أبحاث

الخلفية الفكرية والتشريعية والاجتماعية لاستبعاد تطبيق الشريعة الإسلامية

العدد 58

((لم تبق لنا إلا المرجعية الإسلامية لتكون المحور الأساسي لمشروع حضاري جديد، تتجاوز به الأمة أزمتها بل محنتها، وتستشرف معه مكاناً تحت الشمس في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء)).

من هذا المنطلق يستعرض د. محمد كمال إمام هذه الورقة التي قدمها إلى ((الندوة العلمية لتطبيق الشريعة الإسلامية)) التي عقدت بمركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، يستعرض الخلفية الفكرية والتشريعية والاجتماعية لاستبعاد الشريعة الإسلامية، ملقياً الضوء على الأباطيل التي روج لها أعداء الشريعة وفاضحاً الأيدي الخفية التي عملت على ترسيخ شرائع مستوردة.

مدخل عام:

في عالمنا الإسلامي اليوم أسئلة كثيرة حائرة، وحقائق مهمة غائبة، فقد عدنا بعد قرنين من البحث عن الهوية والكفاح من أجل الحرية، عدنا بخفي حنين كما يقولون، وقد جربنا خلال هذا القرن الذي أوشك أن يصل إلى نهايته، جربنا المشروع الحضاري القومي، والمشروع الحضاري الغربي، وعشنا معهما مشاريع أخرى تابعة لهما، وكلها أصيبت بالفشل والإحباط، وجرعتنا نحن المسلمين صاب التراجع ومرارة الهزيمة، ولم تبق لنا إلا المرجعية الإسلامية – والتي تعاون الكثيرون – من خارجنا ومنا – على استبعادها، لم تبق إلا هذه المرجعية، لتكون المحور الأساسي لمشروع حضاري جديد، تتجاوز به الأمة أزمتها بل محنتها وتستشرف معه مكاناً تحت الشمس، في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء. وكان طبيعيا أن يصبح الحديث عن الشريعة الإسلامية نظاما حاكما وتقنينا ملزما هو مدخل ذلك المشروع الحضارى وممهداته، فالزحف الغربى جندا وفكرا، قد حاول منذ البداية على تنحية الشريعة الإسلامية عن الحياة، لينفصل عنها الواقع اليومى، وتملأ المنطقة الشاغرة، بقواعد علمانية تكرس القطيعة بين الإنسان المسلم وعقيدته، وبين المجتمع وذاته الحضارية، فيسهل امتلاكه سياسيا، ونهبه اقتصاديا، وهزيمته ثقافيا، وهذا ما حدث بالفعل.

وتستهدف هذه الورقة إعادة تركيب الوقائع في سياقها التاريخي، واستجماع عناصرها ليتسنى لنا إدراك الحقيقة التي شوهت، ومواجهة الأباطيل التي روج لها أعداء الشريعة، حتى نعلم بيقين كيف استبعدت الشريعة؟، وكيف تم الاستجلاب التشريعي؟، وهل كان واقعنا إزاء هذه الأحداث الخطيرة في حركة أم سكون؟، إن الأيدي الخفية التي عملت على ترسيخ شرائع مستوردة لابد من محاكمتها فكرياً، حتى تتحمل مسئوليتها أمام الناس والتاريخ، إن صعوبات متعددة، ومشكلات متباينة، تقف أمامنا ونحن نسعى حثيثاً نحو عودة الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية. وهي صعوبات ومشكلات تتحرك على مجالات فكرية، وتشريعية و اجتماعية، وهذه المجالات هي المحاور التي تحاول هذه الورقة رصد معاركها وتياراتها ومقولاتها في ثلاثة مباحث على النحو التالي:

المبحث الأول: في المجال الفكري.

المبحث الثانى: في المجال التشريعي.

المبحث الثالث: في المجال الاجتماعي.

المبحث الأول

في المجال الفكري

إن الوجود التشريعي يخلق من خلال الاحتكاك اليومي المباشر بالمسلمين، وعياً بأهميتهم الذاتية، وتمسكاً بوجودهم الإسلامي، الأمر الذي يمثل حاجزاً صعباً أمام السيطرة عليهم سياسياً، واحتوائهم ثقافياً، وخلال مراحل النضال ضد الاستعمار، كانت المقاومة إسلامية، يقودها العلماء والفقهاء وتلاميذهم، والقرآن كتاباً والإسلام عقيدة، كانا أهم الأسلحة في مواجهة الزحف التتري الحديث وحتى يحدث إختراق لهذه الجبهة القوية، إتجه منظرو العصر الاستعماري إلى استراتيجية الحروب الفكرية المحلية والتي تثير غباراً من الأكاذيب، ودخاناً من الأباطيل، وسوف تتجلى مثل هذه المعارك عن تفتيت القيادات الفكرية في المجتمع إلى شظايا متصارعة، وتيارات متحاربة، فهؤلاء أنصار الشريعة والآخرون خصومها، هؤلاء دعاة التقليد وآخرون أبطال التجديد، ويغيب النسق الفكري الذي يجمع أبناء الوطن الواحد، فإذا هم جميعاً – بقصد أو إهمال – دمى في لعبة السياسة الغربية، وبإيعاز من محترفي اللعبة أو تدبيرها ماجت الساحة الفكرية الإسلامية بعدة معارك.

أولاً: معركة الإسلام وأصول الحكم:

الإسلام دين ودولة، تلك مسلمة الإسلام الأساسية1، ولم يطعن أحد من المسلمين – على كثرة اختلافاتهم ومذاهبهم وحروبهم – في صدق هذه الحقيقة التي هي من بديهيات هذا الدين، وهو ما يسلم به المستشرقون جميعاً أعداء أو أصدقاء، وفجأة ظهر في تاريخنا دعاة فصل الدين عن الدولة، وعزل العقيدة عن الشريعة، حتى يكتسب الاستجلاب التشريعي شرعيته المعلنة وقبوله عند الناس.

وتشير وثائق الفكر المصري الحديث إلى دور الاستعمار في إثارة هذه المعركة، وقد استخدم في ذلك غير المسلمين – خاصة الأقباط – الذين عقدوا المؤتمر القبطي الأول في أسيوط في شهر مارس 1911 وجوهر مطالبهم كما تعرضها أعمال المؤتمر وقراراته هي إقامة دولة علمانية في مصر، وقد رد د. رشيد رضا، على هذه الدعوى بقوله: «الإسلام دين وجنسية اجتماعية للمسلمين هذه هو الواقع، وإن كرهه أقوام يودون أن يكون ديناً فقط، لا رابطة بين أهله في الأمور السياسية ولا الاجتماعية لما لأولئك الأقوام من المصلحة في ذلك2، فإذا كانت السياسة الدولية قد استفادت من وجود جاليات لبلدانها في العالم الإسلامي، لضرب الشريعة من خلال فكرة الامتيازات الأجنبية، فإنها في مرحلة تالية استثمرت موضوع الأقليات باعتباره ورقة سياسية لتفجير قضية الإسلام والدولة. وهدفها لم يكن عن طريق تجريده من المضمون التشريعى، وهو ما قام به «آتاتورك» في تركيا في مارس عام 1924، عندما اتخذ قرار إلغاء الخلافة، وأصدر المجلس الوطنى في تركيا رسالة تبرير عنوانها: «الإسلام وسلطة الأمة» وتبنت الرسالة مقولات فصل الدين عن الدولة، وعرضت الخلافة باعتبارها مسألة دنيوية وسياسية وليست مسألة دينية، والأمر فيها تملكه الأمة، فلم يرد بها بيان صريح في القرآن ولا في السنة النبوية.3

وبدأت في تركيا منذ ذلك التاريخ عمليات قهر لا مثيل لها لتثبيت دعائم العلمانية، ففي 25 نوفمبر 1925، صدر القانون رقم (671) لاستبدال الطربوش بالقبعة وحكم على كثيرين بالاعدام لأنهم رفضوا الامتثال لهذا القانون، بل ذهبت الدولة العلمانية الجديدة في التخلى عن الإسلام باسم الوطنية، والتمدن إلى حد أنها أرادت أن تقرر رسميا إقامة الصلاة باللغة التركية لا العربية، لأنهم أتراك لا عرب، فيجب أن يقرأوا ويصلوا بلغتهم لا بلغة أخرى، ولكن هذه المحاولة لم تصادف نجاحا عمليا أو نظريا، أما علمياً فلأن أصحاب هذه الفكرة هم عادة ممن لا يصلون، والذين يصلون لا يخطر لهم ببال أن يصلوا غير الصلاة التي عرفوها باللغة العربية. وقد حدث مرة أن صلى أحد الأئمة من الشبان في مسجد صغير صلاة الجمعة باللغة التركية فهاج الناس وكادوا يعتدون عليه واضطرت رئاسة الأمور الدينية إلى إيقافة فورا عن العمل، أما بطلانها نظريا فإن هذه الفكرة نفسها غير دستورية ومخالفة لحرية الاعتقاد والعمل التي قررها الدستور4.

ولم يكن إلغاء الخلافة حدثاً بسيطاً في حياة الأمة الإسلامية، بل هو من أخطر ما مر بها في تاريخها الطويل، لقد أحست الأمة ساعتها وكأنها بيت سقطت كل جدرانه فجأة وأصبحت أنقاضه نهباً مباحا لكل طامع، وانفجر غضب شعبى عارم5، خاصة في أفريقيا المسلمة وشبه القارة الهندية، على الرغم من الاستعمار الجاثم في هذه البلاد، فتطور الموقف واكتفي العلمانيون مرحليا بتجريد الخلافة من المضمون بدلا من حذفها من القاموس السياسى تهدئة للساحة الفكرية، وبرز هذا الموقف المتطور في دراسة بالإنجليزية صدرت في «زيورخ» في سبتمبر 1924 م، تحت عنوان «الخلافة» لمحمد بركات الله، وهو هندى من بوهال، قالت عنه مقدمة الكتاب أنه مفكر ومؤرخ إسلامى عاش عاما في إنجلترا، وخمس سنوات في اليابان، بالإضافة إلى ست سنوات في أمريكا، وخمس سنوات أخرى في أوروبا الغربية وآسيا. هذا عن المؤلف، أما كتابه، فكان دعوة صريحة لإبعاد الإسلام عن السياسة نهائيا والدعوة إلى خليفة له مركز روحى يختار بواسطة مندوبين عن كل مسلمى العالم، سواء في الدول الإسلامية أو غير الإسلامية، وتكون مهمته العمل على إيجاد سلام بين جميع الدول وجميع الأديان للحيلولة دون الحروب، ولتخفيف التوتر الذي يثقل كاهل العالم. أما إختصاصات هذا الخليفة فتنحصر في تعيين المؤذنين والدعاة في كل بلاد العالم، والصلاة من أجل المسلمين في الأزمات، وقيادة ركب الحجيج في كل عام، وإلقاء خطبة عرفات، ويساعد الخليفة مجلس يسمى «مجلس الخليفة» ينتخب الخليفة بعد ذلك من بين أعضائه6، وهكذا أراد محمد بركات الله في كتابه «الخلافة» إلغاء الإسلام باعتباره دولة وتشريعا، وتحويل الخليفة إلى رمز أو «بابا» بلا أي سلطات

ثم جاءت بعد شهور قليلة من كتاب «بركات الله» خطوة على عبد الرازق الذي أصدر عام 1925 م كتابه «الإسلام وأصول الحكم» ليتطرف في إعلان فصل الدين عن الدولة، ولخص موقفه في الصفحة الأخيرة من الكتاب بقوله «الخلافة ليست في شئ من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم، ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهي عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة7.

وعلى الرغم من تهافت الأسس التي قام عليها هذا الكتاب وسوابقه أو مصادره على الأصح، إلا أنه أصبح انجيل العلمانيين في كل بلد إسلامى، ونمت تيارات فكرية، تتبنى هذه الآراء المغلوطة، وهي تيارات ما كان لها أن تنمو أو تعلن رأيها بصوت جهير لولا ما صاحبها من ظروف سياسية، خارجية وداخلية، ومن بيئة فكرية أعماها الانبهار بالغرب عن رؤية مصالحها الحقيقية لقد آثر هؤلاء جميعا أن يستمسكوا بنص كتاب، حتى ولو لم يعدل عنه صاحبه – هو في كل المقاييس – رأى فرد لم يحالفه الصواب – وكان قليل البضاعة في الفقه والعلم السياسى على السواء، وتركوا وراء ظهورهم نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وتراث الإسلام في كل العصور والبلدان. وسجلوا على أنفسهم بهذا الموقف أنهم كانوا أدوات مسخرة لا عقولا مفكرة

ثانيا: معركة القرآن والسنة:

الطعن في القرآن والهجوم على السنة كانا سمة غالبة عند المستشرقين، ولا غرابة فهم يحملون ميراثاً عدائياً ضد الإسلام والمسلمين لازال كامنا خلف مواقفهم الفكرية، وقرارات الغرب السياسية حتى يوم الناس هذا. وقد استخدم آباء الفكر، ورعاة التبشير، لبدء هذه المعركة في داخل الأرض الإسلامية، وكانت المدارس الأجنبية والكوادر التي صنعها الغرب على عينه من طلاب البعثات وتلاميذ الأساتذة الغربيين في الجامعات الوطنية الناشئة في عالمنا الإسلامي. كل هؤلاء تكون منهم الفيلق الفكري الذي تخصص في الهجوم على القرآن والسنة. ويكفي أن نشير إلى بعض الرموز:

1 – في الهجوم على السنة:

أ‌)        في سنة 1913، قدم منصور فهمى رسالة إلى جامعة باريس للحصول على درجة الدكتوراة في الآداب تحت إشراف الأستاذ «ليفي بريل» تلميذ «دور كايم» الشهير، وزوج ابنته، ومؤسس علم العادات الأخلاقية الذي استبعد فيه القيم من مجال الأخلاق، وكانت رسالة منصور فهمى عن «حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها». والهجوم على الرسول والطعن في السنة في هذه الدراسة جاءا بصورة هابطة علميا وأخلاقيا، الأمر الذي جعلنا نستيعد نقل فقرات منها.8

ب‌)      وفي سنة 1936 م أصدر إسماعيل أدهم، وهو تركى تعلم في روسيا وأصبح عضو أكاديمية العلوم الروسية ووكيل المعهد الروسى للدراسات الشرقية، أصدر كتابا تحت عنوان «من مصادر التاريخ الإسلامي «مذكرة علمية وانتقادية» جعل همه فيه هدم السنة حتى يتهاوى البناء التشريعى الإسلامي.

يقول إسماعيل أدهم «لقد أكببت مدة من الزمن ليست باليسيرة على تاريخ الإسلام، فدققت معظم المصادر العربية والتركية والفارسية مخطوطة ومطبوعة في دور الكتب بمختلف أمصار أوروبا وآسيا وأفريقيا، وراجعت جل ما كتبه المستشرقون بالألمانية والروسية والايطالية والانجليزية والفرنسية.. حتى تجمع لدى الشئ الكثير من المعلومات والملاحظات فيها مقدار ليس باليسير من الأفكار الشخصية، وفكرت أن أضع كتابا عن حياة محمد ونشأة الإسلام، وبالفعل مضيت في ذلك إلى حد ليس باليسير، وبان لي أن الكتاب الذي فكرت فيه لن يخرج في أقل من ستة مجلدات ضخمة في نحو الثلاثة آلاف، وما انتهيت إليه مجلد ضخم في خمسمائة صفحة، عرضت فيه لتاريخ نشأة الإسلام، وتناولت بالبحث كلا من الحديث والقرآن والسيرة، وظهر لى من خلال بحثى أن الحديث مختلق جله إن لم يكن كله على الرسول، وأن السيرة معظمها أقاصيص، وتناولت في بحث مستفيض مسألة الأنساب عند العرب، وكشفت أن أصوله ليست بأقوى من أصول الحديث، وأعقبت هذا ببحث مسهب عن نسب الرسول وأظهرت أنه مختلق. وبينت بكثير من الدلائل أن المطلب لم يكن شخصا تاريخيا بل إسم صنم من أصنام مكة، وأن عبد المطلب لم يكن جداً حقيقياً للرسول وأنه لم ينحدر من صلب هاشم، وانتهيت من كل هذا إلى شئ إن لم يكن يقينا فهو أقرب الأشياء إلى اليقين، وهو أن للرسول حياة ليست كما تصورها لنا كتب السيرة، وقد حاولت أن أخرج هذا البحث في هذه الأيام، ولكن قعدت بى ظروف مادية عن ذلك، لهذا فكرت أن أخرج فصلاً من فصول الكتاب في كتيب على الناطقين بالضاد، وقد وقع اختيارى على فصل الحديث والرواية، وخاطبت زميلى الدكتور «كازمير سكى» مدير المعهد الروسى للدراسات الشرقية في ذلك فالتزم المعهد بنشره، ولاختيارى هذا الفصل – أى فصل الحديث – قصة مستفيضة، ذلك أن الحديث وهو كما لا يخفي يكون مصدرا هاما من مصادر حياة الرسول ونشأة الإسلام، بما فيه من الروايات والحوادث المستفيضة، وله قيمة دينية، إذ يقوم عليه جانب كبير من التشريع الإسلامي وأصوله، إذ الحديث شارح القرآن، فإن كان ما ذهبت إليه من الشك في الحديث صحيحا وهذا ما أعتقده، فهذا الشك له قيمته من الوجهة الدينية، لأن الشك في صحة الحديث يجعل جانبا من أصول تشريع الإسلام ينهار9.

والكتاب واضح في أهدافه، وفي تبعيته الفكرية وكل ما قاله المؤلف عن علمه وسعة إطلاعه وقراءاته باللغات المختلفة ليس إلا خدعة لبث سمومه إلى القارئ10 وعلى الرغم من أن المؤلف قال عن القرآن إنه المصدر الوحيد الموثوق به والذي يمكن الاعتماد عليه والاستدلال به على وقائع التاريخ، عاد بعد ذلك وأنكر قصة ذهاب إبراهيم إلى مكة مع ابنه إسماعيل، وهذا التناقض الظاهر والصريح ليس إلا دليلا على المستوى المتهافت لعقلية الكاتب.. الذي حاول أن يرهب القارئ بالاعلان عن ثقافة كونية في كل اللغات، وكل القارات.. والذي قاله الكاتب منقول عن مصادر استشراقية بل من كتاب صدر بالعربية عام 1891 تحت عنوان «ذيل مقالة في الإسلام» لمؤلف لم يذكر اسمه حيث يقول: «وحقيقة الأمر في قصة إسماعيل إنها دسيسة لفقهاء قدماء اليهود.. فلما ظهر محمد رأى المصلحة في إقرارها فأقرها»11

2 – الطعن في حجية القرآن:

وجاء طه حسين في كتابه: «الشعر الجاهلى» والذي صدرت طبعته الأولى عام 1926 م ليطعن في حجية القرآن، ويشكك في قيمة أخباره التاريخية وهو ينقل أيضا عن كتاب «ذيل في مقالة في الإسلام» فبعد أن يعرض لقصة إسماعيل ينتهي إلى القول» فواضح جدا لكل من له إلمام بالبحث التاريخى، ويدرس الأساطير والأقاصيص، أن هذه النظرية متكلفة، مصطنعة في عصور متأخرة، دعت إليها حاجة دينية، أو اقتصادية، أو سياسية، ويقول «للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة12.

لم يكتف طه حسين بذلك، بل إنه عندما تحدث عن القسم المدنى من القرآن قال: «إن هذا القسم ينفرد بالتشريعات الإسلامية كالمواريث والوصايا والزواج والطلاق والبيوع وسائر المعاملات، ولا شك أن هذا أثر واضح من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي تركت في المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة.

والذي لا شك فيه أن طه حسين بمثل هذا الكتاب وغيره حاول أن يساهم في خلق جو فكرى لا يستبعد الشريعة من الحياة فحسب بل ويعتبر الدين نوعا من الميتولوجيا التي تضاد العلم وهو ما خرج به قائلا (ظهر تناقض كبير بين نصوص الكتب الدينية، وما وصل إليه العلم من النظريات والقوانين، فالدين جين يثبت وجود الله، ونبوة الأنبياء يثبت أمرين لم يعترف بهما العلم، فالعالم الحقيقى ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة، وكما ينظر إلى الفقه، من حيث أن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية، يحدثها وجود الجماعة، إن الدين في نظر العلم لم ينزل من السماء ولم يهبط به الوحى، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها)13

وهذا القول يأتى سندا طبيعيا لحق الجماعة في التشريع لنفسها دون حاجة إلى الالتزام بتشريع سماوي، كما أنه يجعل القواعد التشريعية كلها نسبية متغيرة باعتبارها ظواهر اجتماعية، وهي فكرة تعتبر أساسية في منهج «دروكايم»، أستاذ طه حسين.

وطه حسين بفكره هذا، وبسيطرته على الحياة الجامعية في مصر في الثلاثينات بعمادته لكلية الآداب وعلى المنهاج التعليمية في الأربعينات من خلال وزارة المعارف، طه حسين بهذا كله استطاع أن يجعل الفكر العلماني حاجزاً دون العودة إلى الشريعة الإسلامية، ويمثل أمين الخولي الذي أدخله طه حسين ساحة التدريس الجامعي، وتلميذه، محمد أحمد خلف الله صاحب رسالة «الفن القصصيفي القرآن الكريم»، وأجيال كثيرة جاءت بعدهم هؤلاء يمثلون تيار الفكر العلماني المتعدد الاتجاهات، والذي إتفق – رغم خلافاته الكثيرة – على تنحية الشريعة الإسلامية والعمل بكل الوسائل لمنع تقنيتها ومعارضة كل المحاولات الرامية إلى جعلها تشريعا يحكم حياة الناس. وقد أبرز العلامة محمود شلتوت مخاطر هذا المنهج في تقريره الذي كتبه عن رسالة الفن القصصى في القرآن قال: (إن القرآن إذا استقبلت دراسته على هذا النحو من الخلط والخبط، فقد اقتحمت قدسيته، وزالت عن النفوس روعة الحق فيه، وزلزلت قضاياه في كل ما تناوله من عقائد وتشريع وأخبار، وأحوال مستقبلة كالبعث، والحشر، والحساب، والجنة، والنار، ونحو ذلك.. وذلك هو الرأي في هذه الرسالة. وفيما تجرأ به مؤلفها على كتاب الله، وأنها لشر مستطير من شأنها أن تفتح أبوابا من الفتن إذا أمكن لها اجتاحت العقيدة والقرآن.

وعلى الرغم من ذلك، فقد أطلق العنان لمثل هذه الأقلام لتكتب وتنشر، ومقالاتها وكتبها تصدر بلافتة المفكر الإسلامي الكبير، وهكذا تساهم وسائل الاعلام، ودور النشر والمؤسسات الثقافية الكبرى في العالم الإسلامي في التمكين للفكر المعارض لتطبيق الشريعة الإسلامية، وهو فكر تبناه كثير من السياسيين فأصبح الإسلام محاصرا بين قوتين – قوة السياسيين صناع القرار وأصحاب الهراوات الغليظة وقوة «الكتبة» الذين يمتلكون المساحة الضخمة في كل وسائل التأثير. لقد كان تطويق الشريعة الإسلامية وبذل كافة الجهود لاستبعادها، حتى لا تكون القوة الفاعلة في المجتمع، عملا مرسوما بدقة، ومنظما باتقان، وإذا كانت السياسة قد نجحت في فرض القوانين الأجنبية على أغلب أنحاء العالم الإسلامي، فإن الكوادر الفكرية التي صنعت على عين الغرب، لا تزال تواصل مهمتها لتخريب الفكر، وتغريب المجتمع، ولأن عملها مجاله العقول، فإن تأثيرها واسع المدى، قوى المفعول وأن وجود مثل هذا البناء العقلى في الفكر والحياة ليعد من أكبر الصعوبات في التحول إلى الشريعة الإسلامية وقد صدق العلامة أحمد محمد شاكر عندما قال: «إننا جميعا مسلمون، نحرص على ديننا ونزعم إننا لا نبغى به بدلا، ولكننا نخطئ في فهم الدين، ونظن أنه لا يتجاوز ما يقام فينا من شعائر العبادة، وما يهتف به الوعاظ والخطباء من الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ويخيل إلى كثير منا أنه لا شأن للدين بالمعاملات المدنية، والحقوق الاجتماعية، والعقوبات والتعازير، ولا صلة له بشؤون الحرب ولا بالسياسة الداخلية والخارجية. كلا إن الإسلام ليس على ما يظنون، الإسلام دين وسياسة، وتشريع وحكم وسلطان، وهو لا يرضى من متبعه إلا أن يأخذه كله، ويخضع لجميع أحكامه فمن أبى الرضى بأحكامه فقد أباه كله.

المبحث الثاني

في المجال التشريعي

التشريع الإسلامي إذن كان أهم أدوات المقاومة في معركة الاستعمار والتغريب، وهذا ما لاحظه المفكر الاجتماعي الفرنسي «جوستاف لوبون» عندما قال «أما الدول التي تأسست على أركان دين آمن به العموم، فقد كانت قوتها أعظم، وسلطاتها أوسع، فإذا بقى القانون الديني حياً – يقصد الشريعة – يظل قادراً على القيام بمهمة التأليف بين المصالح والعواطف14.

لذلك لم يهتم المستعمرون بمواجهة العقيدة نفسها، ولا بمنع ممارسة الشعائر الإسلامية.. «وإنما اهتموا – كما قال علال الفاسي15 بحق – بمسح الأحكام الشرعية في المحاكم، وفي عقول المتعلقين للقانون، وقد بجحوا في ذلك حيث مسحوا مع الشريعة إطار الوجود الإسلامي للطائفة الإسلامية وللمسلمين، وانتزعوا من العلماء مركز القيادة في صفوف الأمة، حيث رفعوا إليها كنتيجة عملية من تكونوا على صورة المستعمر، ممن لا يعرف الشريعة ولم يتلق التفكير الدينى الذي تحفظه»

فبقاء الإسلام في المجال التشريعى. هو الوجود الإسلامي الحقيقى، وهو ما عبر عنه «جب» بقوله: «ولعلنى غير مخطئ في اعتقادى، وإن كان اعتقادا صادرا عن التصور والحدس، أن إحترام الشريعة لايزال لب التفكير الإسلامي، وأن الابقاء على الشريعة يرتبط به بقاء الإسلام، أو زواله من حيث هو نظام مؤثل16.

فدخلوا التشريع الأجنبيإلى البلدان الإسلامية جاء عن عمد وسبق إصرار، وكان يمثل خطوة الاستعمار الأولى في السيطرة على المسلمين، ووسيلته لإقامة جسور التبعية الدائمة من عالمنا للغرب، فمنذ عام 1791 م بدأ الحكم الانجليزي في الهند بالغاء التشريع الإسلامي، وحدث ذلك في مصر منذ علت اليد الاستعمارية فيها مع أواخر عصر إسماعيل وفي عصر الخديوي توفيق ولم يمر عام على دخول الإحتلال الإنجليزي إلا وكانت التقنيات المصرية منقولة عن مجموعة نابليون نقلا يكاد يكون حرفياً، وحدث مثل ذلك في الجزائر وتونس والمغرب وبقية أجزاء العالم الإسلامي. وعندما اكتملت دائرة تنحية التشريع الإسلامي، أصبح العالم الإسلامي فريسة سهلة للاستعمار، ولم تصمد من أجزائه إلا المملكة العربية السعودية واليمن، وكلاهما ظلت الشريعة هي القانون الحاكم فيه. ويمكن أن نضيف إليهما دول الخليج.

وكانت عملية تنحية الشريعة تتم في صورتين:

الأولى: استبعاد الشريعة من كل المجالات عدا ما سمي بالأحوال الشخصية، وكانت هذه هي الصورة الغالبة.

الثانى: الانقلاب الكامل على الشريعة الإسلامية في كل مجالاتها ومظاهرها، وهو ما حدث في ألبانيا وتركيا. ولعله كاد أن يحدث في تونس والصومال.

وسقوط عالمنا الإسلامي في هذه الدائرة الجهنمية له تداعياته في شتى المجالات، وما نعانيه اليوم من صعوبات اجتماعية في التحول إلى الشريعة، بالإضافة إلى الصعوبات السياسية، ومواقف هيئات المنتفعين من الكوادر العلمانية في الفكر والسياسة، كل هذه التداعيات منطقية ومحسوبة في القرار الاستراتيجى الغربى، وكما قال القومندان الفرنسى «مارتى» أحد أعمدة دخول الاحتلال الفرنسى إلى الجزائر: «كل تدخل من قبل الفقيه، وكل ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة تامة»17.

ومن نتائج هذا التحول الخطير في حياتنا التشريعية ما يلى:

1 – تباعد الفقه الإسلامي عن الحياة، فلم يكن أمام العقل الفقهي، وقد غابت الشريعة، إلا أن يجتر آراء الفقهاء القدامى في كل موضوع يعالجه، فهو لا يكاد يتدخل إلا لبسط فكرة، أو تبسيط عبارة، مما أعطى الفرصة لأعداء الشريعة لإنكار صلاحيتها ووصف فقهائها بالجمود، ولو أنصف هؤلاء لعلموا أن الفقه لا ينمو إلا في ظل قانون ملزم، وأحكام تصدر، وفي تاريخ القانون الفرنسى حجة لا تدحض فقد أحدثت مجموعة نابليون حركة فقهية نامية ومتطورة شملت التشريع وشروحه والأحكام ومتابعتها نشرا ونقدا وشملت نظرية القانون ذاته، مصادره وفلسفته ومناهجه. وخلال القرن التاسع عشر شهدت مكتبة القانون الأوروبية في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا والمملكة المتحدة، دراسات في القانون سوف تظل إنتاجا يحتفظ بقيمته لدى كل الأجيال ويتذكر المرء وهو يخط هذه السطور عشرات الكتب وعشرات الأسماء ولولا علمنا بثراء الفقه الإسلامي في كل المجالات وفيه مئات الأسماء اللامعة التي لا يصل إلى عمقها وخصوبتها وسعة آفاقها حتى كبار الفقهاء في القانون في عصر النهضة التشريعية الأوروبية، ولولا ذلك لأصبنا في واقعنا الفقهي بكثير من القلق والاحباط.

2 – أدى الاستجلاب التشريعي إلى خلق جماعات قوية ضاغطة تستأثر بالسياسة والتشريع، وتتعصب لتشريعها الذي تعرفه وتتسلط به، فتحل وتحرم، وتصرح حيناً برفضها للشريعة، وتختفي أحياناً كثيرة وراء دعاوى مصلحة الأمة، وعدم تعارض قوانينها مع الشريعة الإسلامية، وتمسك هذه الجماعات بسلطات التنفيذ والتشريع، والأعلام والتعليم، مما يجعل مرور مشروعات القوانين الإسلامية من خلال قنواتها في حكم المستحيل، وهذه القوى الضاغطة سوق تدافع عن مواقعها ببسالة، لا لكونها تجهل التشريع الإسلامي ومزاياه – فالصعوبة ليست معرفية – وإنما لأن مصالحها السياسية والاقتصادية ومسالكها العملية وقيمها السلوكية ترتبط ارتباطا عضويا بالكيان التشريعى القائم.

ومن أجل تثبيت قواعد الاستجلاب التشريعي، وقطع الطريق أمام العودة إلى الشريعة الإسلامية، حاولت العلمانية المعاصرة تزييف التاريخ، وكتابة تاريخ اجتماعي للقانون – خاصة في مصر – برسم صورة قبول عام للتقنيات الغربية على مستوى الفكر والمجتمع باعتبارها اصلاحاً تشريعياً وقضائياً.

فما هي الحقيقة الضائعة خلف هذا الركام من الدعاوى العلمانية المعاصرة من أجل كلمة موثقة سوف نتوقف بشئ من الإسهاب أمام الأمرين هما: دخول التقنيات الوضعية إلى مصر، والموقف الفكرى والإجتماعى منها، ومنهجية التشريع الإسلامي التي طرحها فقهاؤنا لتجاوز أزمة الفقه ولاستنباط قوانين إسلامية حديثة.

أولاً: معركة القوانين الأجنبية:

في المعركة المعاصرة للتخلص من الاستعمار التشريعي، استخدم العلمانيون التاريخ سنداً لموقفهم المعارض للشرعية وخلاصة مزاعمهم ما يلى:

أ – إن ما يتردد من إدعاء أن الشريعة الإسلامية كانت فعلاً وتطبيقاً هي النظام القانوني النافذ في البلاد حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي هو قول يفتقر إلى الصدق وإلى الدقة التاريخية.

ب – إن التاريخ الحديث والمعاصر لم يحدثنا أن ثمة مقاومة فكرية ورفضاً اجتماعياً أو ثقافياً قد حدثا في مواجهة اللجوء إلى التقنيات الغربية والكف عن تطبيق آراء الفقه الإسلامي المتناثرة في كتب العصر الوسيط، بل الذي نعلمه ولا ينكره أحد حتى من أشد غلاة الداعين إلى العودة بنظامنا القانوني قرنين من الزمان إلى الوراء، إن مصر قد شهدت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ما يشبه الإجماع الشعبي على أن تطبيق هذه التقنيات ذات الأصل الغربي.. خطوة متقدمة»18.

هذه هي الدعاوى التي رددها كثير، منهم من هو في نفس الوقت أستاذ لتاريخ القانون، نقلناها بعباراته، وسوف نحتكم – وكما قال هو بحق – إلى كتابات وصحف وتقارير هذه الفترة.

1 – كيف دخلت التشريعات الأجنبية؟ وكيف وضعت؟

هناك إجماع لدى مؤرخي القانون في العالم العربي – إلا من شذ – بأن الشريعة الإسلامية وسعت حياة الناس ثلاثة عشر قرنا، وخلال هذه القرون حدثت تجاوزات من الحكام – الولاة والقضاة – ولكن ظلت الشريعة الإسلامية هي القانون القائم، لم يفقد المجتمع الثقة في صلاحيتها، ولم يرتفع صوت بالتنكر لها، ولم تتخلف أحكامها عن مواجهة الواقعات والنوازل، وكما يقول عالم التاريخ القانون المسيحى – شقيق شحاتة – «ظلت الشريعة الإسلامية بمذاهبها المختلفة، مطبقة في سائر أنحاء العالم منذ استقرت الحضارة الإسلامية بهذه البلاد إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى، على أن الشريعة الإسلامية لم تكن في تطبيقها جامدة النصوص، فهي قد سايرت مقتضيات الزمان والمكان، ذلك أنها قد حوت في صناعتها عناصر التطوير.. وقد عثر الأثريون على أوراق بردية يرجع تاريخها إلى القرن الخامس الهجرى، تضمنت مبايعات ورهونات انعقدت وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية وصيغت شروطها على الوجه الذي يكفل لعاقديها حقوقهم، وقد حفظت لنا سجلات محكمة مصر الشرعية عقوداً وحججاً يرجع تاريخها إلى القرن السابع الهجري، كما حفظت أحكاماً صادرة عن الديوان العالي يرجع أقدمها إلى سنة 928 هـ – أى القرن العاشر الهجري – وهي كلها تدل على أن الشريعة الإسلامية ظلت قانوناً حياً يطبقه القاضي في مختلف الدعاوى»19.

وقد أكدت لنا بعض الوثائق الفقهية التي نشرت من مجموعة الوثائق التاريخية الموجودة بمكتبة دير سانت كاترين بشبه جزيرة سيناء، أن الشريعة الإسلامية ومجالس الحكم العزيز – المحاكم – كانت هي المختصة في جل التصرفات القانونية الخاصة الصادرة بين المسلمين أو بين المسيحيين أو بين هؤلاء وأولئك في ذلك العصر، وترجع هذه الوثائق إلى القرن التاسع الهجرى، على الرغم من أن الوثائق الثلاث المنشورة كان المتصرفون فيها من النصارى، إلا أن الصياغة القانونية لها قد سارت على النهج الذي درجت عليه الصياغة الإسلامية للوثائق في هذه العصور، وفحص أية وثيقة بما فيها من الوقائع والشهود والتوثيقات يؤكد الاحتكام الكامل إلى الشريعة الإسلامية20.

وفي مكتبة البلدية بالإسكندرية مجموعة من التوثيقات المخطوطة والتي تؤكد سيادة الشريعة الإسلامية في مجال القانون البحري، وبعض هذه الوثائق تقدم معلومات ذات أهمية بالغة عن النشاط التجاري الإسلامي عبر طريق رأس الرجاء الصالح وعن احتكام المعاملات التجارية إلى القواعد الإسلامية.

وقد يقال إن الواقع الاجتماعي في القرون المتتالية شهد جور الحكام وفساد القضاة والأحكام، وقد أشار إلى ذلك وأكثر منه المقريزي والنويري وغيرهما من مؤرخي العصور الإسلامية، ولكن جور الحكام وفساد القضاة وأنظمة التقاضي ليس دليلاً على عدم صلاحية الشريعة بل إن سببه الحقيقى عدم الالتزام الكامل بالشريعة في بعض الوقائع والظروف، إن الحقائق التاريخية تنطق بلسان الواقع الذي لا يرقى إليه الشك، إن مصر منذ السنة العشرين للهجرة – وهو تاريخ الفتح الإسلامي- دخلت مرحلة من التنظيم القانوني الدقيق في ظل أحكام الشريعة الإسلامية، وإذ كانت مصر في بعض الظروف التاريخية تعانى من جور الحكام وفساد الأحكام، فإن تدهور مستوى القضاة لا يطعن في سلامة التشريع وفي ذلك يقول العلامة الإيطالي «فرى» أحد أعلام المدرسة الوضعية (أن القانون السيئ إذا طبقه أكفاء أنتج ثمرة خيراً مما ينتجه قانون حسن يطبقه قضاة غير أكفاء، ولابد من توافر شرطين عظيمين ليبلغ القضاء أرقى المراتب في القيام بواجبه الاجتماعي الشاق وهما: كفاءة القضاة العلمية وحريتهم)21.

إن إدخال القوانين الأجنبية إلى مصر والعالم العربي كان قراراً تفرضه الاستراتيجية الغربية في التعامل مع الإسلام و «لشفيق غربال» كلمات تكشف عن نفاذ حدسه التاريخي حيث يقول: «لو دام الاحتلال الفرنسي، لتم تنظيم القضاء على أسس غربية، ولأدخلت القوانين الغربية، ولو دام الاحتلال الفرنسي لاحتاط أشد الحيطة في كل ما له علاقة بالدين والمسائل الاجتماعية، وموضوعات البحث العلمي، فالحاكم الغربي يجب أن تكون قواعد الانتاج غربية صرفة22

ففي عصر محمد على لم تكن أوروبا على استعداد للاعتراف بالإسلام لذاته وكما هو وقبوله في تنظيم عالمى، «إن نظراتها وخططها نحو الإسلام والمسلمين كلها مما يقوم على قاعدة المصالح الأوروبية المختلفة، ويرجع لاعتقاد الأوروبيين إذ ذاك أن رسالة الإسلام قد قضيت»23.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت تتسلل القوانين الأجنبية إلى مصر، وكان علماء الإسلام رغم كل الظروف – على دراية بالمخاطر التي تحيط بهم، وقد روى مؤرخ الحملة الفرنسية «ميشو» في رسائله عن مصر حديثا مع مفتي المنصورة قال المفتي: «إن مثل الشرقيين في محاكاتهم الغربيين والنقل عنهم مثل الرجل الكفيف الذي إرتطم في وجهه يدعو المارة إلى مده بقبس من النار. وماذا ينفعه القبس»24.

لقد كانت الساحة المصرية – بل والإسلامية – مهيأة مع مطالع القرن التاسع عشر لاستقبال تقنيات تخلصها من فوضى الأحكام، لكن الشريعة الإسلامية كانت المصدر الذي اتجهت إليه الأنظار لإعداد هذه التقنيات.

محمد على كلف «الشيخ محمد الجزائرلي»25 المفتي إذ ذاك أن يضع له قانوناً مدنياً على مثال وترتيب قانون نابليون يكون في الوقت نفسه مأخوذاً من الشريعة الإسلامية عموماً غير مقيد بمذهب معين، وقد بذل الشيخ الجزائرلي جهداً كبيراً لإنجاز المشروع إلا أن الظروف الدولية أجهضت محاولة إنجاز قانون مستمد من الشريعة الإسلامية. وقد روى مثل ذلك عن إسماعيل ورفاعة الطهطاوى، وفي عهد الخديوى توفيق عندما بدأ التفكير جديا في تقنيات حديثة شاملة اتجهت الأنظار إلى المصدر الطبيعى لها وهو الشريعة الإسلامية، فقد جاء في مذكرة حسين باشا ناظر الحقانية لمجلس النظار بتاريخ 26 محرم سنة 1300 هـ 7 ديسمبر 1882 م أنه «تراءى للحكومة وضع قانون مطابق للشريعة الغراء، وأحيل عمله على سعادة قدرى باشا، وتشكل قومسيون آخر لترتيب المجال، فبقطع النظر عن البحث في أرجحية هذا الرأى فإنه لم يتم عمل هذا القانون حتى الآن… وإذا قيل لابد من أن يكون القانون المدنى مطابقا للشريعة، فربما يقال من باب أولى يلزم أن الحكم بالجنايات وسير المرافعات ورؤية الدعاوى يكون على مقتضى الشريعة»26 وفجأة آثرت الحكومة تشكيل لجنة لوضع التقنيات الأهلية برئاسة حسين فخري، وهو غير مؤيد لقانون مستمد من الشريعة الإسلامية ومن أعضائها المسيو «فاشير» النائب العام العمومي لدى المحاكم المختلطة «وموندو» الإيطالي، و «لوى» الإنجليزى وكانا قاضيبين لدى المحاكم المختلطة، وبطرس غالي وكان وكيل وزارة الحقانية، وقد وضعت هذه اللجنة التقنيات الأهلية المنقولة عن التقنيات المختلطة، ويكاد يكون النقل حرفياً27 ولما كانت التقنيات المختلطة قد تم إعدادها في ظروف مريبة، وبطريقة غريبة، فإن الصلة بين إعداد هذه القوانين والاحتلال الأجنبي تبدو واضحة بما لا مزيد عليه. وهكذا صارت القوانين الأهلية الجديدة على نحو يخالف كل القواعد العلمية المعمول بها في إصدار التشريعات، فهو من ناحية النشأة لم يكن قانوناً مصرياً بل هو قانون أجنبي طبق على المصريين، وقد أثارت هذه النشأة الشاذة مشاكل عديدة في التطبيق، وحاول البعض تفاديها بالقول إن القانون المصري أخذ من الشريعتين الإسلامية والفرنسية، ولا شك أن ذلك الرأى زاد المسألة إرباكاً، لأن الشريعتين إن اتفقتا في حكم فكثيراً ما تختلفان وتتعارضان، فأيهما الأجدر بالتطبيق. وهذا الخلل في التشريع يفسره ما رواه سليمان بهجت – وهو محام من طنطا من حديث للأستاذ (لامبير) وكان ناظراً لمدرسة الحقوق وأستاذ القانون المدنى بها، قال: «لما رأت الحكومة المصرية ضرورة إنشاء المحاكم النظامية بمصر، عازها قانون يشبه القوانين المعمول بها في أوروبا فلم تر بداً من تكليف رجل كان ضمن موظفي الحكومة ثم احترف المحاماة وأسمه المسيو «مونورى» فكلفته بعمل القانون المصري، وأمهلته مدة ثلاثة شهور، في نظير مكافأة تتراوح بين الثلاثة والأربعة آلاف من الجنيهات المصرية، فقام الرجل بما كلف به، إلا أن كون المشرع فردا، وقصر زمنه في التشريع حالا دون تمام الفائدة المقصودة فجاء عمله على ما نراه من النقص وعدم الاستيفاء»28

هذه هي قصة القوانين الأجنبية في مصر والتي استهدفت إبعاد الشريعة، وتقويض اختصاص المحاكم الشرعية، أما أنها استهدفت إبعاد الشريعة الإسلامية فأمر لا يحتاج إلى إيضاح.

وأما أنها استهدفت تقويض المحاكم الشرعية، فذلك ما تقتضيه الغاية من وراء الاستجلاب التشريعي، ومنذ اللحظة الأولى التي عرض فيها أمر التقنيات الأهلية على مجالس النظار طالبت مدكرة حسين فخرى وزير الحقانية بوضع حدود لاختصاص المحاكم الشرعية29. وفي محضر مجلس النظار بتاريخ 21 ديسمبر 1982 عارض على مبارك ما جاء في التقرير بخصوص الحجر والتقييد على اختصاص المحاكم الشرعية. وأصر على مبارك على رأيه هذا ومعه عمر لطفي كما هو ثابت في محضر مجلس النظار30 وقد اضطرد عدوان المحاكم الأهلية على اختصاص المحاكم الشرعية ويذكر رشيد رضا أن الحكومة أرادت أن تجعل في المحكمة العليا عضوين من مستشارى محكمة الاستئناف الأهلية، فهاج المسلمون في مصر وحملوا على الحكومة في الجرائد واجتمع علماء الأزهر لأول مرة للإنكار على الحكومة، وكان من المتحمسين المشهرين بالحكومة من يتهم الأستاذ الامام بالرضا بالمشروع وتأييد الحكومة فيه، فسألته عن ذلك فعلمت منه أنه سعى في مقاوته سرا جهد طاقته، لأنه يضر ولا يفيد المطلوب، وقال أن الواضع الحقيقى له هو بطرس باشا لا ناظر الحقانية ومن مقاصد بطرس باشا فيه التمهيد لالغاء المحاكم الشرعية، لأن طلبة الحقوق يتعلمون الفقه الإسلامي، فهو يريد أن يتعود المسلمون بالتدريج حكم لابسى الطرابيش في القضايا الشرعية، حتى لا يبقى للمسلمين في الحكومة المصرية شئ من الشخصيات الملية31

وما يذكره رشيد رضا نقلاً عن الإمام محمد عبده بالغ الدلالة في تحديد أهداف الاستجلاب التشريعي

2- رد الفعل الفقهي:

سبق أن أثبتنا ما قاله «نور فرحات» أستاذ تاريخ القانون من عدم حدوث مقاومة فكرية في مواجهة اللجوء إلى التقنيات الأجنبية بل كان هناك شبه إجماع على أن تطبيق هذه التقنيات يعد خطوة تقديمية.

وما قاله الدكتور «فرحات» يفتقر إلى السند التاريخي بل هو محض خيال ليس له صلة بما تم بالفعل. فالمقاومة الفكرية كانت على أشدها واشترك فيها أساتذة القانون وعلماء الإسلام على السواء وشغلت مساحة واسعة من الإنتاج الفقهي منذ بدأت الشروح المصرية لهذه القوانين. وقد ذكر أفرام البستانيفي شرحه لقانون العقوبات الأهلى «أن هذا التشريع لقى معارضة شديدة لمخالفته للشريعة وعوائد البلاد، وذلك ثابت في المضابط ومحاضر مجلس النظار»32.

وكتب يوسف أصاف يقول «إن النهضة العلمية قضت مؤخراً على الأفكار بالاتجاه إلى علم الفقه»33، وقد احست الحكومة نفسها بالحرج لإهمالها الشريعة الإسلامية، فنشرت الجرائد في بداية هذا القرن أن وزارة الحقانية تهتم بوضع مؤلف لأحكام الشريعة الغراء على نسق القوانين وقد تم نصفه تقريبا، وجاء هذا التصريح الحكومى وكأنه تهدئة لموقف مرتقب. وفي ذات التاريخ كتب عزيز خانكى يقول «قرأت في المؤيد أن من وجوه الإصلاح الذي تسعى وزارة الحقانية إلى تحقيقه، وضع مؤلف لأحكام الشريعة الغراء على نسق القوانين يرجع إليه القاضى في قضائه. قرأت هذا فقلت في نفسى ما أعظم الخدمة التي تخدم بها الحقانية أهل الشرق على وجه العموم، وأهل مصر على وجه الخصوص والمسلمين منهم على الأخص، والوطنيين على أخص الأخص. لو ألفت لجنة من أكابر أئمة الدين، وأعاظم رجال الشرع، وضمت إليهم البعض من صفوة رجال القضاء والمحاماة لاختيار أكثر الأحكام مطابقة لأحوال الناس في هذا الزمان من مذاهب الأئمة الأربعة، فالاختلاف بين الأئمة هو اختلاف في العرض دون الجوهر، كلهم متفقون في أصول القواعد، وأمهات المسائل»34.

وقد حاولت الحكومة فور إصدارها للتقنيات الأهلية-تفادياً لوصمها بمخالفة الشريعة – تخريج أحكام هذه القوانين على مذاهب الفقهاء وتوجد في دار الكتب المصرية رسالتان مخطوطتان إحداهما للشيخ مخلوف المنياوي قارن فيها بين القانون الفرنسى والشريعة على مذهب الامام مالك، والأخرى لعالم لم يذكر اسمه أبان فيها ما وافق مع القانون مذهب الإمام أبي حنيفة وقال البعض إن ذلك «كان متعينا على أولياء الأمر فالشريعة الإسلامية كانت الشريعة المرعية الإجراء، المتبعة الأحكام في القطر المصري وقت تحصير القوانين»35

هذا هو الموقف شبه الرسمي أما رجال القانون – وليس علماء الشريعة فحسب – فقد أعلنوا رفضهم للاستجلاب التشريعي وتوالت كتاباتهم ممثلة تياراً فقهياً عاماً يرفض القوانين المستوردة، على الرغم من الانتماءات السياسية بل والفكرية المتعددة لهؤلاء الأعلام.

ففي سنة 1906 كتب على أبو الفتوح باشا، وقد أصبح وكيلاً لوزارة المعارف «ما أجدر الحكومات الإسلامية باستنباط قوانينها وأحكامها من الشريعة، مع اختيار القول الأكثر مناسبة للزمان والمكان، لتكون هذه القوانين والأحكام أكبر احتراماً في النفوس، وأشد موافقة لأخلاق وعادات من وضعت له.. فعلينا أن نتمسك بشريعتنا الغراء، فهي مؤسسة على الاعتدال الذي به يكون الإنسان سعيداً في بيته ووطنه، ومع جيرانه ومعاشريه مهما اختلفت مذاهبهم وتنوعت أجناسهم»36، أما العلامة عبد السلام ذهنى، فقد دأب في كل مناسبة على نقد القوانين المستوردة، وفي مقال له عام 1916 عن نهضة القانون قال: «إنى من الفريق الذي يعتقد بحق أنه لابد وأن يكون للقوانين الأهلية عصبية ترجع بها إلى تاريخ الأمة وتقاليدها وعوائدها37 وأخلاقها، بحيث تكون القوانين صورة عكسية لأخلاق الأمة وعوائدها وقد جاءت المحاكم الأهلية سنة 1883 على غرار المحاكم المختلطة، وكان يتعين إنشاء المحاكم الأهلية على الطريقة المعروفة في الشريعة الإسلامية، كما كان يجب أن تعمل لها قوانين على غرار ما تقرر في الشريعة الإسلامية وما درج عليه الأهلون فيها، ولكن الأمر جاء على خلاف ما تقضى به النعرة القومية، والكيان المصرى، والميول العربية السليمة ويقول «هذا الخطأ الذي وقع فيه نوبار من سنة 1867 من إنشاء المحاكم المختلطة إلى سنة 1875 ومن نقل القوانين الفرنسية من مدينة وتجارية ومرافعات وعقوبات وتحقيق جنايات، لابد من تصحيحه مهما طال الزمن، وتعاقبت الأحقاب، إن القانون المدنى، فيما يتعلق بالمعاملات بين الأفراد كان هو قانون الشريعة الإسلامية، وكانت أحكامها المدنية هي السائدة بين الأفراد… أما وقد خرج «نوبار» ومن تولى بعده عن ذلك الطريق السوى، طريق استبقاء أصول الشريعة الإسلامية، وطريق المحافظة عليها لتكون قانون الشعب المصرى، ومن يسكنه من غير المصريين، وأتى وأتوا بعده بقانون منقول عن القانون الفرنسي، غريب عن البلاد في عاداتها وفي طقوسها، وفي تقاليدها، فإنه آن أوان التفكير في علاج الأمر علاجاً صحيحاً مما مضى وبعد العدة لمستقبل كله آمال، علاجاً يبعث إلى الوجود المصري تلك الأصول الشرعية الإسلامية فيما يتصل بالمعاملات»38.

وقد كتب محمد صادق فهمي – وهو يقدم المشروع المقترح لكتاب العقد المستمد من الشريعة الإسلامية نقداً لمشروع القانون المدني الجديد عام 1947 (وإذا سبق أن بينا بما فيه الكفاية أن الشريعة الإسلامية هي القانون الذي يتفق مع تقاليد البلاد وعاداتها وأخلاقها، وما تقتضيه طبائع أهلها، وما تطمئن إليه نفوسهم وتستريح له ضمائرهم.. لذلك كله كان طبيعيا أن نجعل المصدر الذي نستمد منه مشروعنا هو الشريعة الغراء)39.

ولم نعرض لما كتبه العلامة عبد الرازق السنهوري، فهو مشهور منذ كتب كتابه الأول في الخلافة إلى مؤلفاته عن نظرية العقد، والوسيط، ومصادر الحق الإسلامي، ومقالاته ومذكراته في تطوير القوانين العربية، وتشريعاته التي أعدها في مصر والعراق والكويت وغيرها، واحتلت الشريعة الإسلامية فيها مكانا بارزا إلى أن تستطيع النهضة العلمية للفقه الإسلامي توجيه المشرع توجيهاً يدفعه للرجوع إلى الشريعة الإسلامية.

ولم يكتف القانونيون في مصر بذلك فحسب، بل حمل نخبة من أنجب أبناء الجامعة المصرية، أمانة إبراز علوم الشريعة الإسلامية، ودقتها في التشريع والصياغة، واستخدموا المنهج المقارن، والذي تطور كثيراً على أيدى «سالى» و «لامبير»، و «أولمان»، واستطاعوا بدقة هذا المنهج، وبثقافتهم القانونية العم