أبحاث

نظرية (العاقلة)

العدد 34

القسم الاول: نظرية العقل في الفقه الشرعي

(1) تمهيد

ايجاب الدية في القتل والجرح وتحميل العاقلة بها ليس من نظم الاسلام المبتدأة, فهو لم يستحدث هذا النظام ولكنه وجده سائدا فأقره , فقد جاء الاسلام فألفى العرب متعارفين على الدية وعلى تحميل قبيلة الجاني بها فابقى على هذا العرف كما أبقى على أعراف أخرى تعد من مكارم الأخلاق, وليس في ذلك ما يغض من قدر الاسلام, فهو لم يأت ليهدم كل ما كان عليه الناس ويقيم على أنقاضه جديدا لا صله له بفطرتهم وما تقتضيه سنن الاجتماع, وانما كان ينظر الى الأمور من حيث ما فيها من مصالح ومضار , فما كان منها صالحة ابقاه, وما كان منها ضارا حرمه, وما كان منها في حاجه الى التنقيح والتهذيب نقحه وهذبه “1” ومن هنا أقر الاسلام جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية مما كان عند اهلها محمودا, وتلك هي محاسن العوائد ومكارم الاخلاق التي تقبلها العقول, وهي كثيرة “2” ومنها الدية العاقلة.

والعاقلة جماعة من الناس تربطهم بالجاني علاقة معينة يلزمون بسببها بما يترتب على فعله من دية للمجني عليه او لورثته. وقد قنن القرآن الدية وفصلت السنة كثيرا من احكامها, اما العقل فلم يرد بشأنه نص صريح في القرآن, لكن هناك أحدايث معتمدة بخصوصه وان كانت قليلة. وقد عنى الفقهاء بالعقل وصاغوا له نظرية متكاملة رغم قلة النصوص, واعتمدوا في بناء هذه النظرية – فضلا عن السنة – على الاصول العامة والمبادئ الكلية, ولهذا فاننا نلمس بين الفقهاء خلافا في كثير من التفاصيل احيانا في أصل النظرية ذاتها وفي أساسها.

والعقل في اللغة هو المنع, ولذا سميت القوة الذهنية التي تمنع الانسان من القبائح عقلا, وسمي المنع من الحركة والتحول اعتقالا, وسمي المكان الحصين معقلا. وحول هذا المعنى يدور العقل في الاصطلاح الفقهي, فالفقهاء يطلقون على الدية باعتبارها تعقل لسان ولي المقتول وتمنع من سفك الدماء, وقيل لأن الابل كانت تعقل بفناء ولي المقتول. ويطلق العقل كذلك على التحمل بالدية, فعاقلة الشخص هم من يغرمون دية جنايته. وهذا المعنى الثاني هو ما نريده اساسا بالعقل في بحثنا.

والعقل مذهب الجهمور, وان كان في الفقه من ينكره القائلون به مختلفون في طبيعته واساسه وفي كثير من احكامه. وسوف نعرض اولا لمبدأ العقل والخلاف فيه ثم لأساسه عند القائلين به, ثم نعالج بعد ذلك أحكامه في المذاهب المختلفة, ونختم البحث أخيرا بتغيير نظام العقل, وتصورنا لتنظيمه في ظل تقنين اسلامي يضع في اعتباره الظروف والأوضاع القائمة في مجتمعنا المعاصر.

 

(2) مبدأ التعاقل والخلاف فيه:

لايعتبر التعاقل من الأمور التي علمت من الدين بالضرورة, ولهذا فعلى الرغم من اجماع المذاهب الفقهية على مبدأ العقل فان في الفقه من ينكره.

ويروى ان عثمان البتي قال: لاأدري ما العاقلة “3”. وممن انكر العقل كذلك ابو بكر الأصم وابن عليه وأكثر الخوارج “4”

ويرى هؤلاء ان دية الخطأ في مال القاتل وحده, وأن العاقلة لا تلزم بشئ منها. واحتجوا لذلك بأن الزام العاقلة بالدية مخالف لأصل ثابت وهو أن المسئوولية شخصية , وهذا الاصل مقرر بنصوص صريحة في الكتاب والسنة, قال تعالى: ” لا تزر وازرة وزر اخرى” وقال صلى الله عليه وسلم لابي رمثه حين دخل عليه ابنه : أما انه لا يجني عليك ولا تجني عليه, اي يؤخذ بجناتيك ولا تؤخذ بجنايته. واستدلوا كذلك بالقياس فقالوا ان الرأى متفق على أن ضمان الاتلاف انما يجب على المتلف دون غيره, وإذا كان هذا هو الحكم في غرامات الأنفس, لأن اتلافها أعظم من اتلاف الأموال “5” . وعلى الرغم من ذلك فقد ظل منكروا العقل قلة لا يؤبه لرأيهم, وانفقت المذاهب الفقهية على مشروعية العقل وعلى ايجاب الدية على العاقلة, واعتمدت المذاهب في ذلك على أدلة نقلية وعقلية سنعرض لبيانها فيما يلي:

(3) السند الشرعي للعقل:

قال تعالى في سورة النساء: “وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الاخطا ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الى أهله إلا أن يصدقوا”

وليس في هذه الآية بيان لمن يحمل الدية, غير ان السنة تكلفت بذلك“6”, فقد روت كتب الحديث عن جابر بن عبدالله قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم على بطن عقوله, وعن ابي هريرة والمغيرة بن شعبة ان امرأتين اقتتلتا فرمت احداهما الاخرى وهي حبلى بحجر او بعمود فسطاط – اى خيمة – فقتلتها وما في بطنها, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وغرة لما في بطنها, فقال رجل من عصبه القاتلة: انغرم دية من لاشرب و لا اكل ولا نطق ولا استهل! فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسجع كسجع الاعراب! وجعل عليهم الدية. فذلك هو السند النقلي لايجاب الدية على العاقلة. ويتضح من حديث أبي هريرة والمغيرة ان الرجل لم يعجب من تحميل العاقلة دية القتيلة, وانما عجب فحسب من تحميلهم دية الجنين, ويبدو ان عقل الجنين لم يكن معروفا قبل ذلك لدى العرب او في الاقل لدى هذا الحي منهم.

اما السند العقلي في بينة الفقهاء بقولهم ان الخطأ مرفوع شرعا, فلا قصاص على من قتل غيره خطأ’ ولكن عذر القاتل مع ذلك لا ينبغي ان يكون سببا لهدر دم القتيل, وقد وفق الشرع بين الامرين, فرفع القصاص للعذر وأوجب الدية لصيانة النفس. وكان الأصل أن تجب الدية على القاتل وان يتحمل بها في ماله, غير انه لما كان الخاطئ معذورا وكان الواجب في القتل كثيرا, وكان تتابع الخطأ فوق ذلك لا يؤمن , فقد اقتضى الامر مواساة القاتل والتخفيف عنه, والا اجحفت به الدية وربما أكلت كل ماله وتركته معدما “7”. ويقول السرخسي ان في ايجاب الكل على القاتل اجحافا به واستئصالا – يعني لمأله – فيكون بمنزلة العقوبة وقد اسقطت العقوبة عنه للعذر, فضم الشرع اليه العاقل لدفع معنى العقوبة عنه, لان كل أحد لا يأمن على نفسه أن يبتلي بمثله وعند ذلك يحتاج الى اعانة غيره, فينبغي ان يعين من ابتلى ليعينه غيره اذا ابتلى بمثله كما هو العادة بين الناس في التعاون والتوادد, فهذا هو صورة امة  متناصرة وجبلة قوم قوامين بالقسط شهداء لله متعاونين على البلا والتقوى“8”.

(4) مبدأ العقل وشخصية المسئولية:

جمهور الفقهاء كما رأينا على مشروعية العقل, لكنهم مختلفون في طبيعته, أي في مدى ما ينطوي عليه من توافق أو تعارض مع مبدأ شخصية المسؤولية, وهو من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الشرعية الاسلامية. ومن الفقهاء من يسلم بالتعارض ويصرح بأن تضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله تعالى ” لا تزر وازرة وزر اخرى” وأن الأحاديث القاضية بتضمين العاقلة مخصصة لعموم الآية لما في ذلك من المصلحة . وممن قال بهذا الرأي ابن رشيد “9” وابن قدامة “10” وابن حزم “11” والشوكاني “12”.

وذهب آخرون لاى أن ايجاب الدية على العاقلة وان كان على خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات الا أنه لا يعني أن وز القاتل عليهم ولا أنهم يلتزمون بنفس فعله, وانما تجب الدية على القاتل ابتداء ثم تحتملها العاقلة عنه من باب المواساة المحضة. فالخطاب في آية النساء – وما كان لمؤمن .. – موجه للقاتل لا للعاقلة , وهذا يدل على أن الوجوب عليه لا عليها, كذلك فان سبب الوجوب هو فعل القتل وقد وقع من القاتل فكان وجوب الدية عليه ولا على العاقلة, وانما تحمل العاقلة ما وجب عليه تخفيفا عنه ومواساة له “13”.

ومن الفقهاء من يذهب الى مدى ابعد فيقرر بأن العاقلة انما يتحملون باعتبار تقصيرهم وتركهم حفظ القاتل ومراقبته, فواجب المال عليهم ليكون زجرا لهم عن غلبة سفهائهم وبعثا لهم على ان يأخذوا على أيديهم لكيلا يقع ذلك منهم “14”  ويتساءل الكاساني : لم  قلتم ان الحمل على العاقلة أخذ بغير ذنب؟ فان حفظ القاتل واجب على عاقلته, فاذا لم يحفظوا فقد فراطوا, والتفريط منهم ذنب , ولان القاتل انما يقتل بظهر عشيرته, فكانوا كالمشاركين له في القتل “15” وهذا القول محل نظر, والغريب ان القائلين به هم أنفسهم القائلون بأن العاقلة انما تحمل عن القاتل مواساة له وتخفيفاعنه , فكيف يمكن الجميع بين ايجاب الدية على العاقلة لذنب جنته بتقصيرها في مراقبة القاتل وكفه, وايجابها عليها في الوقت نفسه للتخفيف عن القاتل ومواساتهّ! ولو كان صحيحا ان العاقلة تحمل الدية لتقصيرها لوجب الزامها بدية العمد أسوة بدية الخطأ, بل لوجب الزامها بضمان المتلفات عامة دون تفريق بين الأنفس والاموال, وذلك غير مسلم باجماع الآراء.

(5) من هم العاقلة:

كان العرف يجري في الجاهلية على ان عاقلة الرجل هي قبيلته , فلما جاء الاسلام أقر النبي هذا العرف, وظل الأمر كذلك حتى ولي عمر بن الخطاب , فلما دون الدواوين جعل العقل على أهل الديوان. وقد عنى الفقهاء بتحديد من يعقل عن الجاني, واتفقت أقوالهم في أمور واختلفت في أمور.

ومما تفقوا فيه أن العصبة عاقلة, ومما اختلفوا فيه أهل الديوان ومن لا عاقلة له.

ويرى الأحناف أنه اذا كان الجاني من أهل الديوان فعاقلته هم أهل ديوانه, فإن لم يكن له ديوان فعاقلته قبيلته, اي قرابته من النسب. فان كان معتقا او مولى الموالاة فعاقلته مولاه وقبيلته مولاه.

فإن لم تكن للجاني عاقلة كاللقيط والحربي أو الذمي الذي اسلم فعاقلته بيت المال في ظاهر الرواية, وروى عن أبي حنيفة أن الدية تجب عليه في ماله ولا تجب على بيت المال“16”.

أما المالكية فالمذهب عندهم أن عاقلة الجاني قبيلته, أي عصبته من النسب, مواليه , ثم بيت المال ان كان مسلما, وتنقل كتب المذهب عن مالك رواية أخرى حاصلها أنه اذا كان الجاني من أهل ديوان عطاؤه قائم كان أهل الديوان عاقلته وحملوا عنه دون قومه, فان لم يكن له ديوان أو كان عطاؤه منقطعا فالعقل على قبيلة الجاني ثم على موالية ثم على بيت المال ان كان الجاني مسلما. والرواية الثانية موافقه لمذهب الاحناف, وقد ذكرتها متون المذهب وتناقلها شراحه, غير ان المحققين يضعفونها ولا يرونها المذهب, وانما المذهب عندهم هو رواية المدونة, وهي الرواية الاولى “17”.

اما الشافعية فالعاقلة عندهم هم العصبات الذين يرثون بالنسب أو بالولاء, فان لم تكن للجاني عصبة حمل عنه بيت المال ان كان مسلما, فان لم تكن له عصبة ولا بيت مال ففي وجوب الدية في مال الجاني وجهان: أحدهما تلزمه الدية في ماله, والآخر لا تلزمه “18”. ورأي الحنابلة قريب من رأي الشافعية, فعاقلة الجاني عندهم هم عصابته بالنسب أو بالولاء, فإن لم تكن له عصبة ففي المذهب روايتنان, أحدهما أن بيت المال يعقل عنه, والأخرى أنه يعقل , بل تجب الدية في مال الجاني نفسه “19”. ويرى الظاهرية ان عاقلة الشخص هم عصبته, لكنهم لا يطلقون العصبة كما اطلقها غيرهم, بل يقصرونها على العصبة بالنسب اولا, ويقفون عند البطن ثانيا, والبطن عند العرب هم الاد الجد الرابع. فإن جهلت عصبة الجاني او تعذر أمرهم لافتراق الناس في البلاد وجبت الدية في بيت المال من سهم الغارمين “20” .

ويرى الشوكاني أن عاقلة الرجل عشيرته, فيبدا  بفخذه الادنى, وهم اولاد الجد الثاني, فإن عجزوا ضم اليهم الأقرب فالأقرب من عصبة النسب ثم السبب ثم في بيت المال “21”.

المقصود بالديوان والخلاف في اعتبار عاقلة:

الاصل في اعتبار الديوان عاقلة فعل عمر بن الخطاب , فقد جعل أهل كل ناحية يدا وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو. الديوان بمعناه الدقيق اسم يطلق على الدفتر الذي تضبط فيه أسماء الجند وعددهم وعطاؤهم, وقد انزل الضبط بالديوان منزلة النسب لما جبل عليه الجند من تعاون وتناصر “22” وقد جعل فقهاء الحنفية أهل الديوان عاقلة تتقدم في المرتبة عاقلة النسب , فلا تحمل قبيلة الجاني عقل جنايته ان كان من اهل الديوان, وفي المذهب المالكي كما رأينا رواية ضعيفة عن مالك توافق مذهب الاحناف. اما المذاهب الاخرى فننكر العقل بالديوان وتقصره على العصبات وذلك مذهب الشافعي واحمد والرواية الموثوق بها عن مالك وكذلك اهل الظاهر.

وحجة المتكرين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالعقل على القبيلة, ولا نسخ بعد رسول الله, وقضاؤه اولى من قضاء عمر. وقالوا لو صح ما نقل عن عمر ” 23″ فيحتمل ان أهل الديوان كانوا عشيرة الجاني. وقيل ايضا ان اتحاد الديوان معنى لا يستحق به الميراث فلا يحمل العقل, شأنه شأن الجوار, وانما تحمل العاقلة الدية بطريق الصلة, والصلة المالية تستحق بصلة القرابة دون الديوان, كالنفقة والميراث “24”.

وأجاب فقهاء الحنيفة على ذلك بأن عمر جعل الديوان عاقلة بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه منكر فكان ذلك منهم إجماعا. ولا يظن بالصحابة اجماع على خلاف ما قضى به رسول الله , وانما هو اجتماع على وفاق ما قضى به, فانهم علموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العشيرة باعتبار النصرة, وكانت قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته, ثم لما دون عمر الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان, فقد كان المرء يقاتل قبيلتة عن ديوانه على ما روى عن علي بن أبي طالب أنه يوم الجمل وصفين جعل بإزاء كل قبيلة من كان من أهل القبيلة ليكونوا هم الذين يقاتلون قومهم, فلهذا قضوا بالدية على أهل الديوان “25” أما اعتبار العقل عن الجاني صلة واعتبار أقاربه أولى بصلته من أهل ديوانه فقد أجيب عنه بأن الدية إنما تجب على أهل الديوان الواحد فيما يحصلون عليه من بيت المال من عطاء ولما كان هذا العطاء صلة فإن وجوب الدية فيه – وهي صلة بدروها – أولى من وجوبها – على الأقارب في أصول أموالهم “26”.

وقد استثمر فقهاء الحنيفة – وفقهاء المالكية إلى حد ما – موضوع الديوان فلم يكتفوا بتفصيل أحكامه وضبطها بل طوروا الفكرة ذاتها على نحو ما سنرى. والقاعدة عندهم أن أهل الديوان لا يحملون الدية عن الجاني الا اذا كان واحدا منهم. فان كان من غيرهم فلا شأن لهم به, وانما يحمل لدية عنه أهل ديوانه. وهذا يعني أن التعاقل إنما يكون بين أهل الديوان الواحد. وقد عنى الفقهاء من أجل ذلك بتحديد الضابط الذي يتوقف عليه وحدة الديوان وتعدده ويبين من أقوالهم أن هذا الضابط يدور حول جملة أمور, أحدها اعتبار المكان.

فالمقاتلون على مستوى دار الإسلام لا يضمهم جميعا ديوان واحد, بل يتوزعون على الأقاليم الإسلامية المختلفة, والمراد بالديوان الواحد ديوان الإقليم الواحد “27”. فالشام إقليم والعراق إقليم ومصر إقليم. والراجح أن مقاتله كل إقليم  يعقلون عن بعضهم ولا يعقلون عن غيرهم من مقاتله الأقاليم الأخرى, لأن كل إقليم يستقل بديوانه. جاء في الهداية والتبيين: ويعقل أهل كل مصر عن أهل سوادهم لأنهم أتباع لاهل مصر, فإنهم إذا حزبهم أمر استنصروا بهم فيعقلونهم باعتبار معنى القرب والنصرة, ومن كان منزلة بالبصرة وديوانه بالكوفة عقل عنه أهل الكوفة لانه يستنصر بديوانه لا بجيرانه“28”.على أن في الفقه الحنفي مع ذلك من يغفل دور المصر أو الاقليم ويجعل المقاتلة حيئما كانوا- بالنسبة للعقل – أهل ديوان واحد. فقد نقل عن ابن عابدين عن تنوير الأبصار ما يلي: وقيده البعض – أي الجاني – بكونه من أهل مصرهم لا من مصر آخر, وقيل مطلقا“29”. والمعنى أن في الفقه رأيين, أحدهما يشترط للعقل الجاني أن يكون هو العاقلة من أهل إقليم واحد. والآخر يطلق فلا يشترط هذا الشرط, بل يكتفي بكون الجاني من المقاتلة أيا كان إقليمه الذي ينتمي اليه.

والأمر الثاني هو الطائفة , ويقصد بها الأصل أو السلالة. فالمعلوم ان الاسلام لم يقتصر على العرب وحدهم ولم ينحصر في بلادهم, بل دخل فيه أقوام غيرهم واتسعت رقعته فشملت أقطارا أخرى كالشام والعراق وبلاد الفرس ومصر وشمال افريقيا وبلاد الأندلس , وانخرط كثير من أهل هذه الأقطار في جيوش الإسلام وخاضوا الحروب جنبا الى جنب يجاهدون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون. وقد ذهب بعض فقهاء المالكية الى انه اذا تعددت طوائف الجند في الاقليم الواحد فكل طائفة منهم تعقل عمن يجني من أفرادها ولا تعقل عن غيره من الطوائف الأخرى. وهذا الرأي غير مجمع عليه فقهاء المالكية, بل هناك رأي آخر يعتبر الطوائف كلها عاقلة واحدة تحمل الدية عمن يجنى منها دون اعتداد بطائفة. جاء في حاشية الدسوقي : واعلم ان البلد اذا كان جندها طوائف كل طائفة مكتوب عددها وعطاؤها بدفتر هل يكون جند تلك البلد كلهم أهل ديوان , أو كل طائفة منهم أهل ديوان ؟ فذهب بعضهم للأول قائلا المراد بأهل الديوان أهل ديوان اقليم واستظهر غيره الثاني, فجند مصر أهل ديوان واحد وان كانوا طوائف سبعة, عرب وانكشارية الخ, فعلى الأول تعقل الطوائف السبعة عمن جنى من أي طائفة, وعلى الثاني لا يعقل عن الجاني إلا طائفته “30”.

ثم خطا فقهاء الأحناف في تطوير فكرة الديوان خطوة أخرى, فلم يقصروا أهل الديوان على الجند وحدهم. بل صرفوهم إلى كل جماعة متجانسة تحصل من بيت المال على عطاء, سواء كانوا مقاتلين أو غير مقاتلين. جاء في حاشية ابن عابدين نقلا عن غرر الافكار ما يلي: فإن كان – إي الجاني – غازيا فعاقلته من يرزق من ديوان الغزاة, وإن كان كاتبا فعاقلته من يرزق من ديوان الكتاب “31”.

وبذلك اتسعت دائرة العاقلة , فلم يعد مدارها على نوع لعمل الذي يباشره أفرادها, بل أصبح المدار على حصولهم من بيت المال على عطاء.

العصبة:

العصبة عاقلة باتفاق المذاهب, وإنما ينحصر الخلاف في رتبتها؟ فهي عند الأحناف بديلة من الديوان فلا يصار إليها إلا عند تخلفه, إما عند غيرهم فهي الأصل.

والعصبة نوعان: عصبة بالقرابة أو النسب , وعصبه بالولاء أو السبب.

فأما العصبة النسبية فهم أقارب الشخص من جهة أبيه, وعلى وجه التحديد هم أقاربه الذين ينتسبون اليه عن طريق لا تدخل فيه أنثى. كالآباء والأبناء والأخوة والأعمام وأبنائهم. أما الأخوة لا وسائر ذوي الأرحام وكذلك الزوج والزوجة فلا يعدون من العصبات. ولا يشترط لالزام العصبة بالعقل أن يكونوا وارثين في الحال, بل متى كانوا يرثون لولا المحجب عقلوا”32″, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية بين عصبة المرأة وجعل ميراثها لبنيها وزوجها”33″. فالعصبة اذن يعقلون لمجرد كونهم عصبة سواء كاونوا وارثين بالفعل أو بالقوة.

وعلى الرغم من أن أبا الجاني وابنه من عصبته بل هما اقربهم اليه فقد اختلفت الفقهاء في مدى اعتبارهما من العاقلة. ومذهب ابي حنيفة ومالك أن كل العصبة من العاقلة يدخل فيه آباء الجاني – أبوه وجده – وأبناؤه وإخواته وعمومته وأبناؤهم, وهذا الرأي رواية في مذهب أحمد. وسنده ما روى عن عمرو بن شعيب , عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئا إلا فضل عن ورثتها , وان قتلت فعقلها بين ورثتها. وزدوا كذلك أن الآباء والأبناء عصبة فاشبهوا الاخوة, وأن العقل موضوع على التناصر وهم من اهله, وان شأن العصبة في تحمل العقل كشأنهم في الميراث يتقدم الأقرب فالأقرب , ولما كان الآباء والأبناء أحق العصبات بالميراث فكانوا أولى بتحمل العقل. أما الشافعي فيخرج الآباء والأبناء من العاقلة, وهذا القول في رواية في مذهب أحمد. وسنده ما روى جابر أن أمراتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منها زواج وولد فجعل النبي صلى الله عليه وسلم  دية المقتول على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها, وإذا ثبت هذا في الولد ثبت لتساوية في العصبة, ولأن الدية جعلت على العاقلة إبقاء على القاتل حتى لا يكثر عليه الواجب فيجحف به, فلو دخل الأب والإبن في العاقلة لوقع الإجحاف به, لأن لهما كما له, وهذا لا تقبل شهادته لهما ولا شهادتهما له, كما يلتزم كل منهما بالإنفاق على الآخر إذا كان محتاجا ولآخر موسرا“34” وفي مذهب أحمد خلاف مماثل بشأن لألاخوة , فظاهرة كلام الخرقي أن فيهم روايتين كالولد والوالده “35”.

وفيما عدا هذا الخلاف فالقاعدة عند الجمهور إن كل عصبة يعقلون , القريبون منهم والبعيدون.

غير أن الظاهرية لا يجعلون كل العصبة عاقلة, بل يقضون بالعصبة التي تعقل عند البطن ولا يتجاوزونها “36”, والبطن عن العرب هم أبناء الجد الرابع فإذا بعدت درجة العصبة عن البطن لم يلزمهم عقل, واستقر العقل في أبناء البطن وحدهم.

وعند تقسيم الدية على العاقلة يقدم الأقرب فالأقرب من العصبات, فيبدأ بأبناء الأب وهم الإخوة, فإن لم يكفوا لقلة عددهم قسم ما فضل على أبناء الجد وهو الأعمام وأبناؤهم, فإن لم يكفوا فعلى أبناء أبي الجد , وهكذا حتى يتم تقسيم كل الدية “37”. وعلل الفقهاء هذا الحكم بأن العقل يتعلق بالتعصيب فوجب فيه تقديم الأقرب فالأقرب كالميراث . فإن أمكن تقسيمه على الأقربين فلا شئ على من بعدهم, وإن لم يكن لقلة عددهم قسم ما فضل على من بعدهم على الترتيب “38” .

وأما العصبة السببية فهم الموالى, وعصوبتهم لا ترجع إلى اشتراكهم مع الجاني في أصل واحد, بل ترجع إلى رابطة عنق أو موالاة. وولاء العتق أو العتاقة معناه ان يحمل المعتق عمن اعتقه دية جنايته إذا جنى ويرثه إذا مات بغير صاحب فرض ولا عصبة. أما الموالاة فمصدر عقد بين أعجمي مسلم وعربي مسلم يعقل بموجبة العربي عن الاعجمي إذا جنى ويرثه إذ ا مات بغير وارث.

وجمهور الفقهاء على أنه إذا لم يكن للجاني عصبة بالنسب فعاقلته مواليه, وخالف أهل الظاهر فلم يعتدوا في العقل بغير النسب. ولم يعد للبحث في العصبة السببية اليوم أهمية لزوال هذا النظام.

الأشخاص الذين لا يشتركون في العقل:

لما كان العقل مداره على النصرة فقد اتفق الفقهاء على أن كل شخص لا يعتبر من أهل النصرة يخرج من عداد العاقلة. والنصرة التي يعنيها الفقهاء في هذا المقام لها معنى خاص فهم يقصدون بها النصرة في القتال, فمن كان أهلا لهذه النصرة عقل, ومن لم يكن أهلا لها لم يعقل. ولا يعد الشخص من أهل النصرة إلا إذا كان مكتمل العقل قادرا بدنيا على خوض الحرب حاضرا وقت الشدة , وإذا انقلبت النصرة عقلا – وهو عبء مالي – وجب فيمن يعقل أن يكون على قدر من السيار يسمح له باداء ما حمل به. ولهذا أسقط الفقهاء العقل عن غير المكلف , فلا عقل على صبي ولا مجنون لان كليهما فاقد التمييز فليس من أهل النصرة. ولا عقل كذلك على المرأة لأن النصرة عند الفقهاء إنما تقوم بالرجال دون النساء. وعلل السرخسى ذلك بأن بنية المرأة لا تصلح لهذه النصرة, ولهذا نهى الشرع عن قتل النساء والصبيان من أهل الحرب لأنهم يقاتلون لدفع من يقاتلهم , ولم يوجب الجزية عليهم لأنهم ليسوا من أهل القتال “39”. والرأي عند الفقهاء أن الصبي والمجنون والمرأة لا يعقلون عن غيرهم إذا جنى وفي عقلهم عن أنفسهم خلاق ” 40″

أما عدم وجوب جزء من الدية على القاتل هو باعتبار أنه أحد العواقل, فقد علله السرخسى بقوله إن وجوب جزء من الدية على القاتل هو باعتبار أنه أحد العواقل, وهو لا يوجد في النساء والصبيان “41”. ولا يختلف الحكم عند الأحناف ولو كان لهم عطاء في الديوان, لأن ذلك ليس باعتبار النصرة, بل باعتبار المئونة, كما فرض عمر بن الخطاب لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم العطاء في الديوان, فكان يوصله لهن في كل سنة “42”.

أما المرض والشيخوخة فلا يمنعان العقل في ذاتهما, لأن المريض والشيخ من أهل النصرة بالتدبير, إلا أنه إذا بلغ المرض حد الزمانة والشيخوخة حد الهرم فقد اختلف الرأي عند الحنابلة والشافعية على وجهين: أحدهما الأعقل على المريض والشيخ لأنهما ليسا من أهل النصرة, ولهذا يجب عليهما الجهاد ولا يقتلان إذا كانا من إهل الحرب, ويجري على الأعمى ما يجري عليهما لأنه مثلهما في هذا المعنى , والثاني أنهم من أهل المواساة, ولهذا تجب عليهم الزكاة“43”.

وجمهور الفقهاء كذلك على ان الفقير لا يعقل, لان حمل الدية على العاقلة مواساة والفقير ليس من أهل المواساة, ولهذا لا تجب عليه الزكاة ولا نفقة الأقارب, ولأن العاقلة تتحمل لدفع الضرر عن الجاني , والضرر لا يزال بالضرر, فلا يجوز تكليف الفقير بشئ من الدية لأن في ذلك أثقالا عليه وإجحافا بماله وربما كان الواجب عليه جمع ماله أو أكثر منه وقد لا يكون الدية شئ أصلا “44”.

ونسب البعض إلى مالك وأبي حنيفة وأحمد أن للفقير مدخلا في التحمل لأنه من أهل النصرة فكان من العاقلة كالغني “45”, ولكن الراجح في المذاهب المختلفة أن الفقير لا يعقل. ويلحق الفقهاء بالفقير الغارم. والفقير هو من لا يقدر على غير قوته, أما الغارم فهو الذي عليه دين بقدر ما في يديه أو الذي يفضل لدية يعد قضاء دينه ما يجعله في عداد الفقراء“46”.

واختلاف الدين مانع من العقل, فلا يعقل المسلم عن غير المسلم, ولا يعقل غير المسلم عن مسلم. ويعلل الفقهاء هذا الحكم بان التعاقل مبني على الموالاة والتناصر, وذلك ينعدم في اختلاف الملة, وحكم الميراث والنفقه يؤيد ذلك “47”. أما تعاقل غير المسلمين فسوف نعرض له بعد قليل.

والأصل أن يشترك كل أفراد العاقلة في حمل الدية , يستوي في ذلك حاضرهم وغائبهم, لان الغياب لا يسقط الوجوب, ولأن الغائب والحاضر يستويان في العصوبة فوجب أن يستويان في العقل وذلك مذهب الأحناف والحنابلة “48”  غير أن فقهاء المالكية يجعلون حضور العاقلة شرطا للتحمل بالدية, فان غاب احدهم غيبة انقطاع لم يلزمه شئ. “49” واعتد فقهاء الشافعية كذلك بحضور العاقلة وغيابها, جاء في المهذب : وإن غاب الأقربون في النسب وحضر الابعدون ففيه قولان: احدهما يقدم الأقربين في النسب لانه حق يستحق بالتعصيب فقدم الاقربون كالميراث. والثاني يقدم الأقربين في على الأقربين في النسب, لأن تحمل العاقلة على سبيل النصرة , والحاضرون أحق بالنصرة من الغيب. وان استوت جماعة في النسب وبعضهم حضور وبعضهم غيب ففيه قولان: أحدهما يقدم الحضور لأنهم أقرب إلى النصرة, والثاني يسوي بين الجميع كما يسوي في الميراث “50”.

والمعتبر في الصبا والجنون, والبلوغ والعقل, والعسر واليسر, والغيبة والحضور وقت القضاء بالدية على العاقلة, فمن كان وقت التوزيع صبيا أو غارما أو غائبا غيبة انقطاع فلا شئ عليه. ولو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو استغنى الفقير أو قدم الغائب غيبة انقطاع بعد القضاء بالدية على العاقلة وقبل قبضها لم يلزمه شئ. وإن كان وقت القضاء بها بالغا عاقلا موسرا حاضرا لم يسقط عنه ما فرض عليه بطروء عسر أو جنون أو موت أو سفر “51”.

وذلك لان الدية – وهي مال – لا تجب بذات القتل بل بقضاء القاضي, وهي قبل القضاء بهاى لا تجب لأتها ضمان متلف, وضمان المتلف – كما يقول السرخسي – يكون بالمثل, مثل النفس نفس, إلا أنه إذا رفع للقاضي فتحقق العجز عن استيفاء النفس تحول الحق بقضائه إلى مال “52” واذا وجبت الدية بقضاء القاضي فقد ثبتت حقا لمستحقها ودينا في ذمة من حمل بها, فلا يؤثر التراخي في قبضها على وجوبها, ولذلك كانت العبرة في تحديد مركز كل من افراد وبيان من يدخل منهم ومن لا يدخل ومن لا يحمل ومن لا يحمل هو بوقت القضاء بالدية, ولا بوقت وقوع القتل ولا بوقت قبض الدية.

من يحمل الجاني مع العاقلة؟

اختلف الفقهاء في الجاني وهل يحمل مع العاقلة كواحد منهم او تحمل العاقلة وحدها كل الدية فلا يجب عليه شيء منها. والرأي عند الشافعية والمالكية والحنابلة ان الجاني ليس عليه شيء من الدية بل تحملها العاقلة كلها, وحجتهم ان الخطا مرفوع بقوله تعالى: وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به وبقوله صلى الله عليه وسلم : رفع عن أمتى الخطأ والنسيان, ومقتضى رفع الخطأ ألا يحمل الجاني من الدية شيئا.

وفي حديث جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها, وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم, ولأنه قاتل لم تلزمه الدية فلم يلزمه بعضها, كما لو أمره الإمام بقتل رجل فقتله يعتقد أنه بحق فبان مظلوما, ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه فلا حاجه الى إيجاب شيء من الدية عليه “53” أما الأحناف فبعتبرون الجاني واحدا من العاقلة يحمل من الدية كما يحمل غيره, وذلك لأن إيجاب الدية على العاقلة إنما هو يدفع الإجحاف عن الجاني والتخفيف عليه, وهذا يتحقق في الكل لا في الجزء, ثم الوجوب على العاقلة باعتبار النصرة, ولا شك أن الجاني ينصر نفسه كما ينصر غيره, وكما أنه معذور غير مؤاخذ شرعا فالعاقلة لا يؤاخذون بفعله أيضا قال تعالى:

ولا تزر وازرة وزر أخرى ومن لم يجن فهو أبعد من المؤاخذة من الجاني المغذور, فإذا أوجبنا على كل واحد من العاقلة جزاء من الدية فلأن نوجب عليه مثل ذلك أولى” 54″.

عاقلة غير المسلم:

مبنى العقل عند الفقهاء على التناصر, وهو ليس وفقا على المسلمين وحدهم, ولذلك فجمهور الفقهاء على أن غير المسلمين يتعاقلون سواء كان المجني عليه مسلما أو غير مسلم. فإن كان لأهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها فقتل أحدهم قتيلا فديته على عاقلته. وعاقلة غير المسلم هم أهل ديوانه عند من يعتد بالديوان, وعصبته عند من لا يعتد به, فإن لم تكن له عصبة عقل عنه من لا يعتد به, فإن لم تكن له عصبة عقل عنه أهل دينه, النصاري عن النصراني واليهود عن اليهودي “55”.

ويعلل الحنابلة ذلك بأنهم يتوارثون فيما بينهم . أما الأحناف فيجعلونهم بمنزلة المسلمين لأنهم التزموا أحكام الإسلام في المعاملات لا سيما في المعاني العاصمة عن الاضرار, ومعنى التناصر موجود في حقهم. وفي مذهب أحمد رواية أخرى أنهم لا يتعاقلون لأن المعاقلة تثبت في حق المسلم على خلاف الأصل تخفيفا عنه ومعونة له فلا يلحق به غير المسلم, والهذا وجبت الزكاة على المسلمين مواساة لفقرائهم ولم تجب على أهل الذمة لفقرائهم فتبقي في حق الذمي على الأصل. غير أن الرواية الأولى عند الحنابلة أرجح.

حكم من لا عاقلة له:

يطلق الفقهاء على من لا عاقلة له اسم السائبة “56”. ولا يخلو السائبة من أن يكون مسلما أو غير مسلم, أما غير المسلم فلا خلاف فيه, لأن بيت المال لا يعقل عنه إذ هو خاص بالمسلمين. ولما كانت الأنفس والأطرف مضمونة فإنه يلزم من ذلك أنه إذا جنى غير المسلم على نفس أو طرف ولم تكن له عاقلة تحمل عنه فإن الدية تجب عليه في ماله.

أما إن كان السائبة مسلما – كاللقيط وكالحربي والذمي اللذين أسلما – فإن حكمه يتردد بين أن يعقل عنه بيت المال أو تلزمه الدية في ماله, هناك رأي مرجوح يسقط الدية عنه تماما. وأغلب الفقهاء يبدأون ببيت المال فيوجبون العقل عليه ولو كان الجاني موسرا, فإن لم يكن بيت مال وجبت الدية علي الجاني في ماله. ومنهم من يجعل العقل في كل الأحوال على الجاني دون بيت المال.

أما الأحناف فيذهبون إلى أنه إذا لم يكن للجاني عاقلة فعاقلته بيت المال في ظاهر الرواية وروى محمد عن أبي حنيفة أنه تجب الدية عليه من ماله ولا تجب علي بيت المال. وقيل في توجية الرواية الثانية أن الأصل هو الوجوب في مال الجاني لأن الجناية وجدت منه. وإنما الأخذ من العاقلة بطريق التحمل, فإذا لم يكن له عاقلة يرد الأمر فيه إلى حكم الاصل أما وجه ظاهر الرواية فهو أن الوجوب على العاقلة لمكان التناصر, فإذا لم يكن للجاني عاقلة كان استنصاره بعامة المسلمين, وبيت المال ما لهم فكان ذلك عاقلته “57”.

وأما المالكية فيرون أنه إذا لم يكن للجاني عاقلة فإن بيت المال يحمل الدية عنه, فإن لم يكن بيت مال أو كان ولا يمكن الوصول إليه فإنها تكون في مال الجاني “58”.

وأما الشافعية فمذهبهم أنه إذا كان الجاني مسلما ولم تكن له عصبة حمل عنه بيت المال لأنه ماله للمسلمين, وهم يرثون الجاني كما ترث العصبات فيحمل عنه كما يحملون . فان لم تكن عاقلة ولا بيت مال ففي ايجاب الدية على الجاني وجهان, أحدهما تجب عليه, والآخر لا تجب, وذلك بناء على أن الدية هل تجب على الجاني ثم تتحمل عنه العاقلة أو تجب على العاقلة ابتداء؟

وفيه قولان. “59”

أحدهما أن بيت المال يحمل الدية , والأخرى لا يحملها. أما الرواية الأولى فسندها ما روى أن رجلا قتل في زحام في زمن عمر فلم يعرف قاتله فقال علي لعمر : لا يظل دم امرئ مسلم فأدى ديته من بيت المال, ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له فيعقلون عنه عند عدم عاقلته. أما الرواية الثانية فسندها أن بيت المال فيه حق للنساء والصبيان والمجانين والفقراء ولا عقل عليهم , فلا يجوز صرفه فيما لا يجب عليهم, وأن العقل على العصبات وبيت المال ليس عصبة ولا كالعصبة. أما قتيل الأنصار فلا حجة لأن فعل الرسول لم يكن عقلا بل كان تفضلا لأن الرجل كان قتيل اليهود وبيت المال لا يعقل عن غير المسلم. وأما أيلولة مأل من لا وارث له إلى بيت المال فليس ميراثا بل هو فئ, بدليل أن أموال الذمة الذين لا وراث لهم تؤول إلى بيت مال المسلمين ولا خلاف في أن المسلمين لا يرثونهم. ثم إن العقل لا يجب على الوراث إذا لم يكن عصبة ويجب على العصبة وإن لم يكن وارثا. وإذا لم يكن الأخذ من بيت المال فهل تجب لدية على الجاني؟ في المذهب قولان: أحدهما لا يجب عليه شئ لأن الدية لزمت العاقلة ابتداء , بدليل أنه لا يطالب بها غيرهم, ولا يعتبر تحملهم ولا رضاهم بها ولا تجب على غير من وجبت عليه كما لو عدم القاتل فإن الدية تجب على أحد, كذا ههنا, والثاني ان الدية تجب على الجاني اذا تعذر حملها عنه لعموم قوله تعالى: ودية مسلمة إلى أهله ولأن قضية هذا الدليل وجوبها على الجاني جبرا للمحل الذي فوته, إنما سقطت الدية عن الجاني لقيام العاقلة مقامه في جبر المحل, فإذا لم يؤخذ ذلك منها بقى واجبا عليه بمقتضى الدليل, ولأن الأمر دائر بين أن يظل دم القتيل وبين إيجاب ديته على المتلف. والأول لا يجوز لأن فيه مخالفة للكتاب والسنة وقياس أصول الشريعة, فتعين الثاني ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له وإيجاب الدية على قاتل الخطأ له نظائر. ثم إن القول بوجود الدية على العاقلة ابتداء ممنوع, وإنما تجب على الجاني ثم تتحملها العاقلة عنه. وإذا صح جدلا أنها تجب عليهم ابتداء فذلك مشروط بوجودهم , أما عدمهم فلا يمكن القول بوجوبها عليهم “60”.

وأما أهل الظاهر فمذهبهم أن العاقلة تحمل الدية بوصفها من الغارمين, فإن جهلوا أو تعذر أمرهم لافتراق الناس في البلاد حمل عنهم من بيت المال وأخذت الدية من سهم الغارمين “61”.

ما تحمله العاقلة ولا ما تحمله

اتفق الفقهاء على ان العاقلة تحمل الخطأ ولا تحمل العمد, واختلفوا في شبه العمد وفيمن أصاب نفسه. واتفقوا على أن العاقلة لا تحمل صلحا ولا اعترافا واختلفوا فيما إذا كانت العاقلة تحمل دية وجبت , كثرت أو قلت , أو انها لا تحملها إلا إذا بلغت من الجسامة حدا يقتضي تدخل العاقلة للتخفيف عن الجاني.

دية العمد لا تحملها العاقلة:

أجمع أهل العلم على أن دية الخطأ على العاقلة, أما العمد فلاشأن لها به “62” لأن الخير ورد في الحمل عن القاتل تخفيفا عنه حيث لم يقصد القتل, والعامد قصد القتل فلم يكن جديرا بالتخفيف .

ويرى ابن قدامه أن هذا الحكم قضيته الأصل, وهو ان بدل المتلف يجب على المتلف , وارش الجناية على الجاني, وهو مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: لا يجني جان الا على نفسه, ولان موجب الجناية أثر فعل الجاني فيجب ان يختص بضرها كما يختص بنفعها, فانه لو كسب كان له دون غيره, وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والاكساب , وانما خولف هذه الاصل في قتل المعذور فيه لكثرة الواجب وعجز الجاني في الغالب عن تحمله مع وجوب الكفارة عليه وقيام عذره تخفيفا عنه ورفقا به, والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف ولا يوجد فيه المعنى المقتضى للمواساة في الخطا “63”.

واختلفوا في عمد الصبي والمجنون , فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة الى تحميل العاقلة به “64”. وقال الشافعي في أحد قوليه أن الدية تجب على الجاني في ماله. وسبب اختلافهم تردد فعل الصبي والمجنون بين العمد والخطا , فالشافعي يرى ان عمدهما عمد حقيقة, لأن العمد هو القصد, وهو قائم لديهما, وإذا كان أحد حكمي العمد – وهو القصاص. قد تخلف فيبقى الحكم الآخر وهو الوجوب في مال الجاني. اما جمهور الائمة فيرى ان عمد المجنون والصبي خطأ , لان العمد يترتب على العلم, والعلم بالعقل, والمجنون عديم العقل, والصبي قاصر العقل, فلا يتحقق منهما القصد أصلا عند البعض اولا يتحقق منهما على وجه الكمال عند آخرين.

وجمهور الفقهاء على أن العاقلة لا تحمل العمد في أي حال, سواء وجب القصاص به ابتداء ثم سقط لعلة واستحال الى دية – كما هوالشأن عندما يعفو ولي الدم – أو لم يجب القصاص أصلا بل وجبت الدية مباشرة كما هو الشأن في الجائفة والأمة وكسر الفخذ “65” و “66”  وخالف المالكية عن ذلك فذهبوا الى تحميل العاقلة دية الجنايات التي لا قصاص فيها أصلا, سواء كانت خطأ أو عمدا, وسواء قدر الشارع فيها شيئا معلوما أو لم يقدر شيئا “67”, وحجتهم ” في ذلك” أن الدية في هذه الجنايات تثبت بذات القتل فأشبهت دية الخطأ .

وحجة الجمهور أنها جناية عمد فلا تحملها العاقلة لما رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العاقلة لا تحمل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا, ولان حمل العاقلة انما يثبت في الخطأ للعذر تخفيفا ومواساة له, ولا عذر للعامد فلم يوجد المقتضي “68”.

الخلاف في شبه العمد :

يراد بشبه العمد تعمد الفعل دون النتيجة الحادثة , وأظهر صورة نتجة إرادة الجاني إلى ضرب المجني عليه فسحب لكن الضرب يؤدي إلى وفاته. ويطلق فقهاء القانون الوضعي على هذه الصورة اسم الجريمة ذات القصد المتعدي. وشبه العمد محل خلاف في الفقه الشرعي, والخلاف فيه من وجوه أولها يتعلق بمشروعيته, فجمهور الفقهاء يسلم به وبعضهم ينكره, وثانيها يتعلق بصوره , فمن الفقهاء من يوسع فيها ومنهم من يضيق, والثالث يتعلق بمن يحمل ديته. والوجه الأخير هو وحده الذي يعنينا في هذا المقام, ومذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن العاقلة تحمل شبه العمد, وهذا هو أيضا قول الشعبي والنخعي والحكم والثوري واسحاق وابن المنذر ” 69″ . وقال ابن سيرين والزهري والحارث العكلي وابن شبرمة وقتادة وابو ثور هي على القاتل في ماله لانها موجب فعل قصده فلا تحمله العاقلة . وهذا ما يجب ان يكون في مذهب مالك لان شبة العمده عنده من باب العمد. وحجة الجمهور ما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المراة على عاقلتها , فهذا الحديث نص في هذا الباب. واحتجوا أيضا بأن القاتل في شبه العمد معذور لأنه لم يقصد القتل  وإنما أفضى إليه فعله من غير اختيار فاشبه الخطأ , ولهذا فإن القصاص لا يجب وإنما تجب الدية وتحملها العاقلة.

العاقلة لا تحمل ما ثبت بالصلح والاعتراف:

هذا الحكم متفق عليه, وسنده حديث ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا“70”. ومحل الحكم جناية الخطأ دون جناية العمد, لان دية العمد موضوعة عن العاقلة في كل حال , اي سواء ثبتت الجناية بالبينة او اللوث او بالاقرار. ويأخذ شبة العمد حكم الخطأ عند جمهور الفقهاء.

ومعنى الصلح ان يدعي القتل على انسان فينكره ويصالح المدعي مع ذلك على مال, ومعنى الاعتراف ان يقر على نفسه بقتل خطأ فتجب عليه الدية باقراره. وفي الحالتين لا تحمل العاقلة شيئا مما وجب بالصلح او بالاقرار ولو كان من تصالح او اقر عدلا مأمونا, وذلك الا ان تعنية عن طيب نفس او ان تصادق على اقراه. وعندئذ فانها تلزم نفسها بنفسها. وترجع العلة في عدم تحميل العاقلة بالصلح والاعتراف الى قصور ولاية الجاني عنهم, فهم ان كانوا ملزمين بعقل خطئة الا ان ذلك مشروط بأن يثبت الخطأ بما ينفي عنه التهمة او الظنة ولهذا لا يلزمهم عقل خطئة بمجرد اقراره او صلحه. ذلك بانه متهم في حق عاقلته, ولو جاز ان ينفذ صلحه عليه لادى ذلك الى أن يصالح بمال غيره ويوجب عليه حقا بقوله, وكذلك الشأن أقراره فإنه لو نفذ عليهم لوجبت عليهم الدية بإقرار غيرهم, ولا يقبل إقرار شخص غيره, ولأن المقر يتهم في مواطأة من يقر له ليأخذه الدية من عاقلته فيقاسمه إياها “71”.

وعامة الفقهاء على انه اذا كان اقرار الجاني لا يلزم العاقلة بشئ فانه يلزمه هو ويوجب عليه الدية في ماله, لانه اقر على نفسه بالجناية الموجبة للمال فصح إقراره كما لو بإ تلاف مال أو بما لا تحمل دية العاقلة , ولأنه محل مضمون فيضمن إذا اعترف به كسائر المحال, وإنما سقطت عنه الدية في محل الوفاق لتحمل العاقلة لها, فإذا لم تحملها وجبت عليه. وقال أبو ثور وابن عبد الحكم لا يلزمه شيء ولا يصح إقراره لأنه مقر على غيره لا على نفسه ولأنه لم يثبت موجب إقراره فكان باطلا كما لو أقر على غيره بالقتل “72”.

حد الدية التي تحملها العاقلة:

ذهب الشافعي في الجديد الى أن العاقلة تحمل الكثير والقليل, فكل دية وجبت بخطأ الجاني فهي على عاقلته, سواء كانت دية كاملة او بعض الدية. وهذا الرأي سنده القياس ,فمن حمل دية النفس حمل ما دونها , ولان العاقلة انما حملت عن القاتل في الخطأ وعمد الخطأ – اي شبه العمد – لئلا يجحف ذلك بماله, وهذا يوجد فيما دون دية النفس “73”.

اما جمهور الفقهاء فعلى ان العاقلة لا تحمل عن الجاني الا اذا كانت الدية الواجبة بفعله ذات بال, لان الاصل وجوبها عليه, وانما حملت العاقلة عنه لئلا يستغرق الواجب كل ماله, وهذا يقتضي ان يكون الواجب كثيرا, فإن كان قليلا لزم الجاني في ماله وما يلزم العاقلة في شئ, ويرى الاحناف ان ضابط الكثرة ان يكون الواجب مقدار , ادنى ذلك ارش الموضحة “74”, وقيمته نصف عشر الدية.

فاذا بلغ الواجب هذا الحد او جاوزه كان على العاقلة , وان قل عنه كان على الجاني, وسندهم في ذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل غزة الجنين على العاقلة, وقيمتها نصفى عشر الدية, وروى ابن عباس موقوفا عليه ومرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم : لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون ارش الموضحة, وارش الموضحة نصف عشر بدل النفس “75” . واكثر الفقهاء على ان ضابط الكثرة والثلث, فما زاد عليه حملته العاقلة, وما قل عنه حمله الجاني من ماله, واختلفوا في الثلث فقال الزهري لا تحمله العاقلة, وقال الجمهور بل تحمله , وسندهم ما روى عن عمر رضي الله عنه انه قضى في الدية الا تحمل العاقلة منها شيئا حتى تبلغ عقل المأمومة – او الامة – وفيها الثلث, ولان مقتضى الاصل وجوب الضمان على الجاني لانه موجب جنايته وبدل متلفة فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات , وانما خولف في الثلث فصاعدا تخفيفا عن الجاني لكونه كثيرا يحجف به, قال النبي صلى الله عليه وسلم ” الثلث كثير” , ففيما دونه يبقى عليه قضية الاصل ومقتضى الدليل, وهذا حجة على الزهري, لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث كثيرا “76”.

ويحدد المالكية الدية التي ينسب الثلث اليها بانها دية الجاني او المجني عليه ايهما اقل. فاذا جنى مسلم على مجوسي او مجوسية فقتله خطأ او جرحه جرحا يبلغ ارشه ثلث الدية فان عاقلة الجاني تحمل ما وجب عليه او لاوليائه ولو ان هذا الواجب اقل من ثلث دية الجاني المسلم , لان دية المجوسي عند المالكية ثلث خمس دية المسلم الحر ” اي تساوي 15/1 منها” ودية المجوسية عندهم على النصف من ذلك, واذا جنى مجوسي على مسلم جناية, يقل ارشها عن ثلث دية المسلم حملته عاقلة المجوسي اذا كانت قيمة الارش منسوبة الى دية المجوسي الجاني تبلغ ثلثها او تزيد ولو انها بالنسبة لدية المجني عليه لا تبلغ الثلث “77” . اما الحنابلة فيجعلون النسبة دائما الى دية المسلم الحر الذكر, ولذلك فهم يحملون العاقلة من جراح المرأة ما بلغ ارشه ثلث دية الرجل كدية انفها, اما ما دون ذلك – كدية يدها – فلا تحمله العاقلة , وكذلك الحكم في دية الكتابي “78”. كذلك فان الحنابلة لا يحملون العاقلة دية المجوسي لانها دون ثلث دية المسلم , ولا دية الجنين ان مات منضودا او مات قبل موت امه “79” .

واذا تعددت العواقل في جناية واحدة فالرأي عند المالكية ان كل عاقلة تحمل ما ينوب ولو كان دون الثلث كعشرة رجال من قبائل شتى قتلوا رجلا خطأ, فعلى عاقلة كل منهم عشر دية تحملها دون الجاني “80”. وذلك لان المعتبر عندهم جملة الواجب بالجناية الواحدة لا مقدار ما يخص كل جان على حدة, فاذا كان الواجب بالجناية ثلث الدية , او ما يجاوزه فهو على العاقلة, ثم يستوي بعد ذلك ان تكون واحدة او عواقل متعددة . ومقتضى هذا الراي ايضا انه اذا احدثت الجناية الواحدة ما يوجب اروشا متعددة يقل مقدار كل منها عن الثلث وتزيد جملتها عليه فان العاقلة تحمل كل منها ما وجب , اما اذا تعددت الجنايات واستقلت كل منها عن الاخرى فان العاقلة لا تحمل منها الا ما بلغ الثلث, ويحمل الجاني  ما دون ذلك, ولو بلغت جملة ما يحمله ثلث دية او زادت عليه, لان حملة اياها ناشئ عن جنايات متعددة لا عن جناية واحدة.

العاقلة لا تحمل اصابة النفس:

لاخلاف في ان الرجل اذا صاب نفسه عمدا فلا شيء على عاقلته , اما اذا جنى خطأ على نفسه او على اطرافه فاكثر اهل العلم على ان جنايته هدر كذلك ولا شيء على عاقتله وهذا مذهب مالك والشافعي وابي حنيفة والثوري, وهو الاصح في مذهب احمد. وذلك لان عامر بن الاكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه فمات ولم يثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية ولا غيرها , ولانه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد ولان وجوب الدية على العاقلة انما كان مواساة للجاني وتخفيفا عنه وليس على الجاني ههنا شئ يحتاج الى الاعانة والمواساة فيه فلا وجه لايجابه “81”.

غير ان في الفقه رأيا اخر يذهب الى تحميل العاقلة دية من قتل نفسه خطأ او اصاب طرفه اصابه يبلغ ارشها ثلث الدية, وهذا قول الاوزاعي واسحاق, وهو قول اخر في مذهب احمد. وسند هذا الرأي ما روي ان رجلا ساق حمارا فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر ديته على عاقلته وقال: هي يد من ايدي المسلمين لم يصبها اعتداء على احد ولم يعرف له مخاف في عصره, ولانها جناية خطأ فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره, وينبني على ذلك اذا كانت العاقلة هم الورثة لم يجب شيء, لانه لا يجب للانسان شيء على نفسه , واذا كان بعضهم وارثا سقط عنه ما يقابل نصيبه وعليه ما زاد على نصيبه وله ما بقى ان كان نصيبه من الدية اكثر من الواجب عليه “82”.

تنجيم الدية على العاقلة:

اتفق الفقهاء على ان ما يجب على العاقلة ينجم على ثلاث سنين. وليس في المسألة نص, ولكنه عمل الصحابة , فقد روي ان عمرا وعليا قضيا بذلك ولم يعرف لهما من الصحابة مخالف فاتبعهما على ذلك اله العلم “83”. وحكى القرطبي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي الدية دافعة واحدة لاغراض, منها إنه كان يعطيها صلحا وتسديدا, ومنها انه كان يعجلها تأليفا, فلما تمهد الاسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام “84” . ويعلل الفقهاء تنجيم ما وجب على العاقلة بانه مال وجب على سبيل المواساة فلم يجب حالا كالزكاة , وكل دية تحملها العاقلة تجب مؤجلة ولا تحمله يجب حالا لانه بدل متلف فلزم المتلف حالا كقيم المتلفات, وفارق الذي تحمله العاقلة فانه يجب مواساة فألزم التأجيل تحفيفا على متحمله, وعدل بع به عن الاصل في التأجيل كما عدل به عن الاصل في الزامه غير الجاني “85”.

والرأي متفق على أنه كان الواجب دية كاملة – وهي دية المسلم الحر الذكر – فانها تقسم في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها , سواء كانت دية نفس او دية طرف كالعينين والاذنين, اما ان كان الواجب بعض الدية ففية تفصيل , ويرى الجمهور ان اذا بلغ ثلث الدية – كما في الامة والجائفة – حل بأكمله في اخر السنة الاولى – اما اذا كان نصف الدية – كدية اليد – فان الثلث يحل اخر السنة الاولى والباقي وهو السدس يحل في اخر السنة الثانية, واذا كان الواجب اكثر من الثلثين , وجب الثلثان في السنين والباقي في اخر السنة الثالثة “86”  وفي الفقه خلاف بالنسبة الى الدية الناقصة كدية المرأة ودية الكتابي عند من يفرق بينه وبين المسلم, فمن الفقهاء من يجري عليها حكم الدية الكاملة باعتبارها بدل نفس فيجعلها منجمة على ثلاث سنين في كل سنة ثلثها, ومنهم من يجري عليها حكم ارش الطرف فيوجب منها في العام الاول ما يعادل ثلث الدية الكاملة ويجعل باقيها في العام الثاني “87” واذا تعدت العواقل في جناية واحدة – كعشرة قتلوا واحدا خطأ او شبه عمد – وجبت عليهم دية واحدة وحملت عاقلة كل منهم عشر الدية في ثلاث سنين, وذلك اعتبارا للجزء بالكل, فالواجب على كل عاقلة هو جزء من دية مؤجلة في ثلاث سنين, فكان تأجيل الدية تأجيلا لكل جزء من اجزائها, اذ الجزء لا يخالف الكل في وصفه , ولهذا فالمتفق عليه ان ما وجب على عواقل متعددة بجناية واحدة له – من حيث التنجيم – حكم الواجب على العاقلة الواحدة إيا ما كان مقداره “88”.

وإذا تعددت الديات على عاقلة واحدة بسبب جنايات متعددة نجمت كل دية ثلاث سنين, ومؤدي ذلك أن تدفع العاقلة في نهاية كل عام عددا من الأقساط بقدر عدد ما وجب عليها من الديات.

ولا اعتبار في هذه الحالة لاتحاد الجاني أو المجني عليه أو اختلافه “88” .

وإذا تعددت الديات على عاقلة واحدة بسبب جناية واحدة على مجني عليه واحد أو متعدد – كأن يضرب الجاني غيره ضربة فيفقده النطق والسمع والبصر أو يرمي رميتة فيقتل اثنين – فقد اختلف الرأي في حكم هذه المسألة : هل تجب الديات جميعا في ثلاث سنين بحيث تؤدي العاقلة في نهاية كل عام ثلث كل منها, أو يقتصر الواجب في نهاية كل عام على ثلث كل منها, أو يقصر الواجب في نهاية كل عام على ثلث دية واحدة فيستغرق الأداء ست سنوات أو تسعا بحسب الحال؟ جاء في تكملة المجموع شرح المهذب : إن كان الواجب أكثر من دية بأن وجب بجناية ديتان فإن كانتا لاثنين حملت العاقلة لكل واحد من المجني عليهما ثلث الدية في كل سنة, هذا نقل أصحابنا العراقيين, وقال الخرسانيون فيه وجهان: أحدهما وهو الأصح تحمل لكل واحد من المجني عليهما ثلث الدية في كل سنة, والثاني أن العاقلة لا تحمل في كل سنة إلا ثلث الدية لواحد للمجني عليهما . وإن كانتا – أي ديتان – لواحد مثل أن قطع يديه ورجليه لم تحملهما العاقلة إلا في ست سنين في كل سنة ثلث دية. وهذا نقل أصحابنا العراقيين, وقال الخراسانيون فيه وجهان : أحدهما هذا, والثاني أن العاقلة تحمل الديتين في ثلاث سنين “89”. وحاصل ما تقدم أن في المسألة رأيين: أحدهما يجعل الديات في حكم الواحدة اعتبارا بوحدة الجناية