كلمة التحرير

رؤية مستقبلية للتعددية المذهبية

العدد 124

التعددية ظاهرة إسلامية أصيلة…

هي أثر من آثار حرية الفكر والتعبير المرَشّدَيْن بضوابط منهجية راقية… لقد أفرزت الحضارة الإسلامية عددًا كبيرًا من المدارس الفكرية والعقدية والفقهية والسلوكية اندثر بعضها ومازال معظمها مسطرًا في الكتب ومتبوعًا في واقع حياة المسلمين.

وقد حظيت هذه الظاهرة بدراسات عديدة تبحث في أسبابها، وفي مناهج مختلف المدارس مما هو معروف ومتداول لدى الباحثين. وقد انتشرت هذه المذاهب وتوزعت بين بلدان العالم الإسلامي لأسباب لم تحظ بحقها من الدراسة ولا مجال لبحثها هنا، وجمد هذا التوزيع فلم يطرأ عليه تغيير إلا في حالات استثنائية تحت تأثير عوامل الترغيب والترهيب الأمر الذي لم ينل حظه أيضًا من الدراسة ولا مجال لبحثه هنا.

وقد استمر هذا الجمود قرونًا، ولم يعد الكثيرون يهتمون بالأمر، ويستوي عندهم انتماؤهم إلى هذا المذهب أو ذاك، ولم تعد تطورات الحياة من حولهم تنعكس على هذه الحال أو تؤثر فيها.

 

وأظن أن هذا الوضع سيدوم طالما بقيت المذاهب على حالتها من التقليد، أعني البُعد عن تنشيط حركة الاجتهاد الفقهي بما يعكس احتياجات الناس التي اختلفت كثيرًا عن احتياجاتهم أيام نشأة هذه المذاهب.

 

أما إذا تحرك الاجتهاد فسوف تنشأ اتجاهات فكرية تتحول إلى مذاهب فقهية وفقًا لشبكة الآراء التي ستفرزها هذه الاتجاهات والتي سوف تتجمع حول إجابات أسئلة كثيرة، لعل أهمها ينبثق من المحاور التالية:

 

 

المحور الأول: الغلو والوسطية: وهو محور ساخن وسيزداد سخونة خاصة أن اتجاه الوسطية بدأ أخيرًا ينظم صفوفه ويخطط نشاطه وقد سبقه اتجاه الغلو في ذلك منذ عدة عقود، وسيحتدم الحوار بين الاتجاهين ويكسب كل اتجاه أنصارًا من الأغلبية الصامتة التي آن لها أن تخرج عن صمتها.

 

المحور الثاني: التقليد والاجتهاد: وهو محور لم يعدّ أنصار الاجتهاد أنفسهم له حتى الآن إعدادًا جادًا، ففيما عدا بعض الثمار التي تخرج على استحياء بين الحين والحين من المؤتمرات والمجامع، وفي رسائل الدكتوراه التي تقارن بين الشريعة والقانون، مازال الإعداد الجاد للمجتهدين لم يخط خطوته الأولى وهي إنشاء معاهد خاصة لهذا الغرض، بل نلحظ انتكاسًا في بعض الحالات التي انقسمت فيها كليات الشريعة والقانون إلى كلية للشريعة وأخرى للقانون تكريسًا للازدواج المشئوم بين الثقافتين.

 

المحور الثالث: حقوق الإنسان: وهي إشارة البدء في معركة التقدم التي لم تنطلق في بلادنا بعد، بل تثبت الأيام أن انطلاقتها في الغرب ذاته كانت فرقعة في الهواء، أو كما قالت مسز روزفلت وهي تعلن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948: إننا لم نفعل شيئًا ذا بال…

 

والخطوات الجادة التي اتخذت كإنشاء معهد حقوق الإنسان وإنشاء محكمة حقوق الإنسان وكلاهما في ستراسبورج لخدمة الاتحاد الأوربي، أما في بلادنا فقد اتخذت السلطات خطوة المبادرة في الاتجاه العكسي بالتضييق على نشطاء حقوق الإنسان وبإنشاء هيآت الضرار الحكومية لاحتواء الموضوع في مهده وتفويت الفرصة على النشطاء الحقيقيين.

 

من وجهة نظر الإسلامية لم تعد القضية إثبات أن الإسلام سبق الأمم المتحدة في هذا المجال، فقد تكفلت بذلك عشرات الدراسات التي أنجزت في هذا الاتجاه، وإنما القضية هي في ضم جهود الحركات الإسلامية إلى جهود نشطاء حقوق الإنسان في هذه المعركة لتحقيق الأهداف المشتركة المتمثلة في إنقاذ كرامة الإنسان، مسلمًا كان أو غير مسلم، ليصبح ذلك الإنسان الذي كرمه الله وأذله المستبدون من بني جنسه.

 

المحور الرابع: وظيفة الدولة أساًسًا: بعد أن تغولت لا في الدول الاشتراكية ودول العالم الثالث فحسب بل حتى في الدول الغربية، فتحت ستار محاربة الإرهاب سيطر نظام الطوارئ وأصبحت السلطة في يد العسكريين حينًا وفي يد الشركات العملاقة حينًا آخر وفي يد الحزب الأوحد حينًا ثالثًا، وعاد الناس يتساءلون عن العقد الاجتماعي الذي يجمعهم، والأساس الذي يبرر السلطة… إلى غير ذلك من الأسئلة التي تفرض نفسها خاصة بعد موجات التأميم ثم الخصخصة ناهيك عن الفساد الذي يصاحب كلتا الموجتين.

 

هل يقتصر دور الدولة على الدفاع ضد العدوان الخارجي وحفظ الأمن الداخلي وإقامة العدالة، أم يمتد ليصل إلى ملكية جميع الأراضي ووسائل الإنتاج مرورًا بالصور الوسيطة بين هذين الطرفين؟ ناهيك عن الصور المشوهة لمفهوم أمن الدولة/ الحاكم، ولمفهوم عدالة المحاكم العسكرية ومحاكم الطوارئ ومحاكم القيم…

 

سوف يجد كل طرف بسهولة دليلاً شرعيًا يساند رأيه بدءًا من نظام الأوقاف الذي قام بقطاعات كاملة كالتعليم والصحة والشئون الاجتماعية إلى مفهوم عمر بن الخطاب عن مسئولية تسوية الطريق في أقصى العراق حتى لا تعثر به الدواب… إن شعار “الإسلام هو الحل” لا يغني عن بيان الموقف المحدد من هذه المشاكل وما يتبع الموقف المختار من سياسات وبرامج…

 

المحور الخامس: الموقف من الغير: أساسه العداوة (دار الإسلام ودار الحرب)، أم الانفتاح الحذر الذي يجمع بين الحفاظ على السيادة (في مواجهة الهيمنة الأجنبية) وممارسة المقاومة ضد أي عدوان، وبين التعاون في شتى المجالات لتحقيق المصالح المشتركة. إن تحديد هذا الموقف ليس كلامًا يعلن للاستهلاك الداخلي والخارجي، ولكنه ممارسة جادة تجمع بين الاكتفاء الذاتي في الصناعات الغذائية والعسكرية وبين الدبلوماسية الذكية والإعداد الدفاعي الكامل، في إطار أحلاف فعالة مع الدول الإسلامية.

 

المحور السادس: شكل ومضمون الوحدة الإسلامية: يضع الكثيرون على رأس أحلامهم إقامة دولة الخلافة دون بيان أي خصائص مميزة لها مكتفين باسم الخلافة في ذاته وما يوحيه من معاني وحدة المسلمين ونهضتهم، ويرى آخرون أن المهم هو المضمون الذي يتلخص في أمرين: وحدة المسلمين، وتطبيق الإسلام، بصرف النظر عن الاسم الذي يطلق على هذا المضمون.

 

وقد قامت منظمة المؤتمر الإسلامي مستلهمة جزئيًا هذا الرأي الثاني. ودون الدخول في تفاصيل فلاشك أن وحدة المسلمين قضية محورية تستحق كل عناية من جانب الإسلاميين، وقد وضعهم النموذج الأوروبي واتجاه “التكتلات الكبيرة” أمام مسئوليتهم بشكل زاده حرجًا محاولات “الغير” أو “الآخر” فرض “شرق أوسط كبير” ومساعي شمال البحر الأبيض المتوسط إقامة تحالفات مع جنوبه إلى غير ذلك من محاولات سد فراغ يشعر الجميع – عدا أصحابه – بوجوده.

إن إجابات الأسئلة الواردة في هذه المحاور الست والتي يمكن أن يضاف إليها غيرها هي التي ستحدد صورة المستقبل لا للمذاهب الفقهية فحسب بل للأحزاب السياسية أيضًا، فلم يعد مقبولاً رفع شعارات لا تمثل سياسات محددة ناهيك عن برامج واضحة، فالعالم يتقدم ونحن نكتفي بالمشاهدة وكأن الأمر لا يعنينا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر