سمينار

تدريس العلوم الشرعية

سيمنار

د. جمال الدين عطية:

بسم الله الرحمن الرحيم

إن أهمية موضوع تدريس العلوم الشرعية لا تخفى على أحد؛ وذلك لأن من أهم مشاكلنا، ولعلها أهمها على الإطلاق، هي مشكلة الازدواج الثقافي. وتطوير تدريس العلوم الشرعية يعد أحد الحلول والمداخل الطبيعية لحل هذه المشكلة، بما يضمن امتصاص العلوم الاجتماعية والطبيعية وتكييفها وفقًا للشريعة، وبذلك تعود الثقافتان إلى ثقافة واحدة.

ومحدثنا في هذا الموضوع هو أستاذنا الشيخ «محمد الغزالي»، وهو خير من يتحدث فيه علمًا وخبرةً وتجربةً، واعتقد أنه غني عن التعريف، فليتفضل:

الشيخ محمد الغوالي:

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، أيها الإخوة لا بأس أن أبدأ حديثي بطرفة وقعت لصديقي الشيخ عبد المعز عبد الستار([i]) وهو زميل دراسة وكان من قادة جماعة الإخوان المسلمين فقد كان يحب التحدث للجماهير وقد حضر الفقه على المذهب الحنفي –كما حضرته أنا على المذهب الحنفي- وأراد أن يذهب ليدرّس في مسجد قريته في فاقوس، فأخذ كتاب «الإيضاح»([ii]) وهو كتاب الفقه الذي درسناه، ثم شرع يقول للناس أول سطور الكتاب وهي أن المياه سبعة: ماء البحر، وماء النهر، وماء البَرَد، وماء الثلج، وماء المطر، ماء العين، وماء البئر، فقال له أحد الحاضرين: إن المياه موجودة بالصنبور… فما هي المياه السبعة التي تتحدث عنها، فطوى كتابه وهرب! فالكتاب مؤلف يوم كانت المياه هكذا، وحين كان طلب المياه للوضوء أو الغسل شيئًا عسيرًا وبقى الكتاب كما هو يدرس للآن. قد تكون هذه القصة مثار ضحك؛ ولكنه ضحك أشبه بالبكاء كما يقول أبو الطيب. وقد كنت أسمع إذاعة المملكة العربية السعودية، وأسمع المفتي يتحدث وكان يشرح قوله تعالى {فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وقصاص السن بالسن والعين بالعين معروفة ولكن المشكلة فيما إذا حدث جرح لا يمكن تحديده وأخذ القصاص منه، وقد سمى الفقهاء الجراحات بأسماء مختلفة، كالشجاج والدامغة والجائفة… الخ.

المهم أن الشارح أو المفتي أو المذيع قال: إذا ضرب شخص شخصًا آخر وأحدث به ما يسمى في العصر الحاضر «ارتجاج بالمخ» فكيف يتم القصاص منه أو ما الذي يصنع به؟ فالقصاص هنا مستحيل لنه قد يتم ضربه ضربة تؤدي إلى موته. وهنا لابد من تعويض، فكيف يتم التعويض؟ فقال أن نفرض هذا المعتدي عليه عبدًا ونرى كم ثمنه عليلاً، ثم ثمنه وهو صحيح، والفرق بين الثمنين الصحيح والعليل يدفعه المعتدى. هكذا كانوا يتعاملون في الماضي حيث كان الرق ولكن هذه الطريقة لا تصلح اليوم. وقد بقيت هذه الأفكار مجمدة في كتبنا الفقهية تجميدًا مؤسفًا ولا معنى له. وعندما كنت إمام مسجد في العتبة الخضراء خلف سوق الكانتو أحضرت ورقة وكتبت عليها: إذا أردت الوضوء فسمى الله وخذ الماء وأغسل يديك ثم أدخل الصلاة وراء الإمام وافعل ما يفعل الإمام؛ فإذا رابك شيء فاسأله. ففي صفحة من عشرة سطور أمكن تقديم الوضوء والصلاة! ولكنا الآن من الممكن أن نقرأ لابن حزم ما كتبه فيها في مجلدين تقريبًا مما يؤدي إلى إطالة الكلام في هذه الموضوعات إطالة كبيرة ولا تدري كيف تقع هذه الإطالة حتى أصبحت الأغسال كأنها عقد مع أنه من المفروض أنها مسألة عملية. والرسول ما فعل هذا وهو يُدرّس للناس الوضوء والطهارة، إنما قدمها في كلمات قلائل عملية تم بها تعليم الناس الغسل وانتهى الأمر!ولكن عندما تحول العمل بالدين إلى كلام فيه، تحول الفقه إلى كلام مكرر في أمور كان يمكن أن تكون سريعة وتؤدي على عجل، وقد كان ممكنًا لبعض الناس أن يذهبوا إلى كتب الفقه ويجردوها من هذه الأشياء التي ذكرناها يعيدوا صياغتها. وربما أول ما يعرض لهم حذف أبواب وصور الرق التي لا تزال تدرس إلى الآن. وبالطبع فإن الفقه بهذه الطريقة هو علم ميت، وما يبذل فيه من جهد هو جهد باطل. وذلك في الوقت الذي تغير فيه العالم تغيرًا يستدعي أن يتحول الفقه إلى علم عملي. وقد لاحظت أن أبا حنيفة كان له تلميذان مشهوران وهما «محمد بن الحسن الشيباني»([iii]) و«أبو يوسف»([iv]) وقد ألف أبو يوسف كتابه في الضرائب –أي في الخراج-: فدخل في صميم الحياة. كما ألف محمد بن الحسن الشيباني كتابه في السير الكبير في العلاقات الدولية؛ ودخل هو الآخر في صميم الحياة. وأنا ألحظ أن الفقه الإسلامي الآن فيه جانب ميت بيقين، وهو الناحية الدولية وسوف نتحدث في هذه الناحية الدولية حول قصة دار الإسلام ودار الحرب وكيف أُلْجِئنا إلى التعامل مع الآخرين بما فرضوه عليِنَا، فهم الذين فرضوا هذا ومع هذا فلدينا أخطاء حقيقية في الفقه في هذا الموضوع فالطالب يقرأ أن علاقتنا بالآخرين تدور حول «الإسلام أو الجزية أو الحرب» وهذا ما يدرسه الأزهريون جميعًا، وهو كلام لا أصل له من الناحية العلمية، فعلاقتي بالآخرين هي الدعوة وأنا أدعو الناس إلى الله وإلى الإسلام، ولا علاقة لي بأكثر من الدعوة، أنا أشبه برجل معه سلعة جديدة تشتمل على توحيد وعدالة، وديمقراطية، أعرضها على الآخرين؛ فإذا لم تعجبهم، أقول لهم: أتريدون ألّا تدخلوا في هذا الدين، فإذا قالوا: لا نريد أن ندل ولا أن نسمع منك، أقول لهم: لكم هذا ولكنني أطلب منك أمرين: الأمر الأول أن تدعني أذهب إلى الآخرين لأحدثهم، فهل تمنعني يقول: لا أمنعك! وإذا استجاب لي أحد أتعترض طريقه؟ فيقول: لا أعترض طريقه. فأقول: حسنًا لا صلة لي بك. وهذا نص الآية الكريمة {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}، أما إذا قال لي: سأمنعك من الكلام أو أمنع من استجاب لك من أتباعك، فإنني أقول له: إذن الحرب بيني وبينك! وهذا لا يقال له إما الإسلام وإما الجزية وإما الحرب. وهذا يوضح أننا قد نسينا الجزء الأول والأساسي وهو الدعوة. وقد يكون للنسيان سند، فقد كانت الأمة الإسلامية في الأيام الأولى شبه محتلة بالرومان من شمال الحجاز إلى تبوك وإلى مؤتة وبالفرس في الحيرة والعراق؛ ومن هنا كان القتال مثل قتال الفلسطينيين الآن مع بني إسرائيل الذين يحتلون أرضهم ليس فيه مقولة الإسلام أو الجزية أو الحرب، ولكنه مسألة غسل للأرض من أناس احتلوها من قرون، ولم نأنس فيهم إلا أنهم قتلة أو ظلمة. إن القانون الدولي لدينا لم يُدرس ولم توضح له أسس حسنة، ولم تؤخذ أسسه من الكتاب والسنة! أما القانون الدستوري فإنه قانون عجيب ليس موجودًا في الفقه الإسلامي أيضًا إذ كان الفقه يقتصر على بعض المعاملات التي تتصل بالعشيرة وبالمعاملات الساذجة البدائية وأعجب ما في تراثنا أننا نسمي الناس الذين يولوا الحاكم: «أهل الحل والعقد» وذلك في الوقت الذي نقول فيه أن الشورى معلمة لا ملزمة، فأين الحل والعقد؟ إذا كان أهل الحل والعقد لا يملكون شيئًا يقولوه للحاكم وهو يفعل ما يريد، فكيف يكونون أهل حل وعقد؟!

ومما سبق يتضح أن هناك خلطًا كبيرًا ولابد من إعادة النظر في الفقه الإسلامي كله موضوعًا ودراسةً وإلا فإن بقاء الفقه على النحو الذي يقدم به الآن ما هو إلا تضييع للوقت وللعمر وللفكر. فنحن قد درسنا «نور الإيضاح» للشُرُمْبُلالي([v]) ومتن القدوري وشرحه للميداني([vi])، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر([vii]). وهذه الكتب كلها تتكرر في موضوع واحد. أي أن السنوات الثلاث عشرة الأزهرية الابتدائية والإعدادية والثانوية كان يمكن أن تكون ثلاث سنوات فقط، وبعد اختصار الوقت من الممكن أن ندخل الدراسة الميدانية إذا أحببنا ولكن بعد تجريدها مما ذكرته، وبعد هذا يدخل القانون الدستوري والقانون الدولي في الشريعة والفقه ولكن في البداية يجب أن يقتصر الأمر على العبادات والمعاملات المعروفة والعادية!.

وأحيانًا تأتي أمثلة تنظر إليها فتعجب.. فعند دراسة الربا وأنا طالب –على سبيل المثال- أقول في نفسي ما معنى هذا الحديث وما شرحه لي أحد! «حيث الذهب بالذهب هاء وهاء ومثلاً بمثل، وكذلك الفضة» وأقول في نفسي ما معنى أن أعطي شخصًا كيلو قمح ويعطيني كليو قمح وكيف تسير هذه المعاملة؟ إلى أن قرأت بعد ذلك أن ابن القيم يقول إن هذه معاملة مقصود بها تحريم ربا الفضل وأن هذه ذريعة لتحريم النسيئة. وقد رفض معاوية ذلك.

المهم أن هناك أشياء كأنها عبادية تروى ولا تفهم، فكيف يكون هذا فقها وهو المعرفة ومن هنا لابد من إعادة النظر أولاً في مادة الفقه وفي الدراسة.

إذن كيف نعيد النظر في مادة الفقه؟

كان قد بدا لي في الماضي أن نبدأ في الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة، وبعد ذلك ندرس الفقه المذهبي معًا وفعلت هذا –وأنا مدير مساجد- ورتبت على الأئمة واخترت كتاب فقه السنة للشيخ «سيد سابق» وهو كتاب حسن وصغير. بالإضافة إلى الفقه المذهبي الذي يختاره الإمام حسب مذهبه، حنفي، أو مالكي، أو شافعي.. فهو حر في هذا. ولكنني بلوت من الناس ما جعلني أتراجع عن هذا، وأقول بتدريس الفقه المذهبي أولاً ثم الفقه المقارن على ضوء فقه السنة مع بعضهما، لماذا؟ لأنني وجدت الدخول في السنة دون وعي فقهي مالكي أو شافعي يعد خطرًا على القارئ ويجعله يفهم الأمور فهمًا قد يكون رديئًا. وعلى سبيل المثال فإن التفسير الذي وضعته «زينب الغزالي»([viii]) وأرسلته لي، وضعت فيه حديثًا يقول «بعثت بالسيف بين يديّ الساعة». رغم أنه من ناحية الرواية حديث ضعيف، ولو فرضنا أنه صحيح، فإنه يصبح في بعض الأوقات شعارًا فقط، بمعنى أن يأتي حديث آخر يقول «أنا نبي المرحمة وأنا نبي الملحمة»، ومعنى هذا أننا لسنا كالمسيحية التي تُضْرب على الخد الأيمن فتدير الخد الأيسر، وإنما بعث الرسول بالسيف عندما يكون الأمر محتاجًا للسيف. فالسيف موجود عندما يكون الأمر متعلقًا بالملحمة، وكما قال الشاعر العربي:

ولى فرس في الحلم بالحلم ملجم

 
  ولى فرس في الجهل بالجهل مسرّج

فمن شاء تقويمي فإني مقّوم

 
  ومن شاء تعويجي فإني معوّج

أو كما قال أبو الطيب([ix]):

ووضع الندى في موضع السيف بالعلى

 
  فصر موضع السيف في موضع الندى

ومن هنا فإن وضع الدليل مع الأحداث يحتاج إلى الفقه ومن بين الأئمة الأربعة الذين درستهم أبو حنيفة([x]) ومالك([xi]) والشافعي([xii]) وابن حنبل([xiii]) فإن ابن حنبل رغم أنه أقربهم إلى الأثر فإنه حقيقة رائع في أخلاقه ورجولته وصلابته وله فهم فيه دقة، أما الأئمة الثلاثة فقههم أو رأيهم العقلي رأي عجيب ففيهم ذكاء غير عادي. فعندما ظهر الشعر الأشيب في رأس أبي حنيفة قال له الحلاق لا تنزع الشعر الأشيب؛ لأن مكان الشعرة الواحدة تظهر شعرتان فقال أبو حنيفة إذن فانزع الشعر الأسود حتى يتضاعف! وهذا قول طريف وفيه شاعرية وليس فيهم جلافة كما يثار حولهم! وقد كان «مالك» لا يرى صلاة النافلة بعد العصر فكان أن قال له أحد الناس بعد صلاة العصر صل يا إمام.. اركع يا إمام.. فركع الإمام مالك ركعتين فقيل له: ليس هذا مذهبك، فقال: خشيت أن أكون ممن قيل فيهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ}؛ وهذه أيضًا نوع من الحساسية والشاعرية، فقد جمعوا بين الفقه وبين الحس المرهف. ونحن في دراستنا للفقه الإسلامي لابد أن ندرس هذا الفقه الجميل في الحقيقة. وأنا من أشد الناس كرهًا له في حياتي وإلى الآن أضيق بكتبي وربما والله ما نظرت في كتب الفقه إلا لأدفع عن الإسلام غائلة الجهلة الذين دخلوا في ميدانه ولهم فتاوى غريبة ولهم جهالات سقيمة اضطرتني للدخول فيه لكي أعرف الحقائق وقد رأيت حقائق كثيرة بعضها لابد منه فمن الخير أن يدرس الفقه! والواقع أن طبيعة ثقافتنا العامة مغشوشة، بمعنى أن كل علومنا كنوز ولكنها مخلوطة بأتربة لا حصر لها. فكما نستخرج البترول وننقيه، ونستخرج الذهب وننقيه؛ فنحن مضطرون إلى الخوض في هذه الكتب ولكن بعقل فيه شيء من النضارة والنقد والإدراك الصحيح، ثم نأخذ ما يقترب من الكتاب والسنة والفطرة السليمة؛ لأن الفطرة من مقاييس الإسلام، هذا بالنسبة للفقه. أما بالنسبة لعلم العقيدة وعلم التوحيد أو علم الكلام وهذا ما كان يجب أن نبدأ به فأنا أديم تلاوة القرآن الكريم وهذا من منن الله، والشيء الذي استيقنت منه أن القرآن أقام الأدلة على معرفة الله منتزعة من هذا الكون الذي نعيش فيه، والعقل الذي ينظر فيتأمل فيستنتج، وليست أدلة فلسفية أو نظرية. ليس أكثر من الالتفات إلى البديهيات مثل {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}؛ ومن هنا فإن البداية تكون بالأدلة العقلية من الكون الذي نعيش فيه، ثم من هذه الأدلة نقيم العقيدة. ولكن مع الأسف من عهد مبكر اضطربت علوم العقيدة عندنا واختلطت بالفلسفة الإغريقية التي لها نزعة غير النزعة الإسلامية فهي ترى أن المادة خسيسة وأن المعنويات هي الرفيعة. فالكون بجزئياته هابط ولكن الكليات العامة هي الرفيعة. والنظر لديهم ليس موجود أو موجود ولكن بطريقة غير كريمة أو غير سليمة أو غير كاملة. وقد ذكرت ذلك في كتابي «المحاور» أني أتعجب ماذا جعل المسلمين وهم أصحاب رسالة عالمية بدلاً من أن ينقلوا رسالتهم للعالم، ينقلوا خرافات الإغريق إلينا؟! يقول البعض إنه انفتاح.. وأقول والله لا بأس، قد يكون هذا انفتاح فعلاً، ولكن وجدت أن الناس الذين نقلوا الفلسفة الإغريقية كأنما أعجبوا بها إعجابًا غلبهم على أنفسهم، فكانت النتيجة أنني الآن عندما أنظر إلى علم الكلام وأنظر إلى الفرق الإسلامية خصوصًا المعتزلة، وما تفرع منها، أجد أن الخطأ الكبير عندنا هو أننا أخذن من فلسفة أرسطو([xiv]) في المادة والصورة ما نقلناه إلى الله والكون، وكانت النتيجة أننا نقلنا خرافات وأكاذيب لا معنى لها. وقد سمعت البعض في أصول الدين، وهو يصف الله سبحانه وتعالى في العقائد ويقول: إن الصفات هي لا هو ولا غيره لأن المعتزلة يقولون: يعلم بذاته، يقدر بذاته، وليست له صفات زائدة عن الذات، وإلا لتعدد القدماء، وهذا الكلام الساقط منقول نقلاً عن فلسفة أرسطو. ورغم أن أرسطو من الفلاسفة الإلهيين إلا أنه أشبه بالفيلسوف المُخدر أو الرجل الذي يتعاطى المخدرات، وقد قال عنه «ويل دورانت»: إنه إله أشبه بملك إنجلترا، يملك ولا يحكم، ولا يدري شيئًا، ويقول أيضًا: إن هذا العالم الكبير أصغر من أن ينظر الله فيه وقد ترجم هذا المعنى عندنا على أنه لا يعلم الجزئيات، وكل هذه خرافات منقولة لا أصل لها، ولا وجود لها في الخارج، ولا وجود لها في الذهن، ولا وجود لها في العقل، ولا تساوي شيئًا، وقد نقل إلينا ولا ندري كيف أعجبنا به؟ والذين يردوا على ذلك يأتي ردهم على أساس رفض هذه الفلسفة، وإننا لو شطبنا كلمة الفلسفة بكل مبادئها الإغريقية من علم الكلام لانتهت المذاهب الفلسفية في ديننا، وتختفي الأشاعرة والمعتزلة بطبيعة الحال؛ لماذا؟ لأن المعتزلة أنكروا الصفات، وأهل السنة أنكروا ذلك وقالوا: إن هناك صفات. ولكي يجمع الأشاعرة بين الاثنين قالوا: هناك صافت يقينًا، ولكن هذا لا يعني تعدد القدماء، وأتوا لها بحل يناسبهم.

ونحن لا نريد أن نجادل الذين نظروا للفلسفة فأيدوها أو حايدوها أو ردوا عليها؛ وذلك لأن الفلسفة الإغريقية بدأت منذ خمسة قرون تقريبيًا تتدحرج عن مكانتها، وذلك في وقت سقوط القسطنطينية في أيدينا، وفتح الأسبان لأمريكا، وسقوط الأندلس، حيث بدأ عصر الإحياء مع أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. والذي قام على إنكار الفلسفة الإغريقية، فبدأت في السقوط عن عرشها ولم يأت القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلا وكانت الفلسفة الأوربية بعيدة كل البعد عن فلسفة أرسطو وأفلاطون وسقراط، وبعيدة كل البعد عن هذا الكلام الذي تأثرنا به كثيرًا وتأثر به علم الكلام عندنا ولكي نعيد علم الكلام أو علم العقيدة أو علم التوحيد لقواعده الأصلية يجب أن نعود إلى الاستدلال على وجود الله من الكون، ونكتفي بالأسماء الحسنى وبالصفات العلى كما وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى. وبعد اختفاء الفلسفة الإغريقية يبقى شيء وحيد، وهو الذي يفرق بين السلف والأشاعرة الآن ولابد من كلمة حاسمة فيه، هو موضوع العقيدة. فالعقيدة عندنا أو المذهب الإسلامي السائد الذي قام عليه الأزهر يعد أعدل الدراسات الإسلامية منذ بدأت المدارس الإسلامية وإلى الآن. فالأزهر يرى أن العقيدة لا تستقي إلا من نصوص قطعية ثبوت وقطعية دلالة، وبالتالي فإن أحاديث الآحاد ليست مصدرًا للعقيدة؛ وإنما تؤخذ شرحًا لعقيدة جاءت في القرآن غير مفصلة ففصلتها، وقد دار حوار بيني وبين الدكتور راشد فقد سألني عن برنامج تدريس علم العقيدة، فقلت له إن العقائد موجودة وسنحضرها من الكتاب الكريم ولم أذكر السنة في الحقيقة، وقلت: إن السنة ما شرح الكتاب، فرفض ذلك. فقلت له: ماذا تريد إذن؟! فكان معنا رجل توفى رحمة الله عليه اسمه الشيخ خليل هراس([xv]) فقال: يجب أن تأخذ من أحاديث الآحاد، فقلت له: كيف وليس عندنا عقائد من أحاديث الآحاد فأصر على رأيه فقلت له مثل ماذا من أحاديث الآحاد، فقال: مثل حديث القدم الذي يقول «يضع الجبار قدمه على النار فتطقطق…» فقلت هذا حكم عادي وليس عقيدة لأنني عندما أذهب إلى إنجلترا مثلا هل أقول لهم أتؤمنون بالله وقدمه؟! أو تؤمنون بالله وساقه وقد ذكرت ذلك في كتابي الأخير (حديث الساق)، وقلت له يكفي أن تكون العقائد عندنا من القرآن الكريم، ولكنه رفض.

وأُصر على أن العقائد إنما تؤخذ من قطعي الثبوت وقطعي الدلالة وما كان شارحًا للقرآن؛ فنحن لدينا {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} فإذا جاء حديث يشرح الميزان فلا شكلة في هذا.. كما أننا لدينا عذاب القبر إجمالاً في القرآن {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} أو {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} أو {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أو {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} فلا بأس أن تأتي أحاديث تشرح عذاب القبر لأنها توضح ما أجمل القرآن وهذه طبيعة السنة ولا شيء في هذا. وقد قلت في كتابي «عقيدة المسلم» وهو كتاب سهل وقد ألفته وأنا صغير ولكني لا أزال أرى أن فيه خيرًا كثيرًا وفيه كلمة جديرة بالتأمل وهي «أن اللغات من صنع البشر فهم يضعون الكلمات بإزاء مفاهيم ذهنية أو أدوات حسية (شخوص وأشياء يألفونها أو أفكار تدور بينهم) فهي حقيقة بالنسبة إلى ما وضعت بإزائه مما يتداول بين الناس من حسيات ومعنويات، ولكن عندما تكون كلامًا عن الغيب فهذا الكلام مجازى بطبيعته لأنه حتى عندما وصفوا لنا الجنة قال ابن عباس: ما في الجنة من دنيانا إلا الأسماء، أما الحقائق فلا نعرفها. فإذا كان هذا بالنسبة للجنة، فكيف الحال بالنسبة لذات الله وصفاته التي يكون الكلام فيها على قدر عقولنا نحن. ومن هنا أنا أؤمن بالمجاز وأن كل لغة فيها مجاز، والقرآن فيه مجاز، وقد قال لي أحد الأشخاص: إن القرآن ليس فيه مجاز، فقلت له: فكيف أفهم إذن معنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} وقبلها: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} فأين هي الأغلال وأين هي السدود؟ فقال: إن ابن تيمية([xvi]) قد قال إنه ليس في القرآن مجاز، فقلت: وإن أصحاب اللغة الذين درسوها أكدوا لنا ذلك، وأخذنا منهم المجاز العقلي والمجاز المرسل والمجاز بالاستعارة وأخذنا البلاغة وعلومها، ومن هنا فإن القول بأنه لا يوجد مجاز في اللغة قول غير صحيح. وعندما كلفت بإلقاء درس بالتليفزيون كنت أطلب أن يعطوني صورة للسحب وهي تنطلق، وصورة للأمواج وهي تهيج، وصورة للزروع وهي تتدلى منها الثمار، والأشجار وهي باسقات. حتى إنني طلبت أن يعطونني صورة لعملية جراحية وقد أشرت في كتابي الأخير أنني كنت أعاني من جلطة بالساق قبل أن تنتقل إلى القلب وقد نجاني الله منها ونشكر الله على ذلك، وأتوا لي بآلة سمعت فيها صوتًا عند وضعها على ساقي فقلت للطبيب: ما هذا الصوت، قال: إنه صوت الدم وهو يجري في العروق. ففكرت في الشرايين الطويلة التي تصل إلى عدة كيلو مترات، ويجري الدم فيها من خلال شعيرات، مشتملاً على كرات حمراء وكرات بيضاء وأشياء زائدة من السكريات والدهنيات والزلال… الخ، وتخيلت لو تم توصيل شرايين ال 5 مليار نسمة في العالم إلى أين ستصل.. ستصل بالتأكيد إلى الشمس!! ومن الذي يشرف على ذلك كله.. فأنا ألْفِت النظر إلى خلق الله وإلى عظمته في كونه! ولماذا نذهب بعيدًا، فلقد حاول الشيخ محمد عبده([xvii]) في كتابه «رسالة التوحيد» الذي كان مقررًا علينا في السنة الرابعة الثانوية حاول أن يجمع الشمل ويلم المسلمين في هذا الجانب، وقال: لماذا النزاع، فالمعتزلة يقولون باستحالة رؤية الله، وأهل السنة يقولون إن الرؤية عقيدة لأن الحديث الشريف يقول: «ترونه كما ترون القمر ليلة البدر، والشمس ليس دونها سحاب». وقال الشيخ عبده: إن ما أنكره المعتزلة غير ما أثبته أهل السنة؛ لأن المعتزلة يقولون إن الرؤية تعني الجهة وتعني التحيز وتعني المادية وبذلك يصبح الله مخلوقًا، وعندما نقول إن هذه الرؤية لا ندريها ولا نعرفها وأنها رؤية غير مادية ينتهي الأمر.

وانتهى المعتزلة كما انتهى أرسطو، وأصبح هناك إنكار تام للألوهية. إننا نستطيع بالعقل أن ندرك أن ما لا نستطيع أن نبحث فيه نتجاوزه، وهذا هو الإسلام، وهذه هي العقيدة كما شرحها كتاب الله وسنة رسول الله. ومن هنا لابد من إعادة النظر في دروس العقائد على أساس معقول!

وعندما ننظر للحديث، وعلم مصطلح الحديث فسوف نجد أن هذا العلم يُدرس إلى الآن دراسة تعبدية بمعنى أنه لا يطبق، فالحديث المعلق هو الذي سقط منه الرواة من أول السلسلة والحديث المنقطع هو ما سقط منه رواة داخل السلسلة، والحديث المرسل هو ما سقط منه الصحابي، والحديث المتروك ما رواه راو ضعيف جدًا مخالفًا به أهل الثقة، وهكذا.. فهل فكر أحد أن يأتي بحديث وسلسلته ليبين لنا مواضع وأسباب الضعف وما حدث للسلسلة؟ ولم يفكر الأزهر في تدريس علم مصطلح الحديث حتى أصبح علمًا أثريًا يحال فيه على مجهول مع أنه كان من الممكن أن يأتي بعالم مثل الشيخ الألباني([xviii]) ويسند إليه تدريس الأسانيد، ويبين للطلبة لماذا قلنا إن هذا الحديث ضعيف، وهذا منقطع، وهذا ضعيف، وهذا مرسل، وهذا متروك.. الخ، ثم إنه ما أكثر الأحاديث الضعيفة، وما أكثر أسباب الضعف في السنن الموجودة ولا نعرفها. وخاصةً أن علم المصطلح علم أثري ولابد له من الشرح التحليلي. وأين الآن في الأزهر علماء السنة مثل: سيد صقر([xix])، أحمد شاكر([xx]). وقبل كل ذلك فإن تعريف الحديث الصحيح هو أنه رواية الضابط الثقة عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا علة قادحة، وهذا ما تسير عليه كتب السنة الصحاح. وعلى هذا النحو أجد أحيانًا حديثين متناقضين واردين في الصحاح مثل حديث «إذا التقى الختانان وجب الغسل» وحديث «الماء من الماء» الواردين في الصحاح في كتاب تفسير الوضوء تحت بعضهما وضد بعضهما. وهنا لابد من تدخل الفقهاء. وقد سبق أن تدخل أبو حنيفة ورفض ما لا يتعلق بمذهبه، وتدخل مالك ورفض كل ما خالف أعمال أهل المدينة، فقد رفض الاستفتاح في دخول الصلاة، ورفض صلاة ركعتي تحية المسجد والإمام يخطب، ورفض الرضعات الخمس والعشر ورضاع الكبار، ورغم أن كل ذلك موجود في الصحاح، وعندما جاء أبو حنيفة رفض حديث «لا يقتل مسلم في كافر» ومن منطلق أن النفس بالنفس. فإذا كنا نقول إن الحديث شاذ عندما يخالف الثقة، فكيف لا يكون شاذًا إذا خالف القرآن الكريم. وقد رفضت أحاديث خالفت القرآن وسبق أن صحح الألباني والسيوطي([xxi]) حديث «إن لحم البقر داء» ورفضته من منطلق أن الله امتن بلحم البقر في موضوعين من القرآن {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}، {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}، ومن هنا فإن الحديث مرفوض لأنه خالف القرآن.

وقد قال لي الشيخ عبد الحليم([xxii]): إن الله هو الذي دنا وتدلى لسيدنا محمد استنادًا لما رواه البخاري من أن الجبار دنا فتدلى، فقلت وهل ينزل الله لمحمد؟! وعندما بحثت في الحديث وجدته ضعيفًا ومن هنا وجدت أنه لابد من إعادة النظر في دراسة الأحاديث بأن يدرس المصطلح دراسة تطبيقية حتى نعرف لماذا يكون الحديث ضعيفًا، وثانيًا: تُعرض أحاديث الصحاح على ضوابط الصحة التي وضعها الأئمة ولا نأتي بشيء من عندنا، فإذا كان الأئمة يضعون في شروط الحديث الصحيح ألا يكون فيه شذوذ أو علة قادحة، فإنه إن ثبت أن الحديث مخالف للقرآن يصبح شاذًا وبه علة قادحة.

ومع هذا فمما لاشك فيه أن السنة غربلت وبذلت في الأحاديث جهود جبارة ولم ينقد تراث بشر كما نقد محمد عليه الصلاة والسلام لأنه ليس قرآنا، وقال العلماء: إنه ظني الثبوت فإذا خالف قطعيًا، سقط بطبيعته. ومن هنا فإنه يجب أن تُدرس هذه القواعد عندما تُدرس السنة.

وعندما كنت أُدرس بجامعة الأزهر اجتمعت بالإخوة الذين يقومون بالتدريس في الكليات وقلت لهم لكي تكونوا عمليين لا يجب أن ندرس جميع الأبواب حديث بحديث؛ لأننا بذلك لن ننهى منها حتى آخر العام سوى بابين فقط، وإنه من الأفضل أن نأخذ حديثًا من كل باب، وعلى سبيل المثال نأخذ حديثًا من باب الجمعة، وحديثين من باب العيد.. وهكذا حتى ننتهي من جميع الأحاديث الموجودة بالأبواب المقررة على آخر العام، ونكون بذلك قد أحطنا بشيء من السنة. ولكنهم رفضوا اقتراحي رفضًا باتًا، وأصروا على تدريس جميع أحاديث الباب الواحد، حتى لو وصل الأمر إلى تدريس 30 حديثًا في باب الجمعة، وفي هذا مضيعة للوقت. وأذكر أنه كان علينا ونحن طلبة أن ندرس صحيح مسلم كله بهذه الطريقة من السنة الأولى إلى السنة الرابعة، ومع ذلك لم ننبه ربعه! وقد اضطررت لقراءته بعد التخرج، وكثيرًا ما قلت وأنا طالب للشيخ عبد الفتاح العناني عندما كان يأتي لحضور المجلس الأعلى في عامي 1942، 1943: لقد خرجتمونا جهلة مع أننا كنا أحسن من تعلموا في هذه الفترة.

أما علم التفسير فإنني أرى أننا لم ندرسه في الأزهر على الإطلاق؛ إذ أن دراسته كانت مجرد تطبيقات بلاغية وإعرابية فقط.

وهنا أقول إنه لابد من إلقاء نظرة عامة على التفسير الموضوعي للسور كلها، ثم تُفسر الآيات جزءًا جزءًا، ولا بأس أن نعرض للبلاغة وللنحو ولما يكون من علوم تتصل بالتفسير، سواء كانت علوم كونية أو غيرها، وذلك دون أن يطغى هذا على التفسير النفسي أو الذاتي للقرآن الكريم. ومثال ذلك عندما نأتي لتفسير سورة آل عمران، فإنه يمكننا أن نشطرها إلى شطرين، الشطر الأول: حوار مع أهل الكتاب يتمثل في دعوة أصحاب الكتب الأولى، ويبدأ من أول السورة إلى قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ}  والشطر الثاني: تعليق على هزيمة أحد وجهاد الوثنية الأولى، وتبدأ من قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إلى آخر السورة. وقد يلتقي الشطران معًا في آخر السورة ليبين أن جهاد الدعوة الذي قد يكون مع أهل الكتاب، وقد يكون مع الوثنيين، يحتاج إلى الصبر والمثابرة؛ حيث ختمت السورة بـ {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا …}.

وقد اعتمدت وأنا أفسر سورة البقرة في خطبتي بمسجد عمرو بن العاص على كتاب الشيخ عبد الله دراز([xxiii]) «النبأ العظيم»، وهو كتاب أتمنى أن يقرأه الجميع. فقد شرح السورة، وقال: إنها يمكن أن تسمى سورة «الأتقياء» إذ أنها تعد هدى للمتقين، حيث تشرح أوصاف المتقين، وأركان الإسلام الخمسة (الإيمان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج)، كما أناه تقدم تاريخ بني إسرائيل، وتمهد للوَحدة الدينية التي يريد الإسلام أن يبشر الناس بها، كما أنها تتحدث عن الأسرة الإسلامية ودور الأم فيها، والجهاد في الدعوة، وهكذا جمع الشيخ عبد الله دراز أقسام السورة ووضعها في باقة من الورد التي توضح أهدافها وتعطي لقارئ السورة رؤية واضحة لمسيرة السورة وهو مغمض العينين!

ومن هنا فإن التفسير الموضوعي للسورة لابد منه، وبعد هذا لا بأس من الدخول في الإعراب؛ حيث إنه في بعض الأحيان لا يبين المعنى إلا من خلال الإعراب. وأذكر أننا عندما كنا نقوم باختيار الأئمة لترقيتهم إلى مفتش.. كنت أسأل الإمام أولاً عن الحفظ وأقول له اقرأ أول سورة يونس، فيقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ } .. فأقول له: أين اسم كان في هذه الآية، فلا يعرف.. فأقول له: أنت إذن لم تفهم السورة، إذ أن اسم كان هو أن وما دخلت عليه وهو أن أوحينا إلى رجل عظيم منهم».. حيث إن الجملة «أكان إيحاؤنا إلى رجل من الناس عجبا».. فمن الضروري إذن فهم المعنى في دراستنا للقرآن الكريم.

وقد نسيت وأنا أتناول السنة أن أذكر أنه لابد من المقابلة بين ما يبدو فيه التناقض بين الكتاب والسنة. والمثال على ذلك أن مالك قد رفض تحريم الحمر الأهلية استنادًا إلى قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} بينما أوضح الشيخ رشيد رضا([xxiv]) في تفسيره عكس ذلك. وأنا في نظري أن تفسير الشيخ رشيد رضا من الكتب القيمة التي تعين على فهم الكتاب والسنة، حيث إن الشيخ رشيد رجل سلفي، خلفي، جامع مانع، عصري وتاريخي، وكان كالبحر المحيط، حيث إن الأستاذ المرشد عندما أراد تفسير القرآن بعد أن أغلقوا له الدار، وقرر إصدار مجلة الشهاب، بدأ من أول سورة «الرعد» وعندما سألته عن السبب في ذلك، قال: وهل أستطيع أن أكتب شيئًا بعدما كتبه الشيخ رشيد… إنني سأبدأ من حيث انتهى. وهذا هو تقدير الرجال… ورحمة الله على الشيخ المرشد فقد كان إمامًا وعالمًا وعظيمًا. وكان ينتمي إلى نفس مدرسة الشيخ رشيد والإمام محمد عبده العظيمة والتي كانت تتميز بالعقلانية!

أعود فأقول إنه من المهم دراسة اللغة العربية أيضًا، خاصة وإنني قد لاحظت أن الكتب التي درسناها في النحو والصرف وهي كتاب شرح أوضح المسالك للأشموني، تعتمد في إقامة القواعد على الشواهد. فما معنى الشاهد.. هل هو الدليل؟! لو كان كذلك فإن الأمر يتعلق بالمفعول المطلق. وإذا قلنا أن الشاهد يعني الدليل فهذا يعني أننا نقول أن المفعول المطلق هو كل ما يرادف المصدر.

وهذه شواهد لا بأس بها، ولابد منها عند وضع قواعد اللغة، ولكن هل تبقى اللغة كما هي إلى قيام الساعة؟! وهنا نقول: إن كل قاعدة تحتاج إلى دليل، وعلى سبيل المثال فإن الدليل على أن «ما» تجزم فعلين، قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} و{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ }.. وهذان دليلان واضحان من القرآن الكريم على أن «ما» تجزم فعلين. وقد نشأ عن إهمال أصل الدليل في اللغة عجز المتخرجين في الأزهر عن تطبيق القاعدة اللغوية على آلاف الأمثلة المنتزعة من الحياة.

وفي الواقع فإن أول من خرج عن هذا العجز، وبدأ يعلم الناس أصل الأدلة هو الشيخ «حفني ناصف»([xxv])، وجاء بعده «علي الجارم»([xxvi]) وهو رجل عظيم استبحر في النحو ثم تلاه «عباس حسن»([xxvii]) الذي بلغ القمة في هذا المجال. فلماذا إذن هذا التشبث بالكتب القديمة، ولماذا لا نأتي بكتاب عباس حسن ويتم تدريسه لننفع به العامة والخاصة. نحن إذًا محتاجون إلى إعادة دراسة اللغة العربية؛ لأنه إذا ماتت اللغة وُضِعَ القرآن في المتاحف، بل إنني أعتبر أن دراسة اللغة من الدين، بل إن اللغة دين. ونحن محتاجون أيضًا إلى تعريف غير العرب باللغة العربية، وفي هذا أشعر بالأسف إذ أقول إن العرب قد خانوا الإسلام عندما وقفت حركة تعريب الناس –التي كانت موجودة في الماضي- وذلك مع ضعف الدولة. ويكفي أن سُبْع المسلمين فقط هم الذين يعرفون اللغة العربية، بينما ستّ أسباع منهم لا يعرفونها (وصل عدد المسلمين إلى مليار و200 مليون مسلم تقريبًا)، كما أن اللغة العربية مازالت مرفوضة عالميًا، وليست من اللغات الخمس التي دون بها ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وهي: الإنجليزية، والفرنسية، والروسية، والصينية، والأسبانية. ونحن نتحمل المسئولية في ذلك لأننا لم نحترم لغتنا ولم نتعصب لها، ولم نغضب لها عندما أهملت. وأذكر أنني تراجعت عن تعلم اللغات الأجنبية عندما وجدت في لغتنا العربية أشياء كثيرة تحتاج إلى وضع ضوابط سريعة لها، وتحتاج في ذلك إلى نوع معين من علماء اللغة، مثل الاشتقاق والمترادفات والمصادر وجموع التكسير (26 جمع تكسير)، وذلك حتى نستطيع أن نضعها (أي الضوابط) بين يدي الطلبة واضحة صحيحة. وأعود فأؤكد أن اللغة العربية تحتاج إلى إعادة النظر فيها حتى نستطيع أن نعلم الناس لغتنا ونُسهل تعريفها لمن لا يحسنها.

نأتي إلى علم أصول الفقه، وأقول: إن علم أصول الفقه في الأزهر علم أثري، فهو يُدرس ولا يُفهم، فلم تُوضع له أمثلة ولا قواعد ويُعتمد في تدريسه على بعض الكتب مثل شرح المنتهى، والتلخيص، الملخص، والتحصيل، الحاصل، المحصول…. الخ، والتي لا تزيد ولا تنقص وليس فيها شيء! وأعتقد أنه عندما نقول إن الأحكام الشرعية خمسة، أن نأتي بخمسة أو ستة نماذج للواجب من الكتاب والسنة، ومثلها للمكروه، ومثلها للمحرم وهكذا… وذلك حتى يتبين لنا ما هو الواجب، وما هو المكروه، وما هو المُحرم، وما هو المندوب، وما هو المباح، ولا بأس أن نأتي برأي الأحناف الذين يقولون بأن الأحكام سبعة وليس خمسة، ووضعوا منزلة بين الواجب وبين المكروه، وفرقوا بين الفرض والواجب والسنة المؤكدة، على أساس أن الفرض هو ما يكون بدليل قاطع لا شبهة فيه. وعلى هذا قالوا: إن حديث الآحاد ليس فرضًا لأنه به شبهة، وكذلك فإن الطمأنينة لديهم ليست فرضًا أيضًا. وكما وضعوا الواجب بين الفرض والسنة، فقد وضعوا «المكروه تحريمًا» بين «المكروه تنزيهًا» وبين الحرام. ولذلك فإن الحرير لديهم ليس حرامًا لأن ثبوت تحريمه ليس قطعيًا. ومن هنا فإننا نريد أن يتم تقييم ما قاله الأحناف في الأصول إلى ما قاله الجمهور فيها، وهذا يحتاج إلى عقول واسعة بقدر المستطاع.

وعندما نأتي إلى الكليات الخمس التي هي أساس المصالح المرسلة، وهي: الدين، والمال، والعرض، والنفس، والعقل، نجد أن الشيخ ابن عاشور([xxviii]) قد تجرأ وأضاف لها كلية سادسة وهي «الحرية» وأنا أيضًا أتجرأ وأضيف إليها كلية سابعة وهي «العدالة»! وذلك استنادًا إلى أن العدالة هي أساس الرسالات السماوية كلها {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} وفي هذا تتضح العدالة الاجتماعية والعدالة النفسية، والعدالة السياسية.

وقد أعجبني كتاب «تخريج الفروع على الأصول» ولا أذكر اسم صاحبه الذي جمع فيه مذهب الأحناف ومذهب الشافعية، وبيّن القواعد الفقهية في المذهبين وهو عمل جيد لأنه تدخل في الفقه وأتى بالسند والعمل والخلاف. ومن أمثلة ما أورده الخلاف حول هل على اليتيم زكاة؟.. وصحة صلاة من صلى وأخطأ القبلة دون أن يجتهد في تحديدها، وحول مسالة: تعدد الحق، بالإضافة لقواعد فقهية خلافية كثيرة، قام فيها بتخريج الفروع على الأصول وضم هذه القواعد لعلم أصول الفقه.

أعود فأقول: إن علم أصول الفقه علم وضُع قديمًا، حتى جاء الشاطبي([xxix]) في «الموافقات» واستبحر فيه ووسعه وأكثر فيه من النماذج والأمثلة. وقد خشى شيوخ الأزهر من تدريس «الموافقات» وأتوا بكتاب ميت وهو كتاب «ابن الحاجب»([xxx]) ودرسوه للطلاب، مما أدى إلى تخريج طلبة يعرفون أصولاً لا صلة لها بالحياة ولا بالفقه. ولمّا كان علم الأصول هو أصل القوانين وأصل الأحكام ولمّا كان هو البحيرة العظمى التي انبثقت منها المذاهب الأربعة فإنه لابد من إعادة النظر فيه ونقله من مرحلة العلم الأثري الميت الذي لا صلة له بالحياة، وذلك بضم القواعد الفقهية إليه، وضم دراسات الأحناف في الأحكام الخمسة إليه، وكذلك ضم كتاب «الموافقات» إليه. وهذه الأمور كلها بالإضافة إلى الأمور الخاصة بالقيام وأحكام وأهداف الشريعة، يجب أن تكون موجودة في الدراسات الأزهرية، ويجب أن يتم تعريف الطلاب بها، ولابد منها.

وفي النهاية فإنني أعتقد أن موضوع الدراسة الدينية، مادة وعرضًا، يحتاج إلى كثير من المراجعات، وأكون مدعيًا إذا قلت إنني قد أوفيته حقه من العرض. وبقي أن أقول إننا لو أتينا في هذا المجال برجال من مجمع البحوث الإسلامية من المتبحرين في الدين واللغة والتراث، وممن لديهم معرفة بالدراسات الأزهرية، لخرج لنا العالِم الذي يخدم الإسلام في العصر الحاضر. بل إنه يمكن من خلال وضع برنامج دراسي لعامين أو ثلاث أعوام إدخال الطبيب والمهندس الكيماوي والمحاسب.. الخ في الدراسات الإسلامية، وإعطاؤه خلاصات في الأمور التي يحتاج إليها كداعية، وتنفعه وهو يعرض الإسلام في هذا العصر.

هذا والله ولي التوفيق.

د. جمال عطية:

جزى اله شيخنا خير الجزاء على هذا الحديث الممتع والخطير والعظيم حقًا وكعادتنا في مثل هذه اللقاءات، نرجو من الإخوة الأفاضل أن يدلى كل بما عنده بترتيب الجلوس حتى تعم الفائدة.

د. محمد عمارة:

بسم الله الرحمن الرحيم، أعتقد كما أشار الأخ الدكتور جمال عطية، أن هذا الحديث الفياض، هو أيضًا حديث خطير لأنه يتناول المحاور الأساسية في العلوم الشرعية بنظرة نقدية ومن موقع المعايشة والخبرة، ليس فقط في دراسة هذه العلوم والتبحر فيها، وإنما أيضًا على ضوء الخبرة الحياتية في الدعوة والحوار مع تيارات الفكر في الإطار الإسلامي. والواقع أن هذه الخبرة الحياتية والحوار مع تيارات الفكر هي التي تُبرز، وتلقي الضوء على نقاط الضعف في مناهج تدريس العلوم الشرعية.

لقد استمعت بإعجاب شديد لهذا الحديث؛ إذ أنني قد عشت مع الشيخ الغزالي سنوات الدراسة في الأزهر. وقد كنا نرصد في بعض كتب الفقه والحواشي والتعليقات التي ذكرها، أن ما بين المبتدأ والخبر من الممكن أن تمر صفحة أو صفحتان حتى تتم الجملة الواحدة، وأنه لابد من دورة واسعة وغير عادية حتى نصل إلى معلومة أو حقيقة بسيطة وفي هذا ضياع للوقت. والواقع أن الناس عندما تنفق عمرها في تحصيل أدوات فقط لا يبقى لديها شيء لتضيفه في تحصيل الغايات، التي من المفروض أن تكون هي الأساس وهي القصد من وراء هذه العلوم. وقد أدى هذا إلى تخريج إناس معزولين تمامًا عن الحياة كما رأينا! وذلك لأن –كما أشار فضيلة الشيخ- تدريس العلوم يتم بمعزل عن الأمثلة التطبيقية التي تواكب العصر والواقع الذي يعيش فيه الناس، وبالتالي يخلق هذا شريحة من العقولة المعزولة تمامًا عن الواقع الذي تعيش فيه. وهذا هو الذي صنع الفراغ الحقيقي الذي ملأه الفكر التغريبي؛ إذ أننا لم نستطيع أن نجعل من العلوم الشرعية بضاعة يتم ترويجها في المجتمع، في وقت تمتلئ فيه السوق بالبضاعة المعلبة والمغلفة التي يتم عرضها بشكل جيد ومغر، وهي بضاعة الآخرين.

إنني أرجو ألّا ينتهي حديث الشيخ الغزالي حول هذه القضية عند حد العرض فقط فمن الضروري أن يكون هناك إلحاح على متابعة هذه القضية في أطر مختلفة، ومنها ما أشار إليه فضيلة الشيخ وهو الإلحاح على المؤسسة الأم الأزهر، ومجمع البحوث لإثارة هذه المشكلات الحيوية واتخاذ موقف منها. فقد وصلنا الآن عصر تخرج فيه الآلاف من الناس الذين يحملون شهادة العلماء وهم في الحقيقة أميون بكل معنى الكلمة فقد هبطت المستويات في كل المؤسسات التعليمية ولكن إذا كان الهبوط محتملاً في بعض المؤسسات التعليمية، فإنه ليس محتملاً في المؤسسة التي تُخرج الأمناء على عقيدة الأمة وهي محور علوم الشرع وعلوم الحضارة. كما أن الهبوط ليس محتملاً في المؤسسة التي تصبغ علوم الحضارة بصبغة الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا اعتقد أنه من المهم أن نواصل الإلحاح على متابعة خيوط القضية والنقاش حولها.

والواقع أن لي بعض الإشارات حول قضايا من القضايا التي أثارها فضيلة الشيخ… فرغم اتفاقي مع فضيلته حول نقد الفلسفة اليونانية فإنني أريد أن أقول إنه في بعض الأحيان يُفرض على الناس استخدام سلاحًا مناسبًا في معركة محددة، ويكون الخطأ عندما تجاوز استخدامه في المعركة، وفات أوان استخدام هذا السلاح، ورغم ذلك نستمر في الاحتكام إلى هذا السلاح وتعميمه في كل علومنا وفي كل معاركنا، وهذا هو الخطأ، وفي تقديره أن المسلمين بعد عصر الفتوحات قد اضطروا إلى ترجمة الفلسفة اليونانية واستخدامها لا لتكون هي فلسفة الإسلام ولكن لأن جمهور البلاد التي تم فتحها لم يكونوا يعترفون بغير مقاييس ومعايير الفلسفة اليونانية، وكانت كل التيارات الفكرية تعيش وتتعامل وتحتكم إلى منطق أرسطو وإلى الفلسفة اليونانية. ولذلك كان لابد للمسلمين من تعلم هذه الفلسفة، لا لتكون فلسفة الإسلام، ولا لتكون علم التوحيد المعبر عن فلسفة المسلمين، ولكن لتكون سلاحًا محددًا في معركة محددة. وقد ألمح بعض الفلاسفة المسلمين إلى ذلك وقالوا: إن التركيز على فلسفة وعقلانية أرسطو كان سلاحًا في مواجهة الفكر الباطني الذي كان مستشريًا نتيجة الإسرائيليات والفلسفة الهندية والمذاهب الفارسية. وإذا كان قد تم استخدام الفلسفة اليونانية كسلاح في معركة محددة، فإنه من الخطأ الاستمرار في إشاعة روح هذه الفلسفة في كل علومنا وفي كل عصورنا، واعتقد أن هذه الملاحظة تبئ هؤلاء الفلاسفة الذين ترجموا والذين شرحوا والذين تحدثوا عن الفلسفة اليونانية. وعلى سبيل المثال فإن ابن سينا([xxxi]) قدقال في مقدمة «الشفاء»: «نحن نعرض فلسفة اليونان، لا لأنها هي الفلسفة الحقة»، وإنما لأن هناك إناسًا لا يحترمون إلا كل ما هو يوناني وهذا في الحقيقة ما يحدث اليوم.. عندما نقول إن الشريعة الإسلامية عظيمة جدًا لأن مؤتمر المستشرقين قال: إنها منظومة قانونية متميزة ومعترف بها. فمادام لدينا «خواجات» لابد أن نناقشهم بسلاح «الخواجات»!. و«الخواجات» يقولون: إن الفلسفة اليونانية ليست هي الفلسفة الحقة والفلسفة الحقة هي فلسفة المستشرقين، وإن لكل عقيدة، ولكل حضارة لون متميز من ألوان الفلسفة. ومن هنا أقول إننا لو نظرنا إلى تراثنا في التعامل مع الفلسفة اليونانية من هذه الزاوية، لاستطعنا أن ننقي علومنا كلها التي طغى عليها المنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية وهذا يستوجب التعامل مع هذه الفلسفة على أساس أنها كانت سلاحًا محددًا في معركة محددة، ولا داعي بعد أن طويت صفحة هذه المعركة، أن تظل كل العلوم الإسلامية مشوبة بهذه الروح اليونانية.

الأمر الثاني الذي أود الإشارة إليه يتعلق بحديث فضيلة الشيخ الغزالي عن علوم الحديث، وكيف أن دراسة الحديث ودرايته قد ذبلت بتركيزها على قضية الرواية والسنة دون النظر في متن الحديث، ودون عرضه على ما هو يقيني وقطعي من القرآن الكريم. ورغم أن علماء السند والرواية المتقدمين أنفسهم قد نبهوا إلى هذا، فإننا لم نستفد من هذه التنبيهات! وقد أشار الإمام «أحمد» إلى إمكانية أن يكون السند سليمًا تمامًا والمتن مكذوب؛ لأن هناك كاذبًا أو إنسانًا منكرًا في روايته، يأتي بالكلام المكذوب، ويضيفه إلى رواة عدول.

والذي حدث أن الجهد العظيم الذي بُذل في السنة كان في حقل الرواية أكثر وأعظم منه في حقل الدراية. ومن هنا تأتي أهمية ما أشار إليه الشيخ الغزالي، في كتابه الأخير، من ضرورة نقد متون الأحاديث وعرضها على معايير ومقاصد الشريعة وروح الإسلام وعلى القرآن الكريم.

فكما أن القرآن يفسر بعضه، فإن عرض الأحاديث بعضها على البعض الآخر يفسرها وكما نلجأ إلى أسباب النزول فيما يتعلق بالقرآن، فإنه من المطلوب أن يُدرج الحديث على ضوء ملابسات رواية هذا الحديث. ففي كثير من الأحيان يبدو أن هناك تناقضًا بين حديثين أو أكثر، ورغم أنه ليس بينهما تناقض حقيقي؛ لأن رسول الله (صلى