أبحاث

تذبذب أسعار النقود الورقية (3)

العدد 53

الترجيح، والتكيف الفقهي:

رأينا فيما سبق كيفية ظهور النقود الورقية، وكيف أن الخلاف قد ثار بين العلماء عند بداية ظهوره، حيث لم يعترف بها بعضهم، بل لم يجعلوها نقداً ولا مالاً فلم يوجبوا فيها زكاة ولا غيرها من الأحكام التي تترتب على النقود الذاتية من الذهب والفضة… وهذا القول إذا كان في وقته سائغا ومقبولا للاعتبارات السابقة التي صاحبت نشأتها حيث كانت لاتخلو من كونها سندات في بداية ظهورها، كما أن النقد الذهبي، أو الفضي كان سائدا…
فإن هذا الرأى لم يعد مقبولا في عصرنا الحاضر بعد أن صارت النقود الورقيه هى السائدة لاغير، وأصبحت هى أساس المعاملات، وأثمان الأشياء، ورؤوس الأموال، وبها يتم البيع والشراء وسائر المعاملات، ومنها تصرف الأجور والرواتب والمكافآت، إنها تدفع مهرا فتستباح بها الفروج شرعا دون أى اعتراض، وتدفع ثمنا في النفائس وغيرها، وأجرا للجهد البشرى ودية في القتل، وغير ذلك من الأحكام(270) وإذا كان القول السابق لم يعد له مبرر لقبوله لما فيه من تفريط فإن القول بأن النقود الورقية مثل النقود الذهبية أو الفضية في كل الأحكام قول لايجد لنفسه مستندا مقبولا من نصوص الشريعة الغراء، ولا يدعمه الواقع المعاصر الذي نعايشه، ولا يخفى الغلو والإفراط الذى يصاحبه.

ومن هنا فالعدل دائما كامن في الوسطية التي هى سمة ديننا وشرعنا ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾(271)  وهى القول بنقدية هذه الأوراق المالية، وبالتالي وجوب الزكاة فيها باعتبار قيمتها الموزية لنصاب الذهب، أو الفضة- كما سبق- وكونها صالحة للثمنية والحقوق والالتزامات، ولكنها مع ذلك لا تؤدي جميع الوظائف التي تؤديها النقود الذاتية، وبعبارة أخرى إنها نقود ولكنها لاتؤدي بعضها، ولذلك يلاحظ فيها المالية والقيمة، كما يلاحظ فيها عدم جواز الربا فيها، وعدم التأجيل إذا بيع بعضها ببعض.

فكما أننا لا نعتبر الريال القطري جنسا شاملا للريال السعودي أو العكس، بل ننظر عند الصرف إلى قيمة كل واحد منهما، فكذلك الأمر عندما تحدث فجوة بين ما وقع عليه العقد، وما يجب أداؤه بعد فترة زمنية، وذلك لأن غطاء النقود الورقية الآن ليس ثابتا- كما سبق- وإنما هو تابع لدولتها التي تصدر منها، فإذا كان هذا الغطاء متجددا متغيرا يلاحظ فيها هذه التغيرات، على عكس التقود الذاتية التي تستمد قوتها الشرائية من ذاتها وكونها تصلح للسلعة حيث إنها معدن نفيس حتى لو بطل التعامل بها نقدا لبقيت قيمتها المالية معدنا وصالحة لكثير من الاستعمالات- كما سبق.

ثم الاعتراف بأن نقودنا اليوم لائؤدي جميع الوظائف التي كان النقدان المعدنيان- الذهب والفضة- يؤديانها لا يتعارض مع القواعد العامة في الاقتصاد الحديث، بل يعترف بذلك بوضوح، ولذلك فمفهوم النقد مرن جدا يشمل أنواعا كثيرة بعضها لايؤدي إلا وظيفة واحدة، يقول الدكتور محمد محيى: (( وهذه الوظائف الأربع للنقود تعتبر متكاملة في المجتمع الذي يسوده نظام اقتصادي مستقر… فإذا ما عجزت النقود المتعارف عليها عن القيام بإحدى هذه الوظائف فإنها تفقد ميزتها، أو وظيفتها كوسيلة للمعاملات الآجلة، ومن تفقد كذلك وظيفتها كوسيلة الاحتفاظ بالثروة، أو لاختزان القيمة… ))(272) ويقول الدكتور أحمد عبده: (( كذلك يعتبر الكثيرون أن الوظيفتين الأوليين للنقود ( وهما وسيط للتبادل ومقياس للقيم ) وظائف أصلية، أما الوظيفتان الأخيرتان ( أى مخزن للقيم ومعيار للمدفوعات الآجلة ) فتعدان وظائف مشتقة ))(273)

ثم إن مفهوم النقود اليوم واسع جدا حيث يشمل النقود السلعية، والمعدنية، والمساعدة، والورقية، والمصرفية، وظهرت الآن في أوروبا نقود أخرى مثل نقود البلاستيك، فكلها نقود مع أن أكثرها لاتؤدي جميع الوظائف التي كانت تؤديها النقود المعدنية (274).

يقول الاستاذ حمدي عبد العظيم: (( إن النقود المعدنية ( الذهب والفضة ) لاتستخدم فقط كوسيلة للتبادل، وإنما تسخدم فقط كوسيلة للتبادل، وإنما تستخدم كذلك كمخزن للقيمة، وكمعيار للمدفوعات الآجلة، وذلك خلافا لما هو عليه الحال في الاقتصاديات غير الإسلامية التي أدت فيها النتائج السيئة المترتبة على عدم وجود غطاء للعملة، وما يتبعه من حدوث أزمات مختلفة إلى مجرد الاقتصار على وظيفة واحدة للنقود، وهى كونها وسيلة للتبادل ))(275). وفي نظري أن نظام النقود اليوم- ولا سيما النقود الورقية- نظام خاص لايمكن إجراء جميع الأحكام الخاصة     بالنقود المعدنية- الذهب والفضة، حتى ولا الفلوس- عليها- كما ذكرنا- فهو نظام خاص جديد لابد أن نتعامل معه على ضوء نشأته، وتطوره وغطائه، وما جرى عليه، ومن هنا فما المانع من أن نقره كوسيط للتبادل التجاري، ولكنه مع ذلك نلاحظ فيه قيمته، ونربطه إما بالذهب، أو بسلة السلع- كما نذكر فيما بعد- وبذلك أخذنا بإيجابياته، وطرحنا سلبياته، وهذا الحل هو الحل الأمثل في نظري إلى أن يعود نظام النقدين: الذهب والفضة، أو يصلح نظام النقد الدولي.

فقد فقد الورقى الحالي كثيرا من وظائف الأساسية فلم يعد- مثل السابق- مقياسا للقيم حتى في الغرب الذى نشأ فيه، ولامخزونا للثروة، حيث أن الكثيرين يخزنزن ثرواتهم بغيره، أو بالعقارات ونحوها، ولذلك حينما تظهر بادرة حرب، أو مشكلة سياسية خطيرة يقدم الناس- ولاسيما في الغرب- على شراء الذهب فترتفع أسعاره (276).

فقيمة نقودنا الحالية تكمن في قدرتها الشرائية- كما ذكرنا- ولذلك يقول الإمام السرخسي قبل عدة قرون (( إنما المقصود المالية، وهى باعتبار الرواج في الأسواق ))(277).

والخلاصة:

أن الرأى يطمئن أليه القلب هو رعاية القيمة في نقودنا الورقية في جميع الحقوق الآجلة المتعلقة بالذمة من قرض، أو مهر أو بيع، أو إجارة أو غيرها مادام قد حصل غبن فاحش بين قيمة النقد الذي تم عليه الأتفاق وقدرته الشرائية في الورقتين- أى وقت العقد، ووقت الوفاء، وسواء كان المتضرر دائنا أو مدينا، والذى نريده هو تحقيق المبدأ الذى أصله القرآن الكريم، وعبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (( قيمة عدل لا وكس ولا شطط ))(278).

ومن هنا فالنقود الورقية إما تقول: إنها قيمته يلاحظ فيها قيمتها عند الرد والوفاء حينما تكون مؤجلة، وهذا لا يعنى القول بجواز الربا فيها، فلا يجوز بيع ريال قطري بريالين مثلا، لا حالا ولا نسيئة، بل يلاحظ فيها قيمتها يوم قبضها عندما تكون مؤجلة، هذا تكييف، ويسعفنا تكييف آخر وهو أن نقول: النقود الورقية مثلية، ولكنها عند الفرق الشائع بين حالتي القبض الرد تفقد مثليتها وقد ذكرن أمثله تحول فيها المثلى إلى القيمى الماء الذى أتلفه شخص، أو استقرضه في الصحراء عند عزته وندرته، فلا يكيفه الرد بالمثل، وإنما لابد من فيمته ملاحظا فيها الوقت والمكان- كما سبق- فكذلك المثلى الذى دخلت فيه الصنعة فجعلته من القيميات كالحلي ونحوه.

ومن هنا فالنقود الورقية يلاحظ فيها القيمة يوم قبضها مادام وجد فرق كبير- أو كما يسميه الفقهاء غبن فاحش- بين الحالتين، فكما يلاحظ بين ريال قطري وريال سعودي قيمتهما عند الصرف، فكذلك لابد من الفرق بين ليرة لبنانية كان غطاؤها قويا، وليرة في وقت ضعفها وضعف غطائها، فما دام المقابل قد تغير فما يبنى عليه ينبغي أن يلاحظ فيه هذا التغير، وهذا هو في الواقع منطق ظهور النقد الورقي حيث كان بمثابة السند والإثبات في بداية ظهوره، ثم أصبح يغطيه غطاء من الذهب، ثم لما ألغى هذا الغطاء أصبح ينظر إليه باعتبار قوته الشرائية، بل لايزال ينظر الصندوق المالي العالمي إلى قيمته في مقابل الذهب، فرفضوا ذلك بناء على أن أمريكا تريد الحصول على هذا المغنم دون أن يقدم الغطاء الحقيقي له.

ومن جانب آخر فعلماؤنا الكرام لاحظوا الوزن في الدينار الذهبي المضروب لدولة واحدة، حيث أجازوا بيع دينار وزنه أكبر بدينار آخر وزنه أقل مع أحد الزيادة، وماذلك إلا لملاحظة القيمة الناتجة من القدر.

ومن هنا فالعملات الورقية إذا بيع بعضها ببعض نقدا فإذا كانا من جنس واحد مثل الريال القطري فلا تجوز الزيادة لأنها تكون بلا مقابل، وإذا كانا من جنسين مختلفين مثل الريال القطري والريال السعودي- مثلا- فيجوز الزيادة بالاتفاق، وما ذلك إلا لملاحظة قيمة كل واحد منهما، أما إذا كان على الإنسان دين بعملة ورقية سواء كان هذا الدين كان بسبب القرض، أو البيع أو الإجارة، أو المهر، أو الضمان أو أى سبب آخر فحينئذ ننظر إلى قيمة هذا النقد باعتبار الزمنين- أما زمن تنشأة الدين وزمن الرد- مع ملاحظة مكان الدين، فإذا وجد فرق شاسع فلا بد من رعايته وإلا فلا داعي ضمانا للاستقرار، ورعاية للعدالة، وتزازنا بينهما. وهذا الحكم لايقتصر على القرض بل يشمل جميع الحقوق والالتزامات الآجلة، يقول العاصمى: (( وكثير من الأصحاب تابعوا الشيخ تقى الدين في الحاق سائر الديون بالقرض، وأما رخص السعر فكلام الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة، وهو الأقوى ))(279).

فعلى ضوء هذا فالتساوي والتماثل، والتفاضل والتعامل والزكاة باعتبار قيمة النقود، إذن فما دام سعر الريال- مثلا- في وقت واحد ومكان واحد لاتتصور فيه الزيادة فلا تحتاج إلى رعاية القيمة، وكذلك في وقتين لم تتغير فيهما قيمته بشكل يؤدي إلى الغبن الفاحش فعلا لا تتصورا وتخمينا.

وحتى تكون أبعاد هذا الرأى الذى نختاره واضحة المعالم فلابد أن تذكر التأصل الفقهي له، والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم، ومتى نلجأ إليه؟ وزمن التقويم ومكانه، ومايدور في هذا الفلك من حلول ممكنة.

التأصيل الفقهي للمسألة

لاشك أن مسألة النقود الورقية لم تكن موجودة في عصر النبى صلى الله عليه وسلم ولا في عصر الصحابة والتابعين، بل ولا في عصر الفقهاء المجتهدين، وأنما ظهرت- كما سبق- في حدود القرنين الأخيرين، ومن هنا فلا أمل ولا طمع لنا في أن نحصل على نص خاص يعالج هذه المسألة بخصوصها، ولكن لما كان الإسلام دينا خالدا تضمن من المبادئ الكلية والقواعد العامة ما يمكن استنباط حكم كل قضية مهما كانت جديدة على ضوئها، إذن فالقضية قضية المبادئ والمقاصد العامة للشريعة وليست قضية حادثة واقعة نص عليها، ومن هنا نذكر بعض المبادئ العامة التي تندرج تحتها هذه المسألة، ثم نعرج إلى بعض حزئيات ذكرها الفقهاء يمكن الإفادة منها لتوضيح أبعاد الحل المقترح باذن الله تعالى. أولا: المبادئ العامة القاضية بشكل قاطع على تحقيق العدالة، والمصلحة الحقيقية للإنسان، ورفع الظلم والمفسدة عنه، فيقول الله تعالى بخصوص الربا: ﴿ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴾(280) وقد ذكر المفسرون أن بنى غيرة كان لهم ربا على بنى المغيرة فطلبوه منهم فقال بنو المغيرة: لانعطي شيئا، فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، حيث أمرتهم وغيرهم أن يرجعوا رؤوس الأموال إلى أصحابها بدون نقص ولا شطط(281). فإذا كان هذا هو عدل الإسلام مع المرابين فكيف يقبل أن يتضرر المقرض ويغبن هذا الغبن الفاحش. وإذا كان الإسلام قد دعا إلى الإحسان بالدائن وقال صلى الله عليه وسلم: (( خير الناس أحسنهم قضاء ))(282) فكيف يقبل أن يقع عليه ضرر وظلم؟

إن الإسلام هو دين العدالة ودين العرفان بالجميل، والإحسان، بل الرد بالأحسن ﴿ إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها )(283) وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الصالحة والأسوة التي يحتذى بها في رد القرض بالأحسن حيث استقرض جملا ورد جملا أحسن منه سنا وقال: خياركم أحسنكم قضاء ))(284) فكيف يقبل أن يدفع شخص دم قلبه وتحويشة عمرة وخلاصة جهده وكده في زمن من الأزمان، ثم ترجع إليه نقوده بعد هذه الفترة التي احتسب فيها الشرائية، وعادت إليه وهى لا يشترى بها أغلى الأشياء، فقد حدث أن أحد الفلاحين جاء إليه شخص يطلب منه مبلغا من المال، فلم يجده عنده، فباع من دمائة خلقه بقرته بخمسين جنيها وسلمها إليه، ومضت الأيام حتى أصبح المدين موسرا فرجع بخمسين جنيها إلى دائنة، فوقف الفلاح ينظر إلى هذا المبلغ الزهيد الآن: ماذا يفعل به فنطق من فطرته قائلا: يا أخى لا أريد هذا المبلغ، وإنما أريد أن نشتري لي بقرة مثل بقرة، فتخاصما ولجئا إلى عالم المنطقة فأفتى بوجوب رد المثل! فهل خمسون جنيها الآن مثل لخمسين جنيها قبل عشرين سنة؟ أين المثلية؟ وعلى أى معيار؟

ذكرنا في السابق عند كلامنا عن المثلية والقيمية أن هذه القاعدة العظيمة ما وضعها الفقهاء إلا لتحقيق العدالة، والوصول إلى التعادل والمساواة بين الحقوق المطلوبة والمدفوعة فهل يحقق العدالة القول بمثلية النقود الورقية  في الحقوق والالتزامات الآجلة؟ نرى القرآن الكريم والسنة المشرفة يركزان بشكل منقطع النظير على الميزان المستقيم والعدالة، فقال تعالى: ﴿ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان… والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولاتخسروا الميزان (285) فكأن الحكمة من نزول القرآن هو إقامة الوزن بالقسط وعدم الهوادة والتساهل في الميزان، ولذلك نرى قد كرر الوزن والميزان في هذه الآيات القليلة أربع مرات، بل قد تكررت ألفاظ العدل، والقسط والميزان ومشتقاتها في القرآن الكريم ستا وسبعين مرة، بل أشار القرآن الكريم أن قيام الكون كله يكون بالعدل فقال تعالى: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط (286)  قال الماوردي: (( معناه أن قيام ما خلق وقضى بالعدل، أى ثباته )).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (( إن الربا إنما  حرم لما فيه من الضرر ))(287) وقال أيضا: (( والأصل في العقود جميعها هو العدل فإنه بعثت به الرسل، وأنزلت الكتب ))(288). ومن المبادئ العامة في هذا الميدان قول النبى  صلى الله عليه وسلم: (( لاضرر ولا ضرار ))(289) الذى أصبح قاعدة فقهية نالت القبول عند جميع الفقهاء، بل جعله الشاطبي من القطعيات التي تزاحمت عليها أدلة الشرع من الكتاب والسنة(290)، مثل قوله تعالى: ﴿ ولا تمسكوهن ضرارا  لتعتدوا ﴾(291) وقوله تعالى: ﴿ ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (292) وقوله تعالى: ﴿ ولاتضار والدة بولدها ﴾(293) إلى غير ذلك من الآيات التي منعت الضرر إطلاقا حتى بين الوالد وولده، وأما السنة فقد أكدت هذا الجانب بما لايمكن ذكره في هذا المجال منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أحد الصحابة أن يقلع شجرة شخص لأنها كانت تضره، وعلل ذلك بالضرر حيث روى أبو داود بسنده أن سمرة بن جندب كانت له شجرة نخل في حائط- أى بستان- رجل من الأنصار معه أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الأنصاري ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبي، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فذكر له، فطلب إليه النبى صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبي، قال: فهبه له ولك كذا وكذا…، فأبي، فقال: (( أنت مضار )) فقال صلى الله عليه وسلم للأنصاري: (( اذهب فاقلع نخله ))(294) وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: (( من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه ))(295).

ومن هذا المنطلق فلا يمكن أن تكون الجزئيات مخالفة للقواعد العامة الشرعية، ولا التطبيقات مناقضة للأصول العامة المقررة، يقرر القرافي أن الكليات المقررة في الشريعة هى أصولها وأن الجزئيات مستمدة من هذه الأصول الكلية شأن الجزئيات مع كلياتها فى كل نوع من أنواع الموجودات، فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلا في جزئى معرضا عن كليه فقد أخطأ وكما أن من أخذ بالجزئى معرضا عن كلية فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلى معرضا عن جزئية(296).

فعلى ضوء ذلك فالقول بمثلية النقود الورقية واعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، أو حتى في أكثرها مادام يترتب عليه هذه المظالم لأصحاب الحقوق، وهضم لحقوقهم لايتفق مع هذه المبادئ العامة القاضية برعاية العدل وعدم الظلم، ودفع الضرر والضرار، ولاسيما أن النقود الورقية لم يرد فيها نص خاص في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذن فينبغي أن نطبق عليها القواعد العامة والمبادئ التى تحقق العدالة.

ثانيا: بعض مسائل فقهية سابقة يمكن أن تكون لنا أرضية صالحة للقياس عليها مثل القضايا التى ذكرها فقهاؤنا السابقون بخصوص الفلوس، والدراهم والدنانير المغشوشة حيث كانت تقدر قيمتها حسب نسبة التعادل بينها وبين الذهب، أو الفضة، أو على أساس رواجها في السوق، وأن القيمة ملاحظ فيها عند إلغائها، أو رخصها، أو غلائها عند بعض الفقهاء، كما نجد أصولا صالحة في هذه المسالة بخصوص ماذكرناه في القيمى والمثلى على ضوء  ما يأتي:

1- الرد في القيمي يكون بالقيمة عند جمهور من قال بفرض القيمى من الفقهاء- كما سبق- وعلى ضوء المعايير التى دكرناها وجدنا أن إدخال النقود الورقية في المثلى ليس من السهل قبوله- كما سبق- فإذا لم تدخل النقود الورقية في المثلى فهى من القيميات فيكون الرد فيها في الحقوق والالتزامات الآجلة بالقيمة، وحينئذ لايكون هناك أى إشكال في رعاية القيمة وقد ذهب وجه للشافعية وغيرهم إلى اعتبار النقود المغشوشة والفلوس من القيميات.

2- رعاية القيمة عند رخص الفلوس والدراهم المغشوشة. لاخلاف بين الفقهاء عند إعوازالمثلى يرجع إلى قيمته، غيرهم أنهم اختلفوا في الفلوس والنقود المغشوشة هل يجب الرد فيها بالمثل أو بالقيمىة عند غلائها، أو رخصها،  أو كسادها، أو انقطاعها؟(297).

هذا ما ثار منه الفقهاء:

أ‌-       اتجاه يعتد بالمثلية. فذهب جماعة منهم المالكية- في المشهور- والشافعية والحنابلة و أبو حنيفة إلى رعاية المثلية في هذه الصور على التفصيل الآتى: يقول خليل: (( وإن بطلت فلوس فالمثل وإن عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم )) وعلق عليه الخراشي بقوله: (( يعنى أن الشخص إذا ترتب له على آخر فلوس، أو نقد من قرض، أو غيره، ثم قطع التعامل بها، أو ترتب له على آخر فلوس، أو نقد من قرض، أو غيره، ثم قطع التعامل بها، أو تغيرت من حالة إلى أخرى فإن كانت باقية فالواجب على من ترتبت عليه المثل في ذمته قبل قطع التعامل بها، أو تغيرت من حالة إلى أخرى فإن كانت باقية فالواجب على ترتبت عليه المثل في ذمته قبل قطع التعامل بها، أو التغير على المشهور، وإن عدمت فالواجب عليه قيمتها مما تجدد، وظهر… ))(309) فعلى ضوء ذلك إن هذه المسألة ليست خاصة بالفلوس وإنما هى تضم جميع النقود في جميع العقود الآجلة، وقد جاء في المعيار المعرب: تحت عنوان: (( ما الحكم فيمن أقرض غيره مالا من سكة ألغى التعامل بها؟ سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك السكة؟

أجاب: أخبرنى بعض أصحابنا أن أبا جابر فقيه إشبيلية قال: نزلت هذه المسألة بقرطبة أيام نظري فيها في الأحكام، ومحمد بن عتاب حى ومن معه من الفقهاء فانقطعت سكة ابن مهور بدخول ابن عباد سكة أخرى، أفتى الفقهاء أنه ليس لصاحب الدين إلا السكة القديمة، وافتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك من قيمة السكة المقطوعة من الذهب… ))(299). وقد نص الشافعي على أن: (( من سلف فلوسا، أو دراهم، أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه، أو دراهمه التي أسلف، أو باع بها ))(300) ويقول النووي: (( ويرد المثل في المثلى )) ثم يعلق عليه شارحه ابن حجر بقوله: (( ولو نقدا أبطله السلطان، لأنه أقرب إلى حقه )) ثم يزيد الممشى في التعليق: (( فتشمل ذلك ماعمت به البلوى في زمننا في الديار المصرية من إقراض الفلوس الجدد، ثم إبطالها، وإخراج غيرها وإن لم تكن نقدا (231) )) ونص الحنابلة أيضا على أن القرض إذا كان فلوسا، أو مكسرة فحرمها السلطان، وتركت المعاملة بها كان للمقرض قيمتها، ولم يلزمه قبولها سواء كانت قائمة في يده، أو استهلكها لأنها تعيبت في ملكه، ونص عليه أحمد في الدراهم المكسرة، والمسألة تعم جميع العقود الواردة على الذمة (302). وذهب أبو حنيفة أيضا إلى وجوب المثل في جميع الحالات، بالنسبة للقرض، أما البيع، بل يلاحظ القيمة، أما في القرض فيرى محمد وجوب المثل عند تغير القيمة، ووجوب القيمة في حالتى الكساد والانقطاع، وأما أبو يوسف فيرى اعتبار القيمة في الحالات الثلاث (303).

ب: اتجاه يعتبر القيمة:

وذهب جماعة- منهم أبو يوسف، ومحمد في بعض الأحوال، وبعض فقهاء المالكية، ووجه للشافعية، وبعض الحنابلة- إلى اعتبار القيمة على التفصيل الآتى:

يقول ابن عابدين: (( قال في الولوالجية… رجل اشترى ثوبا بدراهم نقد البلدة فلم ينقدها حتى تغيرت فهذا على وجهين إن كانت تلك الدراهم لاتروج اليوم في السوق أصلا فسد البيع، لأنه هلك الثمن وإن كانت تروج لكن انتقض قيمتها لايفسد، لأنه لم يهلك، وليس له إلا ذلك، وإن انقطع بحيث لايقدر عليها فعليه قيمتها… )) ثم قال: (( يجب رد مثله. هذا كله قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجب عليه قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر يوم التعامل، وقال محمد: يجب آخر ما انقطع من أيدى الناس، قال القاضي: الفتوى في المهر والقرض على قول أبي حنيفة انتهى )) قال التمرتاشي: اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها، أو الفلوس وكان كل منهما نافقا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشترى للبائع ثم كسدت بطل البيع، والانقطاع عن أيدى الناس كالكساد، وحكم الدراهم، كذلك فإذا اشترى بالدراهم، ثم كسدت، أو انقطعت بطل البيع، ويجب على المشترى رد المبيع إن كان قائما ومثله إن كان هالكا وكان مثليا، وإلا فقيمته، وإن لم يكن مقبوضا فلا حكم لهذا البيع أصلا، وهذا عند الامام الأعظم، وقالا: لايبطل البيع، لأن المعتذر إنما هو التسليم بعد الكساد، وذلك لايوجب الفساد، لاحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئا بالرطبة، ثم انقطع، وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته، لكن عند أبى يوسف يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد، وهو آخر ما تعامل الناس بها، وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف، وفي المحيط والتتمة والحقائق بقول محمد يفتى رفقا بالناس، ولأبي حنيفة أن الثمنية بالاصطلاح فيبطل لزوال الموجب فيبقى البيع بلا ثمن، والعقد إنما يتناول عينها بصفة الثمنية، وقد انعدمت، بخلاف انقطاع الرطب فإنه يعود غالبا في العام القابل، بخلاف النحاس، فإنه بالكساد رجع إلى أصله، وكان الغالب عدم العود… ))(304) أما إذا يكن كساد بل كانت تروج في بعض البلاد دون بعض، وكان التعاقد في البلد الذى ذهب رواج النقد المعقود عليه فيه فحينئذ لا يبطل العقد بل يتخير البائع- أو نحوه – إن شاء أخذ قيمته، وإن شاء أخذ مثل النقد الذى وقع عليه العقد، وآما إذا انقطع النقد بحيث لم يبق في السوق فعليه من الذهب و الفضة قيمته في آخر يوم انقطع، أما إذا غلت الدراهم، أو الفلوس أو رخصت قبل القبض لا يبطل العقد ولكن له ما وقع عليه العقد عند أبي حنيفة، وله قيمتهاعند أبي يوسف من الدراهم يوم البيع والقبض قال العلامة الغزي: وعليه الفتوى وهكذا في الذخيرة والخلاصة…. فيجب أن يعول عليه افتاء وقضاء، ثم قال: ((  وقد تتبعت كثيرا من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة فلم أر من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة… بل جعلوا الفتوى على قول أبي يوسف في كثير من المعتبرات فليكن المعول عليه ))(305) ثم علق عليه ابن عابدين بأن الظاهر من كلامهم  أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها…(306) غير أنه ذكر أن بعض الأحناف عمموا الحكم في المغشوشة وغيرها(307) ثم ذكر ابن عابدين مسألة مما وقعت في عصره، رجح القول فيها بناء على العدالة  لا على الشكل والتقليد، فقال: (( ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائجة بالنقص، واختلف الإفتاء فيه، والذى استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذى وقع عليه العقد لو كان معينا كما لو اشترى بمائة ريال افرنجي، أو مائة ذهب عتيق، أو دفع أى نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يعين المتبائعان نوعا والخيار فيه للدافع كما كان الخيار له وقت العقد، ولكن الأول ظاهر سواء كان بيعا، أو قرضا بناء على ماقدمناه، وأما الثاني فقد حصل بسببه ضرر ظاهر للبائعين، فإن ماورد الأمر برخصه متفاوت، فبعض الأنواع جعله أرخص من بعض فيختار المشترى ماهو أكثر رخصا وأضر للبائع فيدفعه له، بل تارة يدفع له ماهو أقل رخصا على حساب ماهو أكثر رخصا، فقد ينقص نوع من النقود قرشا ونوع آخر قرشين فلا يدفع إلا مانقص قرشين، وإذا دفع ما نقص قرشاً آخر نظرا إلى نقص النوع الآخر، وهذا مما لاشك في جوازه )).

ثم قال: (( وقد كنت تكلمت مع شيخي… فجزم بعدم تخيير المشترى في مثل هذا لما علمت من الضرر، وأنه يفتى بالصلح حيث كان المتعاقدان مطلقي التطرف بصح اصطلاحهما بحيث لا يكون الضرر على شخص واحد )) ثم علل: كيف أن القضية تدور مع علتها فقال: (( فإنه وإن كان الخيار للمشترى في دفع ما شاء وقت العقد وإن امتنع البائع لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت الأنواع، فإذا امتنع البائع عما أراده المشترى يظهر تعنته، أما في هذه الصورة فلا، لأنه ظهر أنه يمتنع عن قصد إضراره…، فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار الأنفع له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار الأنفع له فالصلح حينئذ أحوط، خصوصا والمسألة غير منصوص عليها بخصوصها…، فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصاً، لا الأقل، ولا الأكثر كي لا يتناهى الضرر على البائع، أو على المشترى ))(308).

وهذا مانحن نؤكد عليه هنا وهو أنه مادامت النقود الورقية غير منصوص عليها إذن فلابد من رعاية مايحقق العدالة ويرفع الحيف والضرر والضرار دون النظر إلى الشكل. وفي المذهب المالكي نجد القاضي ابن عتاب،   وابن دحون وغيرهما يقولون بالقيمة في بعض المسائل، حيث جاء في المعيار المعرب: (( سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك السكة؟ أجاب: أخبرني بعض أصحابنا  أن أبا جابر فقيه إشبيليه قال: نزلت هذه المسألة بقرطبة أيام نظري فيها في الأحكام، ومحمد بن عتاب حى ومن معه من الفقهاء، فانقطعت سكة ابن مهور بدخول ابن عتاب بأن يرجع في ذلك من قيمة السكة المقطوعة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب. قال: وأرسل إلى ابن عتاب فنهضت إليه فذكر المسألة، وقال لي والصواب فيها فتوى فاحكم بها… وكان أبو محمد بن دحوق ( رحمة الله ) يفتي بالقيمة يوم القرض، ويقول: إنما أعطاها على العوض، فله العوض… ))(309) وقيد الرهوتي رد المثل بالمثل بما إذا لم يكن تغيرا لسعر كبيرا فقال: (( وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لاكبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف، حيث إن الدائن قد دفع شيئا منتفعا به لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينفع به ))(310).

وقد اعتنى المالكية في باب الزكاة عناية كبيرة بالقيمة حيث ذهبوا إلى أن عشرين دينارا من الذهب تجب فيها الزكاة حتى ولو كان فيها نقص من حيث الوزن مادامت مثل الكاملة في الرواج وعلل ذلك الدسوقي قوله:                    (( لايخفي أن القيمة تابعة للجودة والرداءة، فالالتفاق لأحدهما التفاف إلى الآخر ))(311) خلافا للشافعية وغيرهم في اعتبارهم الوزن(312).

ثم إن القاعدة العامة لدى الشافعية هى أن المثلى إذا عدم، أو عز فلم يحصل إلا بزيادة لايجب تحصيله كما صححه النووي، بل يرجع إلى قيمته،(313) وقد فصل السيوطي فى رسالته عن الفلوس وتغيراتها(314) هذه المسألة، كما ذكر وجها للشافعية يقضي بأن الفلوس، والدراهم والدنانير المغشوشة من المتقومات، فعلى هذا يكون الرد فيها بالقيمة. والحنابلة- كما ذكرنا- يقولون بوجوب القيمة في حالة إلغاء السلطان الفلوس، أو الدراهم المكسرة(315) ولكن هل تجب القيمة عند الغلاء أو الرخص؟ المنصوص عن أحمد وأصحابه هو عدم اعتبارها، وقد بين ابن قدامة السبب في هذه التفرقة بين الحالتين فقال معللا وجوب القيمة في حالة الكساد دون حالة تغير القيمة:  (( إن تحريم السلطان لها منع إنفاقها وأبطل ماليتها. فأشبه كسرها، أو تلف أجزائها، وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيرا… أو قليلا، لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت، أو غلت ))(316). ولو دققنا النظر في هذا التعليل لوجدناه قائما على أمرين:

الأمر الأول: الاعتماد على أن الكساد عيب، ولكن الرخص الفاحش ليس بعيب، مع أن ابن قدامة نفسه حينما عرف بالعيوب قال: هى النقائص الموجبة لنقص المالية، ثم ذكر عدة تطبيقات في إثبات الخيار فيها قائلا: (( ولنا أن ذلك ينقص قيمته وماليته ))(317) وقال أيضا في عدم الخيار في مسألة: (( ولنا أنه لا ينقص عينها، ولا قيمتها…))(318). فعلى ضوء ذلك كان الأجدى رعاية القيمة أيضا في النقود الاصطلاحية لأن القيمة عنصر أساسي في العيوب كمارأينا.

الأمر الثاني: الاعتماد على القياس على الحنطة إذا رخصت. ويمكننا أن نقول إن قياس النقود المغشوشة والفلوس على الحنطة قياس مع الفارق، لأن الحنطة ذات قيمة ذاتية لاتختلف باختلاف قيمتها، في حين أن النقود الاصطلاحية قيمتها في رواجها وقيمتها، حتى لوسلمنا هذا القياس في النقود التي ذكروها، فالتسليم بقياس نقودنا الورقية على ماذكروه لا يمكن قبوله بسهولة. ولذلك جعل شيخ الإسلام ابن تيمية- كما نقل عنه صاحب الدرر السنية-(319) اختلاف الأسعار مانعا من التماثل، وقاس مسألة تغير القيمة على كسادها، بناء على أن كون الكساد عيبا يكمن في كونه نقصا في القيمة، لأنه ليس عيبا في ذات النقد من حيث النقص في عينه، حيث إن القدر لم يتغير، إنما هو باعتبار أن الكساد يترتب عليه نقصان في القيمة لا غير، ثم عقب صاحب الدرر على ذلك بقوله: (( إن كثيرا من الأصحاب تابعوا الشيخ تقي- أى ابن تيمية- في إلحاق سائر الديون بالقرض، وأما رخص السعر فكلا الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة أيضا وهو الأقوى ))(320).

وهذا الرأى الذى اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية جدير بالقبول وحرى بالترجيح، وهو يسعفنا في الموضوع الذى نحن بصدد بحثه، وهو رعاية القيمة. فعلى ضوء هذا الرأى، والآراء التي سبقته لأبى يوسف وبعض علماء المالكية نكون قد وجدنا أرضية ثابتة ومنطلقا للرأى الذى نرجحه وهو اعتبار القيمة في نقودنا الورقية.

ثالثا: رجوع الفقهاء في كثير من الأمور المثلية إلى القيمة حينما لا يحقق المثل العدالة، كما في حالة افتراض الماء عند ندرته، وفي حالة الحلى المصوغ من الذهب ولكن داخلته الصنعة… وغير ذلك مما ذكرناه عند كلامنا على المثلى والقيمى.

رابعا: وحتى نختم هذا بختام المسك نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أهمية القيمة، حيث قال: (( من أعتنق عبدا بين اثنين فإن كان موسرا قوم عليه، ثم يعتق )) وفي رواية صحيحة أخرى: (( من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط ))(321) يقول العلامة ابن القيم: (( ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان )) ثم نقل عن جمهور العلماء قولهم: (( الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان دون المثل: أن النبى صلى الله عليه وسلم ضمن معتق الشقص إذا كان موسرا بقيمته، ولم يضمنه نصيب شريكه بمثله فدل على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون ))(322).

على أى معيار نعتمد في التقويم؟

سبق أن ذكرنا أننا لا نلجا إلى القيمة إلا عند وجود الغبن الفاحش، وفي حالة رجوعنا إلى القيمة لابد أن نضع موازين دقيقة ومعايير معقولة للتقويم، حتى يتبين لنا الفرق بين قيمتى العملة الورقية في الوقتين: وقت الفبض، ووقت إرادة الرد، ولنا لمعرفة ذلك معياران:

المعيار الأول: الاعتماد على السلع الأساسية مثل الحنطة والشعير واللحم والأرز، بحيث نقوم المبلغ المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد: كم كان يشتري به من هذه السلع، فحينئذ يتضح الفرق، وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع، وهى معتبرة في كثير من دول الغربية يعرفون من خلالها التضخم ونسبته، ويعالجون على ضوئها آثار التضخم ولا سيما في الرواتب والأجور.

ويشهد على هذا الاعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل دية الإنسان- وهو أغلى مافي الوجود- الإبل مع وجود النقدين- الدراهم والدنانير- في عصره. ويقال: إن السبب في ذلك هو أن الإبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب.                             وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قومها عليهم بالذهب أو الفضة، كما ذكر العلماء أن الإبل قد عزت عندهم، ومع ذلك لم يجعل الذهب، أو الفضة أصلا في الدية، ومن هنا زاد ما حسب قيمة الإبل، فقد روى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (( كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى مائة  دينار، وثمانية آلاف درهم… فكان ذلك حتى استحلف عمر فقام خطيبا فقال: (( إلا إن الإبل قد غلت )) قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفا(322) . قال الخطابي: (( وإنما قومها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل القرى لعزة الإبل عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثمانى آلاف درهم فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفا ))(324).

والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة الإبل حتى فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم لم تكن مستقرة استقرارا تاما، وإنما كانت تابعة لغلاء الإبل ورخصها، فقد روى أبو داود، والنسائي والترمذى بسندهم (( أن رجلا من بنى عدى قتل فجعل النبى صلى الله عليه وسلم ديته اثنى عشر ألفا ))(325). كما روى الدرامي أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرص على أهل الذهب ألف دينار(326) وروى النسائي: (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الورق ))(327) وروى البخاري بسنده في قصة شراء النبى صلى الله عليه وسلم ناقة جابر قال ابن جريح عن غطاء وغيره عن جابر: (( أخذته بأربعة دنانير ))، وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم(328).

كل ماذكرناه يدل بوضوح على أهمية اعتبار السلع الأساسية وجعلها معيارا يرجع إليها عند التقويم، ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع سلة لهذه السلع ونقيس من خلالها قيمة النقود- كما ذكرنا- ولذلك ترى الأستاذ القرضاوي يثير تساؤلات حول ما إذا هبطت قيمة الذهب أيضا: فهل من سبيل إلى وضع معيار ثابت للغنى الشرعي؟                فيقول: (( وهنا قد نجد من يتجه إلى تقدير نصاب النقود بالأنصبة الأخرى الثابتة بالنص )) ثم ذكر عدة خيارات داخل السلع الأساسية مثل الإبل، والغنم، والزروع والثمار، ثم رجح كون الإبل والغنم المعيار الثابت حيث إن لهما قيمة ذاتية لا ينازع فيها أحد(329).

المعيار الثاني: الاعتماد على الذهب واعتباره في حالة نشأة العقد الموجب للنقود الورقية، وفي حالة القيام بالرد، وأداء هذا الالتزام، بحيث ننظر إلى المبلغ المذكور في العقد كم كان يشتري به من الذهب، فعند هبوط سعر النقد الورقي الحاد، أو ارتفاعه يلاحظ في الرد- وفي جميع الحقوق والالتزامات- قوته الشرائية بالنسبة للذهب، فمثلا لو كان المبلغ المتفق عليه كان عشرة آلاف ريال ويشتري به عشرون غراما من الذهب فالواجب عند الرد والوفاء بالالتزام المبلغ الذي يشتري به هذا القدر من الذهب، وذلك لأن الذهب في الغالب قيمته أكثر ثباتا واستقرارا،           وأنه لم يصبه التذبذب والاضطراب مثل ما أصاب غيره حتى الفضة(330). ولذلك رجح مجمع البحوث الإسلامية  (( الاقتصار- في التقويم بخصوص النصاب في عروض التجارة والنقود الورقية- على معيار الذهب فقط لتميزه بدرجة ملحوظة من الثبات ))(331) ويشهد لاعتبار الذهب دون الفضة في التقويم أن الذهب دون الفضة في التقويم  أن الذهب لم يقوم بغيره في حين أن الفضة قد قومت به في مسألة نصاب السرقة، يقول السيوطي: (( الذهب والفضة قيم الأشياء إلا في باب السرقة، فإن الذهب أصل، والفضة عروض بالنسبة إليه )) نص عليه الشافعي فى الأم، وقال: (( لا أعرف موضعا تنزل فيه الدراهم منزلة العروض إلا في السرقة ))(332).

ثم إذا حصل توافق وتراض بين الطرفين على القيمة فبها ونعمت، وإلا فيرجع الأمر فيها إلى القضاء، أو إلى التحكيم، وتنطبق على هذه المسألة حينئذ جميع القواعد العامة في الدعوى والبينات والقضاء.

الجمع بين المعيارين

ويمكن لقاضى الموضوع، أو المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمتة النقد بالنسبة للذهب والسلع الأساسية يوم إنشاء العقد.

متى نلجأ إلى التقويم؟

لاشك أننا لا نلجأ إلى التقويم في كل الأحوال، ولا عند وجود التراضي بين الأطراف، وإنما نلجاء إليه عند وجود الغبن الفاحش الذى يلحق بأحد العاقدين سواء كان في عقد القرض، أم البيع بالأجل، أم المهر، أو غيرذلك من العقود التي تتعلق بالذمة ويكون محلها نقدا آحلا ثم تتغير قيمته من خلال الفترتين- فترة الإنشاء وفترة الرد والوفاء- تغيرا فاحشا، ويشهد لذلك ماذهب إليه جماعة من الفقهاء من اعتبار الغبن الفاحش حتى في البيوع التى مبناها على المساومة(333)، كما ذكر بعض العلماء مثل الرهوني أن التغير الكثير لابد من ملاحظته حتى في المثليات فيجعلها من القيميات، وكذلك قال الرافعي وغيره في المسائل كثيرة- كما سبق-

معيار التغير الفاحش

قبل أن نذكر هذا المعيار نرى فقهاءنا الكرام قد وضعوا عدة معايير لمقدار الغبن الفاحش الذى يعطي الخيار في الفسخ عند مايقع في البيع ونحوه. يقول القاضي ابن العربي، والقرطبي وغيرهما: (( استدل علماؤنا بقوله تعالى:         ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾(334) على أنه لا يجوز الغبن في معاملة الدنيا، لأن الله تعالى خصص التغابن يوم القيامة… وهذا الاختصاص يفيد أنه لاغبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث، واختاره البغداديون…، وأن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع…، إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة، لكن اليسير لايمكن الاحتراز عنه لأحد، فمضى في البيوع… ثم إن العلماء قد ثار الخلاف بينهم في تحديد الغبن الفاحش، فبعضهم حدده بما زاد على قيمة الشيء بالثلث، وبعضهم بنصف العشر، وبعضهم بالسدس، وذهب جمهورهم إلى معيار مرن قائم على مايعده عرف التجار غبنا، وهذا الأخير هو الذى رجحناه(335)، ونرجحه هنا أيضا في باب تقويم النقود الورقية، فما يعده التجار في عرفهم غبنا فهو غبن هنا أيضا، وإذا اختلفوا فالقاضي يحكم بما يرتاح إليه حسب الأدلة والظروف والملابسات التى تحيط بالقضية بعينها. وفي بعض القوانين الحديثة نرى أن مجرد التذبذب الخفيف في أسعار العملات الورقية لايؤثر إلا إذا تجاوز 5%، ومن هنا فقد وضعوا معيارا لأدنى مايعتبر فيه التضخم مؤثرا في الإيجارات ونحوها(336).

زمن التقويم، ومكانه:

إذا كنا قد رجحنا اعتبار القيمة في التقود الورقية حينما يكون هناك فرق شاسع بين القوة الشرتئية لها عند إنشاء العقد وثبوتها في ذمة المدين، وبين إرادة ردها، فأى وقت نعتبر؟ هل نعتبر قيمة النقد يوم إنشاء العقد؟ وهل نعتبر مكان العقد؟ أم مكان الرد؟

والذى نرجحه هو رعاية القيمة يوم إنشاء العقد وقبض المعقود عليه، ومكانه، أى تقوم النقود الورقية يومئذ كم كانت تساوي من الذهب، أو كم يشتري بها من السلع الأساسية، ثم على أساسها يرجع الدين، أو يوفي بما التزم به من مهر، أو ثمن المبيع الآجل أو غير ذلك، فلو دفع رجل قبل عشر سنوات ( أى في1977 ) لآخر مائة جنيه، أو باع له أرضا بها، أو كان مهر زوجته مثل هذا المبلغ، فالآن يقوم المبلغ المذكور على أساس عام (1977) كم يشتري به من الذهب، أو من السلع الأساسية على ضوء أحد المعيارين السابقين، أو متوسط إما يشتري به من الذهب والسلع الأساسية، فلو كان هذا المبلغ المذكور في وقته كان يشتري به بقرة مثلا، فيجب عليه أن يرد مبلغا يشترى به بقرة، أو كان يشتري به عشرون غراما من الذهب عيار(21) فيجب عليه أن يرد مايشتري به هذا لقدر- وهكذا- إلا إذا تراضيا بالمعروف.

ويشهد لذلك هو أن جمهور من ذهب إلى اعتبار القيمة في الفلوس، والنقود المغشوشة، بل حتى النقود الخالصة عند كسادها أو انقطاعها ذهبوا إلى أن المعتبر هو يوم إنشاء العقد والقبض، ومكانه قال المرغيناني: (( وإذا اشترى سلعة وترك الناس التعامل بها… قال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع، وقال محمد: قيمتها آخر ماتعامل الناس بها )) ثم علل أبو يوسف ذلك بأن الضمان إنما تم بالبيع، وهو سببه فلابد إذن من اعتباره(337) وقد رجح الكثيرون من الأحناف رأى أبى يوسف قال المرغيناني: (( وقول أبى يوسف أيسر )) فعلق عليه ابن الهمام، والبابرتي فقالا: (( لأن القيمة يوم القبض معلومة ظاهرة لا يختلف فيها بخلاف ضبط الانقطاع، فإنه عسر فكان قول أبى يوسف أيسر في ذلك ))(338) قال ابن عابدين: (( وفي المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض، أو رخصت…، قال أبو يوسف: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض…، وعليه الفتوى، وهكذا في الذخيرة والخلاصة… فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه افتاء وقضاء ))(339). وكذلك الأمر عند القائلين بالقيمة عند المالكية مثل ابن عتاب وابن دحون حيث أفتياء برعاية القيمة- في مسألة  الغاء السكة- يوم القرض(340).

بل إن كثير من العلماء ذهبوا إلى اعتبار القيمة يوم العقد، ونشأة سبب الضمان في مسائل كثيرة، فقد ذكر لنا ابن نجيم منها: المقبوض على يوم الشراء… فالاعتبار لقيمته يوم القبض، أو التلف، ومنها المغصوب القيمى إذا هلك، فالمعتبر قيمته يوم غصبه اتفاقا، وكذلك المغصوب المثلي إذا انقطع عند أبي يوسف، ومنها المقبوض بعقد فاسد تعتبر قيمته يوم القبض، لأنه به دخل في ضمانه، ومنها العبد المجنى عليه تعتبرقيمته يوم الجناية، ومنها: ما لو أخذ من الأرز والعدس، ونحوهما وقد كان دفع إليه ديناراً مثلا لينفق عليه، ثم اختصما بعد ذلك في قيمة المأخوذ… قال في اليتيمية: تعتبر قيمة يوم الأخذ…(341).

وذكر السيوطي أمثلة كثيرة جدا روعيت فيها يوم القبض، منها مسألة ماء التيمم في موضوع عز فيه الماء حيث تراعى قيمته في ذلك الموضع في تلك الحالة على الصحيح عند جمهور الأصحاب، وكذلك الطعام والشراب حالة المخمصة، ومنها مسألة المبيع إذا تخالفا، وفسخ وكان تالفا يرجع إلى قيمته يوم التلف على رأى، لأنه مورد الفسخ، ويوم القبض على رأى آخر، لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه، وما يعرض بعد ذلك من زيادة، أو نقصان فهو ملكه، ومنها المستعار إذا تلف تعتبر قيمته يوم القبض على وجه، وكذلك المقبوض على جهة السوم، إذا تلف… (342). قال النووي في مسألة رد القيمى في القرض بالقيمة: (( يرد القيمة يوم القبض إن قلنا يملك به… ))(343) وقال السيوطي: (( وإذا قلنا: إنه يرد في المتقوم القيمة، فالمعتبر قيمة يوم القبض إن قلنا يملك به، وكذا إن قلنا: يملك بالتصرف في وجه ))(344). وقد نص الإمام أحمد في الدراهم المكسورة بعد كسادها على أنه يقومها: كم تساوي يوم أخذها؟(345) قال صاحب المطالب: (( ويجب على المقترض رد قيمة غير المكيل والموزون يوم القبض ))(346) وقال ابن قدامة: (( تجب القيمة حين القرض، لأنها حينئذ ثبتت في ذمته ))(347) وقد نص إمام الحرمين والغزالي وغيرهما من فقهاءالمذهب الشافعي على أن العبرة في حالة تغير النقد هو النقد الذي كان سائدا يوم العقد هو النقد يوم الحلول، وكذلك الثمن المؤجل إذا حل (348) وقال مالك: (( لابأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما، ثم يأخذ منه بربع، أو ثلث، أو يكسر معلوم: سلعة معلومة، فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم، وقال الرجل: آخذ منك بسعر كل يوم، فهذا لايحل، لأنه غرر يقل مرة، ويكثر مرة. ولم يفترقا على بيع معلوم ))(349) وهذا الكلام يدل على اعتبار سعر معلوم عند بداية التصرف.

وبعد هذا العرض والتأصيل يظهر لنا رجحان ماذهبنا إليه وهو اعتبار القيمة يوم العقد والقبض، وهو أدنى إلى تحقيق العدالة وأقرب إلى القسط، وأيسر، وذلك لأن المقرض، أو البائع قد خرج المال من عهدته في ذلك الوقت، ودخل فى ذمة المدين والمشترى،وحينئذ يكون له الحق فى أن يشتري به شيئا آخر، ولذلك أحد الفلاحين المصريين بفطرته: (( دفعت لك ثمن جاموسة فرجع إلى ما أشترى به مثلها، ويكفي أنك استفدت به كل هذا الوقت )) قال ذلك عندما جاء إليه شخص من قرائبه وطلب منه دينا، فباع الفلاح جاموسته بمبلغ ودفعه إليه بالكامل، ثم بعد عشر سنوات جاء الرجل ورد عليه المبلغ الذى ما كان يشتري به الآن ربع جاموسة، فأنطقته فطرته السليمة هذا القول(350).                                                                      حل آخر

بالإضافة إلى هذا الحل الذى ذكرنا، فإنه يمكن للمتعاقد الذى تثبت له نقود في ذمة الآخر آجلا أن يشترط أن يكون الرد بما يساويه من أى نقد آخر، أو أية بضاعة، مثل أن يدفع أحمد مثلا عشرة آلاف جنيه قرضا لخالد، أو أن يبيع له أرضا بها، ثم يقدرها بما يساويها من نقود أخرى ثابتة، أو سلع أساسية ليعرفوا القيمة الشرائية للدين حتى يرجعوا إليها عند التنازع فيأخذ الدائن حقه بدون وكس ولاشطط، أو أن يتفقا على تثبيت قيمة الدين عند التعاقد، وذلك بأن يتفقا على أن يكون المعول عليه عند الأداء هو القوة الشرائية الحالية للنقد الذى تم به العقد سواء كان فرضا، أو غيره، فإذا كانت قيمة النقد هى 800 وحدة شرائية فعند السداد يدفع المدين نفس هذه القيمة بغض النظر عما إذا كان مبلغ الدين عند السداد له هذه القيمة، أو أقل أو أكثر(351).

وهذا الشرط ليس فيه- حسب نظري- أى مخالفة للشريعة الغراء، وذلك لأنه ليس شرطا جر منفعة للدائن، بل هو يحقق العدالة للطرفين، وليس ممنوعا في حد ذاته، بل كل مايقتضيه هو رد المثلى بالقيمة- إذا قلنا: إن نقودنا الورقية مثلية، وإذا قلنا: إنها قيمية فيكون هذا الشرط من الشروط الموافقة لمقتضى العقد. وهذا الشرط مهما دققنا النظر فيه لن يتجاوز اشتراط ما يضمن رد حقه بدون شطط ولا وكس، فهو مثل من يشترط رد قرضه في بلد آخر ضمانا له من مخاطر الطريق، وهو مايسمى بالسفتجة، وهو جائز عند جمهور الفقهاء، يقول شيخ الإسلام:  (( والصحيح الجواز، لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهم المقترض، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لاينهى عما ينفع الناس ويصلحهم، ويحتاجون إليه، وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم…))(352) والشرط الذى معنا ليس فيه غرر، ولا يؤدي إلى جهالة، ولا ربا، ولا منازعة، بل يؤدي إلى أداء الحقوق كاملة إلى أصحابها في وقت أصبحت التقلبات الكبيرة سمة عصرنا، فحينئذ يكون كل واحد يعرف ماله وماعليه. بالإضافة إلى أن الأصل في الشروط هو الإباحة عند جمهور الفقهاء(353).

باب التراضي مفتوح

كل ماقلناه إذا كان هناك عناد من أحد الطرفين، أما عند سداد الدين، أو الوفاء بالثمن، أو المهر، أو