أبحاث

النظام العام في الشريعة الإسلامية (1)

العدد 111

تمهيد

يتوخى البحث في عجالة في هذا التمهيد إبراز المفهوم الوضعى لفكرة النظام العام وتعيين سماته الأساسية المميزة له والمفرزة لقواعده عن غيرها من القواعد القانونية، وبذلك نتمكن من أن نشيد نظريًا بناءه الهيكلي الذي يتوزع على مستوياته المترتبة على قواعد النظام العام . ويحاول البحث أن يستجلى في السيرة الذاتية للمفهوم، بعدًا تاريخيًّا ، أحسبه يعبر عن الإطار المعرفي لفكرة النظام العام، وتحاول الدراسة الإفصاح في النظام الوظيفى لهذا المفهوم، عن إعادة تشكيل إطاره المعرفى على أصول أكثر انضباطًا مما كان مبنيًّا عليه حسب الفهم الشائع فقهًا لفكرة النظام العام(1).

فبداية ، وعلى المستوى التاريخي للنظم القانونية عامة، يتبين أن القواعد القانونية التى انطوت عليها لم تكن على ذات المستوى من جهة الأهمية للنظام الجمعى والسياسي القائم ومن جهة القوة واللزوم، فقد تمايزت هذه القواعد ما بين مؤكد لأصول الجماعة وكليات نظامها السياسي الحاكم حفاظًا لها وصونًا لأسسها وما بين ناظم للعلاقات داخل الجماعة ضبطًا لآليات حركتها وحدود نشاطها بما يكفى لتوفير علاقات تسودها اعتبارات الإنصاف والعدالة وبما يوفي للمجتمع بأسره الاستقرار الآمن داخليًّا ، وعلى حين اتسمت المجموعة الأولى من القواعد بقدسية جمعية ورسمية منحتها قوة لزوم فائق حالت دون مكنة الخروج عليها، دعمها جزاء شديد الردع لكل مجاوزة متصورة لحدود هذه القواعد، نرى المجموعة الثانية من هذه القواعد وقد اتسمت بقدر من المرونة – وإن كانت لا تنفى عنها صفتها القانونية – مكنت الأفراد في حدود علاقاتهم المتبادلة أو في حدود علاقاتهم بمجتمعهم، من التصرف على نحو به قدر من الحرية حتى أن من هذه القواعد ما أجاز لهم مكنة المجاوزة دون جزاء، ومنها ما رتب جزاء هينًا اقتصر على إبطال الجزئية المخالفة دون باقى التصرف الذي شملها . هذه الخصائص التى تمتعت بها المجموعة الأولى من القواعد، قاربت في سمتها السمت الظاهرى لقواعد النظام العام من جهتي القداسة والاستعلاء على باقى القواعد القانونية داخل ذات النظام القانونى الواحد ومن جهة قوة اللزوم، مما حدا بنا إلى ترجيح قالة معرفة النظم القانونية قاطبة لقواعد شبيهة بقواعد النظام العام في مفهومها المعاصر . لذا ، وعلى هذا المستوى من التحليل، نخلص إلى اتفاق النظم القانونية جمعاء في أمر عدم التسوية بين قواعدها القانونية من حيث افتراقها إلى مجموعتين متمايزتين ، تتمتع إحداهما بسمات القداسة والفوقية على الأخرى .

أما على مستوى الحدث التاريخي المخصوص الذي ولدت فكرة النظام العام في كنفه وتطور مفهومها من خلال تفاعل عناصره، فقد تمثل في ظهور الدولة القومية بهيئتها المعاصرة ، وصعود الطبقة البورجوازية إلى سدة الحكم ، إيذانًا بطرح قيم ومفاهيم فكرية وفلسفية واجتماعية لم تشهدها المجتمعات قبلاً ، وذلك على حساب المفاهيم الكنسية الإقطاعية التى كانت قائمة. الأمر الذي لزم معه – دعمًا لكيان الدولة الوليد وتكريسًا لمفاهيمها المستجدة – خلق آليات قانونية تمكن من إنجاح عملية تغيير النظام السياسى القائم وتدعيم سيطرة الطبقة الجديدة على الحكم، وتكريس القيم والمفاهيم المستحدثة داخل الوجدان الجمعى لهذه الجماعات السياسية. فكانت فكرة النظام العام أحد أهم هذه الآليات ، فالدولة بنظامها السياسي الحاكم غدت المحتكر الوحيد لصناعة القانون، وأضحت أنساقها الفكرية والفلسفية وأيديولوجياتها الوعاء الثقافي الوحيد للقواعد القانونية السائدة بالمجتمع، ولما كان من المحال خلق قاعدة قانونية لكل حدث أو نازلة، وخوفًا من حصول ما يستجد مما ليس محكومًا بنص قانونى، وضبطًا للنشاط الاجتهادي والتفسيري في النصوص القانونية، حتى تستوى ثمرة هذا النشاط غير بعيدة عن كليات الدولة وأصولها، فقد استعان النظام القانونى للدولة القومية بفكرة النظام العام حتى يمارس على الإرادات الفردية – أو الجمعية – سلطة إلزامها حدود كل ما هو متبنى من قبل الدولة من أنساق فكرية وفلسفية وأيديولوجيات اجتماعية واقتصادية وسياسية ، فلا تأتى الإرادة تصرفًا يجاوز أصلاً من أصول الدولة أو كلية من كلياتها إلا وكان جزاؤه البطلان، إهدارًا لكل آثاره المترتبة، بما يضمن تناغم حركة كافة الإرادات – فردية أو جمعية – داخل الدولة مع قيم الدولة وأصولها المتبناة . وبذلك ولدت فكرة النظام العام، وعلى ذلك عاشت ونمت، آلية قانونية شديدة الإخلاص للدولة القومية بهيئتها المعاصرة(1) . الأمر الذي يدعونا إلى التأكيد على الربط الكامل بين مفهوم فكرة النظام العام ومفهوم الدولة القومية بحسب الأول آلية قانونية يتأصل عليها الكيان السياسى والاجتماعي للثاني وليس فقط كيانه القانوني .

وعلى مستوى الفلسفة الجمعية ، يرتبط مفهوم فكرة النظام العام وثوقًا ، بأحد المفاهيم التى تأصل عليها كيان الدولة القومية، ألا وهو النزوع الفردى المغرق في التأكيد على إطلاق الحق الفردى ومبدأ سلطان الإرادة ، بحسبان الفرد هو القيمة العليا وحريته هي موضوع القانون من جهة ضمانها، وحقوقه هي لبنات هذا القانون، ومن ثم أضحى غاية النظام القانونى أجمع ، وتهيأت مقولة أن الحق الفردي هو حق ذاتي كسبه الفرد بواقعة وجوده بالحياة، مستجلبًا أياه معه – إلى المجتمع . هذا التصور عن الفرد على النحو الذي صيغ به ، من جهات إطلاق حركة إرداته واطلاق مكنات حقوقه، خلق نوعًا من الصراع الصدامي بين الأفراد نتيجة تعارض اتجاه الإرادات الفردية، فكل إرادة ترى في ذاتها المطلق والغاية وتعتبر إرادتها غير محدودة أو منضبطة في استخدام مالها من حقوق منحتها الطبيعة إياها بواقعية الوجود بالحياة مما يتعذر على القيد، وزاد من دقة خطورة الأمر، تعامل الإرادة الفردية مع إرادة الدولة المشخصة للإدارة الجمعية، تعاملاً متفلتًا مستعصيًا على الانضباط أو الانصياع. هذا الوضع أوجد حالاً من التحدي أمام الدولة القومية الوليدة ، فإما أن تؤكد وجودها وسيادتها داخليًا ولو على حساب جزء من معتقدانها الفلسفية التى تنبني عليها أيديولوجيًّا نظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وإما أن ترتضى ضعفًا يؤدي بها إلى الذبول والانزواء. فكان الخيار الأول وكان الاتباع التنظيرى في كافة المجالات دعمًا لسلطان الدولة وسيادتها وحدًّا من تفلت الأفراد تجاهها، وما فتئت فكرة النظام العام أن لحق، بُعدها القصدى تطورًا ، غدت بمقتضاه أداة بيد الدولة في مواجهة تفلت الأفراد، لضبط الاتزان القسرى للجماعة السياسية بعد كل ما لحقه من اضطراب، مما أعاد للمجتمع تماسكه، وهكذا مرت فكرة النظام العام بمرحلتها الارتكازية الثانية، حيث لحق مفهومها تطورًا قصديًّا بموجبه زادت التصاقًا بالدولة – بالقدر نفسه انفصالاً عن المفاهيم البورجوازية وأفرادها المسيطرين – وتعينت وظيفتها على نحو أكثر وضوحًا في اتجاه صون الأيديولوجيات والأنساق الفكرية والفلسفية المتبناه رسميًّا من قبل الدولة. في هذه المرحلة ، تمكنت الدولة بمؤسساتها من التغول في سلطانها، وذلك على حساب الفرد والجماعة، فقامت بعملية تأميم احتكاري واسع لمظاهر القوة داخل المجتمع، ولعل أبرز هذه المظاهر، قوة الشرعية، إذ سيطرت الدولة كاملاً على مفاهيم الشرعية وعدت ذاتها المصدر الوحيد لها، فما تعده شرعيًّا صار شرعيًّا وما لا تعده كذلك لا اعتبار له، ومن أجل التمكين لها في هذا الأمر، قامت بحيازة صناعة القانون كاملاً، حتى كاد التقنين أن يكون من الناحية العملية المصدر الوحيد للشرعية ولتتوارى خلفه كافة مصادر القانون الأخرى، وبذلك تم تجريدالجماعة من كل إمكانية متصورة للإسهام في تشكيل إطار المشروعية داخل المجتمع، مما أثار اضطرابًا آخر في الاتزان القسرى للمجتمع، حيث قامت الجماعة بشحذ قواها في محاولة لاستعادة جزء من قوتها المسلوبة من قبل الدولة، وهو صراع صبغ القرن التاسع عشر وامتد طويلاً حتى منتصف القرن العشرين، ولم ينحسم حتى بلغت العلاقات بين القوى الثلاث داخل المجتمع – الفرد، الجماعة، الدولة – نقطة اتزان، سواء في القيم المتبناه أو الأنساق الفكرية والفلسفية المعتنقة داخليًّا، مما انعكس إيجابيًّا على علاقات القوى داخل المجتمع، وعندئذ تمكنت الجماعة من أن تغدو كلاًّ مؤثرًا في الجدل الداخلي لظاهرة الشرعية. وهنا، وعند هذه النقطة ، حدثت الانعطافة الثالثة في المسار التاريخي لمفهوم فكرة النظام العام، حيث صارت قيم الجماعة وكلياتها أحد مكونات الوعاء الثقافي لهذا المفهوم، إذ تعينت فكرة النظام العام، واحدة من أهم الأدوات التى يمكن أن تستخدمها الجماعة للنفاذ بقيمها وأسسها إلى دائرة الشرعية، وبذلك صارت الجماعة مرجعًا لشرعية التصرفات إلى جانب أصول الدولة وكلياتها ، وغدت خيارات الجماعة الأيديولوجية والفكرية ومعتنقاتها الاجتماعية والسياسية والدينية حدًّا ضابطًا لحركة جميع الأدوات داخل المجتمع – سواء كانت الأدوات فردية ، أو جمعية ، أو رسمية – ولعل من أظهر المظاهر التى تجلى بها دور الجماعة المرجعي لشرعية التصرفات ، ما عرفه الفكر القانونى المعاصر من مفهوم (الآداب العامة ) الذي عُد أحد عناصر مكون مفهوم النظام العام، إذ الآداب العامة ما هي إلا المعادل القانونى لمفهوم الأخلاق، وبعد أن كانت الدولة القومية تحالفًا مع قوى البورجوازية قد قامتا باستبعاد الأخلاق من إطار القانون، استبعادًا كاملاً، وذلك في صراعهما المرير مع المفاهيم الكنسية الإقطاعية التى كانت تعول كثيرًا على الأخلاق بحسبها مفردًا دينيًّا ، أقول – بعد أن تم هذا الاستبعاد ، عادت الأخلاق لتطرح نفسها ثانيًا على المفاهيم القانونية، ولكن من زاوية أخرى هذه المرة، ألا وهي زاوية الجماعة وقيمها وأسسها، ومن الزاوية الدينية كما كان سابقًا ، بحسبان أن الأخلاق الجمعية متعينة الاعتبار في كل تصرف قانونى ، فلا يجوز لإرادة أيًّا ما تكون – فردية أو جمعية أو رسمية – تجاوز هذه المفردات الأخلاقية وإلا صارت معتدية على إحدى القيم التى يتشكل منها النسق القيمي الكلي للجماعة .

وعليه ومن خلال هذا التطور التاريخي الطويل الذي مرت به فكرة النظام العام، استوى مفهومها على أنها وضع تكليف اقتضائي يرد حدًّا على الإرداة وهي بصدد إتيان تصرف قانونى، صونًا لأصول وكليات المجتمع، وحفظًا لكيان الجماعة وهيبة الدولة، فيقيد هذه الإرادة أخلاقًا، على النحو الذي يؤدى إلى إهدارها عند كل تفلت من جانبها أو مجاوزة خارجة عن طوق هذه القيود.

والظاهر مما تقدم ، أن فكرة النظام العام، وإن بدت اليوم مفهومًا محوريًّا لدى النظم القانونية الوضعية المعاصرة فإنها تظل نبت بيئة فكرية فلسفية معينة ونتاج علاقات صراع حضاري مخصوص اتسم به الواقع الأوروبي طيلة القرون الثلاثة الماضية. هذه الظروف قامت بصياغة النظم القانونية على نحو معين، ونقول: صياغة وليس إنشاء ، لكون هذا الواقع لم يستحدث نظمًا جديدة وإنما قام بعملية توفيق للنظم القائمة مع الواقع الحديث، فقط استحدث عددًا من المفاهيم التى ساهمت بفاعلية في عمليات التوفيق المقصودة، وتم زراعة هذه المفاهيم داخل أجساد النظم القانونية الموفقة وواقعها الجديد، لتخوض جدل التطور حتى استوت على نحو معين، اكتملت فيه عناصرها وتعينت فيه حدودها ، وبرزت على هيئة الركن الأصيل للنظم الوضعية القائمة، حال كونها لم تكن كذلك في ظل الظروف السابقة على هذا الواقع الجديد . ودلالة هذا، إن فكرة النظام العام وإن قامت في التفصيل القانونى الدقيق، على أساس حقيقة التمييز داخل أي نظام قانونى بين مجموعتين من القواعد القانونية ، تتسم إحداها بصفات الفوقية والعلو بحسبها مرجعًا للشرعية داخل المجتمع، ولكونها انعكاسًا قانونيًّا لأصول هذا المجتمع وكلياته، فإن المشاهد في كافة النظم القانونية أن تطورًا مماثلاً لذلك الذي شهدته المجتمعات الأوروبية وأفرز نحتًا لفكرة النظام العام المعاصرة، لم يحصل قبلاً، مما يؤكد حقيقة أن فكرة النظام العام إنما هي بنت واقعها .

وهنا يتعين التساؤل الذي أرجأناه في بداية هذا البحث عن مدى علاقة مفهوم فكرة النظام العام بالتشريع الإسلامي(1) بيد أن الأمر ليستلزم بداية العرض للواقع التاريخي الذي وجد فيه الإسلام، من جهة حال الاجتماع البشري للعرب ونظمهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى شهدها هذا الواقع قبيل نزول الإسلام، ثم ما آل إليه هذا الواقع بعد ظهور الإسلام من جهة إشكال العلاقات داخل المجتمع الإسلامي وأثر الإسلام عليها، وذلك كله حتى يمكن رسم حدود واضحة للبيئة التى نما فيها التشريع الإسلامي وازدهرت آلياته القانونية ، وذلك للوصول إلى ما إذا كان هذا النظام القانونى العريق قد عرف مفهومًا شبيهًا بمفهوم النظام العام الوضعى، أم لا؟ وإن كان قد عرفه فما هو وما هي الأليات التى يمكن من مجملها القول بأنها شكلت مفهوم النظام العام، أما إن لم يكن قد عرفه ولم يعرف آليات مشابهة فما أسباب ذلك؟ وكيفتمكن من حل الإشكال المعقد المتمثل في ضبط حركة الإرادات داخل المجتمع ، على نحو ما قامت به وظيفيًّا فكرة النظام العام .

أولاً: الواقع البيئي للمجتمع العربي قبل الإسلام :

أ – البيئة الجغرافية:

تخير الله تعالى بلاد العرب، كي تكون الموطئ الأول لدينه الخاتم الإسلام، وذاك لإقامة الحجة على كون دينه الحق قادر وحده على إقامة حضارة دنيوية عظمى إلى جانب ما يبغيه من صلاح في الآخرة ، فهاك الإسلام يحول شرذمة من القبائل الموزعة في صحراء قحلاء لا يجمعهم سوى وحدة اللغة والاتفاق على اعتماد الغزو وسيلة هامة من وسائل العيش، وفي غضون عقود قليلة ، إلى شعب موحد يمثل أعظم الحضارات العالمية التى سادت البشرية لما يقرب من الألف عام، سيادة تسمو فيها القيم الإنسانية القويمة وتعلوها عقيدة الإيمان بالله وبالبعث والحساب ويحركها معتنق جمعى موحد بأن الحياة الدنيا ليست غاية مراد العباد، ولكنها خطوة لحياة الخلد أي الحياة الحقيقية (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 64]، (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) [النساء: 77]، (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَــا فِي الآخِــرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) [التوبة: 38] .

وفي الحال ذاته حث الله عباده على الاستمتاع بطيبات الحياة، ولم ينكرها عليهم، فقال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْـكَ وَلاَ تَبْـــــــغِ الْفَسَـــــادَ فِي الأَرْضِ) [القصص: 77] . (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [الشورى: 36] .

وبذلك وانطلاقًا من هذه الثوابت الفلسفية في النظر إلى الحياة وحدود المتبقى منها ، تهيأت الحضارة الإسلامية في سنوات قليلة لتنتشر في كافة أصقاع الأرض، نشرًا لدين الإسلام وتعاليمه وإقامة لعمران دولة عظمى أنارت البشرية على المستويين القيمي الإنساني والحضاري المادي .

وكان الإسلام قد نزل ببلاد العرب، في شبه الجزيرة العربية بالجنوب الغربي من القارة الآسيوية وهي بعد – لم تزل – تتكون من مساحات شاسعة من الصحراء المجدبة التى لا نبات فيها ولاماء(1) . ولم يكن حال أهلها بأفضل من حال واقع الجغرافيا المكانية لبلادهم، عاش غالبهم عيشة البداوة ، بدو رحل متنقلين بحثًا عن الكلأ والماء سكنوا بيوت الشعر والخيام، معتمدين على منتجات ماشيتهم، وعلى الغزو والإغارة وسيلة من وسائل المعيشة، حيث يغنم الغالب من المغلوب المتاع والحيوان بحسبهما مظاهر الثروة الوحيدة لدى أهل البادية، على حين عاش جزء قليل منهم بأصقاع وقرى ومدن شبه متحضرة كأهل يثرب (المدينة المنورة) ومكة واليمن، وأولئك عرفوا قدرًا من الاستقرار ومارسوا التجارة وبعض صناعة في صورتها البدائية ، حال امتهن بعضهم الزراعة في بعض من الأماكن القابلة لها ، وبالجملة كان هؤلاء من أهل الحضر أكثر رقيًّا من الجهة الحضارية من أولئك أهل البادية(1) .

ب – النظام الاجتماعي:

لم يعرف العرب من النظم الاجتماعية سوى كيان القبيلة باعتبارها وحدة اجتماعية تقوم على رابطة الدم، حيث يتوجه الفرد بولائه الكامل لهذه القبيلة في مجموعها، ليخضع خضوعًا اختياريًّا لرئيسها، ونظير هذا يستمد الفرد من القبيلة الحماية لشؤونه ومصالحه، حتى أن الفرد إذا ما انتهت به المقادير إلى الطرد خارج حظيرة القبيلة، غدا طريدًا عن كل مسئولية جماعية تجاهه، خارجًا عن القانون ذاته، بكل ما تحمله هذه الألفاظ من معان(2)، فلا أمان له على نفسه أو ماله أو حياته، وضع إهدار كامل لشخص الطريد، لا فكاك من مآله سوى النجاح في اللحاق بمجموعة قبلية أخرى، مثل ذاك الشكل الاجتماعي الذي صبغ الواقع العربي آنئذ بشيم الكرم والشجاعة والتضامن الجمعى على مستوى القبيلة، ولكنه، وفي الحال ذاته، أفرز سلبيات العصبية القبلية والتناصر القبلي في الحق والباطل، فضلاً عن الاقتتال العنيف بين القبائل للتافهمن السبب بما يجره هذا من عادات الغزو والنهب والسلب والسبي، ولعل الذي ساهم بفاعلية في سيادة هذه السوءات قسوة الواقع البدوى المصحوب بشظف العيش وندرة الموارد، وهذه جميعها عناصر كما أدت إلى وصم الواقع العربي بظاهرة مميزة وهي القتال، أفرزت عددًا من العادات الاجتماعية أشد فداحة كانتشار ظاهرتى سبي النساء والفخر بذلك، ووأد البنات ، ولعل من أسباب ذلك استصغار شأن المرأة وقتئذ لعدم قدرتها على القتال الذي هو من أهم وسائل العيش، مما جعل العربي ينظر إليها نظرة دونية؛ حتى أنه حرمها من الميراث(3) .

جـ – الواقع السياسي:

الحديث عن هذا الأمر، بداية المساس بجوهر عمل هذه الدراسة، وذاك من جهة الوضع السياسي الذي كان عليه العرب قبيل الإسلام وما تطور إليه وضعهم في هذه الخصوص بعد البعثة المحمدية، وتأثير هذا كله على الوضع القانوني عامة والآليات التى نهجت لأداء وظائف فكرة النظام العام خاصة – إن كان ثمة ما عرفه التشريع الإسلامي منها – على ما سوف يتبدى آنفًا .

فعن الواقع السياسي لحال العرب قبل الإسلام، فالواجب التفرقة ما بين حال أهل البادية وحال أهل التجمعات الحضرية. فأهل البادية، تجمعوا على نحو طبيعي بدافع من غريزة البقاء في شكل القبيلة بحسبها وحدة اجتماعية لا ترقى لتكوين المجتمعات السياسية – إذ لم تعرف هذه الصورة من التجمع أي شكل من أشكال السلطة السياسية بظواهرها المتمثلة في سلطة عليا داخل الجماعة، يخضع لها سائر الأفراد خضوعًا تكرسه مظاهر الشرعية المدعومة بالقوة إن لزم الأمر . وإنما كل ما شهدته هذه المجتمعات من تنظيم لم يكن ليتعدى سيادة مفاهيم المساواة الكاملة لكافة الأفراد في الحقوق والواجبات، مساواة جعلت رئيس القبيلة – شيخها – مجرد شخص ذي سلطة معنوية هدفها الحفاظ على الوحدة بين أبناء قبيلته(1) . ولعل مبعث عدم معرفة قبائل البادية لمظاهر السلطة السياسية يكمن – كما تفضل أستاذنا الدكتور محمد سليم العوا – في أن التجمع السياسي يستلزم توافر عددًا من العناصر، منها التقيد الأقليمي أي ارتباط أهل الجماعة بإقليم محدد ارتباطًا يفضي إلى ظهور مفهوم الوطن بما يستتبعه من شعور الأفراد بواجب المحافظة على هذا الوطن والدفاع عنه، ومنها بلورة مفهوم الشرعية داخل الجماعة بما يستلزمه من ظهور سلطة سياسية تحتكر القوة الفعلية والقانونية ، احتكارًا يمكنها من إقرار الأمن والسلام داخل الجماعة، وهذان عنصران افتقر إليهما التجمع البشري لقبائل البادية العربية قبل الإسلام(2) .

أما مجتمعات أهل الحضر، فلم تكن بأفضل حال من نظيرها : مجتمعات البدو في الوجهة السياسية ، إذ ورغم سكنهم مدنًا كبيرة نسبيًّا كمكة والطائف والمدينة المنورة (يثرب) ، فإن العلاقات الفردية والاجتماعية كانت تحكم في الغالب بذات القواعد التى حكمت حال العلاقات المماثلة لدى البدو، فلم تعرف هذه المدن أي تنظيم سياسي، ولم تشهد مظاهر السلطة السياسية المعنى المعروف لهذه الكلمة، وإن تميزت مكة قليلاً عن غيرها من المدن، بحسبان وجود الكعبة بها، وتقاسم القبائل والبطون إدارة شؤونها وخدمتها وحمايتها؛ مما خلق نوعًا من التنظيم لديها، بيد أنها ورغم ذلك لم ترق إلى مظاهر هذا التنظيم إلى حد معرفة النظام السياسي(1) ، ويحتج العلماء على ذلك بواقعة تنازع القبائل عند إعادة بناء الكعبة حول إعادة وضع الحجر الأسعد بمكانه من الكعبة المشرفة؛ إذ لو كان ثمة سلطة سياسية بالمجتمع المكي آنئذ ، لفوضت كلمتها ولخضع لها الجميع ، حال أن الشاهد خلاف هذا(2) .

د ـ التنظيم القانوني:

من المتعذر، وحال اجتماعي سياسي كهذا، أن يطمع المرء أن يجد تنظيمًا قانونيًّا، يحكم حال أهل الجزيرة العربية البادية منها والحاضرة ، إذ نظرًا لغياب كافة مظاهر التنظيم السلطوى، ونظرًا لحال الترحال الدائم فيما يخص قبائل البادية، وحال تزاحم أكثر من قبيلة فيما يخص البقاع الحضرية المفتقرة لأى شكل من أشكال السلطة السياسية ، إضافة إلى غياب البُعد الديني الإلهي في تصريف شؤون الحياة مقارنة ببعض الحواضر البدائية بالنظم القديمة التى كانت النسبة إلى إله متوهم تكفى لابتناء كيان شبه قانونى منظم تقوم فيه السلطة الدينية ممثلة في كهنة الإله بممارسة اختصاصات حفظ أوامر الإله ومعاقبة المخالف، إضافة إلى شيوع روح التقاتل والعدوان بحسبهما من الوسائل الهامة لكسب العيش وتحول قيمهما من سلوكيات مهجونة إلى مصدر فخار واعتزاز، كل هذا – كما فعل فعله في تأخير ظهور تنظيم سياسي ولو على مستوى كل قبيلة، آتى أُكُلَهُ في تغييب كل فرصة ممكنة لخلق نظام قانوني تنضبط بأطره سلوكيات أفراد هذه الجماعات إلا أن هذا لم يكن ليعني انتفاء كافة مظاهر التنظيم داخل هذه المجتمعات، إذ تمكنت الأخيرة من نظم عادات شابهت في تكرر إتيانها في تحاكم أفراد الجماعات على هداها – أقول – شابهت الأعراف ، وإن كان من العسير اعتبارها أعرافًا قانونية بمعناها المعاصر، ذلك أن غياب أي جهاز رسمي تنفيذي يضطلع بمهام حقوق هذه العادات وإلزام الأفراد بالتزامها وإنزال العقاب على من يخرقها ينتصف إليه المغبون أو يستنصره المظلوم، أدى إلى نفى اتصاف هذه العادات بالقواعد القانونية العرفية(1) .

وعليه – وفي ظــل هذا الوضع القانوني – يغدو من العسير تلمس أي مظهر من مظاهر النظام العام أو خاصية من خواص مفهومه إلا إذا عقدنا مقارنة بين عنصر الالتزام الوارد بالعادة وعنصر الالتزام الذى تنطوى عليه كل قاعدة من قواعد فكرة النظام العام الوضعية ، وغلبنا التقابل بينهما، وصولاً إلى أن ثمة من مظاهر مفهوم النظام العام ما يبدو بالعادات التى حكمت عرب الجاهلية ، حال أن الأمر إن تم على مثل هذا النحو من التبسيط إنما يوقعنا في خطأ جسيم، إذ يجعلنا نختزل ظواهر قاعدة النظام العام، في عنصر اللزوم فقط، حال أن تحليلنا السابق ورغم ما انتهينا إليه من أن عنصر اللزوم يُعد من الخصائص الأساسية لقاعدة النظام العام وما لا يعد كذلك، إلا أننا نفينا نفيًا قاطعًا أن يكون اللزوم وحده المعيار الذي يقاس عليه لتبين ما يُعد من النظام العام، بحسبانه المظهر الخارجي لقاعدة النظام العام فقط، دون أن يكون هو جوهر مفهوم الفكرة، إذ من القواعد ما يرد به لزوم من أمر أو نهى ومع ذلك لا يُعد من النظام العام ولا يعدو كونه قاعدة آمره .

ودلالة ذلك ، أن فكرة النظام لدينا وإن استلزمت من الناحية الفنية أن يرد بقواعدها تكليف أي إلزام، فإن هذا لا يكفي وحده، وإنما يتعين أن يقترن هذا التكليف باقتضاء، وأن يرد قيدًا على الإدارة، وهي بصدد تصرف قانوني، فيحدها بضوابط معينة؛ وذلك صونًا لأصول المجتمع – أسس الجماعة وكليات الدولة ممثلة في النظام السياسي القائم والمؤسسات التنفيذية الفاعلة – ومن ناحية أخرى انبنى مفهوم فكرة النظام العام فلسفيًّا، على أصل من أن ثمة كليات وأصول يقيم عليها المجتمع أوده، وبدونها لن يكون ثمة استقرار له أو انتظام لحركته أو اطراد لتقدمه، وذلك على هدي من منطلقاته الفكرية والفلسفية التى تمثل مقتنعه الأيديولوجي. والناظر إلى ما نقل إلينا من عادات عرب الجاهلية وعند محاولة ضبطه داخل سياقهم الحضاري، وأنساق معيشتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، يتعذر عليه تلمس سياق عام تندرج داخله تلك العادات التى كانت قائمة وقتئذ ، فمثلاً وفي مجال الأسرة ، عرف عرب الجاهلية صـورًا شتى من الأنكحة كزواج الشغار(1) ، وزواج المقت وهو تزوج الابن زوجة أبيه المتوفى دون مهر ودون توقف على رضاها، ذلك الزواج الذي كان شائعًا مشهورًا عندهم ، كما عرفوا الجمع بين الأختين في آن واحد ، وفي الحال ذاته حـرموا زواج المحارم كليًّا(2)، وهو ما يتبدى عنه أن ليس ثمة نسق موحد تدور هذه القواعد في فلكه، وليس ثمة أصل كلي يحكم فلسفة الزواج عندهم .

وكذلك الناظر في أحكام الإرث يجد أنهم قد قصروه حصرًا في أكبر الأبناء، محرمين إياه على باقيهم وكافة الإناث والصغار ، وأجازوا التوريث بالتبني والمعاقدة والحلف، مما يتعذر معه إيجاد أصل مشترك يمكن رد هذه الأحكام كلها إليه(3) .

والأمر يظهر جليًا، في كافة صور المعاملات، حيث عرفوا غالب أشكال التعاقدات التى كانت معروفة آئنذ – حتى للحواضر الأكثر رقيًّا – مع ذلك لم يفرقوا بين فاسد وحسن ، وإنما تعاملوا في كافتها مجيزين إياها دون تحفظ أو توقف عند أيها(4) .

وإذا كانت المعاملات من أهم الدلائل المفيدة لمستوى الرقي الحضاري والفكري والثقافي للجماعات، ونوعية نظمها الاجتماعية والسياسية وحجم نظمها الاقتصادية ، فإن التفاصيل القانونية الضابطة لهذه التعاملات ، إنما تحمل دلالة لا تقل أهمية في إفادة الكشف عن مستوى الجماعات في المجالات آنفة البيان ، وكلما تسطحت هذه التفاصيل القانونية أو غابت، كلما كشف عن وضع جمعي شديد البدائية، مما يحمل دلائل عدم قدرة الجماعة بعد على بلورة أصول جمعية لها تحمل خصوصيتها، أي أنها لم تتمكن بعد من أن تشكل هويتها الذاتية . وعليه وإن كانت التجمعات العربية الجاهلية، وقبل نزول الإسلام، مفتقرة للشواهد التى تفيد بلوغ مرحلة نضج حضاري، تتبلور فيها لها خصائص الهوية الذاتية، فمن ثم فالأمر ما زال بعد بعيدًا جدًّا عن أي حديث في خصوص مفهوم فكرة النظام العام، لتغدو مجموعة القواعد الضابطة لأطر سلوكها ، لا تعدو كونها عادات جمعية ، لا يوجد ما يؤمن لها اللزوم الذي تنطوى عليه، وتكون دومًا عرضة للمخالفة ممن امتلك قوة حماية هذه المجاوزة ، خاصة أن ليس ثمة جهاز رسمي تنفيذي يكفل لهذه العادات الصون والحماية حال المخالفة.

ثانيًا: المجتمع الإنساني بعد نزول الإسلام

نزل الإسلام على المصطفى المختار، محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) ، باعتباره رسولاً ونبيًا للعالم أجمع، هداية للخلق ورحمة للعالمين، ورسالة خاتمة أتم الله بها كلمته إلى البشر، ضمنها مفاتيح الخير وسبل الخلاص، وأودع بها سر الحياة، فتعرف فيها الإنسان على غاية وجوده كما تعرف على مسيرته وجهته، وتعينت رسالته في الدنيا ، فصار لحياته قيمة ومعنى، ولعيشه طعمًا ومذاقًا، واستقر وجدان الإنسان على الوجهة الربانية، فلا ملجأ ولا منجى في هذه الحياة من الله إلا إليه.

نزل الإسلام ، فكرة شاملة ومنهجًا كليًّا، متأصلاً على عدد من المفاهيم الأساسية ، مثلت محاور الارتكاز لكافة مفاهيم المعارف التى تبلورت ونمت في ظل هذه المنظومة الفكرية الكلية، وصابغة الحياة الإسلامية بهداها . فالإسلام يقوم من الناحية الفلسفية على أصلين اثنين، الأول مفهوم الربانية من جهات الغــــاية (الوجــــهة) والمصدر ((المنهج) ، والثاني مفهوم الإنسانية من جهات الحرية في إطار العبودية لله والمساواة والعدل(1) .

أ – الربانية :

أما المعنيّ بالربانية بحسبها الغاية والوجهة، أن الإسلام في هدايته لحياة البشر جميعًا إنما يجعل غايتهم النهائية وهدفهم البعيد، حسن الصلة بالله تبارك وتعالى ، والحصول على مرضاته، باعتبار هذه غايات البشر ووجهتهم ومنتهى سعيهم وكدحهم، (يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ) [الانشقاق: 64] ، (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) [النجم: 42]. فإذا كان للإسلام بحسبه دينًا ودنيا غايات وأهداف إنسانية واجتماعية عظمى، فإنها لا تعدو في حقيقتها أن تكون خادمة للهدف الأسمى الأجل، وهو حسن رضاء الله وحسن مثوبته . فالإسلام أتى بما لم يأت به دين من قبل، في تنظيم لحياة الناس، والسعى في الأرض ومناكبها، والاستمتاع بطيبات الحياة، ولكنه فيما انتظم لم يكن سوى موجهًا مرشدًا للإنسان، وهو بصدد ممارسته لشؤونه الحياتية ، كي ينضبط حاله؛ عبدًا مخلصًا لله، ساعيًا لمرضاته وحده دون سواه، ومن هنا كان التوحيد جوهر الإسلام وروحه، والتوحيد هو أن يعلم الإنسان ألا إله له إلا الله المتفرد بالعبودية والاستعانة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 4] ، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ(56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56-58] . وأن الحكمة من خلق الإنسان، أن يكون الإنسان لله المتعال، بمعرفته وعبادتـه وأداء أمانته على الأرض(1) .

وأما ربانية المصدر والمنهج فالمعني بها، المنهج الذي خطه الإسلام وصولاً إلى غاياته المرسومة وأهدافه المعنية، وهو منهج رباني خالص، لكون مصدره وحي الله تعالى المنزل على خاتم رسله محمد (صلى الله عليه وسلم) . هذا المنهج لم يكن نتيجة إرادة فرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو شعب ، وإنما هو نتيجة إرادة الله الواحد الخالق، وفي هذا المنهج مكانة سامية للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) فهو الداعى إليه، المبين للناس ما اشتبه عليهم من أمره، (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى(1)مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(2)وَمَـــــــا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 1-4] دور مأمور به من لدن الحكيم الخبير المحيط بالجميع القادر عليهم، ليتعين دور الرسول من هذه الوجهة المنهجية في وظيفة مزدوجة ، الأولى: التلقى والحفظ (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى) [الأعلى: 6]، والثانية: التبليغ والدعوة (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) [المائدة: 67]. (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44].

ولعل ما يميز الإسلام من وجهته المنهجية ، أنه المنظومة الوحيدة في العالم أجمع الذي يرتد في كل مصادره إلى كلام الله المحفوظ دون حرف أو مبادلة، غير المخلوط بأوهام البشر وأغلاطهم ، إذ قد تعهد الله تعالى بكفالة حفظه (إِنَّا نَحْــنُ نَزَّلْنَا الــذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]. وصدق وعده ، فقد صان كافة مصادر هذه المنظومة الربانية المستقاة من القرآن الكريم والمبينة بسنة الرسول الكريم . وتتمثل هذه المصادر التى تشكل المنهج الرباني، في عقيدة التوحيد، وشعائر التعبد لله التى رسم سبحانه صورها والآداب الأخلاقية التى أرسى أصولها ووضع أسسها، إضافة إلى التشريعات الإسلامية الضابطة للحياة الفردية والأســرية والاجتماعية والدولية(1) . والمعنى بهذه التشريعات تلك الأسس والمبادئ والأحكام الأصلية التى انتظم بها الله مسيرة القافلة البشرية والتى على هداها يبتنى الأفراد والجماعات علاقاتهم.

وأهم ما يميز المنظومة الإسلامية من هذه الوجهة الربانية، أن الحاكمية إنما هي لله تعالى ، فلا مشرع سواه، فهو الآمر الناهي، المحلل المحرم ، المكلف الملزم، وذاك بمقتضى ربوبيته وألوهيته وملكه لخلقه أجمعين ، وإن التشريع حق مطلق له ، فليس لسواه حق في هذا الشأن سوى ما أذن هو تعالى فيه مما ليس به نص ملزم، وهذا هو عمل المجتهد، وعليه فالمجتهد ليس مشرعًا أو حاكمًا ، وإنما هو مستنبط لحكم الله تعالى غير المصرح به، على ما سوف يأتى لاحقًا.

ب – الإنسانية:

وأما المعني بإنسانية رسالة الإسلام بحسبها أحد المفاهيم الأساسية التى يؤصل عليها الإسلام منظومته الفكرية والفلسفية ، إن الإسلام في ربانيته الغائية، إنساني المقصد، فالله تعالى كرم الإنسان وجعله في الأرض خليفة، وسخر له ما في السماوات والأرض، بغية تحقيق سعادته في الدنيا وفوزه بالنعيم المقيم في الآخرة . وسبحانه في هذا وهب الإنسان عقلاً ومنحه قدرة ، ليفكر بالأول وبالثاني يرجح وينفذ، وهذا كله بأمر الله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) [الإنسان: 20]، فالإنسان مقصود برسالة الإسلام، خلقه الله في أحسن تقويم، وخلق روحه من نفخة روح الله تعالى وسخر الأكوان لخدمته، ولهذا كله يسر الله له سبل العيش، وحلل له متع الدنيا ، وشرع له من الأحكام الموجبات والمحرمات نأيًا به عن التردي فيما يضر(1)، وفي هذا التوجه الإنساني ، أقام الإسلام أسسه على عدد من المفاهيم الأساسية التى صارت منذئذ صبغة المنظومة الإسلامية ومميزتها عن غيرها من المنظومات ، وهذه المفاهيم هي الحرية في إطار العبودية لله وحده، والمساواة والعدل .

1- الحرية:

إن الله تعالى وقد أكمل كلمته بالرسالة المحمدية، أكمل للإنسان حريته، بتحريره من كل ما يكبله من قيود العبودية وآثام الخطيئة تلك التى كانت تكبله من قبل، وظلت من بعد نزول الإسلام ، تثقل كاهل الأفراد بالنظم غير الإسلامية . وما من شك في أن المنظومة الفكرية الإسلامية ، قد أقامت مفاهيمها على أصل من حرية الإنسان ، حتى أن الله تعالى قد خلق للإنسان وحده، دون غيره من باقى مخلوقاته،العقل والارادة والاختيار، جاعلاً فطرته تكمن في حقه في الاختيار (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) [الأحزاب: 72]. وليس بأدل على ذلك مما أبانه القرآن في قصة آدم عليه السلام وزوجه ، فإنه نهاهما عن الأكل من إحدى شجيرات الجنة، ومنحهما قدرة على الاختيار بين الأكل والامتناع عنه، وإذ اختارا معصية الله وأكلا من الشجرة، وقع عليهما عقاب الله تعالى فأخرجهما من الجنة مع قوله تعالى : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) [البقرة: 38] ، وما هذا التعبير باتباع الهدى أو الإعراض عنه إلا تأكيدًا على الحق في الاختيار، أي الحرية التى فطر الإنسان عليها(1) . أي أن الله تعالى ، لم يشأ إلا أن يجعل الحرية والحق في الاختيار ، قرينًا للإنسان بمقتضى حاله من عقل قادر على التمييز والاختيار، هذه الحرية هي موضع الحساب ومساءلة الله عباده في الآخرة، فمن شاء آمن ومن شاء كفر . فإذا كان الله يخير الإنسان في شأن جلل كالإيمان به ، فليس ذاك بأدل على منحه حرية كاملة في شأن حياته .

بيد أن الإسلام بحسبه رسالة خلاص للإنسان، يأبى إلا أن يكمل تحرير الإنسان، مما علق به من عبودية عبر تاريخه البشرى ، فيؤكد تحريره من غواية أنانيته وعبودية غرائزه وشهواته واستسلامه لمطالبه المادية ورغباته الشخصية، وذلك بأن ضبط حريته وحقه في الاختيار ، بضابط البُعد الرباني ، فبالإيمان بالله واليوم الآخر وهو طريق الربانية ، لمن شاء الفلاح في الآخرة ، يقف الإنسان موقف الموازنة بين رغبات نفسه ومتطلبات دينه، وبين ما تدفعه إليه شهواته وما يأمر به دينه، موازنة دقيقة تخلع عنه نير العبودية للهوى، وترتقى به إلى أفق الإنسانية المتحررة من الغرائز الحيوانية، والإسلام له ، في هذا كله، هادٍ ومنيرٌ إلى درب الطريق المستقيم(2) ، ومن جانب آخر ، يحرر الإسلام الإنسان من عبودية غيره من البشر، إذ من أشد صور العبودية وأبعدها خطرًا خضوع الإنسان للإنسان، الذي يحل له ما يشاء ويحرم عليه ما يشاء، ويأمره بما يريد وينهاه عما يريد، إذ بالفهم الرباني ينفض الإنسان عن نفسه هذا النهج البشري الخاضع فيه لإنسان غيره، ويرتد إلى بارئه ، رب الناس وخالق الأكوان، الذى له وحده – بحكم خلقه ومقتضى ربوبيته – الأمر والنهى والتحليل والتحريم.

وبهذا تحرر الإنسان من صورتين من العبودية عانى منهما: أولاهما: العبودية للبشر والتى تمثلت في صورتين الأولى: الانصياع الاستعبادى للحاكم الذي يفرض رأيه إما بحسبه حكم من لدن إله أعلى أو بحسبه هو ذاته إلهًا ، أو دون تمحل بالآلهة، وإنما من وجهة كونه الحاكم المالك يأمر فيطاع، وينهى فينصاع له. والصورة الأخرى الشهيرة هي التى سادت زمنًا طويلاً في المجتمعات التى حكمتها الأديان السماوية اليهودية والمسيحية حيث ملك الرهبان والأحبار وحدهم سلطة التشريع أمرًا ونهيًا ، مزاحمين الألوهية في سلطانها، دون أن يكون لأحد حق الاعتراض أو المراجعة، (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31] .

وبهذا حرر الإسلام الإنسان من ربقة استعباد غيره له(1) . وثانيتهما: حرر الإسلام الإنسان من وصمة التلوث بالخطيئة ، تلك الفكرة التى زعمت أن الإنسان يولد وارثًا خطيئة آدم الأولى وهي الأكل من الشجرة المحرمة، غير ناج منها إلا بالكفارة والفداء ، إذ قرر أن كل إنسان يولد على الفطرة غير ملوث بأي خطيئة أو مثقل بذنب، فالإنسان مسؤول عن نفسه، ولا يحمل وزر غيره (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَـــا وَلاَ تَـزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) [الأنعام: 164]، ومعصية آدم قرر الله تعالى برحمته غفـــــرانها ، (وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه: 121،122].

وبذلك تحرر الإنسان في إطاره المعنوى من عبودية غيره من البشر كما تحرر من عبودية الآثام التى كانت تثقل كاهله بذنب لم يقترفه، ويحيا حياته للتكفير عنها ويقدم عُمره فداء لها. إضافة إلى تحرره في إطاره المادى من متطلبات غرائزه وشهواته.

وعليه ، وإذ تأصلت الفكرة الإسلامية على هدي من مفهوم هذه الحرية، فقد تعينت هذه المنظومة الفكرية، أصلح النظم إطلاقًا مقاومة لكافة صور الاستبداد السلطوي، حتى أن الأمر صيغ في التصور الإسلامي، أن طاعة السلطة إنما تتوقف على طاعتها هي لله بداية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، على ما سيرد لاحقًا .

وعليه، فكان الإسلام محررًا الإنسان من مظاهر الاستعباد هذه التى عرفها مساره البشري، ولكنه لم يكن التحرير المتفلت من كل ضابط أو قيد ، وإنما هي الحرية المنضبطة بحدود مفهوم الربانية، وذلك لمن شاء الفلاح في الدنيا والآخرة، فينفض الإنسان عن نفسه كافة مظاهر الاستعباد لينطلق حرًّا في رحاب مشيئة خالق غير عابئ سوى برضاء المولى عز وجل.

2- المساواة:

لعل من أهم المبادئ التى انطوت عليها المنظومة الفكرية الإسلامية ، ما استحدثته خاصًّا بمفهوم المساواة، فهذا المفهوم على هذه الهيئة وبهذه الكيفية ، لم يكن فقط مفهومًا صارخًا في ظل ظروف عصره الذي نزل فيه وتقرر، وإنما هو – وإلى الآن – ما زال مفهومًا صارخًا مقارنة بكل النظم الفكرية التى عرفتها البشرية، فهذا المفهوم في النظر الإسلامي يتأصل على احترام الإسلام للإنسان من حيث هو إنسان، لا من أي حيثية أخرى، فلا تفرقة بين إنسان، وآخر، نزولاً على أي عنصر من عناصر التمييز، أكان للانتساب لقوم أو قبيلة أو لون أو جنس أو طبقة، فالله تعالى يخاطب الناس جميعًا (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَـــــــــاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] ، ويؤكد رسوله الكريم هذا المعنى تفصيلاً في خطبة الوداع قائلاً 🙁 يأيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(1) ، وذلك لأن ( الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب)(2) .

وبهذا تسقط كل اعتبارات الفرقة بين العباد، فالبلاد جميعها أرض الله، والبشر جميعهم عيال الله وعباده، ليس لأحدهم قيمة إنسانية تعلو قيمة الآخر، فهي قيمة إنسانية واحدة للجميع، الحاكم إنسان والمحكوم إنسان ، رب العمل إنسان والعامل إنسان، الغنى إنسان والفقير إنسان، الرجل إنسان والمرأة إنسان، الكل سواسية من الوجهة الإنسانية، فتعامل الإسلام في منطلقاته الفكرية مع الجميع من هذه الوجهة الإنسانية ، دون اعتبار لعناصر التقدير الأخرى المصاحبة بل إن (التقوى) ذاتها التى جعلها الرسول عنصر تمييز لإنسان على آخر، حيث تتعين ضابط تفاضل بين الناس، لا تأثير لها على التطبيق البشرى لمفهوم المساواة الإسلامي في حياة الناس، ذلك أن محل التفاضل على هذا النحو هو الآخرة وليس الحياة الدنيا، أمام الله لا بين الناس(1) . ولهذا أثره من الناحية القانونية كما سوف يتبدى لاحقًا.

وتتبدى عظمة الإسلام من هذه الوجهة في خصوص مفهوم المساواة – وكيف لا وهو دين الله الخاتم خلاص البشرية ؟ في أن تقريره لمبدأ المساواة، تأكد من وجهة كونه حقيقة إنسانية اجتماعية بالأساس قبل أن تكون مبدأ قانونيًّا . فالإسلام هبة الله للبشرية ، أبى إلا أن يتناظر الناس فيما بينهم – حتى قبل أن يدخلوا في تعاملات مباشرة على أساس التساوى في القيمة ، فلا يعتقد أحد علوه على آخر ولا يتصور أحد أفضليته على الآخر، فالجميع إخوة متساوون ، قد يمنح الله أحدهم تفوقًا بشريًّا على آخر في أحد مجالات الحياة أو بعضها، دون أن يكون له فضل في هذه المفاضلة، وإنما مرده مشيئته تعالى، فإذا كان الله هو المعتبر في هذه المفاضلة فلا وجه للإنسان لأن يستعلى على أخيه وهو ليس سبب هذه المفاضلة .

وتتأكد عظمة التصور الإسلامي لمفهوم المساواة، إن قارناه بباقي التصورات الوضعية، فالمساواة في هذه الأخيرة ظهرت أول ما ظهرت في (إعلان الحقوق الفرنسي) الصادر عام 1789 إثر الثورة الفرنسية ، وقصد أن جميع الأفراد متساوون في الحقوق والحريات والتكليفات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب جنسى أو أصل أو لغة أو عقيدة، أي أن المعني به المساواة القانونية لا المساواة الفعلية ، والفرق بين هذين النوعين من المساواة كبير، فالمساواة القانونية تفيد خضوع جميع الأفراد المتماثلين في الظروف لذات القواعد التى تحد الحريات والحقوق العامة، حال كون المساواة الفعلية إنما تعني انطباق كافة القواعد على كافة الأفراد مهما تباينت ظروف المتواجدين بها، وأيًّا ما يكون مدى اختلاف هذه الظروف(1) . وهذا ما حاول الإسلام تحقيقه ، عند صياغة تصوره لمفهوم المساواة، إذ كان يستهدف خلق حال اجتماعي يتأسس على أصل من المساواة الفعلية بين جميع الأفراد، وهو ما انعكس على العبادات، ففي الصلاة والحج يتجاور الجميع دون أدنى فرقة بين كريم أصل مهيب مقام ورقيق حال، وفي الزكاة لن يكتمل للغني دينه إن لم يقم بأداء جزء من ماله إلى الفقير المعوز، وهكذا يمضي الإسلام قدمًا في اتجاه تكريس المساواة الفعلية بين جميع أعضاء المجتمع .

وليس هذا بغريب عن الإسلام، الذي هو كلمة الله المكتملة العليا، فمن هذه الوجهة المستعلية، نظر سبحانه وتعالى إلى كافة القيم والمبادئ والأفكار التى يؤصل عليها دينه الحنيف، فللإسلام نظرة مفارقة مستعلية على البشر ، تتعامل معهم من فوقهم،ليقفوا أمامها سواسية متساوين ، خلاف حال النظم الوضعية التى صيغت من قبل البشر، القاصرين العاجزين، مهما بلغ شأوهم الفكري ، عن البلوغ بالفكرة إلى منتهى نضجها وحيادها، الأمر الذي أصبح معه مفهوم المساواة بهذه النظم الوضعية غير قادر على تخطي سقف الترتيبات القانونية إلى رحابة الأوضاع الاجتماعية كاملة، القانوني منها وغير القانونى(1) ومما يبرر نجاح المنظومة الفكرية الإسلامية في غرس مفهوم المساواة على هذا النحو من الشمول والعمق، على كافة مستويات الفعل الإنساني، أنها لا تستند في حقيقة كنهها على مجرد الدعوة لإقامة المعوج الظاهر في المعادلة الاجتماعية، وإنما هي لبنة من لبنات بناء فكري متكامل يشاد على أصل من نهج عقدي يقوم بإعادة بناء المعادلة الاجتماعية بناء كاملاً. مهيئا لها صيغ الاتزان ، فلا يخاطب الأفراد من الزاوية القانونية فقط، وإنما يخاطبهم من كافة زوايا ظاهرة الاجتماع البشري ، فضلاً عن جانب المعتنق العقدى الذي يتعامل مع ضمائر الأفراد في علاقة مباشرة بينهم وبين بارائهم الذي يدينون له بالانصياع والخضوع .

وقد ترتب على تبلور مفهوم المساواة في الإسلام على هذا النحو المذكور ، أن تبدلت أحوال العرب جذريًّا خلال وقت قصير، فمن بعد وضع جمعي يقوم على العصبية القبلية والتفاخر بالأنساب وأحوال المقامات ، غدت التسوية بين أوضاع العرب المسلمين جميعًا هي الأصل الحاكم للحال العام لهم ، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، زجر صحابته عن محاولتهم الشفاعة في امرآة سرقت حتى لا يقام عليها الحد . قائلاً :(وأيم الله لو أن فاطمة بنت