أبحاث

النظام الأخلاقي في السياسة المالية في الدولة الإسلامية

العدد 51- 52

عندما يريد الانسان أن يبحث أو يكتب فى موضوع من المواضيع الإِسلامية ينبغي عليه أن يبدأ من القرآن ومن الأحاديث, ويجمع ما في القرآن الكريم من الآيات ومن الأحاديث المختلفة بالموضوع ثم يتعقب الموضوع.
وهذا هو المنهج الصحيح العلمي فى العلوم الشرعية الإِسلامية الذى طبقه العلماء والأئمة والمجتهدون الأوائل بدقة علمية مطلقة وتركه وأهمله العلماء المتأخرون ابتداء من القرن الرابع الهجري أى العاشر الميلادي وحتى الآن, وإن حاول قليل من المتأخرين أن يسترجع ذلك المنهج ويستعمله ولكن لم يستطع ذلك المنهج ويستعمله ولكن لم يستطع أن يتجاوز الحدود الموضوعية أمام تطبيق المنهج المذكور طوال العصور.

وحين يكتب كاتب أو عالم في موضوع الدين الإِسلامي يقدم مقدمة عامة وشاملة بأن الإِسلام دين عام عالمي شامل لجوانب حياة الإِسلام من شروق الشمس إلى غروبها. وليس هناك ناحية من نواحي الحياة إلا ويتدخل غيها الإِسلام سلبا أو إيجابا. ولا شك أن أمثال هذه الكلمات العامة لا تخرج عن إطار القرآن والأحاديث الصحيحة بالنسبة إلى المبادىء الإِسلامية, لأن الإِسلام جاء كدين ليحل مشكلة الإِنسان الدينية والدنيوية بتوحيدهما وجعلهما امورا دينية ورفع التفرقة بينهما فإن الأمور الدينية والدنيوية تفترق بالنية والارادة وان الانسان مسئول عن نيته وارادته فى كل حركاته, وسكناته وكذلك الانسان مسئول فى هذه الدنيا ليس فى الآخرة, وهو مسئول عن كل أعماله سواء قيل خطأ : إنها أعمال دنيوية أو دينية لأنهما يطبقان على الانسان سواء كان فردا في المجتمع أو رئيسا لدولة أو ربا لعائلة أو آمرا أو مديرا أو موظفا. ومن هذه المشاكل الانسانية بل من أهمها هى حياة الانسان وعيشه وتغذيته ونشأته ونموه واستمرار حياته وبذلك يستطيع الانسان أن يقوم على رجليه ويستطيع المشى والسير إلى انجاز اغراضة وغاياته ويرتكز كيانه المادي والذاتي على ذلك. وذلك لا يتحقق إلا إذا أمكن للانسان أن يملك شيئا يقيم به اوده ويمسك به بدنه حتى تستمر حياته فلا ينهار ويسقط على الأرض ولا يتلاشى بين هوات وفجوات المهالك والمخاطر.

اهتم القرآن الكريم في آياته الأولى بشيئين أساسيين هما :

الأول : ربط الانسان بالرب والخالق مباشرة ورفع الحواجز والوسائط بين الله تعالى وبين الانسان, وإزالة الأوهام والخرافات عن الاذهان والعقول وتوجيههما إلى الاعتقاد الحق وإلى الله تعالى وهو الحاكم المطلق القادر على كل شىء وهو الآمر والناهي, وجعل الانسان مسئولا أمامه فقط, دون سائر البشر مهما كانت مرتبته الاجتماعية, والتربوية.

الثاني : هو حل مشكلة الفقر بإزالة الطبقات الاجتماعية واعلان المساواة بين الناس فى الحقوق الانسانية المفطور عليها وهو يرمي إلى تغيير سلوك الانسان وتوجيهه توجيها صالحا لمصلحة نفسه ولمصلحة الناس الاخرين لتتوازن وتتعادل العلاقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

ولذلك شرع الإِسلام فى أول الأمر بتثقيف الذهن والعقل وتقويمه ثم اعتنى بتربية السلوك والاخلاق. وبنى سلوك الانسان على الخلق الحسن الكامل. والخلق يشمل كل ما يقوم به الانسان من أفعال وأعمال وحركات, ويدخل فيه إطار الفقة أى القانون.

وتتطلب التربية الاخلاقية التي تستند على مبادىء القرآن والأحاديث أن تلبي حاجات الانسان المادية والروحية المعنوية. والحياة المادية والروحية متداخل ومتزامنة فى نظر مبادىء الإِسلام. وعلى ذلك ينبغي أن تكونا كذلك متعادلة ومتوازنة في حياة الفردية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

ومن هنا جاء القرآن الكريم بالنظام الاقتصادي باسمه المعروف اليوم لينظم المعاملات المالية والتجارية. وامتن الله تعالى على الأغنياء بما أنعم عليهم من النعم لتنمية ثرواتهم, ثم طلب منهم أن يعطوا من مال الله عز وجل الذى بأيديهم إلى من يعوزهم. لأن المجتمع يتكون من الافراد الذين قد يكون من بينهم : أعمى, وأصم, وأبكم, وأكثر عقلا وأقل فهما والمرضى, والزمنى والفقراء والمساكن وغيرهم وإذا لم يوجد هؤلاء الناس, لا يكون هناك مجتمع إنساني ولا يكون مفهوم الثروة ولا مفهوم الدينار والدرهم ولا الذهب والفضة إذا لم يكن تبادل الأموال والأشياء القيمية ولا تظاهر ولا تفاخر بالمجوهرات والأحجار الثمينة بين الناس.

وهكذا بدأ القرآن الكريم فى بدايات تشريعه الاعتناء بالتوازن والتعادل بين الدخل والاستهلاك وبين الكسب والصرف وطاب التكافل بين الربح والعمل وبين الفائده ورأس المال فى البيع والشراء. ولحفظ هذه المعادلة فى النظام الاقتصادي وهو التكافل بين أفراد المجتمع فى نفس الوقت, وضع الإِسلام معايير وموازين لكيفية كسب المال الحلال وكيفية صرفه والتعرف فيه ليرفع بذلك مستوى أفراد المجتمع على درجة حيث يرضى كل فرد بما يكسبه ويرضى عنه الناس بما يعاملهم به.

وصرع نظاما واحدا بكل فرد من الشعب والأمة من بدو وحضر وقارىء ومثقف وأمى, ومن رجل في الشارع ورجل في الصحراء أو الغابة, والضيعة أو القصور, فكلهم يتبعون نظاما واحدا, إلا أن كل واحد مسئول حسب قدرته ومقدرته المادية والمعنوية وكذلك هو مسئول حسب وسعة نفوذ دائرته فى الأمور الاجتماعية والتجارية والسياسية. ونظام الشريعة يشملهم جميعا دون التفريق والتمييز بينهم.

وعندما طلب الشرع من الأفراد اتباع الموازين والمعايير فى كسب الحلال, القى التبعة عليهم في تصرفهم فيما يكسبون من المال والثروة والمهارة والصنعة, وكلفهم بطاعة الله والرسول وأولى الأمور السياسية والاجتماعية وغيرها, باطار هذه الموازين ولم يبح لهم اطاعة أولى الأمور فيما جاوز ذلك. وكلفهم بمحاسبة أنفسهم أولا ثم بمحاسبة من يلى أمورهم. وإذا قصروا في واحد منها أو في كليهما يختل نظام المجتمع وسوف يحاسبهم الله تعالى في كلا الحالين إما في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما معا.

وكذلك أوجب على أولى الأمور يعنى الدولة في الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتجارية والمنظمات العامة والخاصة أن يعاملوا الأمة وأفراد المجتمع دون انحياز إلى القرابة والمصاهرة والنسب وإلى مكانة الرجل فى المجتمع بالعدالة المستندة على الحق والكفاءة والتكافل بين عمل وأجر ومايحتاجه من العيش والحياة السويه فى المجتمع, وأوجب الرقابة العادلة على العمل وعلى صاحب العمل وشرع اتخاذ التدابير اللازمة للتفتيش عن المعاملات في الأسواق وعدم ظلم الغنى عند أخذ حق الفقير منه وعدم ترك الفقير على مرحمة الغنى وأن لا يسمح بتعدى الفقير على الغنى كما وضع القرآن الكريم حدا للحيلولة أمام سعى الأغنياء لاكتساب المال حراما كان أو حلالا وكذلك وضع حدا للاقتطاع من مال الأغنياء. وهذه الرقابة فرضت على أفراد المجتمع كأفراد كذلك وهى المعبر عنها في القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, وفي الفقه الإِسلامي الحسبة أو الاحتساب.

وفلسفة الدولة وحكمة الحكومة تأخذ وتكسب شرعيتها باهتمامها بمصالح الأمة وأفراد الشعب وعليها أن تراقب افراد الشعب فى معاملاتهم وعلاقتهم بعضهم ببعض فى التجارة, وأن تحاسب مواظفيها في معاملتهم مع أفراد الشعب وأن تمنع تغلب الناس على بعض بحيلهم وخدعهم وبقولهم الماكرة. والدولة كذلك ملزمة باتباع المعايير والموازين الاسلامية في معاملتها الناس في أخذ أيدى الناس ومساعدتهم والقبض على ايديهم إذا انحرفوا عن سواء السبيل. وهنا تظهر اخلاقية الدولة وحكمة وجودها. فإنها لا تظلم الناس الكاسبين ولا تأخذ منهم أكثر مما حدده الشرع أو القانون العادل ولا تتركهم يعبثون في المعاملات التجارية كيف يشاؤون ولا تمنع عن العمل والسعى ولا تضع الحواجز في طريقهم لتنمية تجارتهم الملائمة والموافقة للشريعة. والمهم هنا أن لا تجنح الدولة والحكومة في تأويل الأحكام الشرعية لمصلحتها أو لمصلحة بعض الناس لأسباب مختلفة ضد مصلحة الأفراد المستحصلين ولا المستهلكين. هذه الرقابة العادلة للدولة على معاملات الشعب تحقق سعادة الشعب ومحبة بعضهم لبعض وتزيل غضب الفقراء على الاغنياء وعلى الدولة كذلك, وتسبب المودة والمحبة المتقابلة بين أفراد المجتمع الإِسلامي وبين أولى الأمور. وهذه الأمور وأمثالها يطلبها القرآن الكريم من الذين آمنوا به أن ينفذوها وينجزوها لمصلحتهم الدنيوية الزائلة ولحياتهم الأخروية الباقية. وهى غاية قصوى لكل إنسان أن يكون سعيدا فى هذه الدنيا وفي الآخرة وذلك يتحقق إذا لم يكن المجتمع متكونا من طبقات عالية وسافلة ولا ينقسم الناس وأفراد الشعب والأمة إلى سادة وسيدات وإلى عبيد لهم واماء, إلى طبقة غنية مشرية متكبرة مترفعة ومتغطرسة وطبقة منحطة ومنازعة. وكيف يمكن ذلك ؟ وهذا هو محور موضوعنا الذى نعتزم الحديث فيه إن شاء الله تعالى.

التربية المالية في الإِسلام

إن الله عز وجل خلق الإِنسان خليفة له وأعطاه ميزات مختلفة للقيام بواجبه. وبذلك ميزه عن كل المخلوقات. فسواء أدرك وظيفته بالادراك العقلي والايمان بالله أو لم يدرك ذلك بالشعور الذاتى. إلا أنه يتبع ذلك ويطيع قوانين الله الموضوعة في فطرته وماهيته وطبيعته طوعا أو كرها, أحيانا بالرغبة والشوق, وأحيانا بالجبر والكراهة.

والإِنسان له آمال وأمنيات فى حياته. فمن أولى أمنيته أن يعيش عيشة راضية ويلتذ بالحياة ويشعر بالذوق في المأكل و المشرب والسكن في القصور وأناقة الملبس. وكل هذه الأذواق حاجات له في ادامة حياته والحفاظ على موجوديته, كإنسان له خيالات متوجهة إلى المستقبل القريب في الدنيا والبعيد في للآخرة.

ثم أن له آمالا وأمنيات تتعلق بوضعه في المجتمع وترتبط بموقعه الاجتماعي حيث يود أن يرتفع إلى درجات عالية ويصل إلى قمة وذروة في الأمور الادارية والسياسية ليدبر ويدير امور الناس الآخرين ويكون حاكما على مقدراتهم نافذ الرأى والقول.

وهذه الرغبة المتعالية قد غرست في فطرته وجبل عليها. وهو بهذه الرغبة و الغريزة الطبيعية والفطرية يمثل خلافة الله تعالى فى أرضه وهو حكمه واليا على الآخرين, بما أودع الله في كيانه وماهيته من قوة عاقلة وقوه مفكرة في كيفية تدبير الأمور وادارة الشئون. لأنه يستطيع بعقله المفكر الفاعل وارادته النافذة العازمة أن يغير من أوضاعه في المجتمع للرقى والتقدم.

ويظهر من هذه الأمور والحوادث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى تمر فى حياة الانسان وهى ضرورية فطرية له تلازمه ليلا ونهار من الصغر إلى الكبر إلى الموت. ولكنه لايمكن له وحده أن يقوم بأى واحد من هذه الأعمال والرغبات والمطالب سواء كانت ترتبط بفرديته وشخصه منفردا أم بوجود كعضو في المجتمع. فإنه يحتاج إلى الناس الآخرين في أعمالهم المختلفة وصناعاتهم المتنوعة. ولو ترك الانسان في غابة أو جزيرة منذ ولادته لا يتصل بالناس ولا يتصلون به لكان محروما من النعم الاجتماعية والمراتب العالية واشباع غرائز الطبيعية الفطرية.

وتأتى مشكلة الاقتناء والامتلاك لما صنعه وعمله الآخرون ليسد مايحتاج إليه من الحاجات الضرورية والتحسينية والكمالية. ولا يمكن له أن يغتصب أموال الناس وممتلكاتهم بالقهر والغلبة لأن ذلك يسبب الفوضى والفتنة والمقاتلة ولا تبقى سكينة واطمئنان في المجتمع وذلك يجره إلى الضرر والخسران. ولذاك ينبغي عليه أن يقدم شيئا مقابل مايحتاج إليه من الممتلكات والمحصولات والمنتجات الموجودة عند الناس الآخرين. ومن هنا جاءت المبادلة والمعاوضة بين الناس بصورة طبيعية وفطرية.

إن الإِنسان ليس مثل الحيوانات العجماء التي لاحاجة لها بعضها مع بعض للاقتناء أو الامتلاك لما فى أيدى الآخرين لعدم تنوع حاجاتها لادامة حياتها الضرورية. وايس لها غير الشبع والرى إذا جاعت أو عطشت إلى التوالد للمحافظة على جنسها بالغريزة الطبيعية دون ارادة منها ومشيئة لها. فإن كان الانسان البدائي الذى عاش في الغابات قريبا من الحيوان إلا أن حياته تلك كانت على حالة طارئه. ولذلك سرعان ما اجتمع وتحضر ملبيا حاجاته ورغباته الغريزية الفطرية الاجتماعية ووظيفته الالهية وهى خلافته وأعماره الأرض نيابة عن الله تعالى. وبما أنه سوف يقوم بأعمال إعمار الأرض كوظيفة خلقية وفطرية موظفا من قبل لله تعالى فيجب عليه أن تصير أعماله وأفعاله موافقة لارادة الله ولرضاه تعالى. وقد احتاج الانسان لمعرفة نظامه وقوانينه لتنفيذها.

فإن الله تعالى عند ماخلق الانسان خليفة له, جعله حرا في حركاته وسكناته وغرس فيه غرائز وميولا مختلفة, وأعطاه قدرة وقوة ذات وجوه مختلفة الجهات والأعمال. ولو جرى الناس على مقتضيات فطرة وغريزة واحدة لكانوا جميعا على طريق واحد لاينحرفون عنه ولا يتعدون حدوده المرسومة لهم بطبيعة.

والإِنسان بميوله المختلفة وغرائزه المتنوعه ورغباته المتغيرة يتلقى المؤثرات الخارجية في المجتمع الذي يعيش فيه والبيئة المحيطة به فيتأثر بها ويتفاعل معها وينساق لها ويستنتج منها عناصر جديدة تؤثر في تفكيره وتوجيهه. وبذلك يختلف الناس وأفراد البيئة ويتباينون ويفترقون في التفكير والتمسك بأسباب الحياة. ويأخذ كل واحد سبيلا خاصا. ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يترك الانسان يضيع ويضل الطريق السوى في التفكير وينحرف عن السعى الصحيح والعمل الصالح, أعطاه مصدرين أساسيين ليسير على مافيها من قواعد وأحكام ومبادىء ليستعين بما فيها على ما ليس فيهما صراحة أو نصا ليتاح له اجراء ما أوجب الله عليه ليكون خليفة له في شئون الأرض وإصلاحها وإعمارها. وهما : العقل والوحى.

والعقل هو المفطور عليه في الخلقة والجبلة.

وله وظيفتان :

أ ـــ وظيفة الفهم والادراك وهى تتوقف على المشاهد والتجربة وفهم النصوص وتجارب الآخرين والاستفادة من أقوال الناس والعلماء الآخرين.

ب ـــ وظيفة التعقل والمحاكمة واستنتاج الأحكام والوصول إلى المبادىء والانتقال من الأشياء المعلومة إلى الأشياء المجهولة على الميول والغرائز ويصدر حكمه بالعرف أو النكر.

والوحى يأتيه بواسطة الأنبياء والمرسلين لارشاد العقل وما عدته إذا التبس عليه الأمر والحكم وضل الطريق المستقيم تحت تأثيرات مختلفة من غريزة طبيعية وبيئة فاسدة وتربية غير رشيدة كنا وقع الوحى المتلو في التأويل المفسد والتحريف بايضاحات متغيرة ومختلفة تحت أسباب كثيرة قبل الإِسلام وبعده. وهما يعني العقل والوحى معاونان في خدمة الانسان ليقوم بأعماله الجبارة الابداعية وواجباته الإِصلاحية والإِعمارية لإِنفاذ أوامر الله تعالى, وبذلك يرتقى إلى مرتبة خلافة الله في أرضه وينوب عنه في أعماله.

فإن يتبين لنا من النظرة التاريخية الواقعية أن الانسان أسمى وأعلى مخلوق بين المخلوقات الكونية. فبافادة القرآن الكريم أن الوجود والكون كله قد خلق لأجل مصلحته ولخدمته. فالاسلام يعترف للانسان بهذه المكانة ويقدسها له. فالقرآن باعترافه بمرتبة الانسان هذه ودرجته العالية بين المخلوقات وباقراره بأنه صاحب ارادة حرة وباعتباره مخلوقا تتغلب عليه القوى المختلفة والاغراض الفردية والانانية ويتجاوز حده ويتعداه إلى حقوق غيره حيث يجلب عليه عداوة إلى الآخرين التى تهيىء أسباب هلاكه وتجره إلى الخطر والبوار. ولذلك جعل القرآن الكريم بعض الموازين والقسطاس له. ليقيس عليه الأمور والعلاقات بين الناس لتسير الحوادث الاجتماعية على نظام منسق وعلى قانون مرسوم بين الناس وتسود المودة والمحبة بين أفراد المجتمع وليقوموا جميعا بإعمار الأرض نيابة عن الله تعالى.

فالإِنسان له صفات ثلاث : المادة والحياة والروح. يشترك مع المخلوقات الكونية كلها في المادة وتشاركه المخلوقات. وبصفتيه المادية والحياتية تتكون فرديته كموجود مادي حى يأكل ويشرب ويتغذى وينمو ويتكاثر كفرد منفرد. وبصفته الروحية تتكون شخصيته الاجتماعية والانسانية. وبذلك يؤسس العلاقات الاجتماعية وينشىء المناسبات الانسانية بين أشخاص المجتمع. وهو بمادته فرد من أفراد الكون وبروحه شخص اجتماعي وعضو حى فى مجتمع. ولا تتجلى انسانية الانسان إلا في الأمور الاجتماعية وإيجاد العلاقات والمناسبات بين الناس.

وقد أعجبني قول الدكتور محمد فاروق النبهان : إن الإِسلام جاء لينقل الإِنسان من صفة (( الفرد )) إلى صفة (( الانسان ))(1). يعني من الفردية الانانية إلى الانسانية الجماعية. ومعنى ذلك أن الفرد منفرد ومنعزل والانسان اجتماعي, له شخصية اجتماعية يهتم بالمناسبات الاجتماعية. وعلى ذلك فالانسان كفرد يهتم قبل كل شىء برغد عيشه وطيب حياته. وذلك يعتمد على المال الذى يشمل كل شىء مما ينتجه هو نفسه أو يستحصله غيره, ويتناول المنقول وغير المنقول, ويتبادل به مع ماعند الآخرين مما يحتاج إليه. والمال يجلب له كل الخير, كما وصف الله الإِنسان بولعه وحبه الشديد للمال بقوله تعالى :} وإنه لحب الخير لشديد {(2).

فإن المال قوام الحياة للانسان, خلق الله تعالى فيه حب المال وجعل الله تعالى المال زينة الحياة الدنيا, وأمر الناس بالتزين في كل صلاة وندد بمن حرم زينته التى خلقها لعباده.(3). ونرى أنه ظهر فريقان من الناس على طرفى النقيض طوال التاريخ البشري. فريق افرط في التزين والتبجح بالمال وتجاوز الفطرة وارتكب حراما في كسبه وحراما في صرفه وفي كلا الحالي عثا في الأرض مفسدا. وفريق فّرط في تحريم الزينة بتحريمه الثروة والمال وحث على الزهد فيه كرد فعل. وهذا اثبت بالتجربة التاريخية التي ذكر الله تعالى أمثلة منها في القرآن الكريم في القصص والأمثال. جاء القرآن الكريم ليقيم الوزن والكيل للتعادل والتوازن بين هذين القطبين في التعدي والتقصير, ورفض افكار الفريقين وتصرفاتهما. ولم يمنع كسب المال والتزين به وإنما أمر بكسبه من الحلال ونهى عن اكتسابه بالحرام. أما المال نفسه فلا يتصف بالحلال والحرام وإنما تصرف الانسان وأعماله تكون حلالا وحراما كما هو مبين في موضوعه في أصول الفقه.

والقرآن هدى للناس في كل أعمالهم ومنهج لهم في حياتهم وارشاد إلى العدالة الاجتماعية ليحق الحق باعطاء كل ذى حق حقه ويبطل الباطل ويمنع الفساد في الأرض.

فإن كلمة المال أصل واحد يدل على التمول أى اتخاذ المال واكتسابه. يقال : مال يَمال أو يمول, أصبح ذا مال, وصاحب المال وكثر ماله. وتمول الرجل اتخذ مالا(4). ويطلق على الضياع والابل(5). ويقول لبن منظور في لسان العرب : المال معروف ماملكته من جميع الاشياء. وينقل عن ابن الاثير : المال في الاصل مايملك من الذهب والفضة, ثم أطلق على مايقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر مايطلق المال عند العرب على الابل لأنها كانت أكثر أموالهم(6).

ويقول عبد الكريم الخطيب في اشتقاق كلمة ((المال)) مايلي : (( وعندى أن الأصل في كلمة مال أنها جملة مكونة من ثلاث مقاطع هى : «ما» الموصولة, و «ل» لام الجر والاسم المجرور الذى يدل على صاحب الملك. فالتركيب هكذا : ما لفلان أى الشىء الذى لفلان أو الذى له أو الذى لى أو لك. ثم كثرة الاستعمال ـــ مع تقدير خاص في الاختزال عند العرب ـــ استعملت ما الموصولة مع لام الجر الدالة على الملكية, فصارت «مال» للدلالة على الشىء المملوك. ومن ثم أصبحت الكلمة جامدة لها دلالة واحدة هى ما يمتلك, ثم جمعت على أموال كما تجمع الاسماء(7).

نقلت هذا الكلام لأنه حاورني رأى أحيانا عندما أردت أن أفهم معنى هذه التعابير : (( مالك أو ماله )) يمكن أن يقرأ بطريقين : مالك أو مالك, ماله أو مالَه, بفتح اللام أو ضمها. إذا كان بفتح اللام كان المعنى على اشتقاق عبد الكريم الخطيب : أى شىء تملك أو الشىء الذى تملكه. ويتاح للانسان هذه الملاحظة في } يحسب أن ماله أخلده{ (8). } ما أغنى عنى ماليه{ (9). وفي التعبير : أنت ومالك لابيك.

ذكر القرآن الكريم المال خمسا وثمانين مرة مفردا وجمعا. وهو يدل على اهتمام القرآن بالمال وبالمسألة المالية بصورة جديه. لأنه كما عرفنا من تعريفه من اللغة واستعمالة بين الناس, فإنه يشمل كل مايملكه الانسان من الأشياء العينية والنفعية. ولا يعيش الانسان ولا يمكن له ادامة حياته دون أكل وشرب وملبس ومسكن. وكل ذلك يدخل في مفهوم المال بالضرورة الأولية.

إن الله تعالى بين تعلق الانسان بالمال وحبه له وتبجحه به وشغفه له واعتماده عليه في عائلته ومجتمعه وتكاثره وتعاليه على الآخرين بكثرة ماله وتملكه له في الآيات المتعددة منها : ( وتحبون المال حبا جمعا) (الفجر 20).

( أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) (الكهف 34) (10).

وهذه الآيات توضح شغف الانسان بالمال وولعه به واعتباره جزءاً مقوما لموجوديته وحياته الدائمة وعنصرا مهما في سيطرته على الناس الآخرين واتخاذه منصة وتكأه يصعد عليها في إظهار شخصيته وابراز قدرته ونفوذه حتى يحكم على الناس ويتحكم فيهم كيف يشاء. لأن المال له قوة وقدرة مضافة إلى تكوين شخصية الانسان كفرد على حدة واعلائه في مراتب عالية كعضو في المجتمع له تأثير ونفوذ كبيرفتؤثر على قدرة الانسان الفكرية والثقافية في تكون الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية.

ثم ضرب الله عز وجل مثلا وقص قصصا لهلاك الأمم السالفة مع افرادها بولعهم وشدة احتراصهم على جمع المال وتنمية الثروة واستعمالها في إفساد الأمم والشعوب, والعثو في الأرض والخواض في الترف والرغبات الشهوانية باكتساب الأموال والثروات بارباح طائلة دون رعاية لنظام ودون تدبر لعاقبة الأمور والحوادث ودون نظر في الكوارث والمصائب التي أوقعوها في المجتمع الذى كانوا يعيشون فيه كما في الآيات الآتية : ( واعملوا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) (الانفال 28, التغابن 15). ( إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا) (آل عمران 10, 116). } ويل لكل همزة لمزة الذى جمع مالا وعدده{ (الهمزة 2)(11).

ونتبين من هذه الآيات أن المال والثروة مطلقا واكتسابها دون قيد شرط يجران الانسان إلى ما لا يرضى عقباه من خسران ودمار وفتنة وبوار. لأن الانسان إذا امتلك أموالا كثيرة وثروة طائلة يشعر بنفسه كأنه حاكم الدنيا ورئيس الدولة وزعيم الأمة. ويرى أن المال أقوى مساعد له ومعاون وشريك له في حكمه وفي حياته اليومية أو اشد بأسا في كل ماعداه تفكيرا واعتقادا وظنا منه, ويشاهد كل ذلك فعلا وعملا في قوة المال النافذة على كل الناس وقدرته في المجتمع وشئون الحياة العامة وتكالب الناس على اكتسابه بكل ما لديهم من الرغبة الشديدة والحرص المستميت على جمعه.

ولهذا الميل الشديد إلى المال وحكمه النافذ لم يرد الله تعالى أن يترك الانسان يسير على هواه ويعبث في الأرض لأنه خليفته وممثله فيها. واقتضت حكمته ومشيئته أن يرشده إلى الطريق المستقيم وينذره بعواقب الأمور وينبهه بواجبه الأصلي, وبذلك يمكن تخليصه من أن يستعبده المال وأن يتحكم فيه, وانقاذُه من أن يكون عبدا مملوكا لمن هو دونه ولمن ينبغي أن يكون خادما لخ, لا مخدوما بثلاث طرق :

أولا : تلقين الانسان بالايمان بالله وحده وترسيخ عقد القلب على اخلاص العبادة له والدعوة إلى حبه اشد من سواه. ونسمى هذا بالتربية الإِيمانية. وهى ربط الانسان بالله رب السموات والأرض ورب من فيها ورب العالمين. وخالق الكون كله إيمانا لا يتزعزع واحتسابا, وفكرا وعملا وعقلا وقلبا. وافهامه واشباع فبله شعورا بأن الله تعالى القادر المطلق والمسيطر على الكون كلياته وجزئياته بعلمه الشامل وارادته النافذة المطلقة, لاينفع غيُر ولا يضر مهما عظم وكبر ومهما أصبح ذا مال وبنين إلا باذنه وارادته ومشيئته.

ثانيا : اعلام الانسان وانذاره بعدم قدرة المال وعجزه عن معاونة الانسان ومساعدته له, لأنه شىء جامد لايسمع ولا يبصر, وهو أقل درجة من الانسان نفسه, وامكان استغناء الانسان عنه لأن المال تحت تصرف الله وهو مالكه الحقيقي هو الذى يوزعه بين الناس ويؤتيه لمن يريد بقدر مايشاء.

ثالثا : وضع المال تحت تصرف الانسان وحكمه. لأن المال وحتى الكون خلق لاجله وللخدمة له. والغاية من الخلق هو الانسان وليس والعكس, يعني أن الانسان لم يخلق لاجل المال. فإن الله تعالى جعل المال وخلقه خادما للانسان, بطريقين :

أ ـــ أن الله تعالى وضع قيودا وشروطا لاكتساب المال وتملكه.

ب ــ فإنه تعالى أرشد الانسان إلى كيف يتصرف في المال بعدما يكتسبه ويمتلكه بالسعى المشروع.

وبذلك يتاح للانسان أن يصبح واليا ومتوليا وحاكما على ماله ومتصرفا فيه, ليس المال حاكما ومتسلطا عليه ومدبره وسايسه, مادام الانسان خليفة الله في أرضه ومعمرا اياها, فينبغي أن يكون حرا في إطاعة ربه وخالقه ليستطيع أن يطبق نظامه ويعمل بموجب شريعته.

والدين الإِسلامي رأى أن إصلاح الحالة الاقتصادية والسياسة المالية في الدولة وفي المجتمع لايمكن ولايتم إلا باصلاح الانسان كفرد في تصرفاته وكعضو في معاملاته في المجتمع مع الناس. وبدأ القرآن الكريم مؤيَّدا وموضَّحا بالنسبة النبوية بتقديم التربية الاخلاقية للفرد أول الأمر بالتربية المالية. والتربية المالية للفرد هى أن يعرف كيف يكتسب المال وينميه وكيف يتصرف فيه, وبتعبير آخر, ينبغي على الانسان أن يعرف الاسباب المشروعة لكسب المال وتملكه بالشروط الصحيحة وغاية تموله, وأين يصرف وكيف ينفقه, لأن المجتمع يتكون من الافراد. فإنهم يجتمعون فاجتماعهم يصبح مجتمعا. والفرد هو الموجود الحقيقي والعنصر المكون للمجتمع. فاصلاح المجتمع يتوقف على اصلاح الفرد. والانسان قد طبع على حب الذات والانانية وهى ضرورية له بمقدار لادامة موجوديته ليتخذه حجر الزاوية لبناء كيانه الفردي وتكوين شخصيته الاجتماعية. وإذا زاد على ذلك وافرط في حبه لذاته جر وبالا عظيما على مجتمعه وعلى نفسه فجاء الإِسلام ليصلحه أولا وهو لبنة المجتمع, ويطهره من الادران والأوصاف التي غرزت ووضعت في طبيعته ميالا اليها.

والتربية المالية للفرد هكذا تبدأ بكيفية اكتساب المال بالرعاية على شروطه الموضوعية له. واهتم القرآن الكريم ببيان ذلك من أول نزول الوحى إلى الانسان إلى آخر نزوله وطوال العصور.

ويمكن معرفة ذلك بقصص القرآن عن الأنبياء السابقين وإلى مدين أخاهم شعيبا, قال ياقوم !

1 ـــ اعبدوا الله مالكم من إله غيره.

2 ـــ ولا تنقصوا المكيال والميزان.

1 ـــ اوفوا المكيال والميزان بالقسط

2 ـــ ولا تبخسوا الناس اشياءهم

3 ـــ ولا تعثوا في الأرض مفسدين(12)

} 1 ـــ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون.

2 ـــ وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.

3 ـــ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين(13) فإن فلسفة القرآن الكريم وروح الدين الإِسلامي توجيه ذهن الانسان إلى توحيد الله وتلقينه عبادة الله وحده دون غيره لأنه كلما أراد أن يرشده إلى أعمال الخير والبر في الأمور كلها في شئون الحياة من الاصلاحات الفردية والجماعية في الأمور السياسية والادارية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والعائلية والتربوية والعلمية والفكرية والاعلامية بدأ بتربية الذهن لأنه الذى يُصدر الأوامر إلى الأعضاء للإِنفاذ والإِنجاز. ولذلك فإن تربية الذهن أهم من أى شىء آخر.

فالتفكير الإِسلامي والتوجيه القرآني يبدو جليا في التربية الفكرية الايمانية وهى تتجلى في الاخلاق الاسلامية والسلوك القويم, إذا تربى بها روح المسلم بصورة صحيحة وسالمة حينئذ يُنَفّذ مبادىء الإِسلام بروح ارادية طوعية.

فاهتمام القرآن الكريم بالموضوع يتوقف على التربية الاخلاقية في اكتساب المال وهو عنصر حاكم في توجيه الذهن والتفكير في كيفية تصرف الانسان في حياته اليومية. والتربية الاخلاقية في التربية المالية تتوقف على اكتساب المال في أول أمره ثم في كيفية صرفه نقصد بالتربية المالية, النظام والقواعد التي بها يكتسب المال ويمتلك, والنظام والقواعد التي يحسبها لصرف المال واتباع تلك القواعد والنظام يسمى التربية المالية عندنا. والذى يتبع قواعد الكسب ولا يتبع قواعد الصرف فهو يكون مخلا بالتربية المالية أو تعتبر تربيه ناقصة. والتربية المالية الفردية تستند على مبدئين أساسيين :

المبدأ الأول : الايمان بالله وحده وتوجيه العبادة إليه دون غيره, يعني توحيد العبادة لله عز وجل. وتوحيد الايمان غير توحيد العبادة. لأن الايمان عقد قلبي, وأما العبادة فإنما لاتكون صحيحة إلا بتوجه الانسان إلى الله تعالى بكليته : بروحه ومادته, بعقله وقلبه فعلا.

وعندما نقرأ قصة شعيب عليه السلام في القرآن الكريم نراه يخاطب قومه أولا بالعبادة لله وحده فقط دون غيره في الآيات السابقة. فقصته تتركز على اصلاح المجتمع ببيان كيفية اكتساب المال ولا توجد تلك الأوامر والنهي في قصص الأنبياء الآخرين المذكورين في القرآن الكريم. ثم بعض الآيات الأخرى مطلقة, وهى كلها خطاب للأمة الإِسلامية بالواسطة أو بغير الواسطة.

والمبدأ الثاني : يتكون من أسس وأحكام آتية تتعلق بالعمل والفعل :

أولا : الايفاء بالكيل والميزان وهو الغنصر الاساسي في كسب المال الحلال بالبيع والشراء. وهو يمنع احتراص الانسان وجشعه عن ربح حرام, ويضع حدا فاصلا في أول خطوة في تصرفاته التجارية ويحرم عليه الخدعة والحيلة على ضرر الآخرين. وعندما يأخذ الانسان الكيل والميزان بيده فيجب عليه أن يفكر ويعتقد ويخطر بباله فعلا أنه أمام الله عز وجل الذى توجه إليه بكليته في العبادة وفي الصلاة في المسجد وعندما يخرج إللى السوق, فلا يجوز له أن يترك الله تعالى في المسجد وينساه في السوق ـــ ولاينبغي أن يخونه ويخالف أمره في تعديل الكيل والميزان وإلا يكون عاصيا له ثم من ينجيه وينقذه من عذابه, إذا كان يؤمن به.

ثانيا : عدم تنقيص أموال الناس بالحيلة والخدعة والنهى عن بخسهم أموالهم وكبت واخفاء حقوقهم واغتصاب أموالهم أمامهم سرا وحيلة. ويؤكد بذلك النهى عن النقص والبخس في الكيل والميزان. الأمر بالايفاء في الكيل والميزان والمحافظة على دوام أمر الايفاء ايجابا وسلبا, بالأمر والنهى معا. إذا أراد الانسان أن ينفلت وأن ينحرف من ناحية ايجابية, يجاب من الجهة السلبية بالنهى وينسد أمامه التهرب والانفلات, أو بالعكس كما هو مفصل في أصول الفقه في بحث العلاقة بين الأمر والنهى.

ثالثا : نهى الناس عن افساد المجتمع والعثو في الأرض والعبث في الأموال. وهذا يبين لنا بيانا شافيا على إفساد المجتمع واهلاك الأرض وتبذير المال يكون باكتساب المال من الحرام. لأن كسب المال الحرام ليس منحصرا على نفسه ولا فعلا واحدا, وحركة واحدة, فأن يشمل أمورا مختلفة ويسوق إلى أفعال كثيرة غير مشروعة إلى تصرفات غير شرعية وأعمال تعسفية في اسراف في المأكل والمشرب والملبس, وتقديم رشوة والتبجح والتسلط على حقوق الآخرين واغلاء الاثمان للأشياء الضرورية وتشويق الناس على الأعمال السيئة وإشاعة الفاحشة والمنكر وايجاد بدعة وعادات غير شرعية.

رابعا : إذا كان الانسان مطيعا لهذه الأوامر والنواهي يكون له خيرا ويصبح مرغوبا ومرضيا عند الله تعالى. والمال الذي يكسبه بالحلال الذى يبقى له الربح بعد البيع الحلال والمبادلة الشرعية يصير له بركة وخيرا في الرزق. يحث الله تعالى الناس على اتباع أوامره ونواهيه في رضى منه مسرورين وفرحين. درجة السرور والفرح باتباع شريعة الله واستحصال رضاه أعظم درجة من أى سرور آخر وادوم في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأنه سرور ليس بعده مغبة سيئة ولا يعقبه الحزن والكدر.

خامسا : أما إذا خالفو أوامر الله ونواهيه فإنه يهددهم ويتوعدهم ليوم عظيم شديد العقاب, عندما يحشر الناس من مراقدهم يوم القيامة أمام رب العالمين. والانسان العاقل المفكر في مستقبله يحب أن يضمنه كذلك. وذلك لايتاح له إلا إذا اتبع طريقا مستقيما في أعماله وحركاته وسكناته.

وهذا هو أساس النظام الاخلاقي في التربية المالية للافراد والأشخاص الذين يتكون منهم الشعب والمجتمع الإِسلامي.

فإنه يبين كيف ينبغي على المسلم أن يكسب المال ويربحه ليكون تلجرا فاضلا وغنيا شريفا محترما في نظر الإِسلام والمسلمين, ذا ثروة حلال. وهذا لايتأتى للانسان, إلا بكبح جماح النفس الطائشة الاماره بالسوء والرغبة في الاسراف والافراط في التصرف المالي. لأن المؤمن بالله تعالى العابد له وحده دون غيره سرا وعلانية, يخاف أن يكون عاصيا له ومخالفا لأمره ونهيه ويخشى عقابه وأن يخسر رضاه. وبهذه الصورة يصبح الانسان كاسب المال الحلال غير متكبر ولا فخور وغير خائض في المساوىء والسيئات من أنواع المحرمات من مأكل ومشرب وملبس ومسكن, ولا ميسر ولا قمار, فيكون الانسان المسلم رجلا عادلا منصفا معتدلا متوازنا. فإننا نرى في أيامنا أن التفخم المالي لاينتج إلا بالكسب الحرام. وذلك يكون بأسباب نذكر منها سببين مهمين :

الأول : التعاطي بالربا. فإن البلدان التي تستند فيها المعاملة التجارية والاقتصادية على الربا والبنوك الربوية تكون المداولة المالية فيها من غير رصيد حقيقي في كثير من الاحيان. والمعاملة تعتمد على الأوراق غير النقدية الحقيقية التي ليس لها بديل رصدي, وهى تزيد في تضخم المداولة باضعاف لأن الرصيد المخيل يعتبر حقيقيا والمعاملة تعتمد على الأوراق غير النقدية الحقيقية التي ليس لها بديل رصدي, وهى تزيد تضخم المداولة باضعاف مضاعفة. لأن الرصيد المخيل يعتبر حقيقيا وينفذ أثره في الواقع الفعلي. والرجل الذي يستدين من البنك الربوي, ينبغي عليه أن يربح أكثر مما هو مشروع له ومعتاد في السوق حتى يقتسم الربح مع البنك ويبقى ربحه غير منقوص. وهو لايرضي اقتسام ربحه المشروع لأنه يرى أن ربحه ينقص مما إذا كان صاحب رأس المال. وحب المال في الانسان يجعله يكتسب ثروة طائلة بدفعة واحدة تحت ضغط اسباب مختلفة, خاصة لاستغلال الأزمات الاقتصادية, إذا لم يكن عنده وازع معنوي.

والسبب الثاني : له ناحيتان : ناحية تزييد أرباب الأموال والمنتجات أرباح المنتوجات والمحصولات استنادا على أسباب مصطنعة غير مشروعة. والناحية الثانية : عدم اعطاء حق العمل حسب الأرباح المرتفعة. وبذلك يزيد ربح المنتوجات والمحصولات اضعافا مضاعفة. وتزيد اثمان المنتوجات في الأسواق وأثمان الامتعة الضرورية من مأكل وملبس, ويدفع هذا الغنى المترف الذى يكسب ثروته الطائلة دون كدّ وعناء من الحرام إلى أن يشتري مايحتاجه, وما لايحتاجه إلا للترف لارضاء رغباته واشباع شهواته للتكبر والتعالي بثمن اصطناعي زائد على ماهو معروف ومعتاد في السوق ليقال إنه اشترى بكذا في الثمن. واشتراؤه الامتعة من السوق بالغلاء الفاحش, يسبب الغلاء الفاحش بصورتين : بالانتاج وبالاستهلاك أو بالبيع والشراء لأنه يبيع بالغبن الفاحش ويشتري بالغبن الفاحش. ولا يبالي بالشراء بالغلاء الفاحش, لأن الربح الزائد سيرجع إليه في آخر الأمر كارباب لتنمية الأموال وتزاييد المنتوجات. ويزيد ذلك الغنى غناء والفقير فقرا.

وهذا ينتج من عدم اكتراثه وعدم التزامه بالتربية المالية الفردية في الشريعة الإِسلامية للكسب والصرف والانفاق. لأن الأسواق والأموال والأمتعة أصبحت على معيار واحد وعلى مستوى واحد ( ستاندارد Standard). إذا بيع أى واحد منها في السوق بثمن معيارا للافراد الأخرى للجنى من المبيع نفسه, لأن المعاملة تسمع في السوق بسرعة. وأصبحت الاثمان والاسواق مثل الاواني المتصلة ترتفع الاثمان بحيل مختلفة وبسرعة هائلة. وأرباب الثروات واصحاب المعامل والمنتوجات يكسبون المال الحرام مرتين : مرة بالبيع الفاحش ومرة بالشراء بالغبن الفاحش. وهذا هو حال المترفين المفسدين التجارة والعابثين في الأرض.

وأما إذا كان الكسب من الحلال وفيه قيود وشروط مشروعة واخلاقية, فلا يتسنى لرب المال الربح الفائض ولا الغبن الفاحش لا بالبيع ولا بالشراء. وهذا لا يسبب التضخم المالي ولا يسبب زيادة الاثمان بتنمية الأموال بصورة غالبة ولا يربح اضعافا مضاعفة, ولا يصرف ماله الذى اكتسبه من الحلال بجهد وتعب وعرق الجبين, بصورة عشوائية ولا يبذره تبذيرا غير شرعي. وحسب قاعدة العرض والطلب يبقى المال في السوق ينتظر الزبائن للبيع وبذلك يحصل المطلوب وهو عدم ارتفاع الاسعار الذى يعوق التضخم المالي.

فإنه لايمكن كبح جماح التضخم المالي وإصلاح الأزمات الاقتصادية إلا بتربية الافراد تربية مالية تيتند على القيم المعنوية والاخلاقية وهى مرتبطة بالتوازن والتكافل الاجتماعي لبن أفراد الجماعة وهى بدورها النظام السياسي والاداري. وهى كلها مثل الأوني المتصلة والمتحدة, وكل مافي الآخر من نقص أو كمال يسري ويجري إلى الأواني الأخرى ويستوى فيها النقص والكمال في كل مؤسسة اجتماعية وادارية وسياسية. ولكن الأهم والأساس الذى ينبغي أن يبدأ باصلاحه هو المال وكسبه بالحلال كما سبق أن بينا من نفوذ على العلاقات الانسانية والاجتماعية. وهو اس الأسس وعمدة العمد في قبول العبادات كلها, الصلاة والصوم والحج في جملتها.

وقبل أن انتقل إلى الدولة في التربية المالية والسياسية المالية, أحب أن اقتبس بعض الكلمات الموافقة والمؤيدة لرأينا ولأقوالنا من الشيخ محمد باقر الصدر حيث يُربط الاقتصاد في الإِسلام إلى الاخلاق وإلى العقيدة. ولاشك أن الأمر متفق عليه بين المثقفين المسلمين ولايظن أنه يختلف فيه أحد منهم.

(( فالاقتصاد الإِسلامي اقتصاد واقعي واخلاقي معا. لأنه يستهدف في أنظمته وقوانينه الغايات التي تنسجم مع واقع الانسانية بطبيعتها ونوازعها وخصائصها العامة. ويحاول أن لايرهق الانسانية في حسابه التشريعي ولا يحلق بها في أجواء خيالية عالية فوق طاقاتها وامكاناتها ))(14).

(( وأما الصفة الاخلاقية فإن الإِسلام لايستمد غاياته التى يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية في ظروف مادية وشروط طبيعية مستقلة عن الانسان نفسه .. إن الإِسلام يهتم بالعمل النفسي, خلال الطريقة التي يضعها لتحقيق أهدافه وغاياته. ولا يهتم بالجانب الموضوعي فحسب, وإنما يعني بوحه خاص بمزج العامل النفسي والذاتي. فقد يؤخذ من الغنى مال لاشباع الفقير ويتأتى بذلك للفقير أن يشبع حاجاته. وتوجد بذلك الغاية الموضوعية التي يتوخاها الاقتصاد الإِسلامي من وراء مبدأ التكافل. ولكن هذا ليس هو كل المسألة في حساب الإِسلام.  لأن هذه الطريقة قد تعني مجرد استعمال القوة في انتزاع ضريبة من الأغنياء لكفالة الفقراء. وإن كفى هذا في تحقيق الجانب الموضوعي من المسألة إلى إشباع الفقير ولكن الإِسلام لايقر ذلك مادامت طريقة تحقيق التكافل مجردة عن الدافع الخلقي, والعامل الخير في نفس الغنى. ولأجل ذلك تدخل الإِسلام وجعل من الفرائض المالية عبادات شرعية يجب أن تنبع عن دافع نفسي نَيّر بدفع الانسان إلى المساهمة في تحقيق غايات الاقتصاد الإِسلامي بشكل واع مقصود طالبا بذلك رضا الله تعالى والقرب منه)) (15).

التربية المالية للدولة

وأما التربية المالية للدولة فإنها مهمة كذلك. لأن الدوله حاكمة ومسيطرة اداريا وسياسيا, تشريعيا وتنفيذيا واجرائيا على تربية الأفراد وتدبير شئون المجتمع. والإِسلام أعطى عناية كبيرة بالسياسة المالية للفرد بارشاده إلى كيفية الكسب الحلال والربح المشروع ثم إلى كيفية التصرف فيه. لأن المال ينبغي أن يكون من الكسب الحلال وأن يصرف كذلك في الحلال والأمور المشروعة, يعني ذلك أن الكسب الحلال ليس كافيا, وإنما الصرف أيضا يجب أن يكون في الأمور المشروعة.

وكذلك الدولة فعليها إلى تكسب المال وأن تجمعه من الناس بصورة مشروعة وأن تصرفها في الشئون المشروعة. وإن كانت الدولة غاشمة وظالمة في تصرفاتها في معاملة الناس, نظرت إلى الناس كخدم عادي لها لاشباع شهواتها كغاية قصوى, وجعلت الملكية نفسها فقط دون افراد الشعب بادعاء الملكية مشاعة بين الناس وترى نفسها ممثلة لعامة الشعب, فتصير الدولة هى الغاية في كل شىء ولا تتخذ اسعاد افراد الشعب غاية لها ولا تسعى لذلك أيضا. ولا شك أن ذلك يخالفا الطبيعة الانسانية. لأن الانسان يريد الذاتية لنفسه, والدولة أن تكون محافظة على شخصيته وهويته الفطرية. أو الدولة تعطي حق الملكية لجميع افراد الشعب قانونا ولكن بالاتفاق مع الأثرياء في ادارة الدولة والمجتمع وفقا لمصالحهما يضيق على الافراد العاديين استعمال حرياتهم في الكسب والتصرف. الدولة هنا تشبع حاجاتها مع جماعة وطائفة من الناس ويبقى الفرد العادي عاجزا عن رفع مستواه المعيشي والاجتماعي.

وفي الحقيقة أن الدولة تنظيم اجتماعي يهدف إلى تحديد العلاقة بين الفئات أو الطبقات الاجتماعية الحاكمة, والطبقات والفئات الاجتماعية المحكومة. هذا التنظيم يظهر مع بداية التناقض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة(16).

وأنه من الضروري الواجب على الدولة إزالة هذا التناقض والتوفيق بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. وهذا التوازن والتعادل ينبغي أن يكون مثل العادل بين اعدال الحمولة على الدابة. إذا رجح أحد الطرفين على الآخر لا تستطيع الدابة السير وكذلك الحمولة على الزورق إذا وضعت الحمولة على إحدى الجانبين فقط يغرق الزورق. وعلى الدولة المحافظة على الدولة ولكن المصلحة الخاصة تتخذ اساسا وتبدأ منه وتبني عليه المصلحة العامة, والمصلحة الخاصة هى الحجر الاساسي والمصلحة العامة بناء عليه, ومن دون أن يكون أساس لايصير هناك بناء.

نود أن نشير هنا إلى ثلاث كلمات مصطلحة عليها بين الماليين في تسمية أنواع الدول في العصور الأخيرة.

أ ـــ الدولة الحارسة : انحصر دور الدولة في الحياة الاقتصادية واقتصر على تهيئة الاطار العام الذى يمكّن الافراد من ممارسة نشاطهم الخاص بحرية تكاد تكون تامة ويمتنع على الدولة التدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية تاركة الأفراد احرارا في معاملاتهم الاقتصادية والاجتماعية. ذلك بأعتبارات كل فرد في سعيه لتحقيق صالحه الخاص يسعى في نفس الوقت لتحقيق الصالح العام(17). ففي الدولة الحارسة الحفاظ على الأوضاع الاجتماعية القائمة وضمان سيادة طبقة الرأسماليين الافراد يمثلان هدفا اجتماعيا رئيسيا يساهم النظام الماليين الافراد يمثلان هدفا اجتماعيا رئيسيا يساهم النظام المالي في تحقيقهما, يعني أن لا يكون لها اغراض فير مالية(18). وهذا النوع من الدولة يمثلها كثير من البلدان المتقدمة والنامية. وتحاول الدولة أن تجعل الرأسماليين ينمون ثرواتهم ليساعدوا على تقدم البلاد ورقيها بإنشاء المنشآت والمصانع. وتترك الطبقة الوسطى والسفلى تدبران شئونها خلال الحقوق المتاحة لهم في القوانين.

ب ــ الدولة المتدخلة : تتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية بقصد التخفيف من حدة الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد(19). أهم الأهداف الاجتماعية للدولة المتدخلة هو ضمان التوازن الاجتماعي. وذلك إلى جانب ضمان التوازن الاقتصادي. وضمان التوازن الاجتماعي يتمثل في التأثير على كيفية توزيع الدخل القومي بين الطبقات المختلفة بما يضمن ارتفاع مستوى معيشة الطبقات ذات الدخول المحدودة(20).

فإنه من الممكن أن يلاحظ أن الدولة الإِسلامية تتمثل بهذ الدولة المتدخلة حيث تعترف بالملكية الفردية وفي نفس الوقت تتدخل الدولة في الأمور الاقتصادية والاجتماعية للتكافل والتوازن لتحقيق العدالة الاجتماعية بين افراد المجتمع.

والدولة الإِسلامية لها وظيفتان ماليتان : المراقبة على تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بالأمور المالية من التجارة والاقتصاد وتنظيم علاقات المسلمين بعضهم مع بعض حسب الأحكام الشرعية المتعلقة بالملكية الفردية وقواعد النظام الاخلاقي الإِسلامي. وهذا بالنسبة إلى ملكية الافراد ومراقبة تصرفاتهم المالية والتجارية حتى لاتترك الفقراء والمعوزين تحت مرحمة الاغنياء.

وأما وظيفتها الثانية فهى تتعلق بملكية الدولة نيابة عن الجماعة أو عن الله تعالى. فهى ملكية عامة تحيط بملكية الأفراد العقارية وبما تحكم بها الدولة داخل حدودها الجغرافية وخارج حدودها. لأنها هى الحاكمة وهى مسئولة عن العدالة في المجتمع ونظام الناس وحضورهم وسكينتهم. وعلى ذلك ينبغي أن تكون لها مصادرها المالية حاضرة ومتهيئة تحت يدها في كل وقت لتتصرف فيها وقت الحاجة ويمكن ارجاعها إلى مصدرين اصليين : الأول : ماتجبيه الدولة من أموال الأفراد كضريبة أو زكاة.

الثاني : استثمار الدولة الأملاك العامة مباشرة وغير مباشرة. وبذلك يكون تدخل الدولة في الأمور الاقتصادية بشكلين : حق مراقبة الاملاك الفردية والاشراف عليها لعدم تفادي بعضها على بعض. وحق الامتلاك في المرافق العامة للدولة وتنمية املاك الدولة مباشرة كما وقع في تنمية ابل الزكاة, وغير مباشرة كأرض الرافدين.

والتفصيل في هذا الموضوع خارج عن موضوع بحثنا. لأننا نبحث عن النظام الاخلاقي وهو يعتبر نظاما عاما وشاملا. وإنما نعطي بعض الأمثلة من المسائل الجزئية للتنبيه اليها والاستفادة منها في الايضاح لا للبحث فيها. والنظام الاخلاقي له مبادىء وأحكام عامة وشاملة وهى تهدف إلى التعميم. ولا يستقصى المسائل الجزئية والفردية, ينطبق عليها مرة ولا ينطبق على بعض الجزئيات في المستقبل. والشرط فيه أنه ينطبق على من يتصف بها ولا ينطبق على من لايتصف بها. وهذا لايضر مبادىء النظام الاخلاقي بأنها عامة وشاملة.

ج ـــ الدولة المنتجة في النظام الاشتراكي : فعاليتها تتلخص في الملكية الجماعية لوسائل الانتاج بدلا عن الملكية الخاصة. وأن سير الاقتصاد فيها يتم وفقا لنظام التخطيط الشامل. وأن القرارات مركزية من السلطات المشرفة على وضع الخطة. ولكى تتمكن الدولة من اتخاذ مثل هذه القرارات يتعين أن يكون لها السيطرة الفعلية على موارد الجماعة البشرية والانتاجية. وهذه السيطرة تتوفر لها عن طريق الملكية الجماعية مسئولة عن النشاط الاقتصادي في مجموعة(21). وفي الدولة الاشتراكية يتمثل الغرض الاجتماعي الرئيسي للدولة في القضاء على الملكية الفردية لوسائل الانتاج(22).

وهذه هى الدولة المنتجة التي تشرف على جميع الموارد والمنتجات الشعبية والقومية وهى تتصرف فيها كيف تشاء. ولا ح