Uncategorized

مداخل التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية

لقد أدرك المشتغلون بالعلوم الاجتماعية، ومهن المساعدة الإنسانية في معظم البلدان الإسلامية منذ سنوات طويلة ـ  ولكن بدرجات متفاوتة من الوضوح والشدة ـ 

أن هذه «العلوم» تواجه أزمة في المنهج والمحتوىتجعلها قاصرة عن فهم الإنسان والمجتمع على الوجه المأمول، رغم الجهود الكبيرة التي بذلت خلال سنوات وسنوات من البحوث الإمبيرقية، ومحاولات بناء النظرية؛ وأن تلك«المهن»هي الأخرى تواجه أزمة في الهوية، كما تواجه أزمة فيما يتصل بدرجة فاعليتها في تحقيق الآمال المعقودة عليها، من حيث إحداث التغييرات المنشودة في الفرد والجماعة والمجتمع.

       ولقد أدرك المجتمع أن الخروج من دائرة هذه الأزمة، وأن التوصل إلى فهم أفضل للإنسان والمجتمع، وأن تحقيق درجة أرقى من الفاعلية لجهود الإصلاح: كل ذلك إنما يتوقف على إيجاد درجة أكبر من التوافق بين العلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية من جانب، وبين الواقع المادي والاجتماعي والثقافي للمجتمعات التي تجرىفيها البحوث، أو تتم فيها الممارسة من جانب آخر.

     ولكن الباحثين والممارسين المسلمين بعد هذا الاتفاق العام على ضرورة اتخاذ إجراءات لإصلاح مناهجهم ونظرياتهم وطرقهم في التدخل قد تبنوا مواقف متباينة، واتجهوا اتجاهات شتى في تصورهم للمدى، وللطريقة التي ينبغي ـ أو التي يمكن ـ بها تحقيق ذلك التوافق مع الأطر المادية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات المسلمة، (أو حتى غير المسلمة كما سنرى فيما بعد).

     فلقد رأى البعض أنه لا مناص من التسليم بضرورة أخذ الواقع المادي والبنائي المميز للمجتمعات العربية والإسلامية التي تتم فيها البحوث والممارسة في الاعتبار، ولكن هؤلاء كانت لهم في نفس الوقت تحفظاتهم على أخذ العوامل «القيمية والثقافية» في الاعتبار سواء في البحوث أو الممارسة، على أساس «اعتقادهم» بضرورة ابتعاد العلوم والمهن عن مجال التقييم، تجنباً للخلافات في التوجيهات من جهة، ولعدم إمكان التحقق الإمبيريقى من صحة القيم والتفصيلات المجتمعية من جهة أخرى، وبطبيعة الحال فإن هؤلاء ـ من باب أولى ـ قد اعترضوا أشد الاعتراض على إدماج «العوامل الروحية والدينية» في نظرياتهم وبحوثهم وممارساتهم.

     ولكن الكثيرين غيرهم قد أدركوا أنه لا يمكن الاستجابة لواقع وأسباب الأزمة التي تواجهها العلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية في العالم الإسلامي بشكل جاد ما لم يؤخذ الإسلامفي الإعتبار عند دراسة المجتمعات الإسلامية، أو عند التدخل المهني في نطاق تلك المجتمعات، ما دام الإسلام هو العنصر الثقافي الحاكم ـ أو على الأقل أنه من العناصر المؤثرة والفاعلة ـ في الحياة والثقافة في المجتمع المسلم.

     وقد تبلورت هذه الاستجابة في السنوات الأخيرة بوضوح في شكل ما أصبح يسمى بأسلمة المعرفة، أو إسلامية المعرفة، أو أسلمة العلوم، أو التوجيه الإسلامي للعلوم؛ وفي نطاق العلوم الاجتماعية: التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية أو التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية، أو ما أشبهها من المسميات، وقد بذلت جهود كثيرة ـ وإن كانت متفرقة في الغالب الأعم ـ للاستجابة لتلك الدعوة التي بدأت تكتسب الآن أبعاد ما يمكن اعتباره «ثورة علمية»لا تستهدف في جملتها ماهو أقل من إعادة النظر بطريقة جذرية في مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، وفي كل منتجاتها النظرية، وفي نظريات الممارسة في مهن المساعدة الإنسانية في ضوء معطيات الإسلام.

     غير أن الجهود التي بذلت حتى الآن في نطاق التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية: تتفاوت فيما بينها تفاوتاً شديداً من حيث الإفتراضات الضمنية أو الظاهرة التي تقوم عليها، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى اللبس والغموض، أو إلى السير في طرق جانبية لا تحقق الهدف المنشود، مما يؤدي في كل الحالات إلى صرف الجهود في غير طائل وإلى تكثير صفوف المعترضين على ما يظنون أنه يمثل جهود الأسلمة أو التأصيل الإسلامي تمثيلاً صحيحاً، رغم أنه ليس كذلك في حقيقته.

ومن هناتأتي أهمية المراجعة النقدية للكتابات التي تندرج عادة ضمن جهود أسلمة المعرفة أو التأصيل الإسلامي في العلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية، واستجابة لذلك فإننا سنحاول في هذه الدراسة أن نتعرف على «المداخل»التي تنطلق منها الكتابات في هذا المجال، وأن نتبين ملامح الأرضية التي ينطلق منها كل مدخل من تلك المداخل، ثم نتناولها تناولاً نقدياً بما نرجو أن ينير الطريق أمام الباحثين عندما يحاولون تقدير قيم كل نوع من تلك الكتابات، أو عندما يخططون للإسهام في الجهود المتنامية للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية.

     ولما كان الحكم على الشئ فرعاً عن تصوره، فقد كان من الضروري أن ننطلق من تصور محدد لماهية أسلمة المعرفة أو التأصيل الإسلامي، مع استخلاص المعايير التي ينبغي تطبيقها للتمييز بين المداخل المختلفة التي تنتمي إليها، ومن هنا فإننا سنبدأ دراستنا هذه بتعريف الأسلمة أو التأصيل ـ وتحديد المعايير التي تستخدم في التمييز بين المداخل المختلفة، ثم نتعرض لكل مدخل منها بشئ من التفصيل مع إعطاء أمثلة محدودة لها من الكتابات الواقعية، دون أي محاولة لحصر تلك الكتابات أو تصنيفها فهذا مما يخرج عن نطاق هذه الدراسة.

     وسيلاحظ القارئ أننا جمعنا في هذه الدراسة بين «العلوم»الاجتماعية و«مهن»الممارسة الإنسانية، وأننا ركزنا فيما يتصل بتلك «العلوم» على أمثلة مستمدة من علم النفس وعلم الاجتماع، وفي «المهن»على الخدمة الاجتماعية أساساً، ويرجع ذلك إلى أن اهتمامنا الأصلي منصب على مهنة الخدمة الاجتماعية، ولكن لما كانت هذه المهنة تستفيد في بناء قاعدتها المعرفية المتصلة بفهم الإنسان والمجتمع البشري من علم النفس وعلم الاجتماع ـ إضافة إلى علم الاقتصاد والعلوم السياسية وغيرها ـ وأنها بالتالي تشترك معها في نفس القطاعات من الظواهر التي يتم التعامل معها، فإن هناك توازياً ملحوظاً فيما يتصل بقضايا التأصيل الإسلامي بين هذه التخصصات الثلاثة مما يبرر الجمع بينها في دراسة واحدة حول هذا الموضوع، ومن هنا فإننا سنستخدم ـ للسهولة فقط ـ من الآن فصاعداً اصطلاح التأصيل الإسلامي «للعلوم الاجتماعية»للدلالة على مجموع اهتمامات هذه التخصصات الثلاثة في المواضع التي تتحد فيها المواقف، مع الإشارة إلى التخصص أو الفرع المقصود على حده كلما اختصت المناقشة به وحده.

المبحث الأول

مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية

     لقد بدأت إرهاصات لمحاولات الربط بين العلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية من جانب وبين الإسلام من جانب آخر في مصر منذ انتصاف هذا القرن في مصر، حيث عبر البعض على استحياء في محاضراتهم، وفي بعض الكتابات المحدودة عن أهمية تلك القضية.

إلا أنه يبرز من بين تلك الأعمال بوضوح الرسالة التي قدمها د. فؤاد عبد الله نويرة ـ يرحمه الله ـ إلى إحدى الجامعات الأمريكية ونشرتها وزارة الشئون الاجتماعية عام (1960 م) والتي حاول التوصل فيها إلى مبادئ للخدمة الاجتماعية مستمدة من القرآن الكريم، ولكن هذه الجهود قد كانت بمثابة قطرة في بحر جارف من جهود نقل إسهامات «العلوم الحديثة»من الدول الأخرى «المتقدمة»أو التي «سبقتنا في هذا المجال».

     ولابد هنا من كلمة حق تقال، فإن أحوال العالم الإسلامي في تلك السنوات الباكرة كانت على مستوى لا يكاد يطمح معه أحد في أكثر من «استيعاب» ما لدى الآخرين، دون أمل في «اللحاق» بهم، ناهيك عن «تجاوزهم»، ومن هنا فإننا نستطيع أن نتفهم الحقيقة الواقعة. وهي أن التيار العام للعلوم والمهن كان كل اهتمامه منصباً على مجرد «نقل» المنتجات الحديثة أكثر من «نقدها»، يدعم هذا اتجاه عام في المجتمعات الإسلامية ذاتها يتسم بالشعور «بالهزيمة الداخلية» حضارياً حتى بعد جلاء القوات الاستعمارية، وتحقيق «الانتصار» لإرادة الشعوب الإسلامية ظاهرياً. ولكن فشل تطبيق النموذج العلمي «المتقدم» في قطاع دراسات الإنسان، والمجتمع على أرضه وعلى أرضنا، إضافة إلى تغير الاتجاهات في المجتمعات الإسلامية التي بدأت الصحوة الإسلامية تنفخ فيها روح الثقة والأمل من جديد ـ: كل هذا قد ساعد على تغيير الصورة إلى حد كبير.

وعلى أي حال فإننا ودون دخول في التفاصيل نستطيع أن نعتبر أن إطلاق إشارة البدء الحقيقية لحركة التأصيل الإسلامي للعلوم قد جاءت بعد ذلك بسنوات طويلة في مقال مترجم بعنوان «أسلمة المعرفة»للدكتور إسماعيل الفاروقي (1982م)، وإذا كان ذلك المقال قد سبقه عمل آخر للفاروقي قدم في أحد المؤتمرات العلمية عام (1977م) وترجم بعنوان «صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية»(1980م)، إلا أن المقال المشار إليه أولاً قد جاء حاوياً لبرنامج واضح ومتكامل للتأصيل الإسلامي لكل العلوم لأول مرة، كما جاء متضمناً لمراحل  وخطوات محددة تعتبر اليوم بمثابة علامة بارزة على الطريق فتحت الأبواب أمام إسهامات متعددة انطلقت من نفس المنطلق، بل وأطلقت جهوداً مؤسسية واعية ومنظمة لتحقيق أهداف هذا البرنامج بشكل جاد.

     غير أن الترجمة العربية للاصطلاح وهو Islamization of Knowledge  إلى «أسلمة المعرفة» قد أثارت شيئاً من الجدل لدى البعض ممن رأوا أن المعرفة «محايدة» و«عالمية» ولا يمكن أن توصف بأنها مسلمة أو كافرة، وأنها جماد لا يصح وصفه بالكفر أو الإسلام، إضافة إلى أن البعض الآخر قد وجد شيئاً في دلالة الإشتقاق اللفظي على المضمون فاختار ترجمته «بإسلامية المعرفة» بدلاً من ذلك.

     وقد رأى آخرون الخروج بالكلية من الخلاف ولو بالعدول عن استخدام لفظ واحد (أسلمة، إسلامية) إلى اصطلاح مركب فاتجهوا إلى استخدام اصطلاح «التأصيل الإسلامي للعلوم»، ولكن هؤلاء أيضاً لم يسلموا من النقد على أساس أن لفظ «التأصيل» يوحي برد شئ إلى أصله الذي كان موجوداً من قبل في صورته الحالية أو في صورة مشابهة لها، ولما كان من المسلم به أن العلوم الحديثة بالصورة التي نتعامل معها الآن نتاج حديث، أسهمت الحضارة الغربية في بلورة مناهجه، وفي التوصل إلى نتائجه بنصيب الأسد: فقد رأى البعض أنه ليس لتلك العلوم الحديثة «أصل» كان موجوداً لدى المسلمين ولكنه اندثر ومهمتنا هي العودة إليه.

     ومن هنا فإن الكثيرين قد بدأوا اليوم يميلون إلى استخدام اصطلاح بديل جديد للدلالة على المقصود وهو اصطلاح «التوجيه الإسلامي للعلوم»، الذى يتلافى الإيحاء بمعان قد يجدها البعض غير مقبولة، ويبدو أنه ليس هناك ما يحول دون استخدام هذا الإصطلاح في الوقت الحاضر على الأقل للدلالة على ما يقصده من يتكلمون عن أسلمة العلوم أو التأصيل الإسلامي للعلوم.

     ولكن ما يهمنا أن نثبته هنا بوضوح هو أن معظم من يستخدمون هذه المصطلحات إنما يشيرون في الحقيقة إلى مفهوم «واحد»في جوهره، وأن الخلاف بينها إنما هو خلاف لفظي، وهذا أمر متوقع باعتبار أن حركة البحث عن الأصول الإسلامية لتوجيه العلوم الحديثة لا زالت كما رأينا في بدايتها الأولى، ومن المتوقع ألا ينقضي وقت طويل حتى يستقر استخدام هذه المصطلحات، ولذلك فإن جهدنا ينبغي أن ينصب الآن على تحري«المعنى» أو «المفهوم» الذي يكمن وراء هذه المصطلحات جميعها بدلاً من المناقشة الشكلية المنصبة على الألفاظ، وسنكتفي باستخدام اصطلاح«التأصيل الإسلامي» للدلالة على المعنى الذي تتحدث عنه تلك المصطلحات جميعها.

تعريف التأصيل الإسلامي:

لقد قام الدكتور الفاروقي ـ يرحمه الله ـ بتعريف أسلمة المعرفة أو إسلامية المعرفة بأنها: «إعادة صياغة المعرفة على أساس من علاقة الإسلام بها. أي إعادة تحديد وترتيب المعلومات، وإعادة النظر في استنتاجات هذه المعلومات وترابطها، وإعادة تصور الأهداف، وأن يتم ذلك بطريقة تمكن من إغناء وخدمة قضية الإسلام» (الفاروقي، 1986 م: 54) وقد بين الفاروقي أن تحقيق تلك الأهداف يمكن أن يتم من خلال:

1 ـ فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها والتمكن منها، وتحليل واقع تلك العلوم نقدياً لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام.

2 ـ فهم واستيعاب إسهامات التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور، وتقدير جوانب القوة والضعف فيه، في ضوء حاجة المسلمين في الوقت الحاضر، وفي ضوء متطلبات المعرفة الحديثة.

3 ـ القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد «تركيبة» تجمع بين معطيات التراث الإسلامي ونتائج العلوم العصرية، بما يساعد على تحقيق غايات الإسلام العليا (الفاروقي، 1982: 17ـ 21).

     ولقد حاول محمد رفقي عيسى أيضاً تحديد مفهوم أسلمة المعرفة فذكر أنها:«..اشتقاق الأسس الشرعية، والإستفادة مما توصل إليه علماء الغرب من نتائج مادية تساهم في عمارة الأرض، وقيام الإنسان بوظيفته المرتضاة له ديناً، وتوجيه هذه النتائج في سبيل تحقيق الغاية من هذا الوجود» (عيسى: 1986م، ص 33 ـ 34).

     أما د. عماد الدين خليل (1990م: ص 8 ـ 11) فقد عرًف أسلمة المعرفة أو إسلامية المعرفة بأنها تعني:«ممارسة النشاط المعرفي كشفاً، وتجميعاً، وتركيباً، وتوصيلاً، ونشراً، من زاوية التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان»، ثم بين أن مقصوده من النشاط المعرفي هو «… تسليط العقل البشري ـ أو بعبارة أدق القدرات العقلية البشرية ـ على الظواهر المادية والحيوية والروحية والإنسانية في مدى الكون والعالم والحياة»، كما أوضح أن «المعرفة» إنما هي مجرد وجه آخر من وجوه حياة الإنسان التي ينبغي أن توجه إسلامياً«…وذلك من أجل أن تصبح الحياة البشرية بكافة أنشطتها وصيغها إسلامية التوجه، إسلامية الممارسة، إسلامية المفردات… إن إسلامية المعرفة هاهنا لا تعنى فقط الدعوة لتحقيق الوفاق بين معطيات العلوم الإنسانية، وبين المطالب الدينية على مستوى التطبيق، وإنما تعنى قبل هذا وبعده احتواء كافة الأنشطة المعرفية الإنسانية على المستويين النظري والتطبيقي معاً من أجل جعلها تتحقق في دائرة القناعات الإيمانية وتتشكل وفق مطالبها وتصوراتها الشاملة».

     وقد فضل أحد الأقسام العلمية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية استخدام تعبير «تأصيل العلوم إسلامياً» على تعبير أسلمة العلوم وعرفه بأنه:«جعل جميع العلوم التي تدرس في العالم عامةً ـ وفي العالم العربي والإسلامي خاصةً ـ منطلقة ومنبثقة من أصول الإسلام ومفاهيمه العقائدية المبثوثة في القرآنوالسنة والمحددة لمفاهيم: الألوهية والإنسان والكون والحياة، والعلاقة بين كل منها، ورفض إقامة العلوم على أصول ومفاهيم تتعارض مع العقيدة الإسلامية ومقتضياتها» (مركزالبحوث، 1987م، ص: 34).

     كما قامت اللجنة الدائمة للتأصيل الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتعريف «التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية» على أنه:

«تأسيس تلك العلوم على ما يلائمها في الشريعة الإسلامية من أدلة نصية أو قواعد كلية أو اجتهادات مبنية عليها، وبذلك تستمد العلوم الإجتماعية أسسها ومنطلقاتها من الشريعة ولا تتعارض في تحليلاتها ونتائجها وتطبيقاتها مع الأحكام الشرعية، ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن تدخل العلوم الاجتماعية في إطار العلوم الشرعية وإنما المهم ألا تتعارض معها. ولا تتعارض عملية التأصيل بهذا المفهوم العام مع أي تقدم علمي وتطور منهجي لا يناقض المنهج الإسلامي على أساس أن الإسلام دعا إلى العلم وحث عليه».

     وقد رأت اللجنة أن هذا يمكن تحقيقه من خلال العناصر التالية:

1 ـ وضع تصور إسلامي متكامل عن الإنسان والمجتمع والثقافة بحيث يمثل الإطار الفكري العام لدراسة القضايا والموضوعات المطروحة في مجال العلوم الاجتماعية.

2 ـ وضع منهج إسلامي متميز لتلك العلوم يطلق عليه المنهج الإسلامي للعلوم الاجتماعية ينبني عليه قيام مدرسة متميزة في العلوم الاجتماعية تسمى المدرسة الإسلامية في العلوم الاجتماعية.

3 ـ العودة إلى الأصول الإسلامية، والتراث الإسلامي القويم عند دراسة القضايا التربوية والاجتماعية والنفسية للإستفادة من هذا التراث.

4 ـ إبراز المبادئ والمسلمات والمفاهيم والمنطلقات التي تعبر عن التصور الإسلامي للعلوم الاجتماعية، وتصحيح النظريات والمفاهيم الاجتماعية على ضوء ذلك.

5 ـ عرض نتائج البحوث الاجتماعية على القواعد الإسلامية والتصورات الصحيحة فما انسجم معها قبل وما تعارض معها رفض وما كان جديداً لا يناقض الحقائق والمسلمات الإسلامية قبل باعتباره إضافة سليمة إلى المعرفة.

     أما بالنسبة للتأصيل الإسلامي لعلم النفس فقد تم تعريفه على أنه «إقامة هذا العلم على أساس التصور الإسلامي للإنسان، وعلى أساس مبادئ الإسلام وحقائق الشريعة الإسلامية بحيث تصبح موضوعات هذا العلم وما يتضمنه من مفاهيم ونظريات متفقة مع مبادئ الإسلام ـ او على الأقل ـ غير متعارضة معها» (محمد عثمان نجاتي، 1989م: ص 6ـ 7).

     أما عن التوجيه الإسلامي لعلم النفس فإنه قد عرف (كمال مرسي: 1991م:25) على أن المقصود به هو «إيجاد وجهة علمية Scientific Paradigm   لهذا العلم في البلاد الإسلامية، مستمدة من منهج حياتها، توجه علماء النفس المسلمين في نظرتهم إلى الإنسان، وفي تفسير سلوكه، وفي وضع برامج تنمية صحته النفسية ووقايته من الإنحراف، وعلاج انحرافاته، وفي اختيار موضوعات البحوث، وتفسير نتائجها…».

     ولقد يكون من الممكن في ضوء ماسبق أن نعرف «التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية»

أو التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية اختصاراً بأنه: يعني«بلورة أبعاد التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والكون، واستخدام هذا التصور كأساس معرفي تنطلق منه العلوم الاجتماعية ليكون موجهاً لنظرياتها ومفسراً لحقائقها ومشاهداتها التي ثبتت صحتها بالتجربة، أو الدليل العلمي المحقق»، ويلاحظ  أننا قد حاولنا في هذا التعريف أن نوضح الصورة التي ينبغي أن تكون عليها العلاقة بين معطيات التصور الإسلامي من جانب، وبين معطيات المشاهدة الحسية التجريبية من جانب آخر، على أساس أن التصور الإسلامي المنطلق من اجتهاد المسلمين في فهم الوحي يمثل الإطار النظري الأشمل (الذي يمكن أن يضم أطراً تصورية «تفصيلية» في داخله بالطبع) الذي ينطلق منه التنظير لفهم الإنسان والمجتمع ـ سواء فيما يتصل بأحوالهما في هذه الحياة الدنيا مباشرة، أو في تأثر تلك الأحوال بما ينتظر الإنسان في الحياة الباقية ـ والذي يتم في ضوئه تفسير الحقائق الإمبريقية، أو الملاحظات والمشاهدات التي يتم التوصل إليها من خلال الدراسات الواقعية، بما نعتقد أنه يعالج الازدواجية المنهجية التي أدت بهذه العلوم إلى الحال التي نجدها عليها الآن، وقد فصلنا القول في هذه القضية في غير هذا الموضع (إبراهيم رجب،1991م) حديث يمكن الرجوع إليه.

وفي ضوء التعريف السابق يمكن لنا أيضاً وبنفس القياس أن نعرّف «التأصيل الإسلامي للخدمة الإجتماعية» بأنه: «بلورة أبعاد التصور الإسلامي للطبيعة البشرية، وللسنن النفسية والاجتماعية التي تحكم السلوك البشري والتنظيمات المجتمعية، وكذلك لأسباب المشكلات الفردية والاجتماعية، واستخدام هذا التصور لتفسير الحقائق العلمية الجزئية التي تستند إليها ممارسة المهنة، وكذا لتوجيه المبادئ والقيم المهنية المتضمنة في نظريات الممارسات وأساليب التدخل المهني».

ولقد يقول قائل إنه إذا كانت الخدمة الاجتماعية تستند إلى قاعدة علمية مستمدة من علوم النفس والاجتماع والاقتصاد وغيرها من العلوم الاجتماعية، وإنه إذا تم تأصيل تلك العلوم فإنها ستكون قد «بلورت» أبعاد التصور الإسلامي للطبيعة البشرية والسنن النفسية والاجتماعية… إلخ، فكيف يتضمن تعريف التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية «بلورة» هذا التصور مرة أخرى، وبطبيعة الحال فإن هذه الحجة تقوم على أن العلوم الاجتماعية قد بلورت تلك الأبعاد بالفعل، أو أنها ستبلورها في المدى القريب نسبياً، ولكن خبرتنا كمهنيين قد دلتنا على أن تناولالعلوم النظرية للقضايا الواقعية عادة ما يتطلب وقتاً طويلاً؛ لأن تلك العلوم لا تواجه إلحاح الواقع المباشر على الوجه الذي تصادفه مهن المساعدة الإنسانية، وهذا يحتم على تلك المهن أن تتخذ زمام المبادرة أحياناً لكي تقوم بما كان ينبغي أن يقوم به غيرها ممن تعتمد عليهم قاعدتها العلمية، حتى لا يطول انتظارها حال وقوفها على خط المواجهة الساخنة مع مشكلات الواقع، ومن هنا فإن الخدمة الاجتماعية لا تملك في بعض الأحيان إلا أن تبلور لنفسها من المعارف التي وإن لم تكن درجة صدقها محددة بالمقاييس الإحصائية إلا أنها كافية لتوجيه تدخلها المهني في المواقف الواقعية التي تواجهها يومياً، والتي تنتظر اتخاذ قرار؛ لأنها لا تملك رفاهية الإنتظار. هذا مع الإستفادة الكاملة بطبيعة الحال من أي شذرات نظرية تكون تلك العلوم قد توصلت إليها، ثم إن تلك العلوم إذا توصلت في النهاية إلى معارف متحقّقا من صدقها، وتم تأصيلها فإنها ستسارع بلا ريب إلى الاستفادة منها.

المبحث الثاني

                               شروط التأصيل الإسلامي الصحيح

إن المتأمل لجميع التعريفات السابقة ليجد أنها ـ رغم الإختلافات في الصياغة وفي درجة الإجمال أو التفصيل ـ تجتمع على معان رئيسية مشتركة للتأصيل الإسلامي الحق، ويمكن لنا أن نطبقها عملياً في جملتها باعتبارها معياراً صالحاً للتمييز بين ما يندرج في إطار جهود التأصيل الإسلامي أو التوجيه الإسلامي الصحيح وبين ما لا يندرج تحته من إسهامات، أما ما يتجاوز تلك المتطلبات أو المعاني مما ورد في التعريفات؛ فلا يعدو في الحقيقة أن يكون من نوع «الضوابط» التي يرى البعض ضرورة التأكيد عليها، أو من نوع «التفصيلات» التي تبين الكيفية التي تتم بها عملية التأصيل ذاتها مما يمكن التجاوز عنه في هذه المرحلة، لنعود إليه عند الحديث عن التأصيل الإسلامي بالمعنى الشامل، وفيما يلى نسوق الشروط المحددة المذكورة.

يتطلب التأصيل الإسلامي للعلوم توافر الشروط الثلاثة الآتية مجتمعة:

1ـ الانطلاق من إدراك واضح لأبعاد «التصور الإسلامي» للإنسان والمجتمع والكون المنبثق من الكتاب والسنة، ولما يتضمنه من تراث الإسلام مما يرتبط بالتخصص، مع نظرة نقدية لإسهامات علماء المسلمين حول قضاياه.

2ـ استيعاب «العلوم الحديثة» في أرقى صورها، مع القدرة على نقدها، والاستفادة منها، وتجاوزها بشكل بناء كلما اقتضى الأمر ذلك.

3ـ إيجاد «تكامل حقيقي» بين معطيات التصور الإسلامي من جانب، وبين إسهامات العلوم الحديثة من جانب آخر، وليس مجرد الجمع أو التجاوز المكاني أو حتى المزج بينهما دون وحدة حقيقية.

     تلك هي الشروط التي تجمع التعريفات التي عرضناها فيما سبق على ضرورة توافرها إذا كنا نتحدث حقاً عن تأصيل إسلامي أو توجيه إسلامي على أي وجه جاد، وهي في الوقت ذاته تعتبر كالمقياس أو المعيار الذي يمكن أن تقاس به الإسهامات في هذا المجال.

     ومن الواضح أن هذه الشروط أو المتطلبات الثلاثة ينبغي أن تتوافر «مجتمعة» لكي يصح أن نحكم على أي جهد أو إسهام بأنه ينتمي حقاً لما يعتبر من قبيل التأصيل الإسلامي للعلوم بمعناه الصحيح، وبطبيعة الحال فإن توافر هذه الشروط النموذجية في أي عمل واقعي محدد إنما هو أمر غير متوقع، فأي إسهام أو عمل بعينه قد يقترب أو يبتعد عن هذا النموذج بدرجات متفاوتة، فقيمة «النموذج» لا تكمن في طلب تحققه كاملاً في الواقع، وإنما قيمته في توجيه الأعمال حتى يسير في اتجاهه، وتقترب منه بقدر الإمكان، وبشكل تراكمي، ومن جهة أخرى فإن إبراز معالم النموذج يفيدنا من الناحية السلبية في أنه يكون جرس الإنذار الذي ينبه إلى أن الجهود التي تسير في غير اتجاهه ـ أو في عكس الإتجاه ـ لن توصل إلى الهدف، بفرض صحة النموذج وصدقه طبعاً.

                                      المبحث الثالث

                        مداخل التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية

     إن أي مراجعة للكتابات والأعمال التي يدرجها أصحابها في عداد جهود التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية تكشف لنا أن القليل من تلك الأعمال تتوفر فيه بالفعل تلك الشروط الثلاثة مجتمعة بما يحملنا على الظن أنها على الأقل تسير في الإتجاه الصحيح ـ سواء نجحت في ذلك أم لم تنجح، كما تكشف أيضاً أن بعض الجهود الأخرى قد يتوافر فيها شرط أو شرطان فقط من شروط التأصيل الحق، وهنا فإنه لا يكون بوسعنا إلا أن نحكم على تلك المحاولات بأنها تفتقد بعض مقومات الطريق الصحيح، أو أنها تتوقف عند بعض مراحله ـ دون أي إيحاء بالانتقاص من قيمتها في ذاتها، فالكثير من تلك الأعمال التي تفتقد شرطاً من شروط التأصيل الجيد قد بذل فيها جهد كبير، وقد تكون لها منفعتها التي لا شك فيها، ولكن هذا ليس هو ما يعنينا في هذه الدراسة؛ لأن اهتمامنا منصب أساساً على درجة متابعة تلك الأعمال لأهداف التأصيل، والسير في الطريق الصحيح أكثر منه على تحديد قيمة الأعمال في ذاتها، وبالنسبة لأهداف جانبية أخرى قد تكون لها قيمتها الكبيرة.

     وبتطبيق تلك القواعد على الأعمال والكتابات التي تندرج عادة تحت مسمى التأصيل فقد تبين لنا أن بعضها فقط كما ذكرنا يستحق هذه التسمية (لاستيفائه للشروط الثلاثة)، كما تبين أن البعض الآخر يندرج في نطاق ما يمكن أن نسميه بجهود أو مداخل «ما دون التأصيل» أو «شبه التأصيل»؛ وذلك لعدم استيفائها لشرط أو أكثر من تلك الشروط الثلاثة (مع وجود اعتبارات أخرى وأهداف جانبية قد تكون لها وجاهتها يحاول أصحاب تلك الأعمال تحقيقها كما ذكرنا).

     من هنا فقد أمكن لنا أن نميز بوضوح بين المداخل المختلفة الآتية:

أولاً: مداخل ما قبل التأصيل:

(1)مدخل الملائمة الاجتماعية والثقافية.

(2)المدخل الدفاعي (أو الإعتذاري).

(3)مدخل «الثقافة الإسلامية».

(4)مدخل العلوم الاجتماعية «للمسلمين».

ثانياً: مداخل التأصيل الإسلامي الصحيح:

(1)المدخل الجزئي (القطاعي).

(2)المدخل الشامل.

     وفيما يلى نتناول كلاً من هذه المداخل بشئ من التفصيل، حيث نوضح موقف كل منها من حيث درجة الوفاء بشروط ومتطلبات التأصيل الإسلامي الصحيح، كما نبين المسلًمات التي يقوم عليها كل مدخل منها، ثم نضرب بعض الأمثلة من الأعمال الواقعية التي تبنت كل مدخل من هذه المداخل الستة.

ولكن من الضروري أن نؤكد هنا أن أي محاولة لتصنيف الأعمال العلمية كمحاولتنا هذه إنما تتضمن بطبيعتها محاولة فرض أو إسقاط لنوع من الإنتظام على مادة واقعية لم تنظم نفسها مسبقاً وفقاً لأنساقنا التصنيفية، وبالتالي فإن أي تصنيف يحتمل دائماً شيئاً من التعسف إذ يحاول مثلاً الفصل بين مدخلين «متقاربين» في مسلماتها الأساسية، أو عندما يحاول الجمع بين مدخلين يوجد قدر من الإختلاف بين مسلماتهما، وبالتالي فإن قيمة أي تصنيف إنما تكمن في إضفاء صورة «مفهومة»للواقع من خلال ضم متفرقاته في إطار عدد «محدود» من الفئات اقتراباً من ذلك الواقع بقدر الإمكان، مع احتمالات قائمة دائماً بوجود قدر من التدخل بين فئات التصنيف، أو وجود محاولات تنبو عن إمكانية تصنيفها ضمن فئات ذلك النسق التصنيفي، أو وجود محاولات تتضمن عناصر من أحد المداخل مع عناصر من مدخل آخر ويمكن في هذه الحالة اعتبارها منتمية إلى فئات بينية بين فئات التصنيف.

المبحث الرابع

مداخل ما قبل التأصيل

     لقد ذكرنا أن بإمكاننا التمييز بين أربعة مداخل يمكن أن تندرج ضمن مداخل«ما قبل التأصيل» أو مداخل «ما دون التأصيل» الإسلامي الصحيح، كما أوضحنا فيما سبق أن ما بين هذه المداخل هو افتقادها لشرط أو أكثر من شروط التأصيل الإسلامي الحق: ألا وهي الانطلاق بوضوح من «التصور الإسلامي» للإنسان والمجتمع والكون؛ ثم استثمار إسهامات «العلوم الحديثة» في أرقى صورها بعد استيعابها، وفهم المسلًمات التي بنيت عليها، والقدرة على تجاوزها؛ ثم إيجاد «تكامل حقيقي» بين معطيات التصور الإسلامي وإسهامات العلوم الحديثة على وجه يقدم فيه التصور الإسلامي الأطر والموجًهات الكبرى للتنظير والممارسة، وتقدم فيه الإسهامات العلمية التفصيلات المحققة واقعياً، مع إمكان التنظير الجزئي المنطلق من تلك المشاهدات الواقعية في نطاق الأطر الإسلامية العامة، وفيما يلي نتناول كل مدخل من هذه المداخل بشئ من التفصيل.

     ويلاحظ أن هذه المداخل تتفاوت فيما بينها تفاوتاً كبيراً من حيث حجم الإهتمام الذي لقيه كل منها من جانب آخر، مع احتمال وجود بعض الإسهامات الواقعية التي تجمع بين خصائص أكثر من مدخل واحد في الوقت ذاته.

أولاً: مدخل الملائمة الاجتماعية والثقافية

     يقوم هذا المدخل على التسليم ضمناً بصلاحية مناهج البحث العلمي التقليدية، وسلامة النظريات والتعميمات التي تم التوصل إليها باستخدامه، وصلاحية نظريات الممارسة في جوهرها للتطبيق في كل مكان ـ ولكن مع أخذ الظروف المحلية والعوامل الثقافية في الإعتبار حتى تتلائم نماذج العلم والتطبيق مع الواقع المادي والاجتماعي والثقافي في المجتمع الذي تتم فيه البحوث أو الممارسة.

     ويتراوح هذا المدخل من حيث المدى الذي يذهب إليه أصحابه من حيث حدود الملاءمة المسموح بها ـ:بين من يكتفون بمجرد تنقية الشوائب التي تتعارض مع الشريعة، ومن يطالبون بإيجاد المواءمة الضرورية واللازمة بين العلوم أو المهن، وبين النسيج الثقافي الذي تتم فيه البحوث والممارسة.

(1)   فعلى المستوى الأول:فإننا نجد من يطالبون بتنقية العلوم والمراجع والكتابات العلمية والمهنية من «الشوائب» التي تتعارض مع الشريعة تعارضاً صارخاً، وذلك على أساس إتخاذ إجراء سريع لاستبعاد ما هو سلبي، حتى ولو لم يكنفي النية بذل جهود إيجابية أخرى في اتجاه التأصيل، وذلك لتجنب الظهور بمظهر انعدام الحساسية نحو قيم وثقافة المجتمع الذي يتم فيه البحث أو الممارسة.

     فالجهود التي تقتصر في جوهرها على التخلص مما يخالف وجهة النظر الإسلامية إذن تعتبر بمثابة «طوارئ» عاجلة تستبعد الضرر، وإن لم تحقق الفائدة الإيجابية المرجوة، ويمثل هذا ما جاء في تقرير لأحد الأقسام العلمية بإحدى الجامعات الإسلامية عن جهوده في التأصيل الإسلامي حيث يتحدث عن «مراجعة مفردات المواد أكثر من مرة للتأكيد من خلوها مما يتعارض مع وجهة النظر الإسلامية» (مركز البحوث،46)، فلا يعقل مثلاً أن يقوم الأساتذة في مجتمع مسلم بتدريس آراء فرويد التي تنص على أن الدين هو نوع من المرض النفسي العصابي الجماعي العام في البشر (o,.Doherty:15)

     كما أنه في محيط الخدمة الاجتماعية لا تصح الدعوة إلى مثل ما جاء في أحد مراجع خدمة الفرد حول الزعم بأن الإسلام لن يقف حائلاً دون إباحة التبني بمعناه القانوني في الغرب بزعم أن الإسلام لا يقف «حائلاً دون الإصلاح ودون التطور الحديث بدليل أنه لم يقف من قبل حائلاً دون تنظيم النسل ودون سفور المرأة وخروجها إلى العمل»، وذلك رغم أنه معروف للعامة والخاصة أن الإسلام قد حرّم التبني تحريماً قاطعاً مع حث المسلمينبكل قوة على رعاية اليتامى بكل سبيل.

     وكما أنه لابد من إعادة النظر في مسألة إباحة المقابلات الفردية والزيارات المنزلية بين الأخصائي الإجتماعي والعميل في حالة اختلاف الجنس؛ لتعارض ذلك مع القواعد الإسلامية التي لا تبيح الإختلاط.

(2)أما على المستوى الثاني: فإن عملية الملاءمة تتخذ أبعاداً أعمق بكثير من مجرد تنقية الشوائب والمخالفات الصارخة للشريعة، فنرى البعض يطالبون «بتوطين» العلوم الاجتماعية ومهن الممارسة الإنسانية لكي تستجيب لواقع تلك المجتمعات، فرأينا مثلاً من يدعو إلى بناء «علم نفس وطني ـ إن جاز هذا المصطلح ـ متميزاً عن علم النفس الغربي في توجيهاته وقوانينه ومناهجه». ولم تكن هذه الدعوى بدعة فقد سبقهم إليها علماء النفس في اليابان والهند ورومانيا الذين أخذوا يدعون إلى علم نفس وطني في بلادهم (كمال مرسي: 43ـ 44).

     ويتوازى مع هذا المطلب في محيط الخدمة الاجتماعية ظهور حركة قوية تنادي «بتكييف وتطويع المهنة حسب ظروف ومتطلبات المجتمع الذي تعمل فيه (حتى) تتلاءم أكثر مع النسيج الثقافي الذي توجد فيه (عبد الفتاح عثمان وآخرون، 1942م:285)، وهذا هو ما يعرف باتجاه «توطين الخدمة الإجتماعية»، والتوطين بهذا المعنى مفهوم براجماتي واقعي «يتشابه مع عملية تكييف الكائن الحي الذي لا يتلاءم مع بيئته مقضي عليه بالفناء» (عبد الحليم رضا، 1989م:195 ـ 196)، ويوضح صاحب هذا الرأي المنطلق الذي اعتمده في المناداة بحتمية توطين الخدمة الاجتماعية على أساس الحماس الوطني من جهة، ومن جهة أخرى على أساس «اختلاف الظروف السياسية والإجتماعية والإقتصادية بين الدول المتقدمة صناعياً وبين الدول النامية؛ وهذا التباين في النسيج الثقافي لابد وأن يفرض على الخدمة الاجتماعية الآتية من الخارج أن تتعرض لتغير يجعلها منسجمة مع سائر مكونات النسيج الثقافي للمجتمع».

ومثل هذا الموقف يرشح أصحاب هذا المدخل ليكونوا أقرب الناس لتفهم وتعضيد فكرة التأصيل الإسلامي؛لأنها تعتبر الإمتداد الطبيعي لموقفهم العلمي، فإنهم لما كانوا قد سلموا بأن ممارسة المهنة لابد أن تكون منسجمة مع«النسيج الثقافي» للمجتمع الذي تمارس فيه، ولما كان الإسلام يمثل في المجتمعات الإسلامية أقوى العناصر تأثيراً على «ثقافة» تلك المجتمعات (سواء رضينا بذلك أم لم نرضى) بسبب «طبيعته المؤسسية» التي لها رؤيتها المحددة بالنسبة لكل النظم الاجتماعية في المجتمع، فلا مناص أمامهم من التسليم بأن التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية في الدول الإسلامية هو الطريق الوحيد الذي يشير إليه بوضوح اتجاه توطين الخدمة الاجتماعية ذاته.

     ولكننا نجد أن أصحاب هذا المدخل يتفاوتون فيما بينهم بشكل كبير من حيث موقفهم من قضية التأصيل الإسلامي للعلوم ولمهن المساعدة الاجتماعية، ففي محيط علم النفس فإنا نجد أن ذلك الفريق من المطالبين بعلم نفس وطني (ويصنفون ضمن متابعي الأسلوب الغربي) «يلتزم بتوجيهات علم النفس الغربي ونظرياته وقوانينه ومبادئه كما هي في بلادها، ويسير منضبطاً في ركاب جمعيات علم النفس هناك، ويدخل وراء علماء الغرب كل منحى توجهوا إليه حتى ولو دخلوا جحر ضب لتبعهم في ذلك» (كما يقول مالك بدري) (مرسي: 46).

     وأما في محيط الخدمة الاجتماعية فإننا نجد من بين هؤلاء من يرى أن التأصيل الإسلامي يعتبر«نظرة إلى الوراء…فرض الماضي على الواقع الحالي…تتولد عنه حركة ارتداد ـ أي حركة إلى الخلف…» (عبد الحليم رضا:197) دون أن يدركوا أن الشرط الثاني من شروط التأصيل الصحيح استيعاب العلوم الحديثة في أرقى صورها، وإيجاد التكامل بينها وبين التصور الإسلامي، مما يقوي لدينا الشعور بأن الفهم الصحيح لطبيعة عملية التأصيل الإسلامي لابد أن يستتبعه تعديل في مواقف الكثيرين ممن نظروا فيها إلي جانب دون جانب.

     ولقد غلا بعض المفكرين ممن يعتبرون من قادة الرأي العام في اعتراضهم على مبدأ التأصيل الإسلامي للعلوم (النظرية) مع التسليم بإمكان المواءمة الثقافية في حالة العلوم التطبيقية، فهذا د. زكي نجيب محمود يقول ما نصه:«والمثل الذي أسوقه هنا هو تلك الدعوة التي تزداد كل يوم تضخماً واتساعاً وارتفاع صوت حتى ليوشك باطلها أن يقع موقع الحق في نفوس سامعيها وهى الدعوة إلى أسلمة العلوم الإنسانية… وفي هذا القول خطأ… فالحقيقة العلمية (لا تتغير) بتغيير الأجناس والألوان والديانات والأعراف والتقاليد… على أن ذلك لا ينفي أن اختلاف الثقافات بين الأفراد والشعوب قد يؤدي إلى اختلاف في تطبيق تلك العلوم» (1987:13)، والحق أن لصاحب هذا الرأي شبهة مبعثها توهم الحياد القيمي للعلوم النظرية وفقاً للنموذج التقليدي «القديم» للعلم المنطلق من فلسفة وضعية منطقية عفا عليها الزمان، وقد فصلنا القول حول هذه القضية في غير الموضع حيث يمكن الرجوع إليه تفصيلاً (إبراهيم رجب،1991م)، (وانظر أيضاً: محمد أمزيان، 1991م).

     وفي ضوء ما سبق فإن من الواضح أن الجهود التي تبذل في إطار مدخل الملائمة الاجتماعية والثقافية يلاحظ عليها ما يلي:

(1)أنها لا تعتبر بذاتها جهوداً للتأصيل الإسلامي بمعناه المتكامل وذلك للأسباب الآتية:

أ ـ أن ما يبذل من جهود على مستوى«تنقية المخالفات الصارخة للشريعة» ليس إلا جهداً من النوع السلبي الذي لا ينشئ شيئاً إيجابياً جديداً في اتجاهالتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية بقدر ما يزيح شيئاً سلبياً من الطريق.

ب ـ أن ما يبذل من جهود «للملائمة مع النسيج الثقافي» للمجتمع من خلال فكرة التوطين التي تقف عند حد مراعاة الإعتبارات الاجتماعية والإقتصادية والسياسية، لا تسهم أيضاً إسهاماً إيجابياً كافياًفي التأصيل الإسلامي، وذلك لانطلاقها من تصور قومي أو محلي لا من تصور إسلامي.

(2) أن نفع تلك الجهود محدود وموقوت، وأنه لابد من استكمال السير في نفس الإتجاه إلى مداه الذي لابد أن ينتهي إلى التأصيل «الإسلامي» حتى يمكن أن يكون لتلك الجهود مردود ملائم فيما يتصل بصدق النظريات أو فاعلية الممارسات.

ثانياً: المدخل الدفاعي (الاعتذاري)

يقوم هذا المدخل على محاولة إثبات أن الإسلام ممثلاً في القرآن والسنة المطهرة أو فيما انبثق عنهما من إسهامات السلف وغيرهم من علماء المسلمين المتقدمين ـ: قد كان فضل السبق في التوصل إلى نظريات ومفاهيم لم يأت بها العلم الحديث إلا مؤخراً، فنرى الباحثين يبذلون جهوداً كبيرة لانتقاء الآيات أو الأحاديث النبوية التي تدعم بعض المفاهيم أو النظريات المألوفة في العلوم الاجتماعية الحديثة، ويتصور أصحاب هذا المدخل أنهم بهذا «يدافعون» عن الإسلام، ويثبتون صحة حقائقه، ويبرهنون على تفوقه على إسهامات العلم الوضعي، وكأنهم بهذا يثبتون صدق الرسالة.

     وقد كثر استخدام هذا المدخل بشكل خاص في علم النفس بسبب تعرض القرآن الكريم في آيات عديدة لأحوال النفس وأحوال القلب والعقل وما شابهها من مصطلحات تتصل بالحياة النفسية والروحية، ولعل من المحاولات الواضحة في هذا الإتجاه ما قام به عزت الطويل للربط بين بعض الآيات الكريمة وبعض مفاهيم نظرية التحليل النفسي مسوياً بين النفس اللوامة والأنا الأعلى، وبين النفس الأمارة بالسوء وبين اللاشعور (وقد يقصد الهوى)، وبين النفس المطمئنة والشعور (وقد يقصد الأنا) (فؤاد أبو حطب1989م:43:44).

ويطلق الدكتور فؤاد أبو حطب على هذا المدخل «الإتجاه الإسقاطي» على أساس أن أصحابه يقرأون القرآن الكريم على نحو يتفق مع وجهتهم المعرفية، كما أطلق عليه أيضاً اتجاه «الترجمة الفورية» للمفاهيم النفسية في الإطار الإسلامي، وهذا يتشابه من وجه ويختلف من وجه آخر مع ما سماه د. مالك بدري باتجاه «المسايرة» عند أولئك الذين«يكتبون أبحاثهم على أساس مبادئ علم النفس الحديث ونظرياته وممارساته، ثم يبحثون بعد ذلك عن الآيات القرآنية والأحاديث التي لها أدنى صلة سطحية بموضوعاتهم فينشرونها في البحث هنا وهناك ثم يقدمونه على أنه تأصيل إسلامي لعلم النفس» (أبو حطب:45)، فوجه الاتفاق بينهما يتمثل في الانطلاق من مفاهيم العلوم الحديثة وتدعيمها بأدلة شرعية، ولكن وجه الاختلاف يكمن في أن أصحاب الاتجاه الدفاعي يغلب أن يكونوا من المتحمسين عاطفياً للاتجاه الإسلامي الراغبينبصفة أساسية في دعم موقف الإسلام، أما أصحاب اتجاه المسايرة فهم أكثر اهتماماً بالاستمرار في إطار التوجيهات المألوفة للعلم الحديث.

     ولو أننا حللنا المسلمات التي يقوم عليها هذا المدخل لوجدنا ما يلي:

1ـ يسلم أصحاب هذا المدخل«ضمناً» بصحة «نظريات» العلم الحديث ومطابقتها للواقع بما يتجاوز الزمان والمكان.

2ـ يسلم أصحاب هذا المدخل بأن إثبات تطابق الكتاب والسنة مع تلك النظريات يدعم مكانة الإسلام كدين، ويثبت أنه لايتعارض مع العلم (لاحظ مثلاً ما أعلنه أحد من ثبتوا هذا المدخل):«ليس هناك تعارض إذن بين القرآن وعلم النفس في نظرة كل منهما إلى النفس البشرية»(أبو حطب:44).

3ـ عادة ما يكون إثبات التطابق بين مفاهيم العلم الحديث والنصوص تطابقاً سطحياً لا يتسم بالأصالة.

     ومن الواضح أنه لا يسعنا التسليم بالمقولة الأولى أصلاً، وذلك على أساس ما هو معروف من أن النظريات العلمية وإن كانت تنطوي على بعض الحقائق أو التعميمات الإمبيريقية التي تم التحقق من صدقها واقعياً، إلا أنها تضم ما هو أكثر من ذلك بكثير مما لا يخرج عن كونه فروضاً وأطر تفسيرية لم تخضع بعد للتحقق الواقعي، بل إن بعض النظريات «العلمية» التي ذاع صيتها لا تضم إلا عدداً محدوداً للغاية مما يمكن في حين أن معظم محتواها إنما هو مما«ابتكره» صاحب النظرية من تفسيرات من عنده، مما يجعل «النظريات العلمية»بطبيعتها دائماً محل نظر دائم، كما يجعلها معرضة باستمرار للتعديل والتبديل بل للطرح والاستبعاد في حالات قليلة حيث يحل محلها ما هو أقدر منها على التفسير.

وبناء على ذلك فإن المقولة الثانية التي يسلم بها أصحاب هذا المدخل تتهاوى، فمحاولات إثبات سبق الإسلام للتوصل إلى مفاهيم ونظريات ليست محققة ولا صحيحة ـ: أمر لا يدعم مكانة الإسلام، ولا يأتي بخير؛ لأنه لا يقربنا من معرفة الحقيقة، غاية الأمر أن أصحاب هذا المدخل قد هزمهم الشعور بهزيمة العالم الإسلامي أمام الحضارة الغربية المتميزة بإسهاماتها العلمية والتكنولوجية، وأنهم يحاولون محاولة يائسة للدفاع عن دينهم بطرق ليست منتجة مما يؤدي عادة إلى عكس هدفهم.

     ويترتب على ما سبق نتيجتان:

(1)أن نشر البحوث المنطلقة من هذا المدخل قد يوحي للبعض أن هذا النهج يحقق أهداف التأصيل الإسلامي في حين أن الحقيقة بخلاف ذلك.

(2)أن صرف الجهود والطاقة في هذا الإتجاه ليس مثمراً، وأن الأولى بذل الجهود في الطريق الصحيح للتأصيل الإسلامي حتى لو لم تكن ثمرتها قريبة المتناول.

(3)أن السير في هذا الإتجاه بما يؤدي إليه من خلط وتشويش يصرف الباحثين من ذوي الإخلاص (وإن لم يكونوا من ذوي التفهم لحقيقة التأصيل الإسلامي الصحيح) عن الإسهام في حهود التأصيل الحق.

(4)أن نشر تلك المحاولات قد يؤدي في بعض الحالات المتطرفة إلى إعطاء المعارضين ـ للتأصيل الإسلامي على أسس أيدولوجية معينة ـ أسلحة يهاجمون بها جهود التأصيل الصحيح، ويمثل هذا بوضوح ما جاء في نقد أحدهم لمثل تلك الجهود إذ يقول:«لم تتجاوز تلك المحاولات حقيقة بذل جهد لإيجاد تطابق بين قيم الخدمة الاجتماعية وبين القيم الغربية من جهة، وبينها وبين الإسلام من جهة أخرى، ولذلك هزمت دعاوى الأسلمة نفسها بنفسها» (مختار عجوبة، 1989: 112).

ثالثاً: مدخل «الثقافة الإسلامية»

  إذا كانت الجهود التي بذلت في إطار المدخل السابق تبدأ منطلقة من المفاهيم والنظريات الحديثة بحثاً عما يدعمها من النصوص التي تثبت أن الإسلام  قد سبق العلم الحديث في التوصل إليها، فإن هذا المدخل على العكس من ذلك يقوم على عرض مفاهيم الإسلام وبسط موقفه من القضايا المتصلة بالتخصص، استنباطاً من المصادر الشرعية دون اهتمام يذكر بإيجاد أي «تكامل حقيقي» مع ما جاءت به العلوم الحديثة في هذا الشأن، وأصحاب هذا الإتجاه وهم يتصورون أنهم بذلك يدعمون تخصصهم ويثرونه بإعطائه قاعدة شرعية، وفي بعض الحالات المتطرفة قد يريدون أن يثبتوا أنه لا حاجة لتخصصهم بما جاءت به العلوم الحديثة؛ لأن بإمكانهم الإعتماد على التراث الإسلامي وحده في هذا المجال.

فترى من ينطلق من المدخل يعالج الموضوع بطريقة شبيهة بالدراسة الفقهية البحتة، ويستند إلى مراجع لعلوم الشرعية أساساً، بنفس المنهج وطريقة التناول التي نجدها عند المتخصصين في مادة «الثقافة الإسلامية» التي تدرس في الجامعات العربية لتزويد الطلاب ـ كما يذكر أحد مراجعها ـ «بثقافة نافعة عن (الإسلام) تؤدي إلى ترسيخ مبادئه، والإيمان بمثله، وفهم نظمه، ورد الشبهات عنه، وإحباط المكائد التي تحاك ضده من أعدائه، وبخاصة في المضمار الفكري والثقافي…» (عمر عودة الخطيب، 1986:5)، ويوضح مؤلف آخر أن كلمة الثقافة الإسلامية تطلق «على التراث الفكري الذي خلفته الحضارة الإسلامية في جميع جوانبه:الديني والفلسفي والتشريعي… وهذا التراث قد انبثق من التصور الشامل الذي كونه الإسلام في المجتمع الإسلامي والذي يستمد حقيقته من القرآن الكريم…» (محمد فاروق النبهان، 1974)، وهذه كلها أهداف نبيلة، ولاشك، ولكنها شئ والتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية شئ آخر.

ويمثل هذا المدخل في علم النفس إسهام محمد رشاد خليل وغيره ممن كتبوا في إطارعلم النفس الإسلامي بمعنى آخر ـ غير المعنى الشائع ـ «يهدف إلى دراسة النفس الإنسانية دراسة مكتبية من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية واجتهادات علماء المسلمين على مر العصور، لبيان موقف الشرع منها ووصفه لأحوالها وطبيعتها…» (كمال مرسي:64)

ويمثله في نطاق علم الاجتماع معظم ما جاء في دراسة عن «الإسلام وعلم الاجتماع العائلي» للدكتور عبد الرءوف الجرداوي (1988) الذي بدأ كتابه بإشارة توحي بمتابعة لمدخل العلوم الاجتماعية «للمسلمين» (ص 10ـ 11) إلا أنه انتهى إلى إسهام شبيه بإسهامات مدخل الثقافة الإسلامية.

كما يمثله في محيط الخدمة الاجتماعية ما قدمه د. لبيب السعيد (1980) في كتابه عن «العمل الجماعي: مدخل إليه ودراسة لأصوله الإسلامية» خصوصاً ما جاء في القسم الثاني منه تحت عنوان «أصول العمل الجماعي في الإسلام» حيث يقوم المؤلف باستعراض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة ومواقف السلف، التي تصور موقف الإسلام وممارسة المسلمين في جوانب ومجالات متعددة من مجالات ممارسة المهنة، حيث عقد فصولاً للحديث عن أصول الجماعة في الإسلام، وأصول الخدمة الاجتماعية في مجالات الأسرة والطفولة، والمجال الطبي من منظور الإسلام، وقد بذل المؤلف جهداً كبيراً في تجميع النصوص التي تلائم كل جانب من تلك الجوانب المختارة، ولكن دون أي محاولة للربط بينها وبين الأطر المستمدة من نظريات الممارسة الحديثة.

وقد قدم د.علي حسين زيدان مؤخراً دراسة موضوعها «دور الخدمة الاجتماعية في العمل مع المنحرفين: منظور إسلامي» استقى فيه مادته من المصادر الشرعية وحدها عن قصد حيث قال: «يحتوي الإسلام على تصور متكامل للتعامل مع ظاهرة الإنحراف، وصفاً وتحليلاً، وتفسيراً، وعلاجاً… وقد حرص الباحث على أن يقتصر في إعداده لهذا (البحث) على المراجع الإسلامية حتى لا يقع أسيراً للفكر الوضعي…» (1991:3).

وفي ورقة قدمت في فترة باكرة من عمر حركة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية حاول الدكتور الفاروق زكي يونس أيضاً (1981) استخلاص مبادئ وتوجيهات الإسلام فيما يتصل بالرعاية الاجتماعية غطى فيها القضايا المتصلة بحقوق الفرد وحقوق القرابة والجوار، وحقوق الأطفال ورعاية المسنين وغيرهما.

وبصفة عامةفإن الجهود التي تبذل في نطاق هذا المدخل وإن لم تتحقق لها شروط التأصيل الكاملة على الوجه الذي أوضحناه، إلا أنها طالما كانت جهوداً جادة ومنظمة، تتسم بالتعمق والبصيرة فإنها ولاشك تقدم مادة يمكن للجهود التأصيلية التالية أن تستفيد منها، وبشرط ألا توحي تلك الكتابات بأنها تقدم نتاجاً«مكتملاً» من نوع التأصيل الإسلامي الصحيح؛ لأن هذا إن حدث فإنه يجر جهود الباحثين الآخرين في غير الإتجاه المطلوب من جهة، كما أنه قد يؤدي من جهة أخرى إلى شعور غيرهم بأن عملية التأصيل قد بلغت مداها رغم أن الأمر ليس كذلك.

وإذن فإن الجهود التي تبذل لاستخلاص ما في المصادر الشرعية من قواعد أو مبادئ عامة أو حقائق مقررة مما يتصل بالتخصص العلمي أو المهني ـ: تعتبر«خطوة» على الطريق إلى التأصيل الإسلامي وإن لم تعتبر تأصيلاً إسلامياً بالمعنى الشامل ـ فهذا يتطلب إضافة إلى ذلك استيعاباً كافياً لإسهامات العلم الحديث وتكاملاً بينهما بشكل حقيقي.

 

رابعاً:مدخل العلوم الاجتماعية

«عند المسلمين»

يقوم هذا المدخل على نوع من التسليم المعلن أو الضمني لسلامة المنهج العلمي التقليدي المستخدم في الوقت الحاضر في العلوم الاجتماعية، والتسليم بصحة النتائج التي تم التوصل إليها باستخدامه، ولكن مع الإقتناع بضرورة توجيه جهود خاصة لدراسة سلوك الفرد المسلم والمجتمع المسلم باعتبارها فئات متميزةبخصوصيتها من بين الفئات التي تتولى تلك العلوم دراستها، بحيث ينشأ نتيجة لهذا فرع من فروع الدراسة في علم النفس مثلاً ينصب على «السلوك الديني للإنسان المسلم» أو فرع لعلم الإجتماع ينصب على «دراسة المجتمعات الإسلامية»، يطلق عليه في الحالة الأولى «علم النفس الإسلامي» (بأحد المعاني التي يرد بها هذا الإصطلاح في كتابات علم النفس)، وفي الحالة الثانية «علم الاجتماع الإسلامي» (بأحد المعاني المستخدمة أيضاً)، وأما بالنسبة للمهن فإن هذا المدخل يتمثل في تطبيق طرق ومنهجيات التدخل المهني الحالية دون تعديل كبير ولكن لتحقيق أهداف المجتمع المسلم في إطار ما أصبح يعرف «بالخدمة الاجتماعية الإسلامية» في بعض الكتابات الحديثة.

فأما بالنسبة لعلم النفس فلعل أول من دعا إلى بناء «علم النفس الإسلامي» بهذا المضمون كان د. أحمد فؤاد الأهواني الذي أشار في تقديمه لكتاب عن الدراسات النفسية عند علماء المسلمين في عام 1962 إلى أننا «إذا كنا أفسحنا المجال لدراسة الظواهر الدينية نفسانياً، فلا غرابة أن نقول بوجود علم نفس إسلامي كما نقول بوجود علم نفس نصراني… لاختلاف خصائص كل دين من الأديان» (كمال مرسي: 6ـ7).

وقد أشار د. فؤاد أبو حطب في تحليله لهذا التوجه (ص46) إلى أننا نستطيع أن نستشف مما كتب في هذا الإتجاه الدعوة «لبناء فرع من فروع علم النفس يهتم بالدين الإسلامي كما تهتم فروعه الأخرى بمجالات اهتمامها»، كما أنه بعد أن قام بمراجعة بعض الكتابات التي سارت في هذا الإتجاه قد بين أن بعضها يذكر صراحةً «أنه لن يطمح في أن يستنبط له منهجاً جديداً، إنما هو يستوحي لذلك ما أنتجه بعض أئمة البحث الغربيين من مناهج»، ومن هذا نرى أن القضية بالنسبة لأصحاب هذا التوجيه لا تخرج عن فتح الباب لدراسة الخبرة الدينية للإنسان المسلم باستخدام نفس مناهج الدراسة التقليدية في علم النفس.

أما في محيط علم الاجتماع فقد دعا إلياس بايونس إلى ما سماه «بعلم اجتماع إسلامي» لسد الفراغ في كتابات علم الاجتماع حول «المجتمعات الإسلامية أو… منطقة الثقافة الإسلامية…(حيث) إن الدراسة المنظمة للإسلام حقل مهمل إهمالاً جسيماً في علم الاجتماع، فلا تكاد تكون هناك دراسة اجتماعية للإسلام والمجتمعات الإسلامية… إننا في حاجة إلى علم اجتماع إسلامي من أجل فهم المعتقدات والمجتمعات الإسلامية» (بايونس، 1984:42ـ 44).

ويسير د. زكي إسماعيل في نفس الإتجاه بوضوح إذ يقرر أن «علم  الاجتماع الإسلامي من حيث كونه علماً يدرس الظواهر والنظم الاجتماعية دراسة وصفية تقريرية تعبر عما هو كائن من النظم، (أما من حيث هو إسلامي الإتجاه فإنه يدرس هذه النظم والوقائع من منطلق إسلامي اجتماعي أي من حيث دراسة هذه الظواهر والنظم والعلاقات والتفاعلات الناشئة عن احتكاك المسلمين ببعضهم البعض وبغيرهم في معاملاتهم وشعائرهم ونسكهم، أو دراسة نظمهم وعلاقاتهم الاجتماعية مع غير المسلمين…» (1988:24)، ثم إنه يؤكد أن علم الاجتماع الإسلامي ليس علماً معيارياً يدرس ما ينبغي أن يكون، ويشير إلى أنه إذا كان علم الاجتماع الديني يدرس الظاهرة الدينية في عمومها فإن علم الإجتماع الإسلامي يقتصر على «الظواهر الإسلامية»، ويقرر أن علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع الإسلامي كلاهما «لا يهتم ببيان أثر اتباع القواعد الدينية ومزاياها» (ص 26).

أما في محيط الخدمة الاجتماعية فلعل أول من دعا لاستخدام اصطلاح «الخدمة الاجتماعية الإسلامية» بهذا المعنى المحدد هو د. محمد أحمد عبد الهادي في كتابه بهذا العنوان (1988) حيث أوضح هدفه بغير التباس حيث يقول: «إن ما نقصده بالخدمة الاجتماعية الإسلامية هو استخدام طرق الخدمة الاجتماعية ذاتها بأدواتها وأساليبها وتكنيكها في تحقيق أهداف الدين الإسلامي، أي أنها مجال جديد من مجالات العمل بالخدمة الاجتماعية شأن العديد من المجالات الأخرى» (ص:335)، فكأن الخدمة الاجتماعية الإسلامية بهذا المعني تسلّم بالأهداف التقليدية والوسائل التقليدية الحالية للمهنة، ولكنها فقط«تخصص» الأهداف من حيث إنها توجهها إلى خدمة أهداف المجتمع المسلم، وفي هذا خروج من الدائرة الضيقة لعلمنة الخدمة الاجتماعية التي سادت في المجتمعات غير الإسلامية ردحاً طويلاً من الزمن إلى سعة الإلتزام بأهداف المجتمعات الإسلامية.

ومن الواضح أن الجهود التي تبذل في نطاق مدخل العلوم الاجتماعية «عند المسلمين» وإن كانت تسد فراغاً لا يجمل بمجتمع مسلم أن يهمله على هذه الصورة، إلا أنها في ذاتها لا يمكن الإكتفاء بها كجهود تمثل «التأصيل الإسلامي» أو التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية بالمفهوم الصحيح. فلقد رأينا أن من كتبوا في إطار هذا المدخل إنما يبدأون بالتسليم عادةً بما هو متعارف عليه من النواحي المنهجية أو النظرية في نطاق التخصص ولكنهم يطبقونها في دراسة (في حالة العلوم النظرية) أو إصلاح (في حالة المهن) المجتمع المسلم، دون بذل جهود أو محاولات جادة لإعادة النظر في هذه العلوم والمهن بهدف تجاوز تلك المنطلقات المنهجية أو النظرية التقليدية في إطار التصور الإسلامي الصحيح.

ولكننا نود أن نفرق هنا بين موقفين واضحين يمكن ملاحظتهما في الأعمال المنطلقة من هذا التوجيه فيما يتصل بأسباب تسليم أصحابها بالمناهج والمنطلقات التقليدية في التخصص:

1ـ فبعض الكتاب يسلّمون بالمناهج والمنطلقات التقليدية على أساس أنها منطلقات «علمية» صحيحة لابد من الإلتزام بها، وأنه لا مجال لإعادة النظر فيها ولا مشروعية لذلك، ومن الواضح أنه يصعب تصنيف أصحاب هذا الموقف في عداد أصحاب اتجاه التأصيل الإسلامي الحق، ويرجع السبب في إصدار ذلك الحكم إلى أن التناول التقليدي لهذه العلوم حتى وإن انصب على مجتمع مسلم فإنه سيكون محكوماً بالإتجاهات الفكرية المادية، والإمبيرقية المتطرفة المنطلقة من نظرة مختلفة للإنسان والكون والحياة، ولرسالة العلم ومنطلقاته في منظورها التقليدي «القديم».

فكيف يمكن والحال كذلك أن نأمل في انعتاق هؤلاء من إسار تلك التصورات التي لا تنظر للفرد المسلم أو المجتمع المسلم إلا كما تنظر إلى عينة مادية لا صلة لنا بها.

إن هذا يذكرنا بموقف عالم النفس الشهير كارل يونج الذي دافع بشدة عن أهمية الدين في العلاج النفسي حتى قال: «إنه لم يصادف مريضاً نفسياً إلا وجده ضعيف التدين، وما وجد مريضاً تم شفاؤه إلا بعد أن حسن دينه»، ولكنه من جهة أخرى كان يرى الأديان كلها شيئاً واحداً ويقول عن نفسه أنه مجرد عالم نفس إمبيريقي يسجل ما يشاهده، وكان ينظر إلى الدين على أنه مجرد «حقيقة نفسية» أما هو فإنه كان غنوصياً ويمكن أن يكون ملحداًDoherty,1978:16) o.)

ومما هو جدير بالذكر أن أصحاب هذا التوجه مقاربون في موقفهم إلى حد كبير مع أصحاب مدخل الملاءمة الإجتماعية والثقافية من المنادين بتوطين العلوم والمهن والذين يتوقفون دون أخذ العوامل الروحية والدينية في الإعتبار ولنفس الأسباب.

2ـ ولكن البعض الآخر وإن طالبوا بدراسات منصبة على المجتمع المسلم أو بممارسات تحقق أهدافه في إطار فرع أو مجال للعلم أو المهنة التي تخصصوا فيها فإنهم يدركون أهمية العوامل الروحية والدينية في خصوصية تأثيرها على سلوك الفرد المسلم والمجتمع المسلم، ويوجهون جهودهم الجادة لدراستها في حدود الممكن، وهم بهذا يختلفون بشكل واضح عن أصحاب مدخل الملاءمة الإجتماعية والثقافية المنادية بالتوطين الذين لا يذكرون حتى لفظ «إسلامي» ضمن اهتماماتهم، ويقتصرون علي اهتمامات ذات طبيعة جغرافية وإقليمية ومحلية، أو يراعون جوانب مادية واجتماعية وثقافية مختزلة (تستبعد أي إشارة إلى الإسلام) فقط.

ومن الواضح أن من الضروري لأصحاب هذا التوجه أن يكونوا على وعي كامل بأن متابعة هذا المدخل على هذا الوجه لا تخرج عن كونها أحد الجوانب المفيدة ـ وبشكل مرحلي ـ نحو تحقيق أهداف التأصيل الإسلامي بمعناه الصحيح، وأن يدركوا أنه بعد أن تحقق جهود التأصيل الإسلامي الصحيح لدرجة كافية من النضج فإن ما يترتب على ذلك من وضوح الرؤية الإسلامية للظواهر النفسية والاجتماعية وللمارسات المنطلقة منها ـ: ستغطي وتتجاوز الإهتمامات المحدودة«للمسلمين» ـ بل إن المتوقع عندئذ أن التأصيل الإسلامي لتلك العلوم والمهن عندما يبلغ مداه ـ: فإنه لن يكون قادراً فقط على تفسير السلوك والعلاقات الاجتماعية للمسلمين، وفي نطاق العالم الإسلامي فقط، ولكنه سيتجاوز ذلك إلى تفسير الظواهر الإنسانية في كل المجتمعات التي خلقها الله سبحانه وتعالى.

المبحث الخامس

مداخل التأصيل الإسلامي الصحيح

رأينا فيما سبق أن المداخل التي تعرضنا لها الآن لا تتحقق فيها شروط التأصيل الإسلامي الحق كاملة، ومن هنا جاءت تسميتها بمداخل ما قبل التأصيل أو ما دون التأصيل، بقصد التمييز بينها وبين المداخل التي تسير في الإتجاه الصحيح للتأصيل الإسلامي على الوجه الذي تعكسه التعريفات التي قدمتها لهذا الموضوع، والآن فإن بوسعنا الإنتقال لمناقشة مدخلين ينتميان إلى هذه الفئة الأخيرة من المداخل وهما المدخل الجزئي والمدخل الشامل.

أولاً: مدخل التأصيل الجزئي

يقوم هذا المدخل على فهم صحيح لمتطلبات عملية التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية، من استيعاب واستثمار إسهامات العلم الحديث في الإطار العام للتصور الإسلامي الصحيح للإنسان ومكانه في هذا الوجود، مع إيجاد التكامل الحقيقي فيما بينهما، ولكن كنتيجة للشعور بما يتطلبه التأصيل الشامل من وقت طويل وجهود مضنية جماعية ومؤسسية، فإن المنادين بمتابعة هذا المدخل يفضلون تجزئ الموضوعات والقضايا والمجالات التي يتضمنها التخصص، ثم بذل الجهود لتأصيل كل منها على حدة، مع نوع من التوقع بأن هذا الجهد سيؤدي في النهاية إلى «ما يعادل» التأصيل الشامل المطلوب.

ويمكن التمثيل لهذا المدخل بما جاء بتقرير أحد الأقسام العلمية حول منهجه في التأصيل الإسلامي، حيث ذكر ضمن ما ذكره من أنشطة الربط بين الإسلام وعلم النفس الحديث موضحاً أن هذا الربط يمكن أن يتحقق عن طريق «أبحاث محددة… يخدم كل منها موضوعاً معيناً يعمل على الربط بين المادة العلمية في مجال علم النفس وبين الإسلام…» (مركز البحوث:46).

وقد حددت اللجنة الدائمة للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ما يزيد عن خمسين موضوعاً مقترحاً تقع في نطاق اهتمامات علم النفس، وعلم الإجتماع، والخدمة الاجتماعية، والتربية يدعى للكتابة فيها الباحثون بأمل أن تنجلي هذه الجهود البحثية الفردية عن تصور عام وشامل.

وتعتبر محاولة جمال سلطان لتأصيل مفهوم «وقت الفراغ» (1990) نموذجاً طيباً لتطبيق هذا المدخل، فقد قام الباحث باستقصاء ونقد الإسهامات العلمية التي توصلت إليها الحضارة الغربية حول هذا المفهوم، ثم انطلق من فهم واضح للتصور الإسلامي للإنسان ليعيد صياغة هذا المفهوم من منطلق إسلامي بطريقة جادة ومتعمقة.

والحق أن هذا المدخل يلبي حاجة لدى أولئك الذين لا يرون في الميدان حتى الآن جهوداً جماعية ومؤسسية كافية لتحقيق أهداف التأصيل الإسلامي بمفهومه الشامل، ومن هنا فإنهم يفضلون فتح الأبواب أمام الإسهامات «الفردية» ما دامت ملتزمة بالمفهوم الصحيح للتأصيل، رغم الإدراك بأن هذه الجهود الفردية لابد بالضرورة أن تكون في نطاق الإمكان بالنسبة للباحث الفرد.

ولكن النقد الذي يوجه أساساً إلى هذا المدخل إنما يدور فقط حول التساؤل عما إذا كان يمكن التوصل إلى تأصيل حقيقي للجزئيات فبل التوصل إلى تصور متكامل للأطر الكلية التي تحكمها، أم أن هذا التناول الجزئي يغلب أن يؤدي إلى فقدان للإتجاه الصحيح دون أمل في تصحيح المسار لعدم وجود تصور كلي شامل كنقطة بداية.

وبلغة أخرى فإن عملية التأصيل الإسلامي تتطلب أولاً توافر «تصور إسلامي واضح» حول الإنسان والمجتمع والكون، يكون بمثابة القاعدة العريضة أو الإطار الأشمل الذي يمكن في ضوئه تقييم إسهامات العلم الحديث في كل موضوعات التخصيص، وما لم تتوافر تلك القاعدة العريضة أو ذلك الإطار الأشمل فإنه سيكون من الصعب إتمام ذلك التقويم على أساس متوازن، مما يفتح المجال للرؤى الجزئية عند معالجة كل موضوع أو قضية في غيبة ذلك الإطار الأشمل.

ولنضرب مثالاً لذلك بمن يحاول تأصيل ممارسة الخدمة الاجتماعية في مجال رعاية الأحداث مستخدماً مدخل التأصيل الجزئي، ولنفرض أنه قد اتخذ كنقطة بداية لتحليله الإنطلاق من نظرة للطبيعة الإنسانية مثلاً تقوم على أهمية العوامل الروحية المتعلقة بصلة الإنسان بربه كعوامل حاسمة في السلوك السوي، أو السلوك المنحرف (في حالة اعتلال تلك الصلة)، ولكنه لم ينطلق من نظرية شاملة حول السلوك الإنساني في سوئه وانحرافه من المظور الإسلامي بما كان يمكن أن يضع أمامه بوضوح موقع العوامل الروحية بين تلك العوامل، فإنه يمكن أن يتوصل إلى نتائج قاصرة نتيجة لعدم الإعتماد على إطار تصوري شامل، ومن هنا فإن الجهد الذي يبذل سيكون جهداً مفيداً، ولكنه سيكون جزئياً يصعب ضمه إلى غيره للتوصل في الإتجاه العكسي إلى تصور شامل للمهنة كلها من المنظور الإسلامي.

ومع ذلك فإن تجزئ المشكلات قد يؤدي إلى إلقاء الأضواء على جوانب من تلك المشكلات تكون سبباً في إنارة الطريق أمام المواجهة الشاملة للمشكلة، ونقصد بذلك أن من المحتمل أن تؤدي جهود التأصيل الجزئي إلى لفت الأنظار إلى القضايا ذات الطبيعة الشاملة التي تتبدى أمام كل باحث في موضوع جزئي من زاوية مختلفة، مما يؤدي إلى إلقاء الضوء على المشكلة الصعبة فييسر مواجهتها، وهذا يبرر القول بأن مواجهتها للقضايا الشديدة التعقيد والتداخل التي تتضمنها عملية التأصيل الإسلامي بالمعنى الصحيح ينبغي ألا تقتصر على مدخل واحد، وأن استخدام المدخلين الجزئي والشامل بشكل متزامن أو متواز يمكن أن يكون له دوره الإيجابي على عملية التأصيل بأسرها.

ثانياً: مدخل التأصيل الشامل

رغم اتفاق هذا المدخل مع المدخل السابق من حيث وضوح الرؤية بالنسبة لما يعتبر تأصيلاً إسلامياً حقيقياً، إلا أنه يختلف عنه بالنسبة لقضية أساسية تتصل بنقطة البدء وأسلوب العمل، فهذا المدخل يقوم على ضرورة الوصول إلى وضوح بالنسبة للأساسيات قبل الدخول في الجزئيات والتفاصيل، بمعنى أنه لابد من بذل جهود كافية أولاً لاستجلاء التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والكون، الذي سيكون بدوره أساساً للنظر في إسهامات العلم الحديث في جملتها أيضاً، بما يمهد الطريق في خطوة تالية لإيجاد التكامل بينهما بطريقة شاملة ومنطقية.

ولما كان هذا المدخل يعتبر بمثابة النموذج الذي ينبغي السير فيه ـ منطقياً ـ لتحقيق التأصيل الشامل للعلوم الاجتماعية، فلعل من المناسب أن نقدم هنا تصوراً للخطوات أو المراحل التي يتضمنها سير العمل وفق هذا النموذج، ولعل الخطوات التي وصفها الفاروقي لأسلمة المعرفة تعتبر نموذجاً يحتذى في هذا المقام، إلا أن نطاق اهتمام ذلك العمل كان واسعاً يتضمن جميع العلوم الطبيعية منها والاجتماعية، ولذلك فقد وجدنا من الأوفق أن نعتمد على توصيف لتلك الخطوات قدمه أحد الرواد في مجال التأصيل الإسلامي لعلم النفس يتميز بأنه ينطلق من نفس المنطلقات العامة لأسلمة المعرفة مع التطبيق على علم النفس.

لقد فصّل د. محمد عثمان نجاتي (ص 8 ـ 31) الخطوات التي ينبغي أن تمر بها عملية التأصيل الإسلامي في علم النفس انطلاقاً من هذا المدخل الشامل بطريقة يمكن بقليل من التعديل أن تكون أساساً للتأصيل الإسلامي للعلوم الإجتماعية بصفة عامة، وفيما يلي نعرض تلك الخطوات مع شئ من التصرف الذي يجعلها قابلة للتعميم على تلك العلوم ـ:

(1)التوصل إلى اتفاق على المسلمات المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح للكون والحياة والإنسان، والتي تعتبر أصولاً نهتدي بها في تحليلنا النقدي لموضوعات العلوم الاجتماعية لمعرفة ما يمكن قبوله منها وما لا يمكن قبوله.

(2)التمكن من العلم المراد تأصيله تمكناً تماماً، بحيث نكون على معرفة شاملة ودقيقة بموضوعات هذا العلم، وتطوره التاريخي، ومناهجه في البحث، ونتائجه ونظرياته، والمشكلات التي لم تحسم فيه بعد.

(3)التمكن من الأصول والمبادئ الإسلامية التي تتصل بموضوعات ذلك العلم اعتماداً على ما جاء في الكتاب والسنة حول تلك الموضوعات أو ما يرتبط بها.

(4)المعرفة بإسهامات علماء المسلمين مما يتصل بموضوعات وقضايا ذلك العلم، ونقد تلك الإسهامات في ضوء التحليل التاريخي الذي قد يكشف عن المصادر غير الإسلامية (مصادر يونانية ـ هندية ـ صوفية…الخ).

(5)التحليل النقدي لإسهامات العلم الحديث في التخصص في ضوء التصور الإسلامي الشامل المشار إليه في الخطوة الأولى، وفي ضوء الأصول والمبادئ الإسلامية المحددة المتصلة بذلك العلم المشار إليها في الخطوة الثالثة، فما اتفق مع ذلك التصور وتلك الأصول أبقى عليه، وما لم يتفق أخضع للدراسة بهدف تعديله أو استبعاده، وذلك في ضوء إدراك المسلمات التي استند إليها ذلك العلم في الوصول إلى تلك النتائج.

(6)إجراء البحوث النظرية والميدانية والتجريبية في مجال التخصص في ضوء التوجه الإسلامي للإضافة إلى المعارف العلمية وإثرائها من هذا المنطلق، بما يضيف إلى الإسهامات العلمية الصحيحة، ويملأ الثغرات في الموضوعات التي لم تنجح إسهامات العلم التقليدية في تغطيتها على الوجه الصحيح.

(7)التبادل العلمي بين المتخصصين في ذلك العلم، كذا بينهم وبين المتخصصين في العلوم الشرعية المرتبطة بموضوعه على أوسع نطاق ممكن، ضماناً لتحقيق قدر ضروري من المعرفة المشتركة التي ينطلق منها البحث العلمي المستقبلي في هذا المجال، حتى تتحقق «وحدة المعرفة» على المستوى المؤسسي كما تحققت على المستوى البحثي.

(8)إعادة صياغة موضوعات العلم من توجه إسلامي، وإعادة كتابة المراجع والكتب الدراسية لتنطلق من المنظور الإسلامي.

والمتأمل لهذه الخطوات ليدرك أنها بالرغم من وضوحها وتسلسلها تثير عدداً كبيراً من القضايا، وتحتاج إلى جهود مضنية، وممارسة واقعية حتى نصل إلى وضوح أكبر فيما يتصل بتفصيلات أداء العمل على الوجه المطلوب.

فإذا نظرنا على سبيل المثال إلى الخطوة الأولى المتصلة بالإتفاق على المسلمات التي يقوم عليها التصور الإسلامي الصحيح فإننا نجد القائمة التي قدمها د. نجاتي (9ـ 21) تدور حول الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحول وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة، وحول طبيعة الإنسان المادية والروحية، وحول خيرية الإنسان وحرية إرادته، وهي قائمة قد يتفق الباحثون معها وقد يختلفون، سواء من حيث استيعابها لكل المسلمات الضرورية، أو من حيث علاقتها ببعضها، أو من حيث اعتبار بعضها فروضاً تستحق الإختبار والتطوير بدلاً من اعتبارها مسلًمات لا تقبل الإختبار، وهذه القائمة تفتح الباب ولاشك أمام مزيد من الجهود وصولاً إلى أرضية أوسع للإتفاق.

وبنفس القياس فإن قضية تحديد الأصول الإسلامية التي تقابل موضوعات وقضايا كل علم من العلوم الاجتماعية أو مهنة من مهن المساعدة الإنسانية ليست بالبساطة التي تظهر بها لأول وهلة، فالباحث في التراث الإسلامي عما يقابل موضوعات تخصصه قد يكون محكوماً أو على الأقل متأثراً في تحديد نطاق بحثه بالمفاهيم والأطر التصورية المستمدة من تراث العلم الحديث ذاته دون أن يدري، فالمرء لا يبحث عن شئ لا يعرف حدوده ولا يدري شيئاً عن كنهه، وإنما الأكثر احتمالاً أن يسترشد بما هو مألوف لديه من حدود ومفاهيم، مما يجره إلى ما يريد أن يتجنبه دون أن يدري.

أما عن النظرية النقدية لإسهامات العلم الحديث فإن النجاح فيها يتوقف على إدراك المسلمات والإفتراضات التي تكمن وراء كل نظرية علمية أكثر من مجرد مراجعة قضايا النظرية في ظاهرها، فبعض الباحثين لا يثور شكهم إلا عند مصادفة عبارات أو قضايا أو تعميمات تتجافىفي ظاهرها مع التصور الإسلامي، أما فيما وراء ذلك فإنهم يتصورون أن الأمر لا يستدعي مزيد تنقيب، وكمثال على ذلك فإننا قد رأينا بعض المؤلفين يقررون مثلاً أنه لا فرق من الناحية العلمية أن ننظر إلى الصحة النفسية من منظور الإسلام أو من منظور علم النفس الحديث، لأن الهدف في الناحيتين واحد ألا وهو سعادة الإنسان، وقد فات هؤلاء أن معنى السعادة مختلف أشد الإختلاف بين المنظور العلمي الحديث المنطلق من الحضارة الغربية وبين المنظور الإسلامي كما أكد على ذلك بقوة غيرهم من الباحثين.

أما عن إجراء البحوث في ضوء التوجه الإسلامي للإضافة إلى معرفتنا الحالية حول الإنسان والمجتمع فأمر يحتاج إلى وضوح كامل فيما يتصل بالقضايا المنهجية التي يثيرها، ولعل أخطر تلك القضايا يتصل بكيفية تحقيق مبدأ «وحدة المعرفة» تأسيساً على مبدأ «وحدة الحقيقة» (الفاروقي، 1986: 80 ـ 117) أو الجمع بين معطيات الوحي من جهة والمشاهدات الأمبيريقية من جهة أخرى، فالنظام العلمي التقليدي قد فصل بين الإثنين فصلاً تاماً، والمطلب الأساسي لأسلمة المعرفة هو الجمع بينهما، وقد رأينا بعض الباحثين يمزجون بينهما بطرق لا تحقق التكامل الصحيح فيما شرحناه من مداخل ما قبل التأصيل، ولكن الحل الصحيح لهذه القضية المنهجية الجوهرية إنما يمكن فيما نظن فيما سميناه في موضوع آخر (رجب، 1991) «بثورة التنظير في العلوم الاجتماعية» والتي تتمثل أفكاره الرئيسية فيما يلي: ـ

أـ بدلاً من اعتماد النظريات العلمية في نموذج العلم التقليدي على خيال الباحث أوعلى التخمين Conjectureفي التوصل إلى أطر تفسيرية للحقائق والتعميمات الإمبيرقية، فإننا نعتمد في النظريات الملتزمة بالتوجه الإسلامي على أطر تفسيرية مستمدة من فهمنا للكتاب والسنة مع الإستفادة من إسهامات علماء المسلمين حول الموضوع.

ب ـ نستمد فروض البحوث الجارية من تلك النظريات الملتزمة بالتوجه الإسلامي ونختبرها في الواقع بمعناه الشامل، مع مراعاة أن اختبار تلك الفروض في الواقع سيتطلب استخدام مناهج وأدوات أكثر ملاءمة للنظرة الإنسانية الروحية الجديدة للإنسان ككائن ذي وعي وذي إرادة يوجه حياته كفاعل، وليس كمجرد كائن منفعل بالمؤثرات الخارجية.

ج ـ كلما فشلنا في رفض فروض البحث المستمدة من النظرية (بتعبير رجال الإحصاء) كلما ازدادت ثقتنا في النظرية المنطلقة من التوجه الإسلامي، وكلما ثبت لنا خطأ الفروض فإننا نعود لنراجع صحة «فهمنا» للتراث الإسلامي الذي انطلقنا منه من جهة، كما نراجع إجراءاتنا البحثية وطرقنا في قياس المتغيرات من جهة أخرى، ثم نقوم بتعديل الموقف بحسب ما تكشف عنه المراجعة، لكي نعاود الكرة من جديد بالصورة المألوفة لنا تماماً في دورة العلم الدائبة.

ومما سبق يتبين لنا بجلاء أن هذا المدخل الشامل تتوفر فيه جميع الشروط الواجب توافرها في أي جهد متكامل للتأصيل الإسلامي الصحيح، كما يتبين لنا في الوقت ذاته أن هذا المدخل يتطلب في الواقع ما لا يقل عن عملية إعادة نظر كاملة، وإعادة بناء شاملة لكل علم من العلوم الاجتماعية، ولكل مهنة من مهن المساعدة الإنسانية، ومن الواضح أن هذا يتطلب تكريس الجهد والوقت لسنوات وسنوات لفرق من الباحثين المنظمين، المؤيدين بالإطارات المؤسسية المناسبة، قبل أن تبدأ ثماره الطيبة في الظهور.

كما أن السير في هذا الطريق يتطلب توافر الباحثين المتضلعين في كل من العلوم الحديثة من جانب والعلوم الشرعية من جانب آخر، وهؤلاء عملة نادرة حالت دون إنتاجها قوى تاريخية، ودولية، واجتماعية عديدة لا مجال لوصف أبعادها في هذا المقام، وليس بالإمكان توافر الأعداد المطلوبة من هؤلاء الباحثين إلا باستخدام برامج لإعادة تأهيل جميع المتخصصين في الفروع الحديثة للعلوم الإجتماعية وبعض المتخصصين في العلوم الشرعية على الأقل على الوجه الآتي: ـ

1ـ إذا تفهم كل مشتغل بالعلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية في الدولة الإسلامية أنه لم يعد بإمكانه أن يعيش مطمئناً راضي الضمير إلى أنه يؤدي عمله كما ينبغي، أو الزعم بأنه يؤدي واجبه كما يجب ـ: إلا إذا اختط لنفسه خطة (لا تعوقه عن أداء عمله اليومي) تضمن له أن يقوم بإعداد نفسه (في حدود فترة زمنية معقولة) للإلمام المنظم بمنابع وطرائق البحث في العلوم الشرعية بطريقة تدريجية ـ مع الإستفادة مما يمكن أن توفره الجامعات والهيئات المهتمة بالقضية من برامج وأنشطة مساعدة على ذلك.

2ـ إذا أدرك بعض المشتغلين بالعلوم الشرعية على الأقل بأن واجبهم يحتم عليهم الإلمام بالقضايا والنظريات التي ينطلق منها إخوانهم المشتغلين بالعلوم الاجتماعية والذين يقومون بتخريج جيوش من الخريجين الذين يتولون قيادة مختلف الأنشطة في مختلف جوانب الحياة (رضينا بذلك أم لم نرضى) حتى يستطيعون تقديم المشورة المناسبة لهؤلاء الزملاء عند تعرضهم في دراساتهم العلمية لقضايا الحياة والتنظيمات الاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للمسلم في هذا العصر الذي نعيش فيه.

وبطبيعة الحال فإن أيسر شئ يستطيعه كل فريق هو أن يعرض عن الآخر وأن ينأى بجانبه، مستشعراً لجوانب تفوقه وراضياً عن نفسه، فتلك مقتضيات قانون القصور الذاتي الذي لا يمكن أن يؤدي إلى خير، والخاسر الوحيد من وراء هذا التجافي وتلك القطيعة هو ـ: مجتمع المسلمين، والأمر يتطلب تواضع كل من الفريقين لله سبحانه وتعالى ولإخوانه المسلمين، والتعاون على البر والتقوى عسى أن يكتب الله التوفيق لكل من الفريقين في خدمة المجتمع المسلم.

ولقد سار المعهد العالمي للفكر الإسلامي شوطاً طيباً في طريق خدمة هذا المنظور الشامل للتأصيل الإسلامي أو التوجيه الإسلامي للعلوم من خلال عدد متنوع من الأنشطة والأساليب يهمنا أن نشير إلى بعضها هنا مما يتصل بشكل مباشر بالعلوم الاجتماعية:

1ـ الدراسات التي تمس قضايا المنهجية في العلوم الاجتماعية.

2ـ إعداد مكانز تضم تصنيفات موضوعية (وأبجدية) لمفاهيم العلوم الاجتماعية المختلفة.

3ـ تكشيف آيات القرآن الكريم التي تتصل بكل علم من العلوم الاجتماعية وتصنيفها موضوعياً بطريقة تفصيلية، مع إيراد ما جاء بكتب التفسير حول تلك الآيات بما ييسر للباحثين استباط التصور الإسلامي المنبثق عنها.

4ـ تكشيف الأحاديث الشريفة المتصلة بكل علم من العلوم الاجتماعية مع شروحها.

5ـ مراجعة وتحليل إسهامات علماء المسلمين في كل علم من العلوم الاجتماعية مما يضع أمام الباحثين ثروة من الرؤى المنطلقة من التصور الإسلامي، مع قراءة نقدية لها لبيان أي مؤثرات غير إسلامية قد تختلط بها.

ولا شك أن حصيلة تلك الجهود عند اكتمالها ـ بإذن الله ـ إنما تضع الأساس المتين الذي يستطيع الباحثون استثماره لبناء إسهاماتهم الأصيلة لمحاولة إيجاد التكامل البنّاء بين ما نزل به وحي السماء مما يتصل مباشرة أو يوجه عموماً الدراسات المتصلة بالإنسان والمجتمع، وبين ما هو ملائم من جهود بذلها البشر طوال قرون في محاولات للفهم التفصيلي للسنن المحكمة، والقوانين الإلهية التي تحكم حياة البشر.

ورغم أن المدخل الشامل هو بحكم طبيعته مدخل يتطلب عملاً جماعياً منظماً ومدعماً تدعيماً مؤسسياً مناسباً، فقد حاول البعض بذل جهود فردية للتأصيل الإسلامي المنطلق من المنظور الشامل، فقد بذل الدكتور فاروق الدسوقي (1986) جهداً لإيجاد تكامل حقيقي منبثق من فهم واضح للتصور الإسلامي للإنسان والمجتمع، وبين معطيات علم الاجتماع الحديث، وسواء  اتفقنا مع ما توصل إليه الدكتور الدسوقي فيما يمكن اعتباره محاولة للتأصيل الإسلامي لعلم الاجتماع من المنظور الشامل أو لم نتفق معه فإن المرء لا يملك إلا احترام أصالة الباحث، وقوة تمكنه من ناحية العلوم الشرعية والعلوم الحديثة لدرجة مكنته بسهولة ويسر من تجاوز ما جاءت به العلوم الاجتماعية الحديثة حينما وجدت الحاجة لذلك.

كما ينبغي أن ننوه أيضاً بجهد فردي آخر تقوم به باحثة مسلمة في اتجاه التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية المنطلق من هذا المدخل الشامل (عفاف الدباغ، 1989) بدءاً من محاولة استجلاء طبيعة الإنسان الذي نتعامل معه في محيط الخدمة الاجتماعية، إلى فهم السنن النفسية والاجتماعية التي تحكم سلوكه، والوصول إلى تصور إسلامي حول أسباب المشكلات الفردية والاجتماعية، ومن ثمّ تحديد طرق التدخل الملائمة للخدمة الاجتماعية المنطلقة من المنظور الإسلامي في ضوء هذا كله، ورغم أن هذه محاولة شديدة الطموح في ذاتها، إلا أنها إذا أسفرت عن وضع بعض الخطوط على خريطة البحث المنطلقة من هذا المدخل الشامل لتكون عوناً للباحثين الذين قد يتفقون أو يختلفون معها على بينة ـ: فإنها تكون بذلك قد قدمت إسهاماً جيداً ونافعاً، وقد بدأ ظهور بعض نتائج الجهد بالفعل في مقال قدمته الباحثة حول «المنظور الإسلامي لفسير المشكلات الفردية» (1991) وذلك في إطار عناصر التصور العام الذي توصلت إليه في إطار المدخل الشامل الذي تبنته.

خاتمة

لقد حاولنا في هذه الدراسة تحديد مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية أو التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية وأيضاً لمهن المساعدة الإنسانية، وقد ركزنا اهتمامنا بالنسبة لتلك العلوم على علمي النفس والاجتماع، وبالنسبة للمهن على مهنة الخدمة الاجتماعية، ثم استخلصنا الشروط الواجب توافرها في أي جهد للتأصيل الإسلامي الصحيح، وطبقنا هذه الشروط للتوصل إلى المداخل المختلفة التي تعكسها الكتابات الحالية في الميدان، وانتهينا إلى تقسيم تلك المداخل إلى نوعين:

أولهما: مداخل ما قبل التأصيل، وثانيهما: مداخل التأصيل الصحيح، وتعرضنا أخيراً للمسلمات الأساسية التي يقوم عليها كل مدخل مع نظرة نقدية توضح مكانه من عملية التأصيل الإسلامي.

والمأمول أن تؤدي هذه المحاولة ـ وما تستثيره من مناقشات ـ إلى إزاحة بعض العقبات عن طريق حركة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية من جهة، كما تؤدي إلى وضع بعض العلاقات التي تشير إلى الطريق الصحيح إليها من جهة أخرى، ذلك أنه إذا أمكن التوصل إلى نوع من الإتفاق حول الطبيعة الأساسية لعملية التأصيل في صورتها الصحيحة، ثم أمكن التعرف على الموقع المحدد الذي يشغله كل مدخل من المداخل المذكورة بالنسبة لتلك العملية فلا شك أن هذا يعطي دفعة قوية للحركة في الإتجاه الصحيح.

لقد عانت حركة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية في السنوات الأخيرة من عمومية التناول، وقد آن الأوان للبحث في التأصيل، وبدء المسيرة في الطريق الطويل، بدلاً من التوقف عند المسميات أو التعامل مع التصورات غير الصحيحة للتأصيل الإسلامي.

إننا مطالبون جميعاً اليوم ببذل أقصى الجهد ليس فقط لتغيير مناهجنا وممارساتنا وإنما لتغيير أنفسنا وتعلم ما ينبغي لنا أن نتعلمه حتى نستطيع الإسهام الجاد منطلقين في هذا الطريق المبارك الذي يؤجر سالكه على نيته، ويوفق حسب ظنه بالله وحسب توجهه، فإن في ذلك خدمة أوطاننا وخدمة ديننا، وفيه لنا كأفراد فلاح الدنيا والآخرة.

ونحن اليوم بفضل الله نجد العون والمساندة من الجامعات الإسلامية، ومن الهيئات العلمية التي بدأت تقدم لنا آيات القرآن مكشفة موضوعاتها ومفسرة معانيها، ميسرة للبحث حتى عند من لم تسبق له دراسة العلوم الشرعية، كما تقدم الأحاديث الشريفة مبوبة ومفسرة كذلك، ناهيك عن المراجعات النقدية للإسهامات الفذة لعلماء المسلمين، وغيرهم مما يرتبط بكل تخصص على حدة، وهذا يسقط حجج المحتجين وأعذار المعتذرين بقلة الحيلة ونقص الإعداد.

ولعل تلك الجامعات والهيئات العلمية من جهة أخرى ـ إذ تدرك حاجة المتخصصين في العلوم الحديثة لبناء معرفتهم الشرعية بطريقة مبسطة ولكنها منظمة ـ: أن تبتكر لذلك من أساليب التعليم ـ الذاتي وغيره ـ مما يعين إخوانهم على تحقيق هذا الهدف النبيل دون أن يتطلب ذلك منهم إهمال أعمالهم، أو  إنفاق معظم وقتهم في متابعة الدراسة الشرعية بالطرق والمراجع المعتادة عند المبتدئين.

والله الموفق والمستعان وهو نعم المولى ونعم النصير.

قائمة المراجع

1ـ إبراهيم عبد الرحمن رجب:«المنهج العلمي للبحث من وجهة إسلامية» ورقة مقدمة للندوة الأولى للتأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية، (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة،1991)

2ـ إسماعيل الفاروقي:«صياغة العلوم الإجتماعية صياغة إسلامية»، (المسلم المعاصر، العدد20، 1400هـ ـ 1980م، ص 35ـ 41).

3ـ إسماعيل الفاروقي:«أسلمة المعرفة»، المسلم المعاصر، العدد 32، 1402هـ ـ 1982م، ص 9ـ23.

4ـ إسماعيل الفاروقي: إسلامية المعرفة: المبادئ العامة ـ خطة العمل ـ الإنجازات، ترجمة د. عبد الحميد أبو سليمان (واشنطون: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،1986).

5ـ الفاروق زكي يونس:«الرعاية الإجتماعية في الإسلام» بحث قدم إلى المؤتمر الدولي لعلماء المسلمين، إسلام آباد ـ باكستان، 1401هـ ـ 1981م.

6ـ إلياس بايونس: «علم الاجتماع والواقع الاجتماعي المسلم»، العلوم الطبيعية والاجتماعية من وجهة النظر الإسلامية: تحرير إسماعيل الفاروقي، وعبدالله عمر نصيف (جدة: عكاظ،1984).

7ـ جمال سلطان: «إشكالية وقت الفراغ»، المسلم المعاصر، العدد 55ـ 56، 1410هـ ـ 1990، ص 11ـ 30.

8ـ زكي محمد إسماعيل:نحو علم اجتماع إسلامي (الإسكندرية: دار المطبوعات الجديدة، 1988م).

9ـ زكي نجيب محمود: «في تحديث الثقافة العربية»، جريدة الأهرام، 21ـ4ـ1987م.

10ـ عبد الحليم رضا عبد العال: «قضايا متضاربة في الخدمة الإجتماعية»، الكتاب السنوي الأول في الخدمة الاجتماعية، إشراف د. عبد المنعم شوقي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1989م).

11ـ عبد الرءوف عبد العزيز الجرداوي: الإسلام وعلم الإجتماع العائلي (الكويت: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 1409هــ 1988م).

12ـ عفاف إبراهيم الدباغ: «المنظور الإسلامي لممارسة الخدمة الإجتماعية» خطة بحث لنيل درجة الدكتوراة من المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالرياض، 1409هـ ـ1989م.

13ـ عفاف إبراهيم الدباغ: «المنظور الإسلامي لتفسير المشكلات الفردية»، بحث مقدم لندوة التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية ـ المعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ القاهرة، أغسطس 1991م.

14ـ علي حسين زيدان: «دور الخدمة الاجتماعية في العمل مع المنحرفين: منظور إسلامي»، بحث مقدم لندوة التأصيل الإسلامي للخدمة الإجتماعية ـ المعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ القاهرة، أغسطس 1991م.

15ـ عماد الدين خليل: مدخل إلى إسلامية المعرفة (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1411هـ ـ 1990م).

16ـ عمر عودة الخطيب: لمحات في الثقافة الإسلامية (بيروت: مؤسسة الرسالة،1986م).

17ـ فاروق أحمد الدسوقي: مقومات المجتمع المسلم (بيروت: المكتب الإسلامي، 1406هـ ـ 1986م).

18ـ فؤاد عبدالله نويرة: الإسلام والخدمة الإجتماعية، رسالة دكتوراة نشرتها وزارة الشئون الإجتماعية بمصر (1958، 1961م).

19ـ كمال إبراهيم مرسي:«محاضرات في المدخل إلى التوجيه الإسلامي لعلم النفس» مذكرات غير منشورة، 1991م.

20ـ لبيب السعيد: العمل الاجتماعي، مدخل إليه ودراسة لأصوله الإسلامية (جدة: دار عكاظ، 1980م).

21ـ محمد أحمد عبد الهادي: الخدمة الإجتماعية الإسلامية (القاهرة: مكتبة وهبة، 1988م).

22ـ محمد رفقي عيسى:«نحو أسلمة علم النفس»، المسلم المعاصر، العدد46، 1406هـ ـ 1986م، ص 31ـ 56.

23ـ محمد عثمان نجاتي: «منهج التأصيل الإسلامي لعلم النفس»، ورقة مقدمة إلى ندوة التأصيل الإسلامي لعلم النفس، التي نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالقاهرة، 1989م.

24ـ محمد فاروق النبهان: مبادئ الثقافة الإسلامية (الكويت: دار البحوث العلمية، 1974م).

25ـ محمد محمد أمزيان: منهج البحث الإجتماعي بين الوضعية والمعيارية، (المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1991م).

26ـ مختار عجوبة:«المنطلقات النظرية لمداخل الخدمة الاجتماعية المعاصرة»، المؤتمر العلمي السنوي الثالث لكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة حلوان، القاهرة، 1989م.

27ـ مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:«ندوة التأصيل الإسلامي للعلوم الإجتماعية» (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ عمادة البحث العلمي، 1407هـ ـ1987م).

E.F O, Doherty, Religion and psychology (New York: Alba House,1978.)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر