أبحاثملفات

جدلية التكامل بين علم أصول الفقه وعلوم الإنسان

ملف علم أصول الفقه

مقدمة:

إن القول في التكامل بين مناهج المعرفة في سياقنا المعاصر من أجل القضايا المعرفية والمنهجية التي يتعين على الباحثين المتخصصين أن يستفرغوا فيها الوسع بيانا وتحقيقا وإعمالا، وذلك من أجل بناء مقاربة معرفية ناجعة ومثمرة لقضايا الإنسان المعاصر المعقدة المتعددة الأبعاد، خصوصا وأن القصد الوظيفي من المعرفة على تعدد فروعها وتنوع مناهجها تأمين وتثمين حياة الإنسان فردا ومجتمعا وإنسانية في هذا الوجود.

ويرجع اختيارنا لموضوع إشكال التكامل بين علوم الإنسان وعلم أصول الفقه إلى فحص ما نعتقده ابتداء من كون هذا العلم يشكل نموذجا منهجيا من بين علوم الشريعة للتكامل والتفاعل مع علوم الإنسان، سواء كان ذلك على مستوى مقاصده أو مباحثه أو وظائفه، منذ نشأته وعبر تاريخه، قبل أن يدخل إلى نفق التقليد، غير أن حالة البحث في علم أصول الفقه الذي يحاول الآن ببطء أن ينفض عن هذا العلم غبار قرون التقليد والانحباس عن معانقة أفق الحياة المطلوبة ما زالت لم ترق بعد إلى إنتاج القول المفصل والرصد المبين لأوجه التكامل والتداخل بين علوم الإنسان وعلم أصول الفقه.

وإسهاما مني، على قلة البضاعة وضعف الزاد، في تحرير القول وتوسيعه في هذا الموضوع العلمي المنهجي الحيوي، فإني أتناول بالبحث تتبع مواقع علوم الإنسان في بنية الدرس الأصولي من خلال مدخل وثلاثة مباحث.

أخصص المدخل لتأسيس فلسفي معرفي يتعلق بموجب القول بالتكامل بين علم أصول الفقه وعلوم الإنسان، لتتمحض المباحث الثلاثة لتفاصيل الإشكال البحثي، حيث يتم رصد التكامل على مستوى المقاصد في المبحث الأول، والتكامل على مستوى المباحث الأصولية في المبحث الثاني، على أن نفرد المبحث الثالث بالتكامل على مستوى الوظائف.

أما المنهج المعتمد في بناء هذا العمل فيجمع في تكامل وظيفي بين استقراء المادة العلمية وتتبع المباحث الأصولية في ضوء العلوم الإنسانية، وتحليل المرصود المعرفي وتعليل قضاياه موثقا النصوص والأقوال ومقارنا بين المعرفة الأصولية والإنسانية، وذلك كله في سياق التصور العام للبحث.

مدخل: موجب القول بالتكامل بين علم أصول الفقه وعلوم الإنسان

أرى أن من تمام استقامة القول في هذا الموضوع واستواء البناء من الناحية المنهجية المبادرة ابتداءً إلى إثبات موجب القول بالتكامل بين علم أصول الفقه وعلوم الإنسان قبل الخوض في تفاصيل هذا التكامل والتداخل، فتفاصيل الكلام تبنى على كلياته وأصوله، وعليه فإني أرجع القول بالتكامل والتداخل بين العلمين إلى موجبين كليين اثنين: أحدهما معرفي والثاني عملي، أوردهما على سبيل الإجمال لا التفصيل حسب ما تقتضيه منهجيا المداخل.

أولا: الموجب المعرفي:

فنظام المعرفة في تصورنا الإسلامي نظام متكامل في بنيته وخصائصه، وذلك راجع إلى وحدة الحقيقة المستمدة من وحدانية الله تعالى، وعليه فوحدة المعرفة أساس القول بتكاملها بين مصدريها الكوني والشرعي، فالكوني رجع إلى بحر أفعال الله بتعبير الإمام الغزالي([1])، والشرعي عائد إلى بحر أقوال الله تعالى في وحيه.

فإذا كان مصدر المعرفة الطبيعية والاجتماعية والنفسية هو الكون من حيث هو مجال النظر المأمور به شرعا على سبيل الإيجاب والندب كما قال ابن رشد([2])، فالوحي بشقيه القرآني والنبوي مصدر المعرفة الشرعية المتعددة الفروع بتعدد تخصصاتها ووظائفها المنتظمة في سلك نص الوحي، وهذا التكامل هو ما نشأت عليه المعرفة الإسلامية في جميع تخصصاتها، وترسخت في مناهج علماء المسلمين عبر التاريخ المعرفي الإسلامي قبل اختلال النظام المعرفي للمسلمين، وذلك راجع إلى أن نص الوحي نفسه الذي عنه نشأت المعارف الإسلامية متكامل في بنيته وشمولي في خطابه، مستوعب للزمان والمكان وأحوال الإنسان، بحيث يقرر الكليات ويحيل في التفاصيل والجزئيات على المناهج المسعفة في فهم المقصود بقوله تعالى:……………

أقراء المزيد

([1]) ينظر الغزالي، أبو حامد. جواهر القرآن ودرره، بيروت: دار الجيل، 1988م، ص26.

([2]) ينظر ابن رشد، أبو الوليد الحفيد. فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق: محمد عابد الجابري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997م، ص85.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر