أبحاث

البديل الحضاري للمجتمع المعاصر

العدد 13

تركيب المجتمعات:
لقد اختلفت الآراء وتعددت وجهات النظر في تحديد مفهوم المجتمع لدرجة أنه لم يتوصل علماء الاجتماع إلى تحديد مفهوم واحد له فهو تركيب متكامل لعلاقات اجتماعية ما بين أفراد ومجموعات ومؤسسات،
وهو الإطار الذي يتمكن فيه الفرد من ممارسة نشاطاته الحياتية كاملة، في علاقاته مع نفسه، ومع الفئات والمجموعات الأخرى، وارتباطه بالمصير المشترك لتلك الجماعات والفئات وما تتأثر به من أحداث وتغيرات.
وتنبثق عن المجتمع –أي مجتمع- طريقة حياة يمكن تلمسها عبر ما يسمى بثقافة المجتمع التي تحدد أنماط تفكيره، ونشاطاته، ومشاعره على أساس من المعرفة والمعتقدات والأخلاقيات، والعادات، والقدرات المكتسبة لدى أفراده.
فالأفراد في حد ذاتهم لا يكونون مجتمعا إلا إذا امتلكوا ثقافة، وكانت لهم مقاييس عامة مشتركة للخير والشر، للحق والباطل، للخطأ والصواب، للمناسب وغير المناسب وتتقارب اتجاهاتهم في تفسير معارفهم والبيئة التي يعيشون فيها: فالثقافة جزء تكويني من تركيب المجتمع وأفراده وهي لذلك تراث طبيعي للبشرية وقلما يتجه الإنسان، كفرد في مجتمعه، إلى محاولة لتقويم أنماط مجتمعه السلوكية بموضوعية بعيدة عن تحيزه اللاشعوري غير متأثر بثقافة مجتمعه.
وقد لا يدرك ما في ثقافة مجتمعه من خيرات وتجارب إلا إذا وجد نفسه في موقف احتكاك أو تفاعل أو صراع مع ثقافة مغايرة… مثلما يحصل تماما مع ساكن قاع البحر… فإن آخر شيء يفكر في اكتشافه ومعرفته هو الماء. وقد لا يفكر في اكتشافه إلا إذا أوجدته الصدفة

أفكار المجتمع – أي المعرفة والمعتقدات.

المنجزات المادية للمجتمع: أي محصلة الإنجاز الجماعي لأفراده. فأهمية الثقافة، تكمن إذن، في قدرتها على تزويد المجتمع بالمعرفة والتقنية اللتين تمكنان أفراده من السيطرة على بيئتهم، ومن حفاظهم على بقائهم جسديا واجتماعيا.

وهذه المقومات هي ما سوف تقتصر على معالجتها إذا ما أردنا التحدث عن مؤسسات المجتمع، فسوف نتناول منها أهم المؤسسات المؤثرة تأثيرا مباشرا على الأفراد. فالفرد لا يمكن له البقاء دون انتماء لمجتمع فالخبرات التي يكتسبها هي خلاصة ارتباطاته بثقافة المجتمع وممارساته الحياتية مع أفراده وأهم تلك المؤسسات:

1- العائلة:

ويعتبرها علماء الاجتماع المؤسسة الرئيسية في التأثير على الأفراد في عملية “التطبع الاجتماعي” ويرجع تأثيرها إلى ضعف الوليد البشري وحاجته إلى الرعاية ضمن علاقات عاطفية واجتماعية تؤدي إلى قيم وأنماط سلوكية تتعمق في الفرد.

2- المؤسسات الثقافية:

إن العائلة لن تكون قادرة بمفردها على تدريب الفرد وإعداده لأدوار مستقبلية فترتبط العائلة بالمؤسسات التي يتأثر بها الأفراد وهي ما يمكن حصرها ضمن المؤسسات الثقافية: كالمدارس النظامية ووسائل الإعلام. وتستطيع هذه المؤسسات أن تعمق القيم التي تهدف كل منها إلى تحقيقها في الأفراد.

3- المؤسسات الاجتماعية – المعاصرة:

يتعذر في المجتمع المعاصر أن ينظر للمؤسسة الاجتماعية دونما اعتبار للبعد الاقتصادي الذي تنطوي عليه تلك المؤسسة. ولذا فإن المؤسسات الاجتماعية- الاقتصادية ذات تأثير كبير على الأفراد. إلا أن مردود هذا التأثير قد لا يلمس على المستوى الفردي، فيأخذ طابعا جماعيا عاما يؤثر في المجتمع وتركيبه كما يؤثر المجتمع بتغييراته في تلك المؤسسات الاجتماعية- الاقتصادية.

أما أفكار المجتمع، فيمكن تحديدها بالمعتقدات والمعارف والقيم التي تتعلق بالأفراد وارتباطاتهم بعالمهم الذي يعيشون فيه فهي تشمل الأفكار العامة التي يعتمدها الأفراد في تكوين تراثهم الشعبي والديني والعلمي والفلسفي والمسلكي. وهي تشمل القيم، والمثل العليا التي يعتمدونها في تحديد أهدافهم وسلوكهم ولتحديد معنى النجاح والتبرير والشرف، والشجاعة الوطنية، والولاء والإخلاص والكفاءة. وهي تشمل المعايير والمقاييس التي يعتمدها الأفراد في تكوين أنماط أحكامهم وتقويمهم لما يجري في مجتمعهم. فيكون الأفراد قادرين على تقبل مبادئ عامة مشتركة فيما بينهم في المعارف، والممارسات.

وأما المنجزات المادية فتشمل ما يبدعه ويستخدمه الإنسان أو الأفراد، بدائية كانت تلك المنجزات كالفأس الحجري، أو حديثة كالحاسب الإلكتروني، إلا أن قيمة هذه المنجزات هي في حجم مردودها واستخدامها لخدمة البيئة وللغاية التي يحددها الأفراد أنفسهم.

نمو المجتمعات والحضارات:

إن الحصيلة النهائية لدور المجتمع التاريخي تقاس بمدى دوره الحضاري: حماية ونقلا أو ابتكارا أو إبداعا. وتختلف الآراء والاتجاهات في قياس هذا الدور. إلا أن آراء معظم علماء الاجتماع تتفق على أن المجتمعات تظل في نمو مستمر ما دامت قادرة على العطاء الحضاري فعلا وإبداعا ومجابهة لكتلة العالم والطبيعة، واستجابة للتحديات الدائمة تهيئة وإعمارا وتمهيدا وتطورا.

ومن هذا المفهوم، يمكننا القول: إن التاريخ الحضاري يبدأ مع الخليقة في إعمار الإنسان للأرض بعدة كافية لهذا العمل وبامتلاك الشروط الأساسية لمجابهة العالم وتحويله وتغييره وتطويره وبما ركب فيه الخالق من عقل وروح وإرادة وتكييف جسدي، وبما هيأه الله في الأرض وما حولها من إمكانيات فتنمو المجتمعات بقدر ارتباطاها بالرسالة الحضارية للإنسان على الأرض وربما لم تكن كلمة حضارة شائعة في استعمالات العربية اللغوية أول مرة، إلا أن ابن خلدون يكاد يكون أول من نبه إليها واستخدمها في (مقدمته) غير أن اصطلاحه الذي كان يستغني به معظم الأحيان عن هذه الكلمة هو (العمران البشري) الذي يقابل (الحضارة البشرية)… ومهما يكن من أمر، فإن المصطلح الحضاري قد فرض نفسه في القرن الأخير سيما بعد الاحتكاك الثقافي الشامل بين الشرق والغرب.

إن قبولنا للمصطلح الحضاري هو تسليمنا بالمقياس أو الدور الحضاري للمجتمعات فالمجتمعات التي التزمت بالدور الحضاري، ربما دون أن تشعر، حماية أو نقلا أو إبداعا، قد تركت حصيلة من التراث الحضاري الذي أخذ مكانه في البناء الحضاري العالمي، في حين أن المجتمعات التي لم تدرك دورها الحضاري عن قصد أو عن غير قصد، لم تترك من التراث ما يمكن أن يأخذ مكانه في بناء الحضارة العالمية.

ولعل من أقرب الأمثلة على ذلك، مجتمع أثينا ومجتمع أسبرطة، أو مجتمع بغداد وغزو هولاكو، أو مجتمع الشرق الإسلامي وغزو الصليبيين. ففي حين نرى تراث مجتمع أثينا والمجتمع الإسلامي في بغداد أو فلسطين تراثا مرتبطا بالحياة، فإننا لا نقرأ عن مجتمع أسبرطة أو هولاكو أو الصليبيين سوى الدمار والعدوان… فنمو المجتمعات الحضارية هو تغير تاريخي في دورة لا متناهية من الازدهار من مرحلة بدائية إلى متطورة متقدمة.. تعتريه منعطفات حادة.. فعندما تبرز مسببات عامة للتغير التاريخي فإن وضعا اجتماعيا جديدا يبرز كنتيجة حتمية.

وإن عجلة التاريخ لن تتوقف إلا بعامل دمار عام أطلق عليه ابن خلدون (الموت الأسود) وسواء قصد بذلك خط الغزو المغولي، أو شعوره ببداية تفوق أوروبا على المجتمع المسلم.. أو عوامل داخلية يتآكل المجتمع بسببها، فإن تفسيره هذا يتفق مع رأي علماء الاجتماع الذين يرون في الحرب دمارا للتقدم التكنولوجي.

ويرى هيجل أن النمو الحضاري هو مسألة دينامية شاملة تنبث من صراع النقيضين في عالم الأفكار في تسلسل طويل ينتهي إلى مرحلة وصول العقل إلى حقيقة الخالق.. وأما ماركس فإنه يأخذ عن هيجل دينامية الحركة الحضارية المتولدة عن صراع النقائض، إلا أنه يقصرها في نطاق المادة ووسائل الإنتاج والظروف التي يعمل فيها.

أما توينبي فيرى النمو الحضاري وليد مقدرة الجماعة الإنسانية على الاستجابة للتحديات البيئية الجغرافية والبشرية، المحيطة بها، ويتناسب حجم العطاء الحضاري كما ونوعا تناسبا طرديا مع حجم الاستجابة لمقاييس الكم والنوع وحينما يصل تاريخ مجتمع إلى منعطف حاد، فإن دورة حضارته تدخل في مرحلة حرجة، فإنه يصل إلى المنطقة التي تتصل فيها نهاية عهد ببداية عهد آخر، أو تتجاوز فيها ماض مظلم مع مستقبل مشرق ويمكننا أن نستخلص من هذه الآراء أن نمو حضارة أي مجتمع يتوقف على تكامل عناصر الإنسان والتراب والزمان: فالإنسان: بما لديه من ثقافة، وما له من مواهب وقدرات، وبما يمتلك من إمكانات مادية، يستطيع أن يؤثر في مجتمعه بفكره وبعمله وبماله، وهذا يتطلب بعدا سلبيا يفصل إنسان الحاضر عن تخلف الماضي وبعدا إيجابيا يصله بمقتضيات المستقبل.

لقد مر إنسان الغرب في حضارته متأثرا بإنسانيات الإغريق اللاتينية، كما طبع ماركس كل القيم بوظائفها الاجتماعية، أما الإنسان العربي المسلم فقد جاءته الحضارة الإسلامية بتحديد البعدين السلبي والإيجابي مرة واحدة فقد نفت الأفكار الجاهلية المرتبطة بما في الإنسان، ثم رسمت طريق الفكرة التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية.

وحينما نتكلم عن التراب، كعنصر لنمو الحضارة، فإننا لا نبحث في خصائصه الجيولوجية أو الجغرافية.. ولكننا نعني قيمته الاجتماعية المستمدة من قيمة مالكيه، فالمجتمع المتخلف يكون ترابه على قدر من الانحطاط، والمجتمع المتقدم يكون ترابه غالي الثمن، فالتراب يكون على شيء من الانحطاط بسبب تخلف وضعف القوم الذين يعيشون عليه… فكم من صحراء حولها أصحابها إلى جنات خضراء.. وكم من جنات خضراء زحفت عليها الصحراء حيث وقف أصحابها موقف المتخلف الضعيف.

إن مثل هذا التحول في الأرض الخصبة إلى فلاة ثم إلى صحراء، يؤدي إلى تحول في الحياة الاقتصادية. فيفرض التراب على الإنسان نمط حياة راكدة لا صلة لها بعطاء حضاري.

وأما الزمن وأثره في البناء والتكوين الحضاري، فهي فكرة متصلة اتصالا وثيقا بالتاريخ، إذ أن تحديد فكرة الزمن، تحدد معنى التأثير والإنتاج في الحياة فتخضع الحياة للتوقيت ولعامل الوقت فإذا دخل الوقت في أسلوب حياة في المجتمع وفي سلوك أفراده وإذا ما استغل الوقت، فلم يضع سدى ولم يمر كسولا، فسوف يرتفع الحصار العقلي واليدوي والروحي. وفي عكس ذلك: فإن الوقت يزحف صوب التاريخ ليسجل نقطة ضعف في حضارة المجتمع. فإن العملة الذهبية قد توجد بعد أن تضيع، ولكن لن تستطيع قوة في العالم أن تحطم دقيقة وقت أو أن تستعيدها إذا مضت.

تحليل الاتجاهات الحضارية المعاصرة:

إذا ما أردنا أن نلقي الأضواء على الحضارات المعاصرة أو الحضارة العالمية المعاصرة، فإننا سنتناول في البحث المعطيات الثقافية والمادية للحضارة.. ومن ثم أثر هذه المعطيات على الإنسان والتراب والزمن.

فالمعطيات الثقافية للحضارة هي ما أسميناه أفكار المجتمع المتمثلة بمعتقداتهم ومعارفه وقيمه التي تتعلق بالأفراد وارتباطاتهم بعالمهم الذي يعيشون فيه.

لقد أثرت الحضارة بأفكار الإنسان المعاصر فمر في عدة مراحل كانت البيئة عاملا يربط ما بين الإنسان وثقافته فاعتمد على أسلوب المحاولة والخطأ. وفي المرحلة الثانية أصبحت الثقافة هي التي تربط بين الإنسان وبيئته حيث أوجد المؤسسات لخدمته، ثم بدأت تتداخل عوامل البيئة والثقافة والإنسان لتكوين اتجاهات جديدة وأنماط سلوك اجتماعية جديدة وأيديولوجيات متطورة فوصت الحياة على الكفرة الأرضية إلى نقطة حرجة تستدعي أن يتغلب الإنسان على بيئته وأن يوجد الوسائل للسيطرة عليها وضبطها، فقد تضخمت الثقافة وازدادت البيئة تهديدا، وأصبح العبء الثقافي ثقيلا.

وأعني بالعبء الثقافي: الإرهاق الاجتماعي الذي يعيق حس الإنسان لاتخاذ قرار، أو موقف معين، أو عمل محدد، أو يعالج مشكلة ملحة، أو ليجد وقتا لنفسه مع نفسه. وإن العبء الثقافي هو ذلك الإرهاق الذي يحول دون وجود توازن في السلوك الإنساني فتتحول الحياة إلى صراع يضطر فيه الإنسان لبذل جهوده واستنفاد طاقاته ليجد له مكانا في ذلك المجتمع الإنساني المتشابك فيجد نفسه غريبا حائرا حتى في الإطار الاجتماعي الأساسي وإطار العائلة.

إن ظواهر الانقراض أو التلاشي العائلي تبدو حتمية في عام الألفين في مجتمع (ما بعد الصناعي) إذ يلاحظ التفكك الأسري في المجتمعات المتقدمة المعاصرة في ضعف ارتباط الأبناء بالآباء قبل أن يبلغوا السادسة عشرة، فيصبح المراهقون مسئولين عن تصرفاتهم ويزداد عدد الأمهات غير المتزوجات، وتتضاعف ملاجئ الأطفال وتصبح الممارسات الجنسية حرية شخصية، ويصبح الشذوذ الجنسي تجربة للتأقلم والتكيف لحياة القرن الحادي والعشرين كما نلحظ ذلك التفكك في إيداع الآباء المسنين بيوت العجزة من قبل أبنائهم وحقنهم بحقن تؤدي إلى الموت البطيء دون قلق، لا لذنب اقترفوه، إلا لأنهم لم يخططوا لمستقبلهم التقاعدي. فأصبحوا أدوات اقتصادية بالية استنفدت، ولم تعد قابلة للإنتاج.

لقد أدت المعطيات الثقافية الحضارية المعاصرة بالمؤسسة الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، والتي وجدت منذ عرف الإنسان هذه المؤسسات لخدمة الإنسان وتطويره. لقد أدت بها الحضارة المعاصرة إلى معاملة الإنسان باعتباره رقما إحصائيا: فهو لا يعرف في عمله إلا برقمه، وهو لا يخاطب المؤسسة إلا بذلك الرقم.. وبالتالي أصبح من السهل على تلك المؤسسة أن تلغي ذلك الرقم من تعاملها… ولم يعد يكلفها ذلك أكثر من إشارة بسيطة تودع الحاسب الإلكتروني (الكمبيوتر) ليجد نفسه بلا قيمة اقتصادية.

إن نظرة تحليلية لظواهر المجتمعات المعاصرة لتشير إلى أن الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار والانحطاط البيئي، والجرائم المنظمة وغير المنظمة (والخبل أو العزلة الإنسانية) ستهزم أية محاولات عادية لتحسين مستقبل الإنسان الذي أصبح يعاني عالميا من مشكلات معقدة مثل:

1-   المأساة العامة: إذ يعاني الإنسان من مشكلة الأرض والهواء والطاقة وتلوث البيئة… وأثر هذه المشكلات على مصادر تغذيته، وإمكانات حياته ونقاء هوائه.

2-   البطالة: إذ لم يعد يجد الإنسان في المجتمع الصناعي الفرصة العادلة ليسهم في خدمة المجتمع الذي ينتمي إليه.

3-   غلاء الأسعار: حيث لم يعد هدف المجتمع الصناعي هو الحد من ارتفاع الأسعار بل التفكير في طرق لزيادة الأجور وهذه يرافقها كنتيجة حتمية استمرار ارتفاع الأسعار (وليس أدق من تصوير لهذه المشكلة من وصف الرئيس الأمريكي السابق “فورد” لها بأنها عدو الشعب الأمريكي رقم 1).

4-   الخبل والعزلة الفردية: إن القاعدة التي تعتمدها المؤسسات في المجتمعات المعاصرة هي أن الاهتمام (فن العمل هو العمل) The Business of Business is Business

جعلت تلك المجتمعات تعتبر العالم الثالث عالما مصدرا للمواد الخام. مستهلكا لإنتاج العالم الصناعي… إن مثل هذا الاتجاه قد جعل إنسان المجتمع المعاصر يتصرف ويسلك وفق ما تقتضيه متطلبات ذلك الإنتاج حتى لو لم يكن ذلك التصرف أو السلوك منسجما مع ذاته وتفكيره فينتهي ذلك الإنسان إلى خبل وربما عزلة عن مجتمع بمؤسسات أدرك سر كيانها وبقائها. ألا وهو اعتبار الإنسان مجرد رقم إحصائي.

ومن ناحية ثقافة حضارية: فقد أصبح الزمن والتراب (أي المكان) بالعناصر التي لا يستطيع الإنسان أن يمارس دوره كانسان دونما اعتبار إحصائي للزمن، وإحصاء قياسي للمكان فدخلت إلى تحليلاته العقلية اعتبارات آلية: فهو يعتمد الكومبيوتر مثلا ليتوقع احتياجاته في عام 2000 مثلا… أو كيف ستكون خريطة العالم (مثل كتاب 1984) أو كيف ستكون الارتباطات الاجتماعية والعائلية عام (مثل كتاب عام 2001) ومع أنها توقعات إلا أن مجرد إدخالها العقل الإلكتروني، يصبح له تأثير نفسي على هذا الإنسان الذي يخطط من وراء معمله المخبري لمستقبل أجيال فيتأثر السياسي بقراراته السياسية، والاجتماعي بتطلعاته، والتربوي بخططه المستقبلية. وربما العسكري في أساليب دمار العالم أو فنائه.

وإذا ما أضفنا إلى هذا العالم وإن كان متباعدا ثقافيا، فقد أصبح متقاربا جغرافيا، مما يجعل المكان تحت سيطرة الحضارة المعاصرة خيرها وشرها والأرقام التالية تبين مدى السيطرة التي حققها الإنسان على الزمان والمكان في ميادين المواصلات ونسبة تصاعد وتزايد “السرعة” منذ بدء الإنسان حتى العصر الحاضر.

عدد السنوات التي تم فيها الإنجاز السنة الوسيلة السرعة (ميل/ الساعة)
  ما قبل التاريخ الأقدام 3
ملايين 6000 ق.م الجمل 8
  1784 م العربة والحصان 10
65 1825 م الآلة البخارية 13
58 1880 م = السريعة 100
  1938 م الطائرة 400
22 1960 م الطائرة النفاثة 4000
  1960 م الصواريخ 18000

ويلاحظ من هذا الجدول أن ملايين السنوات قد مرت حتى تصاعدت سرعة المواصلات من 3- 13 ميلا في الساعة، وستين (60) سنة لتصعيد السرعة إلى (100) ميل/ الساعة، وستين (60) أخرى لمضاعفتها أربع مرات، بينما ثلاثين (30) سنة فقط لتصعيد السرعة أكثر من (400) مرة.

وأما الحديث عن المعطيات المادية (التكنولوجية) فسوف نقتصر فيه على نماذج تعتبر مؤشرات لمؤثراته الخطرة إذا ما استمرت بلا ضوابط… وسنتعرض لبعض آراء كتاب الحضارة المعاصرة في تحليلاتهم لمستقبل المجتمع الصناعي وتصوراتهم لمجتمع ما بعد المجتمع الصناعي.

يقول Alvin Toffler في كتابه المقروء الواسع الانتشار Future Shock (صدمة المستقبل): إن حضارة هذا المجتمع وبتأثير معطياتها الثقافية والمادية قد أنشأت الشخصيات الغربية: فالأطفال في سن الثانية عشرة لم يعودوا أطفالا والكبار في سن الخمسين يتصرفون وكأنهم أطفال في الثانية عشرة.

إن هناك أغنياء بتصرفات الفقراء، ويساريين بثياب اليمين، ويمنيين بثياب اليسار، وهناك ذوو العقل المبرمج (خبراء الكمبيوتر) المدمنون على المخدرات ونوادي الشذوذ الجنسي، وشركات الأفلام الجنسية المتطرفة، ومصمموا الجريمة المنظمة… إن تأثيرات الثورة التكنولوجية المعاصرة ستكون أعمق من أي تغيير اجتماعي مر بنا كجنس بشري.

إن التقدم التكنولوجي قد وضع مقاييس جديدة للجنس البشري فلم يعد سكان المعمورة يقسمون حسب الجنس أو العنصر أو القومية أو الدين أو الإيديولوجية فحسب. بل بعامل الزمن أيضا: فإن 70% من سكان العالم مازالوا يعيشون على الطرق البدائية كالصيد والزراعة فهم سكان الماضي. بينما 25% زمنيا يعيشون في مجتمعات صناعية، فهم سكان الحاضر، وهم النصف الأول للقرن العشرين صهرتهم الآلة.. والتربية الجماهيرية. وأصبحت حياتهم الزراعية مجرد ذكريات… وهناك نسبة ضئيلة (5%) تسكن مراكز العالم الصناعي فهم ليسوا سكان الماضي وليسوا بسكان الحاضر. إنهم سكان المستقبل يخططون لمجتمع ما بعد المجتمع الصناعي الذي سيشهده التاريخ في بداية القرن الحادي والعشرين بما يخبئ من معطيات مجهولة.

إن البحث عن وسائل جديدة للحياة كحركة الهيبيين –مثلا- قد تكون تعبيرا عنيفا عن رفض القيم التي فرضتها التكنولوجيا فأصبحوا يصفون الحياة بأنها (تسابق الفئران).

وقد ينطوي مفهوم الزمن لدى الآباء والأبناء على هوة متباعدة في التفكير فالزمن في نظر الآباء يمر سريعا، بينما في نظر الأبناء هو أقل سرعة، إن وعد الأب الذي يبلغ الخمسين بأن يحصل ابنه البالغ الخامسة عشرة على سيارة بعد سنتين… فإن فترة الـ 730 يوما هذه ليست سوى 4% من عمر الأب الإنتاجي بينما هي تمثل 13% من عمر الابن… كما أن ساعتين من عمر الطفل في الرابعة من العمر تعادل اثنتي عشرة ساعة من عمر والدته في الرابعة والعشرين إن هذا الفارق بين جيلين في الاعتبار الزمني، ينطبق على شعوب الثقافات المختلفة… فإن لكل ثقافة مفهوما للتحرك الزمني.

ويضرب لنا مثلا على ذلك: الروائي الإيراني Esfandlary في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية عندما كان الألمان يبنون خطا حديديا في إيران: فقد عانى الطرفان من التناقض في مفهوم الزمن، بين ثقافة ألمانية أكثر حرصا على الوقت، وبين ثقافة إيرانية تأخذ الوقت بارتياح وارتخاء… لدرجة أن تراجع المهندسون الألمان عن قراراتهم بفصل العمال الذين يتخلفون دقائق عن العمل. عندما تبين لهم أنهم لن يجدوا بعد فترة سوى الأطفال والنساء للقيام بالعمل..

كما يلاحظ الفرق في استيعاب الزمن حتى لدى شعوب الثقافة الواحدة، فسكان المدن الشمالية الإيطالية لا ينظرون بتقدير لبطء الصقليين وكذلك الحال بالنسبة لسكان الولايات الأمريكية الشمالية والولايات الأمريكية الجنوبية.

ويستمر Toffler في تحليله لظواهر المجتمع المعاصر فيصف مجتمع الرحل الجدد New Nomads فإن الرغبة في عدم استقرار الأفراد في مكان معين الدافع لظاهرة البحث عن عمل من مكان آخر. حتى ولو كان العمل غير مناسب. وإذا عجز المرء عن تحقيق ذلك، فإنه يمتلك السيارة لتحقيق رغباته في الحركة والتنقل والترحال: ففي دراسة إحصائية لرغبات الشباب الأمريكي أفاد 67% من الفتيات أن أهم شيء بالنسبة للشباب في نظرهن هو أن يمتلك السيارة… كما عبر عنها الشباب بأنها أساسية لحياتهم… فالشباب الذي لا يمتلك السيارة.. لن يمتلك الفتاة الصديقة.. فإن حجز رخصة القيادة من شاب في السابعة عشرة من قبل والده بسبب السرعة… أدت به إلى اقتراف جريمة الانتحار.

ويمضي Toffler في تحليله قائلا: إن إنسان المجتمع الصناعي لن يشعر بالطمأنينة في البيت مع أنه يقيم فيه.. فهو كالغريب أو المقيم في بلد غريب يتحرك من مكان لآخر تلقائيا، إلى أن يصل به الشعور إلى أنه غريب في أرض غريبة.

لقد امتد تأثير مجتمع الغربة ليشمل الوحدة الاجتماعية الأساسية في المجتمع –وهي العائلة- فلم يعد الزواج في مفهوم الجيل التكنولوجي هو الاستقرار بل أصبح سجنا يحول دون الحصول على المتع المتجددة في الحياة. فنشأ لدى الجيل المعاصر ما يسمى بالزواج التجريبي. وسرعان ما ينتهي بهذا الزواج. ليعود الشباب يبحث عن إطار جديد ينظم فيه علاقاته الجنسية فيختار إطار الحياة الزوجية بلا إنجاب ويلجأ لتبني طفل وربما شرائه… وسرعان ما يغادر هذا الطفل والديه.. وربما لضعف روابط الانتماء والولاء…. ثم يتعرض إطار الحياة الزوجية لوفاة أحد الطرفين… فيلجأ الآخر يبحث عن شريك حياة لتبادل الراحة الجسدية أو المتعة الجنسية بلا مسئولية وعلى أساس تبادل الحاجات وهو ما يعتبره إنسان ذلك المجتمع بالزواج الحقيقي.

وهناك باحث آخر (ثيودور روزاك Roszak) قدم تحليلا موضوعيا آخر للحضارة المعاصرة التكنولوجية في كتابين قرأهما معظم الأمريكيين كتاب (حيث تنتهي الأرض) وكتاب (كيف نضع ثقافة مضادة)، يقول في كتابه الأول:

“إن التكنولوجيا الحضارية هي الوسيلة العالمية للتبادل والمشاركة الثقافية. ولكننا ونحن أصحابها، قد أخطأنا استخدام هذه الوسيلة وملكيتها: فقد اعتبرناها رمزا للتفوق الثقافي.. وجعلنا التكنولوجيا نفسها ثقافة بحد ذاتها ينبغي أن تقلد أو تفرض في أي مكان… فالحقيقة الملموسة هي أن هذه التكنولوجيا، تصحبها الكبرياء الغربية قد عجزت أن تنقل قيمنا، وأيدلوجيتنا، ومعارفنا للآخرين بكفاءة، كما فشلت أن تنقل العالم الثالث النامي ليستقر قيما وأيدلوجيات من غير منابع أصوله وجذوره بل وضعت الحواجز لتحول دون وصول الرسالة الغربية وراء التكنولوجيا وفي المجتمعات الشيوعية: نرى سكان العالم، وقد انتزعت منهم جذورهم… بما تحتويه من معتقدات وقيم… ليعيشوا في ظل نظام لم يكن له في تاريخهم تطور أو نشوء ولم يكن سر نجاحه إن كان استمراره مؤشر نجاح، سوى تقمصه لقيم اجتماعية جماهيرية… ما هي في الواقع سوى برجوازية القرن التاسع عشر العلمية بثوب جديد.

إن ما نريده من فلاسفة وعلماء التكنولوجيا الحديثة هو أن ينهضوا إلى مستوى العصر.. فيستخدموا المعطيات التكنولوجية كبوتقة تلتقي فيها ثقافات الماضي والحاضر كندين على أسس من احترام المضمون والمحتوى الثقافي لكل منهما، خصوصا وأن القوى المتعارف عليها عالميا هي التبادل الدولي: تجاريا، وعسكريا، وتقنيا… ولن يكون أولئك العلماء غير خبراء التكنولوجيا فهم المعنيون بتصحيح مسيرتها وإن نظرة على الظاهرة التقنية في العالم لتوضح لنا أربعة ظواهر:

1-   تسود أمريكا وأوروبا واليابان تقنية تديرها الرأسمالية التي امتزجت بتركيب تلك المجتمعات. فأصبحت جزءا لا يتجزأ من كيانها تتأثر بالمطالب الاجتماعية.

2-   تسود المجتمعات الاشتراكية تقنية عامة تديرها أياد موجهة ومتأثرة بمطالب السلطة السياسة.

3-   تسود المجتمعات النامية تقنية مسرحية نشأت في تلك المجتمعات نتيجة إصرارها ومحاولاتها مواجهة التخلف واللحاق بالركب الصناعي ولم تستطع التوفيق في تيسير إمكاناتها التقنية بين تقنية تخدم المطالب الاجتماعية وبين تقنية موجهة بالمطالب السياسية.

4-   إن من ظواهر القرن العشرين هو التقنية الاستبدادية وربطها بنظام طبقي مثل النازية أو الستالينية أو نظام الأقلية في جنوب أفريقيا حيث مكنت التقنية تلك الأنظمة من إتقان الاستبداد أو الاستعمار.

إن الخبرة التقنية التي نتحدث عنها، والتي تستطيع وضع ضوابط للمعطيات التكنولوجية للحضارة وينبغي أن تهدف إلى تكوين مجتمع صناعي يتسم بالتحديث المستمر، والإبداع المتجدد، والتبرير النفسي، والتخطيط الشامل لتتحقق في المجتمع الحضاري مطالب الكفاءة، والضمان الاجتماعي والتنسيق البعيد المدى القوي بين البشرية والامكانات المادية.

ومع ذلك فإن المتفحص للمجموع الكلي للقيم الحضارية التي تسود المجتمع الصناعي، يرى أنها تتضمن قائمة من القيم الإيجابية، وإن كانت ترجع في أصولها وجذورها للتراث الحضاري الإنساني لمختلف الشعوب والأمم؛ إذ أن تلك القيم جاءت نتيجة لصراع تاريخي طويل في المجتمع ضد الظلم والقلق فالثقافة الغربية، قد تأثرت باتجاهات ثلاث: أولها اتجاه الدورة التاريخية التي سادت المرحلة الإغريقية والكلاسيكية، وثانيها الاتجاه العلماني الذي فرضته حركة الفصام بين الدين والكنيسة، وثالثها الاتجاه التقدمي الذي فرضته الثورات الصناعية والعلمية، وظل تمسك الفكر الغربي بفكرة التقدمية منذ ذلك الحين.

ومن جهة أخرى، فإن أصول الثقافة المادية في المجتمعات الاشتراكية ترجع إلى تصميم ماركس في القرن التاسع عشر ولم يكن هدف ماركس في نظريته الثورية عداء المجتمع بقدر ما كان هدفه تخفيف حدة وطأة اللاسامية على بني قومه اليهود في أوربا.. لقد اجتهد ماركس في أنه إذا ما استبدل الدين بأيدلوجية علمانية، فسيكون مردودها على اليهود مباشرة في اكتسابهم لحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الأنظمة السائدة آنذاك، ويدعم هذا الرأي ما جاء في كتاب هرتزل “الفكرة الصهيونية”.

(إذا ما خاطبنا الغرب، فإننا نخاطبهم بمفهوم الليبرالية التقدمية أي التكنولوجيا والعدالة الاجتماعية، أما إذا ما اتجهنا لمخاطبة الشرق فإن الاشتراكية هي التي تلقى القبول الاجتماعي لدى أجيالهم…) فالاشتراكية في نظر هرتزل يعني إحدى وسائل خلاص الجنس اليهودي.

ويتضح من ذلك، أن المعطيات الثقافية للمجتمعات الاشتراكية يرتكز على فكر بديل للفكر الديني.

الحاجة لبديل حضاري:

إن هذا الاستعراض والتحليل لمقومات الحضارة المعاصرة ينتهي بنا إلى القول:

1-   أن المجتمعات المعاصرة، النامية والمتقدمة والصناعية وتلك التي على أبواب ما بعد الصناعية.. بحاجة إلى معالجة موضوعية مستقبلية لأصول وظواهر تركيبها ومقوماتها.. ولن يكون هذا العلاج بطريقة جزئية أو فرعية، إذ لا بد من أن يكون علاجا شموليا ذا أبعاد ثلاث: البعد الوقائي- الذي يمحص الماضي لبناء المستقبل، ويعالج السلبية التي تظهر من حين لآخر في تركيب المجتمع، والبعد التكيفي- الذي يمكن المجتمع من التكيف السليم لمواجهة المشكلات الجديدة المتجددة للحضارة والبعد الإبداعي- الذي يتضمن استقراء المعطيات الحضارية لإيجاد الحلول البديلة المستقبلية.

2-   إن الغزو الفكري يختلف عن التفاعل الحضاري: فالغزو الفكري جاء نتيجة للغزو الاستعماري العالمي الذي مر بمراحل متعددة، بدأ بالبعثات التبشيرية… ثم عززته الجيوش الغازية، ثم تبع ذلك انتقاء نواحٍ فكرية معينة من حضارته قدمها لتحقيق هدفه الأساسي وهو استمرار التخلف.. فترحلت الجيوش الغازية بعد أن تركت أبواقا تخدم أغراضها الفكرية… أما التفاعل الحضاري فهو جهد إيجابي في الدراسة والبحث والتمحيص لمعطيات الحضارة الحديثة بغية الاختيار أو الاقتباس أو التكيف مع خصائص وظروف الحضارة المحلية.

3-   إن الظاهرة التي تسود المجتمعات المعاصرة هي ظاهرة التحدي الحضاري فالتحدي الحضاري يحدث قبل التفاعل الحضاري.. ويكون التحدي بين حضارتين مزدهرتين كما هو الحال بين المجتمعات الغربية والشيوعية أو بين حضارتين: إحداهما متفوقة والأخرى متهالكة كما هو الحال بين المجتمعات المتقدمة الصناعية والمجتمعات النامية.

4-   إن الحصيلة الحضارية الحديثة لجميع المجتمعات يمكن أن نعتبرها حضارة العالم بأسره لا حضارة أمة بعينها أو مجموعة من الأمم وهذا لا يعني أن ينكر فضل السبق في العطاء الحضاري العالمي، فشعوب العالم أسهمت وتسهم في تغذية هذه الحضارة بدرجات متفاوتة.

5-   إن المعطيات الثقافية للحضارة العالمية تمثل الفكر الإنساني بأكمله ومن الخطأ أن يقف أي مجتمع موقفا سلبيا من ذلك الفكر إذ ينتج عن هذا الموقف السلبي انحرافات نفسية وفكرية خطرة: إما مركب نقص يؤدي إلى الخوف والحذر المفرط والرفض الكلي لكل ما عند الآخر، وإما شعور التسامي الذي يؤدي إلى احتقار ما عند الغير مهما كان على معرفة كثيرة أو قليلة من الحق والخير، وهنا يأتي دور المجتمع في أسلوب الأخذ والعطاء وفق أسس موضوعية.

فالواجب أن تؤخذ العلو الطبيعية والإنسانية والاجتماعية بالبحث والتمحيص والفيصل في ذلك هو مدى مغالبتها وعلميتها.

هذه النتائج تستدعي القول أن المجتمع الإنساني بحاجة إلى بديل حضاري يحول دون طغيان جانب على آخر من جوانبه، كما يؤدي إلى تصاعد الخط البياني لعنصر الخير في الفكر الإنساني، ويمتلك من الصفات ما يمكنه من استيعاب المعطيات الحضارية المتجددة وتمحيصها وتوظيفها لخدمة الإنسانية، إن هذا البديل المنشود يمكن أن نحدد ملامحه بما يلي:

1- المقومات الحضارية:

ينبغي أن تتوافر الأساسيات والمتغيرات والمكتسبات، فالأساسيات هي مجمل العقائد والتصورات التي يبنى عليها تركيب المجتمع، وتكون الأمة والبناء الحضاري، والمتغيرات هي الفرعيات في القيم والعادات التي تساعد الأفراد على التأقلم والتكيف مع كل ما يستجد من معطيات الفكر الإنساني والمكتسبات هي الخبرات التكنولوجية (التقنية) التي يكتسبها أفراد المجتمع في تعرضهم للمعطيات المادية أو التكنولوجية للحضارة العالمية أو الحضارات الأخرى.

2- التكامل الحضاري:

لا بد للمسيرة الحضارية من تكامل في تركيبها ويمكننا أن نحدد هذا التكامل بتوافر العنصر الروحي، والعقل الإبداعي، والإنتاج المادي. إن هذه العناصر الثلاثة متكاملة تعمل على حفظ التوازن في المعطيات الحضارية فلا تطغى المعطيات الثقافية على المادية كما لا تشطح كل منها في مسارات بلا ضوابط.

فالعنصر الروحي يحافظ على سمو المعطيات الحضارية والعقل المبدع يتحدى الجمود والتخلف والاعتماد على اجتهادات وضعت لتناسب ظروفا معينة بدلا من استخدامها لوسائل تساعد على الإبداع. والإنتاج المادي يأتي نتيجة طبيعية وربما حتمية للإبداع العقلي… وإن أي خلل في هذه المعادلة في التوازن سيؤدي بالمجتمع إلى جنوح خطير تجاه عنصر دون العناصر الأخرى.

وفي تصوري أن خير مقياس لهذا التكامل المنشود هو ما رسمه مالك بن نبي أحد مفكري العصر الحديث في العالم الإسلامي حينما ذهب إلى القول بأن ما يتوجب على المجتمع الرائد أن يكون معدا روحيا ليكون قادرا ومؤهلا لقيادة المجتمع الإنساني، وأن تكون لديه مجموعة المعرفة الإنسانية فيتناولها: نقلا، وتمحيصا، وتقييما:

(إن السمع والبصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا). ويذهب المودودي المفسر المعاصر الكبير في تحليل ذلك: فالسمع هو نقل المعارف والمعلومات. والبصر هو تمحيصها ببصيرة نافذة وعقلٍ واع. والفؤاد هو الذي يتولى إصدار الحكم أي التقويم لما هو خير ونافع، أو ما هو شر ضار، من هذه المعارف والمعطيات.

البديل الحضاري:

لقد أصبحت المجتمعات المعاصرة تشعر بالألم الذي صنعته لها حضاراتها حتى كان هذا الألم يؤلف جزءا من كيان تلك المجتمعات… فظهر المفكرون الذين يشيرون إلى المنعطفات الخطرة التي تنتظر مستقبل الحضارة العالمية في كل مجتمع… ويمكننا القول بأن الحضارات المعاصرة والحضارات الغاربة في الماضي والحضارات المستقبلية ليست إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له فيها. إنها سلسلة تتمثل فيها جهود الأجيال المتعاقبة في خطواتها المتصلة في سبيل الرقي والتقدم.

وإن نظرة على هذه السلبية الحضارية لتبين لنا أنها تتضمن حلقات وضاءة من نور وتزين كيانها. إن هذه الحلقات تتمثل في الحقبات التاريخية التي أتيح فيها للتجارب الإيمانية أن تأخذ دورها في ذلك البناء وهي بوادر حضارية كانت توجه جهود البشرية توجيها هادفا إلى التحصيل الحضاري.

إن المجتمعات المعاصرة اليوم رغم ضخامة الحضارة العالمية المعاصرة ما زالت تتخبط في مشكلات معقدة فهي تتعاطى في مكان (حبة) ضد الجهل وتأخذ في مكان آخر (قرصا) ضد الاستعمار، وفي مكان قصي تتناول (عقارا) يشفي من الفقر: فيرفع شعار حقوق الإنسان في مكان يوجد فيه أبشع صور امتهان كرامة الإنسان متمثلة بالعدوان والاستبداد والتفرقة العنصرية، وتبني المدارس والمؤسسات الثقافية العلمية، وتقام على موازاتها مؤسسات الجرائم المنظمة… لقد أصبحت المجتمعات المعاصرة تنتظر البديل.

إن هذا البديل الحضاري لا بد وأن يشتمل على المقومات الحضارية والتكامل الحضاري التي أوردناها قبل قليل لتتوافر فيه أسباب التقدم المتوازن المتمثلة في: دستور خلقي، وذوق جمالي، ومنطق علمي، وصناعة تقنية.

فالدستور الخلقي لا يهتم بالأخلاق من الزاوية الفلسفية بل من الناحية الاجتماعية، هذه الروح الخلقية تولد مع الحضارات لتربط الأفراد بعضهم ببعض.

(وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم. إن الله عزيز حكيم).

أما التوجيه الجمالي، فقد عني به كل من عنوا بالنفس الاجتماعية من علماء الأخلاق، أمثال الغزالي، لدراسة الذوق الجمالي وتقديره في الروح الاجتماعية فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعا إلى الإحسان في العمل وتوخيا للكريم من العادات.

وأما المنطق العملي، فإنه يعني كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه فلا يكون هناك عمل بغير مقاييس مستمدة من واقع الوسط الاجتماعي وأما الصناعة التقنية فتعني الاهتمام بكل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلو التي تدخل في مفهوم الصناعة.

القيم الحضارية المنشودة:

إن المجتمع المعاصر إذا ما توفرات له مقومات هذا البديل الحضاري وتكاملت فيه دساتيره الخلقية والجمالية والعلمية والتقنية، فسوف تسوده قيم إيجابية على مستوى فردي، وجماعي، وعالمي.

فالقيم الفردية ستشمل:

1-   روح الإنجاز والنجاح حيث التنافس الإيجابي لإنجاز العمل والنجاح لذات الإتقان لا لتحطيم أو تفشيل الجهود المماثلة في المجتمع (إتقان العمل عبادة).

2-   روح النشاط والعمل –حيث يكون الفرد منتجا نشيطا في مجتمعه لغايات الإنتاج والتقدم الاجتماعي- الاقتصادي (فالسماء لا تمطر ذهبا) و (اليد العليا خير من اليد السفلى).

3-   روح الكفاءة والفعالية –كفاءة الأفراد في قيامهم بواجباتهم، وفعالية العلاقات والأنظمة التي تربطهم في تحقيق تلك الواجبات (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته)..

وأما القيم الجمعية المنشودة فهي التي تكسب المجتمع المميزات التالية:

1-   الالتزام الخلقي – في السلوك العام لمقاييس المجتمع والحكم على الأمور العامة بمقياس الخير والصواب (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).

2-   المساواة –في تعامل أفراد المجتمع دون عوائق الجنس أو اللون أو الدين أو الطبقات لتوفير تكافؤ الفرص نحو تحسين الأوضاع الاجتماعية- الاقتصادية “فجميع أفراد المجتمع سواسية في الحقوق والواجبات والاعتبارات).

3-   الحرية والديموقراطية المسئولة حيث يمارس المجتمع حرياته العامة ضمن مسئولياته في معادلة سليمة ما بين الحرية والديمقراطية فلا تستغل أو تغطى إحداهما على الأخرى (لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها- متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا- (وأمرهم شورى بينهم).

4-   التقدم الاجتماعي –حيث تطلعات المجتمع لمستقبل أفضل في التخطيط والبناء فلا يحق عطاؤه ولا يجتر ماضيه اجترارا مؤكدا أهمية المستقبل (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

5-   التوازي الفردي- الجماعي: حيث تحكم علاقات الفرد بالجماعات معادلة متوازنة لا يطغى جانب منها على الجانب الآخر.

وأما القيم ذات الطابع العالمي التي يمدنا بها هذا البديل الحضاري فيمكن أن تشمل:

1-   النزعة الإنسانية: حيث الإيمان بالجنس البشري ومساعدته على تلمس طرق إيمانية.. فتنتزع النزعة الوحشية في الجنس البشري والتي تتمثل اليوم في الاستعمار والاستبداد والغزو العسكري والتمييز العنصري، ولمساعدة الشعوب على معرفة طريق الخير والرسالة الإنسانية، فلا تتحول العلوم إلى دين جديد بل وسيلة لإرساء قواعد المسيرة الحضارية لخير البشرية.

(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس).

2-   القيمة الإنسانية للإنتاج المادي: حيث يرتبط الإنتاج المادي لتوفير السعادة للإنسان، ليس بالإصلاح الاجتماعي- الاقتصادي فحسب بل بتكريس الطمأنينة في النفس البشرية.

النزعة اللاعنصرية في التفوق الحضاري -حيث تتلاشى فكرة أهمية وجود عنصرين- كعنصر الرجل الأبيض، أو الرجل البروليتاري- لتحقيق التقدم الحضاري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر