أبحاث

رأس المال والمحافظة عليه في الفكر الإسلامي

العدد 26

أهم المبادئ الإسلامية في رأس المال في المحاسبة:

عرفنا أن هناك نظريتين رئيستين تتنازعان رأس المال في الفقه المحاسبي وتنادي النظرية الأولى – وهي النظرية التقليدية – بالنظر إلى أعيان الأصول وذواتها مع التفكير في قيمتها من حيث المفهوم الطبيعي العيني لها كأشياء مادية أو معنوية ومن حيث التغيرات التي تأخذ مكانها في تاريخين معينين. وتنظر هذه النظرية إلى بعض الأصول من زاوية قيمة التحقيق

الفعلي وإلى بعضها الآخر من زاوية رأس المال الثابت المستغل، وترتكز على فكرة تقويم هذه الأصول كآحاد فردية وتجميعها. أما النظرية الثانية فتنادي بالتخلص من المفهوم الطبيعي العيني لأعيان عناصر الميزانية كأشياء مادية أو معنوية والتفكير في الأصول من حيث تدفق وانسياب النقدية من المشروع وآلية ناظرة إلى الأصول كنفقات تنساب ككل إلى الجهاز الانتاجي للمشروع تاركة بالكلية فكرة النظر إليها كأشياء مادية أو معنوية، فالمنظار الذي تنظر به هذه النظرية يريها الأصول في صورة نفقات وتكاليف مرجئة لا في صورة أعيان وذوات الأشياء، فهي ترتكز على فكرة أن الأصول ما هي إلا تعبيرات نقدية لمنافع مدخرة جارية لمدد تالية، ولا يعني الرقم الظاهر في الميزانية أي تقويم إيجابي لأعيان الأشياء، وذواتها، بل أن فكرة المفهوم الطبيعي العيني لمفردات عناصر الميزانية تذوب تماما في هذه النظرية.

وإذا أمعنا النظر في المفاهيم الإسلامية في المال وفي التجارة وفي الفقه الإسلامي المحاسبي نجد أن التفكير في الأصول والقيمة يدور دائما من حيث المفهوم الطبيعي العيني لأعيان عناصر الميزانية كأشياء مادية أو معنوية، والنظر إليها من حيث أنها مال متقوم لا مجرد أرصدة تكاليف مسافة ونفقات محمولة تمثل منافع مستقبلية جارية لم يحملها بعد الإيراد أو الربح. وما الأصول إلا أشياء تقوم كوحدات طبيعية لا كأرصدة تكاليف محمولة مسافة، فالنظرية الإسلامية المحاسبية في الأصول والقيمة ترتكز على مفهوم المال المتقوم وعلى فكرة في قيمتها من المختلفة أصلاً أصلاً تقويما إيجابيا وتجميعها مع التفكير في قيمتها من حيث التغيرات التي تأخذ مكانها في تاريخين معينين لمعرفة قيمة الملكية.

أنظر إلى ما يقوله ابن سلام صلى الله عليه وسلم[1]) عند إعداد المراكز المالية لغرض ربط ضريبة الزكاة، قال حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: «إذا حلت عليك الزكاة فانظر ما كان من عندك من نقد أو عرض للبيع فقومه قيمة النقد وما كان من دين في ملاءة فاحسبه ثم اطرح منه ما كان عليك من ا لدين، ثم زك ما بقى».

وقال ابن رشد صلى الله عليه وسلم[2]) في التاجر المدير «فحكم هؤلاء عند مالك إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم أن يقوم ما بيده من العروض ثم يضم إلى ذلك ما بيده من العين – النقد – وما له من الدين الذي يرتجي قبضه أن لم يكن عليه دين مثله وذلك بخلاف قوله في دين غير المدير فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك نصابا أدى زكاته وسواء نض له في عامة شيء من العين أو لم ينض بلغ نصابا أو لم يبلغ نصابًا وهذه رواية ابن الماجشون عن مالك. وروى ابن القاسم عنه إذا لم يكن له ناض وكان يتجر بالعروض لم يكن عليه في العروض شيء فمنهم من من لم يشترط وجود الناض عنده ومنهم من شرطه والذي شرطه منهم من اعتبر فيه النصاب ومنهم من لم يعتبر ذلك قال الجمهور الشافعي وأبو حنيفة وأحمد الثوري والأوزاعي وغيرهم المدير وغير المدير حكمه واحد وأنه من اشترى عرضا للتجارة فحال عليه الحول قومه وزكاه.

وقال ابن سلام صلى الله عليه وسلم[3]): «وقال مالك والليث في رجل له ألف درهم وعليه ألف درهم وعنده عروض بألف درهم، قال: قال الليث: لا زكاة عليه في تلك الألف التي عنده، وقال مالك عليه فيها الزكاة. قال أبو عبيد، يذهب الذي  لم ير عليه الزكاة إلى أن جعل الألف العين بالدين ولم يحتسب بالعروض ويقول لأنها ليست مما يجب على الناس فيه الزكاة في الأصل صلى الله عليه وسلم[4]) ويذهب الآخر إلى أنها وإن كانت كذلك فإنها مال من ماله يملكه فجعلها مكان دينه ورأي أن عليه زكاة الألف من العين وهذا عندي هو القول لأنه الساعة مالك لزيادة ألف عين على مبلغ دينه. ألا ترى أنه لو لم يكن له الألف كان لغريمه أن يأخذه بالدين حتى تباع العروض له…؟

وإذا كان النقود – كما عرفنا – هي قانون التمول ومقياس القيمة وهي أما مطلقة معدة بأصل خلقتها ثمنا للأشياء أو مقيدة تأخذ ثمنيتها بالاصطلاح والمواضعة فإن المقياس الذي تقاس به قيمة الأصول هو الوحدة النقدية.

فتقوم الأصول قيمة النقد. وهل تنعقد قاعدة القياس القيمة في الحسابات على أساس الوحدة النقدية المطلقة أو المقيدة ويتساءل الأستاذ باروكليف في المؤتمر العالمي السادس للمحاسبة عما إذا كان من الممكن اتخاذ أساس بديل مرض للوحدة النقدية في الحسابات وقد حدا به إلى هذا التساؤل عدم ثبات الوحدات النقدية الحالية كمقاييس محاسبية، وقد اقترح البعض كبديل للوحدة النقدية  اتخاذ متوسط أجر عمل العامل في الساعدة كوحدة لقياس جميع القيم إلا أن اتخاذ وحدات العمل كأداة قياس تعترضه مشكلة التغير النسبي في الأجور بالنسبة لمختلف أنواع العمل، ونظام الوحدة النقدية – كمقياس – في الفقه الإسلامي نظام لا بديل له لأن الوحدات النقدية المطلقة – الذهب والفضة – معدة بأصل الخلقة لأداء هذه الوظيفة في هذا الكون أما النقود الورقية المتخذة بالاصطلاح والمواضعة والتقدير فهي – في نظر الفقه الإسلامي – وحدات نقدية ومقاييس مقيدة لا يكون لها في الحقيقة، ما للنقود الأصلية المطلقة إلا باعتبار ما تعادله من النقد الخلقي، ومن ثم يتعين النظر إلى الوحدات النقدية الحالية في ظل الفقه الإسلامي المحاسبي كوحدات نقدية مقيدة لا كوحدات نقدية مطلقة ويتعين أن نأخذ في الحسبان التغير في قيمة العملة وفي مستويات الثمن مع معالجة أثره عند تصوير المراكز المالية السنوية وإعداد حسابات النتيجة السنوية.

تقسيم الأصول أو المال:

إذا كانت النظرية الإسلامية المحاسبية في الأصول والقيمة تنفق مع النظرية التقليدية في الإطار العام من حيث المفهوم الطبيعي العيني لا عيان عناصر الميزانية كأشياء مادية أو معنوية تتقوم تقويما إيجابيا من حيث ا لتغيرات في قيمتها في تاريخين معينين إلا أنها في داخل هذا الإطار تختلف عنها اختلافا كليا جوهريا من حيث المبادئ الرئيسية التي تعالج تقسيم تلك العناصر المكونة للأصول، ذلك أنها لا تنظر إلى الأصل أو المال من حيث الحركة أو البقاء أو المادية فتقسم الأصول إلى أصول ثابتة وإلى أصول متداولة ولكنها تنظر إلى الأصل والمال من حيث:

1- المعاملة           أو            2- الانتفاع.

ومن ثم تنقسم الأصول في نظرها إلى مجموعتين رئيسيتين:

1- النقود                           2- العروض.

والفكرة الأساسية في هذا التقسيم تتجلى في أن النقود مقصود منها المعاملة أولاً بها في جميع الأشياء الانتفاع صلى الله عليه وسلم[5]) وهذه هي الوظيفة الأساسية التي تؤديها في المشروع، أما العروض فإن المقصود منها الانتفاع أولا صلى الله عليه وسلم[6]) لا المعاملة إذ الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان فليست النقود مقصودة لذاتها بل وسيلة إلى المقصود صلى الله عليه وسلم[7]) أضف إلى ذلك أن النقود لا تحتاج للمعاملة بها إلى التقويم والاستبدال صلى الله عليه وسلم[8]). ولا عجب أن يفرد لها مجموعة مستقلة تميزها عن سائر الأصول في الميزانية حالة كونها تؤدي في المشروع وظيفة تختلف عن وظيفة سائر الأصول الأخرى ونعني بها العروض بل العجب ألا نفعل ذلك. هذا الاتجاه في التفكير وهذا اللون من الفهم قد نلمسه في الدراسة التحليلية لعمليات المشروع التي قامت بها اللجنة الفنية والبحوث التابعة لمجمع محاسبي التكاليف والأشغال بانجلترا – والتي أشرنا إليها آنفا – من أفراد النقدية في مجموعة خاصة مستقلة عن العروض الرأسمالية والإيرادية وعن المدينين، والشائع والسائد إدراج النقدية مع المواد الأولية والمنتجات في دور الصنع والمنتجات التامة الصنع مع المدينين ضمن مجموعة واحدة تعرف بمجموعة الأصول المتداولة، هذا وقد انتهت اللجنة إلى التقرير بأن حاصل النقدية بين حواصل المشروع ما هو إلا حاصر مساعد كقوة شرائية تستعمل لتمويل عمليات دورة المتاجرة بين استعمال واستبدال العروض وإخلافها وهذه هي وظيفة النقود في المشروع، وأما الحاصل الأساسي Basic Stook فمحصلة العروض الرأسمالية والإيرادية فقط. ونلمس هذا الاتجاه في التفكير – أيضا – فيما رآه الأستاذ «نوريس» – ولو أنه ينادي بنظرية أخرى عكسية في الأصول والقيمة – من التمييز بين الأصول التي تساهم في أداء الخدمات وتوريد السلع ويتكون منها الجهاز الانتاجي في المشروع وبين النقود والمطالبات القانونية بالنقود – المدينين والدائنين – التي يتكون منها المركز المالي، ويتآلف المركزين الانتاجي والمالي معا يؤلفان المركز الشامل للمشروع. ولا يتكون المركز المالي في نظر الأستاذ نوريس إلا من أصول التمويل وهي النقود، والمدينين والدائنين فقط دون المخزون السلعي أو مخزون المواد الأولية. وقد انتهى إلى التقرير بأن النقود ما هي إلا اختراع مناسب لتسهيل مبادلة الخدمات وتظهر في الصورة العامة الشاملة للمشروع لكي تعطينا مقياسا عاما للنشاط الكلي فهذه هي وظيفتها في المشروع في نظره.

ومن عناصر هذه المجموعة النقدية – في الفقه الإسلامي المحاسبي – دين النقد وهو ما كان أصله نقدا عنده أي من قرض ويعرف بدين القرض أو دين النقد وقد يكون نقدا حالا أو مؤجلا مرجوا أو غير مرجو.

هذه هي عناصر المجموعة النقدية، أما المجموعة العروض – وهي كل ما سوى النقود – فيدور التفكير في تقسيمها وتصنيفها من حيث:

أ- الإعداد للبيع               أو            ب- عدم الإعداد للبيع.

أو من حيث أنها:

أ- مرصدة للنماء             أو            ب – غير مرصدة للنماء.

ومن ثم تنقسم العروض – في الفقه الإسلامي المحاسبي صلى الله عليه وسلم[9]) – إلى فئتين:

1-     عروض التجارة: وهي العروض المعدة للبيع المرصدة للنماء.

2-     عروض القنية: وهي العروض غير المعدة للبيع غير المرصدة للنماء بل للاقتناء.

وكل من عروض التجارة وعروض القنية يقصد منها في المشروع الانتفاع أولاً – لا المعاملة – وأن اختلف جهة إعدادها أو عدم إعدادها للبيع ورصدها للنماء أو عدم رصدها للنماء.

وعروض التجارة كالمواد الأولية، المنتجات في دور الصنع والمنتجات تامة  الصنع، والمنافع باعتبار المنفعة مال، ومن يشتري منافع دار يقصد التجارة فإذا أكراها فقد باع ما اشتراه فهي مال معد للبيع مرصد للنماء، وهي تشمل دين التجارة وهو ما كان أصله عرض تجارة بينة أي من بيع ويعرف بدين التجارة أو دين البيع وقد يكون عرضا حالا أو مؤجلا مرجوا أو غير مرجو، ودين التجارة حكمه حكم عروض التجارة في الفقه الإسلامي المحاسبي.

وعروض القنية كالأراضي والمباني والعدد والآلات والأثاث والتركيبات وأدوات النقل الآلية أو الحيوانية – دواب العمل – وتشمل عروض القنية الأصول المعنوية كالشهرة، العلامات التجارية براءات الاختراع، حقوق الامتياز، حقوق التأليف، مصاريف التأسيس من حيث أنها مال غير معد للبيع لا يرصده المشروع للنماء بل للاقتناء، وتشمل المدفوعات المقدمة عن المنافع والخدمات كالإيجار المقدم باعتبار الإيجار عقد بيع منفعة واعتبار المنفعة مال واعتبار هذا المال غير معد للبيع.

وقاعدة الإعداد للبيع أو عدم الإعداد للبيع قاعدة واضحة دقيقة تمكننا من التفرقة بسهولة بين عروض التجارة وعروض القنية. خذ مثلا مفردة الاستثمارات في أوراق مالية فعلى أساس هذه القاعدة  التي قعدناها إذا كانت الأوراق المالية معدة للبيع وتراد لهذا القصد كانت من عروض التجارة وإذ كانت غير معدة للبيع كالاستثمارات في أسهم الشركات التابعة مثلا كانت من عروض القنية.

مما تقدم نقرر هذا  التقسيم الأساسي للأصول في  الفقه الإسلامي المحاسبي:

مجموعة النقود: تتكون من:

1-   نقدية من الصندوق.

2-   نقدية من البنك.

3-   دين النقد أو دين القرض: حال أو آجل.

عروض التجارة: تتكون من:

1-     المواد الأولية.

2-     المنتجات في دور الصنع.

3-     المنتجات تامة الصنع.

4-     دين التجارة أو دين البيع – حال أو آجل.

5-     الاستثمارات في أوراق مالية.

6-     المنافع المشتراه بقصد التجارة المعدة للبيع.

عروض القنية: وتتكون من:

1-  الأراضي والمباني.

2-  العدد والآلات.

3-  الأثاث والتركيبات.

4-  أدوات النقل الآلية أو الحيوانية.

5-  الاستثمارات في أسهم الشركات التابعة.

6-  الشهرة، العلامات التجارية، براءة الاختراع، حقوق الامتياز، حقوق التأليف، مصاريف التأسيس..

7-  المنافع المشتراه بقصد الاقتناء كالإيجار المقدم، تأمينات النور والمياه…

رأس المال النامي في الفقه الإسلامي المحاسبي:

يشمل رأس المال النامي في الفقه الإسلامي المحاسبي النامي حقيقة أو تقديرًا أي بالفعل أو بالقوة – وقد بينا أن النماء التقديري الحكمي يكون بالتمكن من الاستنماء – وعلى هذا يتكون رأس المال النامي من عناصر مجموعة  النقود ومن عناصر فئة عروض التجارة أما عروض القنية فليست مالا ناميا حقيقة أو تقديرا وبالتالي فهي ليست منه في شيء. إذا حسبنا ما عند المنشأة من نقد وعروض تجارة مقومة قيمة النقد ودين في ملاءة وطرحنا منه ما على المنشأة من مالدين يعطينا الباقي رأس المال النامي في المنشأة صلى الله عليه وسلم[10]) وهو يقابل ما يعبر عنه برأس المال العامل أو صافي الأصول المتداولة بالمعنى الشائع السائد المتضمن للمخزون السلعي.

المركز النقدي في الفقه الإسلامي المحاسبي

أن أفراد النقد ودين النقد في مجموعة مستقلة عن العروض يجعل صافي المجموعة النقدية يظهر المركز النقدي للمشروع بوضوح، ولا يدخل في هذا المركز النقدي عنصر «المطالبات القانونية بنقود» من تجارة أو بيع أو دين التجارة أو دين ا لبيع الذي يدخل ضمن عناصر عروض التجارة ودين التجارة حكمه حكم عروض التجارة في الفقه الإسلامي المحاسبي صلى الله عليه وسلم[11]).

أهمية فكرة «تقليب المال» في التجارة في  الفقه الإسلامي المحاسبي وأثرها في مفهوم «الأصول والقيمة» في المشروع المستمر المدار في نظريات التقويم.

تصفح جميع المفاهيم الإسلامية في التجارة عن فكرة تقليب المال في المشروع واخلافه واستبداله وإدارته حالا بعد حال وفعلا بعد فعل طلبا للربح، وإدارة المال في المشروع المستمر المدار تكون بالشراء والبيع أي بشراء عروض التجارة صلى الله عليه وسلموالمنافع) ثم بيعها وإخلافها بغير ثم بيعها وإخلافها بغيرها وهكذا دواليك. والشراء والبيع ماهما – كما قدمنا – إلا عملية مبادلة بمال. هذه الدورة دورة تقليب المال ومبالدة المال بالمال في المشروع المستمر والمدار مستمرة ماضية ما دام المشروع ماضيا في طريقه. بل أن العمليات الأولى في حياة المشروع – بعد عملية الاكتتاب النقدي في رأس المال – هي تبديل رأس المال من غير جنسه بعروض من عروض تجارة تعد للبيع، وعروض قنية معدة للبيع ليحصل للمشروع الربح بالانتفاع بعروض التجارة صلى الله عليه وسلموالمنافع) بمبايعته إياها للغير وبالانتفاع بعروض القننية باستعمالها في الأغراض التي اقتنيت من أجلها بامساكه إياها إلى أن تستهلك نتيجة للاستعمال التي اقتنيت من أجلها بامساكه إياها إلى أن تستهلك نتيجة للاستعمال – بسبب التلف والتآكل – بمعنى أنها تفقد القدرة على إمكان استعمالها في الأغراض التي اقتنيت من أجلها فتستبدل ويخلفها غيرها وهكذا.

ولعل فيما أوردناه آنفا من تحليل اللجنة الفنية والبحوث التابعة لمجمع محاسبي التكاليف والأشغال بانجلترا للعمليات المالية في المشروع ما يتفق إلى حد بعيد مع وجهة النظر الإسلامية هذه، وقد انتهت هذه اللجنة إلى نتيجة هامة إذ قررت أن الدورة الشاملة للاستعمال ثم لاستبدال جميع الأصول وإخلافها دورة مستمرة في المشروع ما دام مقدرا للتشغيل وللمتاجرة أن يستمرا على نفس المستوى في  المشروع المستمر المدار، وقد ظهر أثر هذه النتيجة الهامة واضحا في توصيات اللجنة المذكورة في شأن تصوير المراكز المالية وقياس الرحب في ظل مستويات الثمن المتغيرة.

ونخلص من ذلك إلى تقرير وجود دورة منتظمة مستمرة شاملة لجميع العروض في المشروع المستمر المداربين الانتفاع والاستعمال ثم الاستبدال والإخلاف، ونؤكد أهمية فكرة تقليب المال في التجارة والاستعمال ثم الاستبدال والإخلاف للعروض في تفهم نظريات الأصول والقيمة في المشروع وأثر ذلك العميق في نظريات التقويم في المحاسبة.

 

المبحث الأول

إجراءات المحافظة على سلامة رأس المال صلى الله عليه وسلم[12])

يجمع المفسرون والفقهاء – كما تقدم – على أنه «لا ريح إلا بعد سلامة رأس المال» ولذا فإن المدخل الطبيعي لإجراءات المحافظة على سلامة رأس المال، هو تحديد الريح الذي يمكن توزيعه دون المساس برأس المال.

ويمكن تعريف الربح من هذه الزاوية بأنه: المبلغ الذي يمكن توزيعه على المستفيدين دون المساس برأس المال، يقول صاحب بدائع الصنائع: «ولا تصح قسمة الربح حتى يستوفي رب المال رأسماله». والأصل في اعتبار هذا الشرط ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمن مثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأسماله، كذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه»، وهذا الحديث الشريف يؤكد المعنى الذي أدرته، وهو أن الربح هو: المبلغ الذي يمكن توزيعه دون المساس برأس المال، ولما كان المقصود برأٍ المال هو الطاقة الإنتاجية لاستخدامات مصادر التمويل، فإنه يمكن صياغة تعريف الربح كالآتي: الربح هو المبلغ الذي يمكن توزيعه على المستفيدين دون المساس بالطاقة الإنتاجية لاستخدامات مصادر التمويل صلى الله عليه وسلم[13]).

ويتم تحديد الربح – لهذا الغرض – بالمقابلة بين  الإيرادات والنفقات. يقول صالح الفتاوى الحامدية: «الغلة الحاصلة من الوقف بعد مصارفه صلى الله عليه وسلمنفقاته) ملك لأربابها»، وقد ورد أيضا في هذا الكتاب ما يلي: «وفي المنح من الشركة، ومؤنة والكراء من رأس المال، وقال محمد: فإن ربح حسب النفقة من الربح، وإن لم يربح كانت النفقة من رأس المال، وهذا هو الحكم في المضارب».

ويستفاد مما تقدم حتمية خصم  النفقات من الإيراد، فإن لم يكف تعتبر هلاكا في رأس المال، بمعنى إنها واجبة الخصم بغض النظر عن نتيجة الأعمال.

وإذا كانت المقابلة بين الإيراد والنفقات هي المبدأ الذي يطبق – في الفكر الإسلامي – لتحديد المبلغ المقابل للتوزيع دون المساس برأس المال، فما هو مدى شمول هذا الإيراد، وهذه النفقات؟ صلى الله عليه وسلم[14])

إن الإجابة على هذا التساؤل تتضمن تحديد موقف الفكر الإسلامي من مفهوم الربح الشامل، ومفهوم ربح الوحدة الاقتصادية. وتحديد هذا الموقف يتطلب ببيان معالجة الفكر الإسلامي – محاسبيًا – لكل من: الإيرادات والنفقات العرضية، والإيرادات والنفقات الرأسمالية صلى الله عليه وسلم[15]).

1– الإيرادات والنفقات العرضية:

عند الحديث عن «مال التجارة» – في الباب الأول – ذكرت أن «الغلة» وهي ذلك النوع من النماء الناتج من عروض التجارة قبل بيع رقابها، ليست ربحا، قابلا للتوزيع، لأنها ليست من حذق  العامل صلى الله عليه وسلمفي المضاربة)، وليست نتيجة عاملي تحصيل الربح، وهما: التقليب والمخاطرة ولذا فإن العمل صلى الله عليه وسلمفي المضاربة لا يأخذ حصته منها، بل يفوز بها رب المال، أي أنها عنصر من عناصر مال التجارة، وليست عنصرا من عناصر الربح القائم للتوزيع، ومن هذا نجد أن الإيرادات العرضية ليست عنصرا من عناصر الربح القابل للتوزيع، ويقاس على هذه الإيرادات، النفقات العرضية، فلا تعتبر ضمن محددات معادلة الربح، ولذا قالوا: أن العمارة في الأوقاف تكون من غلة الوقف إذا لم يكن الخراب بصنع أحد صلى الله عليه وسلم[16]). ومفهوم هذا النص، أن الخراب إذا كان بصنع أحد، أي خسارة عرضية، فلا تكون نفقة إصلاحه من إيرادات الوقف. وعلى ذلك، فإن الإيرادات والنفقات العرضية لا تدخل ضمن عناصر تحديد الربح القابل للتوزيع دون المساس بسلامة رأس المال.

2- الإيرادات والنفقات الرأسمالية:

نجد مثالا للإيرادات الرأسمالية فيما يطلق عليه فقهاء المالكية اصطلاح صلى الله عليه وسلمالفائد) وهي ذلك النوع من النماء الناتج من عروض القنية، ولقد سبق القول بأن هذه الزيادات ليست عنصرا من عناصر الربح، وإنما هي عنصر من عناصر مال التجارة لأنها ليست نتيجة التصرف في مال ا لتجارة. أي إنها من حذق الإدارة. ولذا قال بعض الفقهاء: إن ما أنهدم من بناء الوقف وآلته يصرف في عمارة ا لوقف، أن احتاج إليه، أو يمسك حتى يحتاج إليه، فإن استغنى عنه باعه، وصرف ثمنه وفي ذلك إقامة للبدل مقام المبدل، «ولا يقسمه بين مستحقي الوقف، لأنه من عين الوقف، ولا حق لهم في العين الموقوفة .. وحقهم في الغلة فقط» صلى الله عليه وسلم[17]).

وبناء على ذلك، فإن الإيرادات الرأسمالية لا تدخل ضمن عناصر الربح القابل للتوزيع مع المحافظة على سلامة رأس المال. ويقاس عليها النفقات الرأسمالية أيضا، فلا تدخل ضمن النفقات التي تخصم من الإيراد لتحديد المبلغ القابل للتوزيع دون المساس برأس المال.

ومما سبق نجد أن الفكر الإسلامي لا يعتبر الإيرادات والنفقات العرضية، كما لا يعتبر الإيرادات والنفقات الرأسمالية من العناصر التي تدخل في معادلة تحديد الربح القابل للتوزيع، أي أن هذه المعادلة يجب أن تقتصر على تلك الإيرادات والنفقات المتعلقة بالعمليات العادية، أي أن الفكر الإسلامي يتخذ من مفهوم ربح الوحدة الاقتصادية أسلوبا لإجراءات المحافظة على سلامة رأس المال.

ويثار التساؤل – هنا – عن عناصر النفقات الواجبة الخصم وكيفية قياس قيمها؟

وللإجابة على هذا التساؤل نعرض موقف الفكر الإسلامي من العناصر التالية:

1-    تكلفة السلعة المبيعة.

2-    مصروفات النشاط التجاري.

3-    تكلفة العمارة والصيانة.

4-    قيمة الانتفاع بعروض القنية صلى الله عليه وسلمالإهلاك).

أولاً: تكلفة السلع المبيعة:

يقول ابن رشد الحفيد في بيع المرابحة – وهو  أن يذكر البائع الثمن الذي اشترى به السلعة  ويشترط عليه ربحا -: أن حاصل مذهب مالك فيما بعد في ا لثمن مما لا يعد، أن ما ينوب ا لبائع على السلعة زائدا على الثمن ينقسم ثلاثة أقسام صلى الله عليه وسلم[18]).

1-  قسم يعد في أصل الثمن، ويكون له حظ من الربح، وهو ما كان مؤثرا في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ.

2-    وقسم يعد في أصل الثمن، ولا يكون له حظ من الربح، وهو مالا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاح من بلد إلى بلد، وكراء البيوت التي توضع فيها.

3-   وقسم لا يعد في أصل الثمن، ولا يكون له حظ من الربح، وهو ما لا تأثير له في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد.

ويعلق القليوبي على تعريف المحلي للتجارة بأنها «تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح «بأن» قوله «تقليب المال» منه صباغ الثياب، ودباغ أو دهن الجلود، أو صابون لغسل أو ملح لعجين لهلاك عينه، وفارق الدباغ بأنه ينقل الجلد من طبع إلى طبع فكأنه باق صلى الله عليه وسلم[19]). وفي رأي أنا أثر الملح والصابون لا يختلف عن أثر مواد الدباغ، لأن كلا منهما ينقل العجين والثياب من حال إلى أخرى، كما أن الملح لم تهلك عينه، وإن كان قد ذاب واختلط بالعجين، بدليل تغير مذاق العجين.

ومن العرض السابق يمكن إبراز تصور الفكر الإسلامي لعناصر تكلفة السلع المبيعة على الوجه التالي:-

1- تكلفة الإنتاج، وتشمل:

‌أ-        تكلفة ا لخامات الرئيسية.

‌ب-      تكلفة الخامات المساعدة.

‌ج-      تكلفة الخدمات الانتاجية.

‌د-        تكلفة العمل.

2- تكلفة الخدمات التسويقية مثل النقل والتخزين.

وجدير بالذكر – هنا – أن الفكر الإسلامي لا يحتسب أجرا لصاحب المنشأة في مقابل ما يقوم به من أعمال. ولعل هذا – كما أعتقد – يرجع إلى ما كان سائدًا في عصر الاستنباط الفقهي، من الاعتماد على فكرة الملكية المشتركة، ولذا فإن عائد المالك هو الربح. ولكن في ظل انفصال الملكية عن الإدارة ينبغي احتساب أجر للإدارة، وهذا الأجر وإن لم يكن من عناصر تكلفة المبيعات إلا أنه يعتبر عنصرا من عناصر مصروفات النشاط الجاري.

قياس تكلفة السلع المبيعة:

جاء في الشرح الكبير وحاشيته، إن الربح هو «زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهبا أو فضة صلى الله عليه وسلم[20])» ومعنى هذا أن تكلفة السلع المبيعة تقاس على أساس تكلفة الاقتناء التاريخية ذهبا أو فضة. ومضمون هذا التحديد أن لا يكون المقياس خاضعا للتقلبات الجوهرية، فإذا لم يتم القياس بالذهب والفضة، لاسيما إذا ما اختفت النقود الذهبية والفضية من التداول، فكيف يتم قياس تكلفة السلع المبيعة؟

يقول السيد البكر: «وحيث وجب مثل فلا أثر لغلاء أو رخص صلى الله عليه وسلم[21])» ومعنى هذا أن الثمن إذا كان من ذوات  الأمثال بالنسبة للسلعة المبيعة فلا أثر لارتفاع السعر أو انخفاضه فإذا لم يكن الثمن كذلك، فكيف تقاس تكلفة السلع المبيعة.

يقول  الإمام الطبري: «الرابح من التجار صلى الله عليه وسلمهو) المستبدل من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفس من سلعته، أو أفضل من ثمنها الذي يبتاعها به، أما المستبدل من سلعته بدلا دون الثمن الذي يبتاعها به فهو الخاسر في  تجارته لا شك صلى الله عليه وسلم[22])»، وفي قوله: أفضل من ثمنها الذي يبتاعها به دون قوله الذي ابتاعها به، «إشارة إلى أن الربح يحصل للتاجر إذا باع سلعته بثمن أزيد لا من ثمنها الأول الذي اشتراها به، بل من ثمنها الذي يشتريها به في وقت المبادلة صلى الله عليه وسلم[23])». وبناء عليه فإن تكلفة السلع المبيعة تقاس على أساس القيمة الجارية في تاريخ المبادلة.

ولكن ما هي هذه القيمة الجارية، هل هي تكلفة الاستبدال، أي السعر الذي يمكن أن يشترى به العرض الماثل من أماكن الشراء المعروفة؟ أو هل هي سعر البيع المعدل، أي السعر الذي يمكن أن يباع به العرض بعد استبعاد مصاريف البيع والتوزيع والربح المتوقع الحصول عليه؟، أو هل هي صافي القيمة البيعية المحققة، أي سعر البيع الحاضر بعد استبعاد مصاريف البيع والتوزيع فقط.

بإمعان النظر في المبادئ الإسلامية التي تنادى بالمحافظة على سلامة رأس المال الحقيقي، وبالنظر إلى أن الربح يحصل للتاجر إذا باع سلعته بثمن أزيد مما يشتريها به في وقت المبادلة، فإنه يمكن القول: بأن القيمة الجارية التي تقاس بها تكلفة السلع المبيعة لتحديد الربح القابل للتوزيع دون المساس بالطاقة الإنتاجية لاستخدامات مصادر التمويل هي  تكلفة الاستبدال الجارية، أس السعر الذي يمكن أن يشتري به العرض من أماكن الشراء المعروفة – في تاريخ المبادلة.

ثانيًا: مصروفات النشاط الجاري:

من المعروف أن النفقات لا تتمثل في تلفة السلع المبيعة فقط، وإنما تشمل أنواعا أخرى من الأعباء يتحملها المشروع في سبيل الحصول على الربح. والهدف من بحث هذه الأعباء – هنا – هو بيان موقف الفكر الإسلامي من تلك التي يجب أن تخصم من الإيرادات للوصول إلى مبلغ الربح القابل للتوزيع دون المساس برأس المال.

وفي هذا المجال سئل صاحب الفتاوي الحامدية «فيما بإذا سافر أحد شركاء العنان بمال الشركة بإذن البقية، فهل تكون نفقته وطعامه وركوبه في مال الشركة؟.. الجواب: نعم، وفي مضاربة المنح: الشريك إذا سافر بمال الشركة، لا نفقة له، لأنه لم يجر به التعارف، ذكره النسفي في كافيه. وصرح في النهاية بوجوبها في  مال الشركة أ.هـ. ومثله في القلائي. وذكر في التتارخانية عن الخانية، قال محمد رحمه الله تعالى: هذا استحسان أ.هـ أي وجوب النفقة في مال الشركة، وحينما قال: إنه استحسان، فالعمل عليه، لما علمت من  العمل على الاستحسان إلا في مسائل ليست هذه منها صلى الله عليه وسلم[24])».

ومن هذا المستخلص أن بدلات الانتقال والتغذية يجب أن تخصم من الإيراد للوصول إلى الربح القابل للتوزيع دون المساس برأس المال.

كما سئل في: مسجد له إمام ومؤذن وفراش، لهم معلوم معين بشرط الواقف، واحتاج المسجد لتعمير ضروري، وغلة الوقف لا تفي بالصرف للجميع، وإذا قطع على المذكورين يلزم تعطيل المسجد. فهل يكونون ملحقين بالعمارة فلا يقطع عليهم؟.. الجواب: العمارة مقدمة في الوقف، شرط الواقف أو لم يشترط، إلا إذا كان مما لا يمكن ترك عمله لضرر بين كالإمام ونحوه، فيعطي معها، وأما ما ليس في قطعة ضرر بين فإنه لا يعطي زمن العمارة، إذا لم تف بالصرف للجميع من العمارة صلى الله عليه وسلم[25])».

ويستفاد من هذه الفتوى أن مرتبات العاملين يجب أن تخصم من الإيراد للوصول إلى الربح القابل للتوزيع دون مساس برأس المال. وأن هناك أولوية في الإنفاق تنفيذا للسياسة المالية الرشيدة، فيبدأ بمصاريف الصيانة الضرورية، ثم ما تكون خدماته لازمة للتشغيل، أما ما يمكن الاستغناء عنه لفترة مؤقتة إلى أن تستطيع الإيرادات تغطية جميع النفقات، فيوقف مؤقتا، ولا يفهم من هذا أن العاملين يؤدون عملهم بدون أجر صلى الله عليه وسلمحيث يوهم قوله: لا يعطي يزمن العمارة) وإنما يعني هذا أن أولئك العاملين الذين يمكن الاستغناء عنهم زمن العمارة وقفون مؤقتا إلى أن تنتهي العمارة. كذلك سئل في: «متولي وقف عمر في الوقف عمارة ضرورية، وصرف عليها من مال الوقف مصرف المثل، فلم يصدقه المستحقون، وشكوا عليه للحاكم، والتمسوا الكشف والوقوف على صرفه المذكور، وعلى أماكن الوقف المحتاجة للتعمير والترميم، والمحاسبة على إيراد الوقف ومصارفه، فكشف عليها كما التمسوا، فإذا العمارة ثابتة في محالها كما قرره المتولي، وتثبت ما ادعاه بالوجه الشرعي، وكتب بذلك حجة شرعية، ودفتر ممضي بإمضاء القاضي، وغرم الناظر من مال الوقف على ذلك ما لابد منه. فهل له احتسابه على الوقف؟ الجواب: صرح علماؤنا رحمهم الله تعالى بأن يد الناظر على الوقف يد أمانة، لا يد عدوان، فحيث أخذ منه المبلغ المذكور من مال الوقف، ولم يمكنه دفع الآخذ عن أخذه فللناظر احتسابه على الوقف، وفي البحر وكثير من الكتب: للقيم صرف شيء من مال الوقف إلى كتب الفتوى، ومحاضر الدعوى لاستخلاص الوقف من أيد ذوي الشركة صلى الله عليه وسلم[26])».

ويستخلص من هذه الفتوى، أن العناصر التالية، يجب أن تخصم من إيراد الوقف للوصول إلى المبلغ الذي يمكن توزيعه على المستفدين فيه:

1-    مصاريف العمارة والصيانة والترميم.

2-    تكاليف الحصول على السجلات والمستندات.

3-    تكلفة اقتناء المراجع العلمية.

4-    المصاريف القضائية.

وفي رده على إحدى الفتاوى قال: «أن ما يبدأ به من أرياع الوقف عمارته، ثم ما هو أقرب إلى العمارة، وأعم إلى المصلحة كالإمام للمسجد والمدرس للمدرسة.. ثم السراج والبساط كذلك، إلى آخر المصالح صلى الله عليه وسلم[27])» أي أن جميع النفقات اللازمة لأداء الخدمات الإدارية يجب أن تخصم من الإيرادات المتعلقة بها للوصول إلى الربح الذي يمكن توزيعه دون المساس برأس المال.

ومن العرض السابق يمكن إبراز تصور الفكر الإسلامي لعناصر مصروفات النشاط الجاري فيما يلي:

1-    الأجور، سواء كانت نقدية أو مزايا عينية.

2-    المستلزمات السلعية سواء كانت في صورة خامات رئيسية أو مساعدة ويلاحظ أن هذه الخامات هي بخلاف الخامات الداخلة في  إنتاج السلع، فهي تلك المتعلقة بمراكز الخدمات الإدارية والتمويلية، ونجد مثلا للخامات الرئيسية – من هذا النوع – فيما ذكره الفقهاء من السراج والبساط، كما نجد مثلا للخامات المساعدة في وقود الإضاءة للسراج، وأدوات النظافة.

3-    المستلزمات الخدمية مثل تكلفة الصيانة والعمارة، وتكلفة اقتناء المراجع العلمية والسجلات المحاسبية.

4-    المصروفات الجارية الأخرى، مثل المصروفات القضائية.

 

ثالثًا: العمارة والصيانة:

مما سبق ذكره يتبين ضرورة القيام بأعمال الصيانة والترميم اللازمين كما يتضح ضرورة خصم تكاليفها من الإيرادات، ولكن الحديث – هنا- عن حد هذه ا لصيانة والعمارة التي يجب أن تخصم تكاليفها من الإيرادات. يقول الزيلعي: أن حد العمارة «بقدر ما يبقى الموقوف على الصفة التي وقفه بها صلى الله عليه وسلمالواقف)، لأن الصرف إلى العمارة ضرورة إبقاء الوقف ولا ضرورة في  الزيادة.. وبهذا علم أن عمارة الأوقاف زيادة على ما كانت عليه العين زمن الواقف لا يجوز إلا برضاء المستحقين. وظاهر ذلك منع البياض والحمرة على الحيطان من مال الوقف أن لم يكن فعله الواقف، وأن فعله فلا منع. ثم أعلم أن التعمير إنما يكون من غلة الوقف إذا لم يكن الخراب بصنع أحد صلى الله عليه وسلم[28])».

وقد سئل صاحب الفتاوى الحامدية «في دار جارية في وقف أهلي وحيطانها مكلسة صلى الله عليه وسلممبيضة) من زمن واقفها ثم سقط كلسها، ويريد الناظر إعادتها من أجرتها على الصفة إلى كانت عليها زمن واقفها.. فهل له بذلك؟ .. الجواب: نعم وافتي بالمسألة الحانوتي كما نقله عنه الكازروني في كتاب الوقف، وبسط في البحر، وفي الخيرية من الوقف أيضا: في دار الوقف المعدة للاستغلال إذا حزب صلى الله عليه وسلمكسر) صهريجها المعد لماء الاشتية صلى الله عليه وسلمأي لتجميع ماء المطر فيه) هل تجب عمارته من أجرتها؟ .. أجاب: نعم، فقد صرحوا صلى الله عليه وسلمأي العلماء) بوجوب العمارة في الأوقاف على الصفة التي كانت زمن المواقف، حتى قالوا: البياض والحمرة في  الحيطان أن لم تكن في زمنه لا تفعل، وإلا تفعل أ.هـ صلى الله عليه وسلم[29])».

ومما سبق يمكن استنتاج الشروط الواجب توافرها لخصم تكاليف الصيانة والترميم وهي:-

1-       أن تكون الحاجة إلى الصيانة والترميم نتيجة الاستعمال العادي، فإن كان الخراب يصنع أحد، فلا تخصم نفقة إصلاحه من الإيراد، وهذا يعني أن نفقات الصيانة غير العادية يجب أن لا تخصم من الإيراد.

2-       أن لا تزيد الصيانة والترميم عما كان زمن الواقف، ويمكن التعبير عن هذا المعنى – بلغة  العصر الحديث بأن لا تزيد النفقات – التي يجب أن تخصم من الإيراد – عن تلك التي تكون لازمة للمحافظة على القدرة الإنتاجية الأصلية للأصل. أما ما يزيد عن هذا فلا يجوز إلا برضاء المستحقين للربح، ويعتبر نفقة رأسمالية.

عبء الانتفاع بعروض القنية صلى الله عليه وسلمالإهلاك) صلى الله عليه وسلم[30]):

مما سبق في بحث الصيانة الدورية – في الفكر الإسلامي – يتضح أنه يجب إعادة دار الوقف إلى الصفة التي كانت عليها زمن  الواقف، وإن هذا يتم بعمارتها وصيانتها.

ولما كان «الإهلاك» هو البلى الذي يعوضه الصيانة، ولما كان غرض الواقف صرف غلة الوقف إلى مستحقيها على التأبيد، فكما يرى ابن قدامة يجب استبدال دار الوقف – إذا سقط البناء – بعين أخرى يخصص إيرادها للموقوف عليهم «وإيصال الإبدال يجرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها مضيع للغرض صلى الله عليه وسلم[31])».

وهنا يثور التساؤل: كيف يمكن إعادة بناء الدار إلى ما كانت عليه زمن الواقف، علما بأن «الغلة الحاصلة من الوقف بعد مصارفه صلى الله عليه وسلمنفقاته) ملك لأربابهاصلى الله عليه وسلم[32])»؟.. والجواب – بالطبع – لا يمكن هذا إلا إذا تم خصم مبلغ معين من الغلة لمقابلة إعادة البناء، أو إلا إذا كانت «مصارفه» تتضمن مثل  هذا الخصم، فإذا كانت مصارفه تتضمن ذلك، فيكون من  الواضح أن عبء الانتفاع بعروض القنية صلى الله عليه وسلمالإهلاك) عبء على الإيراد، إما إذا لم تكن كذلك، فربما يتوهم أن هذا العبء عبء على الربح الصافي، أي توزيع للربح – بلغة العصر الحديث – ولكن إذا ما علمنا أن الغلة الصافية ملك لأربابها – كما سبق – فيتحتم اعتباره عبئا على الإيراد، أي اعتباره عبئا تحميليا، وإلا لما كان هناك فائض لحجز هذا المبلغ.

وخلاصة القول: أنه يجب احتساب إهلاك عروض القنية، واعتبار مبلغه عبئا تحميليا على الإيراد للوصول إلى رقم الربح الذي يمكن توزيعه دون المساس برأس المال.

قياس عبء الانتفاع بعروض القنية:

يتوقف تحديد قسط الإهلاك الفترى على عدة عوامل صلى الله عليه وسلم[33]) ويعنيني منها –هنا-  القيمة التي  تتخذ أساسا لتحديد هذا المبلغ.

وبإمعان النظر في الفكر الإسلامي نجد أن قيمة العروض تتأثر بثلاثة متغيرات صلى الله عليه وسلم[34]) هي:

1-    التغيرات في ذات العروض.

2-    التغيرات في صفاتها.

3-    حوالة الأسواق.

أولاً: التغيرات في ذات العروض:

هذه  التغيرات التي  تحدث في ذات العروض وتؤثر على قيمتها أما أن تكون بالزيادة أو بالنقض. أما الزيادة فقد تكون منفصلة، وقد تكون متصلة.

وقد ضرب الفقهاء مثلا للزيادة المنفصلة بولد الحيوان مع أمه، كما ضربوا مثلا للزيادة المتصلة بالسمن في الحيوان، والصبغ في الثياب.

ومع وضوح هذه الأمثلة في منشآت الثروة الحيوانية، إلا إننا نود أن نسوق أمثلة للزيادات المنفصلة والمتصلة التي تؤدي إلى زيادة القيمة في مجالات أخرى من النشاط الاقتصادي.

وجدير بالذكر أن الزيادة المنفصلة هي التي تكون مقصودة بالانتفاع لذاتها، أي بالاستقلال عن أصلها، أما الزيادة المتصلة فلا يمكن فصلها عن أصلها للانتفاع بها انتفاعا كاملاً أو مقصودا. وهذا التعريف مأخوذ من الأمثلة التي ضربها الفقهاء لكل نوع من أنواع الزيادات.

ولعل من أوضح أمثلة الزيادات المنفصلة والتي تؤدي إلى زيادة القيمة، أجهزة التكييف التي توضع في عربات السكة الحديد، أو المقاعد التي يمكن تحويلها إلى أسرة للنوم عند الحاجة، ففي مثل هذه الأمثلة نجد أن جهاز التكييف والمقاعد، لكل منها قيمة مستقلة عن قيمة العربة، ولكن إضافة هذه الوسائل إلى العربة تجعل قيمة العربة تزيد بأكثر من تكلفة الجهاز والمقاعد.

ومن أمثلة الزيادات المتصلة، التعديلات التي ادخلت على أجهزت الآلات الكاتبة لتعمل بالكهرباء بدلا من الاعتماد الكلي على التشغيل اليدوي. فكل هذه الزيادات ذات أثر واضح في زيادة القيمة.

أما التغيرات بالنقض، فإنها قد تكون نتيجة عيب حادث أو نتيجة الانتفاع بالعروض، وقد ضرب الفقهاء مثلا لذلك بالثياب التي تتغير حالتها بالنقض أما نتيجة عيب أصابها مثل الفتق، وإما نتيجة قدمها بالاستعمال.

ومع وضوح هذا المثال في مفروشات الفنادق، إلا أننا نود هنا أيضا أن نذكر أمثلة في مجالات أخرى. فمن أمثلة النقص الذي يحدث في ذات العروض نتيجة عيب حادث ويؤدي إلى نقض القيمة، العيوب التي تصيب وسائل النقل نتيجة الحوادث مثل التصادمات، أما النقض نتيجة الاستعمال فلست أجدني مضطرا لذكر أمثلة له، إذ كل الآلات والمعدات تبلي بالاستعمال.

وخلاصة ما تقدم، أن قيمة العروض تتأثر بالتغيرات التي تحدث في ذواتها سوءا بالزيادة أو بالنقض، بحيث تصبح قيمة العرض مساوية لقيمته الجارية.

ثانيًا: التغيرات في صفات العروض:

ويقصد بها التغيرات التي تلحق الصفات التي تؤثر على استيفاء المنفعة المقصودة إيجابيا أو سلبا. وقد ضرب الفقهاء أمثلة للصفات الإيجابية مثل الصنعة، ومثل التدريب صلى الله عليه وسلمفيما يتعلق بكلاب الصيد).

ومن الأمثلة التي ضربها الفقهاء للصفات السلبية الأباق والسرقة، فهذان النوعان من الصفات يؤثران على استيفاء المنفعة المقصودة إما إيجابا أو سلبا، وبالتالي يؤثران على قيمة العرض بالزيادة أو بالنقص.

ويمكن أن يقاس على هذه الصفات كل ما يؤدي إلى التأثير على استيفاء المنفعة المقصودة مثل التغير في الطلب على منتجات آلة معينة، كما هو الحال بالنسبة لآلات صنع أغطية الرأس في مصر صلى الله عليه وسلمالطربوش)، ومثل عدم توافر قطع الغيار، إلى غير ذلك من العوامل التي تؤثر على استيفاء المنفعة المقصودة سلبا، كما يمكن أن يقاس على هذه الصفات أيضا، التقادم الفني الذي يصيب الآلات والمعدات نتيجة ظهور مخترعات حديثة تجعل من استعمال الوسائل القديمة استعمالا غير اقتصادي.

ومن الأمثلة الإيجابية التي تؤثر على استيفاء المنفعة المقصودة، تغيير محرك قاطرة صلى الله عليه وسلممثلا) تعمل بالفحم لتعمل بالديزل، فكل هذه الصفات تؤثر على استيفاء المنفعة المقصودة من العرض، ومن ثم تتأثر قيمة هذا العرض زيادة أو نقصا بهذه الصفات، بحيث تصبح مساوية لقيمته الجارية. أي أن التغير في صفات العروض يحدث نفس الأثر الذي يحدثه التغير في ذواتها.

ثالثا: حوالة الأسواق:

ذهب الإمام مالك t إلى أن حوالة الأسواق من العوامل التي تفيت رد المبيع بيعا فاسدا، لأن السلعة إذا فاتت «فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة، لأنه قد تقبض السلعة وهي تساوي ألفا، وترد وهي تساوي خمسمائة، أو بالعكس، ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتا في المبيع الفاسد»صلى الله عليه وسلم[35]).

ومعنى هذا أن التغير في عوامل العرض والطلب يؤدي إلى تغير في قيمة العروض حتى يمتنع ردها إلى البائع إذا كانت مبيعة بعقد بيع فاسد، وكأن المبيع قد تغير بسبب تغير قيمته نتيجة لحوالة الأسواق، ومؤدى ذلك أن تصبح قيمة العرض مساوية لقيمته الجارية، أي أن حوالة الأسواق تحدث نفس الأثر الذي يحدثه التغير في ذات العرض وصفاته.

وخلاصة القول في قياس عبء الانتفاع بعروض القنية أن قسط الإهلاك الفتري يحتسب على أساس القيمة الجارية، وأن هذه القيمة الجارية تتأثر بثلاثة متغيرات هي: التغير في ذوات العروض، والتغيرات في صفاتها، وحوالة الأسواق. وترجمة هذا – محاسبيا – هو احتساب قسط الإهلاك على أساس القيمة الاستبدالية الجارية، وأن الزيادات التي تضاف إلى العروض يجب أن تستهلك بنفس معدل إهلاك العرض الأصلي، وأن النقص الذي يصيب العروض يؤثر على قسط الإهلاك، بمعنى أن قسط الإهلاك يتضمن مقابل ا لتقادم الفني بالإضافة إلى مقابل الاستعمال، كما أن الإضافات  الرأسمالية إلى العروض يجب أن تهلك بنفس معدل الإهلاك.

 

نتائج المبحث الأول

أولاً:

 

لكي يمكن المحافظة على سلامة رأس المال، فإنه يجب تحديد المبلغ القابل للتوزيع دون المساس بالطاقة الانتاجية لاستخدامات مصادر التمويل.
ثانيًا:

 

يتخذ الفكر الإسلامي من مفهوم ربح الوحدة الاقتصادية أسلوبا لتحديد هذا المبلغ.
ثالثًا:

 

يتمثل الإجراء العملي لتحديد الربح القابل للتوزيع دون المساس برأس  المال في حتمية خصم  النفقات من الإيرادات، وتتضمن النفقات العناصر التالية:

1-    تكلفة السلع المبيعة.

2-    تكاليف ا لحصول على الربح بما فيها تكلفة الصيانة الدورية.

3-    عبء الانتفاع بعروض القنية.

رابعًا:

 

تقاس تكلفة السلع المبيعة على أن تكلفة الاستبدال الجارية.
خامسـًًا:

 

تتأثر قيمة عروض القنية بثلاثة متغيرات هي:

1-    التغيرات في ذواتها.

2-    التغيرات في صفاتها.

3-    حوالة الأسواق.

أي أن عبء الانتفاع بعروض القنية صلى الله عليه وسلمالإهلاك) يتضمن مقابل  الاستعمال والتقادم الفني، وإهلاك الإضافات الرأسمالية، مقاسا على أساس التكلفة الاستبدالية الجارية.

 

المبحث الثاني

تدعيم سلامة رأس المال صلى الله عليه وسلم[36])

انتهينا – في المبحث الأول – إلى أن الفكر الإسلامي يحتم خصم النفقات اللازمة لتحقيق الإيرادات للوصول إلى المبلغ القابل للتوزيع دون المساس برأس المال وهذا معنى قولهم: لا ربح إلا بعد سلامة رأس المال. غير أن هذا التفسير محدود من حيث الزمان، أي منظور فيه إلى الفترة التي تتخذ نفقاتها وإيراداتها أساسا لتحديد هذا المبلغ، إلا أن رأس المال – وهو مصدر القوة والثقة في المشروع – يمتد ظله إلى ما بعد الفترة الحالية، طالما يقدر للمشروع الاستمرار في مزاولة نشاطه، وقد يحدث ما يجعل السلامة التي قيل بها في نهاية الفترة الحالية غير ذات موضوع، ولذا فلكي تكون “السلامة” حقيقية، يجب أن يتخذ من الإجراءات ما يكفل استمرار وتدعيم سلامة المركز المالي للمشروع. وهذا يعني أن يظل التشغيل عند نفس المستوى، بل وأن يقابل التوسعات اللازمة، وأن يكون لدى المشروع القدرة على تغطية الخسائر المحتملة أن وقعت في المستقبل. وترجمة ذلك – محاسبيا- تتطلب أن تكون الأصول مقومة بقيمها الحقيقية، وأن يكون لدى المشروع المال اللازم للقيام بعملية الإحلال للأصول الهالكة، كما تتطلب أن يقوم المشروع بتكوين الاحتياطيات اللازمة لمواجهة الخسائر المحتملة في المستقبل. ولذلك فموضوع هذا المبحث سيتناول موقف الفكر الإسلامي من المخصصات التقويمية، والاحتياطيات.

أولاً: المخصصات التقويمية:

من أبرز الأمثلة على المخصصات التقويمية، مخصصات الإهلاك، ومخصصات الديون المشكوك فيها.

 

1- مخصصات الإهلاك:

فيما يتعلق بمخصصات الإهلاك، فقد سبق القول – من وجهة نظر الفكر الإسلامي – بضرورة تحميل حسابات النتيجة بقسط إهلاك عروض القنية الناتج عن الاستعمال بل وعن التقادم الفني، حتى يمكن الوصول إلى مبلغ الربح القابل للتوزيع دون المساس بسلامة رأس المال.

والهدف من مناقشة هذه النقطة – هنا – هو بيان موقف الفكر الإسلامي من تدبير المال اللازم لإحلال العروض في نهاية عمرها الإنتاجي.

وغير خفي أن هذا المطلب مرتبط باستمرار المشروع من جهة، وبمصادر التمويل من جهة أخرى، فإذا كان المشروع سيقدر له الاستمرار فإنه من الضروري أن يقوم بتجديد وإحلال عروضه الهالكة، وعندئذ تثار مسألة التمويل، فهل يمكن أن يعتمد المشروع على المصادر الداخلية، وبالتالي يلزم تدبير المال اللازم لذلك، أم يمكنه الاعتماد على المصادر الخارجية، ومن ثم فلا ضرورة لذلك التدبير.

وفيما يتعلق باستمرار المشروع، فالإجماع منعقد بين الفقهاء على أن الشركة من العقود الجائزة، لا من العقود اللازمة، أي لأحد الشريكين أن ينفصل من الشركة متى شاء، وهي عقد غير موروث، أي تنقضي بوفاة أحد الشريكين صلى الله عليه وسلم[37]). إلا أن الفقهاء اختلفوا في لزومية عقد المضاربة إذا شرع العامل في العمل، فقال مالك: هو لازم، وهو عقد يورث، فإذا مات المقارض وكان له أبناء أمناء، كانوا في القراض مثل أ[يهم، وأن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث. فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر، ورآه من العقود الموروثة، والفرقة الثانية شبهت صلى الله عليه وسلممقابل) الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل صلى الله عليه وسلم[38]).

ومن هذا نجد أن الإجماع يكاد ينعقد على أن استمرار المشروع إنما هو أمر متروك للشركاء أنفسهم، لهم أن يستمروا في العمل، ولكل واحد منهم أن يتوقف بفرض أنه لم يحدث ما يؤدي إلى انقضاء الشركة جبرا مثل ضياع رأس المال أو معظمه، ومثل وفاة أحد الشريكين. ولذا فما لم يكن الأمر أمر صفقة خاصة أو عملية معينة، فإن ظاهر الحال يدعو إلى الاعتقاد باستمرار المشروع، ولعله مما يرجح هذا  الاعتقاد تعريفهم للتجارة بأنها «تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربحصلى الله عليه وسلم[39])»، وقولهم: أن «التجارة سبب يفضي إلى الربح وإلى الخسران، ولئن فات الربح في صفقة فربما يتدارك في صفقة أخرى صلى الله عليه وسلم[40])»، فعمليات التقليب، وفوات الربح وتداركه، لابد لها من تعاقب فترات تحدث فيها، وهذا ما يدعو الباحث إلى الاعتقاد بأن المشروع الاقتصادي – في الفكر الإسلامي – ينشأ داخل إطار عام من الاستمرار، مع حرية الشركاء أو بعضهم في التوقف، أي أن الاستمرار هو القاعدة والتوقف هو الاستثناء. وبناء على ذلك فإنه يوجد التزام اقتصادي ع لى المشروع المستمر أن يعمل بنفس الطاقة الإنتاجية، بل أن تفسيرنا للطاقة الانتاجية – كما سبق – الذي لا يحد من مستوى الكفاية ويمكن المشروع من الاحتفاظ بمركزه التنافسي في نوع النشاط الذي ينتمي إليه، يلقي عليه مسئولية مقابلة التوسع، واقتناء أحدث الوسائل الآلية في المستقبل، وهذا يتضمن إحلال وتجديد الطاقة الانتاجية الهالكة والتوسع في الطاقة الانتاجية العاملة. والإحلال والتوسع يحتاجان إلى المال اللازم للقيام بهما.

على أنه من الجدير بالذكر – هنا – أنه إذا كان الإحلال أمرا لازما للمشروع المستمر، فإن التوسع هو مجرد احتمال يتوقف تحققه على أنه من الجدير بالذكر – هنا – أنه إذا كان الإحلال أمرا التوسعات إنما هو من قبيل الاحتياطيات وإنما ذكرت – هنا – لارتباطها بالمحافظة على سلامة الطاقة الإنتاجية للمشروع في ظل ظروف المنافسة واحتمالات المستقبل.

ونأتي إلى تدبير المال اللازم لمقابلة الإحلال والتجديد، وهنا تثار مسألة ما إذا كان المشروع يمكنه الاعتماد على نفسه، أم يمكنه الاعتماد على المصادر الخارجية.

ونبدأ بمناقشة الاعتماد على المصادر الخارجية أولا، لأنها البديل:

وفي الفكر المحاسبي الحديث تناقش أفضلية المصادر الخارجية على ضوء المقارنة بين عدة عوامل، ومن أهمها المقارنة بين معدل عائد استثمار رأس المال، ومعدل الفائدة التي ستدفع للمقرضين، فإذا كانت الفائدة أقل من عائد استثمار رأس المال، فإن المشروع يفضل تمويل أصوله بواسطة القروض، أما إذا كان العكس، فإنه يفضل الاعتماد على المصادر الداخلية.

فإذا ما اتجهنا إلى الفكر الإسلامي نجد أن هذه المقارنة غير ذات موضوع بالنسبة له، أن الفائدة نوع من الربا المحرم شرعا، ولذا فقد لا يجد المشروع من يمده صلى الله عليه وسلم[41]) بالقروض اللازمة لتمويل الإحلال والتجديد. ومن ثم فإن ا لمصدر المفضل لتدبير المال اللازم لذلك هو عمليات المشروع، أي باعتبار قسط الإهلاك – محتسبا على أساس التكلفة الاستبدالية الجارية كما تقدم ذكره – عبئا تحميليا على الإيراد. وهذا يعني تجنيب واستثمار هذا القسط أما في داخل المشروع أو خارجه وفقا لإحدى سياسات الاستثمار.

2- مخصص الديون المشكوك فيها:

يطلق الفقهاء على الديون المشكوك فيها تحصيلها اصطلاح: الدين الضمار، أو الظنون أو المظنون، أو غير المرجو. وهو الدين الذي لا يدري صاحبه، أيصل إليه أم لاصلى الله عليه وسلم[42]).

والقول في هذه الديون ينحصر في أثرها على رصيد المدينين لدى المشروع وبالتالي على مركزه المالي، وفي كيفية تحديدها.

وفيما يتعلق بأثرها على المركز المالي، فإنه يمكن بيان هذا الأثر من وجهة نظر فقه الزكاة، ومن وجهة فقه المعاملات.

أولاً: فقه الزكاة صلى الله عليه وسلم[43])

يقول ابن رشد الحفيد عند تحديد محل الزكاة يختص بالتاجر المدير: فحكم هؤلاء عند مالك إنه إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم، أن يقوم ما بيده من العين صلى الله عليه وسلمالنقد) وماله من الدين الذي يرتجي قبضه، إن لم يكن عليه دين مثله.. فإذا اجتمع عنده من ذلك نصاب أدى زكاته صلى الله عليه وسلم[44]).

و