أبحاث

سيد قطب والتفسير الإسلامي للتاريخ

العدد 62

فى إحدى مقاطع تفسير سورة الأنعام يورد سيد هذه المقولة وهو يقرأ الآية

{ قل سيروا فى الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } (1): (( إن السير فى الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ، ولمعرفة سنن الله مرتسمة فى الأحداث والوقائع ، مسجلة فى الآثار الشاخصة وفى التاريخ المروى فى الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار فى أرضها وقومها ، السير على هذا النحو لمثل هذه الهدف وبمث هذا الوعى ، أمور كلها كانت جديدة على العرب ، تصور مدى النقلة التى كان المنهج الإسلامى الربانى ينقلها إليهم من جاهليتهم إلى هذا المستوى من الوعى والفكر والنظر والمعرفة . لقد كانوا يسيرون فى الأرض وينتقلون فى أرجائها للتجارة والعيش ، وما يتعلق بالعيش من صيد ورعى .. إما أن يسيروا وفق منهج معرفى تربوى فهذا كان جديد عليهم ، وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به ، وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية فى الطريق الصاعد إلى القمة السامقة التى بلغوا إليها النهاية .

(( لقد كان تفسير التاريخ الإنسانى وفق قواعد منهجية كهذه التى كان القرآن يوجه إليه العرب ، ووفق سنن مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها – بأذن الله – ويستطيع الناس ملاحظتها وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها ، ومعرفة مراحلها وأطوارها ، كان هذا المنهج برمته فى تفسير التاريخ شيئاً جديداً على العقل البشرى كله فى ذلك الزمان ؛ إذا كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس لا يربط بينه منهج تحليل أو تكوين يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج وبين المراحل والأطوار ، فجاء المنهج القرآنى ينقل البشرية إلى هذا الأفق ويشرح لهم منهج النظر فى التاريخ الإنسانى ، وهذا المنهج ليس مرحلة فى طرائف الفكر والمعرفة . إنما هو (المنهج) الذى يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنسانى )) (2) .

ويزيد هذا النص أهمية أن سيد يهمشه بهذه العبارة (( يراجع التفسير الإسلامى للتاريخ )) فى كتاب (( خصائص التصور الإسلامى ومقوماته ، القسم الثانى )) .

إذن فإن من بين فصول القسم الثانى من كتاب (( خصائص التصور الإسلامى ومقوماته )) الذى لم يتيح له النشر لحد الآن فصل عن التفسير الإسلامى للتاريخ .

وإذا كان هذا الفصل ذو الأهمية الخاصة فى فكر سيد التاريخى قد ضاع مع الكتاب الأم الذى يضمه بين جناحيه ، فإن بمقدورنا – لحسن الحظ – أن نعثر على معطيات سيد التفسيرية للتاريخ ، على مساحات واسعة منها بعبارة أدق ، فى كتابه الكبير (الظلال ) ، تماماً كما أن بمقدورنا – لحسن الحظ كذلك – أن نعثر فى (الظلال ) نفسه على مساحات واسعة من كتابه الضائع المهم الآخر (فى ظلال السيره) . ونحن نستطيع أن نؤكد هذا بالنظر إلى ما يتضمنه ( الظلال) من مادة غنية فى الحقلين : التفسير ، والسيرة، وبالقياس – كذلك – على مساحات الأخذ والعطاء الواسعة بين ( الظلال) وبين كتاب قيم آخر أتيح له أن يرى النور ، وأن يلعب دوره – كذلك – فى الختم عل مصير سيد بما يضعه فى صف الشهداء والقديسين : ( كتاب معالم على طريق ) .

وثمة ما يتحتم أن يشار إليه هنا هو أن سيد فى القسم الأول المنشور من كتابه ( خصائص التصور الإسلامى ومقوماته) والذى يبلور فيه الخصائص الأساسية للتصور الإسلامى ، إنما يرفد فى الوقت نفسه الرؤية الإسلامية لتفسير التاريخ ويضع الكثير من أسسها النظرية ، قبل أن يدلف فى القسم الثانى ، غير المنشور ، إلى الموضوع فيمسه من قريب .

مهما يكن من أمر فإننا نجد فى النص السابق تأكيداً على أحدى المقولات الأساسية فى التفسير الإسلامى للتاريخ ، ترتبط بمنهج التفسير وتكتسب أهميتها من هذا الارتباط ، وهى أن القرآن الكريم يطرح لأول مرة فى حقل الفكر التاريخى ، عبر مسيرته الطويلة ، مسألة الارتباط المحتوم بين المقدمات والنتائج فى مجرى الوقائع التاريخية ، وأن حركة التاريخ لا تمضى عبثاً ولا على غير هدى ، وإنما تحكمها سنن ونواميس وقوانين ترتب المصائر على  اجنماع حشد من الوقائع والأحداث ، وتجعل من توجه الفعل التاريخى بهذا الاتجاه أو ذاك ، أمراً محتوماً .

ليس ثمة عشوائية فى مجرى التحقق التاريخى إنما هنالك النهايات التى تترتب بالحق والقسطاس على بدايتها- من جنس العمل ، فلا تطيش السهام ولا يغدو التاريخ مسرحاً عبثياً يقوم اللامعقول بدور البطولة فيه .

إن أحداً من رواد الفكر التاريخى لم يقل بهذا قبل كتاب الله المعجز ، على كثرة ما كتب من دراسات تاريخية وما دٌبج من أبحاث ومطولات وإن أحداً من رواد الفكر التاريخى لم يقل بهذا بعد مرور عدة قرون على تأكيدات القرآن ، ولقد جاء ابن خلدون لكى يقول هذا فى ((مقدمته)) ولكن بعد ما يقرب من ثمانية قرون ، وهو لشدة دهشته لاكتشاف ناموسية الحركة التاريخية من بين رفاق البحث التاريخى عبر القرون ، لم يشر إلى أن القرآن الكريم هو الذى فتح الطريق وأشار فى حشود آياته البينات إلى هذه الحقيقة الخطيرة فى تحليل الصيرورة التاريخية .

وقرون أخرى كان عليها أن تمضى قبل أن يأتى من يواصل الطريق الذى اعتقد ابن خلدون – خطأ – أنه شقه لأول مرة .

إن هذه الرؤية المنهجية البكر فى فهم التاريخ والتعامل معه لهى واحدة من عجائب القرآن التى لا تنقضى ، وإن القول بها ، أو الكشف عنها أو الكشف عنها ، أو التأكيد عليها فى بيئية فكرية لم تكن قد بلغت النضج الذى يؤهلها لإفراز مقولات كهذه ، كما يتوهم الماديون ، ليدل بوضوح عليه الفوقية التى يتسم بها كتاب الله ، وعلى الانفصال المحتوم – إذا صح التعبير – بين معطيات الله الشاملة وبين أفكار الناس الجزئية ، القاصرة ، المحدودة .. (( والذين يأخذهم الدهش والعجب – يقول سيد – للنقلة الهائلة التى انتقل إليها العرب فى خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية ، وهى فترة لا تكفى إطلاقاً لحوث تطور فجائى فى الأوضاع الاقتصادية ، سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب لوأنهم حولوا انتباههم من البحث فى العوامل الاقتصادية ، ليبحثوا عن السر فى هذا المنهج الربانى الجديد الذى جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله العليم الخبير .

ففى هذا المنهج تمكن المعجزة وفيه يمكن السر الذى يبحثون عنه طويلاً عند الإله الزائف الذى أقامته المادية حديثاً : إله الاقتصاد . وإلا فأين هو التحول الاقتصادى المفاجئ فى الجزيرة العربية الذى ينشئ من : التصورات الاعتقادية ، ونظام الحكم ، ومناهج الفكر ، وقيم الأخلاق ، وآماد المعرفة ، وأوضاع المجتمع :- كل هذا الذى نشأ فى ربع قرن من الزمان ؟ )) (3) .

☼☼☼

فى ختام تفسير سيد لهذه الآية ذات الدلائل { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم فى الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } (4) ،ينفذ سيد إلى الرؤية الإسلامية لتفسير التاريخ ، سيما وأن منطوق هذه الآية يتصادى مع حشود من الآيات والمقاطع القرآنية عبر كتاب الله من أقصاه إلى أقصاه ؛ فهو من ثم منطوق مؤكد ، يملك ثقله الكبير ودلالته التى لا يأتيها الباطل من يديها ولا من خلفها . إن هذا النص فى القرآن {فأهلكناهم بذنوبهم}، وما يماثله ، وهو يتكرر كثيراً : – إنما يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها ، وأن الله هو الذى يهلك المذنبين بذنوبهم ، وأن هذه سنة ماضية – ولم يراها فرد فى عمره القصير ، أو جيل فى أجله المحدود – ولكنها سنه تصير الأمم حين تفشو فيها الذنوب ، وحين تقوم على حياتها الذنوب ؛ هذه الحقيقة جانب من التفسير الإسلامى للتاريخ ، فإن هلاك الأجيال واستخلاف الإجيال من عوامله :

فعل الذنوب فى أجسام الأمم وتأثيرها فى أنتشار حالة تنتهى إلى الدمار ، إما بقارعة من الله عاجلة – كما كان يحدث فى التاريخ القديم – وأما بالانحلال البطئ الفطرى الطبيعى الذى يسرى فى كيات الأمم – مع الزمن – وهى توغل فى متاهة الذنوب .

(( وأمامنا فى التاريخ القريب نسبياً الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقى والدعارة الفاشية ، واتخاذ المرأة فتنة وزينة ، والترف والرخاوة والتلهى بالنعم . أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله فى انهيار الإغريق والرومان – وقد أصبحوا أحاديث – وفى الانهيار الذى تتجلى أوائله وتلوح نهايته فى الأفق فى أمم معاصرة كفرنسا وإنجلترا – كذلك – على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض )) .

(( إن التفسير المادى للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفاً باتاً من تفسيره لأطوار الأمم وأحدث التاريخ ، ذلك أن وجهته ابتداء هى استبعاد القاعدة الاعتقادية التى يقوم عليها ، ولكن هذا التفسير يضطر إلى ممحاكات مضحكة فى تفسير أحداث وأطوار فى حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية )) .

(( و التفسير الإسلامى بشموله وجديته وصدقه وواقعيته ، لا يغفل أثر العناصر المادية – التى يجعلها التفسير المادى هى كل شئ – ولكنه يعطيها مكانها الذى تستحقه فى رقعة الحياة العريضة ، ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التى لا ينكرها إلا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود .. يبرز التغير الداخلى فى الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات ، ويبرز السلوك الواقعى والعنصر الأخلاقى ، ولا يفعل عاملاً واحداً من العوامل التى تجرى بها سنة الله فى الحياة )) (5) .

إن سيد يؤكد فى هذا العرض جملة أمورعن التفسير الإسلامى للتاريخ ، وهو يقوم بهذا ( التفسير ) فى تعاملة مع الآية المذكورة : ناموسية الحركة التاريخية ، انكماش التفسير المادى للتاريخ برفضه هذه القيم ، واضطراره – أحياناً – إلى اعتماد (( المماحكات المضحكة )) فى تفسير أحداث وأطوار فى تاريخ البشرية لاسبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية .. شمولية التفكير الإسلامى – بالتالى – وصدقه وواقعيته . فهناك اعتراف بالعناصر المادية ضمن المساحة التى تشتغلها فعلاً فى صياغة الواقعية التاريخية ، وهناك – أيضاً – سائر العناصر الفعالة الأخرى التى ليس إنكارها من العلم فى شئ : قدر الله ، التغير الداخلى فى الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات ، السلوك الواقعى والعنصر الأخلاقى .

إنها جميعاً تصنع التاريخ ، وبدون اعتمادها جميعاً لا يمكن تفسير التاريخ ، تلك هى شمولية الرؤية الإسلامية وجديتها  وصدقها وواقعيتها .

إن سيد ما إن تتهيأ له الفرصة لتقديم عرض نقدى مقارن بين تفسير الإسلام وتفاسير الوضاعين ، وبخاصة طبقة الماديين منهم ، إلا انتهازها لكى يبين المدى الواسع فى القدرة على الاستشراف بالنسبة للموقف الإسلامى والحفر الضيقة التى تختنق فيها الرؤى والتفاسير الوضعية .

☼☼☼

وعبر (الظلال) ذى الثلاثين جزء نستطيع أن نضع أيدينا على مساحات واسعة مما يمس التفسير الإسلامى للتاريخ من قريب أو بعيد ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، فما ثم من مسألة لها عاقة بالموضوع إلا ونجد سيد يقول كلمته فيها من خلال تفسيره لهذا المقطع أو ذاك ، ولهذه الآية أو تلك ، ومن خلال مقدماته التحليلية الخصبة لسور القرآن وبخاصة تلك التى تحدثت عن وقائع تاريخية مما شهده عصر الرسالة .

إن سيد يحدثنا عن القدر والحرية ، عن البعد الغيبى ، عن دور الإنسان فى صياغة الحدث التاريخى ، عن تركيب الإنسان ومزاياه ومثالبه ، وعن الفردية الجماعية ، عن تهيئة العالم لاستقبال الإنسان .. عن خلق آدم وشروط الخلق ، والغاية النهائية منه ، عن استخلاف الإنسان فى الأرض وطبيعة الدور الذى يتحتم أن ينفذه فيها ، عن تسخير العلم والطبيعة والأشياء لمهمة الإنسان ، عن الصراع الذى يلف الجزئيات والذرات والمخلوقات والأجرام فيحركها ويدفع بها إلى الإمام ، ويدفع بها إلى الشروط التى تمكن التجربة التاريخية من الديمومة والتواصل، ونقائضها التى تقودها إلى التفكك والانهيار ، عن التغير الذاتى الذى هو مفتاح الحركة التاريخية والذى يتحقق بالصيغ التى تختلف كلية عن صيغ التفاسير الوضعية وعلى رأسها المادية التاريخية .

وغير هذه الخطوط العريضة ، مسائل ( فرعية) أخرى كثيرة يغرسها سيد فى ( الظلال ) لكى ترفد التصور الشامل للتفسير الإسلامى للتاريخ .

يمكن القول – بشكل عام  : – إن نقاط الارتكاز التى يمكن وضع اليد عليها بحثاً عن النسيج التفسيرى التاريخى فى (الظلال)  هى تلك السور التى تنزلت مساحات واسعة منها لكى تتحدث عن هذه المعركة أو تلك من معارك عصر الرسالة فتغطى جانباً من مجرياتها ، ولا وتلامس أحداثها ، وتعلق على وقائعها لكى تمنح الجماعة الإسلامية خبرات حية مستمدة من صميم التجربة التى يصنعوها ويعيشونها .

وهذه السور هى وفق التسلسل التاريخى للأحداث التى تعاملت معها : الأنفال ( عن معركة بدر) ، آل عمران (عن معركة أحد) ، الحشر (عن معركة بنى النضير) ، الأحزاب (عن معركة الخندق) ، الفتح ( عن صلح الحديبية) ، والتوبة ( عن معركة تبوك) .

طبعاً : إن هناك قطعاً أخرى عن أحداث السيرة وقائعها منبثة فى ثنايا القرآن ، ولكننا نشير هنا إلى المساحات الأوسع فحسب .

☼☼☼

فى تفسيره لسورة الأنفال ، باعتبارها أول معركة حاسمة بين الإيمان والكفر ، يقف سيد طويلاً لطرح وتحليل نظرية الجهاد الإسلامى فيخصص لها أربعاً وثلاثين صفحة شكلت فيما بعد موضوعاً مستقلاً فى كتاب (المعالم) ، وقد اقتبس خلالها قطعة واسعة من كتاب أبى الأعلى المودودى (الجهاد فى سبيل الله) ، كما أنه اعتمد فى البداية على ذلك التلخيص الذى قدمه الإمام ابن القيم عن سياق الجهاد فى الإسلام فى ( زاد المعاد) .

ويكاد يكون هذا التحليل للجهاد أدق تحليل لذلك المبدأ الإسلامى الخطير ، وأكثرها نفاذاً ، وأشملها رؤية ، وأقدرها على استكناه الروح الحقيقية التى تسرى فى نسيج هذه الفاعلية ودمها وعصبها وشرايينها ،مستمدة من الرؤية القرآنية ومعطيات السيرة ، بعيداً عن الإسقاطات الخاطئة المضللة التى ألحقت بالجهاد فيما يعد مكراً أو جهلاً …

والجهاد ، على ذلك ، واحداً من المفاتيح الكبيرة التى ( تفسر) الكثير من وقائع التاريخ ، وتلقى الضوء على معطياته وهى تنمو وتتطور ، أو تنكمش وتضمحل وتزول … ليس تاريخ الرسالة وحدها ، ولا تاريخ عصر الراشدين وحده ، ولكنه كل تاريخ تكون فييه مواجهة بين الإسلام والخصوم .

ولن يتسع المجال هنا بطبيعة الحال لاستعراض ، أو حتى لتلخيص هذا المنظور المتماسك لمفهوم الجهاد ويكفى أن نحيل القارئ إليه (6) .

يمضى سيد بعد ذلك لكى يستعرض وقائع معركة بدر وملابساتها من أجل تهيئة الأرضية التى سيقيم عليها تفسيره للمعطيات القرآنية عن هذا الحدث الحاسم ( وسنرجع إلى ذلك مرة أخرى لدى الحديث عن معطيات سيد كباحث فى التاريخ الإسلامى ) . ثم يختم استعراضه ذاك بقوله : (( فى هذه الغزوة التى أجملنا عرضنها بقدر المستطاع ، نزلت سورة الأنفال ، نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة ، وتعرض وراءها فعل القدرة المدبرة ، وتكشف عن قدر الله وتدبيره فى وقائع الغزوة ، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشرى كله ..) (7) .

وكعادته عبر منهجه التفسيرى ذى الرؤية الشمولية يقدم الرجل عرضاً للخطوط الرئيسية للسورة ثم يختم العرض بقوله : (( لقد كانت هذه الغزوة هى أول وقعة كبيرة لقى فيها المسلمون أعداءهم من المشركين ، فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة ؛ ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية ، لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم ، فأراد الله للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة ؛ أراد الله لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاه قريش الذين جمدوا الدعوة فى مكة ، ومكروا مكرهم لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى لقد أراد الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل ، وفرقاناً فى خط سير التاريخ الإسلامى ، ومن ثم فرقاناً فى التاريخ الإنسانى ، وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم ، وتدبير رب البشر لهم ولو كرهو فى أول الأمر . كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر وعوامل الهزيمة وتتلقاها مباشرة من يد ربها ووليها وهى فى ميدان المعركة وأمام مشاهدها .

((وتضمنت السورة التوجيهات الموجبة إلى هذه المعانى الكبيرة .. مصوغة فى أسلوب التوجيه المربى الذى ينشئ التصور الاعتقادى ويجعله هو المحرك الأول والأكبر فى النشاط الإنسانى ؛ وهذه سمة المنهج القرآنى فى عرض الأحداث وتوجيهها ..

واستطرد السياق أحياناً إلى صورة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه فى مكة ، وهم قلة مستضعفون فى الأرض ، يخافون أن يتخطفهم الناس .

وذلك ليذكروا فضل الله عليهم فى ساعة النصر ، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله وبهذا الدين الذى آثروه على المال والحياة وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله صلى الله عليهم وسلم وبعدها ، وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم لتقريرسنة الله التى لا تختلف فى الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه )) (8) .

فهاهنا نضع أيدينا على بعض الخيوط التى تسهم فى نسيج التفسير الإسلامى للتاريخ : رؤية الله سبحانه ورؤية الإنسان ، فعل الله سبحانه فى التاريخ وفعل الإنسان ، عوامل الهزيمة ، العقيدة كمحرك للواقعية التاريخية ، مصائر المؤمنين ومصائر الكافرين فى العالم ، القوى المنظورة والقوى الغيبية فى صياغة التاريخ ، السنن الإلهية التى لا تتغير ولا تتبدل كلما اجتمعت الأسباب .

فمن خلال هذه المعركة الفاصلة التى لم تتعد الساعات ، أراد القرآن الكريم أن يعلم الجماعة المؤمنة الكثير من مبادئ الحركة التاريخية وقوانينها ؛ لكى يعرفوا كيف يسوقونها – بإرادة الله – صوب الهدى المرتجى ؛ ولكى يكونوا أكثر قدرة على تغيير خرائط العلم وإعادة صياغته من جديد كيلا تكون فتنة ويكون الدين لله .

وشتان بين جماعة تعرف مبادئ وقوانين الحركة التاريخية ، وتتوافق معها ، وتنبنى عليها ، وتختزل الوقت والطاقة وصولاً إلى الهدف ، وبين جماعة أخرى تجها هذه المبادئ فترتطم بها ، ولا تستفيد من طاقتها ووقتها شيئاً أكبر بكثير من الحجم المطلوب ، وقد لا تصل إلى هدفها أبداً .

إن الماركسين يصرون – خطأ واستكباراً – على أنهم هم الذين اكتشفوا قوانين الحركة التاريخية ، فسعوا إلى استغلالها لحسابهم من أجل التعجيل والتسريع بتحقيق أهدافهم . لكننا نجد هنا ما يضرب هذه المقولة الخاطئة ، ويبين للناس كيف أراد القرآن الكريم أن يمنحهم وعياً أعمق بهذه القوانين يمكنهم من تنفيذ برامجهم وتثبيت وجودهم العقيدى فى العالم .

إن سيد ، عبر تفسيره لسورة الأنفال يقفنا أمام حشد من تلك القوانين :

1- الأسباب وحدها لا تنشئ النتائج ، إنما هناك ما يفوقها فاعلية ، بل ما يحيط بها ويمنحها القدرة على العمل : إنه قدر الله .

والاتكال على الله والتسليم بقدره لا يمنع – مطلقاً – اتخاذ الأسباب ؛ فإنهما متكاملان متناغمان متواصلان ، وليسا – كما يتصور البعض متعارضين – متقاطعين ومتضادين .

والقوانين الطبيعية لا تملك حتميتها المستقلة ، المنظورة ، فيما ينفى قدر الله وغيبه ،فإن التحليل العلمى نفسه يقود إلى تأكيد هذا الغيب فى صميم الطبيعة ، وفى تركيب قوانينها العاملة . وإن تجاوز الاستسلام للأسباب الظاهرة هو الفعل التاريخى والعقيدى الوحيد الذى يحرر الإنسان ويمكنه ، فى الوقت نفسه ، من صياغة وجود مصيره بما يشبه القفزات ، إنه ليس ثمة ( عبودية) أبداً لغير الله ، لا للأسباب الحتمية ولا لإرادة الطبيعة ولا لغيرها من المسميات .

وذلك هو ملمح أساسى أصيل يفرق بين التفسير الإسلامى للتاريخ وبين غيره من تفاسير الكهنة والوضاعين . ولنتابع بعض التفاصيل مما يريد سيد أن يقوله : (( ليس الاتكال على الله وحده بمانع من اتخاذ الأسباب . فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب الإيمان بالله وطاعته فيما أمر به من اتخاذها ، ولكنه لا يجعل الأسباب هى التى تنشئ النتائج فيتكل عليها ؛ إن الذى ينشئ الأسباب – هو قدر الله ، ولا علاقة بين السبب عبادة بالطاعة ، وتحقق النتيجة قدر من الله مستقل عن السبب لا يقدر عليه إلا الله على استيفائها .

(( ولقد ظلت الجاهلية ( العلمية !) الحديثة التى تلح فيما تسميه ( حتمية القوانين الطبيعية ) ؛ وذلك لتنفى ( قدر الله) ، وتنفى  (غيب الله ) حتى وقفت فى النهاية عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها أمام غيب الله وقدر الله وقفة العاجز عن التنبؤ الحتمى ، ولجأت إلى نظرية (الاحتمال) فى عالم المادة ؛ فكل ما كان حتمياً صار احتمالياً ، وبقى الغيب سراً مختوماً ، وبقى قدر الله هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة ، وبقى قول الله سبحانه { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } هو القانون الحتمى الوحيد الذى يتحدث بصدق عن طلاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التى يدبر الله بها هذا الكون بقدره النافذ الطليق .

(( .. هذه هى النقلة الضخمة التى ينقلها الاعتقاد الإسلامى للقلب البشرى وللعقل البشرى أيضاً – النقلة التى تخبطت الجاهلية الحديثة ثلاث قرون لتصل إلى أولى مراحلها من الناحية العقلية ، ولم تصل إلى شئ منها فى الناحية الشعورية ، وما يترتب عليها من نتائج عملية خطيرة فى التعامل مع قدر الله ، والتعامل مع الأسباب والقوى الظاهرية ؛ إنها نقلة التحرر العقلى ، والتحرر الشعورى ، والتحرر السياسى ، والتحرر الاجتماعى ، والتحرر الأخلاقى ، إلى آخر أشكال التحرر وأوضاعه وما يمكن أن يتحرر ( الإنسان) أصلاً إذا بقى عبداً للأسباب (الحتمية) وما وراءها من عبوديته لإرادة الناس أو عبوديته لإرادة ( الطبيعة) ، فكل (حتمية) غير إرادة الله وقدره هى قاعدة العبودية لغير الله وقدره ..

والتصور الاعتقادى فى الإسلام كل متكامل ، ثم هو بدوره كل متكامل مع الصورة الواقعية التى يريدها هذا الدين لحياة الناس )) (9) .

2- أن النتائج التاريخية لا تأتى بالتمنى ، ولكن بالجهد والجهاد وبالمعناة فى عالم الواقع وفى ميدان القتال .

وأن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة وحدهما ، ولكنه بمقدار الاتصال بالله والاستمداد من قوته .

وأنه ليس كل ما يريده الناس خيراً لأنفسهم ، فهناك من وراء رؤية الإنسان المحدودة ، رؤية شاملة مطلقة قد تختار لهم ما لا يشتهون ولكنها تسوقهم إلى المصائر التى ينتمون { فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا } (10) .

(( لقد أراد الله – لمعركة بدر – أن تكون ملحمة لا غنيمة ( كما تمنى المسلمون قبل وقوعها) وأن تكون موقعة بين الحق والباطل ، ليحق الحق ويثبته ويبطل الباطل ويزهقه ، وأراد أن يقطع دابر الكافرين ..

ويمكن للعصبة المسلمة التى تعيش بمنهج الله ، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله فى الأرض وتحطيم طاغوت الطواغيت ، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف ، وبالجهد والجهاد ، وبتكاليف الجهاد ومعاناته فى عالم الواقع وفى ميدان القتال .

(( نعم . لقد أراد الله للعصبة المسلمة أن تصبح أمة ، وأن تصبح دولة ، وأن يصبح لها قوة وسلطان . وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقة إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها ! وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة ، وليس بالمال والخيل والزاد ، إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التى لا تقف لها قوة العبادة وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية ، لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبى ..

(( فأين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها مما أراده الله لها ؛ لقد كانت تمضى وكانت لهم قافلة أبى سفيان – قصة غنيمة ، قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها ؛ فأما بدر فقد مضت فى التاريخ كله قصة عقيدة ، قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل . قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل ذاد ، الحق فى قلة من العدد ، وضعف فى الزاد والراحلة ، قصة انتصار قلوب من بينها الكارهون للقتال ! ولكنها بيقينها الثابتة المستعلية على الواقع المادى ، وبيقينها فى حقيقة القوى وصحة موازينها ، قلبت ميزان الظاهر فإذا الحق راجع غالب .. )) (11) .

3- أن الإنسان المؤمن ليس وحده فى الساحة ، فهنالك قوى أخرى قد تكون منظورة حيناً ، غير مرئية حيناً آخر ، تبعث بها إرادة الله سبحانه لكى تعين الجماعة المؤمنة على تحقيق النصر والاقتراب من الأهداف .

وإن مقولة فاعلية وسائل الإنتاج ، والقدرات اللامحدودة للقوى المادية ، ليس سوى خرافة تنبثق عن رؤية نسبية محدودة قاصرة لما يجرى فى ساحة الكون والعالم والحياة {وما يعلم جنود ربك إلا هو } (12) .

إن المعركة كلها تدار بأمر الله ومشيئته ، وتدبيره وقدره ، وتسير بجند الله وتوجيهه ؛ إن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها فى ذلك اليوم  وهى قلة والأعداء كثيرة ؛ وإن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذى يصفه الله – سبحانه – كلماته ..

(( لقد استجاب لهم ربهم وهم يستغثيون ، وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين .. لقد كان حسب المسلمين أن يبذلوا ما فى طوقهم فلا يستبقوا منه بقية ، وأن يغالبوا الهزة الأولى التى أصابت بعضهم فى مواجهة الخطر الواقعى وأن يمضوا فى طاعة أمر الله واثقين بنصر الله ، كان حسبهم هذا لينتهى دورهم ويجئ دور القدرة التى تصرفهم وتدبرهم ..

وأنه لحسب العصبة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت فى المعركة ، ثم يجئ النصر من عند الله وحده .. )) (13) .

4- أنه ليس من قبيل الصدف والفلتات أن ينصر الله العصبة المؤمنة ، وأن يسلط على أعدائها الرعب وينتهى بها إلى الهزيمة ، فتلك هى سنة الحياة ، وذلك هو واحد من أشد قوانين التاريخ ديمومة وثباتا . وإنه بمجرد أن نستعرض مسيرة الصراع بين الأنبياء عليهم السلام وأصحابهم ، وبين خصومهم ومعارضيهم تتبين لنا ناموسية الحركة التاريخية التى تؤل إلى انتصار الإيمان على الكفر .

(( إنها ليست فلتة عارضة ، ولا مصادفة عابرة ، أن ينصر الله العصبة المسلمة ، وأن يسلط على أعدائها الرعب والملائكة مع العصبة المؤمنة ، إنما ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله ، فاتخذوا لهم شقاً غير شق الله ورسوله وصفاً غير صف الله ورسوله ، ووقفوا موقف الخلف والمشاقة هذا ، يصدون عن سبيل الله ويحلون دون منهج للحياة )) .

(( قاعدة وسنة ، لا فلتة ولا مصادفة ؛ قاعدة وسنة أنه حيثما انطلقت العصبة المسلمة فى الأرض لتقرير ألوهية الله وحده ، وإقامة منهج الله وحده ، ثم وقف منها عدو لها موقف المشاقة لله ورسوله ، كان التثبيت والنصر للعصبة المسلمة ، وكان الرعب والهزيمة للذين يشاقون الله ورسوله ، ما استقامت العصبة المسلمة على الطريق ، واطمأنت إلى ربها وتوكلت عليه وحده وهى تقطع الطريق … )) (14) .

(( إن الله سبحانه وتعالى لا يكل الناس إلى فلتات عابرة ولا إلى جزاف لا ضابط له ، إنما هى سنته ُيمضى بها قدره . وما أصاب المشركين فى يوم بدر هو ما يصيب المشركين فى كل وقت وقد أصاب آل فرعون والذين من قبلهم … )) (15) .

5- والإنسان فى التصور الإسلامى للتاريخ عنصر إيجابى فى صياغة المصير ، وهو يملك فى أية لحظة القدرة على التغيير ، فهو – من ثم ليس مجرد أداة لما تسميه المذاهب الوضعية ( الحتميات التاريخية) تفعل به ما تشاء ؛ إن الإنسان أقدر وأكرم من هذا بكثير .

وفى تفسيره للآية { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } (16) ، يقول سيد : (( إنه من جانب ، يقرر عدل الله فى معاملة العباد ، فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ، ويبدلوا سلوكهم ، ويقلبوا أوضاعهم ، ويستحقوا أن يغيروا ما بهم مم أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التى لم يقدروها ولم يشكروها . وفى الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنسانى أكبر تكريم ، حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجرى عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ، ويجعل التغيير القدرى فى حياة الناس مبنياً على التغيير الواقعى فى قلوبهم ونواياهم ، وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التى يختارونها لأنفسهم . ومن الجانب الثالث يلقى تبعة عظيمة – تقابل التكريم العظيم – على هذا الكائن . فهو يملك أن وستبقى نعمة الله ويملك أن يزداد عليها إذا هو عرف فشكر ، كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر فبطر وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه .

(( وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانباً من جوانب ( التصور الإسلامى لحقيقة الإنسان وعلاقة قدر الله به فى هذا الوجود ، وعلاقته هو بهذا الكون وما يجرى فيه . ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن فى ميزان الله ، وتكريمه بهذا التقدير ، كما تتبين فاعلية الإنسان فى مصير نفسه وفى مصير الأحداث من حوله ، فيبدو عنصراً إيجابياً فى صياغة هذا المصير – بإذن الله وقدره الذى يجزى من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه ، وتنتفى عنه تلك السلبية الذليلة التى تعرضها عليه المذاهب المادية التى تصوره عنصراً سلبياً إزاء الحتميات الجبارة : حتمية الاقتصاد ، وحتمية التاريخ ، وحتمية التطور .. إلى آخر الحتميات التى ليس للكائن الإنسانى إزاءها حول ولا قوة ، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تعرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول . كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء فى حياة هذا الكائن ونشاطه ، تصور عدل الله المطلق فى جعل هذا التلازم سنة من سننه يجرى بها قدره ولا يظلم فيها عبد من عبيده .. )) (17) .

6- فى التفاسير الوضعية للتاريخ كان الشعار فى معظم الأحيان هو ( الغاية تبرر الواسطة ) ، وكان بمقدور البطل فى التمثيل المثالى لهيجل أن يفعل ما يشاء ، وأن يتجاوز القيم الخلقية ويسحق الزهرات البيضاء ؛ لأنه لا يفعل أكثر من الاستجابة لنداء العقل الكلى من أدجل التقدم . وما كانت النازية والفاشية فى نهاية الأمر إلا ثمرة مرة لهذا التصور المخطوء ، لقد وجدنا فى فلسفة هيجل الكثير من المبررات والحجج والأسانيد . وكان بمقدور ( الطبقة) فى التفسير المادى لماركس وإنجلز أن تفعل ما تشاء : أن تقتل وتستبعد وتسفك الدماء وتسعى فى الأرض فساداً ؛ لأنها لا تفعل أكثر من الاستجابة لمنطق التبدل فى وسائل الإنتاج وظروفه ، وما كانت الشيوعية فى نهاية الأمر إلا ثمرة مرة لهذا التصور المخطوء ، ولقد وجدت فى فلسفة ماركس وإنجلز ونبوءاتها وحتمياتها الكثير من الحجج لتنفيذ أبشع الصيغ للمبدأ الماكيافللى الغربى المعروف : ( الغاية تبرر الواسطة) .

فى التصور الإسلامى نقف إزاء هذا النداء { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } (18) .

(( إن الإسلام يعاهد ليصون عهده ، فإذا خاف الخيانة من غيره نبذ العهد القائم جهره وعلانيته ، ولم يخن ولم يغدر ، ولم يغش ولم يخدع ، وصارع الآخرين بأنه نفض يده من عهده ، فليس بينه وبينهم أمان . وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة والأمن والطمأنينة … إنه يريد للبشرية أن تعف فلا يبيح الغدر فى سبيل الغلب ، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد ، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة … إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة ، وليس مسلماً من يبرر الوسيلة بالغاية ، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامى ؛ لأنه لا انفصال فى تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات …)) (19) .

7- والقوة المادية ليست الحكم الأول والأخير فى مصير أى صراع ، سواء بحسابات الكم أم النوع ، فإن هنالك – فى التفسير الإسلامى للتاريخ – قوة تفوقها وتسوقها فى الوقت نفسه ، إنها قوة الإيمان ، توهج الروح واستنارة الفكر ويقين الفؤاد .

إن المنظور الإسلامى يكسر المعادلات التقليدية لتكافؤ القوى ويصنع معادلة من نوع جديد .. معادلة مركبة من عدة درجات لن يستطيع إدراكها والتعامل بمنطوقها إلا الذين يصنعونها وينفذونها ..

لقد كان الفاتحون الرواد بعض أولئك الذين تيقنتها نفوسهم ، كانوا فى معظم الأحيان الأقل عدداً ولكنهم كانوا فى معظم الأحيان يخرجون منتصرين . وبدون إدراك هذا البعد فى ميدان الصراع لن يكون بمقدورنا أن تفسر واحدة من أشد الظواهر التاريخية تأثيراً وتألقاً واتساعاً .. الفتح الإسلامى .

بينما فى التفاسير الوضعية يبدو الرقم البسيط المجرد هو الحكم الفصل فى المصير ، ولهذا كثيراً ما تعجز عن تفسير ظواهر تاريخية كهذه فتلفق لها الأسباب :

{ يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين } (20) .

(( ويقف الفكر ليستعرض القوة التى لا راد لها ولا معقب عليها ، قوة الله القوى العزيز ، وأمامها تلك القوة الضئيلة العاجزة الهزلية ، التى تتصدى لكتائب الله – فإذا الفرق شاسع والبون بعيد ، وإذا هى معركة مضمونة العاقبة مقررة المصير )) .

(( فأما تعليل هذا التفاوت فهو ، { بأنهم قوم لا يفقهون } ..فما صلة الفقه بالغلب فى ظاهر الأمر ؛ إنها صلة حقيقية قوية . إن الفئة المؤمنة إنما تتماز بأنها تعرف طريقها وتفقهه منهجها وتدرك حقيقة وجودها وغايتها . إنها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية فتفقه أن الألوهية لا بد أن تتفرد وتستعلى ، وأن العبودية يجب أن تمون لله وحده بلا شريك . وتفقه أنها هى – الأمة المسلمة – المهتدية بهدى الله ، المنطلقة فى الأرض بإذن الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، وأنها هى المستخلفة عن الله فى الأرض ، الممكنة فيها الا تستعلى هى وتستمتع ولكن لتعلى كلمة الله وتجاهد فى سبيله ولتعمر الأرض بالحق وتحكم بين الناس بالقسط .. وكل ذلك فقه يكسب فى قلوب العصبة المسلمة النور والثقة والقوة واليقين ، ويدفع بها إلى الجهاد فى سبيل الله فى قوة وطمأنينة للعاقبة تضاعف القوة ، بينما أعداؤها ( قوم لا يفقهون ) ، قلوبهم مغلقة ، وبصائرهم مطموسة ، وقوتهم كليلة عاجزة مهما تكن متفوقة ظاهرة ، إنها قوة منقطعة معزولة عن الأصل الكبير .

(( وهذه النسبة ، واحد لعشرة ، هى الأصل فى ميزان القوى بين المؤمنين الذين يفقهون والكافرين الذين لا يفقهون .

وحتى فى أضعف حالات المسلمين الصابرين فإن هذه النسبة هى واحدة لاثنين )) (21) .

8- أن آصرة التجمع والقاعدة التى ينطلق منها المجتمع الإسلامى ويقوم عليها هى العقيدة ، ليست علاقات الدم ، ولا علاقات الأرض ، ولا علاقات الجنس ، ولا علاقات التاريخ ، وعلاقات اللغة ، ولا علاقات الاقتصاد ، ولا العلاقات الطبقية ؛ ليست هى القرابة ولا العرقية ولا المصالح الاقتصادية ؛ إنما هى علاقة العقيدة أولاً وأخيراً .

(( لقد كان الإسلام يستهدف من خلال ذلك إبراز ( إنسانية الإنسان ) ، وتقويتها وتمكينها وإعلاءها على جميع الجوانب الأخرى فى الكائن يشترك مع الكائنات الحيوانية – بل الكائنات المادية – فى صفات توهم أصحاب ( الجهات العلمية ) مرة بأنه حيوان كسائر الحيوان ، ومرة بأنه مادة كسائر المواد ؛ ولكن الإنسان مع اشتراكه فى هذه (الصفات) مع الحيوان ومع المادة له (خصائص) تميزه وتفرده وتجعل منه كائناً فريداً ، كما اضطر أصحاب ( الجهالة العلمية) أخيراً أن يعترفوا والحقائق الواقعية تلوى أعناقهم لياً فييضطرون لهذا الاعتراف فى غير إخلاص ولا صراحة .

(( والإسلام – بمنهجه الربانى – يعمد إلى هذه الخصائص التى تميز ( الإنسان) وتفرده بين الخلائق ، فيبرزها وينميها ويعليها . وهوحين يجعل آصرة العقيدة هى قاعدة أساسها وجود الأمة المسلمة ، إنما يمضى على خطته تلك ، فالعقيدة تتعلق بأعلى ما فى ( الإنسان من ” خصائص “) .

(( إنه لا يجعل هذه الأخيرة هى النسب ، ولا اللغة ، ولا الأرض ، ولا الجنس ، ولا اللون ، ولا المصالح ، ولا المصير الأرضى المشترك فهذه كلها أواصر يشترك فيها الحيوان مع الإنسان ، وهى أشبه شئ بأواصر القطيع . أما العقيدة التى تفسر للإنسان وجوده ، ووجود هذا الكون من حوله ، وترده إلى ما هو أعلى من هذه المادة وأكبر وأسبق وأبقى ، فهى أمر آخر يتعلق بروحه وإدراكه المميز له من سائر الخلائق ، والذى يقرر (إنسانيته) فى أعلى مراتبها حيث يخلف وراءه سائر الخلائق )) .

(( ثم إن هذه الأخيرة – آصرة العقيدة والتصور والفكرة والمنهج – هى آصرة حرة ، يملك الفرد الإنسانى اختيارها بمحض إرادته الواعية فأما أواصر القطيع تلك فهى مفروضة عليه فرضاً ، لم يخترها ولا حيلة له كذلك فيها . إنه لا يملك تغيير نسبه الذى نماه ، ولا تغيير الجنس الذى ولد به فهذه كلها أمور قد تقررت فى حياته قبل أن يولد ، لم يكن له فيها اختيار . كذلك مولده فى أراضى بعينها ، ونقطة بلغة بعينها بحكم هذا المولود ، وارتباطه بمصالح مادية معينة ومصير أراض معين – مادامت هذه هى أواصر تجمعه مع غيره – كلها مسائل عسيرة التغيير ، ومجال (الإرادة الحرة) فيها محدود . ومن أجل هذا كله لا يجعلها الإسلام هى آصرة التجمع الإنسانى ؛ فأما العقيدة والتصور والفكرة والمنهج ، فهى مفتوحة دائماً للاختيار الإنسانى ، ويملك فى كل