ندوات

مؤسسات العدالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

العدد 105

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله e. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله .

في مقدمة الموضوع فقط أُذكر بأنه حلقة في سلسلة فكرية معينة بدأت بالندوة الأولى التى طرحت فيها التصور العام للموضوع ثم تأتي باقى الندوات بشيء من التفصيل – عن المبادئ الهادية لكل من هذه المؤسسات، والمقصود بالمبادئ الهادية: المسائل التى تثير إشكالات معينة، أو فيها خلافات تحتاج إلى تمحيص الرأي وإلى الاختيار .

وبعد أن ننتهى -بمشيئة الله- من هذه السلسلة يكون من السهل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى هي مرحلة الصياغة التفصيلية في ضوء هذه المبادئ الهادية، وإذا توصلنا إلى الصياغة التفصيلية فستكون مادة مطروحة للمناقشة كمشروع تقنين أو ما أشبه ذلك .

كما أُذكر بمنهج التناول لهذا الموضوع، فالتقييد فيه – أصلاً – يكون بنصوص الكتاب والسنة المعمول بها مع الاجتهاد باعتبار أن الشُقة واسعة بين الكتابات التراثية وبين الواقع الحالي؛ مما يحتاج إلى فتح باب الاجتهاد بأوسع معانيه، وفي إطار هذا الاجتهاد الجديد لابد من أن نستفيد كذلك من خبرة التاريخ الإسلامي الإيجابية والسلبية على حد سواء ، كما لابد من أن نستفيد من خبرة الغير حيث مرت عدة قرون – الآن – منذ توقف الاجتهاد عند المسلمين، انطلق فيها العالم في مؤسسات ومنظمات وقوانين لابد أن نستفيد منها في الإطار الذي تسعه الشريعة الإسلامية، بقبول ما يتفق معها ورفض ما لا يتفق معها .

وكما أشرت منذ قليل إذا كانت هناك مسألة تحتمل خلافًا في الرأى فلابد لنا – إذا كنا بصدد وضع تصور منضبط ومحدد – من القيام بالاختيار بين الآراء المختلفة، ولا يعنى ذلك أن الآراء التى لن يقع عليها الاختيار خاطئة أو مرجوحة أو غير ذلك ؛ وإنما الاختيار يعد وسيلة لابد منها حتى يكون هناك أساس محدد يعتمد عليه في عملية البناء.

بعد هذه المقدمة أدخل في صلب موضوع ندوة اليوم، وهو يشمل موضوعين في الحقيقة، موضوع مؤسسات العدالة ، وموضوع مؤسسات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

أولاً : مؤسسات العدالة :

بالنسبة لموضوع مؤسسات العدالة أظن أننى لست في حاجة للرد على التساؤل الذي قد يطرحه البعض هل في الشريعة الإسلامية نظامًا للقضاء أو لتسيير العدالة؟ فالمعروف لدينا نحن المشتغلين بأمور الشريعة والفكر الإسلامي أن هناك نظامًا ، وهناك ممارسة، وهناك مراجع تراثية تفصيلية في هذا الموضوع ، وإن كان قد تأخر نشرها ، ولكنها متوافرة لمن أراد أن يبحث في أمور القضاء، وفي تنظيم القضاء ، وفقه القضاء ، وتاريخ القضاء، ولعلنا سنشير -فيما يأتى من مسائل- إلى بعض الآراء التى ستوضح كيف أنهم وصلوا إلى تفاصيل قد لا تكون النظم القانونية المعاصرة قد وصلت إليها. كعادتنا في هذا الصدد ، لن نتناول الموضوع تناولاً أكاديميًّا في بحث مختلف جوانبه ، وإنما نختار فقط المسائل التى ستثير إشكالاً أو تثير تساؤلاً أو تحتاج إلى حسم.

وأول هذه المسائل يتعلق بشروط القاضي، وشروط القاضي -كما ذكروها- كثيرة ومعروفة، ولكننا نقف عند ثلاث منها وهي :

1- شرط الإسلام .

2- شرط الذكورة .

3- شرط الاجتهاد .

1- بالنسبة لشرط الإسلام فإن التصور الذي انطلق منه من كتب من علماء السلف في الموضوع يقوم على أساس أن القاضى في الدولة الإسلامية لابد أن يكون مسلمًا ؛ لأنه يطبق الشريعة الإسلامية ، ولأن القضاء يعد نوعًا من أنواع الولاية العامة التى لا يجوز إعطاؤها لغير المسلمين، هذا يطرح علينا مشكلة، هل يجوز تولى غير المسلم من مواطنى الدولة الإسلامية مهمة القضاء؟ والذي قد يرجح قبول الرأي القائل بجواز ذلك هو تطبيق فكرة تقنين الشريعة الإسلامية، حيث إن الشريعة الإسلامية إذا قُننت أصبحت موادًا قانونية شأنها شأن القوانين الوضعية يستطيع الدارس لها تطبيقها وفقًا للأصول الفنية المعينة وتحت رقابة الأجهزة العليا كمحاكم الاستئناف والنقض وغير ذلك مما يشرف على جهات القضاء .

2- وبخصوص شرط الذكورة فهناك رأي للأحناف ولابن حزم يقول: إن المرأة يجوز لها أن تتولى القضاء، وأظن أننا بذلك لا نكون بحاجة لمناقشة الموضوع من الناحية الفقهية، إذا اخترنا هذا الرأي على الرأي الآخر الذي يشترط الذكورة وإن كان من الناحية العملية هناك ميزة لقيام بعض النساء بتولى القضاء في بعض المحاكم المتخصصة، كمحاكم الأحوال الشخصية ومحاكم الأحداث ، وغير ذلك مما يكون للمرأة فيه دور قد يفوق دور الرجل في هذا المجال .

3- وبالنسبة للشرط الثالث الذي يستوقفنا وهو شرط الاجتهاد، وقد يعبر عنه بتعبير آخر وهو: هل يشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا أم نقيده، حتى لو كان عنده صلاحية الاجتهاد، بأن يتبع مذهبًا معينًا أو أن يطبق قانونًا معينًا إذا قننا الشريعة في قانون محدد ومنضبط؟ وهذا موضوع كبير أظن أني تناولته في بحثين في مجلة المسلم المعاصر(1) وفي إحدى المحاضرات في جامعة قطر ، والذي أميل إليه هو تقييد القاضى بقانون محدد لو قننت الشريعة فيكون هذا القانون المستمد من الشريعة مقيدًا للقاضى ، مع إقراري بمزايا نظام القاضي المجتهد … وجمعًا بين مزايا النظامين اقترحت في هذه الأبحاث – التى أشرت إليها – أن يكون التقنين مقتصرًا على المبادئ العامة ولا يدخل في التفاصيل، حتى يتيح للقاضى مرونة كافية لأن يجتهد وفقًا للظروف المحيطة بالقضية المطروحة، ولكن في إطار المبادئ العامة التى يشملها تقنين الشريعة، وهذا الأسلوب ليس جديدًا فقد لجأت إليه الدول الأوربية في سعيها نحو الوحدة، إذ أنها تصدر ما يسمى بـ (المبادئ الهادية) في كل فرع من فروع القانون، وتكون هذه المبادئ الهادية ملزمة، ولكن لكل دولة من الدول أن تعدل قوانينها بما يتفق مع هذه المبادئ، فيظل هناك خلاف بين الدول فيما يتعلق بالتفاصيل ولكن تكون المبادئ العامة مشتركة ، فشيء من هذا القبيل هو الذي يمكن أن نحتفظ فيه بمساحة من الحرية والمرونة للقاضى مع تقييده بقانون موحد . وأهمية وحدة القانون – في الحقيقة – هي ضرورة أن يعرف المتقاضي – ليس فقط عند اللجوء للمحكمة ، بل عندما يقوم بالفعل أو بالتصرف – ما هو القانون الذي يحكم هذا الفعل أو هذا التصرف، أما أن تظل المسألة متروكة للاجتهادات المختلفة فسيظل الناس في حالة من الجهالة بخصوص الرأي الذي ستأخذ به المحكمة حين يعرض عليها هذا النزاع، هذا فضلاً عن وحدة القانون في الدولة الواحدة حتى لايختلف القانون من محكمة لأخرى تبعًا لاختلاف اجتهادات القضاة.

ب – مسألة أخرى نقف عندها هي كيفية تعيين القاضي .

المذكور في الكتب والذي مورس على مر التاريخ هو أن الخليفة أو الحاكم أو السلطة العليا هي التي تعين القضاة، سواء تم التعيين من الخليفة مباشرة أو بواسطة قاضى القضاة إذا كان من ضمن وظيفته أن يقوم بتعيين القضاة ، وأظن أن هذا النظام هو أصلح النظم ، مع التحفظ الخاص بضرورة استقلال القاضى في مواجهة السلطة التنفيذية بعد تمام اختياره أو تعيينه. المعروف أنه في النظم المعاصرة يتم اختيار القضاة بطرق مختلفة، كل دولة تأخذ بطريقة ، والشائع هو تعيين السلطة  التنفيذية للقضاة، ولكن هناك من يترك الأمر للسلطة التشريعية وهناك من يترك الأمر للانتخاب، سواء في انتخاب القاضي، أو في نظام المحلفين بانتخاب المحلفين الذين يقررون ما إذا كان المتهم مذنبًا أم بريئًا ، ثم يترك الأمر بعد ذلك للقاضي ليحدد العقوبة .. هذان النظامان يعتمدان على فكرة (الانتخاب) اتباعًا لمبدأ آخر هو أن : (الأمة مصدر السلطات) ، وهنا أبادر إلى القول بأن انتخاب القاضي أراه نظامًا سيئًا ؛ إذ إنه يسيّس القضاء، حيث يتم اختيار القاضي بناء على ترشيحات تقوم بها الأحزاب في معظم الأحيان، وعلى دعايات انتخابية ووعود وغير ذلك ، مما يجعل عملية اختيار القضاة – التى من المفروض فيها أن تكون منزهة عن هذه الخلافات – عملية سياسية، أما نظام المحلفين فسبب إعراضي عنه هو أنه يأتى بعامة الناس ليقرروا مسائل خطيرة تتعلق بتبرئة أو إدانة أشخاص ، خاصة في ظل قوانين أصبحت معقدة ومتشاب