أبحاث

الموسيقى والموسيقيون في ميزان الشريعة

العدد 43

إن أي دراسة للموسيقىٰ والقضايا المرتبطة بها في المجتمع المسلم, تعتبر ذات أهمية مزدوجة, فكلما أن عليها أن تساهم بمجموعة من الأفكار والمعلومات التي يجد فيها الدارسون ـــ سواء في مجال علم الموسيقىٰ البشرية أو في مجال الدراسات الإِسلامية ـــ ضالتهم, عليها أيضاً أن تتحدث إلىٰ أفراد المجتمع المسلم أينما وجدوا بلغة يفهمونها. ولذا كان لزماً علينا أن نتحاشىٰ عدداً من المشكلات التي شكلت حجر عثرة في طريق الدراسات السابقة, وذلك من أجل تحقيق هذين الغرضين. ويمكن تقسيم هذه المشكلات المنهجية إلىٰ ثلاث فئات :

(1) المشكلات التي تختص بالمصادر.

(2) والتي تختص بنقاط الإِلتقات بين الأنشطة الموسيقية وغير الموسيقية.

(3) والتي تختص بالمصطلحات.

ويندرج تحت كل فئة منها تقسيمان فرعيان.

أولاً : المصادر: إن أول سؤال يجب أن نعرض له لكي لا نسيء فهم موقف الإِسلام من الموسيقيين هو : من هم أولئك الذين يمكن أن نعتبرهم متحدثين عن دين الإِسلام ؟ أو ما هي المصادر التي يمكن أن نأخذ منها عن الإِسلام ـــ الدين ؟ وكلنا علىٰ علم بالزخم الهائل من الآراء سواء ما قيل منها وما كتب حول الموسيقىٰ والتي جاءت إلينا من مناطق عدة, وعبر فترات مختلفة من التاريخ الإِسلامي, وغالباً ما كانت هذه الآراء متناقضة. فهل يمكننا اعتبار هذه المصادر كلها علىٰ نفس الدرجة من الثقة في حديثها عن رأي الإِسلام بهذا الخصوص ؟ أو ان تكتفي بتمحيص رأي فرد واحد حول هذا الموضوع ؟ أو نلجأ إلىٰ تحقيق أكبر قدر ممكن من هذه المواد التي يُجمع المسلمون أنفسهم علىٰ إعتبارها مرجعاً في هذه الأمور, لكي نضمن صدق ما نتوصل إليه من معلومات ؟ وإذا ما وقع إختياراً علىٰ تلك السبيل الإخيرة بإعتبارها شاملة لمصادر عدة, ولأنها في وقت ذاته قاصرة علىٰ تلك التي حازت درجة كبيرة من القبول ـــ مما يعطيها دون غيرها سمة الأمانة المنطقية والثقافية والفكرية ـــ فإن يجب علينا أن نقر بأن كلمات الله الواردة في القرآن الكريم أو كلام النبي محمد (صّلى الله عليــه وسلم) كما ورد في الحديث(1) الصحيح يشكلان الحدود التي يلزم ألاّ يتخطاها أي بحث يتناول رأي الإِسلام ذاته في هذه القضايا.

ولكن مادة القرآن ومادة الحديث لا تعطيان إجابة تفصيلية لسؤالنا المبدئي. فرغم أن صدق القرآن ودلالته أمر لا يرقىٰ إليه الشك سواء عند المسلمين,(2) فإن هناك مجموعات عديدة من الأحاديث سوف نلجأ إليها للتوثيق وهي ليست كلها علىٰ نفس المستوىٰ من القزة ليأخذ بها المسلمون أو يعتمدها الدارسون. وحتىٰ إذا ما قصرنا أنفسنا علىٰ ترك الأحاديث التي وردت في البخاري(3) ومسلم(4) بإعتبارها أكثر هذه المجموعات قبولاً, فإننا نجد بعضاً من هذه الأحاديث تحوز مقام السبق عن غيرها في عقول المسلمين علىٰ أساس ارتباطها بحدث ذائع الصيت من أحداث السيرة النبوية جاء فيه للرسول (صّلى الله عليــه وسلم) حكم قطعي حول هذا الأمر. وهو ما يسمىٰ بالحديث الحُكْمي.

وهناك أحاديث ترقىٰ في مستواها إلىٰ درجة أعلىٰ من درجة الحديث الحكمي وهي الأحاديث التي رُويت في الصحيحين ـــ البخاري ومسلم ـــ بطريق التوتر والمسماة بالأحاديث المتواترة, والتي ثبتت بالتوتر بين السلف منذ زمن الرسول عليه الصلاة والسلام إلىٰ وقت تدوينها. ولذا فإن إستخدام أي حديث للتوثيق أو اعتباره مرجعاً دون التحقق من ضمانات الصحة هذه يعتبر مزلقاً وقع فيه باحثون عدة من المسلمين وغير المسلمين. ولا يجب أن يكون ذلك عائقاً لنا في المستقبل.

وإذا ما لجأ إلىٰ القرآن الكريم إلىٰ الأحاديث الموثوق بصحتها والتي تم تخريجها بدقة, باعتبارها المصدر الوحيد الذي نستند إليه في بيان رأي الدين الإِسلامي حول الأمور المتعلقة بالموسيقىٰ, فما هي المصادر الأخرىٰ التي يمكن أن نقُرها وتستطيع أن تحدثنا عن هذا الموضوع عند المسلمين عبر التاريخ ؟ هنا مرة أخرىٰ يجب أن نمحص هذه المصادر بدقة لكي نستقي معلوماتنا فقط من تلك المصادر التي حازت الموافقة الإِجتماعية من المجتمع المسلم ذاته. وتشمل هذه المصادر أئمة المدارس الأربعة في الشرعية الإِسلامية وهم أبو حنيفة (المتوفى سنة 767), مالك بن أنس (المتوفى سنة 795 أو 796), الشافعي (المتوفى سنة 820), أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 855) باعتبارهم الأئمة الكبار في تراث الفقه, كما تشتمل أئمة الحركات الدينية والفلسفية ـــ كأبي حامد الغزالي وابن تيميه ـــ والذين يعتبرهم جمع كبير من أفراد المجتمع المسلم مرجعاً في هذه الأمور. حيث أن استخلاص النتائج من كتابات شخصيات لا تتمتع بمثل هذا الإِحترام الواسع أو بناء علىٰ ممارسات ظهرت بين جماعات متطرفة محدودة في العالم المسلم سوف يوقع أي دراسة في خطأ احصائي وأمبريقي, ومن ثم رفضها أيضاً من جانب المسلمين أنفسهم بإعتبارها دون مستوىٰ الثقة.

ثانياً : نقاط الإِلتقاء بين الأنشطة الموسيقية وغير الموسيقية, ويتناول التقسيمات الفرعيان داخل هذه الفئة مشكلة من المشكلات المنهجية وهي إلصاق سمات الأنشطة غير الموسيقية بلأنشطة الموسيقية ـــ وأول هذين التقسيمين يشمل الزيف القائل بأن إدانة تلك الممارسات المنكرة لذاتها والتي إرتيطت أحياناً بالموسيقىٰ تمدت بالضرورة لتشمل إدانة للموسيقىٰ ذاتها. والحقيقة هي أن هذه المصادر الشرعية التي تتحدث عن دين الإِسلام والتي أشرنا إليها سابقاً ـــ إلىٰ جانب تلك المصادر التي يمكن إعتبارها بصدق ممثلة للمسلمين ـــ كانت حريصة باستمرار علىٰ إدانة هذه الأنشطة المصاحبة دون اللجوء إلىٰ الإِدانة الكاملة التي تشمل الموسيقىٰ ذاتها. وثانيهما أننا يجب أن ندرك أن هناك كثيراً من الناقدين المتسرعين ـــ سواء من بين المسلمين أو غير المسلمين ـــغاب عن ناظريهم الأسباب الارتباطية التي أدتإلىٰ إنكار ـــ ليس له ما يبرره ـــ للأنشطة الموسيقية, اكتفوا بعرض كتابات السابقين بمعزل عن السياق الأصلي الذي وردت فيه هذه الكتابات فشوهوا بذلك القصد الأساسي للمصدر وهو محل ثقة.

ثالثاً : المصطلحات. وننقل إلىٰ التقسيمين داخل الفئة الثالثة من المشكلات التي يجب أن نحذرها في دراستنا للموسيقىٰ والموسيقيين في المجتمع المسلم, وهما التقسيمان المرتبطان بالمصطلحات, أولهما مسألة «الحرم» التي تستخدم علىٰ نطاق واسع في التراث الدائر حول هذا الموضوع. فيجب أن ندرك أن هذا المصطلح يستخدم بمعناه الفني الشرعي للدلالة فقط علىٰ الفعل أو النشاط الذي حرّمه القرآن أو الحديث الصحيح تحريماً صريحاً, أو ذلك الفعل أو النشاط بالذات الذي يوجب توقيع الحدّ. وهو مالا ينطبق علىٰ أي جزء من العالم المسلم في أي عصر من العصور. ولذا يجب علينا أن نستبعد تماماً مصطلح «الحرم» بمعناه الشرعي من مجال مناقشتنا هذه ونضع في إعتبارنا أننا نناقش ـــ في مجمل الأمر ـــ أحكاماً أخلاقية ولا نناقش أحكاماً شرعية. حيث أن المفكرين الكبار في الشريعة الإِسلامية قد عرضوا للحد من الأنشطة الموسيقية وترشيدها ولم يعرضو لتحريمها دون الإِشارة لارتباطها بمنكر معين أو بإرتباط العلة بهذا المنكر. ولذا فإن المصطلح الأفضل في هذا الأمر هو «المكروه» في مقابل «الحلال», حيث أن مصطلح «الحرام» قد اتسعت دائرته في الاستعمال العامي ليشمل معاني كثيرة مثل «الشفقة», «الخجل»«المفوض»«المحزن» ..الخ. ولذا يجب ألا يستخدم للدلالة علىٰ المعنىٰ الفني الشرعي الذي أشرنا إليه سلفا. وعلىٰ القاريء أن يضع في اعتباره هذا التمايز في المعنىٰ عند استعراض الكتابات الإِسلامية حول الموسيقىٰ.

والمشكلة الثانية في فئة المصطلحات تتعلق بالسؤال : ما هو هذا الأمر الذي نعتبره «موسيقىٰ» وما هو الذي لا نعتبره «موسيقىٰ» في الثقافة الإِسلامية ؟.

1) الموسيقىٰ :

يعني مصطلح «الموسيقىٰ» عند علماء الموسيقىٰ ذلك الفن أو العلم الذي يجمع الأصوات البشرية أو الأصوات الآلية ـــ أو كليهما ـــ وما يصدر عنها من نعم لكي تكوّن تشكيلة متنوعة من التعبيرات الجميلة أو المشبعة للعاطفة تنبع من نظام عقائدي كامن في أساس ثقافة معينة. وتمتد مظلة هذا التعريف عادة لتشمل كل أنواع هذه التعبيرات الجمالية السماعية بغض النظر عن وظيفتها أو سياق أدائها. ويأتي المصطلح العربي المرادف ل