أبحاث

خواطر حول أزمة العقل المسلم

العدد الافتتاحي

مقدمـــــــات

العقل نعمة كبرى . . .

     إذا كانت نعمة الإيمان هي أعظم النعم, فالنعمة التي تليها هي نعمة العقل الواعي الفاحص المتأمل, إذ بدون هذه النعمة لا تحصل تلك, وبدون هذه النعمة لا تعمل تلك عملها الأتم, ثم بدون هذه النعمة لا تستقيم تلك على أمر الله بل سرعان ما تنحرف بها الأهواء.

     إن العقل الواعي المتحرر المتأمل هو أحسن ما في الإنسان, بل هو أنبل ما يميزه عن الحيوان. وهو الأداة القيمة والوحيدة القادرة على رفع الإنسان ومنعه من أن يتحول إلى سائمة اجتماعية, أو إلى شئ من الأشياء الجامدة أو المتحركة الخاضعة في جمودها وفي تحركها لإرادة المجتمع وهي لا تملك من أمرها شيئاً. ما أروع العقل وأنفذه عندما تتيقظ قواه وتجيش حيويته, فيثور على الضلال والوهم وعلى الخداع والانخداع وعلى كل ما يخالف الحق أو يستهين به.

     ” قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا الله مثنى وفرادى ثم تتفكروا “.

سورة سبأ الآية 46

ماذا يعني تحرر العقل . . ؟

     حقاً إن الدين جاء يحرر العقل بين الأثقال, ولكن ورثة الدين المفكرين يحجرون على العقل ويذلونه سواء بتضييق نطاق عمله وحصره في ضبط المتون أو بإهمال تغذيته فلا نظر ولا بحث علمي رشيد ولا دراسة لرأي المخالفين ولا جدل ولا حوار معهم. أو بتقديس السابقين, ومجرد تقديسك عقل الغير يؤدي إلى إلغاء عقلك أنت, أو بالتأثم من الخطأ وهو يعني لا اجتهاد ولا إبداع حيث لا يقع اجتهاد من إنسان ولا يكون إبداع من إنسان دون خطأ هنا أو هناك.

     هذا وكأن ورثة الدين لم يعلموا أن المجتهد إذ كان بحاجة إلى الطمأنينة والأمن من العذاب إذا هو أخطأ, فقد أعطاه الله حاجته بل وفوق حاجته. إنه طلب الأمن فزاده الله مع الأمن الأجر.. ” إن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران ” – رواه مسلم – . وقد يتحرر العقل ويعي ذاته وما حوله ومع ذلك قد يضل عن بعض الحقائق. حقائق الغيب أو حقائق الواقع. ومرد ذلك إلى نقص في التحرر, قد يكون تحرر من التقاليد لكنه لم يتحرر من الهوى, فيضله هواه عن الإيمان بالغيب أو عن الاعتراف بالواقع.

     وإن من كمال التحرر, التحرر من غرور العقل ذاته وإيقافه عند حدوده ويعين على كمال التحرر والتعلم . . تعلم سنن الكون من الكون ومن أهل العلم بالكون, وتعلم الغيب من مظاهر الغيب ومن رسل الغيب. على أن التعلم غير الحفظ وغير التقليد . . فالتعلم غذاء للعقل وانفتاح, والحفظ مسخ للعقل وجعله شيئاً يحشي, والتقليد طمس للعقل وجعله حيواناً معصوباً يدور في ساقية.

الغيب سكن العقل :

     الايمان بالغيب في ديننا يقوم أساساً على الإيمان بالله تعالى, ومن أهم خصائص الألوهة ثلاث يستطيع أن يدركها العقل الواعي المتأمل دون قهر أو تخبط وهي:

     الوحدانية المطلقة والسمو المطلق : فلا شركاء ولا صاحبة ولا ولد, وله سبحانه صفات الكمال.

الخلق والابداع للكون :

     فهو سبحانه خالق كل شئ وقد وضع للكون سنناً, وأعطى للعقل الإنساني قدرة على النظر والبحث وحضه على التعرف على تلك السنن فيتعامل العقل مع مملوم أو قابل لأن يكون معلوماً بالنظر والبحث والتأمل ويمضي ثابتاً واثقاً من نفسه. ولا يعيش مقهوراً بقوى غيبية خرافية “ألم تروا أن الله سخر لكم مــــا في السموات وما في الأرض ” سورة لقمان الآية 20.

     ” قل انظروا ماذا في السموات والأرض ” سورة يونس الآية 101

     ” أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ “.

سورة الأعراف الآية 185

الهداية للبشر :

     فقد هدى الله الإنسان منذ بداية خلقه, وأعطاه حرية الاختيار وحاسبه على اختياره, ثم أرسل له الرسل تترى.

     وقد أجاب الدين بذلك عن الأسئلة الخالدة . . . لم خُلقت ؟ ومن خلقني ؟ . . ما هذا الكون حولي ؟ أين المصير ؟

     تلك الأسئلة التي بدأت تثور في عقل الإنسان مع بدء خطوه على الأرض والتي لن تنتهي حق تنتهي حياة الانسان على الأرض.

     وبهذه الإجابات كان الدين سكنا للعقل كما كان الدين بشريعته مصباحاً ينير للعقل. وإذا كان العقل لا يمكنه أن يستغني عن ذاته فإنه لا يمكنه أن يستغني عن سكنه وعن مصباحه, فبدون السكن يضطرب وبدون المصباح يضل. ثم إن الدين سكن وملجأ للانسان دائماً وأبداً حين قوته وحين ضعفه. سكن له حين قوته فلا يقتله الغرور والعجب, وسكن له حين ضعفه فلا تغلبه الحاجة ولا تسحقه الأزمة ” ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها. إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتكم والله لا يحب كل مختال فخور ” سورة الحديد الآية 22.

عقلان أمام الشرع:

     إذا كان هدي الله للإنسان في أمور الغيب يأتي كاملاً شاملاً مفصلاً حيث لا يستطيع العقل أن يكمل أو يزيد أو يفصل, وإنما يتلقى دون قهر أو تخبط, فإن هدي الله في أمور الشرع ( في غير العبادات ) يأتي ليقرر قواعد عامة وأحكاماً محدودة أشبه بمنارات على الطريق, لكنه لا يرسم الطريق, فالطريق نحن بعقولنا – مهتدين بهدي ربنا – نرسمه, ولا يحدد لنا الخطو, فالخطو نحن بعقولنا – مهتدين بهدي ربنا –  نقدرها. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيب أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا ورعوا . . . – رواه مسلم.

     صدق رسول الله . . . فالعقل الذكي الواعي المتأمل هو الذي يتلقى هدي الله فيمزجه باستقصاء للواقع وحاجاته كما يمزجه بعلومه ومعارفه ثم يخرج للناس الخير الكثير . . . فيعمر الأرض ويصنع النظم ويقيم الحضارة. أما الحفظة والنقلة فمثلهم مثل الأجادب.

لماذا اجتهادات عمر . . ؟

     إن عقل المؤمن عرضة أحياناً للوقوف أو التوقف, ذلك أن جلال الدين ومقام النبوة قد يغلبان المؤمن على عقله فيتوقف حيث لا ينبغي له التوقف. مثال ذلك ما قاله أبو بكر يوم حدثه عمر في جمع القرآن. قال أبو بكر : أفعل أمراً لم يفعله رسول الله ! ! ! وظل عمر يعرض رأيه حتى شرح الله صدر أبي بكر.

     مثال ثان : كان رسول الله يعطي المؤلفة قلوبهم من الزكاة تأليفاً لهم ومنعاً لشرهم. ثم أعز الله الإسلام وقويت شوكة المسلمين ولكنهم ظلوا يعطون المؤلفة قلوبهم وقوفاً منهم عندما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن عمر رضي الله عنه نظر في مبررات فعل رسول الله, فوجد المبررات قد زالت, فرأى إيقاف ما كان يفعله رسول الله, ثم أقره أبو بكر رضي الله عنه. ( أنظر فقه الزكاة ليوسف القرضاوي ( ص 600 ).

     وهذا مثال ثالث : فتح المسلمون أرض السواد عنوة فقال فريق من المسلمين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أرض خيبر فتجب القسمة وطالبوا الخليفة عمر بالوقوف عند سنة رسول الله. ولكن عمر بجرأة قلبه وعقله لم يقف جامداً عند السنة بل نظر بعيداً وقال إن قسمتها بينكم فما لمن جاء بعدكم من المسلمين ؟ ( أنظر سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ( ص 66).

     لم يقف عمر موقف أصحابه بل ربط سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بظروفها ورأى ظروفاً جديدة, فمضى بسنة جديدة ( من باب السنة الحسنة ) وهكذا يتضح أن التوقف عند فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دون مناقشة المبررات الموجبة أو المانعة ودون النظر في مقدمات الموضوع ودواعيه ونتائجه, أمر شديد الخطر, لأنه يعطل عمل العقل الذي كلفه الله النظر والبحث والتبين, وإذا تعطل عمل العقل جمد الإنسان. وليس شركاً أن يجمد على الحق والخير بل ربما استدبر هدي الله وهو يحسب أن يستقبله.

     وما أحوج المسلمين اليوم لعقل جرئ وقلب جرئ يتحرى هدى الله ولكنه يثبت لجلال الدين وغلبته ومقام النبوة وعظمته, فلا يسرع بالتوقف حيث ينبغي المضي ولا يقف عند نص حيث ينبغي اجتهاد جديد في دلالة النص من ظروف النص على أن يكون له من تقوى عمر ومن فقه عمر نصيب.

حـــول تقـديس التراث

وماذا يعني التراث ؟

     نقصد بالتراث هنا ما أنشأه الأسلاف بعقولهم أما الهدي الإلهي من قرآن وسنة, فهو هادي الاسلاف فيما أنشأوا وهو هادينا نحن فيما نرجو أن ننشئ.

     ويلحظ القارئ أننا نقصر حديثنا على مجال واحد من مجالات التراث وهو المجال الديني رغم شمول التراث لمجالات عديدة مثل اللغة والتاريخ والنظم والفنون وغيرها. ويرجع ذلك إلى أن مجال الدين كان أشد خضوعاً للتقديس من غيره من المجالات وان كان التقديس قد شملها جميعاً فاذا استطعنا التحرر من التقديس المفضي إلى الجمود هنا كان التحرر في تعيين المجالات أيسر مثالاً.

     وإذا كنا ندعو إلى نبذ التقديس للتراث واخضاعه للدراسة النافذة ثم تجاوزه فالنقد لن ينصب على علاقة التراث بمشكلات عصره العقلية والخلقية أنما ينصب على مدى صلاحيته لموقفنا اليوم الذي قد تغير كثيراً. فالأمور التي جعلت ذلك الجهد العظيم موضع تقدير الناس واعجابهم في صلته بظروفه الاجتماعية والثقافية هي نفسها تقريباً الأسس التي ينتج عنها تجرده إلى حد كبير من الصلة بالواقع اليوم ومن الصلاحية في دنيا تختلف سماتها اختلافاً واضحاً عن الدنيا التي ظهر فيها ذلك الجهد العظيم. ويتجلى هذا الاختلاف سواء في المجالات العلمية أو الاجتماعية والاقتصادية أو في نظم الحكم والعلاقات الدولية. وعلى ذلك فالدعوة إلى النقد والتجاوز والتجديد لا يمكن أن تعني الحط من قدر التراث بل هي دليل على التقدير الواجب للواقع وما يمليه من اعتبارات . . . وهو نفس التقدير الذي أعطاه السلف لواقعهم, وقد أبدعوا ما أبدعوا في حدود ذلك الواقع.

     إن عبقرية التراث مثل عبقرية الفكر الحديث والعلوم الحديثة. كل في مجاله عبقري, ولكن حاملي التراث – في الأغلب – لا يعون ما يحملون, لم يفهموه بعبقرية كما أنشأه الاسلام بعبقرية ولو فهموه كذلك لتجاوزوه. والمطلوب منا عبقرية في الفهم كعبقريتهم في الانشاء.

     وأخيراً نقول إن التراث وقع بين قاتلين ثلاثة : مبغض يقتله بحقده عليه وجاهل يقتله باستهانته به وحامل له بغير حق يقتله بمسخه له. حديثنا هنا بوجهة خاصة إلى الفريق الثالث فهو أولى الثلاثة – في نظرنا – بالحديث حيث أن دوره في المسخ ساعد على تجهيل الفريق الثاني أما الفريق الأول فهو أحد إثنين إما مبغض حاقد عن علم فهذا لا نملك معه شيئاً.

في التقليد شرك :

     ان الله فرض قدسية دينه, ولا قدسية لاجتهادات البشر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من الأئمة التابعين ومن بعدهم أو من الاتقياء الصالحين أو من الزعماء الملهمين. وان ديننا لم يرض للانسان أن يقف خاشعاً إلا أمام جلال الله ساعة عبادته وساعة تلقي هدايته, ومع خشوع القلب فرض الدين على العقل أن يكون يقظاً متدبراً متفكراً.

     هكذا الدين وهكذا الانسان ولكنا نحن ورثة الدين قـــــد مسخنا الدين ومسخنا الانسان. مسخنا الدين بتحميله كل اجتهادات القرون فصار عملاقاً رهيباً وسيفاً مسلطاً على عقل الإنسان. ومسخنا الانسان باخضاعه لتراث القرون فصار قزماً أشل لا يملك غير التسليم بل ونرفع رتبته كلما استمسك بالتقليد. فأشركنا بذلك مع الله آلهة أخرى. آلهة أخرى من البشر. ومن وسائل إخضاعه لتراث القرون بل وإرهابه من المخالفة دعوى الاجماع التي يندد بها الشيخ محمود شلتوت في كتابه الاسلام عقيدة وشريعة فيقول : ( ولكنهم قصدوا أن يرسلوا كلمة الاجماع ليسجلوا على المخالف لوازمها الشائعة بين الناس من مخالفة سبيل المؤمنين ومشاقة الله ورسوله, وخرق اتفاق الأمة إلى غير ذلك مما يتحرجه المسلم ويخشى أن يعرف به عند العامة. وكثيراً ما نراهم يردفون حكايتهم للاجماع بقولهم ( ولا عبرة بمخالفة الشيعة والخوارج ), أو (بمخالفة المعتزلة والجهمية ) ونحو ذلك ما يخيفون به. وبهذا امتنع كثير من العلماء عن ابداء رايهم في كثير من المسائل التي هي محل خلاف ضناً بسمعتهم الدينية. فوقف العلم وحرمت العقول لذة البحث, وحيل بين الأمة وما ينفعها في حياتها العملية والعلمية ) – ص 83 الطبعة السابعة – وفرق بين أن يجتهد إنسان رأيه في أمر الله فيمضي به ويمضي معه على على نور وبصيرة أهل عصره أو بعض أهل عصره . . فهذا اجتهاد بشر. وبين أن يجتهد إنسان رأيه في أمر الله ثم يمضي أناس كالأنعام اجتهاده أبد الدهر كما يمضون أمر الله سواء, دونما نظر جديد واجتهاد جديد . . فهذا تشريع أرباب, يوصم من بعض وجوهه بوصمة الشرك ويندرج تحت قوله تعالى ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ” سورة التوبة الآية 31. أولئك بإقرار اغتصاب الأحبار حق التشريع الإلهي. ونحن بإضفاء خاصة من خصائص التشريع الإلهي وهي الأبدية على اجتهادات بشر وأحكام بشر. وقد عثرت على كلمات لأبي شامة الشافعي المتوفي سنة 665 ه تعبر عن هذا المعنى بوضوح بيِّن. وذلك قوله : ( . . ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها فقصرت همم أتباعهم إلا قليلاً منهم فقلدوا بعدما كان التقليد لغير الرسل حراماً بل صارت أقوال أئمتهم عندهم بمنزلة الأصلية وذلك معنى قوله تعالى ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ” – أنظر مجموعة الرسائل المنيرية ج 3 ص 25.

متى نعترف بالعقل المعاصر . . ؟

     كلما أثيرت قضية من قضايا عصرنا قال ورثة الدين لننظر هل حدث مثل هذا في عصور أسلافنا. أو قالوا لننظر ماذا قال الأئمة السابقون في هذه القضية. وقد نسي ورثة الدين أن لكل عصر خصائصه وظروفه, وأن لكل عصر عماله وجنوده وكتابه وتجاره وحكامه كما أن له علماءه وأئمته. وكما يحكم التجار والعمال والكتاب ظروف العصر كذلك يحكم العلماء والمفتون والأئمة ظروف العصر أيضاً. فهم يعلمون علوم العصر, ويفكرون بأسلوب العصر ويبحثون في قضايا العصر.

     إذن لا يجوز لنا أن نقف في قضية من قضايا عصرنا عندما قاله العلماء والمفتون والأئمة السابقون, فأولئك أنما هم أئمة عصرهم ومع تقديرنا لهم وإفادتنا من جهدهم فينبغي أن يكون لنا نحن أئمتنا . . وأئمتنا هم من ولدوا في عصرنا وعلموا علوم عصرنا وعاشوا مشكلات عصرنا ثم أعملوا عقولهم واجتهدوا في وضع حلول لتلك المشكلات. ورحم الله السيوطي يوم ألف رسالته ” الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض ” – طبعت في الجزائر سنة 1325 ه – ورحم الله أبا شامة حين قال ( . . . فعدم المجتهدون وغلب المقلدون وكثر التعصب وكفروا بالرسول حيث قال : ” يبعث الله في كل مائة سنة من ينفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين ” وجحدوا على رب العالمين مثل اليهود أن لا يبعث بعد أئمتهم ولياً مجتهداً . . . ) وحين قال ( . . . فالتوصل إلى الاجتهاد بعد جمع السنن في الكتب المعتمدة إذا رزق الإنسان الحفظ ومعرفة اللسان أسهل من قبل ذلك لولا قلة همم المتأخرين وعدم المعتبرين. ومن أكبر أسباب تعصبهم تقيدهم برفق الوقوف وجمود أكثر المتصدرين منهم على ما هو المعروف الذي هو منكر مألوف ) – انظر مجموعة الرسائل المنيرية ج 3 ص 25, 31 – .

     وإذا قال البعض لا أئمة في عصرنا فهو واهم غاية الوهم, إذ يريد أن يقيس أئمة عصرنا بمقياس عصور سابقة. والحق أن أئمة كل عصر يكونون في مستوى عصرهم. فاذا كنا نعيش فترة قلق بين إرث عصور انحطاط طويلة وبين تحد حضاري كبير, فان علماءنا وأئمتنا لابد أنهم يحملون بذور هذا القلق ولابد أنهم ملوثون بأقذار من بقايا الانحطاط أو بأقدار من الخضوع والحيرة أمام التحدي الكبير أو بأقذار منهما معاً. وإذا كان من الواجب العمل على تجاوز فترة القلق والتخلص من آثارها فهذا موضوع كبير له جوانبه العديدة. إلا أني أحسب أنه خطوة من خطوات هذا العمل الكبير هي احسان الظن بعلمائنا والبحث عن أئمتنا من بينهم. ففي هذا اعتراف بالعقل المعاصر وافساح المجال أمامه ليعمل, وهو أمر عظيم الشأن, إذ يعين على التخلص التدريجي من آثار فترة القلق حيث لا سبيل لتجاوزها دون مواجهة عقلية ايجابية بل وصراع عقلي طويل المدى.

     وإذا استطعنا بجوار ذلك أن نجمع من تيسر من علمائنا في صعيد واحد لبحث قضية من قضايانا وإصدار رأي جماعي فهي خطوة تقدمية إذ نتيح للعقل المعاصر أن يعمل بأسلوب من أساليب العصر.

حول السلبية من الفكر الانساني

صرخات شاطحة :

–         هناك من يفرق بين العلوم الطبيعية و العلوم الإنسانية فنرى أن نأخذ الأولى وندع الثانية.

–         وهناك من يرفض الرفض الكلي لبعض النظريات الحديثة مثل نظرية دارون ونظرية فرويد ونظرية ماركس.

–         وهناك من يرمي كله بالكفر أو بجاهليته. وقد ترتب على مثل هذه الصرخات الخاطئة أن غلب موقفنا السلبي من الفكر الإنساني. والموقف السلبي يخفي وراءه انحرافات نفسية وفكرية خطرة. إما عقدة التسامي التي تؤدي إلى احتقار ما عند الغير والتهوين من أمره مما يقطع الطريق على معرفة الكثير أو القليل من الحق والخير. وإما عقدة النقص التي تؤدي أحياناً إلى الخوف والحذر المفرط بل والرفض البات لكل ما عند الأقوى.

     ونحن هنا لن نناقش طويلاً ونكتفي باشارة تصحيحية لكل صرخة. فنقول للفريق الأول : الواجب أن نأخذ العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية معاً, والفيصل هو مدى علميتها. وإن كان هناك نقص في علمية الثانية فهذا لا يعني إهمالها بل نأخذها ونفيد منها أو من القدر العلمي فيها ونسعى أيضاً للإسهام في تنمية هذا القدر. وان كثيراً من علماء الغرب يعترفون بالفقر الشديد في الدراسات والأبحاث المتصلة بالإنسان مقابل الغنى, أبحاث المادة. وإذا كان أحد أسباب الغنى تلك النفعية التي تغلب على العقلية الأوروبية فأحرى بمن يزعمون أنهم حماة الجانب المعنوي والروحي . . حماة الانسان . . أن يبذلوا الجهود الصادقة الجادة في سبيل ملء هذا الفراغ.

     ونقول للفريق الثاني : المفروض أن يتولى النقد والتمحيص المختصون وعلى أعلى مستوى من الاختصاص, لا من قرأ بضع كلمات أو سطور منقولة عن ناقل وكأنه النقل عن الانبياء في سلسلة ذهبية. وعامة الخطباء وكذلك الكتّاب الخطابيون يكفيهم أن يلموا أو يسمعوا ممن لمس – نقاط ضعف أو خطأ في تلك النظريات حتى يرفضوها كلية.

     بينما المختصون وحدهم هم القادرون على النقد العلمي الرصين لتلك النظريات وهذا النوع من النقد يؤدي من ناحية إلى إنماء الفكر الانساني ويقتحم من ناحية أخرى على أصحاب تلك النظريات حصونهم بنفس أسلحتهم بل بأسلحة أمضى من أسلحتهم لا مجرد الرمي بقذائف هشة من النعوت المغلظة وفي أحسن الأحوال بنقدات سطحية عابرة.

     ثم هم المختصون وحدهم يستطيعون تمييز أقدار الخطأ والصواب في تلك النظريات ويستطيعون بعد ذلك أن يفيدوا فائدة كبرى من أقدار الصواب قلت أو كثرت على أنه ينبغي ذكر ملاحظة مؤسفة وهي أنه قد يتوفر قدر جيد من الاختصاص عند بعض المسلمين ولكن يحتفظون بسبب طول الإرث من ناحية وطول الممارسة الحياتية من ناحية أخرى. بعقلية غير منهجية بل قد تفاجأ عند بعض هؤلاء بعقلية تتصف بالتعصب والسذاجة وقد تؤمن بالخرافة أيضاً.

     ونقول للفريق الثالث : الحق أن الفكر الإنساني ليس كله كفراً وزندقة. بل فيه بقية من هدي الله الذي ظل الأنبياء والرسل يحملونه إلى أممهم أمة بعد أمة. كما أن فيه الجهد الهائل – للعقل الإنساني الذكي – المتراكم على مدى التاريخ.

النظرة الخاطئة إلى تاريخ العالم :

     يظن الكثيرون أن تاريخ العالم لا يزيد عن أن يكون صراعاً بين حضارات وأن واجبنا هو أن نصارع بحضارتنا الإسلامية العريقة الحضارة الغربية الحديثة! فهل الصراع الطويل الذي سود تاريخ البشرية هو صراع حقاً بين حضارات أم هي حروب شنها أصحاب أطماع أو أصحاب مبادئ. سواء بين حضارتين مختلفتين أو داخل حضارة واحدة. ومن أمثلة صراع أصحاب الأطماع في عصرنا ذات الاستعمار الحديث فهو بوسائله العسكرية والاقتصادية والفكرية ظل يعمل على أن نظل بقرة حلوباً. وكان سبباً في تعطيل التفاعل الايجابي بين ما عندنا من قيم وبين ما عند الأوروبيين من علوم ونظم. ومن أمثلة صراع أصحاب المبادئ تلك الفتوح الاسلامية – خاصة في عصر الراشدين – فهم حاربوا الفرس والروم لإزاحة قيصر وكسرى وعملائهم عن رقاب الناس. وبعد انتهاء مرحلة الصراع – أي الحرب – بدأت مرحلة التفاعل بين الحضارات : عقيدة وأخلاق من ناحية ونظم وتقنيات على مستوى ذلك العصر من ناحية أخرى.

     ان الصراع ليس هو جوهر العلاقة بين الحضارات. بل الجوهر هو التفاعل والتبادل . . . هو الأخذ والعطاء. على أن التفاعل قد يظلله أحياناً بعض مظاهر الصراع بأن يسبقه أو يصحبه أو يتبعه حرب أو حروب بسبب محاولة أهل حضارة معينة فرض سلطانهم على الآخرين.

     وأخيراً لابد الإشارة إلى أنه إذا حدث اقتباس من حضارة أخرى في ظل ذلك التصور الخاطئ, فإن المقتبسين أنفسهم أو من حولهم لابد أن يخالجهم شعور بالاستخذاء والمذلة وكأنهم يقومون بعمل مهين . . نعم كيف يقلدون . . أو كيف يأخذون شيئاً عن أعدائهم الألداء ! !

الخلط بين الأصالة والانعزال :

     لابد ابتداء من تصحيح النظرة لأصالتنا ولمقومات هذه الأصالة. ونحن نرى أن المقوم الاساسي لأصالتنا هو الدين – دين الاسلام – وهذا لا ينفي أصالة الدين والتدين عند شعوب الأرض جميعاً, انما يعني أن الاسلام ظل عنصراً رئيسياً وفعالاً في حضارتنا أيام ازدهارها وفي تاريخنا بصفة عامة كما يعني ضرورة حملنا لرسالة الاسلام إلى الإنسانية كلها ليلبي فطرتها الأصيلة وحاجتها إلى دين قويم.

     وماذا يعني الدين ؟ .

     الدين يعني فلسفة معينة للحياة أو ما يسمى بالمصطلح الفقهي العقيدة ويتبع العقيدة مجموعة من شعائر العبادات ومجموعة من القيم الخلقية وكلاهما ينمو بالعقيدة وينمي بالعقيدة. والعقيدة وما يتبعها من عبادات وأخلاق هي جوهر الدين وأساسه ليس من حيث الكيف فحسب بل من حيث الكم أيضاً فهي تسعة أعشار تعاليمه أو يزيد . . . أما العشر الباقي فهو مجموعة من الأحكام ذات الجوهر الخلقي لتنظيم وضبط بعض نواحي الحياة الاجتماعية ذات الصبغة الثابتة والتي لا تتغير بتغير الزمان والمكان إلا في القليل النادر. ونقصد بهذا التحديد لمعنى الدين أن نشجب اتجاهين منحرفين :

–         الاتجاه الأول : هو اتجاه الفكر الغربي الحديث نحو إنكار الدين – كل الدين – ويرى أن العقل وحده قادر على أن يقرر ما يشاء في أي مجال من مجالات الحياة وهو – مع الحواس – في غنى كامل عن كل مصدر آخر للمعرفة. وهذا الاتجاه هو ردة فعل عنيفة لمحاولة الاتجاه الديني الوسيط في أوروبا حرمان العقل من كل شئ.

–         والاتجاه الثاني : هو اتجاه الفكر الديني التقليدي الوارث لعصور الانحطاط الطويلة. وهو يرى أن الدين جاء بكل شئ . . . كبيراً كان أو صغيراً وفي شئون الحياة جميعاً. وزاد السلف الأمر شروحاً حتى لم يبق مجال لمستزيد, وليس من عمل لعقولنا سوى الغوص في ثنايا التراث لنستخرج الدرر.

     ومن هنا كان هذا الاتجاه الأخير منطقياً مع نفسه في الشعور بعدم الحاجة إلى أخذ شئ من الحضارة الغربية أو من غيرها. فهو في حالة اكتفاء بل إنه يرى أن العالم كله هو الذي ينبغي أن يأخذ منا حيث عندنا الكمال كل الكمال في كل شئ. ويرى أكثر من ذلك يرى أن كل تقدم في عالم اليوم يرجع إلى جهود أجدادنا فحسب والخلاصة أن الاتجاه الغربي الحديث يرى أن الانسان هو صانع كل شئ حق الدين. والاتجاه التقليدي عندنا يرى أن الانسان قد صنع له كل شئ من قبل الدين.

     والحقيقة أن الذين يرون أن الانسان هو صانع كل شئ حتى الدين معذورون وإن كانوا مخطئين. ذلك أن التاريخ الانساني يثبت أن الانسان غلَّب ما صنعه لنفسه من تصورات حول الغيب والعبادة والأخلاق والأحكام على ما قدمه الله له والقصص القرآني يؤكد هذا المعنى. وإن هذه الصناعة البشرية هي التي طبعت التاريخ كله بطابعها, رغم أن الله قدم هديه لجميع الأمم “وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ” وإنك لكي تتلمس الهدي الإلهي في دين البشرية عامة لا بد لك من مصباح ديجونيس كما يقولون ولن تجد إلا بقايا ضئيلة باهتة مشوهة من هذا الهدي.

     ونحن نعتقد أن الله خلق الانسان وقدم له هدياً يضم مجموعة من العقائد الغيبية يؤمن بها ومجموعة من شعائر العبادات يمارسها ومجموعة الأخلاق والأحكام يهتدي بها. وترك له بعد ذلك صنع كل شئ . . . المسلمون الأوائل قد صنعوا فعلا كل شئ ففي الجانب الإيجابي صنعوا التفاسير لشرح القرآن وصنعوا مصطلح الحديث لضبط السنة وصنعوا أصول الفقه لضبط قواعد الاستنباط وصنعوا الفقه بفروعه المختلفة وصنعوا أشياء أخرى كثيرة طيبة . . . وقد أصابوا وأخطأوا في كل ما صنعوا. وفي الجانب السلبي صنعوا كل الانحرافات والخرافات سواء خرافات الغيب أو خرافات العبادة أو خرافات الأخلاق أو خرافات الأحكام . . .

     وكما أوضحنا سابقاً مرت قرون على المسلمين توقفوا فيها عن الصناعات الايجابية فنمت تلقائياً الصناعات السلبية . . . أي الانحرافات والخرافات.

     ونحن إذ نشجب الاتجاهين معاً نحسب أن أصبح واضحاً أن لا تعارض اطلاقاً بين المحافظة على الأصالة وبين الاقتباس من الحضارات الأخرى في جميع المجالات والافادة من التجارب البشرية على مدى العصور, إذ أن الاقتباس يتم بميزان من قيمنا الأصيلة.

     كما ينبغي أن نؤكد أنه إذا لم نحافظ على أصالتنا – وهي قيم ديننا الأصيلة ضاع كمال إنسانيتنا وتميعت شخصيتنا وفقدنا قدرتنا على العطاء, كما أنه إذا لم يتم الاقتباس حدث الانعزال. فالهزال والتخلف. والانعزال يصبح أشد ضرراً بل يكاد يكون خرافة في عالم – مع ضخامته واتساعه – أضحى أكثر اتصالاً وترابطاً وتشابكاً في مصالحه وقضاياه الاقتصادية والسياسية والفكرية.

الخلط بين الغزو الفكري والتفاعل الحضاري :

     الغزو الفكري ( أو التغريب ) فرع من الغزو الاستعماري وهو نوع من التشويه الفكري يعني انتقاء المستعمر لنواح فكرية منحطه من حضارته فيقدمها بغية تحقيق هدفه الأساس وهو استمرار التخلف واستمرار حالة التبعية أطول فترة ممكنة, وهو يختار ما يهدم لا ما يبني وان كان لابد من قدر من البناء فهو محدود أيضاً بالهدف نفسه وهو تمكن المستعمر من تحقيق أكبر كسب من البلاد المستعمرة. وتلك النواحي الفكرية المنحطة وهذه الأقدار الهزيلة من ثقافة المستعمر لا يمكن أن يطلق عليها اسم الحضارة الحديثة.

     والمستعمَر ( بفتح الميم ) إزاء هذا الغزو قد يقف موقفاً سلبياً فيتلقى ما يلقى إليه . . . دون اختيار أو تمحيص.

     بينما التفاعل الحضاري ( أو التحديث ) جهد إيجابي شاق في الدراسة والبحث والتمحيص للحضارة الحديثة ثم في الاختيار والاقتباس ثم في الإقامة والتكيف مع خصائص حضارتنا الأصيلة ومع ظروف بلادنا. على أننا نقرر أنه يحدث عادة قبل التفاعل الحضاري ما يمكن أن نسميه التحدي الحضاري . . والتحدي كما يقع بين حضارتين مزدهرتين يقع أيضاً بين حضارة متفوقة وحضارة متهالكة. ونحن نواجه فعلاً تحدياً حضارياً صارخاً يهزنا من الأعماق. وأمامنا أحد أمرين : أن نواجه هذا التحدي مواجهة إيجابية بالتفاعل الواعي أي بالأخذ والعطاء وبين المواجهة السلبية بطرفيها المنحرفين الرفض المطلق أو الخضوع المطلق.

     وفرق كبير بين انكار ذاك الغزو الفكري الاستعماري وفضحه وبين الموقف السلبي العام من الحضارة الحديثة والخلط بين الاثنين يعني إقامة هذا الحاجز الضيق بيننا وبين الفكر الانساني.

ماذا تعني الحضارة الغربية اليوم ؟

     أطلق من قبل على هذه الحضارة صفة الأوربية أو صفة الغربية رغم أنه كان بين شعوب أوربا الغربية من له فضل سبق أو فضل عطاء. وكذلك اليوم ونحن في النصف الثاني من القرن العشرين يمكن أن نعتبر الحضارة الحديثة حضارة العالم بأسره لا حضارة أمة بعينها أو مجموعة من الأمم ولا يجرح هذه الصفة العالمية أن أوربا الغربية كان لها فضل سبق أو فضل عطاء. فشعوب الأرض كلها أخذت تسهم في تغذية هذه الحضارة وإن بدرجات متفاوتة . . . الصين واليابان أضحى لهما دور كبير والشعوب النامية رغم أنها مازالت تحبو وهي في حبوها تأخذ أكثر مما تعطي إلا أن لها على كل حال إشعاع ما سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الفكري. والزمن كفيل بزيادة هذا الاشعاع وسوف يحمل قطعاً الكثير من قيم وسمات تلك الشعوب.

     ونضيف إلى هذه المساهمة العالمية في الحضارة ما سبق أن قلناه أن العالم اليوم مع ضخامته واتساعه أضحى أكثر أتصالا وترابطاً وتشابكا في مصالحه وقضاياه الاقتصادية والسياسية والفكرية.

     وإذا كان غيرنا من الشعوب لا يستطيع أن يقدم للعالم القيم الروحية لا في صورتها الوضيئة ولا بالقدر الكافي على تصحيح اتجاه الحضارة الحديثة , فهل نكون نحن المسلمين من اليقظة والوعي لدورنا الخطير الذي ينتشل هذه الحضارة من الحياة الالهية ومن الفراغ الروحي الأليم !

     ملاحظة: أحب أن أقرر أن هذه الخواطر قد كتبت في فترات متباعدة, مما أدى إلى تفاوت في الاسلوب كما أن بعضها يرجع الفضل فيه لكلمات قرأتها هنا أو هناك وربما أعجبني التعبير أحياناً فنقلته. 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق