أبحاث

الموسيقى العربية (رؤية فلسفية)

العدد 95

كان شوبنهور هو أول من قال بأن كل الفنون تطمح إلى أن تكون مثل الموسيقى، وقد تكررت هذه الملاحظة على الدوام، وكانت سببًا في قدر كبير من سوء الفهم، بيد أنها مع ذلك كانت تعبر عن حقيقة مهمة. فقد كان شوبنهور يفكر «ربما لأنها هي الأقدم تاريخًا» في المميزات المجردة للموسيقى، ففي الموسيقى وفيها وحدها تقريبًا، يمكن للفنان أن يخاطب جمهوره مباشرة، بدون تدخل وسيلة للاتصال تستخدم بشكل عام في أغراض أخرى.

ومن قبيل ذلك أن المهندس المعماري لابد أن يعبر عن نفسه في المباني ذات الأغراض النفعية الأخرى، وكذلك لابد للشاعر أن يستخدم الكلمات التى تدور وتتداول في الأحاديث اليومية المتبادلة بين الناس، ويعبر الرسام عن نفسه عادة بإعادة تمثيل العالم المرئي. وليس هناك إلا مؤلف الموسيقى الذي يكون حرًّا تمامًا في خلق عمل من أعمال الفن نابع من وعيه الخاص، وبدون هدف آخر غير الإمتاع.

ولكن جميع الفنانين يحملون نفس هذه النية، أي الرغبة في الإمتاع، ومن ثم يعرف الفن تعريفًا أكثر بساطة وأكثر عادية بأنه محاولة لخلق أشكال ممتعة، ومثل هذه الأشكال تشبع إحساسنا بالجمال، وإحساسنا بالفن والجمال إنما يشبع حينما نكون قادرين على أن نتذوق الوحدة أو التناغم بين مجموعة من العلاقات الشكلية من بين الأشياء التى تدركها حواسنا(1).

ورغم كل هذا، فالظاهرة الموسيقية ظاهرة بالغة التعقيد، من حيث تاريخها أو نشأتها، ومن حيث آثارها الاجتماعية والتربوية ودلائلها الحضارية والقومية، ومن حيث تنوعها وارتباطها بغيرها من الفنون، فالموسيقى لم تنشأ كفن مستقل بذاته كالشعر مثلا ؛ ومع ذلك أصبحت أكثر الفنون استقلالاً ؛ فقد كانت الموسيقى فنًّا تابعًا نشأ مصاحبًا للغناء أو الرقص الذي كان القدماء يمارسونه في احتفالاتهم الدنيوية وطقوسهم الدينية.

وحتى في العصر الوسيط كانت الموسيقى عنصرًا مصاحبًا للأناشيد الدينية التى تمارس داخل الكنيسة، حيث جرى ما جرى عليها من تطور إلى أن خرجت إلى مجال الحياة الدنيوية لتلقي أطوارًا أخرى. ومع تطور الموسيقى _ وخاصة مع موسيقى الآلات Instrumental – أصبحت الموسيقى فنًّا خالصًا قائمًا بذاته له وسائله التعبيرية الخاصة التى يستغنى بها عن سائر الفنون ولا يستغنى أكثرها عنه، على ما يذكر باحث معاصر(2)، فحتى الفنون الخاصة التى لا تستفيد من الموسيقى أو تستعين بها على نحو صريح مباشر، لم تتحرر من التأثر بأسلوب التعبير الموسيقي الذي أضحى مثالاً وغاية لسائر الفنون باعتباره تعبيرًا مكتفيًا بذاته لا يعتمد على شيء من الواقع أو الطبيعة.

أهمية الموسيقى وأنواعها :

ورغم أن الموسيقى لم تنشأ كفن مستقل بل كفن تابع، فإن مكانتها عند القدماء _ مثلما هي عند المحدثين المعاصرين _ ظلت مكانة رفيعة ؛ إذ فطنوا إلى عمق تأثيرها النفسي والأخلاقي والاجتماعي، فها هو ذا «فيثاغورث» يرى أن «الكون في مجمله عدد ونغم» وأن النظام والانسجام الذي نشاهده في الكون وفي دورات السماء يشبه النظام الذي نشاهده في الموسيقى، فضلاً عن ضرورتها لانسجام النفس وتطهيرها. وها هو ذا «أفلاطون» في محاورة «الجمهورية» يبين لنا أهمية التعليم الموسيقي ودوره في تربية النشء، حتى إنه كان يحث على مقامات موسيقية معينة واستبعاد أخرى؛ مما يكون له تأثير أخلاقي ونفسي ضار(3). وقد كان هذا راجعًا أيضًا إلى تصور أفلاطون للنفس على أساس من مفهوم الانسجام الرياضي.

وهكذا يمكن القول بأن التصور النفسي والأخلاقي لدى فيثاغورث وأفلاطون هو تصور مبني على أساس من تصور فزيقي _ رياضي للكون باعتباره نظامًا منسجمًا. وهذا هو ما دعا اليونان إلى تأسيس النغمات الموسيقية السبع باعتبارها الكواكب السبعة(4) .

أما في عصرنا هذا فقد قطعت الدراسات السيكولوجية والتربوية شوطًا بعيدًا في مجال الموسيقى وأصبحت لها طرائقها العلمية الخاصة ومناهجها المعقدة. وتعقد ظاهرة الموسيقى يبدو في تنوع أشكالها وتعددها : فهناك الموسيقى المصاحبة للكلمات كما في الأغنية والموال، والموسيقى الدراميةMusic Drama   كما في الأوبرا، وموسيقى الفيلم  Film Music وهي جميعًا الأشكال التي يمكن أن تندرج تحت ما يسمى بالموسيقى الوصفية Descriptive Music ، وفي مقابل ذلك هناك ما يعرف باسم الموسيقى الخالصة أو المطلقة Pure or absolute music التى تندرج تحتها أشكال أخرى تعرف بموسيقى الآلات من قبيل : الســوناتا والسمفونية(5) .

ومن الموسيقى الكلاسيك ما يحمل أرقى المعاني الإنسانية وأرقى المشاعر، فهناك ما يحمل المعاني الفلسفية العميقة مثل سيمفونيات ريتشارد شتراوس، ومنها ما يحمل فكرًا وحكمة مثل سيمفونيات بيتهوفن التي تعالج الحرب والسلام وتعالج الصراع بين الطبيعة وعزيمة الإنسان، ومنها ما يحمل عبق التاريخ والحضارات القديمة مثل أوبرا عايدا Aida  وبختنصر  Nabuco وعطيل Otelo، ومنها ما يحمل المعاني الدينية مثل قداس فردي وموزار. ومن الموسيقى ما يصف الطبيعة وجبالها وأنهارها وغاباتها مثل السيمفونية السادسة لبيتهوفن(6) .

ومن هنا فتنوع الموسيقى لا يرجع فحسب إلى تعدد أشكالها البنائية، وإنما يرجع أيضًا إلى تنوع أغراضها. ليست كل موسيقى مدفوعة بأغراض التشكيل الجمالي الخالص، بل إن أكثرها تدفعه أغراض عملية اجتماعية ونفسية، كالموسيقى الدينية التى تعبر عن الشعور الديني لدي شعب ما(7)، والموسيقى الشعبية والقومية التى تعبر عن شعور وطابع قومي، والموسيقى الجنائزية والعسكرية.

ومن هنا نجد د. سعيد توفيق(8)  يذكر لنا أن الموسيقى قد تؤلف لأغراض عملية ونفسية يتباين حظها من الرقى والوضاعة ؛ فمنها ما يجلب الهدوء والترويح عن النفس، مما دفع كثيرًا من المعنيين بشئون الطب والصحة النفسية إلى دراسة تأثيرها على النفس والجهاز العصبي وإمكان استخدامها في العلاج النفسي وعلاج الأمراض الجسمية ذات الصلة بالجانب النفسي(9).

ومنها ما يؤلف لأغراض وضيعة كما في الموسيقى الراقصة والإيحاءات الجنسية التي تهدف إلى إثارة الشهوات والغرائز، وكما في الموسيقى التي تؤلف لأجل الاستمتاع بملذات الحياة والمناسبات الاجتماعية، ومن أهم الأمثلة في هذا الصـدد فيما يذكر برتلمي(10) :

الراقصات Dancers لكلود جيرفاز، وباليه البلاط في عهد لويس الثالث عشر، وسيمفونيات لالاند التي كان يجري عزفها أثناء عشاء لويس الرابع عشر.

الموسيقى ووعي الإنسان :

وإذا تأملنا الموسيقى كإبداع فني متميز على الإدراك الحسي، في محاولة لاستخلاص القيمة الجمالية في الإبداع الفني الموسيقي باعتبار أن الموسيقى في أساسها تعبير عن المشاعر في شكل فني قوام أسلوبه الإيقاع والنغم، وباعتبار أنها تنبعث من المشاعر، وتأثيرها ينصب على المشاعر، كما يقول «جوليوس بورتنوي» فإن الموسيقى ناشئة من العاطفة لكي تحرك العاطفة.

وجذور الموسيقى متغلغلة في تربة الواقع الفعلي، فهي نتاج البشرية، حين تعلو على التجربة ؛ إذ تتبلور المشاعر في أنغام حسية وإيقاعات متحركة تنقلنا إلى قمم شفافة من النشوة الوقتية، وللموسيقى القدرة على تخليصنا من القلق والهموم، وهي وسيلة للاتصال تفوق فعاليتها وقدرتها على الإثارة الانفعالية كل صور التعبير الأخرى التي استخدمها الإنسان، لكي ينقل بها مشــاعره وأفكاره إلى الآخرين(11).

بل ونستطيع أن ندرك من خلال موسيقى شعب من الشعوب – إذا كانت صادرة عن أصالة وصدق – صورة دقيقة ترسم ملامحه ودرجة رقيه. كذلك تقوم الموسيقى بدور مهم في التقريب بين الشعوب؛ لأنها تنفذ إلى طبائع الجماعات البشرية المختلفة، وتستخرج منها مكنونها، وتكشف للآخرين عن جوهرها(12).

«والموسيقى تبدأ من حيث تنتهي قدرة الألفاظ على حمل المعاني والأفكار»(13) ولم يقم شيء في عصرنا الحديث في التعريف بمزاج الإنسان الإفريقي وطبعه مثلما نجحت الموسيقى، حينما تسربت إلى الموسيقى الغربية المعاصرة وألفها العالم كله.

وهكذا عجزت أرفع الوسائل الاجتماعية والأساليب الفكرية عن التعريف بما نجحت في تحقيقه مجموعة من الأنغام والألحان الإفريقية، وذلك شاهد جديد على أن الموسيقى تبدأ من حيث تنتهي قدرة الألفاظ على حمل المعاني والأفكار، فهي الوسيط الذي يأسرنا بدعوتنا إلى بحره الزاخر بالخلق والإبداع، بحر اللانهاية الذي يتلاقى فيه البشر بلا شتات(14).

ويمكن القول بأن مجتمعات عديدة في الماضي والحاضر، قد أدركت العلاقة بين اللغة المنطوقة من جهة، والغناء والإنشاد من جهة أخرى، على أن هذه العلاقة توازي العلاقة بين ما هو مستمر وما هو منقطع. وهذا يعادل القول في نطاق الثقافة، إن الغناء أو الإنشاد يختلف عن اللغة المنطوقة مثلما تختلف الثقافة عن الطبيعة(15).

ومن زمن بعيد اعتبرت الموسيقى علمًا وفنًا في نفس الوقت. لقد كانت ضمن العلوم الرياضية التي كانت بدورها من مباحث الفلسفة ؛ حسب تصنيف العلوم عند المسلمين نقلاً عن الإغريق(16). وقد اهتم «إخوان الصفا» بالموسيقى فصنفوا رسائل أفادوا فيها من فيثاغورث مؤسس الموسيقى النظرية. كما ألف فلاسفة الإسلام.. من أمثال الرازي والكندي والفارابي وابن سينا مصنفات مهمة، وقدموا شروحًا ضافية لمؤلفات الإغريق(17). وعلى المستوى الفني أطلق المسلمون على الموسيقى اسم (الغناء) ومزجوا بين الألحان الفارسية وبين المؤثرات النظرية الإغريقية ووظفوا ذلك لخدمة أغراض حياتية، ففضلاً عن الوظيفة الترفيهية وظفها الرازي في علاج الأسقام النفسية، واعتبرها ابن سينا وسيلة من وسائل حفظ النوع(18)، ونظر إليها باعتبارها «تطهيرًا للنفس والتجاوز عن الذنوب، حسب قول صاحب «العقد الفريد»(19). ولا غرو ؛ إذ وظفت بالفعل في مجالس اللهو والمجون، كما وظفت بالمثل في أذكار الصوفية»(20).

الموسيقى: المصطلح والدلالة :

يعني مصطلح «موسيقى» عند علماء الموسيقى ذلك الفن أو العلم الذي يجمع الأصوات البشرية أو الأصوات الآلية، أو كليهما، وما يصدر عنهما من نغم لكي تكون تشكيلة متنوعة من التعبيرات الجمالية أو المشبعة للعاطفة، تنبع من نظام عقائدي كامن في أساس ثقافة معينة.

وتمتد مظلة هذا التعريف عادة لتشمل كل أنواع التعبيرات الجمالية السماعية بغض النظر عن وظيفتها أو سياق أدائها. ويأتي المصطلح العربي المرادف لهذا المفهوم مقارنًا للمصطلح الغربي – سواء في كتابات علماء الموسيقى البشرية أو الدارسين للحضارة الإسلامية، وأحيانًا عند المسلمين أنفسهم المختصين منهم والعامة.

وقد انتقل مصطلح «الموسيقى» من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية على يد المسلمين الذين عاشوا من القرن الثامن حتى القرن العاشر، عبر التاريخ الإسلامي(21)، ولكن أفراد المجتمع المسلم لم يعتبروه مرادفًا للمعنى ا لسابق الإشارة إليه إلا حينما استخدموه بمعناه الواسع الذي يفسح المجال لتأويلات مختلفة، بينما لجأوا إليه في أغلب الأحيان للدلالة على نماذج معينة من الأنماط الحياتية الدنيوية، كما تظهر في ثقافتهم.

وليس هناك مصطلح عربي آخر يمكن اعتباره مرادفًا لمصطلح الموسيقى كما يرد بمعناه الجامع في اللغة الإنجليزية،: فلفظ (الغناء) لا يشمل كل أشكال الموسيقى التي تعتمد على الآلة فقط، ولكنه قد استخدم أحيانًا للدلالة على كل (الموسيقى الدنيوية) سواء قام بأدائها المطربون أو العازفون على الآلات أو كلاهما معًا ؛ ولذا فإنه بمعناه هذا قد سبق كل الأنماط الدينية. بينما يدل «السماع» على الموسيقى الآلية أو الصوتية التي ترد في حلقات الذكر عند الصوفية أو إخوان الصفا، ولكنه غالبًا لا يشمل نمط الموسيقى الذي يظهر في مقامات أخرى دينية كانت أو دنيوية.

وهذا يدل على سمة فريدة اختصت بها هذه الثقافة في فهمها للفن الموسيقي، ذلك الفهم الذي قام بدور أساس في تحديد سمات هذا الفن. إن الأنماط التي اعتبرها الغرب تندرج تحت مظلة الموسيقى لم تكن كذلك في المجتمع المسلم. بل إن الثقافة الإسلامية قد أمدتنا بتسلسل هرمي لدرجات التعبير في فن الصوت أو ما يمكن أن يطلق عليه (هندسة الصوت)، وهذا التسلسل – كما تشير إلى ذلك باحثة معاصرة(22) – رغم أنه لا يتسم بالوضوح والصراحة فإنه قوي الدلالة في مضمونه. ويعطينا هذا التسلسل القدرة على الفصل بين الأنماط التي تتمتع بالتحبيذ والتقدير في فئة، والأنماط والمناسبات غير المستحبة في فئة أخرى باعتبارها محل جدل أو استهجان.

وقد كتب ابن تيمية يقسمها بين محرم ومكروه وواجب ومستحب(23). والمتصفح للكتابات الإسلامية لن يجد صعوبة في تبين نوع من الإدراك للأثر الذي يمكن أن تتركه الموسيقى على المجتمع المسلم وعلى أفراده وعلى القيام بالواجبات الدينية.

ولم يخل عصر من العصور الإسلامية أو إقليم من أقاليم العالم الإسلامي من أفراد يكرسون وقتهم في سبيل مجالات متنوعة من التعبير الموسيقي أو يمارسونها فعلاً. ولكن الإسلام والمسلمين وضعوا قيودًا على ممارسة أنماط معينة من الفن الموسيقي، بينما أيدوا واستنبطوا أنماطًا أخرى. ووصلت هذه التفرقة حدًّا جعلهم لا ينظرون إلى الكثير من الأنماط المستحسنة لديهم باعتبارها موسيقى خشية اختلاطها أو ارتباطها بالأنماط الممنوعة في فن التنغيم الصوتي(24).

اهتمام العرب والمسلمين بالموسيقى:

يعتبر اهتمام العرب بالموسيقى اهتمامًا قديمًا ؛ لارتباط الشعر العربي بالبحور والإيقاعات الموسيقية المرتبطة بهذا الشعر، والذي يعتبر من ناحية مجال العبقرية العربية قبل الإسلام، ولارتباط الموسيقى باللغة العربية التي هي في الأساس لغة موسيقية تعتمد على الأذن والسماع من ناحية ثانية لارتباطها بالقرآن الكريم الذي يحدث ترتيله إيقاعًا موسيقيًّا تتردد أصداؤه بين القارئ والسامع، وهو وجه من وجوه القرآن الكريم المعجز.

ومن هنا لم يكن غريبًا أن يحث رسول الله r بعض الصحابة على ترتيل القرآن الكريم وتلاوته بصوت جميل، فإن لذلك وقعًا كبيرًا وتأثيرًا شديدًا في النفس، فقد كان أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري رجلاً حسن الصوت بالقرآن، حتى لقد قال رسول الله r  : «يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»، يعني أنه أوتي صوتًا حسنًا بالقراءة كصوت داود، ومن كان له مثل صوته من أهله وذويه.

وكان رسول الله r ربما استمع لأبي موسى من حيث لا يشعر بمكانه منه، فقد قال – صلوات الله عليه – ذات يوم : «لو رأيتني يا أبا موسى وأنا أستمع قراءتك البارحة، لرأيت أمرًا يسعدك أن تراه» فقال أبو موسى : «أما أني لو علمت بمكانك يا رسول الله لحبرته لك تحبيرًا» يعني لحسنته لك تحسينًا وزينته لك تزيينًا.

وهذه الكلمة من أبي موسى تدل على أنه – رضي الله عنه – كان يستطيع أن يتلو القرآن بما هو أحسن من المزامير لو أنه أراد المبالغة في التزيين والتحسين ؛ لأنه كان قد تلا مثل هذه التلاوة المشجية، ولم يكن قد بلغ حد استطاعته(25).

ومن هنا لم يجد المسلمون غضاضة في الاهتمام بالموسيقى والغناء، خاصة عندما تكون طريقًا إلى تهذيب النفس، أو مصاحبة لمناسبات اجتماعية ودينية عزيزة، وقد بلغ اهتمامهم بها أن أجادها الخلفاء والأمراء، كما يحدثنا التاريخ، فقد كان الخليفة الواثق بن المعتصم ملحنًا ومطربًا مشهودًا له بالإجادة حتى من إسحاق الموصلي الذي لم يكن يشهد بالإجادة لأحد في الغناء والتلحين.

وكان الواثق يقول عن الغناء : «إنما هو فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل، وكثر في مكة والمدينة». ويشير بذلك إلى أن الغناء العربي المتقن الذي كان ثمرة المجتمع الإسلامي الأول، إنما نشأ في مكة والمدينة، وكانت نشأته عندما كان العمال الفرس والروم يشيدون الحرم المكي وهم يغنون، فأخذ عنهم المغنون العرب وجددوا الغناء العربي بما أخذوه عنهم. ولم يحدث قط أن نهى أحد من حكام مكة العمال الفرس والروم عن الغناء في أثناء تشييدهم أبنية المسجد الحرام، أو قصور سكان مكة والمدينة.

ولما اكتمل فن الغناء العربي في أوائل الدولة العباسية صار اكتماله من أعظم الأدلة على ثبات الدولة وازدهارها، ثم انحدرت الدولة وتزعزع كيانها فانحدر معها فن الغناء وتدهور. وقد لاحظ ابن خلدون الظاهرة التاريخية، فقال في مقدمته المشهورة «أول ما ينقطع في الدولة عند انقطاع العمران صناعة الغناء».

والعمران الذي يقصده ابن خلدون هو حضارة الدولة وتطورها العلمي والأدبي والثقافي والسياسي والاجتماعي. فإذا بقي كل هذا قائمًا، بقيت صناعة الغناء مزدهرة، وإذا تضعضع كانت صناعة الغناء أول ما يختل ثم ينقطع من ضروب النشاط الإنساني في الدولة. وقد أثبتت التطورات التاريخية صحة رأي ابن خلدون في جميع الأحوال.

مستويات الموسيقى :

وتأتي التلاوة المجودة للقرآن الكريم على قمة التسلسل الهرمي للتعبيرات الموسيقية أو أنماط هندسة الصوت، حائزة على أعلى درجات الأهمية والقبول. وعلى مر القرون لاقى هذا التغني المنفرد المرتجل بالصوت القبول التام والتأييد المنقطع النظير – فعلى مدى أربعة عشر قرنًا ظلت قراءة القرآن الكريم تؤدى مع بعض التنوع في الأسلوب تبعًا للفرد والإقليم – دون أن تتخطى هذه النماذج حدود الطريقة التي خضعت للرقابة الصارمة من قبل المسلمين ذوي الشأن بعد أن ظهر الإسلام.

كما ألفوا العديد من الكتب تنكر وتستنكر أي تحوير في السمات الأصلية للترتيل القرآني وتحول دون أية سمات تدخل عليه من المحتوى الموسيقي الوطنى للأجناس المتنوعة التي تتشكل منها الأمة الإسلامية.

كما أن وجود إحساس داخلي بالقيمة الجمالية الدينية متسمًا بالرهافة والتصميم، وقف حائلاً دون إقحام أيٍّ من  المتغيرات في طريقة أداء  هذا الترتيل ومحتواه. تلك التغيرات التي قد تقلل من اتساقه مع المتطلبات الدينية الجمالية التي تحدد تطوره. ولم يحدث أن اعتبر المسلمون هذا الترتيل ضربًا من ضروب الموسيقى رغم تطابقه مع كل  مواصفات التعريف التى أشرنا إليها سابقًا. ودون أن ينكر أي منهم أن ترتيل القرآن يعتبر أسمى مثل في «هندسة الصوت » وهو المصطلح الذي استخدمناه الآن للدلالة على فئات الفن الصوتي المنغم(26).

وهناك أيضًا أنماط أخرى من الصوت لم يرتب المسلمون فيها كأنماط شرعية من أنماط «هندسة الصوت» التي  ظهرت في الثقافة الإسلامية، ومع ذلك لم ينظروا إليها باعتبارها «موسيقى». فعلى سبيل المثال يقترب الآذان من الترتيل القرآني _ وإن كان دونه، على ذلك  التسلسل  الهرمي _  ذلك الآذان الذي يتغنى به خمس مرات يوميًّا ويشترك مع التلاوة القرآنية في كثير من السمات في الأداء. وكذلك تهليل الحجيج وما يتغنون به من مديح لله تعالى أو النبي محمد r، وتندرج ثلاثة مستويات أخرى بين أشكال التعبير الموسيقى تعتبر حلالاً، أي تلك التى لم تتغير تجاه شرعيتها، أولها: تشمل ضروب الموسيقى العائلية وموسيقى  الحفلات، مثل أهازيج النوم للأطفال وأغاني النساء، وموسيقى الأعراس والاحتفالات الدينية والعائلية. وكلما التزمت هذه الموسيقى بالمثل الأخلاقية والجمالية للمجتمع زادت درجة تقبلها كنموذج لهذه الفئة من التعبير الموسيقى، ويطلق على المستوى الثاني منها في هذا التسلسل الهرمي «الموسيقى المهنية» وتشمل أغاني القوافل (مثل الحداء والرجز والركبان) وترانيم الرعاة وأناشيد العمل. وتجمع آخر هذه المستويات موسيقى الحرب الجماعية التي تستخدم لتحميس الجنود في المعركة، كما تستخدم في الاحتفــــالات الشعبية(27).

وتعتبر هذه المستويات الثلاثة الأخيرة ذات طابع دنيوي في أساسها وتجتمع داخل دائرة الحلال في تقسيمنا الهرمي مع أخرى تأتي دونها كنموذج من الموسيقى مقابل الفئات الأخرى  التي تأتي على قمة هذا التسلسل باعتبارها ليست من الموسيقى ؛ ومع ذلك لم تتعرض  لاستنكار الدين أو الناس.

ورغم أن المسلمين لم يعتبروا هذه الأنماط المتدرجة على المستوى المتدني من المجموعة الحلال على نفس المستوى من  التقدير مثل التجويد القرآني إلا أنهم يتفقون على أنها تعبيرات فنية صوتية تدخل ضمن دائرة الحلال، وتجد الدليل على ذلك في تراث الحديث في كتابات أئمة المدارس الفقهية الأربعة وعلماء المسلمين المعروفين.

وعلى قمة هذه المجموعة التى تشكل القسم الثاني تأتي الأنماط الارتجالية التى تعتمد على العزف الحر على الآلات أو الأصوات المنغمة، مثل الليالي والتقاسيم والاستخبار، وتلي هذه الأنماط الارتجالية الأغاني الموزونة والجادة مثل الموشحات والأدوار وبعض أشكال التصانيف.

ثم تأتي الموسيقى المرتبطة بأصول جاهلية غير إسلامية على مستوى دون ذلك، وتشمل أنماط الموسيقى التى لم يقرها جمهور العلماء لارتباطها بتراث الجاهلية أو الوثنية وما يحييه من أفكار وممارسات.

وفي الدرك الأسفل من هذا التسلسل الهرمي تأتي الموسيقى المثيرة للشهوات التي يرتبط أداؤها بالممارسات المنكرة والتي يعتقد باستثارتها للأفعال المحرمة مثل شرب المسكرات والفسق والفجور وغيرها، وقد أجمع المسلمون على رفضها.

ويمكننا أن نجد معيارًا في الترتيب السابق حيث نجد مدى التوافق أو الاختلاف بين كل نمط منها وبين النموذج الأصلى للتجويد القرآني. فكلما زاد مقدار ما يستقيه من هذا التجويد القرآني، أي نمط من أنماط التعبير الموسيقى لبناء أساسه الديني أو الشعري أو الموسيقي، زادت درجة قبوله وشرعيته، وكلما زاد مقدار بعده عن هذا النموذج زادت درجة تعرضه للتقويم من جانب الإحساس الداخلي الجمالي في المجتمع الواعي أو تضمينه في مستوى أدنى من القبول والتقدير، حيث يشكل القرآن الكريم في صيغته المكتوبة والمقروءة أعلى نموذج وأسمى معيار للإنتاج الجمالي في الثقافة الإسلامية(28).

التأليف الموسيقى العربي :

وأول كتاب عربي عن الأصوات والغناء ظهر في العصر الأموي عنوانه «كتاب النغم» مؤلفه يونس الكاتب سبق « أبا الفرج الأصبهاني» في التأليف عن الغناء والموسيقى بمائتي عام على الأقل. وبعد « كتاب النغم» ألف يوسف كتاب «القيان» أي كتاب «المغنيات».. ثم تدفقت الكتب العربية عن الغناء والمغنيين حتى امتلأ به العصر العباسي من بدايته إلى نهايته، ومن أشهرها كتب الخليل بن أحمد والكندي والفارابي وصفي الدين عبد المؤمن الأرموي.

ويتعذر إحصاء ما كتبه غير هؤلاء من الموسيقيين والعلماء والأدباء، فقد ضاع كثير منه، أو بددته عوادي الزمان. ولا ننسى كثرة من المؤلفات النقدية التي كتبت حول الغناء، سواء بالقبول له والتحليل لممارسته وتعلمه، أو بالرفض له والإصرار على تحريمه، ومن أشهر هذه المؤلفات الأخيرة «رسالة السماع والرقص والصراخ» لابن تيمية، وكتاب «كف الرعاع.. عن محرمات اللهو والسماع » لابن حجر الهيثمي.

وقد اهتم المستشرق البريطاني هـ. ج. فارمر في كتابه القيم « تاريخ الموسيقى العربية » بالإشارة إلى عشرات من مؤلفات العلماء والفقهاء عن الغناء والموسيقى. والتى مازالت مخطوطة حتى اليوم أو التى فقدت ولم يبق منها إلا عنوانه واسم مؤلفه في فهارس الكتب المفقودة(29).

ويبدأ المستشرق مؤلفه بالإشارة إلى الفارق الكبير بين الموسيقى الشرقية التي تفهم أفقيًّا والموسيقى الغربية التى تفهم رأسيًّا، كما تتميز الأولى بالنغم والإيقاع والزخرفة الصوتية، وهي الأمور الغريبة على الأذن الغربية. وقبل القرن العاشر لم يكن الفارق كبيرًا؛ إذ كان للجميع السلم الموسيقى الفيثاغوري السامي الأصل ؛ والمبني على موسيقى الأجرام السماوية وتناغم الأعداد ؛ حيث لا يعرف التلحين، وقد بدأ الاختلاف عندما أصبح للعرب طريقة للقياس الموسيقى، وفكرة عن التلحين(30).

وهكذا كان لبلاد الحجاز في مطلع الإسلام موسيقى ذات قياس يُعرف بالإيقاع، ومع أن العرب تبنوا في ذلك الوقت المبكر، نظرية جديدة في الموسيقى على يد «مسجاح» ( 714م) تحوي عناصر فارسية وبيزنطية على أسس عربية خاصة، فإنها ظلت فيثاغورية الطابع، وبقيت كذلك إلى سقوط بغداد ( 1258م) رغم ما قام به «إسحاق الموصلي) (850م) من تغيير في شكلها الفيثاغوري. ولقد كتب البقاء للنظرية القديمة بفضل تراجم أرسطو، وأرسطو كزينوس، وإقليدس وبطليموس. ورغم الاقتباس فالمعروف عن الكنــدي ( 874 م ) والأصفهاني (967م) وإخوان الصفا (القرن 10م) أن الطرق العربية والفارسية والبيزنطية في الموسيقى كانت مختلفة. وإذا كانت الأفكار الفارسية والخراسانية هي التي سادت في القرن الحادي عشر، فإن الفضل يرجع إلى موسيقى نظري وهو «صفي الدين عبد المؤمن» ( 1294م) الذي أدخل ورتب نظرية جديدة مقننة وقبل نهاية العصور الوسطي نال سلم الموسيقى آخر رضاء الجماهير، وهو يمثل _ حاليًا _ في : ربع النغم، أو المقام عند عرب الشرق.

أما عن مزاولة الموسيقى فهي أمر أساسي بالنسبة للعربي، فالموسيقى تصاحبه من المهد إلى اللحد، من : الغناء لتنويم الطفل حتى الندب والرثاء. فلكل حال موسيقاها، من الفرح، والحزن، والعمل، واللهو، والحرب، والعبادة (الذكر). وفي هذا المقام يقارن «فارمر» بين احتفاظ العربي بفتاة الغناء (القينة) واحتفاظ الرجل الأوربي في البيت بـ (البيانو) وذلك أن الغناء الصوتي محبب لدى العرب أكثر من الموسيقى الآلية، ربما بسبب حبهم للشعر، وما شاع من كراهية بعض فقهاء الإسلام للملاهي ( آلات الموسيقى ).

واللحن عند العرب أشبه بالإيقاع، وزخرفته كثيرًا ما تتضمن ضربات إيقاعية، هي المقدمة التى تعرف باسم «التركيب» والآلات المصاحبة كانت لا تتغير أبدًا، وهي : العود والطنبور والقانون أو الناي. أما أهم أشكال الموسيقى فهي « النوبة » المركبة من أصوات حلقية وآلية، متتالية في حركات متنوعة، وكل ذلك يعني أن الموسيقى العربية هي موسيقى الأعداد الصغيرة، موسيقى القاعة الصغيرة، وليست «أوركسترالية».

أما موسيقى الهواء الطلق فهي : الحربية، والموكبية، وفيها تستعمل الآلات المناسبة من : الزمن أو السرناي، والبوق، والنفير، والطبل، والنقارة، أو القصعة. وهكذا كان للموسيقى أهمية عسكرية ؛ إذ صارت جزءًا من التكتيك الحربي، كما كان  لكل أمير جوقته التى تعمل، خاصة أثناء النوبة، ورغم ما قيل في كراهية الموسيقى، فلقد اعترف بفوائدها، فالصوفية مثلاً نظروا إليها كوسيلة من وسائل الكشف التى يوصل إليه عن طريق الانجذاب، وعن طــريقها نظــم الدراويش إيقاعات الذكر(31).

والحقيقة أن العرب جعلوا من صناعة الآلات الموسيقية فنًّا رفيعًا. فهناك رسائل في صناعتها، كما اشتهرت مدن بذلك، مثل : أشبيلية. وهناك دلائل كثيرة على أن العرب كانوا محسنين ومبتكرين للآلات الموسيقية. فالفارابي ( 950م) يقال: إنه مبتكر الرباب والقانون، والزنام (القرن9) رسم آلة هوائية تسمي ناي زنامي أو زولامي، وزلزل ( 791م) الذي كانت له طريقة موسيقية أدخل العود (الشبوطي). ولقد أحسن الحكم الثاني (976م) البوق، وأضاف زرياب ( القرن 9م) إلى العود وترًا خامسًا. واشتهر العباس وأبو المجد (القرن 11م) بصناعة الأرغن. أما صفي الدين عبد المؤمن (1204م) فقد ابتكر القانون المربع المسمي «بالنزهة» وآلة أخرى تسمى «المغني».

ورغم وجود بعض مدونات موسيقية من القرن التاسع المبكر، فإن التأليف الموسيقي كان سماعًا بالأذن. وبعض المؤلفين كانوا يدعون _ مثل الشعراء _ أن الإلهام اللحني يأتيهم عن طريق الجن. وفي الأدب الموسيقي الغني كانت هناك قصص ومجموعات في : الأغاني، وكتب الآلات الموسيقية، وقانونية الموسيقي وجمالياتها، وتراجم لحياة المغنيين والموسيقيين وسيرهم.

وأكبر من كتب في الموسيقى : المسعودي (957م) في مروج الذهب، والأصفهاني ( 967م) في الأغاني. وفي الغرب نجد كتاب «العقد الفريد»، لابن عبد ربه (940م)، كما ألف يحيي الخدج المرسي (القرن 12) كتابًا في الأغاني تقليدًا لكتاب الأصفهاني.

أما أصحاب النظريات الموسيقية، فأولهم يونس الكاتب (765م) ويأتي بعده «الخليل بن أحمد» صاحب العروض (791م) ثم إسحاق الموصلي (850م ) الذي كان مجددًا صاحب مذهب ومخترع إيقاعات وألحان. وبفضل حركة الترجمة عرف العرب مؤلفات اليونان القديمة في الموسيقى وعلم الصوت، ومن ذلك مبادئ النغم، وكتاب الإيقاع لارستوكزينوس، وكتاب مقدمات النغم وتقسيم القانون لإقليدس، وكتاب الموسيقى لنيقوماكوس، وكذلك رسالة بطليموس في النغم.

وممن كتب في الموسيقى النظرية المتأثرة باليونان فيلسوف العرب الكندي (874م) وكان له سبع رسائل في نظرية الموسيقى. وتحدث فيها عن الأصوات وأبعادها وأجناس المقامات وأنواع الألحان، وأثبت أن الغناء العربي فن قائم بذاته ليس هو  بفارسي ولا رومي، بالرغم من أن العرب اقتبسوا بعض طرائق هؤلاء القوم في النغم، كما أخذوا عنهم استعمال «العود».

لكن العود في أيدي المغنين العرب استعرب تمامًا وصار مختلفًا عن عيدان الفرس والروم. ويقول الفيلسوف الكندي : «لكل أمة في آلة العود طريقة ليست لغيرها من الأمم». ولقد ضاعت كثير من مؤلفات الكندي. ولم يبق منها إلا ثلاثة كتب، وبعض مخطوطات مــا زالت في متــاحف أوربا(32).

ويأتي بعد الكــــندي ثابت بن قرة (901م) والرازي (923م) ثم قسطا بن لوقا (932م)، وأكبر النظريين العرب هو الفيلســـــــــــوف الفارابي (330هـ) صاحب كتاب الموسيقى الكبير، الذي ينص على أن سبب تأليفه للكتاب هو ما وجده من النقص والغموض في أعمال اليونان الموسيقية، كما وجدها في الترجمات العربية ؛ ولذلك أتى كتابه هذا شاملاً لجميع أنحاء الصناعة النظرية والعملية، وهو مخطوط ضخم له شهرة عالمية في الأوساط التي تعنى بدراسة الموسيقي العربية؛ نظرًا لغزارة مادته وقوة أسلوبه والمذهب المنفرد الذي سلكه المؤلف في تصنيفه(33).

وقد حكى الناس عن الفارابي أساطير اقترنت بأنه أول من اخترع العود، وأنه اخترع آلة كانت إذا حرك أوتارها بطرائق معلومة عنده أحدثت نغمًا لا يتمالك الإنسان عند سماعه من الضحك. ولعل الذين أشاعوا عنه هذه الطرائف، ربما نظروا في كتابه هذا، عن آلة قديمة وصفها الفاربي بأنها مستطيلة الشكل توضع عليها مسطرة مقسمة لقياس الأبعاد الصوتية في أجناسها المختلفة، ونحن لم نجد ما يدعونا إلى تصديق هذه الروايات عنه. غير أن الذي لا شك فيه أن الفارابي     كان يزاول هذه الصناعة بالفعل، فأمكن له تعريف مبادئ هذا العلم والإحاطة بجميع نواحيه، فكان ينتقل بين موضوعاته انتقال خبير عالم بالصناعة العملية، فجاء كتابه في علم الموسيقى شاملاً كاملاً(34).

وللإمام الغزالي (505 هـ/ 1111م) رأي مهم في الموسيقى، فقد رأى أن القلب الإنساني ينطوي علي أسرار وأحوال، وأن الألحان والأنغام هي التي تظهر تلك الأحوال، وذلك من خلال التشابه الإيقاعي بين الأنغام الموسيقية والأحوال النفسية، وحدد كذلك أنواعًا من الموسيقى لها تأثير الترقي والتهذيب على النفس والحث على الشجاعة والقتال؛ حيث قال : «إن في أعماق النفس الإنسانية شوقًا نحو شيء عظيم مجهول ؛ والموسيقى هي التى تحرك هذا الشوق وتؤججه(35)».

وقد تحددت نظرية للفن عند الغزالي في كتاب «آداب السماع والوجد» من « إحياء علوم الدين» حيث فند حجج المنع والتحريم للغناء والموسيقى، ووحد بين النفس السوية وتذوق الفنون الجميلة حين قال : « من لم يحركه الربيع وأزهاره، والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج ليس له علاج»(36).

ومن الجدير بالذكر أن الذي يحدد طبيعة الموقف تجاه الموسيقى قبولاً أو رفضًا هو السياق أو المقام الذي يتم فيه الأداء الموسيقى، وهناك عوامل ثلاثة تحدد هذا السياق، أوردها الغزالي في سجع لطيف « الزمان، والمكان، والإخوان» أي وقت الممارسة وزمانها وإخوان المنادمة فيها(37).

وحين أورد الغزالي «زمان » الأداء الموسيقى باعتباره عنصرًا هامًّا لتحديد شرعية الموسيقى والموسيقيين، إقرارًا أو إنكارًا، فإنه قد عرض لأمر ذي شقين، الشق الأول يعتبر أهمية الزمان على أساس أنه إذا ما اعترض الأداء أو الاستماع بالنمط الموسيقى زمانًا مخصصًا لتحقيق هدف ديني أسمي (مثل الصلاة أو رعاية الأسرة ) فهو من الأمور المفسدة التي يجب اجتنابها.

والشق الثاني يكمن في استناد هذا التبرير على الإجماع بين المسلمين على أن الحياة ليست عبثًا ولا يجب أن نخصص سوى وقت  قصير للمتعة الزائفة؛ ولذا فإن الغزالي يرى أن الفرد _ سواء  كان مؤديًا لنمط موسيقى أو مستمعًا له _ إذا ما أعطى جل وقته للاستماع انقلب الأمر من لهو بريء إلى زيغ جريء(38). وشدد الكُتَّاب الآخرون تشديدًا مماثلاً على أهمية الممارسة المحددة.

ويأتي اعتبار «المكان» للدلالة علىاقتناع المسلمين الصريح بأن الحكم على الموسيقيين بالصلاح أو الطلاح يعتمد على سياق الممارسة أو المقام الذي تم فيه الأداء؛ حيث تتساوى درجة الأهمية المعطاة لمقبولية المكان الذي يحدث فيه الأداء الموسيقى مع الدرجة المعطاة للمناسبة التى ارتبطت به في تكوين حكمنا على من يقوم بهذا الأداء أو من يستمع إليه.

ثم يأتي العامل الأخير وهو «الإخوان» أو الرفاق في الأداء أو الاستماع، فإذا ما تسبب هذا الأداء أو الاستماع في وضع الفرد في صحبة الأخيار والكرام فلا غبار عليه ولا ضرر منه، ولكنه إن تسبب في وضعه في صحبة تلهيه عن الواجبات الدينية أو المسئوليات الاجتماعية أو ينتج عنه انتقاص من وضعه الأدبي فقد وقع هذا  العمل في دائرة المحظور بغض النظر عن ماهية الأداء الموسيقى في ذلك المقام(39).

ولذلك سوف يرى الإمام الشيخ عبد الغني النابلسي فقيه المذهب الحنفي في القرن 17م، وكذلك الشيخ شلتوت إمام الأزهر، أن أي تحريم للموسيقى ورد في تراث الحديث قد ورد معه الخمر والقينات والفسوق والفجور. ومن هنا يرى كلاهما أن التحريم قد بني على مقام الأداء ومتعلقاته وليس موجهًا للموسيقى  ذاتها. فالتحريم لم يبن على إنكار الموسيقى ذاتها، وإنما على استخدامها في ظروف آثمة أو مرتبطة بالمفاسد.

ولذلك تؤكد د. لويز لمياء في بحثها السابق _ ونحن نوافقها على ذلك _ على أننا لا يمكننا تقويم أي عمل موسيقى إلا باعتباره كُلاًّ مركبًا من كافة خصائص الإنتاج الفني وكل المظاهر المتعلقة بأدائه، ومن خلال هذا الاعتبار بكلية العمل الموسيقى يسهل علينا فهم الأسباب الكامنة وراء التنوع الكبير في آرائه صلى الله عليه وسلم تجاه حوادث محددة من أنماط هندسة الصوت.

فإذا استعرضنا بعض المفكرين والفلاسفة المسلمين الذين اهتموا بالموسيقى فسنجد أن إخوان الصفا قد كتبوا رسالة من رسائلهم في الموسيقى، أما ابن سينا الفيلســــــــــــوف المسلم (1037م) فلم تكن الموسيقى _ على إجادته لها _ إلا جزءًا من مواهبه وأعماله ومؤلفاته. وقد كشف عن معارفه الموسيقية في مقدمته لفنون الموسيقى، وفي كتابيه الشهيرين «الشفاء» و«النجاة».

أما أشهر النظريين في علم الموسيقى في الأندلس، فهو ابن باجة Avempace الذي كتب رسالة في الموسيقى كان لها من الشهرة في الغرب الأوربي مثلما كان لنظرية الفارابي في الشرق الإسلامي. أما ابن رشد Averroes (1198م) فقد عالج نظريات الصوت في تعليقه على كتاب أرسطاطاليس في الروح (Deanima).

وفي تقييم هؤلاء النظريين من كتاب الموسيقى العرب، يقرر «فارمر»(40) في كتابه الهام عن الموسيقى أن معظمهم مهرة في الرباعيات، وأنهم كانوا حسابيين وفزيائيين. ومن الحقائق : أن التأمل النظري في الموسيقى وفي أصول طبيعة الصوت، قادتهم إلى القيام بأعمال تجريبية كثيرًا ما دلتهم على بعض الأخطاء في النظريات.

وهكذا فإن نقد «صفي الدين» لتعريفات الفارابي وابن سينا تظهر طبيعة هؤلاء الباحثين الذين لا يقبلون كلام السابقين مهما عظمت أسماؤهم، طالما لم تكن تقاريرهم صحيحة. فالمعروف أن النظريين أضافوا الكثير إلى أعمال اليونان، ومقدمة كتاب الموسيقى الكبير للفارابي تعادل في الحقيقة إن لم تفق، أي عمل وصلنا من اليونان.

أما عن وصف الآلات الموسيقية الذي قام به الكندي والفارابي والخوارزمي وإخوان الصفا فيؤكد أن العرب سبقوا أوربا في هذا المجال بعدة قرون. وعن المدرسة المنهجية التي أقامها «صفي الدين» فإنها أخرجت ما يمكن أن يعتبر أتقن سلم موسيقي أمكن تقسيمه، كما يرى «هيوبرت باري Parry». وإذا كان تراث العرب في الموسيقى لم يصل منه إلى أوربا إلا القليل، فمن المعروف أن موسوعتي الفارابي في الموسيقى قد نقلتا إلى اللاتينية بمعرفة يوحنا هسبا لنسيس، وجيرار الكريموني (1187م).

كما كان للترجمات العبرية في موضوعات الموسيقى العربية أهمية خاصة في أوربا. ويظهر الأثر العربي في الموسيقى وعلم الصوتيات في أوربا العصور الوسطى في مؤلفات : المترجم «جون يسلاف» (1150م)، وفنسان دي بوفيه (1264م)، وايزيدور الأشبيلي وغيره.

وكذلك الأمر بالنسبة «لروجر بيكون» (1280م) الذي يذكر الفارابي مع بطليموس وإقليدس في فصل الموسيقى، ويشير إلى ابن سينا في مسألة الشفاء عن طريق الموسيقى.

ورغم ما يقال من أن الأثر العربي في الموسيقى الأوربية غير واضح على أساس أن الأخذ المباشر بالسماع أهم من الاتصال الأدبي إلا أن «فارمر»(41) يثبت أن الأثر العربي يظهر في الإيقاع الذي لم يكن تعرفه أوربا. وأول من أشار إلى ذلك هو «فرانكو الكولوني» (1190م).

ويظهر أثر الاقتباس بشكل واضح في أسماء الآلات العربية المعروفة في اللغات الأوربية مثل العود Late والرباب Rebe، والقيثارة Guitar والنقارة Naker(42).

وكذلك الزمر Zambra والطرب Tropan، والصنوج Songas، والنفيل Anfil وغيرها، وتؤكد د. سيجريد هونكه على أن النوتة الموسيقية المعاصرة أصلها عربي، والتي يقال إن الموسيقي الإيطالي «جيدفون آرينزو» قد أخذها عام 1026م عن نشيد يوحنا(43).

أما الدكتور أدموند(44)، فقد كشف عن حقيقة آمن بها ودافع عنها في عدد من مؤلفاته، وهي أن الموسيقى العربية هي أم الموسيقى الإسبانية، وأن أسبانيا هي أم الموسيقى العالمية. وأعلن المستشرق «خوليان ويبارا» أن موسيقى القرون الوسطى ترجع إلى أصل عربي، وقال : «إذا نحن احتجنا إلى البحث في الموسيقى الكلاسيك Classique لجأنا إلى الموسيقى العربية واتخذناها سندًا. وقد أقام الأدلة على ما ذهب إليه في كتابيه (La musica de les comliges, La musica and luza) وعنه أن الموسيقى قديمة العهد، وقد رافقت النشوء الإنساني؛ لأنها مظهر من مظاهر الحالات النفسية، وقبل دخول العرب أسبانيا لم تكن هناك سوى الموسيقى المدعوة Ficta وهي مجموعة من ألحان كنسية مأخوذة من اليونان. وكان القسس يحرصون عليها جد الحرص، فلما جاء العرب وازدهرت حضارتهم تموجت أنغام الزجل والحجاز في أفق أسبانيا، ولم تلبث أن اتصلت بها الموسيقى الشعبية واكتسبت منها روحًا جديدة، فنشأت من ذلك الموسيقى الأسبانية، ونحن ندعوها الموسيقى العربية(45).

الموسيقى بين الطبيعة والفن :

الصوت الموسيقي – من حيث هو مادة موسيقية – يتميز هو نفسه بطابع فريد ؛ إذ لا يكون مستمدًّا من أي شيء في الطبيعة أو وقائع العالم الخارجي. وبهذا تنفرد الموسيقى عن سائر الفنون الأخرى بطابع الاستقلال عن الطبيعة :

فمادة التصوير – علي سبيل المثال،  وهي الألوان – مستمدة من الطبيعة، والمصور لا يستقي ألوانه من الطبيعة فحسب، بل إنه هو نفسه يتعلم منها أيضًا في ممارسته لفنه، حينما يدرس ويتأمل ملمس الأشياء، ومدى صلابتها وعمقها وظلالها وضوئها. وفن المعمار – وكذلك فن النحت – يستمد أحجاره ومواده ذات الكتلة والحجم من الطبيعة. والشاعر أو الأديب على وجه العموم يستخدم كلمات مستمدة من لغة وقاموس شعب ما.

وقد يقال أن الطبيعة تحفل بأصوات جميلة تبعث البهجة والمتعة في نفوسنا : كهمسات النسيم التي تداعب أوراق الأشجار أو خرير الماء في جداول الأنهار، وقد تتخذ هذه الأصوات طابعًا موسيقيًّا أو نغميًّا كما في غناء بعض الطيور، غير أن هذا القول غافل عن أن هذه الأصوات لا تشكل موسيقى ولا هي حتى تمثل مادة قابلة للتشكيل الموسيقي كعمل فني ؛ لأنها تنتظم أو تترابط في تشكيل معين بحيث تقدم لنا صورة كلية معبرة، فضلاً عن ذلك فإنها تتألف من نغمات محدودة للغاية تتكرر على نحو رتيب بحيث لا تصلح كمادة موسيقية، ولا شك أن هذه وإن لم تكن نتاجًا لوعي إبداعي بمفهومنا الإنساني للإبداع الفني، فإنها نتاج إبداعي إلهي قصدي أراد من خلال هذه النفحات البسيطة المتكررة حث حسنا الجمالي وتنبيهه على تقدير قيمة الصوت الموسيقي والاستمتاع به جماليًّا.

لذلك فإن غاية ما يمكننا قوله هنا هو أن هذه الأصوات الجميلة في الطبيعة قد ولدت في الإنسان حسًّا موسيقيًّا أوليًّا، تمامًا مثلما استقى من الطبيعة حسًّا جماليًّا أوليًّا، ولكن في حين أن المصور أو النحات أو المعماري قد وجد في الطبيعة مواد يمكن أن يستخدمها في تعبيره الجمالي لم يجد الموسيقـار شيئًا يستعين به سوى حسه الموسيقي الأولي، كان عليه أن يبدع بنفسـه أدواته التعبيرية الخاصة(46).

ويؤكد د. سعيد توفيق على أن هناك صلة وثيقة بين الإيقاع الموسيقي والنظام الذي تسير عليه حركة الجسم وحركة الطبيعة، فللجسم حركات إيقاعية سريعة كالتنفس بما فيها من شهيق وزفير، وحركات بطيئة نسبيًّا، كتعاقب الجوع والشبع، والنوم واليقظة، وفي الطبيعة إيقاع يتعاقب فيه الليل والنهار، وإيقاع رباعي تتعاقب فيه فصول السنة.

ومن هنا قال كثير من الباحثين بأن للموسيقى أصلاً عضويًّا أو طبيعيًّا ما دامت الحركة الطبيعية ترديدًا لحركات مناظرة لها داخل الجسم الإنساني أو في الطبيعة الخارجية ؛ مما أدى إلى تكوين ما يسمى بالحاسة الإيقاعية لدى الإنسان(47)، وإن كل ما يعنيه هذا بالنسبة لنا هو أن الحس الإيقاعي الأولي لدى الإنسان له أصول طبيعية، ولكن لا ينبغي أن نستنتج من هذا أن الإيقاع الموسيقي يستمد من إيقاع الطبيعة أو يكون ترديدًا له، وإنما هو لغة فنية ابتكرها الإنسان للتعبير عن إحساسه بالإيقاعات الباطنة لانفعالاته وعواطفه ومشاعره بوجه عام.

إن الطبيعة تمد الإنسان بالحس الإيقاعي الأولي الذي يعكس مشاعره وانفعالاته إزاء الطبيعة والعالم بأشيائه، غير أن نضج هذا الحس وتطوره يرجع إلى مدى ما يبتكره ويطوره من أدوات يتعامل من خلالها مع عالمه، ومن بين هذه الأدوات الآلات الموسيقية بصوتياتها التي ابتكرها الإنسان ويطورها، وهو أمر يعكس بلا شك تطوره الحضاري بالمعنى الواسع(48).

ومن هنا لا يكون غريبًا أن نجد كثيرًا من الأدباء والمفكرين الإسلاميين يهتمون بالموسيقى والغناء، خاصة في عصر ازدهار الدولة الإسلامية، فيحصى لنا التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»(49) عددًا من المغنين في بغداد لا يتصور وجوده في بلد واحد بهذه الكثرة، وأشار إلى اهتمام الناس خاصتهم وعامتهم بالغناء في بغداد وغيرها من عواصم الإسلام.

يقول الثعالبي : «قال بعض الفلاسفة أمهات لذات الدنيا أربع : لذة الطعام، ولذة الشراب، ولذة النكاح، ولذة السماع». فاللذات الثلاث لا يوصل إلى كل منها إلا بحركة وتعب ومشقة، ولها مضار إذا استكثر منها، ولذة السماع قلت أم كثرت صافية من التعب، خالصة من الضرر»، وقال : «ومن خواص السماع أنه لا يحجزه شيء، ولأن الجمع بينه وبين كل لذة وعمل ممكن، وأن الإبل والخيل والحمير تستطيبه، والصبيان الرضع تستلذه، والوحوش والطيور تصغي إلى الفائق منه وتفرح عليه».

ويقول : «وكان بعض فقهاء المتكلمين يقول : قد اختلف الناس في السماع، فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين، فأقول إنه واجب لكثرة منافعه، ومرافقه، وحاجة النفوس إليه، وحسن أثر استمتاعها به».

ونقل عن بعض الصالحين والخلفاء والشعراء والفلاسفة أقوالاً تؤيد هذا الاستحسان ومنه قول بختيشوع : «الغناء غذاء للروح، كما أن الطعام غذاء للجسم»(50). ومن الجدير بالانتباه أن نجد أبا حيان التوحيدي يسأل في كتابه «الهوامل والشوامل» مسكويه : «ما سبب تصاغي البهائم والطير إلى اللحن الشجي، والنغم الندي، وما الواصل منه إلى الإنسان العاقل المحصل حتي يأتي على نفسه؟». وكما نرى، فإنها أسئلة تدور حول المستمع وتأثره بالغناء. ويجيبه مسكويه بإجابات مطولة شارحًا ذلك ومبررًا.

وفي المقابسات يخص التوحيدي المقابسة رقم 19 بالحديث عن الغناء يقول : «خرج أبو سليمان المنطقي يومًا ببغداد إلى الصحراء بعض أيام الربيع قصدًا للتفرج والمؤانسة، وكان معنا أيضًا صبي دون البلوغ جهم الوجه بغيض المحيا شتيم المنظر، ولكنه كان مع هذه الصورة يترنم ترنمًا نديًّا عن جرم ترف، وصوت شج، ونغمة رخيمة، وإطراق حلو. وكان معنا جماعة من طراق المحلة، فلما تنفس الوقت أخذ الصبي في فنه، وبلغ أقصى ما عنده، فترنح أصحابنا وتهادوا وطربوا، فقلت لصاحب لي ذكي : أما ترى ما يعمل بنا شجي هذا الصوت، فقال : لو كان لهذا من يخرجه ويعني به، ويأخذه بالطرائق المؤلفة والألحان المختلفة لكان يظهر أنه آية، ويصير فتنة، فإنه عجيب الطبع بديع الفن».

ويتدخل أبو سليمان في الحديث فيردد القول حول الصناعة أو الفن بين الطبيعة والتحصيل، أو الموهبة والدراسة والتثقيف، فيرى أن الفتى قد وهب طبيعة الغناء، وأن الطبيعة محتاجة إلى الصناعة في هذا المكان ؛ لأن الصناعة هنا تستملي من النفس والعقل، وتملي على الطبيعة. ويمضي في شرح هذا القول، في حوار مع تلاميذه وجلسائه يستجلون غامضه ويطلبون زيادة المعرفة من معلمهم الفيلسوف(51).

الإمام الغزالي والسماع :

ومن أجل الغناء والصوت الجميل كتب حجة الإسلام الشيخ أبو حامد الغزالي (505هـ) كتابًا رائعًا عنوانه «آداب السماع والوجد» حيث رأى الغزالي أن الصوت الجميل يثمر في القلب ثمرة تسمى «الوجد» وأيقن أن السبيل إلى استثارة القلوب والنفوس هو الصوت الجميل.

وتتجلي في «آداب السماع والوجد» لمحات من شخصية الإمام الغزالي في جسارة قلبه ورجاحة عقله، وبلاغة بيانه وآرائه، وحلاوة منطقه وذكائه !.. لا يهوله من قالوا بتحريم الغناء ولا من أباحوا بعضه وحرموا بعضه الآخر، ولا يجد في الاستقلال برأيه حرجًا، مادام لديه البرهان على إباحة الغناء، ومادام قادرًا على دحض حجج القائلين بتحريمه !

وفي عصر الغزالي ملأ المتصوفة الآفاق، وبهروا العام والخاص، وكتبوا الشعر والنثر، وصنفوا الكتب والرسائل وألفوا الفرق والطرق والحلقات، واتخذوا الشارات والعلامات، واحتاجوا في خلواتهم واجتماعاتهم إلى الغناء والموسيقى لتأريث الوجد في قلوبهم ؛ تعلقًا بالله، وحثًّا للسير على هداه. خاصة وأن للموسيقى تأثيرًا لا ينكر على وجدان المتصوف، وشراب طربه وبكائه وشوقه وهيامه، وعن طريق بعض أنواع من الموسيقى يتواجد الصوفي حتى يبلغ أقصى لذات الوجد، وأطيب سوانح الوصال.

وقد استلهم الغزالي من نصوص الآيات والأحاديث كل براهينه النقلية والعقلية علي صحة السماع وإباحته، وأثبت أن الآية التي تقول : {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} تحمل في كلماتها المباشرة ومعانيها الظاهرة استنكار الصوت القبيح، واستحسان الصوت الجميل.. وما دام الصوت القبيح منكرًا والصوت الجميل مستحسنًا، فلا يصح في الذهن تحريم الصوت الجميل وما يصدر عنه من غناء. لقد كان الغزالي يدافع عن حق الإنسان المتدين في التعبير الفني، والتمتع بثمرات التعبير الفني، وكان السماع أو الغناء، أهم أشكال هذا التعبير في عصره. فليس حتماً ولا قدرًا مقدورًا، أن يضمحل التعبير الفني في المجتمعات المستظلة براية الدين، على الرغم من أن بعض المتدينين استغنوا عن أشكال من التعبير الفني، ولكن الناس في عصر الغزالي وقبل عصره، وجدوا في الغناء والسماع تعبيرًا فنيًّا يلائم الملابسات الموضوعية في حياتهم ويجعل من وجوده ضربة لازب، ولا يخالف الدين في منقول من أوامره ونواهيه أو في معقول.

وقد اكتشف الغزالي، وهو يبحث في قضية الغناء والسماع أن في داخل الإنسان فطرة سوية تتولى تحويل الحقائق إلى تعبير فني، يأخذ صورًا شتى، من بينها ذلك الشكل من الغناء والسماع، فهل يكون ما في هذه الفطرة من عمل ساحر، أو من عمل الشيطان ؟ !

ونجده في مقدمته للكتاب يضع الجواب في قوله : « الحمد الله الذي أحرق قلوب أوليائه بنار محبته، واسترق هممهم وأرواحهم بالشوق إلى لقائه ومشاهدته، ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة حضرته، حتى أصبحوا من تنسم روح الوصال سكرى.. إن سنحت لأبصارهم صورة، عبرت إلى المصور بصائرهم، وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت إلى المحبوب سرائرهم، وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو مبهج أو مشوق أو مهيج، لم يكن انزعاجهم إلا إليه، ولا طربهم إلا به ».

ويضع الغزالي في هذه المقدمة إذن مسلمته الأولى في البحث، فهو يبحث في الغناء كأداة للطرب الصوفي الذي هو في رأيهم باب إلى الله تدخل منه سرائرهم إلى أقداس محبته ورضاه، وقد رأى الغزالي من أحوال الصوفية في نيسابور وبغداد والقدس ودمشق ما أقنعه بأن الغناء والموسيقى يحملهم بجناحيه إلى القمم الروحية العالية والذري الإلهية الشماء، خاصة حينما يكون مصحوبًا بالشعر الصوفي الراقي، وكلماته التى تخاطب الروح قبل أن تخاطب العقل.

ورأى الغزالي أن الصوفية يفردون لكل وقت نغمة حزن أو نغمة انتشاء أو نغمة شوق، كأنهم في ذلك سائرون على النهج الذي رسمه الفيلسوف الطبيب ابن سينا حين قرر في بعض كتاباته أن فترة شروق الشمس تصلح لها نغمة، فإذا اكتمل إشراقها وجب الانتقال إلى نغمة ثانية، وإذا ارتفعت في السماء فالغناء من نغمة ثالثة، وبعد ساعة يجيء دور نغمة رابعة، وفي الغروب ترتفع مع أول خيوط العتمة نغمة خامسة، وهكذا يتقلب الصوفي بين أحوال مختلفة في السماع وما يرد إلى قلبه منه من آثار.

ويدلل الغزالي على صحة الغناء وإباحة استماع الموسيقى معتمدًا على أمرين : النص والقياس. أما القياس فيرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص بها، وللإنسان عقل وحواس خمس، لكل حاسة  إدراك، وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ، فلذة النظر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن، وسائر الألوان الجميلة، وهي في مقابلة ما يكون من الألوان الكدرة القبيحة.

وأما النص : فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله تعالى على عباده؛ إذ قال : { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}.. فقيل: هو الصوت الحسن.. وفي الحديث : « ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الصوت ». وقال عليه السلام : « للهُ أشد أذنًا للرجل الحسن الصوت بالقرآن، من حاجب القينة لقينته» وفي الحديث في معرض المدح لداود عليه السلام أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزبور، حتى كانت تجتمع الإنس والجن والوحش والطير لسماع صوته.. وقال النبي r في مدح أبي موسي الأشعرى : « لقد أعطى مزمارًا من مزامير داود ». هذا فضلا عن سماع النبي r وعائشة وراءه رجال الحبش يغنون ويلعبون، وعدم نهيه عن ذلك، بل استحسانه لهذه الأمور، خاصة حين تكون في أيام عيد أو في مناسبات اجتماعية كالأفراح.

وبعد تفنيد طويل لأسانيد من قالوا بتحريم الغناء يقول الغزالي : « فإن تأثير السماع في القلب محسوس، ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور، بل على جميع البهائم، فإن جميعها يتأثر بالنغمات»(52).

ويقول الغزالي صراحة : « السماع في أوقات السرور، تأكيد للسرور وتهييج له مباح…إن كان ذلك السرور مباحًا، كالغناء في أيام العيد، وفي العرس، وفي وقت الوليمة الخ.. ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب، فكل ما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه ».

ثم يتطرق الغزالي إلى تأثير الموسيقى والسماع في الصوفية، وكيف يساعدهم على تحقيق نوع من السمو الروحي وارتقاء أحوال ومقامات وجدانية لا يتيسر لهم ارتقاؤها دونه، يقول: « سماع من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فلا ينظر في شيء إلا رآه فيه سبحانه، ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه، فالسماع في حقه مُهيج لشوقه ومستخرج منه أحوالاً من المكاشفات والملاحظات لا يحيط الوصف بها، وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجدًا مأخوذًا من الوجود.. وحصول هذه الأحوال للقلب بالسماع، سببه سر الله تعالى في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، وتسخير الأرواح لها، وتأثرها بها شوقًا وفرحًا وحزنًا ».

وقد عرف تأثير السماع عند الصوفية في عصر الغزالي، فأول درجاته فهم المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ثم يثمر الفهم الوجد، ويثمر الوجد حركة الجوارح، وقد شرح الإمام السهروردي في كتابه «عوارف المعارف» تأثير السماع عند الصوفية حيث قال : « السماع الحق تارة يثير حزنًا، والحزن حار، وتارة يثير شوقًا، والشوق حار، وتارة يثير ندمًا، والندم حار، فإذا أثار السماع هذه الصفات من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين «أبكى وأدمع».

ومن هنا يقول الغزالي كلمته البليغة ذات الدلالة : « والبليد الجامد القاسي القلب، المحروم من لذة السماع، يتعجب من التذاذ المستمع ووجده واضطراب حاله وتغير لونه، كما تتعجب البهيمة من لذة اللوزينج»، واللوزينج لون حلو لذيذ من الطعام.. لا تدرك البهيمة لذته بطبيعة الحال، وكذلك غلاظ القلوب والعقول، لا يدركون لذة الغناء، كما رآهم الغزالي في عصره، وكما نراهم في عصرنا(53).

وينقل الغزالي من كلام المتصوفة عن الوجد والتواجد كلمات حساسة عطرة منها قول بعضهم : « في القلب  فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ، فأخرجتها النفس بالألحان ». وقال آخر – وقد سئل عن سبب حركة الأطراف على وزن الألحان والإيقاعات-: « ذلك هو العشق العقلي» وأما رأي الغزالي في الوجد فيصوغه في قوله : « إنه حالة يثمرها السماع، وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه ».

ذلك هو السماع أوالغناء، أما آدابه، فأولها : مراعاة الزمان والمكان والإخوان.. وثانيها : أن يتوفر الذوق لدى المستمع، فمن لم يكن له ذوق السماع، فاشتغاله به اشتغال بما لا يعنيه، والأدب الثالث : هو الإصغاء وحضور القلب. والرابع : ألا يرفع المستمع صوته بالبكاء متصنعًا، ولكنه إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به الرياء، والخامس : حين الصحبة في مجلس السماع والوجد. وهكذا يكون الرقص أيضا مباحًا في مجالس السماع(54).

وهذا الذي يذكره الغزالي في مؤلفاته عن أحوال الصوفية مع السماع ليس غريبًا عنهم، فإننا قد وجدنا كثيرًا من المؤلفات التى تتحدث عن الصوفية تذكر كثيرًا منه، ففي كتاب «الإشارات الإلهية» للتوحيدي حديث طويل عميق عن سماع الصوفية، وأثره في تخليص الروح من قيود الجسد، ورفع درجات الوجد عند السالكين.

كما يسأل التوحيدي في كتابه «الهوامل والشوامل» مسكويه أسئلة عن التذوق الفني، ومنها ما يتعلق بتذوق الألحان والغناء يقول : « لم إذا أبصر الإنسان صورة حسنة أو سمع نغمة رخيمة قال : « والله ما رأيت مثل هذا قط ولا سمعت مثل هذا قط؟. وقد علم أنه سمع أطيب من ذلك، وأبصر أحسن من ذلك ». ويسأله : « لم صار من يطرب للغناء، ويرتاح للسماع يمد يده ويحرك رأسه وربما قام، وجال، ورقص، ونعر وصرخ، وربما عدا وهام، وليس هكذا من يخاف، فإنه يقشعر وينقبض، ويواري شخصه، ويغيب أثره ويخفض صوته، ويقل حديثه؟»(55).

الصوفية والموسيقى :

من الجدير بالذكر أن الصوفية هم الذين أغنوا الغناء والموسيقى في العالم العربي بمختلف المقامات والأنغام، فالألحان التى نعنيها اليوم ليست محدودة بتلك المقامات التي صنعها الموصلي أو ابن جامع في بغداد أيام عهدها الزاهر، ولكنها أرحب  من هذا وأفسح، وأكثر تلوينًا وتطريبًا، والفضل في هذا يرجع إليهم ؛ لأن انتشار طرقهم ومجامعهم في مصر والشام والعراق وفارس وتركيا والهند قد ساعد على التداخل والتمازج بين ألوان الغناء والموسيقى في هذه الأقطار، وعلى خلق وحدة فنية من هذه الألوان ترتاح لها الآذان وتهش لها النفوس والأرواح بين جميع شعوب العالم الإسلامي، على الرغم من اختلاف اللغة والمزاج.

كما أن للصوفية فضلاً آخر، وذلك أنهم بحكم اتصالهم  الوثيق بالعامة، وتغلغلهم في مختلف الطبقات الشعبية قد أتاحوا دائمًا الفرصة لظهور أصحاب الأصوات والمواهب الفنية من أبناء هذه الطبقات في حلقات الذكر ومحافل الإنشاد، ومن ثم كانت هذه الحلقات والمحافل مدارس تخرج فيها أعلام الغناء وشيوخ الملحنين الذين ملكوا الصناعة في هذا الفن.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الصوفية قد طبعوا الغناء والموسيقى بطابع خاص، وأعني به طابع الحنان الذي تذوب فيه النفوس وتهيم به الأرواح ؛ ذلك لأن الغناء عندهم يقوم أصلا على التضرع والابتهال والرجاء في الله؛ مما يستوجب الرقة والحنان والصفاء الروحي، ثم إنهم يربطون الإنشاد بحركة الإيقاع في الذكر ربطًا محكمًا، والحرص على الانسجام في الانتقال من طبقة إلى طبقة ومن مقام إلى مقام، مما يبعث في النفس الانسجام والبشاشة(56).

والصوفية يسمون المغني الذي ينشد الأشعار في محافلهم «بالقوال» وكان في أول الأمر شيخ الجماعة، فهو يقول وهم يسمعون ويتواجدون، كل وفقًا لحاله والمعني الذي يتصل بقلبه من سماع القوال. ويشترط الإمام «الجنيد» أن يكون القوال بدون أجر. ويقول «أبو طالب المكي»: «يجب أن يكون القوال بدون أجر، فهو الذي يمدهم، وينشد لهم من درر الشعر ما يناسب حالهم، وتقوى به قلوبهم على السير إلى المقامات العلية ».

ولم يكن القوالون الذين ينشدون الشعر للصوفية في عهدهم الأول يعتمدون على آلات موسيقية ؛ لأن الصوفية الأول كانوا يتحرجون من ذلك، إنما كانوا يعتمدون على رخامة الصوت، وقوة الأداء، وبراعة التقطيع والترجيع، وقد اشتهرت مجالسهم في العراق دار الخلافة، كما اشتهرت للصوفية مراكز كثيرة امتدت في خراسان ومرو وبلخ ونيسابور والري وأصبهان وشيراز، ثم انتقلت إلى الهند. ثم جاءت الطريقة «المولوية» فأباحت العزف بجميع الآلات الموسيقية على اختلاف ألوانها في هذه المجالس.

ثم كان لظهور شعراء أفذاذ من أقطاب التصوف،أثره الواضح في الإنشاد، خاصة وأن أشعارهم امتازت بالرقة والعذوبة والانسجام، فساعدت على الهيام الروحي، الذي يفعم القلوب وجدًا وصبابة، مثل ابن الفارض وابن العربي واليافعي والنابلسي وغيرهم من الشعراء الذين ملأت أشعارهم ودواوينهم محافل الصوفية، وتمثل فضلهم في أنهم طوروا الشعر بما يرضي الذوق الموسيقى ويساعد على تلوين الفن الغنائي، فخرجوا من نطاق القصيدة التقليدي إلى نظم التواشيح والرقائق والمقطوعات والمواويل والأزجال، واختاروا لذلك الأوزان اللينة التي تنسجم مع التلحين وتستجيب لصوت المغني في التطريب(57).

وقد درج كثير من الصوفية على اتخاذ الموسيقى والغناء مظاهر مصاحبة للذكر، وجعلوا من هذا الثالوث الفني المتكامل أداة لإظهار مواجدهم، والتعبير عن انفعالاتهم، واستطاعوا أن ينسقوا حركات الذكر تنسيقًا دقيقًا، وأن يربطوا بينها ربطًا محكمًا يقوم على أصول فنية بارعة في الحركة والتلحين والإيقاع، يتجلى هذا أفضل ما يتجلى في طريقة المولوية الذين يبلغون مرحلة الفناء الصوفي أثناء تواجدهم في حلقات الذكر والإنشاد، وقد رأينا من قبل أبا حيان التوحيدي في «الإشارات الإلهية» يعدد فوائد السماع عند الصوفية في مجالس أذكارهم ؛ حيث يرفع درجة الوجد، ويساعدهم على التصاعد في مدارك الذهول والغيبة عن الحس.

التوحيدي والموسيقى والغناء :

في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»(58) يطول حديث أبي حيان في الموسيقى والغناء، فيروي مشاهداته للمغنين والمغنيات، وهيئاتهم، وحركاتهم في التمهيد للغناء وفي أثنائه، وأثر الغناء على السامعين، مبدعًا في تصويره دقائق ما يرى، كأنه يثبت بالمشاهدة والواقع ما ذكره المفكرون والفلاسفة فيما يروى عنهم وذكرنا جانبًا منه.

فيقول : « وسأل الوزير مرة عن الطرب على الغناء والضرب وأشباههما فكان الجواب :« قيل لسقراط فيما ترجمه أبو عثمان الدمشقي : لم طرب الإنسان على الغناء والضرب ؟ فقال : لأن نفسه مشغولة بتدبير الزمان من داخل ومن خارج، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاص ما لها من المثالات الشريفة والسعادات الروحانية من بعد ذلك العالم ؛ لأن ذلك وطنها بالحق، فأما هذا العالم فإنها غريبة فيه، والإنسان تابع لنفسه، وليست النفس تابعة للإنسان، إن الإنسان بالنفس إنسان وليست النفس نفسًا بالإنسان، فإذا طربت النفس، أعنى حنت، ولحظت الروح التى لها تحركت وخفت، فارتاحت واهتزت ؛ ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه، وربما مزقه، كأنه يريد أن ينسل من إهابه الذي لصق به، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه، ويهرول إلى حبيبه الذي تجلى له، وبرز إليه، إلا أن هذا المعنى على هذا التنضيد إنما هو للفلاسفة الذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما. وأما غيرهم فطربهم شبيه بما يعتري الطير وغيرها».

كأن أبا حيان في تعقيبه على القول المنقول عن سقراط، يرى أن هذا التعليل فلسفي افتراضي عقلي، ويريد أن يقول إن انفعال الإنسان للطرب واهتزازه له إنما هو اتصال تلقائي غريزي لكل صوت جميل ذي إيقاع منتظم لطبيعة الإيقاع المنتظم المركبة في كل المخلوقات(59).

ويمضي حديث أبي حيان وإجابته عن الطرب والغناء لابن سعد الوزير، فيسأل الوزير عن المغني إذا راسله – أي جاوبه ورد عليه – آخر من بطانته لم يكون ألذ وأطرب؟ فيجيبه أستاذه أبو سليمان على لسانه بإجابات مقنعة،… ويمضي حديث أبي سليمان المنطقي الفلسفي في تبرير طرب السامعين للمغني يجاوبه آخر أو آخرون، أو تشاركه الآلة الموسيقية غالبًا في التواشيح والأناشيد الدينية ويستعاض عنها بالبطانة أو «الكورس».

ويصف لنا بعض مشاهد الغناء وآثاره على السامعين مختلفي الطبائع والمذاهب والثقافات وأحوالهم عندما يطربون ويبلغ بهم الطرب مبلغًا، فيقول في معرض من طرب من مشاهير الأعلام في عصره : «ولا طرب ابن فهم الصوفي على غناء «نهاية» جارية ابن المغني إذا اندفعت بشدوها :

استودع الله في بغداد لي قمرًا

بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

ودعــتـه وبـودي لو يـودعـني

صفـو الحيـاة، وإني لا أودعــه

فإنه إذا سمع هذا منها ضرب بنفسه الأرض، وتمرغ في التراب، وهاج وأزبد وتعفر شعره.. ويمزق المرقعة قطعة قطعة، ويلطم وجهه ألف لطمة في ساعة».

وتفسير هذا قد أشرنا إليه في الحديث عن الصوفية والموسيقى، وكيف أن الموسيقى وخاصة حين تكون مصحوبة بالشعر الجميل الذي يحمل دلالات روحية ومعاني وجدانية، تحدث لهم وجدًا وتواجدًا يغيبون به عن عالم الحس والمحسوس، مع العلم أن الصوفية ينزلون ما يسمعون منازل روحية ووجدانية لا يدركها غيرهم، وهي دائمًا متصلة بمحبوبهم الأزلي ذي البهاء المطلق والجمال الدائم ؛ ولذلك قد تجدهم أحيانًا مصعوقين بتجليات ترد على قلوبهم تأخذهم عن أنفسهم، فهم حينئذ حيارى بين الجمال والجلال الإلهيين. ويضرب التوحيدي مثلاً بتأثير الموسيقى على آخر في صورة «كاريكاترية» مضحكة فيقول : «ولا طرب ابن غيلان البزاز على ترجيعات «بللور» جارية ابن اليزيدي المؤلف بين الأكباد المحترقة والمحسن إلى القلوب المتصدعة، والعيون الباكية إذا غنت :

أعــط الشـباب نصــيبه

مادمــت تعـذر بالشبـاب

وانعــم بأيـــام الصـبـا

واخلع عذارك في التصابي

فإنه إذا سمع منها هذا انقلبت حماليق عينيه، وسقط مغشيًا عليه، وجيء بالكافور وماء الورد، ومن يقرأ في أذنه آية الكرسي والمعوذتين».. ويقول : «وهناك والله ترى أحداق الحاضرين باهتة، ودموعهم متحدرة، وشهيقهم قد علا رحمة له، ورقة عليه، ومساعدة لحاله !! وهذه صورة إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عليهم عدوى لا تملك، وغاية لا تدرك؛ لأنه قلما يخلو إنسان من صبوة أو حسرة على فائت، أو فكر في تمنٍ أو خوف من قطيعة، أو رجاء لمنتظر، أو حزن على حال، وهذه أحوال معروفة، والناس منها على جديد معهودة».

ويختار التوحيدي من أصوات الغناء التي ينشدها المغنون والمغنيات أشعارًا جميلة المعاني رقيقة الألفاظ، نالت إعجاب السامعين في عصره على اختلاف طبقاتهم، تآلفت مع الألحان وأصوات المغنين، وهو يرى ضرورة التلاؤم بين النص والمغنين واللحن والصوت المؤدى.

ينقل عن أبي سليمان المنطقي قوله : «وأما الصورة اللفظية فهي المسموعة بالآلة التي هي الأذن، وإن كانت عجماء فلها حكم، وإن كانت ناطقة فلها حكم، وعلى الحالين فهي على مراتب ثلاث : إما أن يراد بها تحسين الأفهام، وإما أن يكون المراد بها تحقيق الإفهام، وعلى الجميع فهي موقوفة على خاص مالها في بروزها من نفس القائل ووصولها إلى نفس السامع. ولهذه الصورة بعد هذا كله مرتبة أخرى إذا مازجها اللحن والإيقاع بصناعة الموسيقى، فإنها حينئذ تعطي أمورًا ظريفة أعني أنها تلذ الإحساس، وتلهب الأنفاس، وتنعم البال، وتذكر بالعالم المشوق إليه، المتلهف عليه»(60).

ويشير في موضع آخر إلى أهمية الموسيقى وشرفها بقوله : «والغناء معروف الشرف عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر الفضح في معاينة الروح، ومناغاة العقل، وإظهار النجدة، وتنبيه النفس، واجتلاب الطرب، وتفريج الكرب، وإثارة الهزة، وإعادة العزة، وادكار العهد، واكتساب السلوة، وما لا يحصى عدده».

ولا نجد دفاعًا عن الموسيقى والغناء أبلغ من كلماته السابقة، والحق أن كتاباته حول الموضوع تشهد بتقديره للموسيقى والغناء، وفائدتهما للحياة، وأثرهما على الإنسان من تهذيب النفس واستشعار الجمال، وسمو الإحساس والمشاعر.

الصوت الموسيقي كتعبير جمالي :

فإذا توقفنا قليلاً عند الموسيقى كتعبير جمالي، من أجل مزيد من الفهم والمعرفة لهذا الفن الرفيع، وتساءلنا عن إشكالية قد تظهر لنا وهي : هل الموسيقى تحتوى على عناصر أخرى لا موسيقية : كالأفكار والتمثلات والانفعالات أو العواطف ؟

فإننا نجد الباحث د. سعيد توفيق يجيب عن هذا السؤال المشكل في بحث قيم له(61)، حيث يرى أن هناك اتجاهين رئيسيين في هذا الصدد، وأحد هذين الاتجاهين يؤكد أن الموسيقى هي في المقام الأول أصوات في حركة لا تعني أي شيء ولا تشير على الإطلاق إلى أي شيء يقوم خارجها.. إن ما تعنيه الموسيقى يكون معنى موسيقيًّا خالصًا. فهي مجرد تشكيل صوتي زماني خالص.

وهذا الاتجاه يسمى بالمدرسة الاستقلالية Autonomy School أو بالمدرسة الشكلانية الخالصة Purist Formalist School وقد تمثل هذا الاتجاه لدى «هانزليك» E.V. Hanslick في كتابه «الجميل في الموسيقى» الذي نشر لأول مرة عام 1854م، أما الاتجاه الآخر الذي يسمى أحيانًا «بالمدرسة الارتباطية Heteronomy School» فيؤكد أن الموسيقى ليست مجرد صوت في حركة، وإنما تشتمل أيضًا على – أو تعبر عن – أفكار وانفعالات وحتى فلسفات حياة.

ويرى الباحث أن الفيلسوف الألماني «شوبنهور Schopenhaur» هو أبرز ممثل لهذا الاتجاه في أعمق صوره، وأن هانزليك الذي كان معاصرًا له قد كتب كتابه عن «الجميل والموسيقى» وفي ذهنه نظرية شوبنهور، ولذلك فهانزليك يرى أن الجميل في الموسيقى يكون ذا طبيعة موسيقية، وهو يعني بذلك أن الجميل هنا لا يكون متوقفًا على – أو محتاجًا إلى _ أي موضوع خارجي، وإنما هو يتألف برمته من أصوات ترتبط فنيًّا.

فالأصوات الموسيقية إذن لها جمالها الخاص المباطن فيها، والذي يتبدى في أسلوب تشكيلها : في توافقها وتقابلها، في تحليقها واقترابها، وفي قوتها المتزايدة، والمتلاشية، وإذا ما تساءلنا : ما الذي يتم التعبير عنه من خلال لغة، أو مادة الموسيقى التشكيلية، كالإيقاع واللحن والهارمونى؟ فإن هانزليك يجيبنا على الفور بأن ما تعبر عنه الموسيقى إنما هو أفكار الموسيقى Musical Ideas، والفكرة الموسيقية، ليست فقط موضوعًا ذا جمال باطني، وإنما هي غاية في ذاتها وليست وسـيلة لتمثل مشــاعر وأفكار»(62). وهذا يعني أن «ماهية الموسيقى هي صوت وحركة»(63).

ولكي يبرهن هانزليك ويضفي قوة إقناعية على نظريته هذه في التعبير الموسيقى باعتباره يكمن في لغة التشكيل الجمالي للموسيقى ذاتها، فإنه يدعونا إلى تأمل فن الأرابيسك Arabesque باعتباره فنًّا من فنون الزخرفة ابتكره العرب، لا نجد فيه أي تعبير عن انفعال محدد، فها هنا نجد الخطوط الزخرفية تترابط في انحناءات رشيقة، وهذه الزخارف قد تشكلت في أشكال صغيرة وكبيرة في صور لا تحصى، ومع ذلك فإنها تكون مناسبة تمامًا في كل شذرة منها، ومن خلال تكرارها وتقابلها في مركب زخرفي جميل منسجم.

ولنتخيل الحركة، بحيث تتغير صورته التشكيلية باستمرار أمام أعيننا، فها هي ذي خطوطه ترتفع لتهبط مرة أخرى، وها هي ذي خطوطه العريضة والرقيقة تقتفي أثر بعضها بعضًا، تتسع وتضيق لتقترب من بعضها، بحيث يحدث تناوب عجيب أمام أعيننا من الهدوء والحركة. إن الصورة التشكيلية الآن تبدو أكثر سموًا وإثارة، فالأرابيسك الآن قد دبت فيه الحياة، والصورة الموسيقية ليست شيئًا بخلاف ذلك.

ويرى د. سعيد توفيق أن بعضًا من القوة الإقناعية لبراهين هانزليك يكمن في أن توصيفه الشكلاني للجميل في الموسيقى لم يستبعد المبدأ العقلاني، وبالتالي لم ينظر إلى الموسيقى على أنها مجرد ظاهرة حسية محضة ؛ ولذلك ينبغي أن نقرر – فيما يرى هانزليك – بأن بيتهوفن لم يؤلف موسيقاه ليخاطب أعضاءنا السمعية فحسب، وإنما ليخاطب خيالنا الذي يتأثر بانطباعات سمعية Auditory impression.

ولكن ينبغي أن نعي أن المبدأ العقلاني أو المنطق في الموسيقى هنا لا يشير إلى أية معان أو أفكار أو تصورات عقلية، فهناك منطق في الموسيقى ولكنه منطق موسيقي يتمثل في ذلك الترابط بين كل العناصر الموسيقية في نوع من القرابة الطبيعية، وهذا الترابط المنطقي لجملة الأصوات أو تنافرها هو أمر يمكن أن تتعرف عليه أية أذن مدربة دون حاجة لصياغة أية تصورات عقلية لتتخذها معيارًا للجمال الموسيقي، فالموسيقى أشبه بلغة نتحدثها أو نفهمها دون أن نكون قادرين على ترجمتها في معان وكلمات أو تصورات عقلية(64).

كذلك الموسيقى لا تعبر عن انفعالات أو مشاعر معينة، فهذه كلها أمور مستقلة عن التعبير الجمالي للصوت الموسيقي. حقًّا إن هناك مبررًا لدينا حينما نصف الصوت الموسيقي بأنه فخم أو رشيق أو دافئ الخ. ولكن مثل هذه الأوصاف تعبر فقط عن الطبيعة الموسيقية لفقرة موسيقية معينة، ولا تبرر لنا أن نصف الموسيقى بأنها تعبر عن انفعالات الفخر أو الكآبة أو الرقة أو الحب… الخ.

إن ما تعبر عنه الموسيقى من المشاعر إنما هو «خصائصها الدينامية» فحسب، فهي يمكن أن تنتج الحركة المصاحبة لحدث سيكولوجي من حيث السرعة والبطء، والقوة والضعف والكثافة المتزايدة والمتناقصة، ولكن هذه الخصائص جميعًا هي : «مصاحبات للشعور» وليست هي الشعور نفسه.

ومن المغالطات الشائعة فيما يرى هانزليك – في نقد ضمني لموقف شوبنهور – القول بأن الموسيقى يمكن أن تمثل الشعور نفسه لا موضوع الشعور، كأن تقدم لنا على سبيل المثال شعور الحب لا موضوع الحب. غير أن الموسيقى في واقع الأمر لا تمثل أيًّا منهما، فهي لا يمكن أن تنتج شعور الحب، وإنما فقط عنصر الحركة، وهذا العنصر يمكن أن يحدث في أي شعور آخر تمامًا مثلما يحدث في شعور الحب. وقد تابع «إدوارد جيرني»، في كتابه «قدرة النغم» و «جون هوسبرز» في رسالته عن «المعنى والحقيقة في الفنون»، هانزليك في نزعته الشكلانية على ما يذكر الباحث سعيد توفيق.

ووجه القصور في هذا الاتجاه – على ما يرى د. سعيد توفيق ونحن نؤيده في ذلك – تكمن في أن نظريته في الجميل الموسيقي تظل محصورة في إطار الشكل الموسيقي المنعزل عن سياق الحياة والروح الإنسانية، ولا شك أن هذه المسألة تظل بمثابة نقطة الاختلاف الأساسية والحاسمة بين أنصار المدرسة الاستقلالية وأنصار المدرسة الارتباطية، ولذلك فإن «هوسبرز» عندما يعرض لموقف «سوليفان» J. W. N. Sulivan باعتباره ممثلاً للمدرسة الارتباطية في مقابل موقف كل من «هانزليك» و«جيرني»، فإنه يبين لنا أن كلا الفريقين يتفقان على أشياء من قبيل تفرد وتميز التعبير الموسيقي وعدم إمكانية التعبير عما تعنيه بالنسبة لنا في كلمات، ولكن في حين أن «سوليفان» يرى أن الموسيقى ليست منعزلة عن السياق الروحي للحياة، فإن «هانزليك» و«جيرني» ومن ذهب مذهبهما يؤكد أنها «أشكال خالصة منعزلة».

ويحاول «جون هوسبزر» التقريب بين الاتجاهين حينما يذهب إلى القول بأن خبرات الموسيقى لها صلة قرابة غامضة بخبرات الحياة، وإن كانت المشاعر التي تحدث لنا في الحياة مختلفة عن تلك التي تحدث لنا في الموسيقى، ولو أن أنصار المدرسة الاستقلالية وضعوا هذه الحقيقة نصب أعينهم لما تطرفوا في مسألة الفصل بين الموسيقى والحياة(65).

والحقيقة أننا لن نجانب الصواب إذا قلنا أن القاسم الأعظم من فلسفات الموسيقى ينتمي إلى الاتجاه الذي يربط بين الموسيقى والحياة والخبرات الشعورية، بل إننا نستطيع – كما يرى د. سعيد – أن نتلمس جذور هذا الاتجاه لدى القدماء. فنجد جذور النزعة الشكلانية في صورتها الرياضية لدى فيثاغورث ولكننا لا ينبغي أن ننسى أن فيثاغورث – فضلاً عن أفلاطون وأرسطو – قد فطنوا إلى عمق تأثير الموسيقى على التعبير عن الحياة الشعورية والروح الباطنية. فالموسيقى بخلاف الفنون التشكيلية وخاصة النحت، لا تتمثل موضوعًا خارجيًّا يوجد وجودًا موضوعيًّا في المكان، وإنما تتمثل في شعورنا نفسه ! وبالتالي فهي توجد على نحو لا ينفصل عن الحياة الباطنية.

ولا شك أن ارتباط الموسيقى بمجال الشعور والانفعالات هو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى برهان ؛ لأنه ارتباط يظهر حتى في الانفعالات الأولية التي تثيرها الموسيقى في المتلقي على نحو مباشر من قبيل التغييرات الفسيولوجية المصاحبة لهذه الانفعالات والمشاعر الباطنية التي يمتد مجالها بدءًا من الانعكاسات البسيطة نسبيًّا إلى مشاعر الارتياح والإثارة التي تعد جزءًا من خبرتنا بالموسيقى.

وقد أدرك كثير من فلاسفة المسلمين وأطبائهم ذلك التأثير الذي يمكن أن يصل إلى الإنسان من الموسيقى ؛ ولذلك اعتبره البعض وسيلة شفاء من الأمراض ووسيلة تحقيق نوع من الانسجام النفسي الذي يؤثر إيجابًا على المتلقي، وهذا نجده واضحًا في بعض مؤلفات كل من الفارابي والكندي وابن سينا، وخاصة في مؤلفاتهم الطبية وفي العلوم الطبيعية.

ومن هنا تمكن المسلمون من معرفة الموسيقى التأثيرية، ونجد أن كثيرًا من الحكايات الطريفة تخبرنا عن أن بعضهم كان يعزف قطعة موسيقية تثير شجن السامعين وبكاءهم، ثم يعزف أخرى، فتثير ضحكهم، ثم يعزف ثالثة، فيدخل النوم عليهم، فيتركهم ويذهب وهم نيام.

وهذا ما دعا بعض الباحثات في العصر الحديث إلى أن تنسب طابعًا شعوريًّا إلى الموسيقى بناء على المشاعر التي تثيرها فينا « فالموسيقى التي تزعجنا وتقلقنا هي موسيقى مزعجة ومقلقة. والتحولات المقامية Ondulations التي تدهشنا هي تحولات مدهشة. والألحان التي تغمرنا بالهدوء والسكينة هي ألحان باعثة على الهدوء. وعلاوة على ذلك، فإن التحولات الهارمونية غير المتوقعة تثيرنا وتكون مثيرة ! والبقاء الطويل في منطقة هارمونية بعيدة عن مفتاح القرار، يجعلنا في حالة من عدم الارتياح، وينتج موسيقى باعثة على التوتر، والعودة إلى مفتاح القرار بعد بقاء طويل في منطقة هارمونية بعيدة يؤدي إلى الارتياح من هذا التوتر وينتج موسيقى مريحة»(66).

ومن هنا فلم يكن غريبًا أن تدخل الموسيقى في شتى مجالات العلم الحديث، فهي تستعمل اليوم في علاج الأمراض النفسية والعصبية، وفي التنويم المغناطيسي، وفي تخفيف آلام الوضع والولادة، وحتى في العمليات الجراحية، وخاصة عمليات الأسنان، وقد وجد أن الموسيقى تدر اللبن في البقر والمواشي، وتستجيب وتطرب لها الخيل والكلاب والكثير من الحيوانات، بل إن النبات بدوره يتأثر بالموسيقى. وقد ثبت علميًّا أن الموسيقى من أهم عناصر الإنتاج في مكاتب العمل ؛ ولذلك نجد المؤسسات الصناعية والشركات التجارية الاستثمارية في الدول المتقدمة تذيع موسيقى هادئة Background Music فتساعد على زيادة الإنتاج وتحقق نوعًا من الهدوء والاستقرار.

ولهذا كله، فإننا لا يمكن أن نقف في فهمنا للموسيقى داخل حدود النزعة الشكلانية الضيقة لدى «هانزليك» وأقرانه، التى تكتفي بفهم الموسيقى _كما ظن هذا الأخير _ مجرد صوت في حركة ( أو تشكيل زخرفي في حالة حركة) لا صلة لها بالمشاعر الإنسانية، وإنما لها صلة فقط بما يصاحب هذه المشاعر.

وليس المعنى الموسيقى مجرد معنى مباطن في الأصوات الموسيقية وأسلوب تشكيلها، دون أن تكون له دلالة خارج السياق الصوتي، حتى فن الأرابيسك، ليس كما وقع في ظن هانزليك، مجرد فن زخرفي خالص نتمتع بانحناءات خطوطه وتنويعاتها التى لا تحصى من خلال أشكال تتكرر باستمرار على أنحاء عديدة إلى ما لا نهاية.

فليست متعتنا بهذا الفن مجرد متعة بزخارف خالصة لا تنطوي على أي معنى أو أية دلالة، فإن بعضًا من القيمة الجمالية لهذا الفن تكمن في دلالته الروحية من خلال عناصر التشكيل الفني التجريدي، أعني تكمن في قدرته على التعبير عن معنى الوحدانية التى تتجلي في أشكال لا نهائية ومجردة، والوحدانية واللانهائية والتجريد أو التنزيه الذي ينأى عن أي تشبيه أو تجسيد في صورة عيانية، هي صفات جوهرية للألوهية في الإسلام، وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لفن الأرابيسك، فما بالنا بالموسيقى التى أصبحت منذ عصر بيتهوفن  بوجه خاص أشبه بصيحة للروح تجد صداها في روح أخرى، حتى أن العمل الموسيقى _ كما يقول برتلمي _ قد أصبح يأخذ على عاتقه مهمة «فوق موسيقية» تسمى آبا سيوناتو »( التعبير عن العاطفة» أو «أجيتاتو» أو « فور يوزو» (التعبير عن الغضب).

ولقد فهم شوبنهور هذه الحقائق بوضوح وعمق. فالموسيقى _ كما بين لنا شوبنهور _ تعبر عن الشعور والعاطفة بطريقة عامة كلية : « فهي لا تعبر عن هذه البهجة الجزئية أو تلك، ولا عن هذا الحزن أو ذاك، ولا عن ذلك الألم أو مشاعر البهجة والحزن والخوف أو السرور والمرح وطمأنينة النفس ذاتها، أي تعبر عنها بطريقة مجردة إلى حد ما، فهي تعبر عن الماهية الباطنية لهذه المشاعر.. فهي تعبر عن هذه المشاعر بدون دوافعها ».

إن الموسيقى الخالصة _ كما يؤكد على ذلك الباحث د. سعيد توفيق بحق _ هي نوع من التعبير الجمالي التجريدي، ولكن شريطة أن نعي أن التجريد في الموسيقى _ أو أي فن آخر _ لا يعني التجرد من الدلالة بالنسبة للواقع والحياة الإنسانية، وإنما يعني التعبير عن هذه الدلالة بطريقة مجردة أي دون تمثل لموضوع محدد أو لظاهرة جزئية في الواقع الخارجي، وهذا ما أسماه الباحث في دراسة أخرى «بالحياد الاستطيقي» كشكل من أشكال التعبير عن الجميل في الفن.

كما أن المشاعر الواقعية التي نصادفها في دنيا حياتنا اليومية تكون محايدة من الناحية الاستطيقية، أي ليست لها علاقة بالاستطيقي أو بالجميل في الفن… فالفن هنا يمكن أن يعبر عن كل شيء وأي شيء دون أن يشير إلى شيء بعينه.

والموسيقى المطلقة أو الخالصة _ أعني موسيقى الآلات _ هي الفن الذي يمدنا بأفضل نموذج على هذا الشكل من أشكال التعبير الفني، وذلك حينما تعبر عن صورة الشعور دون موضوعه، أي عن «صورته المجردة» بلغة شوبنهور، وهذا هو أيضًا ما دعا «لانجر S. Langer  ناقدة الفن المعاصر إلى القول بأن «جوانب حياتنا الباطنية لها سمات شكلية ( أو صورية) تماثل تلك السمات الشكلية التي تتميز بها الموسيقى »(67) .

وعامة فالموسيقى التى تكون رفيعة القدر من حيث القيمة الجمالية لا القيمة الفنية التشكيلية فحسب، هي موسيقى لها صلة وثيقة بالقيمة الأخلاقية في معناها الواسع، فها هو ذا «بيتهوفن» يبتهل إلى الله قبل كتابة رباعياته الأخيرة لعله يفتح عليه بفاتحة أو ليستفتيه فيما يعتمل بنفسه وعقله. والمعنى أن الموسيقى من خلال المحسوس ( وهو صوت الموسيقى) تنأى بنا عن عالم الحس والمصلحة والأغراض العملية، وترقى بنا إلى مملكة التأمل، بل وتطهر النفس كما لو كانت مستلهمة من طاقة روحية سامية ؛ ولهذا كان القدماء على حق  حينما فطنوا إلى تنقية النفوس بالهارموني(68) .

مميزات وخصائص الموسيقى العربية:

الأبعاد في الموسيقى العربية ثلاثة على ما يذكر أهل الاختصاص في هذا الفن(69)  إما البعد الطنيني (تون كامل) أو نصفه، أو البعد «الوسيط» بينهما، وهو الذي جرى العرف الحديث على اعتباره ثلاثة أرباع صوت، وهذا هو البعد المميز جوهريًا للموسيقى العربية.

وتم تقسيم الديوان (لتحديد الذبذبات) إلى أربع وعشرين ربعًا متساوية ( وهو ما يعرف بالتسوية المعدلة). وهذا البعد الوسيط هو الذي يحرك مشاعر المستمعين العرب في كل مكان ( وهو الذي يتطلب من الغربيين تأقلمًا خاصًّا له لغرابته على آذانهم).

والخط اللحني المقامي المفرد ( وهو أساس الفكر اللحني في هذا التراث) يقوم المؤدي، مغنيًا أو عازفًا، بارتجال زخارف تنسقه وتحسنه يعبر بها عن ذاته، ويضيف إبداعه وخبراته اللحنية، وقد تختلف هذه الزخارف في كل مرة يؤدي فيها  الموسيقى عن المرات الأخرى تبعًا لحالته المزاجية.

وجدير بالذكر أن الزخارف في تراثنا الموسيقى تمثل قيمة جمالية أصيلة، كما مر بنا، فهي ليست ذواقًا خارجيًّا يقحم على اللحن، بل هي جزء حيوي من الفكر اللحني، وهو الذي يضفي على الموسيقى العربية صفات خاصة تعد من مميزاتها الفنية البارزة، والتراث العربي الموسيقى لا يعرف ازدواج اللحن (وهو ما يسمى في الموسيقى الغربية بالبوليفونية).

فالأساس في التراث هو الخط اللحني المفرد، ولا يظهر فيه تعدد الألحان، أو تكثيف النسيج، إلا بصورة عابرة، كما في حالات التزاوج العفوي الناشئ عن مشاركة أكثر من آلة في التقاسيم على الوحدة، أو في التحميلة ( حيث تسمع نغمة واحدة متصلة تساند انطلاقات عازف التقاسيم المنفرد).

أما العنصر الإيقاعي _ وهو ماتؤكد عليه الدكتورة سمحة الخولي(70)  _ فهو من أقوى مقومات التراث العربي. وإن الإيقاعات تنتظم من «أدوار» أو «ضروب» مركبة عرجاء.. وتتراوح مكونات الأدوار الإيقاعية أو الضروب من ثلاث إلى أربع وعشرين وحدة داخل الضرب الواحد. وكما أن الثنائية في الفكر الإيقاعي العربي ملمح رئيس، فإن الفكر الإيقاعي التقليدي يتعامل مع الإيقاع على أساس «الكيف» ( على عكس الموسيقى الغربية الكلاسيكية التى تتعامل بالإيقاع على أساس كمي فقط).

ومن هذا العرض نخرج بحصيلة بالغة الثراء من المقومات الموسيقية القيمة المميزة لتراثنا القومي في المقامات والإيقاعات وأساليب الأداء التى يمكن أن تولد طاقات جديدة في الإبداع الموسيقى المستلهم من التراث في اتجاهات شيقة وجديدة، تنبه الغرب في هذا العصر إلى ثراء الموسيقى الشرقية، واتجه إليها لينهل من مواردها أو يستلهمها في كثير من فنونه، مثل الفنان «بول كلي»(71) الذي قام بزيارة الشرق العربي والإسلامي خاصة تونس ومصر باحثًا عن ذاته الفنية وليس عن المشاهد المثيرة الرومانية التى جاء بها «دولاكروا» مثلاً عندما زار المغرب والجزائر.

ولقد ترك لنا « بول كلي» آلاف اللوحات التي مثلت المرحلة الفنية العربية الأكثر إيغالاً في العصر الحديث، فلقد تجاوز «ماتيس» الذي قلد فن الترقين القديم، كما هو متمثل عند الواسطي، إلى فن عربي معاصر.

ومن هنا يتساءل ناقد معاصر(72) ما إذ كان الفنان العربي قد فهم تمامًا اللغة التي صور بها بول كلي لوحاته. إنها لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة ؛ لأنها  لغة قامت على الموسيقى، بل إنها الموسيقى العربية، التى اكتشفها وهو يستمع إلى موسيقى مكفوف، وكان الإيقاع العربي يخترق أذنه الموسيقية المرهفة، لكي يستقر في روحه «إيقاعًا مستمرًّا إلى الأبد» كما يقول في مذكراته(73) ورسائله إلى صديقه «بيره».

لقد أقام «بول كلي» تصويره التشكيلي على خلفية موسيقية زمانية كان قد مارسها عازفًا وملحنًا. وهنا يتلاقي مع الفن العربي الذى يقوم على خلفية موسيقية. ولسنا نعتقد أن المصور العربي المعاصر قادر على استرداد هويته الأصلية، ما لم يتعشق بعمق جمال عمارته وموسيقاه الموروثة.

التراث الموسيقى العربي الإسلامي والتجديد :

ويجب التنويه إلى أن أي حديث عن التراث العربي، وخاصة في مجال الفنون، مثل الموسيقى يجب أن يضع في الاعتبار البعد الإسلامي لهذا التراث، فالدين الإسلامي هو القوة الروحية الكبرى التى ألفت بين أجناس وحضارات مختلفة _ عربية وغير عربية _ ومن تفاعلها وتبادل التأثير بينها، قامت حضارة إسلامية لها فكرها الذي تجلى في فنونها، وعلى الرغم من الاختلافات العرقية واللغوية، فإن الحضارة الإسلامية قد أفرزت فكرًا وفنونًا ترجع للمناخ الخاص لهذه الحضارة.

وهذا التراث الموسيقى العربي الإسلامي، كما وصل إلينا وكما يمارس الآن، يحمل في طياته عروبته وإسلاميته التى أضفت عليه طابعه الجمالي المميز. وللتراث الموسيقى وجهان مختلفان، وإن تداخلا وتكاملا، وهما : تراث الموسيقى الشعبية Folk Music وتراث الموسيقى  التقليدية Traditional Music. وتنحصر كل الفنون الموسيقية (الدنيوية) فيهما وهي الفنون التى توارثها الأجيال. وتراث الموسيقى الشعبية هو حصيلة الممارسة التلقائية للغناء والعزف والرقص التى يؤديها أبناء الشعب البسطاء أو «الفلاحين»(74) ويؤديها أبناء الطبقات الدنيا في المدن(75).

وهناك علماء يعتبرون الموسيقى والرقص الشعبي إبداعًا جمعيًّا يبدعه أبناء الشعب (نظرية الإنتاج) ويرى آخرون أن الشعب لا ينتج، بل «يستقبل» أغاني موجودة فيحورها ويعدلها ويتداولها، فتصبح تراثًا  مشتركًا (نظرية الاستقبال) وسواء قبلنا هذه أو تلك، فالقدر الثابت والمسلم به أن التراث الشعبي واسع الانتشار، حتى على ألسنة الناس يتداولونه بالتواتر الشفوي، حيث يتعرض في هذا التداول لقدر من التطويع والتشكيل يجعله أقرب تعبيرًا عن مزاج الناس في إقليم معين ( وفي عصر معين).

ومقامات الموسيقى الشعبية تشبه _في مجملها _ مقامات الموسيقى التقليدية، وإن كانت أقل ثراء وعددًا منها. أما الإيقاع فهو من مصادر الثراء والقوة والتلوين في هذا التراث الشعبي. أما تراث الموسيقى التقليدية الفنية فيضم أنواعًا من الغناء والعزف لهما (صيغ محددة ومبدوعون معروفون). ويذكر اسم المقام الملحنة فيه قرين اسم القطعة الموسيقية، وأبرز صيغ الغناء التقليدي هي الموشحات والأدوار والقصائد. و«الطقاطيق» و «الموال».

وليس الجانبان الشعبي والتقليدي وحدهما خلاصة التراث الموسيقى العربي الإسلامي. بل يبقى عنصر آخر لا يندرج تحت أي منهما ولا يقاس بمقاييسهما، وهو التلاوة المنغمة للقرآن الكريم فهي التى كانت القلعة الحصينة التى حمت المقامات وصانتها على مر القرون.

وتظل التلاوة _ كما تؤكد على ذلك الباحثة المتخصصة(76) _ المنغمة للقرآن الكريم حتي اليوم منبعًا صادقًا للغة الفصحى في أنقى صور نطقها وتجويدها، ولروح المقامات التى تسخر لخدمة المعاني. وبفضل هذا العنصر البالغ الأهمية كان هناك دائمًا مرجع ثابت للغة العربية ولمقامات موسيقاها.

وإذا كان الجانب الإيقاعي ( إن صح التعبير) للتلاوة تحكمه قواعد «علم التجويد» والقراءات، فإن الجانب النغمي يتناقله المقرئون عن شيوخهم بالتقليد، وليست له دراسات ولا قواعد تحكمه سوى الذوق والخبرة التى تهدى القارئ إلى اختيار مقاماته(77) ومناطق صوته وانتقالاته من مقام لآخر، حسبما تمليه معاني الآيات، وحسب العرف الذي يحتم على المقرئ الابتعاد عن أية أساليب دنيوية الطابع، ولا تتفق مع الخشوع الواجب.

ولقد عرفت بلادنا عددًا من المقرئين الموهوبين الذين عرفوا كيف يوظفون النغمات لإبراز المعاني القرآنية، بتوجيه الظلال النفسية للمقامات العربية لخدمة معاني الآيات، وعرفوا كيف يختارون مواضع الوقوف اختيارًا يُجسم المعاني ويلفت  الانتباه إليها.

ومهما تكن اختلافات الأساليب واللهجات في تلاوة القرآن من قطر عربي وإسلامي لآخر، إلا أن الأسس العامة مشتركة وعمادها الصوت الرخيم المرن والفهم العميق الخاشع للمعاني القرآنية.

وليس من قبيل المصادفة أن أغلب فناني الموسيقى التقليدية نشأ في رحاب التلاوة القرآنية والإنشاد الديني، وكانت تلك هي مدرستهم الرئيسة التى تلقوا فنهم عنها. ومن هنا تأتي أهمية التراث في الحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية أمام التحديات الحاضرة، خاصة في عصر الأطباق الفضائية التى أصبحت لا تبث فيضا من العلوم والمعلومات الغزيرة فحسب، بل تبث فنونًا وآدابًا تحمل قيمًا وسلوكيات تغاير القيم والسلوكيات العربية الإسلامية، والتى تحمل عمق الهوية ولحمة سداها.

ولكن علينا أن ندير ذلك بوسائل متشعبة ومتكاملة، أولها -بلا شك- تعميق جهود الجمع الميداني والتوثيق والنشر للتراث الشعبي، واستقطاب الطاقات الشابة من الممارسين لتكوينها علميًّا لهذه المهمة الأساسية والتى أصبحت الآن أيسر تحقيقًا بفضل التقدم الكبير في وسائل التكنولوجيا، وكذلك إمكانات الرصد والتصنيف وتبادل المعلومات، بين مراكز التراث في العالم العربي والإسلامي وبين الهيئات التعليمية.

والتراث الكلاسيكي العربي والإسلامي ليس أقل احتياجًا للجهود العلمية في دراساته الأكاديمية، فهو محتاج لغرس الوعي بقيمته بين كل الدارسين لفنون الموسيقي الغربية والعربية على السواء، وخاصة في مجال دراسات التأليف الموسيقى وعلوم الموسيقى، كما أنه بحاجة للحماية من نزوات بعض فرق التراث و ( موضاتها) الخطرة التى يمكن أن تسيء إليه(78).

ولابد أن يكون من أولويات السياسة الثقافية في عالمنا العربي والإسلامي، مبدأ الحفاظ على التراث التقليدي، وعلى هذه الجذور الأصيلة في صور مدروسة علميًّا، لكي تظل محفوظة بصورها النقية (وبنفس آلاتها وجمالياتها) ولكي تظل المعين والمنبع الذي تستقي منه عناصر التطوير والإبداع للأجيال القادمة، ولكى يظل التراث الموسيقى الأصيل من المكونات الرئيسية لوجدان المواطن العربي.

على أن للحفاظ على التراث بُعدًا أعمق ألا هو الحفاظ على جوهره في إطار التجديد، وهو الذي لا سبيل إلى منعه أو إيقاف تياره، ولكن المهمة الأساسية هي ترشيد هذا التجديد واحتضان القيم منه، والإصرار على أن يكون تعميق التراث الموسيقى من الأركان الرئيسة في الدراسات الموسيقية التخصصية في معاهد الموسيقى العربية، على أن يكون الاهتمام منصبًّا بشكل خاص على مقومات التراث وإمكانات استلهامه استلهامًا يوائم بينها وبين التأثيرات الغربية الوافدة، ويصنع من تضافرهما نسيجًا سداه من التراث ولحمته من مخيلة المبدع وخبرته بالغرب وبغيره، وناتجة عن إبداع فني عربي صادق يمكن أن يرقى حقًّا للعالمية.

المراجع :

(*) أستاذ الفلسفة الإسلامية المساعد، قسم الفلسفة والاجتماع، كلية التربية، جامعة عين شمس.

(1) هربرت ريد : معنى الفن ص 9، 10 ترجمة د. سامي خشبة، الهيئة المصرية 1998م.

(2) د. سعيد توفيق : جماليات الصوت والتعبير الموسيقى، مجلة نزوى العمانية، ص 125، العدد 15، يوليو عام 1998 م.

(3) د. أميرة مطر : فلسفة الجمال نشأتها وتطورها ص 50 دار الثقافة للنشر عام 1984 م.

(4) Emst Bloch, Essays on the philosophy of music – trans peter palmer, in trad by David (cambridge University press) 1985. pp. 188.

وانظر د. سعيد توفيق : جماليات الصوت والتعبير الموسيقي.

(5) السابق ص 125.

(6) د. أحمد شوقي الفنجري : الإسلام والفنون ص 132 مصر عام 1998م.

(7) د. حسين فوزي : الموسيقى الغربية ص 24، 25 دار المعارف عام 1987م.

(8) د. سعيد توفيق : جماليات الصوت والتعبير الموسيقى ص 125.

(9) See for example: Heal Margret(ed) Music and physiotherapy, London 1993.

(10) جان برتلمي : بحث في علم الجمال، ترجمة د. أنور عبدالعزيز و د. نظمي لوقا، ص318، دار النهضة مصر عام 1970م.

(11) راجع : جوليوس بورتنوي: الفيلسوف وفن الموسيقى، ترجمة د. فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب ص235 عام 1974م.

(12) د. ثروت عكاشة : الزمن ونسيج النغم، ص10 مصر 1980م.

(13) السابق، ص11.

(14) السابق، ص11.

(15) صفوت كمال : المأثورات الشعبية والإبداع الفني الجمالي، ص236 عالم الفكر جـ24 العدد 1 الكويت ديسمبر عام 1995م.

(16) أنور الرفاعي : تاريخ الفن عند العرب والمسلمين ص188.

(17) Ettinghausen R: The Decorative art and painting their character and scope 290.

(18) أنور الرفاعي : تاريخ الفن عند العرب ص190.

(19) Ettinghaysen: op. Cit. P.290.

(20) أنظر دراسة بكتاب The legacy of Islam نقلاً عن محمود إسماعيل : الفنون الإسلامية بين الإقطاع والبورجوازية» مجلة القاهرة العدد 181 ديسمبر عام 1997م.

(21) انظر مادة «الموسيقى» في مرجع الفاروقي، مصر عام 1981م.

(22) د. لويز لمياء الفاروقي: الموسيقى والموسيقيون في ميزان الشريعة، ترجمة د. محمد رفقي محمد، مجلة المسلم المعاصر العدد 43 عام 1985م.

(23) انظر ابن تيمية: كتاب السماع والرقص، الرسائل الكبرى جـ2ص295-330، مكتبة صبيح، القاهرة، بدون تاريخ.

(24) د. لويز لمياء فاروقي، المرجع السابق.

(25) د. الشيخ أحمد حسن الباقوري : تحت راية القرآن، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، العدد 11 مصر عام 1996م.

(26) لمياء الفاروقي السابق.

(27) انظر Farmer, Henry tabl Khana. Encyclopedie de islam  supplementary Volume, 232 – 237.

(28) Faruqi, Lois Ibsen the Nature of Musical art islam culture 1974

(29) كمال النجمي : تراث الغناء العربي ص 41 – 43 الهيئة المصرية العامة 1998 م.

(30) هـ. ج. فارمر : تاريخ الموسيقي العربية ص 356 انظر تراث الإسلام.

(31) السابق ص 359، 360.

(32) كمال النجمي : تراث الغناء  العربي ص 12.

(33) وقد قام بتحقيقه والتعليق عليه الأستاذ غطاس عبد الملك خشبة العضو الفني بمعهد الموسيقى العربية بالقاهرة، وراجعه وصوره د.محمود أحمد الحفني بوزارة الثقافة والإرشاد القومي، انظر : الموسيقى الكبير للفارابي، عرض وتحليل د. محمود أحمد الحفني، الهيئة العامة للكتاب، مصر عام 1995 م.

(34) السابق ص 16.

(35) الغزالي : إحياء علوم الدين  ج2 ص 244 _ 247.

(36) السابق ج2 ص 342.

(37) الساق ج2 ص301.

(38) السابق ج2 ص 283، 301.

(39) د. لويز لمياء  الفاروقي : الموسيقى والموسيقيون في ميزان الشريعة، ص 123 _ 125.

(40) فارمر : تاريخ الموسيقى العربية، ص367.

(41) السابق : ص369، 370.

(42) انظر سعد زغلول عبدالحميد: علوم العرب القديمة، مجلة عالم الفكر ج8 العدد 1، 1977م.

(43) سيجريد هونكه : شمس العرب تسطع على الغرب، 494 بيروت عام 1981م.

(44) المقتطف : نوفمبر عام 1982م، ترجمة عقل الجر.

(45) د. أنور الجندي : أضواء على الفكر العربي الإسلامي، ص72، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر عام 1986م.

(46) د. سعيد توفيق : جماليات الصوت والتعبير الموسيقي، ص127.

(47) د. فواد زكريا : التعبير الموسيقي، ص20 – 21، مصر، عام 1956م.

(48) د. سعيد توفيق : السابق، ص128.

(49) أبو حيان التوحيدي : الإمتاع والمؤانسة، جـ2 ص183.

(50) أبو حيان التوحيدي : الهوامل والشوامل، ص230.

(51) محمد زغلول سلام : الموسيقى والغناء في كتابات أبي حيان التوحيدي ص128، 130، مجلة فصول جـ15 العدد 1 ربيع عام 1996م.

(52) الغزالي : الإحياء كتاب آداب السماع والوجد.

(53) كمال النجمي : تراث الغناء العربي ص 46، 47.

(54) السابق ص 46، 47.

(55) التوحيدي : الهوامل والشوامل مسألة رقم 9 ص 139.

(56) محمد فهمي عبد اللطيف الفن الإلهي ص 21، 22 الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986م.

(57) السابق ص 34 _ 43.

(58) أبو حيان التوحيدي : الإمتاع والمؤانسة ج2 ص 215.

(59) محمد زغلول سلام، الموسيقى والغناء، ص 129.

(60) أبو حيان التوحيدي : الإمتاع والمؤانسة ج3 ص144 وانظر : محمد زغلول سلام : الموسيقى والغناء، ص131، 132.

(61) د. سعيد توفيق : جماليات الصوت والتعبير الموسيقي، المرجع السابق.

(62) E. Hanslich: Music,Represention and Meaning From the Beautiful in music, in morris wetiz, problems in hesthetic (N. Y: Macmillan publishing co. inc, 1970) P. 491.

(63) السابق :  LBID. Loc. cit

(64) السابق : ص 494.

(65) John Hospers: Meaning and truth in the Arts. pp.97.

(66) Jenefer Robeinson: The expression and arousal of emotion in music, in the journal of aesthetics and artciticion. op. Cit. P. 19

وانظر د. سعيد توفيق : جماليات الصوت والتعبير الموسيقي، ص135، 1365.

(67) S. Langer, philosophy in a new key, 3rd cambridge, Mass: Harraduniv press, 1957) p. 228  نقلا عن د. سعيد توفيق (السابق) ص 137.

(68) السابق ص 140.

(69) د. سمحة الخولي : التراث الموسيقى العربي وإشكاليات الأصالة والمعاصرة، عالم الفكر، ج25 العدد 1، يوليو عام 1996م.

(70) د. سمحة الخولي : القومية في موسيقى القرن العشرين عالم المعرفة الكويت عام 1992.

(71) Grhonmann W. Paul, flinker paris 1954

(72) د. عفيف البهنسي : الحضور العربي في إبداعات الغرب خلال القرن العشرين، مجلة الوحدة العدد 70، 71 بيروت يوليو عام 1991م

(73) Klee P. Journal paul klee, grasset paris 1959

(74) كتب ب. بارتوك الموسيقى المجرى الشهير عنها أنها (موسيقى الفلاحين) بينما وصفها ج. يترسو الفرنسي بأنها « موسيقى الأميين».

(75) ويفسر هذا بالنزوح المستمر من الريف للمدينة حيث يحمل الريفيون معهم عاداتهم وفنونهم.

(76)  د. سمحة الخولي : التراث العربي وإشكاليات الأصالة والمعاصرة ص 121، 122.

(77) انظر رسالة الماجستير من قسم علوم الموسيقى للباحثة عزيزة عزت : المقامات العربية في تلاوة القرآن. الكونسرفتوار بالأكاديمية المصرية للفنون عام 1988م.

(78) د. سمحة الخولي : التراث الموسيقى العربي ص 122، 123.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر