قراءات

نقاط التجاذب والخلاف في الفقه الإسلامي للمستشرق كولسون

العدد 3

أصل هذا البحث كتاب باللغة الانجليزية عنوانه :

Conflicts and Tensions in Islamic Jurisprudence

وهو عبارة عن ست محاضرات ألقاها المؤلف في اكتوبر سنة ۱۹65 بجامعة شيكاجو بالولايات المتحدة (مركز دراسات الشرق الأوسط) ثم جمعت في كتاب نشرته سنة ۱۹۹۹ دار النشر : The University of Chicago Press والمؤلف Noel J، Coulson استاذ الشريعة الإسلامية بمعهد الدراسات الافريقية والآسيوية بجامعة لندن، وله عدة كتب ومقالات عن الشريعة الإسلامية منها كتاب عن تاريخ الفقه الإسلامي وآخر عن الميراث في الشريعة الإسلامية.

ونورد هنا تلخيصاً وافياً للمحاضرات الست التي تضمنها الكتاب موضوع هذا العرض.

الوحي والعقل

توصف الشريعة الإسلامية بأنها شريعة الوحي وشريعة الفقهاء، وهذا التناقض الظاهري في الوصف يكشف عن وجود توتر أساسي في النظام الذي يتجاذبه الوحي الإلهي من ناحية والمنطق البشري للفقهاء من ناحية أخرى.

ومن الواضح أن المصدر الأساسي للفقة هو الوحي الإلهي من كتاب وسنة.

وقد تميزت المائة وخمسون سنة الأولى من التاريخ الإسلامي بحرية المنطق القانوني في حل المسائل التي لم ينظمها الوحي الإلهي الذي كان يعتبر تعديلا في حالات محددة للعرف القائم، بمعنى أن ما لم يعدله الوحي من هذا العرف بقي قانونا عرفية له قوته، فاذا ما جدت مسائل لا يحكمها العرف او الوحي الإلهي كان حلها على أساس ما يستنسبه القاضي او الفقيه في رأيه الشخصي المبني على الاعتبارات التي يراها مناسبة في كل حالة، وهذه هي مرحلة “أهل الرأي” التي كان للقانون الإسلامي فيها أساس واضح الإزدواج مكون من منطقتي الأمر الإلهي والرأي البشري.

ولكن هذا الموقف لم يلبث أن جوبه بالاهتمام المتزايد بالبحث الديني الذي أدى إلى قيام مجموعة من الفقهاء انطلقت من مبدأ أن جميع مظاهر السلوك البشري يجب بالضرورة أن تنظمها الإرادة الإلهية، والا كان اعمال الرأي البشري في مسائل القانون بمثابة اشراكه مع الله في سلطة التشريع ومن هنا ظهر أهل الحديث، في مقابل “أهل الرأي، الذين كانوا يرون أن حرية اعمال العقل البشري في وضع القانون لها أساسها الشرعي فضلاً عن أنها ضرورة، ومن هذه المواجهة بين الفريقين قام اول نزاع أساسي من حيث المبدأ بين الفقهاء ووضع في الميزان التوتر بين العنصر الإلهي والعنصر البشري في القانون.

جاء الأمام الشافعي ليضع صيغة التوفيق في هذا النزاع بما جعله يستحق لقب ابو الفقه الإسلامي وكان منطلقه من أولوية الحديث حيثما وجد، وفي حالة عدم وجوده فالضرورة تقضي باعمال العقل البشري ولكن ليس على أساس “الرأي” أي لا يمكن للرأي أن يكون مصدرة للقانون منفصلا عن الإرادة الإلهية، بل على أساس أن الله أمر بذلك، أي أن تكون وظيفة العقل هي تنظيم الحالات الجديدة على أساس المبادىء التي نظم الوحي الإلهي حالات مشابهة على أساسها، وذلك بطريق القياس.

وفي مرحلة لاحقة اعترفت النظرية القانونية بوجود حالات يكون الحل المبني على القياس فيها غير عادل وأعطي العقل فيها مزيدا من الحرية تقرب من “الرأي” عند الاقدمين، وأطلق عليها اصطلاحي “الاستحسان” (العدالة) “والاستصلاح” (المصلحة العامة) ولم يعد ينظر إلى هذين الأصلين كمظهر لحرية العقل البشري بل كمقصدين من مقاصد الوحي الإلهي يقع على عاتق الفقه عبء تطبيقهما في حالة غياب النص.

وهكذا اكتملت للنظرية القانونية التقليدية فكرة القانون كنظام للأوامر الإلهية شامل لكل الحالات ومأمور به مسبقا، وكمثال تطبيقي لتوضيح عمل هذه العوامل المختلفة عرض المؤلف لمسألة من المواريث هي المسألة الحميرية التي قضى بها عمر بن الخطاب وما رتبه عليها الإمام مالك في مسألته.

وبعد أن ناقش المسألة بتفاصيلها وحجة كل رأي فيها، خلص إلى تقرير أن خيوط الوحي الإلهي والعقل البشري متشابكة ومتداخلة بصورة لا تقبل الانفصال.

وأن الشريعة الإسلامية على ضوء ذلك تعتبر في نفس الوقت شريعة الهية وقانوناً من صنع الفقهاء، وان هاتين الصفتين لا تعارض احداهما الأخرى.

الوحـدة والتعدد

ان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “إختلاف امتي رحمة” يفسر ويبرر ظاهرة الإختلاف الواسع في نظريات الفقه الإسلامي، وبمعنى آخر فإن التوتر بين الوحدة والتعدد في النظرية القانونية الإسلامية هو نتيجة طبيعية – ولا يمكن تفاديها – للتوتر الذي تحدث عنه قبلا بين عنصري القانون الإسلامي :

الوحي الإلهي الذي يمثل العامل الثابت المستمر، والعقل البشري الذي يمثل العامل المختلف المتغير في الفقه الإسلامي، كما أن هناك سببا آخر هو التفرقة بين ما هو مثالي وبين واقع الأمور، كما هو مشاهد مثلا من تعدد الدول الإسلامية رغم أن النظرية السياسية الإسلامية ترتكز على مثالية وحدة الأمة الإسلامية تحت ظل خليفة واحد، وقد عبروا عن عمق ظاهرة تعدد الآراء وإختلافها في الفقه الإسلامي بقولهم : “من لا يعرف الإختلاف لا يشم رائحة الفقه”.

وإذا نظرنا إلى دائرة السنة وجدنا الخلاف يتبلور في أربع مدارس فقهية، أقدمها مدرستان : الحنفية والمالكية اللتان نشأت كل منهما كتعبير عن العرف القانوني لبيئة جغرافية حيث نشأ المذهب الحنفي في الكوفة (توفي أبو حنيفة سنة ۷۹۷ م) والمالكي في المدينة (توفي مالك سنة ۷۹۹ م)، وعكست كل من المدرستين الأعراف الاجتماعية للبيئة المحلية واتخذت كل منهما موقف من حالة الإجتهاد بالرأي التي كانت قائمة في ذلك الحين، بينما قامت المدرستان الأخيرتان : الشافعية والحنبلية نتيجة الخلاف الفقهي الناشىء خلال القرن التاسع الميلادي حول مصادر الشريعة، فكون تلامذة الشافعي (المتوفي سنة ۸۲۰ م) – الذي بلور فكرة الإجتهاد بالقياس – مذهبه، وبعد حوالي ثلاثين سنة، كونت مجموعة أخرى من الفقهاء بقيادة احمد ابن حنبل (المتوفي سنة ۸55 م) المذهب الحنبلي الذي نافح عن السنة واعتبرها ضحية لطرق الإجتهاد التي اعتمدتها المذاهب الأخرى.

على أنه في أواخر القرن التاسع الميلادي كانت المدارس الأربعة قد أرست نظرية مشتركة في مصادر القانون، وكنتيجة لاعتراف كل منها بالهدف المشترك أفسحت المنافسة القديمة المجال لنوع من التعايش السلمي، وأصبحت نظرتها المتبادلة أن كلا منها تعبير مشروع عن محاولة التعرف على الشريعة الإلهية، وتتمتع جميعا بنفس المكانة والسلطة.

وقد أمكن تحقيق هذا الإنسجام أساسا بفضل مبدأ الإجماع الذي يعتبر معيارة شرعية في الإسلام سواء في إعطاء معنى محدد لنص قرآني أو في إعطاء حل المسألة غير منصوص عليها، ففي كلتا الحالتين يصبح الرأي المجمع عليه معصومأ وينتقل من رتبة الظن إلى رتبة العلم.

وهكذا أصبح الإجماع المظلة التي تضم مختلف المدارس الفقهية، وأصبح الفقهاء – حين لا يمكنهم الإتفاق – متفقين على أن يختلفوا، ولا يمكن لرأي أن يدعي أنه هو الحق دون الآخرين، والعبارة التي يختتمون بها نقاشهم لمسألة خلافية هي “والله أعلم”.

وهكذا تقررت وحدة القانون الإسلامي باعتبار المذاهب الأربعة تعبيرة متعددة عن الحقيقة الواحدة، ومن الناحية العملية تحددت المناطق الجغرافية لنفوذ كل من هذه المذاهب فساد المذهب الحنفي بالشرق الأوسط الذي تمثله الآن تركيا وسوريا ولبنان والعراق والأردن ومصر والسودان، وكذلك في شبه القارة الهندية.

أما المذهب المالكي فقد انتشر في شمال وغرب ووسط أفريقيا، وساد المذهب الشافعي في شرق افريقيا وجنوب الجزيرة العربية وجنوب شرق آسيا.

وأصبح المذهب الحنبلي قانون العربية السعودية.

واتجهت المذاهب إلى تأكيد وحدتها والتهوين من شأن خلافاتها.

على أن الخلافات بينها في الحقيقة تذهب في بعض الأمور الجوهرية أبعد من ذلك، فلكل مدرسة خصائصها المتميزة من ناحية القيم الإجتماعية والمبادىء القانونية، ويمكن توضيح ذلك إذا بحثنا موقفها من بعض مسائل الأحوال الشخصية، وعرض المؤلف كمثال لذلك الخلاف بين الحنفية وباقي المذاهب في مسألة الولاية على البنت وأثرها على ولاية التزويج حيث يعتبر الحنفية سن بلوغ الرشد للفتاة الخامسة عشرة – (صحة رأي أبي حنيفة السابعة عشرة) – ان لم تكن قد بلغت بلوغة طبيعية بعد التاسعة – وتملك حينئذ التصرف في مالها، وفي نفسها بالتزويج دون تدخل وليها، بينما المذاهب الأخرى لا تملك البكر فيها تزويج نفسها ولوليها أن يجبرها على الزواج دون اعتداد برأيها (في المسألة تفصيل بين المذاهب بل وداخل المذهب الواحد ورأي المالكية حتى تعنس ببلوغ الثلاثين أو الثالثة والثلاثين).

ويرجع المؤلف هذا الخلاف إلى ظروف نشأة كل من المذهبين إذ نشأ المذهب المالكي في المدينة حيث السلطة الأبوية القبلية قائمة بينما نشأ المذهب الحنفي في الكوفة حيث كان للتأثير الفارسي ولحياة الحضر أثر في اكتساب المرأة وضعة أرفع نسبية وبالتالي الاعتراف بحقها في عقد زواجها بنفسها.

ثم انتقل المؤلف من هذا المثال الذي يرجع الخلاف فيه إلى ظروف إجتماعية مختلفة إلى مثال آخر انقسمت فيه المذاهب على مبدأ قانوني بحت، وهو موضوع العلاقة الزوجية فبحث مسألة الشروط التي يتضمنها عقد الزواج إذا كانت تعدل أو تتنافى مع مقتضى العقد كشرط امتناع الزوج عن الزواج بأخرى، وبحث مبدأ “الإباحة الأصلية” وأوضح كيف أن المذاهب اعتبرت أنه الامجال لتطبيقه في هذه المسألة وبالتالي يصبح الشرط باطلا، فيما عدا المذهب الحنبلي الذي رأى أن المبدأ ينطبق بمعنى أن الشرط جائز وفي حالة مخالفة الزوج له يحق للزوجة الأولى طلب الطلاق من القاضي.

ثم انتقل إلى الخلاف بين السنة والشيعة الذين يتمركزون في ايران فضلاً عن وجودهم في الهند وشرق افريقيا والعراق، وعرض للخلاف في مسألة زواج المتعة حيث يجيزها الشيعة بينما لا يقتصر موقف السنة على اعتبارها باطلة من الناحية المدنية بل تجريمها جزائيا وعقاب فاعلها على أساس الزنا، كما عرض للخلاف في الميراث حيث يعتبر الشيعة أن الفرائض التي جاء بها القرآن ألغت تماماً النظم العرفية التي كانت قائمة عند العرب، بينما يرى السنة أن ما لم يلغه القرآن من هذه النظم يظل سارية وهكذا يورث السنة البنت النصف وابن العم النصف بينما يورث الشيعة البنت كل الميراث ولا شيء لابن العم، وبعبارة أخرى ليس للعصبة أي وضع ممتاز في نظام الميراث عند الشيعة.

وهكذا يتبين أن النظام القانوني الإسلامي في عصوره القديمة والوسطى كان متباينة بصورة شديدة، أما منذ العصور الوسطى فقد بدأت تخف حدة الخلاف حتى أصبحت الآن في واقع دول الشرق الاوسط شبه مختفية تماماً، وعرض الاتجاه ابن قدامة (الحنبلي أصلاً) في مناقشة مسائل الخلاف في كتابه المغني وعدم تمسكه برأي الحنابلة إذا وجد حجة غير هم أقوى، وما نتج عن ذلك من إعطاء الفقه الإسلامي صفة النظام القانوني المقارن،، ثم انتقل إلى بيان أن الفقهاء اقروا حق كل مسلم في أن يتبع المذهب الذي يختار، وان المحكمة ملزمة بتطبيق هذا المذهب عليه، بل انه من المقرر آن للفرد أن يعدل عن مذهبه في مسألة بعينها ونقل نصاً لابن تيمية في ذلك (مجموع الفتاوي ۲/ ۳۸۷).

ثم تحدث عن حركة تقنين أحكام الأحوال الشخصية في مختلف البلاد الإسلامية وأنها مظهر واضح لاتجاه التوفيق بين الآراء من مختلف المذاهب على أساس حق السلطة السياسية في اختيار رأي واحد من بين الآراء المعتمدة والزام المحاكم بتطبيقها دون غيرها، وان هذا الإختيار على أساس الأنسب إجتماعية وفقاً لمتطلبات وظروف الجماعة.

وأوضح المؤلف أن أحد الإتجاهات البارزة في مجتمع الشرق الأوسط الآن هو حركة تحرر المرأة وتحسين وضعها القانوني، وأنه – على هذا الأساس – أخذ التقنين التونسي للأحوال الشخصية سنة ۱۹5۷ (وتونس بلد مالكي) برأي الحنفية في أهلية البنت لعقد زواجها بنفسها (خلافا للمذهب المالكي) بينما أخذ التقنين السوري للاحوال الشخصية سنة ۱۹5۳ (وسوريا بلد حنفي) برأي المالكية المخالف للمذهب الحنفي في حق الزوجة في طلب الطلاق للضرر بسبب قسوة الزوج أو هجره لها أو عدم أنفاقه عليها، ثم ان الزوجات (المالكية في تونس والحنفية في سوريا) استفدن من رأي المذهب الحنبلي في شروط عقد الزواج التي أشرنا إليها فيما سبق وأصبح لهن حق طلب الطلاق إذا خالف الزوج هذه الشروط.

أما في العراق فقد أخذ قانون سنة ۱۹6۳ برأي الشيعة في الميراث وأصبح نظام الميراث الشيعي مطبقة على جميع المواطنين العراقيين (حيث النصف تقريبا من السنة والنصف من الشيعة).

وهكذا اتجهت البلدان الإسلامية نحووحدة القانون باعتبار ان حركة التقنين تجعل القانون الوطني نافذة على الجميع بعد أن كان يطبق على كل فرد مذهبه الخاص.

وقد أدت طريقة الفقه المقارن التطبيقي هذه إلى توفيق عدد من الآراء والنظريات التي كانت مختلفة بين بلد وآخر، ونتج عن مبدأ الاختيار والاصطفاء مواءمة القانون الظروف المجتمع المسلم في كل بلد، وهي طريقة صحية ذات هدف اجتماعي، وقد أعطت بلا شك مفهومة عملية أعمق للحديث النبوي : “اختلاف أمتي رحمة”([i]).

الالتزام والتحرر

يناقش المؤلف هنا مدى الحرية التي يتمتع بها القاضي المسلم في تحديده للقانون، سواء في ظل العصور الأولى أو في الدول الإسلامية المعاصرة.

ويتساءل هل كان يتمتع القاضي المسلم بحرية تفسير النص القرآني أو الحديثي أو حرية الإجتهاد لحالة جديدة أم أنه كان ملزمة باتباع مرجع معترف به؟ لا شك أن الفقهاء الأوائل كان لديهم الحرية الكاملة، ولا شك كذلك أنه مع الزمن أصبح للاجتهاد قواعده ونظرياته والأهم من ذلك أنه أصبحت له مدارسه ومذاهبه التي يحظى فيها إمام الذهب باحترام كبير يصل إلى حد تقديس الأشخاص وان كان ذلك رغم معارضة هؤلاء الأئمة أنفسهم، والعجيب أنه رغم ما أكده الإمام الشافعي من رفض الاتباع الأعمى لتعاليمه، فقد تكون مذهبه عقب وفاته نتيجة الاخلاص لشخصه والتبعية له، وهكذا أصبحت كتب هؤلاء الأئمة “أمهات الكتب” واتجهت الجهود من بعدهم إلى شرحها وتفسيرها، ووجد الشعور بأن الاجتهاد قد أدى غرضه وأنتج ثمرته، وان المزيد من الاجتهاد سيكون عديم الغرض أو الفائدة وهكذا أغلق باب الإجتهاد في أوائل القرن العاشر (الميلادي) وأنكر على الفقهاء التابعين حقهم في الإجتهاد وأخضعوا لمبدأ “التقليد” لأسلافهم، ولم يعد للفقيه أو للقاضي حرية النظر في نص القرآن أو السنة أو البحث بطريق القياس أو الاستحسان كما كان عمر بن الخطاب ومالك بن أنس يفعلان.

وقد طرحت عدة تفسيرات كسبب لإقفال باب الاجتهاد منها السبب السياسي الناتج عن غزو المغول البلاد الإسلام أو عن الفساد المنتشر في ذلك الزمان، وفي رأي المؤلف أن هذه التفسيرات غير صحيحة وغير ضرورية معا، إذ أن الفقهاء المسلمين، شأنهم شأن زملائهم في باقي بلاد العالم، وقافون عند السوابق، والغرض الرئيسي للقانون عندهم هو استقرار النظام الإجتماعي وقد عرفت نظم قانونية أخرى في التاريخ فترات مشابهة ظل فيها القانون ثابتا وقواعده مستقرة لا لسبب إلا لأنه يسير في الخط الموافق لمزاج المجتمع الذي وضع لضبط شئونه وحين يتغير هذا النظام الإجتماعي يضطرب القانون المستقر وتهتز سلطته، ويظهر أن القانون الإسلامي ليس له من الحصانة ضد هذه القاعدة العامة أكثر مما لأي نظام قانوني آخر وإذا كان القانون الإسلامي قد ظل ثابتة فترة طويلة جداً، فإن مرجع ذلك إلى أن المجتمع الإسلامي نفسه ظل ثابتة طيلة هذه المدة، ولم يقم في الواقع أي داع لتحدي سلطة الكتابات الفقهية منذ العصور الوسيطة إلى ما قبل عشرات السنين من القرن الحالي.

والآن حين تقبل المجتمع الإسلامي قيمة ومستويات من السلوك مختلفة، فقد اهتز الفقه التقليدي وتعرض مبدأ التقليد نفسه للمناقشة.

ورغم أن فقهاء مثل الإمام محمد عبده وفلاسفة مثل محمد إقبال قد رفضوا صراحة نظرية التقليد إلا أنه من الناحية العملية لم تبدأ ممارسة الفقهاء والقضاة المسلمين حرية النظر في أحكام الشريعة على أساس الإستقلال في تفسير النصوص الأصلية للوحي الإلهي الا منذ حوالي عشرين سنة ([ii]).

وضرب المؤلف لذلك مثلا الطلاق بإرادة الزوج المنفردة، هناك إجماع من الفقهاء القدامى على أن سلطة الزوج في هذا الشأن مطلقة ولا رقابة للقاضي أو غيره من السلطات الرسمية عليها، أما الآن فقد نص قانون الأحوال الشخصية السورى سنة 1953 في مقدمته على أن المقاصد الحقيقية الطلاق في الإسلام أسماء الفقهاء القدامى فهمها وانحرفوا بها عن طريقها مما أدى إلى فقدان الأمن في الحياة الزوجية، وان علاج ذلك هو بالرجوع إلى مصادر الشريعة خارج المذاهب الأربعة لوضع الأحكام المؤدية إلى الصالح العام.

وبعد هذا التفسير العام في مقدمة القانون، اقتصر التطبيق في مسألة الطلاق على أمرين خرج فيهما عن الفقه التقليدي : أولهما أن الطلاق بلفظ الثلاث أصبح يقع واحدة، والثاني أن المحكمة إذا رأت أن الزوج قد طلق دون سبب معقول وان الزوجة قد أصابها ضرر من جراء ذلك، فإن المحكمة تحكم بالزام الزوج بدفع تعويض إلى الزوجة (المادة ۱۱۷) وهذه هي المحاولة الحدية الأولى منذ ثلاثة عشر قرنا من الفقه التقليدي لوضع رقابة على حق الزوج في الطلاق، إذ لأول مرة يصبح دافعه إلى الطلاق موضع بحث وتصبح للزوجة حماية قانونية في حالة إساءته إستخدام الطلاق.

وقد أرجع الفقهاء السوريون هذا الحكم إلى النصوص القرآنية التي تأمر الأزواج بأن يسرحوا زوجاتهم “بإحسان، وبأن على الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم “رزقهن وكسوتهن بالمعروف، “والمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين.

وقد جاء القانون التونسي للأحوال الشخصية سنة ۱۹5۷ بخطوات أوسع في باب الإجتهاد إذ قرر أن أي طلاق خارج المحكمة لا يترتب عليه أي أثر قانوني ولكن المحكمة يجب عليها أن تصدر حكم الطلاق إذا أصر الزوج على ذلك وللمحكمة سلطة تقدير الظروف وتقرير ما إذا كان الزوج يلزم بدفع تعويض للزوجة ومقدار هذا التعويض، وقد اعتمد الفقهاء التونسيون في ذلك على الآية القرآنية “وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكمة من أهلها” على أساس أن رغبة الزوج في طلاق زوجته تمثل قمة الشقاق بين الزوجين وان المحكمة هي أصلح جهاز للقيام بمهمة التحكيم.

ومن ناحية أخرى – وهذا هو الأهم – فقد نص القانون التونسي على أن المحكمة تصدر حكم الطلاق في ثلاث حالات : حالة وجود سبب كمرض بدني أو عقلي أو مضارة من أحد الطرفين للآخر، وحالة الإتفاق بين الطرفين على الطلاق، وحالة اصرار أي من الطرفين على طلب الطلاق وتقدر المحكمة حينئذ التعويض اللازم دفعه، وبذلك يكون القانون التونسي قد وضع الزوجة في نفس وضع الزوج بالنسبة لموضوع الطلاق.

ويمكن إرجاع ذلك على كل حال إلى الآية القرآنية “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة”.

وأغلب الظن أنه لا يوجد في العالم اليوم قانون آخر للطلاق يؤكد بصورة إيجابية حاسمة فكرة أن الطلاق يجب ان يكون ممكنا إذا كان مصير الزواج الفشل، كما فعل ذلك القانون التونسي.

وانتقل المؤلف بعد ذلك إلى مثال آخر من الهند وباكستان حيث رجوع المحاكم للسوابق القضائية أكثر من رجوعها إلى كتب الفقه، وكانت السوابق القضائية بطبيعة الحال تعترف لمدة طويلة بالسلطة الملزمة الكتب الفقه، غير أنه في سنة ۱۸۹۷ قضت المحكمة في دعوى آغا محمد ضد كلثوم بيبي بقبول طلب الزوجة المتوفى عنها زوجها نفقة سنة من تركته بالإضافة إلى حصتها الشرعية من التركة، معتمدة في ذلك على الآية القرآنية “والذي يتوفون منكم، متاعة إلى الحول غير إخراج،.” علما بأن كتب الفقه المعتمدة لا تعطيها هذا الحق إذ تعتبر أن هذه الآية نسخت بأية الميراث وعلى هذا الأساس ألغت المحكمة العليا Privy council هذا الحكم.

وقد تدخل المشرع الوضعي في مناسبتين هامتين أولاهما بإصدار القانون الخاص بطلاق المسلمين سنة ۱۹۳۹ الذي قرر – خلافا للمذهب الحنفي- حق الزوجة في طلب الطلاق على أساس قسوة الزوج عليها أو هجره إياها أو إمتناعه عن الإنفاق عليها، والمناسبة الثانية هي قانون الأسرة المسلمة الباكستاني الصادر سنة ۱۹6۱ الذي أنشأ مجالس تحكيم مكونة من ممثل عن الزوج وممثل عن الزوجة ورئيس محايد، والزم الزوج الذي يطلق زوجته – تحت عقوبة الغرامة أو الحبس – أن يبلغ رئيس المجلس عن وقوع الطلاق، ولا يعتبر الطلاق نافذاً إلا بعد 90 يوماً من التبليغ الكتابي، وخلال هذه الفترة يحاول مجلس التحكيم إصلاح ذات البين، ومن المحتمل ان هذا النظام قد قضى على الطلاق بلفظ الثلاث الذي كان يعتبر نهائيا وبائنا، ولكن يبدو أن هذه المجالس لم تحكم بأي تعويض للزوجة على الزوج كما أنها لم ترفض ايقاع أي طلاق، بحيث يمكن القول أن أثر هذا القانون أضعف بكثير من زميلية السوري والتونسي المشار اليهما سابقاً.

ولكن أمام عجز القانون خطى القضاء في سبيل اعطاء الزوجة حق طلب الطلاق بصورة مماثلة تقريبا لحق الزوج بإرادته المفردة، وذلك في القضية الشهيرة بلقيس فاطمة ضد نجم الأقران قريشي التي صدر فيها حكم المحكمة العليا في لاهور سنة ۱۹5۹ بتطليق الزوجة مقابل إعادة ما قبضته من زوجها، وذلك على أساس أن الآية القرآنية التي أقرت نظام الخلع تبيح للمحكمة أن تقرر الخلع دون موافقة الزوج “فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، فللمحكمة أن تنظر فيما إذا كان بإمكان الزوجين أن يقيما حدود الله وفي حالة تقديرها لعدم إمكان ذلك – وليس لأي نزوة طارئة – تقرران حالة الزواج المتجانس الذي بهدف اليه الإسلام ليست ممكنة، وفي هذه الحالة تلزم الزوجة بإعادة ما قبضته من الزوج، وواضح أن هذا التفسير من المحكمة للآية القرآنية مستقل تماماً عن رأي الفقه الحنفي التقليدي، وان كان المذهب المالكي كما هو مطبق في المغرب وتونس ونيجيريا كان يقر دائما إمكان حصول الحلم إذا أصرت الزوجة رغم عدم موافقة الزوج، وان كان رأي المذهب المالكي هنا مبنية على آية قرآنية أخرى “وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها.” وقد صدرت بعد ذلك عدة أحكام من المحاكم الإستئنافية في باكستان تقرر حق المحاكم في مخالفة كتب الفقه القديمة وعدم التقيد بنظرية التقليد وقد توج هذا الإتجاه بحكم المحكمة العليا سنة 1967 في قضية خورشيد بيبي ضد محمد أمين.

وهكذا بدأت التقنينات في الشرق الأوسط وأحكام المحاكم في باكستان تتحرر من قبضة كتب الفقه التقليدية وان كان ذلك ما زال هو الاستثناء لا القاعدة – على أنه من المقرر أن أي مخالفة للفقه التقليدي ينبغي أن تؤسس بوضوح على تعاليم الكتاب والسنة أو على الأقل لا تكون مخالفة لها

 

المثالية والواقعية

إذا كان محور اهتمام المؤلف في الفصول السابقة هو تطور النظرية القانونية الإسلامية بواسطة الفقهاء، فإنه يتجه هنا إلى التطبيق القانوني أو إدارة العدالة بواسطة المحاكم الرسمية للدولة الإسلامية.

لم يكن تعيين القاضي فيما مضى أمرة يثير تطلع الفقهاء أو رغبتهم بل العكس هو الصحيح فكم من فقيه رفض المنصب حين عرض عليه، وكم من فقيه تعرض للإيذاء والإهانة بسبب هذا الرفض ويذكر المؤلف هنا مثالاً قصة ابن فاروق المالكي سنة ۷۸۸م في مدينة القيروان، كما يشير إلى غيرها من الأمثلة التي ذكرها في مقال له بمجلة معهد الدراسات الشرقية والافريقية بلندن سنة 1956، ويشير بذلك إلى أن فكرة المثالية قد تبلورت اتضحت في الفقه الإسلامي، غير أن الأمر لم يكن كذلك في البداية فقد كانت النظرية والممارسة في بدء الإسلام متداخلتين، بل لقد نشأ الفقه من ممارسة القضاء بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه من بعده والقضاة الأوائل، وكان الفقهاء الرواد أصحاب المذاهب الفقهية ذوي نظرة عملية، فموطأ مالك – أقدم مدونة فقهية إسلامية – يعتمد أساسا على الإعتراف بالممارسة القانونية الفعلية أي عمل أهل المدينة، كما أن أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة كان قاضي القضاة في عهد هارون الرشيد.

ومع الحوار الذي بدأ في نهاية القرن الثامن الميلادي والذي نتج عنه فيما يظهر نظرية مصادر القانون الإسلامي، نشأ مبدأ أن الفقه نظام للتعاليم الإلهية شامل ومأمور به سلفا، وأنه نظام قانوني مستقل عن المجتمع، لا ينشأ من المجتمع وإنما يفرض عليه من أعلى، وكان الشعور أن التوصل إلى معرفة هذا القانون “النقي، إنما يتم أحسن ما يكون في عزلة عن الممارسة، وهكذا أصبح علم الفقه علما مجردا قانعا بترك تطبيق تعاليمه – كمسألة دنيوية – إلى المسئولين الرسميين في الدولة وقد أدت هذه “المثالية” من فقهاء القرون الوسطى الذين فضلوا اتخاذ موقف المستشارين الروحيين الضمير الإسلامي على ممارسة أموره بصورة عملية، أدت هذه المثالية إلى تميز النظرية القانونية عن التطبيق القانوني وتميز دور الفقيه عن دور القاضي.

وهكذا وجد توتر ذو مغزي خاص بين المثال القانوني والواقع الإجتماعي وموضوع هذا الفصل هو بيان مدى ترجمة النظرية “النقية، إلى ممارسة عملية، ومدى مطابقة الواقع القانوني للنظام المثالي للشريعة كما تصوره الفقهاء، وأول مسألة يجب الوقوف عندها هي الطريقة التي تصور بها الفقهاء إدارة القضاء.

فبالنسبة للمحاكم وضع الفقه نظام القاضي المفرد، بمعنى أن تعدد القضاة في هيئة محكمة واحدة وكذلك نظام الإستئناف ليس واردة، ومن ناحية آخري فنظام المحلفين غير موجود إذ يبحث القاضي الوقائع والقانون معا، وكذلك نظام المحاماة غير وارد، وذلك لأن صراحة نظام المرافعات والاثبات تجعل الوصول إلى الوقائع أجراء “أوتوماتيكية”.

واستطرد المؤلف في بيان نظام الشهادة في الفقه وشروط الشاهد من ذكورة وبلوغ وإسلام وعدالة، وضرورة انصراف الشهادة إلى المعرفة الشخصية الشاهد، وبالتالي استبعاد الدليل المستمد من الظروف والقرائن إلا إذا كانت من القوة بحيث تبدو للمراقب الخارجي حاسمة، وتناول تطبيق هذه الاشتراطات في جريمتي الزنا والقتل، كما عرض لنظام القسامة، والإثبات بشاهد واحد ويمين المدعي، وكذلك اليمين الإنكار ولرد اليمين على المدعي.

وخلص من ذلك إلى أن نظام الإثبات في الفقه الإسلامي لا يترك للقاضي سلطة تقدير الأدلة المعروضة أمامه، كما لا يتيح فرصة التأكد من صدق الشاهد أو دقته عن طريق المناقشة من قبل الخصم أو أي طريق آخر، كما أن القاضي لا يستطيع أن يزن الدليل الذي يقدمه أحد الخصمين مقابل الدليل الذي يقدمه الخصم الآخر، ويصل إلى ترجيح أحدهما على الآخر، ان أمام القاضي مهمتين مبدئيتين : أن يحدد أي الطرفين عليه عبء الإثبات، ثم أن يحدد ما إذا كان الشهود تتوافر فيهم الشروط المطلوبة فإذا حدد هذين الأمرين وأخذت الإجراءات طريقها فإن الحكم يتحدد بصورة “أوتوماتيكية”، أن الفقهاء الذين وضعوا هذا النظام للإثبات أرادوا – فيما يظن – أن يجنبوا القاضي أي مسئولية مباشرة عن إساءة تطبيق القانون الإلهي، إذ أن المسئولية تقع في هذه الحالة على الطرفين، أن الخوف من إساءة تطبيق القانون كان السبب الرئيسي لتهرب الفقهاء من تولي منصب القضاء.

وهكذا يعكس نظام الإثبات مثالية الفقهاء المسلمين، وترتكز صرامة النظام على مبدأ أن إفلات عدة مجرمين من العقاب خير من إيقاع الظلم ببريء واحد، وأوضح ما يكون هذا الموقف بالنسبة لإثبات جريمة الزنا، وفي الواقع يضع هذا النظام عبأ غير واقعي على عاتق الإتهام، وفي حالة عجز الإتهام عن تقديم الدليل المطلوب فإن على المتهم اليمين لإثبات براءته، ولا شك أن أداء اليمين أمر ليس بالسهل فان كثيراً من المتهمين يرفضون أداء اليمين.

وواضح أن هذا النظام مظهر للإعتماد على العقيدة الدينية، ويفترض آن، اعتبارات الحرية الجسدية والسعادة في هذه الحياة تتوقف على الرضا الروحي بالحياة الآخرة.

وأخيراً، فإن للقاضي حين يجد أمامه الأدلة متعارضة أن يمتنع عن الحكم، وهذا أوضح مظاهر المثالية في هذا النظام.

وبسبب هذه النزعة المثالية في نظام الإجراءات والإثبات والقيود المفروضة على الشريعة كنظام عملي، نشأت جهات قضائية أخرى خلاف القاضي منذ عصر مبكر، وقد أخذت هذه الجهات صورة شي يجمعها ومنصب القاضي مبدأ واحد هو استمدادها سلطانها من الحكم السياسي الذي يعنيهم والذي له سلطة عزلهم، ومن هذه الجهات القضائية المحتسب مفتش السوق الذي كان يفصل في المسائل التجارية الصغيرة، ورئيس الشرطة في المسائل الجزائية، وصاحب المظالم الذي عهد إليه باختصاص واسع في المسائل التي تهم السلطة السياسية سرعة الفصل فيها بصورة منتجة وعلى أساس الدليل المتيسر، خاصة في المسائل الجزائية وقضايا الأراضي، وهكذا أصبح القاضي خادمة للشريعة بينما نظر إلى صاحب المظالم على أنه ممثل القانون الصادر عن السلطة السياسية، وأصبح الفارق بينهما اقرب ما يكون إلى الفارق بين الإختصاص الديني والإختصاص الزمني، خاصة وان القاضي كان يجلس القضاء في المسجد أو قريبا منه بينما صاحب المظالم يعقد مجلسه داخل مقر الحكومة الرسمي.

ولم يكن هناك خط فاصل بين اختصاص القاضي الشرعي وصاحب المظالم، ففي بعض البلاد كان اختصاص القاضي الشرعي يقتصر على قانون الأسرة وفي البعض الآخر كان يتسع إلى دائرة أشمل.

وقد أسس الفقهاء التفرقة التي حدثت بين الفكرة المثالية للشريعة كما شرحها الفقهاء وبين واقع التطبيق العملي على أساس نظرية السياسية الشرعية، فبينما يصور الفقه النظام الأمثل للأشياء من وجهة نظر الإسلام يحمل الحاكم مسئولية حماية المصلحة العامة التي قد تقتضي – وفقاً لظروف الزمان والمكان – إنحرافة عن النظرية الشرعية المنضبطة – وطبعاً تفترض نظرية السياسة الشرعية أهلية الحاكم لتولي مهام منصبه من ناحية تقواه الدينية وفقهه بمقاصد الشريعة الإجتماعية، غير أنه لم يضع الفقهاء أي حدود دستورية السلطة الحاكم التي يمارسها باسم المصلحة العامة مما أدى إلى ان الوضع النهائي الاختصاص القاضي الشرعي كان يتوقف على واقع السلطة السياسية من ناحية القوة والضمير.

وإذا تركنا ناحية الإجراءات والأثبات، نجد أن التضييق إختصاص القاضي الشرعي علاقة كذلك بالناحية الموضوعية للفقة حيث تصطدم المثالية أحيانا بالظروف العملية للحياة، ويحتمل أن يكون موضوع الربا أبرز مثال في هذا الصدد، إذ وسع الفقهاء نطاق الربا ليشمل عدة صور للمعاملات مما أدى إلى استبعادها من دائرة المعاملات المشروعة رغم أنها في الواقع كانت عصب التجارة والاقتصاد، وقد اتخذ بعض القضاة موقفاً واقعياً من هذه المسألة كما حدث في المحاكم المالكية في جزيرة المغرب حيث أجازوا عقد “الخامسة”([iii]). على أساس الضرورة لانتشاره واعتماد الإقتصاد الزراعي عليه، مع أنه وفقاً لأحكام الفقه يعتبر باطلا لعدم تحديد الأجرة بسبب تناوت أسعار المحاصيل وجودتها في وقت إبرام العقد.

وفي أواخر القرن التاسع عشر أدت سيطرة الدول الأوربية على الشرقين الأوسط والأدنى إلى توسع حركة التجارة وتطور أساليبها مما استلزم إصدار قوانين تجارية واجرائية منقولة عن نماذج أوروبية، وحدث نفس الشيء في ميدان القانون الجزائي حيث فقدت النظرية الفقهية صلتها بمزاج المجتمع في الشرق الأوسط عموها، لا لقسوة عقوباتها فحسب بل كذلك بسبب أن الشريعة تعتبر الجرائم ضد الأشخاص من طائفة الضرر الواقع على الحق الخاص لا على الحق العام، مما يؤدي إلى بقاء حق إقامة الدعوى الجنائية بيد المجنى عليه أو أقاربه، ويعكس القانون هنا النظرة القبلية في العدالة التي تغيرت بسبب تفكك الكيان القبلي للمجتمع الإسلامي مما أدى إلى إصدار تشريحات جزائية جديدة في معظم بلاد الشرق الأوسط مستمدة من الدولة الأوروبية ذات التأثير عليها، فاستمد القانون في مصر وشمال أفريقيا من القانون النمرنسي، بينما اعتمد في السودان القانون الانجليزي وفي ليبيا القانون الإيطالي.

وإذا كانت المحاكم الجديدة التي أنشئت لتطبيق هذه القوانين صورة من صور محاكم المظالم في العهود الماضية، الا أنها في الواقع أخذت طابعة زمنية بصورة صريحة مكشوفة.

الات وإذا كان قانون الأسرة قد بقي ضمن اختصاص القاضي الشرعي، فلا يعني هذا بقاء الأمور على ما كانت عليه، بل لقد تغيرت قواعد الإجراءات والاثبات في عدة نواح، وذلك أيضا على أساس من نظرية السياسة الشرعية.

فمثلاً منع القاضي الشرعي من سماع الدعوى في الحالات التي لا تتوافر فيها متطلبات معينة، ومن هذا الباب إدخال نظام تسجيل الزواج والطلاق فبينما كانت النظرية الفقهية تستبعد أي صورة من صور الدليل الكتابي على أساس إحتمال التزوير، أصبحت النظرة الآن إلى الإثبات بشهادة الشهود أنها تفتح الباب عملية أمام إساءة الإستعمال والظلم، ولا يعني عدم سماع الدعوى الآن بطلان الزواج غير المسجل وإنما يعني أن الأطراف لا يستطيعون اللجوء إلى المحكمة لسماع دعواهم.

كما منعت المحاكم من سماع دعوى النسب في بعض الحالات فوفقاً للمذهب الحنفي يمكن استمرار فترة الحمل سنتين، وفي المذهب المالكي خمس سنوات، ويحتمل أن ذلك كان من قبيل الاحتياط المتفق مع اشتراط أربع شهود في جريمة الزنا او مع اشتراط بلوغ المفقود سن التسعين حتى يحكم بوفاته، غير أنه نظرا لان الطب الحديث قرر أن الحمل لا يمكن أن يستمر أكثر من سنة، فقد وجد أن الأخذ بالآراء الفقهية لا تحقق العدالة، كما في حالة الأرملة التي تضع طفلا بعد وفاة زوجها بسنتين الا قليل، فقد كان يستحق هذا الطفل الميراث على أساس ثبوت نسبه من المتوفي، وعلى من يعترض يقع عبء اثبات انه طفل غير شرعي وهي مهمة ليست بالسهلة، لذلك صدر القانون المصري سنة ۱۹۲۹ بعدم سماع دعوى النسب اذا مضت أكثر من سنة بين انتهاء زواج الام وولادة الطفل.

أن التوتر القائم بين المثالية والواقعية في الفقه الإسلامي يتمثل في التفرقة بين الفقه النظري والتطبيق العملي، لقد أدت النظرة الواقعية إلى دور القانون في المجتمع إلى التنازل عن مثاليات الفقه في مسائل الاجراءات والموضوع لصالح الحاجات العملية للدولة والمجتمع، ومع ذلك يبقى الفقه في نظر الكثيرين النظام الشامل والمثالي للحياة الإسلامية في الماضي وفي المستقبل، كما يبقى هو محور الفكر القانوني الذي تقاس به النظريات والنظم، وان كان الفقه في واقع التطبيق في الماضي والحاضر لا يمثل الا جزءا من النظام القانوني الإسلامي.

القانون والأخلاق

تختلف نظرة المجتمع الغربي إلى العلاقة بين القانون والاخلاق عن نظرة الشريعة الإسلامية فاذا أخذنا جريمة الزنا مثلا وجدنا الشريعة تطابق تقريبا بين القواعد الخلقية في الناحية الجنسية وبين العقاب القانوني عليها فتجعل أي علاقة

جنسية جريمة ما لم تكن بين زوجين، بينما القانون الغربي لا يجعل من العلاقة الجنسية خارج نطاق الزوجين جريمة الا كانت هناك ظروف مشددة كعدم الرضا او صغر السن او علاقة الدم او التصرفات غير الطبيعية كالخطف والشذوذ والقسوة… الخ.

ومع توسيع نطاق التجريم في الشريعة نجد التشديد في شروط الاثبات بان يكون الشهود أربعة عدول رأوا فعل الزنا نفسه، الأمر الذي ينطبق عليه جريمة ارتكاب الفعل المخل بالحياء في مكان عام من وجهة النظر الغربية.

وهناك واجبات اخلاقية كثيرة تجعل لها الشريعة جزاء كالصيام او الصدقة مما يوضح أن هناك موقفا إيجابيا في المجتمع الإسلامي تجاه مراعاة هذه الواجبات، وانها لا تمثل مجرد مستويات خلقية بالمعنى المعروف في المجتمعات اللادينية حيث لا يتعدى رد فعل المخالفة استنكار المجتمع لها وربما تأنيب الضمير الفردي، إن مخالفة المسلم لواجب خلقي اذا كانت لا تعرضه للعقاب البدني فانها تعكر سعادته الروحية لأنها مخالفة لقانون الهي شان أي مخالفة تفرض المحاكم عليها عقوبة دنيوية، فالشريعة الإسلامية في مصطلحنا مجموعة قانونية واخلاقية معا، إنها نظام شامل للسلوك الإنساني نابع من سلطة الارادة الالهية بحيث أن الخط الفاصل بين القانون والأخلاق ليس من الوضوح بالصورة التي نجدها في المجتمعات الغربية على وجه العموم، ومع ذلك فان الشريعة تحتفظ بهذا الفارق، في مجال العلاقات الجنسية بين ما يخضع للعقوبة بواسطة المحكمة، وما يقتصر جزاؤه على محكمة الآخرة.

وإذا أردنا أن نتبين الخط الفاصل بين القانون والأخلاق في الشريعة عموما، فاننا لا نجد في القرآن هذه التفرقة لانه يهتم بالأساسيات من الأمور، بيان ما هو صواب وما هو خطأ، ما هو خير وما هو شر، ولا يهتم عادة بترتيب آثار قانونية على هذه القواعد، وان كان في بعض الأحيان يضع العقاب المحدد كما في صدد القذف والسرقة، بخلاف بيانه عن شرب الخمر انه رجس يجتنب وعن الربا انه حرام وعن طاعة الزوجة لزوجها أنها فضيلة.

وقد كان هذا هو موقف الفقهاء الأوائل، فقد انصرف اهتمامهم من ناحية إلى مسائل العبادات التي تحتل دائما مكان الأهمية والصدارة من كتب الفقه، ومن ناحية اخرى كانوا عند تعرضهم للاحكام الاجتماعية يعبرون بتعبيرات : ان عملا معينا او امتناعا عن عمل معين صواب أو خطأ، خير أو شر، يحبه الله ويرضاه او لا يرضاه، وكان مالك بن أنس يستعمل عادة عبارة ولا أرى به بأساً، ولا يعني ذلك أن الشريعة الإسلامية لا تهتم بما عدا العبادات، بل هي في الواقع نظام شامل لكل نواحي السلوك الإنساني، من علاقة الفرد بالله إلى علاقته بالدولة ويجير انه بل وبضميره الخاص، بحيث أن كل نشاط إنساني او نظام اجتماعي له في الإسلام – في التحليل النهائي – معني ديي، وقد نضج التعبير الفقهي مع الوقت حتى ظهر بوضوح التقسيم إلى واجب ديي تجاه ع الله وواجب اجتماعي تجاه الناس، وحتى بالنسبة للواجبات الاجتماعية ظهرت التفرقة بين ما هو ملزم قانوناً بواسطة المحاكم وما هو مرغوب أخلاقياً ومتروك أمره للضمير الفردي.

وتتمثل هذه التفرقة في معايير الأحكام الفقهية إلى تطبق على كل أنواع السلوك الإنساني، ففي الوسط توجد فئة المباح التي ليس لها أي حكم ايجابي او سلبي، قانوني أو خلقي، ومن اقصى ناحية الايجاب نجد فئة الواجب، وهي اما عن عمل ديني كالصيام فلا دخل للمحاكم في الالزام بها، وإما عن عمل اجتماعي تشرف المحاكم على الالزام به كنفقة الزوجية ومن اقصي ناحية السلب نجد فئة الحرام، وهي كذلك أما عن عمل ديي كا كل لحم الخنزير او مباشرة البيع اثناء صلاة الجمعة فهذه لا تخضع لاي جزاء مدني او عقابي بل جزاؤها في الآخرة، واما عن عمل اجتماعي فتخضع للبطلان المدني او العقاب الجزائي وبين أقصى الايجاب واقصى السلب توجد فنتان اخريان، فئة المندوب وفئة المكروه وجزاء كل منهما أخروي، وفيهما تظهر التفرقة واضحة جلية بين القانون والاخلاق، وفي فئة المكروه مثلا تقع بعض صور الطلاق، وقد عبر الحديث النبوي بصورة حاسمة عن هذه التفرقة بين الحكم القانوني والحكم الاخلاقي حين قال أبغض الحلال إلى الله الطلاق.

ولا يعني التفريق بين الحكم القانوني والحكم الأخلاقي ان الأول يراعي في التطبيق بينما مصير الآخر الاهمال، فان الالزام القانوني ليس هو السلطة الوحيدة في المجتمع البشري بل توجد غالب سلطات اخرى اقوى من القانون في الاجبار على الالتزام بمراعاة ضوابط السلوك، وفي المجتمع الإسلامي التقليدي كان الضمير الديني والخلق الديني عميقا ومنتشرة بين الناس تحت تأثير المعلمين الدينيين والأئمة والمفتين والفقهاء الذين كانت نصائحهم الصادرة عنهم بصفاتهم الرسمية أو الشخصية تحدد كيفية تطبيق القيم الإسلامية الخلقية في الحياة العملية، هذا فضلا عن وظيفة المحتسب القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي كانت له سلطة محدودة في توقيع بعض العقوبات الخفيفة، والذي يهمنا هنا هو بيان أن القاضي الشرعي كان يميز بوضوح بين ما هو خاضع للالزام القانوني وما هو مرغوب اخلاقيا دون ان يخضع الالزام القانوني.

غير أن المذاهب الفقهية لم يكن لها نفس الموقف بالنسبة لتحديد العلاقة بين الاخلاق والقانون، وأحدى المسائل الهامة في هذا الصدد هي مدي اختصاص القانون بالنية او الباعث الكامن وراء الفعل.

هناك اتفاق على أن العقوبة الجزائية لا توقع الا اذا اصطحبت الجريمة بقصد جنائي بينما التعويض المدني لا يشترط في الفعل المسبب له توافر هذا القصد بل يمكن أن ينتج عن فعل صادر بصورة عفوية أي دون قصد.

كما أن الاتفاق منعقد على ان الحق الشرعي لا يجوز استخدامه لمحض الاساءة إلى الغير كما في حالة الطلاق في مرض الموت بقصدحرمان الزوجة من الميراث.

وفيما عدا هذه المسائل الأساسية فان المذاهب تفترق إلى اتجاهين متميزين : أحدهما خلقي يربط العمل بالنية او الدافع اليه وأوضح أتباع هذا الاتجاه هم الحنابلة، والآخر شكلي لا ينفذ إلى الباعث وانما يكتفي بظاهر الفعل وهذا هو الطابع الأساسي للفقه الحنفي.

وبعد ان ضرب المؤلف مثالين من الزواج بنية التأقيت والوصية للمكافأة على محرم، انصرف المؤلف إلى بيان أن أبرز ما يكون الخلاف بين الاتجاهين هو في مسألة “الحيل الشرعية، وضرب أمثلة بيع الوفاء والوقف على النفس وزواج المحلل، ثم انتهى إلى أن هذه الحيل ليست الا خدعة قانونية ساذجة يكفي قليل من الخلق لكشف أن غرضها هو التحايل على القانون، وقد رفض الحنابلة والمالكية هذه الحيل بينما اخذ بها الفقه الحنفي والشافعي ورتبوا عليها الآثار القانونية على أساس الاكتفاء بالظاهر وترك بواطن النوايا إلى الله.

واليوم في واقع التطبيق القانوني في العالم الإسلامي نجد التفرقة واضحة بين الأخلاق والقانون خاصة بعد صدور قوانين جنائية وتجارية علمانية مأخوذة عن النموذج الغربي ولها موقف مغاير بالنسبة للخمر والعلاقات الجنسية والربا، مع استمرار تأثير القيم الخلقية في المجتمع الإسلامي، ومع استمرار وجود موظفين حكوميين مكلفين برعاية هذه القيم في المجتمع.

واذا كان القانون عموما يعكس صورة المجتمع، فانه في المجتمع الإسلامي لا يعطي الصورة كاملة.

ومن ناحية أخرى فان التطورات الأخيرة في قانون الأسرة في الشرق الأوسط قد وثقت الصلة بين القانون والاخلاق حيث أن بعض القيم التي كان ينظر اليها الفقهاء السابقون على أنها قيم خلقية قد تحولت لتصبح قيمة قانونية، وضرب مثلا لذلك في الطلاق حيث يتجه التشريع إلى حماية القيم الخلقية المشار اليها في قول الرسول صلى الله عليه وسلم “أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وذلك في مسألة الطلاق بلفظ الثلاث ومسألة التعويض الذي يلتزم به الزوج اذا طلق زوجته دون سبب مشروع وقد اتجهت تشريعات الأحوال الشخصية في سوريا سنة 1953 وتونس سنة ۱۹5۷ إلى ذلك على أساس ان المحكمة تطيتي التعاليم القرآنية التي تحث الازواج على عدم اساءة استعمال حقوقهم، بعد أن كان الفقهاء السابقون يتركون ذلك لضمير الرجل وحده.

وقد حدث نفس الشيء في مسألة تعدد الزوجات التي قرر القرآن أنها مباحة بشرط العدل فقد ذهب المالكية إلى أن عدم العدل قد يعطي الزوجة حق طلب الطلاق، وفيما عدا ذلك فالأمر متروك كلية لضمير الرجل وللحساب الأخروي، اما التشريعات الحديثة فقد اتجهت إلى تقرير التوجيه القرآني كواجب قانوني، فذهب القانون العراقي سنة 1959 إلى اشتراط اذن القاضي العقد الزواج الثاني واعطت القاضي حق رفض إعطاء هذا الاذن اذا خيف عدم العدل بين الزوجتين أما القانون التونسي سنة ۱۹۰۷ فقد ذهب بالمسألة إلى أقصى مداها فقرر تحريم تعدد الزوجات على أساس ان العدل المشترط بين الزوجتين لاباحة التعدد غير ممكن تحمقه في المجتمعات الحالية.

واختتم المؤلف بمثال من الميراث حيث قررت القوانين الحديثة في مصر وسوريا وتونس والمغرب ما سمي بالوصية الواجبة على أساس التوجيه القرآني إلى الوصية بالاقربين، وكانت هذه الآية تعتبر فيما مضى منسوخة بآيات المواريث أو على الأقل ذات طابع أخلاقي غير الزامي من الناحية القانونية بينما تعتبرها القوانين الحديثة ذات طابع قانوني ملزم.

ومن الواضح بعد هذه الأمثلة أن قانون الأسرة في المجتمع الإسلامي المعاصر يشهد بعثا لاتجاه اخلاقية القانون، حيث تبحث المحاكم الآن في مسائل كانت فيما مضى موضع تجاهل في المحاكم الشرعية (هل الطلاق لسبب مشروع، هل الزواج الثاني لا يضر بحق الزوجة الأولى في المعاملة العادلة،.)، مع أن هذه القيم الخلقية هي في الحقيقة أساس الشريعة.

الثبات والتغير

إذا تركنا جانبا موضوع القانون والاخلاق، نجد أن باقي الموضوعات الأربعة التي تعرضنا لها فيما مضى مظاهر مترابطة وتابعة للتوتر الأساسي الذي يواجه الفقه الإسلامي المعاصر وهو الثبات والتغير في القانون، فمن ناحية، نجد ان الوحي الإلهي ووحدة الرأي والالتزام بالتقليد والمثالية كلها عوامل ثبات للقانون، بينما اجتهاد العقل البشري وتعدد الآراء الناتج عن ذلك وتحرر القاضي من التقليد والنظرة الواقعية لحقائق الحياة كلها عوامل تؤدي إلى التغير في القانون – وقد أوضحنا أن الفقه الإسلامي المعاصر أميل إلى ترجيح العوامل الأخيرة لمواجهة الحاجة في مطابقة القانون الظروف الحياة الجديدة وموضوع هذا المبحث الأخير هو دراسة هذه الظاهرة في التغيرات الأخيرة في النظام القانوني الإسلامي ومدلول ذلك في مصطلح الفكر القانوني المتطور.

أن أوضح مدلول للتغيرات التي طرأت في عشرات السنين الأخيرة لهو مدلول اجتماعي يتجه إلى تحسين وضع المرأة من ناحية تحريرها من سلطان وليها ومن ناحية اباحة اشتراط شروط في عقد الزواج ومن ناحية حقها في طلب الطلاق ومن ناحية وضع قيود على حق الرجل في الطلاق وتعدد الزوجات، وكلها اتجاهات نحو المساواة بين الجنسين الذي هو جزء من التطور الأساسي الحادث في المجتمع الإسلامي، لقد كان المجتمع الإسلامي فيما مضى مجتمعة يقوم على العصبية القبلية، ولكن العصر الحاضر يشهد تمزقا في روابط وتنظيم القبيلة وتركيزة على وحدة المجتمع الأساسية : العائلة المباشرة المكونة من الزوجين وأولادهما، وبطبيعة الحال يكون للمرأة في هذا النطاق وضعا أرفع ودورة اكثر مسئولية مما مضى.

ومضى المؤلف في ضرب الأمثلة على هذا الاتجاه من القانون العراقي الذي جعل البنت وارثة وحيدة تحرم العصبة وكذلك الحال في القانون التونسي، ومن قوانين السودان ومصر والعراق التي أباحت الوصية للورثة في حدود الثلث (بخلاف رأي الفقه السي في عدم جواز الوصية لوارث) مما أتاح الفرصة للموصين في أن يخصوا بعض الورثة الذين هم بحاجة للمساعدة، وما يمكن استخدامه كذلك لزيادة حصة أسرته القريبة من زوجة أو بنت على حساب العصبة البعيد.

ولا تقتصر أهمية هذه القوانين الجديدة على ما بها من تعديلات بل تظهر أهميتها كذلك في كيفية تطبيق المحاكم لها، اذ لم يعد هناك محل للرجوع إلى كتب الفقه التقليدية الا في حالة عدم النص في القانون على حالة معينة او صعوبة تفسير النص القانوني، كما اعيد تنظيم المحاكم الشرعية في معظم البلاد الإسلامية لفتح باب الاستئناف، وفي مصر وتونس ألغيت المحاكم الشرعية ككيان مستقل واصبحت الشريعة تطبق بواسطة نظام المحاكم الموحد مما يؤدي إلى تغي