul,1982) P. 3.

(3)    William Gordon “ Knowledge and Value : Their Distincation and Relationship in Clarifying Social work Practice” in,Beulab Comption & Burt Calaway ,Social Work Processes 2nd ed. (Homewood,Hlinois ,Dorsey,1979) P.P ,  52-59.

(4)    Ernest Greenwood “ The Pnractice of Science and Science of Prectice” ,in ,Warren Bennis,et al,eds. The Planning of Change (New York : Holt,Rinehart,and Winston,1961) P.P 73-82.

5-       يذكر القاموس الحديث لعلم الاجتماع أن العلوم الاجتماعية تضم علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا الثقافية والعلوم السياسية و الاقتصاد ، اما العلوم السلوكية فتضم علم الاجتماع وعلم النفس  والأنثروبولوجيا الثقافية وبعض جوانب علم الاقتصاد والعلوم السياسية ، ويشير بعض الباحثين إلى انه ليس هناك تعريف محدد ومباشر و متفق عليه بين كافة العلماء و الباحثين حول تسمية الأفضل لهذه المجموعة من العلوم أنظر :د . علاء أنور ” أزمة المنهج في العلوم الإنسانية” مجلة المسلم المعاصر المجلد 14 ، العدد 55 – 56  ، يناير – يونيو 1990 ، ص 115 – 116.

6-         لسان العرب لابن منظور، مادة ” علم”.

7-       كتاب التعريفاتللشريف على بن محمد الجرجاني (بيروت : دار الكتب العلمية) ص 155.p

8-       الراغب الأصفهاني : الذريعة إلى مكارم الشريعة ( المنصورة : دار الوفاء) ص ص  179 ،181 .

9-       برهان الدين الزرنوجي : تعليم المتعلم (دمشق : دار ابن كثير)ص 13.

10-   Jerone Ravetz “ History of Science “ in ,Encyclopedia Britanica I 5th ed,1975 vol,16,P. 366.

11-  د. عبد الباسط محمد حسن : أصول البحث الاجتماعي ، الطبعة الثامنة ( القاهرة : مكتبة وهبة , 1983) ص ص 19 ، 24 ، 27.

12-  The Lexicon Webster Dietionary,  1976 P: 859.

13-  George Theodorson & Achilles Theodorson, AModern Dietionary of Sociology (New York ,Barnes & Noble ,1969) P. 370.

14-  Jerome Ravetz,op. cit,P.366.

15-  Ibid.,  P. 368.

16-  Albert W. Levi “ History of Western philosoph “ ,in Encylopedi Britanica,vol,14 p.p. 257-259.

17-  Loc,cit.

18-  Ibid.,P.261.

19-  Jerome Ravetz,op.cit.,p.p 370 – 371.

20-  Stephen E. Toulmin,“ Philosophy of Science”,in Encylopedi Britanica,vol,16,p. 378.

21-  Albert Levi,op. cit,p.265.

22-  Ibid.,p. 263.

23-  Jerome Ravetz,op.cit.,p.371.

24-  Ibid.,p.372.

25-  Albert Levi,op. cit,p. 267.

26-  Stephen Toulmin,op. cit,p.379.

27-  Jerome Ravetz,op.cit.,p.374.

28-  Albert Levi,op. cit,p. 270.

29-  George Theodorson & Achilles Theodorson,op. cit  ,p. 306.

30-  Herbet Fegl. “ Positivism and Logical Empiricism “ in Encylopedi Britanica,vol,14,P. 877.

31-  Albert Levi,op. cit,p. 270.

32-  Theodorson & Theodorson,op. cit  ,p. 307.

33-  Herbet Feigl. op. cit.,p.p. 878 – 879,881 ,and Albert Levi,p. 273.

34-  Herbet Feigl. op. cit.,p. 881.

35-  Andrew Tundor ,op. cit.,p.3.

36-  Albert Levi,op. cit,p.p. 272-273.

37-  Herbet Feigl. op. cit.,p. 878.

38-  Stephen Toulmin,op. cit,p.383.

39-  Jerome Ravetz,op.cit.,p. 393.

40-  John Galtung,Methology and Ideology( Copenhagen : Christian Ejlers,1977) p. 13.

41-  Stanely Witkin & Shimon Gottschalk “ Alternative Criteria for Theory Evaluation “ Social Service Review ,June 1988,p. 213.

42-  د. فؤاد أبو حطب ” نحو وجهة إسلامية لعلم النفس” بحث مقدم إلى ندوة علم النفس : المعهد العلمي للفكر الإسلامي بالقاهرة 1989 ، ص ص 33 -34 .

الفصل الثاني

1-        Krith Dixon. Sociological theory: pretence and possibility (London; Rountledge & Kegan paul 1973) P. 26.

2-       H.J. Eysenck & S. Rachman, the causes and curees of Neurosis (London:Routledge & Krgan Paul, 1967) P.P. XI-XII.

3-       a- George Howard “The role of values in the science of Psychology” American Psychologist, Vol, 40. No. 3, March 1985, P. 259.

(3 .b) H.J. Eysenck and S. Rachman, op. cit., p. XII.

4-       Rene V. Dawis “of old philosophies and New Kids on the Block,” Journal of Counscling Psychology, Vole, 31, NO. 4, 1984, P.P. 467, 469.

5-       Joseph Hrdd, “Social work’s identity crisis”. Social thought, winter 1980, P.P. 59-61.

6-       William Reid, et al., “Recent evaluations of social work: grounds for optimism”. Social work, July 1982, P. 328.

7-       Wolliam Reid, et al., “The Effectiveness of social work”. in E. Matilda Goldberg et al., eds. Evaluative Research in social care (London: Heinemann, 1981) P.9.

8-       Reid, et al, “Recent Evaluations..” op. cit. P.P. 329-338.

9-       Joel Fisher “The social work revolution” Social work, May 1981, P. 199.

10-  William Gardon “Social work Rwcolurion or Evolution? Social work, May 1983, P.P. 181-185.

11-  روبرت أجروس ستانسيو : العلم في منظوره الجديد (1984) ترجمة كمال خلايلى ( الكويت : المجلس الوطني للثقافة والآداب ،  1989 ) ص ص 19-20 .

12-  Donald Ford “ Recxamining Guoding Assumption: Theorctical and Methodological Implications” J. of Counseling Psychology ,vol,31,No.4 1984,p.464.

13-  As quoted by Donald Polkinghorne,“ Future Extention of Methodological Diversity for Counseling Psychology”,J. of counsling Psychology,Vol. 31,  No. 4,1984,P. 416.

14-  Roger Sperry “ Psychologys Mentalist Paradigm and the Religion /SCIENCE Tension” American Psydnologyst. Vol 43,No 8,August 1988 P.P. 608 – 609.

15.a- Loc,cit.

15 ب- علا مصطفى أنور ، مرجع سابق ، ص ص 121-123.

16. روبرت أجروس وجورج ستانسيو ، مرجع سابق.

17- Russell Keat & John Urry,Social Theory As Science(London: Routledge,1975) P.6.

18- Roger Sperry ,op. cit.,P.609.

19-Loc,cit.

20- Ibid.,P.P. 611-612.

21- روبرت أجروس ، جورج ستانسيو ، مرجع سابق ، ص ص 86- 90.

22- عبد الحميد الهاشمى ” صيغ علم النفس باصبغة الإسلامية” ، مقال ضمن كتاب : العلوم الطبيعية و الاجتماعية من وجهة النظر الإسلامية ، إعداد د. إسماعيل الفاروق ، د. عبد الله عمر نصيف ، ترجمة د. عبد الحميد الخريبي (جدة : شركة مكتبات عكاظ ، 1984) ص ص 96 – 97.

23- مالك بدرى ” مدمن الكحول : هل يستطيع الإسلام إنقاذه ؟” مجلة المسلم المعاصر ، العدد 32 أغسطس – أكتوبر 1982) ص ص 129 – 131.

24- أجروس وستانسيو ، مرجع سابق ، ص ص 58 -59.

25- E.F. O،Dcherty,Religion and Psychology,( New York: Alba House) P.6.

26- Ibid.,P.P. 15-16.

27- أجروس وستانسيو ، مرجع سابق ، ص ص 83-85.

28-  Allen Bergin, “Relibiosity and Mrntal health” Professional Psychology, Vol. 14, NO. 2, 1983 P. 170.

                   29-  Allen Bergin, “Psychotherapy and religious Values” Journal of Consulting and Clinival Psychology, Vol. 48, 1980, P.P. 95-105.

                    30 – Martin Marty, “Social service: Godly and godless”, Social Servicw Review. Dec, 180, P. 470.

                      31-  Joseph Hess, op. cit., P. 62.

                       32- Herbert Stoup “The Common predicament of religion and social work” Social Work April 1962, P. 92.

                       33- Frank Loewenberg, Religion and Social Work Practice in Contemporary American Society (New York, Columbia University Press, 1988) P. 7.

                         34- Martin Marty, op. cit., P.P. 463-465.

                           35- Sue Spencer, “religious and spiritual factors in Social Casework practice “Social Casework, 38, Dec, 1957, P. 250.

                             36- James Dudley and chava Helfgott “ Exploring a place for Spirituality in social Work Curriculum,“ Journal of social work Education,Fall 1990,P. 291.

                             37- Edward Canada “ Religious countent in Social Work Education: A Comparative Approach”. Journal of Social Work Education,Winter 1989,P.P. 36-45.

                         38-  Edward Canada “ Spirituality ,Religious Diversity,  and social Work Practice” Social Casework,April 1988,P. 238: See also: James Midgley et al,“Social Work,Religion,and the Global Challenge of Fundamentalism” International Social Work Vol. 32 1989. P. 276.

39-محمد أمزيان ” تلازم الموضوعية والمعيارية في الميتودولوجيا الإسلامية” ندوة قضايا المنهجية في الفكر الإسلامي – قسنطينة – الجزائر سبتمبر 1989 ، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ص 1.

40-   Alvin Gouldner “ Anti- Minoteaur : The Myth of a Value-Free Sociology”,in,For Sociology: Renewal and Critique in  Sociology Today,Penguin Books,1973.

41– يمكن الرجوع لتفصيلات تلك الظروف في مقال جولدنر ص ص 6-11 .

42-  Gouldner,op. cit.,p.p.20-21.

43-  محمد أمزيان ، مرجع سابق ، ص ص 6-8.

44-  المرجع السابق ص 20.

45-  د. إسماعيل الفاروقى ” صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية” مجلة المسلم المعاصر، العدد 20، 1400 هـ ، ص 34 .

46-  نفس المرجع السابق.

47-  A. Rashid Moten “Islamization of Knowledge : Methology of Research in Political Science “ American Journal of Islamic Social Science,  Vol,7,No 2 ,1990 P. 170.

48-   William Goode and Paul Hatt,Methods in Social Research (New York: Mc Graw-Hill,1952) p. 20.

49-    أجروس وستانسيو، مرجع سابق، ص ص 97-101.

50-  Stanly Strong “Reflections on Human Natural, Science, and Progress in Counseling Psychology”,Journal of Counseling Psychology,Vol. 31,No.4,P471.

51-  علا مصطفى أنور، مرجع سابق، ص 122.

52-  محمد أمزيان، مرجع سابق، ص 15.

53-   إسماعيل الفاروقى ” صياغة العلوم ….: ، مرجع سابق ص 36 –37 ، مع مراجعة على النص كما أورده الفاروقي ونصيف، مرجع سابق ، ص ص 32- 33.

54-  Howard Goldstein “The Neglected Moral Ling in Social Work Practice “Social Work, May – June,1987,p. 182.

55-  Colin Peile,“Research Paradigms in social work: From Stalement to Creative Synthesis”. Social Service Review, March 1988,P.P. 4-11.

56-  Witkin & Gottschalk,op.cit, P.P 211-222.

57-  إسماعيل الفاروقي ” أسلمة المعرفة”، المسلم المعاصر العدد 32، 1402 هـ؛ ص ص 17-18.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى