سمينار

حلقة نقاشية “التيارات الإسلامية من الدعوة إلى الدولة”

العدد 147

تعقيب: أ.د.سيف الدين عبد الفتاح(***):

أود التأكيد على عدة أمور مهمة:

الأمر الأول: إن بناء الخرائط التي تتعلق بالفكر والحركة يعد من أصعب الأمور التي يمكن أن تواجه الباحث؛ نظراً لأن هذه العملية لاتتسم فقط بالمنهاجية، وإنما تتسم أيضاً بالحساسية الدقيقة وخاصةً في علاقة التيارات الفكرية ببعضها البعض؛ أي بحكم الشبكية التي يمكن أن تكون فيما بينها، سواء إن كانت هذه الشبكية إيجابية تؤدي إلى تقوية البنيان والكيان، أو إن كانت سلبية فتترهل تلك الشبكة أو تتقطع خيوطها، ومن ثمَّ يكون شاقاً جدًا على الباحث أن يرسم هذه الخريطة في شكلها العام.

والأمر الثاني الذي أود التأكيد عليه في هذا الإطار هو أن مداخلتي المتعلقة ببناء خرائط الفكر والحركة تمثل مداخلة لحساب المثلثات؛ وحساب المثلثات هنا أقصد به أن هناك أكثر من مثلث يمكن أن نفسِّر به ما قاله أ.د.عماد حسين (في ورقته)، حيث اقتصر على أمرين هما الدعوة والدولة، إلا أنني كنت أتمنى أن يتم إضافة عنصر ثالث وهو “الثورة” لتكتمل أضلاع المثلث ليكون (الدعوة، والثورة، والدولة)؛ فإضافة عنصر الثورة تمثل إضافة غاية في الأهمية؛ حيث سيؤثر ذلك على حركية وفعالية تلقي الأفكار وعلى حجم التفاعل الذي يحدث بينهم.

فتجدر الإشارة إلى أن مصر لم تشهد خلال الثلاثين عاماً الماضية في ظل العهد الطويل لمبارك- وما رافقه من جمود في الأحداث- سيولة وتدفق وكثافة في الأحداث والتفاعلات وتعدد في الأطراف الداخلة في هذا التفاعل مثلما شهدته مصر خلال العامين الذين أعقبا الثورة؛ ومن ثمَّ فإن هذه الكثافة في الأحداث ترتبط بعنصر استجد على “الدعوة والدولة” وهو “الثورة”.

وفي هذا الإطار، وإذا كنا نريد أن نعمل على هذا الموضوع بالدقة الكافية والواجبة، فيجب أن نقوم بعمل ثلاثة مسارات:

المسار الأول: إن هذا المثلث يصاحبه العديد من المشاكل والإشكالات منها: المشاكل التي تتعلق بالمنهج، والمشاكل التي تتعلق بالقضايا، والإشكالات التي تتعلق بالموقف، فبناء الموقف يمثل مسألة مهمة جدًا في هذا السياق؛ فيتضح من خلال حالات كثيرة جداً أنه حينما يضغط عالم الأحداث بشدة على كل الناس، يغيب استخدام المنهج، ويسقط بناء الموقف، وهذا أمر خطير في الثورات؛ لأنه في حالة الثورات لابد وأن يكون العقل حاضراً وخاصةً من جانب من يشاركون في عالم الأحداث، ومن ثمَّ فتلك الأمور الثلاثة (مشاكل المنهج، ومشاكل القضايا، وإشكالات الموقف) مهمة جداً.

ويتعلق بهذه الثلاثية أمر غاية في الأهمية يتمثل في الوضع الذي يتعلق بالفترة الزمنية التي نعمل عليها في هذا الإطار الخاص بـ”التيارات الإسلامية”، فلكل تيار ذاكرته الخاصة به التي يمكن الاستعانة بها، ومن ثمَّ تتفاوت هذه الذاكرة من تيار لآخر، فلا يمكن أن نساوي أو نقارن بين تنظيم تشكَّل منذ ثمانين عاماً بتنظيم آخر تشكَّل منذ سنوات قليلة.

وهنا أنا أظن أنه حدث تداخل بين ثلاثة عناصر غاية في الأهمية وهي (السياسة، والسلطة، والدعوة) وهذا مثلث مهم جدًا، وأنا قصدت السلطة في هذا المثلث لأن السياسة أوسع دائرة من السلطة فيوجد فرق بين ممارسة الإخوان المسلمين للسياسة كمعارضة- وهذه كانت سياسة بحكم التعريف وبحكم ساحة السياسة المتنوعة والمتعددة من مستويات مختلفة- وبين ممارسة الإخوان المسلمين للسلطة، فهذا أمر آخر؛ فالسلطة هي معنى متعين يتعلق بمرحلة معينة وجب على هؤلاء أن يديروا خلالها السلطة أو ما يمكن تسميته بإدارة الدولة، ومن هنا تكون المثلث الثالث الذي يتعلق بـ(السياسة، والسلطة، والدعوة).

ويُلاحظ أن هذه المثلثات الثلاثة التي تم ذكرها تختلط اختلاطًا كبيرًا، ولكن ما السبب؟ فالثورة هى التي أحدثت هذا الاختلاط الشديد والحيرة التي يمكن أن تترسم على وجوهنا وتسكن أذهاننا، لماذا؟ لأنه لم يفكر أحد من هذه التيارات الإسلامية في موضوع مهم جداً وهو “فقه إدارة المرحلة الانتقالية”، وأظن أن هذا هو بيت القصيد في هذا الشأن الذي نحن بصدده إذا أردنا أن نتحدث عن التيارات الإسلامية في علاقتها بالدولة والدعوة والثورة.

وأنا سعيد بكلمة التيارات الإسلامية- وليس التيار الإسلامي- والتأكيد على أن الذي يجمعنا هو “المشروع الإسلامي”؛ والمشروع الإسلامي له تجليات مختلفة منها الفكري والثقافي والمجتمعي والحركي والأكاديمي، وهنا تجدر الإشارة إلى ما يتعلق بحكم الممارسة، فمثلًا إذا كان من في السلطة ينتمي إلى المشروع الإسلامي وأخطأ فإن خطاءه يعم على الجميع، ومن هنا تبرز فكرة مهمة جداً تتعلق بما يمكن تسميته “استنقاذ المشروع الإسلامي”، تفسر مبادرتنا بضرورة توجيه النصح، بل ويجب أن تكون هناك حدة في هذا النصح خاصةً في الأمور التي تتعلق بالشأن السياسي والممارسات السياسية الآن والتي تستدعي”فقه المرحلة الانتقالية”؛ فالسبب الأساسي هو المشروع الإسلامي وماله من وزن غاية في الأهمية في عقل هذه الأمة، فيجب على الأقل أن نحافظ على هذا الوزن المهم، وإن كان من المفترض أن نوفر له الفرصة لكي يوسع المساحات والساحات التي يمكن أن يؤثر فيها ويحدث النجاحات، وهذه هى المسألة الأساسية؛ فمسألتنا الأساسية هي استنقاذ هذا المشروع الإسلامي؛ لأننا إذا تركناه لأوضاع الاختلاط التي توجد في أذهان الناس سنخسر كثيراً جدًا.

ولماذا أقول هذا؟ حيث يُلاحظ عند النظر للمشروع الإسلامي في بدايته أنه كان يتميز بقدر لا بأس به مما يسمى بـ “البراءة السياسية”؛ والبراءة السياسية تعني ضمن ما تعني أن الناس الذين يعملون في حقل السياسة عندما يكونون في المعارضة ويقولون “لا” على أمور كثيرة يكون وضعهم أسهل من أن يكون هؤلاء في الحكم ويحاولون مواجهة التحديات التي تتعلق بالوطن بأكمله بقضاياه ومشاكله فهذا هو الصعب، ومن ثمَّ فالبراءة السياسية تتعلق بالمعارض، وهذا أمر مهم جدًا ويفسر لماذا المعارضون الموجودون الآن بعض كلامهم مسموع، لأنهم يقولون “لا” وقول “لا” أمر سهل، فمسألة الاعتراض على الدستور وإلغاءه سهلة، ولكن الحديث عن بناء سياسة، وبناء مؤسسات، وبناء مواقف واستراتيجيات، وبناء علاقات جديدة، وبناء جملة من الأفكار الأساسية التي تتعلق بمسألة النهوض والتغيير فهذا هو الشأن الذي يتعلق بصعوبة ما نحن فيه، وهو كما قلت يتعلق باختفاء حالة “البراءة السياسية”.

وأنا بهذا أكون قد تحدثت عن المنهج والإشكالات، فتتبقى المسألة التي تتعلق ببناء الموقف، والمسألة الأساسية التي تتعلق ببناء الموقف ترتبط بإطار التنازعات التي أدت إلى كثير من الخسائر على الأرض بالنسبة للتيارات الإسلامية جميعًا؛ فهذه التنازعات غالباً ما تحدث أمراً شديد الخطورة يسمى”الحسابات” فحينما تكون هناك تنازعات تكون هناك حسابات، والحسابات هنا لها مقتضيات كثيرة جدًا يمكن أن تتدخل في الموقف، فمثلاً لماذا لم يذهب الرئيس إلى الكنيسة عند احتفالها بتنصيب البابا؟ فهناك أسباب وتنازعات، يحولها الناس لمسألة فتوى، وأنا أسميها “فتونة”، ونعالجها في إطار ما يمكن أن نسميه تحول الفتونة إلى “تفاتي” أي التحارب بالفتوى؛ وهذا التفاتي يعنى أن كل شخص لديه ترسانة جاهزة من الفتاوى يخرجها في هذا الشأن، مما يضع هذا الذي يمارس السياسة في حرج شديد.

فإذا كنا نتحدث عن فقه المرحلة الانتقالية فهو فقه الاستثناء، ويجب أن نعرف هذا، وفقه المرحلة الانتقالية تمليه حقائق الواقع الموجود بضرورته وباستثناءاته وبعلاقاته ومؤسساته، وهذه مسألة غاية في الأهمية فقبل أن يعلن كل فريق عن ثوابته -ولن نختلف على هذه الثوابت كثيراً- فلنعلن أولاً عن حجم اختلافاتنا والمنهج الذي ندير به هذه الاختلافات، فهذه هى القضية بالنسبة لي وإلا سنظل على ما نحن فيه وسنظل في هذه الحالة من الارتباك الرئاسي.

لقد ذكرت في مرة من المرات أن طريق النجاح الذي يتعلق بالرئاسة هو أن تقوم الرئاسة بعمل المسافات اللازمة والواجبة ما بين الجماعة باعتبارها حركة دعوية، وما بين الحزب باعتباره أداة سياسية، وما بين الرئاسة بكونها لكل المصريين، وبحجم هذا الاختلاف والتمايز ما بين الدوائر الثلاث سينجح الرئيس، وبحجم الاختلاط ما بين هذه الدوائر ستحدث المشاكل. لماذا؟ لأننا لسنا في المجتمع بمفردنا، وأريد أن تقرأوا كتاب د. منيب الغبار: عن “التجسيد السياسي الحركي للسيرة النبوية” فهذا الكتاب مهم يتحدث عن تفاصيل مهمة؛ حيث تجد أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يفعل أشياء مهمة جدًا في المرحلة الانتقالية، إلا أنه هناك من يقوم بالمشابهة بين هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين الثورة، فمثل هذه المشابهات تمثل مشابهات اختزالية ومن الممكن أن تحدث خطورة بالغة، وهي تختلف عن تلك المشابهات والمقارنات المنهاجية؛ فالمقارنات المنهجية واجبة، والاختزالات الخطابية خطيرة، فلنكن واضحين في مثل هذه الأمور.

وآخر شيء سأتحدث فيه بالنسبة للموقف هو التأكيد على وضوح الاشتباكات والتشابكات التي حدثت في مثل هذه المثلثات، وهذه المثلثات يجب ترتيبها بطريقة صحيحة؛ لأننا نريد أن يكون المثلث قائماً بأضلاعه الثلاثة وبقاعدته الأساسية، فهذه القاعدة هى التي تحدد الأدوار و تحدد الزوايا والمسافات والمساحات على أرض الواقع؛ فمثلاً هناك موضوعات معينة تقع في صميم أعمال مؤسسة الرئاسة، فليس من المقبول أن نجد مكتب الإرشاد يتحدث عنها، وأن تكون مؤسسة الرئاسة هي آخر من يتحدث عنها، فكل طرف له دوره وله مساحته التي يعمل فيها، فهذه المسائل تتعلق بأن حجم التداخلات هو الذي يحدث الكثير من الفوضى في التلقي والفوضى في التعامل.

فعندما نأتي لحساب هذه المسألة في سياق “المحاصرات” التي حدثت في مصر في الآونة الأخيرة نجد أشخاصاً ذهبت لمحاصرة قصر الاتحادية، وأشخاصاً ذهبت لمحاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي وأشخاصاً حاصرت المحكمة الدستورية، وأشخاصاً حاصرت مجمع التحرير ومنعت الموظفين من الدخول، وأشخاصاً حاصرت النائب العام، والطرفان فعلا هذا، الجناح الذي يسمي نفسه جناح القوى المدنية، والجناح الذي يسمي نفسه جناح القوى الدينية أو الإسلامية، والدولة بين مطرقة وسندان، وهذا غير ممكن أبداً أن يحدث في مرحلة انتقالية.

وما أؤكد عليه هو ضرورة أن نؤسس “فقه المرحلة الانتقالية” الذي يحدد شبكة الأدوار والوظائف ويميز فيما بينها، ويحدد أيضًا القدرات التي يمكن أن تنهض بهذا، فلكلٍ دوره، ولكلٍ مجاله الذي يعمل فيه؛ فليس بالضرورة أن الرجل الذي يصلح للعمل في مجال الدعوة، يصلح للتحدث في السياسة ويفتي، فهذا لا يصح، فالتمايز هو الأصل في حكم أي دولة راشدة، وهو ذلك التمايز الذي حدث بحكم أن الوظائف قد تعقدت وأن الأمور قد تجددت وأن العلاقات قد تمددت، ومن ثمَّ وجب علينا أن نفكر في إطار هذا التجدد والتمدد.

وشكرًا

د.محمد كمال الدين إمام(*):

منذ قرابة ربع قرن ناقشت رسالة دكتواره أ.د.سيف الدين عبد الفتاح، وبعد ذلك كتب الأستاذ فهمي هويدي في الأهرام مقالة شهيرة قال فيها: “جاءكم شاب سوف يقلب المشهد الفكري والسياسي رأساً على عقب”، والآن وعلى هذه الطاولة د.سيف يقلب طاولة المشهد الفكري السياسي رأساً على عقب ليُؤسس لمرحلة جديدة ينبغي أن تكون واضحة في أذهاننا فيما يتعلق بكيفة تفاعل الرويء السياسية حتى تنجح، وكيفية تجنُب مآلات الخيبة وسبلها وطرقها، ولذلك أقول إن المشهد السياسي المصري الآن يحتاج إلى قراءة ترتكز على أسس منهاجية: فحينما صنعت الجماهير الثورة وفقدت النخبة القدرة على فهم ما تريده الجماهير، أصبحت هناك فجوة كبيرة ما بين الذين صنعوا الثورة وهم: نصف المجتمع، والذين يحاولون قيادة الثورة وهم: النخبة، فهؤلاء ليس لديهم خرائط ولا أفكار، ولا يعترفون بأن هناك فقه يسمى فقه المرحلة الانتقالية، ولا يعترفون بأن هناك واقع جديد قد حدث، ولا يعترفون بأن الثورة قد غيَّرت أشياء كثيرة في الواقع المادي المحسوس وفي الواقع المعنوي الذي نُفكِّر فيه، فإذا لم يتم ردم هذه الفجوة ولم يتم تجسير هذه النخبة، فلن تستطيع أن تعرف ماذا تريد الجماهير، ولن تتعرف على مقومات النجاح سواء كانوا حكاماً في السلطة، أو كانوا من الذين يتحركون على أرض المعارضة، أو كانوا من الذين يحاولون أن يجدوا لهم أصوات في العمل السياسي المصري.

وفي ضوء ذلك سنبدأ التعقيب الثاني للأستاذ الدكتور جمال نصار.

تعقيب: د.جمال نصار(*):

في البداية أود أن أؤكد أن مسألة الثورة لابد أن تدخل في الحسبان؛ لأن الجميع-حتى من قاموا بالثورة من شباب ومن انضموا إليهم بعد ذلك-لم يكونوا يتوقعون أن يكون الحال على ما نحن عليه الآن، فالجميع كان يريد بعض الإصلاحات مثل عزل وزير الداخلية أو بعض التحسينات الحياتية، إلا أن الله (عزَّ وجلَّ) أراد أن يكون هذا الأمر بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب الحضاري الذي أبهر العالم كله، وفي الحقيقة نحن أمام مسئولية تاريخية كبيرة، وكلنا مسئولون، سواء من يمارسون السياسة بالفعل من التيارات الإسلامية على المستوى الحركي على أرض الواقع، أو من يشاهدون ويتابعون المشهد ولهم رويء وأفكار.

ولا شك أننا عشنا في فترة سابقة في حالة من الارتباك والارتياب، والارتباك كان واضحاً جدًا، فبعد الثورة مباشرةً لم تتضح معالم الطريق كما ينبغي، فلم يتفق الشركاء الذين كانوا في الثورة على انتهاج منهج محدد ومن ثمَّ تشتتت بهم السبل، ومازالت حالة الارتياب موجودة حتى الآن بين كل عناصر المجتمع المصري، فحينما تتحدث مع فصيل تجد لديه حالة ارتياب وشك من الطرف الآخر حتى ولو أنه فصيل إسلامي، وهذه مشكلة.

وفي ظني أن هذا الارتباك والارتياب سيستمر لفترة؛ لأننا في مرحلة انتقالية-كما ذكر أ.د.سيف الدين عبد الفتاح- وغاب عنا فقه هذه المرحلة، وبالتالي فأنا سأتحدث عن الإشكاليات، وسأطرح بعض الحلول السريعة في هذا السياق:

الإشكالية الأولى: أنني أتصور أن الذي نحياه الآن هو نتيجة طبيعية لما كان من حالة انغلاق مفروضة على التيار الإسلامي بشكل عام، الذي كان- مثله مثل الشعب المصري- محاصراً بكل السبل، فكما قال أ.د. أحمد العسال (رحمه الله): “إن الدعوة لا تمارس إلا في جو من الحرية”، ولذلك نلاحظ أن جماعة الإخوان تحت قيادة الإمام حسن البنا ومن بعده وحتى بداية الخمسينيات، كان لديها مساحات من التفاعل مع التيارات الأخرى؛ حيث يُذكر أن كثير من الإخوان كانوا يحضرون مجالس العقاد، ومجالس علم أ. محمود شاكر وغيره، فلم يكن الأمر يسير في اتجاه واحد من خلال فصيل يريد أن يحافظ على أفراده وعلى جماعته بشكل أو بآخر من الضربات المتلاحقة كما هو الحال بعد ذلك. إذًا فمسألة الانغلاق التي كانت مفروضة هي جزء أصيل من الإفرازات التي نراها الآن.

والإشكالية الثانية هي: عدم تصور كل فصائل التيار الإسلامي- حتى بما فيهم الإخوان المسلمين- بأنهم سيكونون على رأس الدولة، وخاصةً أن الإمام حسن البنا كان ضد الأحزاب؛ لأنه في ذلك الوقت كانت الأحزاب تتسم بالفساد والمشاكل وكانت تفرق الأمة ولا توحدها، وهو ما كان مخالفاً لهدفه الأسمى وهو “توحيد الأمة”، فضلاً عن الصعوبات التي واجهها الإخوان في تأسيس الحزب، فأظن منذ الثمانينات والإخوان يحاولون تأسيس حزب، فكان لديهم العديد من المشروعات، وانتهى بهم المطاف إلى “مشروع حزب الوسط” وماصاحب ذلك من اعتقالات لدرجة أنني سمعت مرة أن أ. الهضيبي قد أخبره أحد الوزراء بما يعني الآتي: أن السماح لهم بوجود حزب يعني تداول سلطة، وهذا أمر مستحيل، وشاء الله أن تصل التيارات الإسلامية بصفة عامة، والإخوان المسلمون بصفة خاصة إلى سُدة الحكم.

إلا أن مشكلة التيار الإسلامي بشكل عام هي: عدم التدريب والإعداد لهذا، وكما قال الأساتذة: إن مسألة إعداد رجال دولة لم تكن في الحسبان، فحتى من عايش الحياة الطلابية في الثمانينات عندما كانت الأجواء منفتحة كثيراً، وكانت هناك حالة حراك، ثم بعد ذلك ومنذ بداية 1992م وما بعدها حدث إغلاق، فلم يدرب هذا التيار بخلاف ما حدث في تركيا، ففي الحالة التركية الأمور أخذت أبعاداً أخرى، فبالرغم من كونها دولة علمانية والدستور ينص على ذلك، فقد كانت هناك مساحات لتيار بدأه نجم الدين أربكان، وكانت هناك ممارسات بشكل أو بآخر ولذلك فإن هذه التجربة كان لها صدى أكثر، ولكنها أخذت وقت (عشر سنوات تقريباً)، ولذلك أنتم تعلمون أن موقف د.محمد مرسي من المجلس العسكري أبهر العالم، وأردوغان نفسه قال: إن ما فعله في عشر سنوات أنتم فعلتموه في أيامٍ وشهورٍ! إذًا فعدم التدريب عامل مؤثر في مسألة تهيئة الناس والأفراد لقيادة الدولة، وهذه هي الإشكالية.

والإشكالية الثالثة ترتبط بما ذكره أ.د.سيف الدين عبد الفتاح فيمايتعلق بمسألة “فقه إدارة المرحلة الانتقالية”، فالحقيقة أن التيار الإسلامي كله يفتقر لفقه الأولويات.

أما الإشكالية الرابعة فهي تتعلق بفكرة الخطاب الإعلامي؛ حيث توجد مشكلة كبيرة جدًا في هذا الخطاب، وفي ظني أن الخطاب الإعلامي قبل الثورة كان أفضل من الآن؛ فأذكر أنني شاركت د.حبيب في مسألة تحديد الخطاب الإعلامي والمتحدثين للإعلام وكنا نسميه “لقاء المتحدثين إلى الإعلام” وكان يديره د.حبيب، وكنت مساعداً له، وكان يحضره كل من تشاهدونه في الإعلام سواء من نواب، أو ما يسمى بقيادات في جماعة الإخوان المسلمين، أو أعضاء في مكتب الإرشاد، وكنا نضع أجندة عما هو المطروح على الساحة وكيف نتعامل مع هذه الأمور ونتعاطى معها وكنا نأتي بنماذج متميزة، وكنت أتابع كل من له تصريح في الصحيفة أو التلفاز وإذا كانت هناك مشكلة، ألفت نظر د.حبيب إليها، ولكن المشكلة الآن في حالة سيولة غير مرتبة وغير مسبوقة، فنجد الخطاب الإسلامي-وخصوصًا ما يتعلق بالإخوان تحديدًا- فيه مشكلة، وبالتالي فإنه في الحقيقة لا توجد حالة ضبط ولا ربط، ولا توجد منهاجية ولا تدريب.

وهذه الإشكاليات لابد أن تُحل، ومن وجهة نظري أرى أن الحلول تتمثل فيما يلي:

أولاً- ضرورة أن يكون هناك إشارات ضوئية ووقفات من مراكز البحوث والدراسات وأصحاب الرأي والفكر بشكل عام؛ لأنه كما ذكر أ.د.سيف الدين عبد الفتاح، أنه في النهاية يُنسب الأمر إلى المشروع الإسلامي، وكثير من الناس لا يستطيع أن يميز وهذا أمر طبيعي، فضلاً عن سلوكيات الإعلام بشكل عام وأن الكثير من هذا الإعلام له سياسة وله خطة وله رؤية وله أجندة يريد أن يفرضها سواء كان مدعوماً من الداخل أو من الخارج، وأنت أيضًا ضعيف في هذا الجانب؛ فعندما قمت بعمل قناة فضائية كانت ومازالت دون المستوى الإعلامي المطلوب، فلابد أن نتصارح في هذا، ويكون لرواد الفكر والثقافة رؤية في التوجيه دائمًا، ومن ثمَّ فأنا أُحيي في الحقيقة أ.د.سيف الدين عبد الفتاح، وأ.د.محمد كمال إمام لجهدهما في التوجيه والنصح والإرشاد وهذا هو المطلوب من رجال الفكر. إذًا لكي نصحح المسار لابد أن يكون هناك توجيه مستمر من أصحاب الفكر والرأى.

ثانياً- أنه لابد أن تكون هناك وقفات واجبة من التيار الإسلامي ذاته، فلابد أن يعلموا أننا بالفعل بحاجة- كما قال أ.د.سيف الدين عبد الفتاح- إلى “فقه إدارة المرحلة الانتقالية”، وعليهم أن يقرؤا المنهج الحركي النبوي، ففي ظني مثل هذه الأمور ستمثل إضافة، وهنا أستعين بكلمة رائعة للأستاذ الدكتور عماد شاهين حيث قال: “أحياناً التيارات الإسلامية تعمل ثم تفكر”، وهذا خلل، فالجميع يعلم أن سيدنا علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) كان لا يخطو خطوة إلا بنية، فقبل أن يخطو خطوة ينظر هل ستسير في الاتجاه الصحيح؟، ونحن الآن لدينا إمكانيات كثيرة جدًا على المستوى التكنولوجي فواجب الوقت وفرض الوقت عليك الآن أن تأخذ بهذه الأسباب التي سوف يسألك الله (عزَّ وجلَّ) عنها.

وختاماً لي تعليق منهجي على الورقة: فمن وجهة نظري ألا يدخل الأزهر في التيارات الإسلامية؛ لأنه يمثل جامعة للجميع، فلا يجب أن يدخل ضمن التيارات الموجودة.

وشكراً

أ.د.محمد كمال الدين إمام:

شكراً للأستاذ الدكتور جمال نصار الذي أشار من موقعه إلى كثير من الأمور، وخاصةً أن الحركات الإسلامية وكل ألوان الطيف الإسلامي بحاجة إلى وقفات أو لحظة حساب قبل أن تحاسبه الجماهير وقبل أن تكون التجربة خصماً من الرصيد وليست إضافة له، وأنا لا أستمع كثيراً للإعلام، ولكن أمس فوجئت بقناة “العربية” تقدم من يقول إنه كان في الإخوان المسلمين وانفصل ويتحدث عن رؤيته لحركة الإخوان المسلمين، فوجدت كيف تتم عملية الزيف الإعلامي وهى عملية غسيل مخ وصنع التيارات المضادة والأفكار المضادة، حتى أن مفكرة سودانية قالت إن الإعلام يقوم بعملية غسيل مخ ربما تصنع اتجاه مضاد؛ لأنه وصل بها الزيف إلى مرحلة يدرك الشخص العادي أن هذا الكلام ليس له نصيب من الصحة، فمنها من يقول إن الجماعة إذا اختلف عنهم فرد فيقوموا بتطليق زوجته منه، فهذا نموذج لما أشار له أ.د.جمال نصار لما هو موجود في الإعلام.

تعقيب: أ.د.بسيوني حمادة(*):

العنوان يوحي بأن الانتقال الآن سوف يكون إلى الدولة، ولكننا ننسى معها الدعوة، ولذلك آمل أن يكون الانتقال من الدعوة إلى الدولة والدعوة معاً، فالدعوة الجيدة سوف تُنشئ دولة.

أتصور أن المشاكل التي تواجه التيار الإسلامي -ولنتحدث بصراحة- تتمثل في أن هناك مشاكل ترتبط بالتيار الإسلامي في ذاته، وأخرى ترتبط بالتيار المدني، ومشاكل ترتبط بالمجتمع ككل، وعلاقة هذا المجتمع بالمجتمع الدولي، ولا توجد مشكلة يمكن أن تفهم في إطار معزول عن السياق العربي والدولي.

فالمشكلة الحقيقية تتمثل في أزمة الديمقراطية، بمعنى أنه إذا كانت الديمقراطية متجذرة في هذا المجتمع لرضخ المجتمع لنتائج الصندوق سواء في الاستفتاءات أو الانتخابات البرلمانية أوالانتخابات الرئاسية، ولكن على العكس من ذلك؛ فالصندوق يأتي بنتائج لا يرضخ لها المجتمع، فتظل المشكلة قائمة؛ حيث يوجد ما يمكن أن نسميه فقدان للشرعية “أزمة الشرعية”، فيجب أن تُحترم شرعية الصندوق، ولكن في الواقع هى لا تُحترم.

وأصل الإشكالية أنه لأول مرة في تاريخ مصر تتم ممارسة الديمقراطية، فعلى الرغم من أن مصر أول دولة في التاريخ وصاحبة حضارة عريقة، إلا أنها في واقع الأمر لم تمارس الديمقراطية بعد، فهى الآن تبدأ أولى خطواتها بوضع دستور، وما قبل ذلك كانت الديمقراطية غائبة فنحن في مرحلة الطفولة في التعامل مع الديمقراطية؛ حيث نُلاحظ في الولايات المتحدة الأمريكية أنه في اللحظة التي يُعلن فيها فوز الرئيس يعلن الطرف الثاني هزيمته ويعترف بانتصار الطرف الآخر، وجمهور المهزوم يلتحم بالفائز، ففكرة الديمقراطية أن الأغلبية تحكم، وفي نفس الوقت المعارضة تحترم، والأقلية تحترم، وقوة الدولة تبنى على قوة المعارضة وعلى قوة من هم في السلطة، وهو ما يرتبط بـ”فكرة الشراكة الاجتماعية والشراكة السياسية” بمعنى ألا يستأثر أحد بالقوة أو بالسلطة.

وفي الحقيقة أن النقلة التاريخية التي حدثت عندنا أن التيار الإسلامي وصل للحكم بعد ثورة شارك فيها الجميع، ومعظم التيارات الإسلامية-باستثناء الإخوان المسلمين- كانوا يرفضون فكرة العصيان والتمرد والخروج على الحاكم وهذا من الناحية الشرعية، ولكن في كل الأحوال مثل هذا المجتمع سواء في تياره الإسلامي أو في تياره الليبرالي ومن يمثلونه مثل محمد البرادعي، عمرو موسى، حمدين صباحي، وغيرهم، لا يؤمنون بأبجاديات الديمقراطية؛ لأنهم إذا كانوا يؤمنون بها لما فعلوا ما فعلوه.

فهناك فرق بين أن تنـزع الشرعية عن بعض القرارات والسياسات التي يصدرها الحاكم، وهذا حق طبيعي جدًا تمنحه لك الديمقراطية، وبين نـزع الشرعية عن الحاكم، فشرعيته موجودة لأن الذي أتى به الطرف الثالث وهو الشعب نفسه، فعندما تنـزع الشرعية عن قرارات وسياسات هذا حقك في إطار تقديم البدائل، فتقدم بدائل السياسات، وبدائل الاستراتيجيات، وبدائل الأفكار، وبدائل الرؤى، ولكن الواقع يوضح أننا ليس لدينا تربية سياسية، فنحن نفتقدها لأننا مارسنا الديمقراطية في شكلها الإجرائي، ولكن لم نتشبع ولم نتعلم قيم وثقافة الديمقراطية الأساسية التي تتمثل في الاعتدال والوسطية وقبول الطرف الآخر والاعتراف بحقه في أن يحكم ومنحه المدة الكافية ومساندته والتضامن معه عندما يكون على حق، فقد كان العقاد يقول: “أهم ما في الديمقراطية فكرة التضامن” وهذه فكرة أصيلة جدًا، وفي الحقيقة نحن ليس لدينا ديمقراطية وإن كنا نطبقها من الناحية الإجرائية، وأتصور أنها لن تستمر طويلًا إلى أن تترسخ القيم والثقافة والروح الحقيقية للديمقراطية من خلال حسن الاستماع والحوار.

فمثلًا نلاحظ في البرامج الحوارية أنها قائمة على فكرة الثنائية؛ أي أن يدافع الطرف الأول عن شئ ما إلى الأبد، والطرف الآخر يدافع عن نقيض هذا الشيء إلى الأبد، وأعتقد أن أي فرد منا أياً كان- سواء كان طرف إسلامي أو غيره- لا يمتلك الحقيقة كاملةً؛ فالحقيقة بين الجميع وعلينا أن نتضامن.

وهناك مفهوم آخر يجب أن نضيفه إلى مفاهيم الوسطية والاعتدال، وهو المرونة من منظور غياب المطلق؛ فالمطلق في العبادة والمقدسات، لكن إذا دخلنا في السياسة فتوجد قضايا أساسية يجب مناقشتها مثل: تنمية محور قناة السويس، واستصلاح بحر الرمال الأعظم، فهذه قضايا ليس بها مطلق، فهذا المفهوم مفهوم سياسي بحت لم نصل إليه بعد، وأعتقد أننا خلال سنوات نستطيع أن نصل إلى هذا المفهوم؛ لأنه يرتبط بتنشئة الأطفال في المدارس والجامعات، كما يرتبط بعلاقة الأب بالأم، والزوج بزوجته، والأطفال مع بعضهم البعض، فأعتقد أن التربية المجتمعية السياسية ستأخذ وقت كبير.

ومن ثمَّ فإن الأزمة الأولى أعتقد أنها أزمة ديمقراطية متجذرة، وما نعاني منه الآن يعود إلى أن هذا الجانب القيمي الأخلاقي الثقافي الروحي ليس موجودًا عندنا على الرغم من أن القراءة الحق للتراث الإسلامي سوف تصل بنا إلى هذا، فأي ادعاء أن الإسلام ليس فيه سياسة أو حكم أو قيم سياسية فهذا كلام منقوص وغير قائم على حقيقة؛ فالإسلام فيه كل هذه الأشياء ولكن التيار الإسلامي لا يستطيع أن يمارسها بشكل جيد ولا الطرف الآخر يستطيع أن يتقبلها.

والأزمة الثانية هى أزمة حكم وإدارة، فإذا استطاعت الإدارة أن تدير على نحو جيد لانتفت كل هذه المشاكل؛ لأن أغلبية المجتمع يريد أن يطعم نفسه فيجد قوت يومه، ويجد مواصلات جيدة، ويربي أبناءه، ففكرة إشباع الحاجات الأساسية لدى المجتمع، وإدارة الملفات الساخنة في الأمن الاقتصادي، وفي المطالب الفئوية، وفي كل ما يتعلق بالشأن العام داخليًا وخارجيًا، والعلاقة بغزة وأمريكا وعلاقتنا بما يحدث في الإمارات وفي إيران وتركيا وسوريا، إذاً توجد أزمة إدارة وهى مرتبطة بصدمة التيار الإسلامي الذي وجد نفسه في الحكم، ولكن لا أزعم أن الموجودين في الحكم كانت لديهم خطة سياسية كافية تؤهلهم للإدارة من منظور رجل الدولة ومنظور سياسة الدولة.

وحتى إذا افترضنا بوجود أزمة ديمقراطية في المجتمع، فالمجتمع كان من الممكن أن يصبر ويتقبل التيار الإسلامي إذا وجد لديه القدرة على إدارة الشأن العام. وفي الحقيقة يوجد إحساس عند العامة أن التيار الإسلامي يدير الدولة من أجل مشروعه الخاص، والحقيقة أنه ليس مشروع خاص فهو مشروع عام، ولا يمس الوطن وحده بل يمس العالم كله؛ لأنه إذا نجح لن تتغير مصر فقط بل إن الخريطة الدولية كلها ستتغير، وإذا فشل النموذج الإسلامي في أي دولة أخرى سوف ينعكس ذلك على وجهة نظر الغرب وغير الغرب للإسلام نفسه، وهذه قضية كبيرة جدًا؛ فإذا كان التيار الذي حكم بعد الثورة غير التيار الإسلامي وفشل لكان ذلك أخف وطئًة على الإسلام، وهذه إشكالية حيث إن التيار الإسلامي أمام تحدي كبير جدًا، فهو غير مدرك أن إدارته للدولة، غير إدارته لجماعة أو لحزب، لدرجة أن من في الشرطة يتصور أن هذه “دولة الإخوان”، ومن ثمَّ فهو ينظر لمبارك – رغم أن عهده كان فيه كل أنواع الظلم والفساد- على أنه رجل دولة وحتى في ظلمه كان ظالماً للجميع.

فالقضية الآن هي أن يشعر المجتمع بأن هذه الإدارة والحكم الجديد يدير الشأن العام من أجل الصالح العام وليس من أجل الصالح الخاص، وذلك بخلاف ما هو متجذر لدى العامة في مصر، بل ومتجذر أكثر في الخارج، فمن خلال قراءة تحليلات واشنطن بوست والمجلات الدولية المحترمة، نلاحظ أنها تنظر إلى إدارة السلطة الآن في مصر باعتبارها تسعى إلى “الخلافة”، وهذا يحُدث ظاهرة الـ “إسلام فوبيا”، وهذه إشكالية فلا يكفي أن يقول التيار الإسلامي إنه لا يسعى إلى هذا، بل يجب عليه أن يبرهن على ذلك، فلا يكفي أن تفعل الخير بل يجب أن يعلم الآخرون أنك تفعل الخير، وصحيح أن الإسلام فيه صدقة السر أفضل من الجهر، إلا أنه في العمل السياسي الأمر مختلف؛ لأن التيار الإسلامي الآن يتحمل مسؤلية الناس ويتحدث نيابةً عنهم، ومن ثمَّ يجب عليه أن يبرهن على أفعاله؛ لأن التيارات الأخرى شركاء في الوطن سواء كانوا أصحاب نفس الديانات أو من ديانات أخرى، فحينما نجحت الثورة لم تنجح فقط بفضل تيار بعينه، بل أزعم أن الفيس بوك، والتيارات الأولى الداعية للثورة، لم تكن من بينها تيارات إسلامية، فالشرارة الأولى ربما كانت من الطرف الآخر، فالكل شارك ومن ثمَّ يجب أن يكون الكل مشارك في إدارة الوطن.

وعند تلخيص ما قلته حتى الآن أجد أن عندي أزمة ديمقراطية وارتبطت بها أزمة شرعية، ولكن كان من الممكن أن نخفف منهما بشكل كبير لو لم تكن هناك أزمة حكم وأزمة إدارة للسياسة العامة، فالأزمات الثلاث متداخلين في بعضهم البعض فأحدثوا أمراً معقداً جدًا لا يمكن الخروج منه.

ومن أشد أنواع الأزمات الموجودة حاليًا أزمة التعامل مع الرأي العام؛ فالرأي العام حينما يتصرف، ونحن أيضًا حينما نتصرف، لا نتصرف في ضوء الحقائق كما هى موجودة في عالم الواقع، بل نتصرف في ضوء الواقع كما هو مُدرك في أذهاننا، وبالتالي هناك نوعان من الوقائع: واقع حقيقي يعيشه الناس، وواقع آخر في ذهني، وأنا لا أتصرف في ضوء الواقع الحقيقي ولكن في ضوء ما أدركه، فإذا حدثت أحداث 11 سبتمبر التي غيرت العالم وبدأت إعادة رسم خريطة العالم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، فإذا لم نرَ بأعيننا ماحدث من تدمير الأبراج، ولم نرَ التغطيات الآنية السريعة، لما نجح الأمريكان أن يجندوا أوروبا والعالم كله من أجل قضية الأمن القومي الأمريكي وحمايته، وما استطاعوا الحصول على تحالف العالم وأوروبا معهم لغزو أفغانستان والعراق، ولا يزالوان حتى الآن يقيضوا لنا الحريات العامة والخاصة؛ ومعنى ذلك أن القدرة على استخدام وسائل الإعلام في التعامل مع الرأي العام يمثل أبجديات تحقيق النجاح وتحقيق السياسات، وهناك حالتان: الحالة الأولى أن تتوافر بضاعة جيدة وأن يكون الإعلام جيداً أيضاً، فالاثنان معاً يحققان نتائج جيدة، والحالة الثانية أن تتوافر بضاعة جيدة وأن يكون إعلامًا سيئًا والتعبير عنه سيء والمدافع عنه سيء، فالنتائج ستكون سيئة.

مرة أخرى أريد أن أقول إن الرأي العام حينما يتعامل مع قضايا الواقع يتعامل في ضوء ما يدركه، وفي ضوء ما ترسخ في ذهنه، والذي في ذهنه وصل من خلال المعلومات والصور والرموز، ومن خلال التكرار وغسيل المخ الذي يُحدثه الإعلام، ومن هنا أستطيع أن أقول ببساطة شديدة إن التيار الإسلامي وصل للسلطة ولكنه لم يصل إلى الإعلام بعد؛ بمعنى أنه لم يحدث تطهير للإعلام، وأنا أقول إن نجاح الثورة مرتبط بالتطهير الإعلامي؛ لأننا بحاجة لبناء العقل الجمعي والرأي العام بطريقة مغايرة ومختلفة تجعل الرأي العام يتقبل ويستمع إلى الآراء والمعلومات والصور التي تُؤكِّد وتُرسِّخ قيمًا ومفاهيمًا جديدة أساسها أن التيار الإسلامي لم يأتِ إلى السلطة لعمل دولة خاصة به، ومن ثمَّ يبدأ التمكين للتيار الإسلامي، وحتى ونحن نُمكِّن للتيار الإسلامي يجب أن يكون هذا لمصلحة الجميع لأن في عالم السياسة الكل مشارك.

ففكرة الحقيقة التي في الذهن هى التي تسيطر، فمثلاً القاضي لا يحكم برؤيته الخاصة، ولكن يحكم بوجود أدلة تجمعت لديه كوَّن منها صورة، وهذه الصورة بناء عليها يصدر الحكم، وأحيانًا يصدر الحكم وهو مخالف لأرض الواقع لأنه تم تقديمه إليه بشكل زائف، وما حكم البراءات ببعيد، فقد تكونت لديه صورة زائفة فحكم حكماً زائفاً.

فإذا قلنا إن أزمات التيار الإسلامي تمثلت في أزمة ديمقراطية ارتبطت بها أزمة شرعية وأزمة حكم، إلا أن أشد أنواع الأزمات التي يعاني منها التيار الإسلامي هى الأزمة الخاصة بقدرته على التعامل مع الرأي العام، فهو غير قادر على التعامل مع الرأي العام، وبصراحة شديدة لأن الإعلام الإسلامي إعلام متخلف في أدائه ومضمونه وغير قادر على أن يدرس اتجاهات الرأي العام الذي أمامه، وهو أيضاً إعلام منفعل، فقد يقدم فكرة جيدة ولكنه ينفِّر الناس منها، فيجب أن تبحث لماذا ينفر الناس منك، وكيف تغزو أسواق جديدة في الداخل والخارج، فعليك أن تبحث عن الاستراتيجيات والآليات التي تجعل الناس تُؤيد الدولة الإسلامية، فالناس لا تفهم الأشياء بتفصيلاتها أبدًا؛ فالعقل البشري يميل إلى استكمال النواقص، فلا يستطيع الفصل بين إسلام متشدد، وإسلام صوفي، وإسلام هاديء، فهو يراهم جميعهم شيئاً واحداً.

فكيف يمكن أن تقدم هذا النموذج الحضاري الإسلامي الذي يمتد “للرسول” (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه الأجلاء بطريقة تدفع الجميع لأن يقولوا ليتنا ندخل الإسلام.

فمرة أخرى أقول إن الإعلام الإسلامي إعلامًا متخلفًا عليه أن يعيد النظر، فحينما كنت منفعل ومتشدد كنت في المعارضة، ولكن الآن أنت الأقوى فعليك أن تكون أكثر تسامحاً ومرونةً.

وهنا يثور التساؤل: هل الإعلام “غير إسلامي”، أنا لا أريد أن أنفي عنه صفة الإسلام، ولكن على الأقل هو لا يؤمن بالفكرة الإسلامية ولا يرتضي للدولة أن تكون ذات مرجعية إسلامية، وهو لديه خلفيات ومرجعيات أخرى، هل كان من الممكن أن يصنع شيئًا ضد التيار الإسلامي من لا شيء؟ مستحيل. فلابد أن يكون هناك أصول وبالتالي دوره أن يقوم بعمل تهويل وتضخيم، فلماذا لا أقطع عليه هذا الطريق، فهذا الإعلام يستطيع أن يهوِّن أو يهوِّل الأشياء؛ فإذا كان هناك نجاحاً يهوِّن منه، وإذا كان هناك فسادًا أو خطأً هوَّل منه وضخَّمه، وفي كل الأحوال هناك أصول وإلا الناس كذبته في الحال.

فقضية الإعلام بكل جوانبها تحتاج إلى دراسة وإعادة نظر في كيفية التواصل مع الرأي العام وفكرة التسويق السياسي، فهو علم قائم بذاته ولكن كثير من السياسين لا يفكرون في التسويق أو تهيئة التربة بحيث يتقبل الناس والرأي العام القرارات، والتسويق السياسي لا يعني أن أقوم بعمل القرار أو السياسة سرًا ثم أفاجئ به الناس، فالتسويق معناه الحقيقي أن يشارك المجتمع الذي أخاطبه بالقرار والسياسة، فمعنى التسويق السياسي أن تتاح الفرصة لأولئك الذين سوف تطبق عليهم السياسة والقرارات في المشاركة في صناعة القرار، وأن يكون الحوار حواراً حقيقياً؛ حيث إنه إذا لم تنعكس نتائج الحوار على المضمون النهائي للقرار أو السياسة، فإنه سيفقد الثقة.

فالتسويق السياسي يعني ضمن ما يعني إشراك حقيقي لكل المخاطبين بالقرار وتكون مدخلات القرار مدخلات حقيقية تؤثر في مضمون القرار، فمثلاً قرار إغلاق المحلات بعد العاشرة مساءًا، الجميع تفاجأ به لأنه ليس هناك دراسة جيدة لآليات التعامل مع الرأي العام.

وآخر مشكلة هى مشكلة العصيان، وأنا أرى أن هناك حالة عصيان مدني، فهناك عصيان في الداخلية، وفي الخارجية، وفي القضاء، إذاً هناك عصيان حقيقي في الأجهزة القوية للدولة، وهذا العصيان نتيجة أزمة حكم وعدم قدرة على الإدارة بنحو جيد، بالإضافة لأزمة التعامل مع الرأي العام، فإذا فَشَلْت فالمشكلة عندي أنا، ولا يجب أن أقول أنهم هم الفاشلون، فأنا من فشل في بناء جسور التعاون معهم بطريقة تجعلهم يقتنعون أننا معاً يد واحدة نبني لصالح هذا المجتمع.

والبعض يصور التيار الإسلامي أنه وصل للحكم بالديمقراطية ولكنه سوف يحول دون إعادة العجلة أو دوران السلطة، وهى فكرة خطيرة وتتجذر في العقول، ولذلك يريد أن يسقطك، وهناك محاولات كثيرة حاولت أن تربط بين إسقاط نظام مبارك، ونظام التيار الإسلامي، وما بين شخص مبارك وشخص د.محمد مرسي.

وآخر أمر أختم به هو سؤال: ماذا بعد؟ أ.د. سيف الدين عبد الفتاح قال نريد أن نعرف ما هى الاختلافات التي بيننا، وأنا مختلف في هذه النقطة؛ فنحن نريد أن نعرف القواسم المشتركة التي تجمع بيننا، فحينما ننظر للتيارات السلفية نجد فيها أكثر من تيار، فلنجلس ونرى القواسم المشتركة فيما يتعلق بالسياسة، لكن فيما بينك وبين الله افعل ماشئت، ففي الحياة هناك منهج واحد وهو: حينما وجدت المصلحة فثمَّ شرع الله، والعكس أينما وجد شرع الله فثمَّة المصلحة أو وُجدت مصلحة الناس، فعلينا أن ندرس هذا الأمر على نحو جيد، وأنا واثق أنه لو جلست القيادات من التيار الإسلامي بروافده المتنوعة الصوفي والجهادي والإخواني، سنصل إلى أن القاسم بيننا أكثر بكثير من المختلف عليه، وأن المختلف أمر تعبدي، ويجب أن تتاح الفرصة للجميع لأن يعبدوا الله، ولكن فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد وإدارة الشأن العام فعلينا أن نتحدث عن الكيفية التي نتعامل بها مع هذه الأمور، فهي أمور دنيوية بحته.

فإذا بدأنا من القواسم المشتركة وبناء هذا في الداخل أولاً- وأتمنى أن يحدث هذا قبل الانتخابات البرلمانية- وكذلك إذا استطعنا أن نصل إلى الرأي العام من خلال الإعلام لنكرِّس لديهم حقيقة مهمة جدًا وهي أن التيار الإسلامي لا يعمل منفردًا ولصالح جماعة خاصة أو لصالح تيار إسلامي خاص، ولكن الإسلام وُجد ليعطي الخير للجميع من ليبراليين، ويساريين، وقوميين، وناصرين، وعلمانيين، ومسيحيين، وكل موجود على الأرض له حق العيش.

شكرًا.

أ.د.محمد كمال إمام:

شكرًا أ.د. بسيوني. الأمر الأول الذي أود أن أعقب عليه أنه منذ أكثر من خمسين عامًا عندما كنت طالباً في كلية الحقوق في السنة الأولى- وهذه نقطة موجهة إلى أ.د.عماد حسين- كان لدينا مقرر يُسمى مقرر ثورة 23 يوليو، ففُرض على أستاذ قانون جنائي أن يدرسها، وأذكر عبارة قالها -حتى يُبِّرئ ذمته منذ البداية فيما سيقول: “إن الإنسان لا يستطيع أن يؤرخ لحدث مازال يحيى؛ لأنه إذا كان يعرف مبتدأه فلا يعرف منتهاه”، وهذه هى النقطة التي أثارها أ.د. بسيوني حمادة في اللحظة الأولى من حديثه.

والأمر الثاني يتمثل في الصلة ما بين التربية والديمقراطية، ففي التجربة الأمريكية وهى تجربة ديمقراطية ناجحة وبغض النظر عن آثارها السلبية على العالم، وربما آثارها السلبية على بعض مواطنيها، وجدت أن الجزء الأكبر من جهود المفكر والفيلسوف الأمريكي الذي صنع البرجماتية الأمريكية الحالية، وهو “جون ديوي” جاء في كتاب له يعد من أهم كتبه يسمى “التربية والديمقراطية” وهو المدخل الذي أيضًا أشار إليه أ.د.بسيوني حماده حينما تحدث عن موضوع أهمية التربية الديمقراطية وأنها لا تأتي فجأة، وإنما تحتاج إلى فصول دراسية، ونحن لازلنا في فترة الطفولة.

والأمر الثالث المهم هو أن الديمقراطية ليست هى الصندوق الانتخابي؛ إنما الديمقراطية أيضًا إلى جوار الصندوق الانتخابي هو قبول نتائج هذا الصندوق، وهو الأمر الذي أولاه د.بسيوني أهمية خاصة ورأى أنه هو المحك الذي يفصل ما بين من هو ديمقراطي ومن هو غير ديمقراطي سواء من الأفراد أو من التيارات؛ لأنه إذا قبلنا نتيجة الصندوق واجتمعنا عليها فنحن ديمقراطيون، وإذا رفضنا نتيجة الصندوق واختلفنا حولها فنحن غير ديمقراطيون، والأمر هنا يحتاج إلى سياق تتحرك فيه هذه الصيغة، وهو أنه لابد أن توجد مع الصندوق المغلق للديمقراطية الثقافة المفتوحة، والصندوق المغلق يقتضي أمانة ونـزاهة العمل الديمقراطي، والثقافة المفتوحة تتعلق بما يمكن أن نسميه الخيرات التي نجنيها والثمار التي تعود علينا.

وأيضًا أشار إلى موضوع الإعلام وربما حثَّ أ.د.عماد حسين أن يضيف إلى ورقته أدوات كل هذه التيارات الإعلامية، وليسمح لي أ.د.بسيوني حماده أن أسميها “الإعلام الديني” وليس “الإعلام الإسلامي”؛ لأن “الإعلام الديني” هو المعلومة الدينية التي تبث من وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، وهذا الإعلام الديني أصابه الكثير من التشويش قبل الثورة وبعد الثورة، أما “الإعلام الإسلامي” فهو غائب منذ فترة طويلة جدًا؛ لأن “الإعلام الإسلامي” هو تحكيم الإسلام في الإعلام؛ أي تحكيم الإسلام كقيم وثقافة وأحكام في العملية الإعلامية سواء كانت مقال أو صفحة رياضية أو برنامج فني أو مسلسل إلى غير ذلك.

وهنا فقط أريد أن أقول أن هذه الورقة التي كتبها أ.د.عماد حسين، يأتي في ختامها الأولي- وليس ختامها الحقيقي- هذه الندوة الثرية؛ حيث أثارت كل هذا الجدل وكل هذا الحوار، والآن تعقيب د.عمرو الورداني.

تعقيب: د.عمرو الورداني(*):

أشكر أ.د.محمد كمال أمام، وأشكر أ.د.عماد حسين على جهده في هذه الورقة، وأرى أن هذه الورقة يمكن أن نصفها بأنها ورقة وصفية أكثر منها ورقة تحليلية، وهي ورقة تُقدِّم منظومة من الحلول للخروج من تلك الأزمة التي ترتبت على رحلة الانتقال من الدعوة إلى الدولة.

وكان من الضروري أن أتكلم عن الجزء الذي تعرض فيه أ.د.عماد حسين لموقف الأزهر، ولكن سأؤجله؛ لأنني في الحقيقة لست مشاركاً بصفتي ممثلًا عن الأزهر، ولكني مشاركًا باعتباري باحث في العلوم الاجتماعية، وقد طلب أ.د.عماد حسين أن يكون هناك حوار وإصلاح داخلي، وأنا سأتكلم لأنني من داخل الأزهر.

ولكن لنتحدث عن الورقة بصفة عامة: فالورقة عنوانها يشير إلى التيارات بصيغة الجمع، وعندما يريد أن يتحدث عن التيارات، لابد أن يتكلم عن فلسفة الاختلاف، وهذا كان سيوفر علينا طويلًا وسيحقق للأستاذ الدكتور بسيوني حماده ما يطلبه من الحديث عن المشترك؛ لأنه سينقلنا من الحديث عن الاختلاف إلى الائتلاف الذي تأذن به الإسلامية، وكنا نريد أن نرى هذا ولكن الورقة توقفت عند الحديث على الاختلاف ولم تتحدث عن كيفية تحصيل الائتلاف والانتقال، وتحدثت عن الفصل ولم تتحدث عن الوصل، فكان لابد أن نتحدث عن الوصل لأن مجالات الوصل كثيرة، فأنا أتحدث بصفة أساسية عن علاقات الوصل بين كل التيارات، وهنا يمكن الإشارة إلى وثيقة الأزهر التي مثَّلت مخرجاً لكل من وضع نفسه في مأزق وهو يتعرض لملفات شديدة الحساسية وهو غير مستعد للحديث عنها، فوثيقة الأزهر جمعت كل التيارات، ولا يعود ذلك إلى سلطة الأزهر؛ فالأزهر لا يمتلك سلطة سوى تلك السلطة العقلية والسلطة العملية المعرفية، فإذا بالأزهر يجمع الجميع على تلك الوثيقة، وأدعي أنها الوثيقة الوحيدة حتى الآن المتوافق عليها، ومن ثمَّ فهي قد تكون أشد من الدستور نفسه؛ لأن الجميع أقروا بما جاء في هذه الوثيقة.

وتتحدث الورقة أيضاً عن إشكالية واضحة هي إشكالية الغايات والوسائل؛ حيث إننا نتحدث عن “الانتقال من الدعوة إلى الدولة” فهى تتحدث عن الغايات، وأنا عندي إشكالية: فلم أفهم كيف سنتحدث عن الغاية ونحن لم نحدد ما هي الغاية، وما سنبحث فيه ونحن نتحدث عن الدولة؟

فهل تكون الغاية هى تمكين المشروع حتى نستطيع أن نقيس الجميع من خلال هذه الغاية؟ أم تمكن الشارع؟ أم مكانة ومكنة المشرع الذي يعبِّر عن دولة القانون؟

وما المقصود بالدولة؟ هل المقصود بالدولة هو تمكين المشروع الإسلامي؟ هل المقصود بالدولة تمكن الشارع والقيام على مرادات هذا الشعب؟ فكل هذا موجود في مفهوم الدولة، فمفهوم الدولة: القطر والشعب وأيضًا النظام، فماذا نريد؟ فهذه مسألة مهمة جدًا ونحن نتحدث عن الغاية.

وتجدر الإشارة إلى أننا عندما نتحدث عن “الانتقال من الدعوة إلى الدولة” فإننا نتحدث عن مسألة الانتقال وإدارة المسير، إلا أنني أتحدث عن المسكوت عنه، فما الذي تحتاجه مصر؟ مصر لا تحتاج إلى تحولات سياسية في الحقيقة، فمصر الوعاء فيها ممتلئ بكل الأفكار السياسية التي يمكن أن تأتي.

وهذا ينقلنا إلى إشكالية أخرى تتعلق بمفهوم “التيارات” فهي إشكالية في المفهوم، فكيف ندخل الطرق الصوفية تحت مفهوم التيار وهى لم تتبنى برنامجاً سياسياً ولا فعالية سياسية؟ إلا إذا كنا نأخذ السياسة بمفهومها الواسع، وإذا كنا نأخذ السياسة بمفهومها الواسع فعلينا أن نُدخل تياراً جديداً ظهر في مصر في العقد الأخير وهو تيار “الإسلام الليبرالي”، فهناك إسلام ليبرالي في مصر ولا أحد ينكره، وأصحابه يتكلمون عن رؤية ليبرالية لمفاهيم الإسلام، وهم يتحدثون في ملف السياسة، فهم الأولى في دخولهم في مفهوم التيار من الطرق الصوفية.

وهناك صديقنا د. معتز بالله عبد الفتاح، فهو لا يعتبر نفسه من التيارات الإسلامية، ولكنه يتبنى لون مخفف من الليبرالية ويدعو إليها ويسير بها، فإذا كنتم تصنفوه على أنه إسلامي فيكون عندي إشكال ثاني في “المفهوم الإسلامي”، فمثلاً د.معتز بالله عبد الفتاح عندما يقول في أدبياته أنه يحاول بقدر الإمكان أن يضع قراءة تتكلم على مسافة، وهذه المسافة ليست فصل ما بين الدين والدولة، ويكرِّس هذا في خطابه، وهذا موجود في العنوان: التيارات الإسلامية من الدعوة إلى الدولة في إطار الحديث عن المسافة ما بين الدين والدولة.

فإذا اعتبرنا أن الليبرالية سب وقذف، فإن أنصارها لا يعتبرونها كذلك، وإنما يحاولون أن يقدموا شيئاً ما، ولذلك أنا أريد أن أتحدث عن ظاهرة بشعة وهى: مسألة تكفير السياسي والتي قد تتوازى مع التكفير والتخوين الديني، فلابد أن نحتوي هؤلاء ونتحدث معهم حتى يمكن أن نقوم بعمل جيد.

وبالنسبة للانتقال أريد أن نتحدث في ثلاثة نقاط هي: إدارة السير وهى فقه المسير، ومراكب السير، وحسن السيرة، وبصيرة السائر، فأنا لم أرَ أن الناس ينتقلون من الدعوة إلى الدولة بمشروع، فأنا أريد أن أفهم كيف انتقل الناس من الدعوة إلى الدولة؟ ويمكن أن يكون ذلك هو ما يحير أ.د.بسيوني حماده؛ فهو يقول إنه يريد أن يرى شيئًا حتى يستطيع أن يُقيّمه ويتعامل مع، وأنا لا أتصور أبداً أن يكون أداء الإعلام الديني- وشكرًا للأستاذ الدكتور محمد كمال إمام على هذا التثقيف الذي وقع في محله- بعد الثورة مثل أدائه قبل الثورة، بل كان ينبغي عليه أن يؤدي أداءً مختلفاً بعد أن اكتشف أن الناس هم من يملكون ويستطيعون أن يتخذوا القرار في أي وقت، وأنهم لن يصدقوا أي حيل، والدليل على ذلك الانتخابات، كما يستدل الناس بالانتخابات، فهل الانتخابات تقول أن الناس لم يغيروا اتجاهاتهم التصويتية؟ فالناس لايزالون يملكون إرادتهم، ومعنى هذا أن الإعلام لم يستطع أن يتلاعب بإرادتهم، وبالتالي فإن الإعلام قد أثَّر على الهامش الذي يؤثِّر عليه دائماً ولكنه لم يتلاعب بإرادة الناس.

فأنا أقول إننا في إدارة السير لدينا فقه مسير، ومركب السير، وحسن السيرة وبصيرة السائر، وهى المعايير التي لابد أن نتكلم عنها بصورة واضحة، فنحن نتحدث عن الانتقال، فإذا كان أ.د.سيف الدين عبد الفتاح يتحدث عن المرحلة الانتقالية فهذه أسس ومعايير تقييم هذه المرحلة الانتقالية.

وأرى أن هناك معوقات انتقال ويجب أن نضمها إلى الورقة، وهذه المعوقات تحدث عن جزء منها أ.د.بسيوني حماده، وهى مسألة الصورة الذهنية عن النفس، فالناس لا يستطيعون أن يغيروا أنفسهم لأنهم لايزالون أسرى للصورة النفسية لأنفسهم، وإذا كنا نتحدث عن التيارات الإسلامية فهذه الصورة يمكن تلخيصها في ثلاث معاني:

* المعنى الأول “المظلومية”: فهل يعقل أن أكون صاحب سلطة وأظل مُصِّر على خطاب المؤامرة؟

* والمعنى الثاني “البديل” إنه مولع بتقديم البديل، وأنا لا أؤمن بفكرة البديل، ولكن أؤمن بفكرة البناء، لأن البديل سيؤدي لوجود المتوازيات الكثيرة التي ستعيق بالأساس عملية التطهير، فلا يكون التطهير أبدًا في إيجاد البديل بل بتبني فكرة البناء.

* والمعنى الثالث “المخلِّص” التي تسيطر على التيارات الإسلامية لابد أن تتخلص منها. لماذا؟ لأن فكرة المخلِّص تشعر الناس بالإقصاء؛ أي أنك ستأتي لتخليص الناس، فيقول لك الناس هل كنا قبل ذلك غير مسلمين؟

فهذه الأفكار والمعاني الثلاثة-المخلِّص، والبديل، والمظلومية- موجودة في صورة التيارات الإسلامية فلابد أن تتغير وتخرج من هذه الصورة.

والإشكالية الثالثة تتمثل في الوظيفة الوطنية والواجب الحياتي، واجب الوقت، فهناك إشكالية حقيقية لابد أن نعترف أن التيارات الإسلامية تعاني منها، وهي تتعلق بالوظيفة الوطنية ومسألة الواجب الآني، فإشكالية الواجب الآني هي التي تؤخر اتخاذ القرار، وهذا الذي يجعل أ.د.سيف الدين عبد الفتاح يسأل لماذا يكون المسئول هو آخر المتحدثين؟! لأن لديه إشكالية في مسألة الواجب الآني، وعنده المشكلة الوطنية ويتردد ما بين المشكلة الإقليمية والمشكلة العربية والمشكلة الإسلامية والمشكلة الوطنية الآنية، فيظل مترددًا، ولا هو يفعل شيئًا لنصرة غزة ولا يفعل شيئاً لنصرة سوريا، فهذه الإشكالية لابد أن تُحل فإذا لم تُحل لن ننتقل من الدعوة إلى الدولة.

وبالنسبة لمفهوم الدولة هل يقصد به السياسة أي الانتقال من الدين إلى السياسة؟ أم الدولة بمعنى الدولة وبمعنى المؤسسات؟ وإذا كنا نتحدث عن الدولة بمعنى المؤسسات يجب أن يكون عندي تصور عن الدولة، وهناك إشكالية كبيرة لدى التيارات الإسلامية في تصورها عن الدولة في ظل إصرار شديد على فهم الخلافة الإسلامية على أنها كيان وليست معاني وقيم، فإذا ظلوا يفهمون الخلافة على أنها كيان فهذا يجعلهم يمتنعون ولا يستطيعون أن يتعاملوا مع كيان الدولة القُطرية؛ لأن الدولة القُطرية لها قيم ولها كيان يختلف في بنيته عن كيان الخلافة، ولكن إذا تعامل مع الخلافة على أنها قيم ومعاني وأسس، وفيما يتعلق بحديث “الرسول” (صلى الله وعليه وسلم): “ثم تكون خلافة على نهج النبوة” فإن المعتبر في الحديث هنا مسألة الخلافة المنهجية أي المنهج وفلسفة السير، وليس الكيان فتكون الخلافة بقيمها ومعانيها.

وفي الورقة مادة مثيرة تتعلق بالأزهر، فدائماً الأزهر ودار الإفتاء المصرية يمثلان مادة مثيرة، ومازال المراسلون الصحفيون والجرائد تخصص للأزهر ودار الإفتاء مراسلون خاصين بهم، ولكن لا أفهم إدخال مؤسستي الأزهر والإفتاء في حديث عن التيارات، فكان الأجدر بنا أن نغير عنوان هذه الورقة لتكون عن “المؤسسات”، فأنا لا أفهم موضع الأزهر ودار الإفتاء في هذه الورقة، فالحديث على أن دار الإفتاء والأزهر كانا لهما موقف من الثورة، وبالتالي ينبغي على الأزهر أن ينـزه نفسه عن المواقف السياسية فهذا أمر غير مفهوم! فعندنا في دار الإفتاء مشاركون في الثورة وعندنا شهيد، وإذا اتخذ الأزهر موقفاً سياسياً يُقال ما الذي أدخلك في السياسة، وإذا لم يدخل في موقف سياسي يُقال أنه ليس للأزهر دور حضاري، فلابد أن نحدد معيارًا للتعامل مع الأزهر الشريف ودار الإفتاء، فدار الإفتاء مؤسسة لها وظيفة في المجتمع، والأزهر الشريف له وظيفة في المجتمع، فيجب أن نُحدد الوظائف، فالذي وقع بيننا وبين القضاء أساسه أنه غيَّر وظيفته فقد كانت وظيفته الفصل بين الناس وحفظ الدولة، ثم خرج عن هذه الوظيفة للعبة السياسة، فهل نحن نتعامل مع الأزهر ودار الإفتاء على وظيفتهم في المجتمع بنفس القدرة وبنفس الهيئة التي عليها وظيفة القضاء، بحيث يكون هذا الكلام مفهوماً؛ أن هناك إفتاء وهناك قضاء كلاهما لا يستطيع أن يكون غير موضوعي وغير منصف، لكن لابد من الموضوعية والإنصاف، فإذا انحازا سيكون هذا فسادًا على الدولة كلها، فإذا انحازا إلى من يمسك بالرأي العام من قلبه ومن عقله سيؤدي ذلك إلى عدم تداول السلطة، وستحدث في هذه اللحظة نوع من أنواع الدولة الدينية المغلفة ولابد أن نعترف بهذا.

والذي أستطيع أن أجزم به أن دار الإفتاء المصرية لم يكن لها موقف سلبي، ورجوت أ.د.عماد حسين أن يتصل ببعض من يعملون في دار الإفتاء ليعرف كيف كان الحال من الداخل، ولكن هذا لم يحدث وهذا يمثل مشكلة.

والأمر الأخير أنني لا أفهم أن تصنف الجمعية الشرعية في التيار السلفي، فعلى أي أساس تم هذا التصنيف؟ فلابد أن تكون التصنيفات تصنيفات علمية حتى نستطيع أن نتعامل مع هذه المسألة بصورة واضحة.

وشكرًا

أ.د.محمد كمال الدين إمام:

شكرًا د.عمرو الورداني على هذا العرض، وحقيقةً هناك سلطات، وهناك مؤسسات، وهناك تيارات، والسلطات معروفة لابد أن نفهمها بالمعنى الحقيقي في المنظور السياسي، فهناك سلطات رسمية مثل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية ولكلٍ منها وظيفة، واختلاط الوظائف فيما بينها يؤثر بالسلب على مسيرة الدولة وحركتها.

وهناك أيضًا ما يمكن أن نطلق عليه المؤسسات ذات السلطات المعرفية، ويأتي في مقدمتها الإعلام، وهذه ليست سلطات سياسية ولكنها ذات سلطة تؤثر على السياسة من خلال ما لديها من سلطة المعرفة.

وهناك سلطات رمزية لا تستطيع أن تحجبها عن أن يكون لها وجود في كل قطاعات العمل الداخلي والخارجي، وأنا أعتقد أن المؤسسات الدينية بشكل خاص من هذه المؤسسات التي لها رمزية، وهذه الرمزية التاريخية تعطي لها القدرة على التأثير والإشعاع على كل المنظومات الموجودة في المجتمع حتى إذا لم نستطع تصنيفها في داخل التيارات السياسية ولا السلطات السياسية للدولة.

وأنا متفق معك في كثيرٍ مما عرضت إلا في نقطة واحدة وهى القول بالليبرالية الإسلامية التي قد تقودنا إلى القول باليسار الإسلامي؛ لأن الليبرالية كما حددها زعيم الليبرالية “جون ستيوارت ميل” في كتابه “أسس الليبرالية” لا تفسح للدين مكانًا في الحياة العامة، وعلى العكس حينما تقرأ له ربما تقول أن ذهنية الإلحاد هى التي تسيطر عليه وليس ذهنية الإيمان، وحينما تأتي المصطلحات معبئة بسياقها الثقافي فإما أن نفرغها من هذا المفهوم ومن هذه التعبئة، وإما أن نتركها على حالها كما هى ونأتي نحن بتصنيفات جديدة لصنع تيارات جديدة، فأنا لا أفهم كلمة اليسار الإسلامي ولا أجد أن لها مضمونًا حقيقياً وأيضاً كلمة الليبرالية الإسلامية لا أفهمها ولا أجد لها مفهومًا حقيقياً، فأنا أفهم الديمقراطية من وجهة النظر الإسلامية، ولكن أفهم أن الليبرالية والإسلام مثلما تأتي باللون الأبيض واللون الأسود، فرؤية الألوان هنا تتوقف على رؤية الناظر، فإذا نظر الغربي سيرى أن الإسلام لونه أسود، وإذا نظر المسلم لهذه المفاهيم الليبرالية قد يرى أن لونها أسود، ولكن أنا أنظر فقط للتقييم العلمي خاصةً وأن ضبط المصطلحات ضروري وهناك كلمة شهيرة – لفولتير- “إذا أردت أن تتحدث معي فحدد مصطلحاتك”.

وطبعًا الجلسة ليست قاصرة على من تحدثوا ولكن لنرى ما هى الموضوعات التي طرحها أ.د.عماد حسين ومن هم الإخوة الذين بيننا ولهم في هذا المجال تدريس ودراسة، والآن الباب مفتوح للجميع للمساهمة في هذه الندوة.

مداخلة أ.مدحت ماهر:

أشكر أ.د.عماد حسين على هذه الدفعة التي دفعنا إليها لكي نناقش السؤال الذي نريد أن نسأله منذ زمن، كما أشكره على أنه أخرج هذه الورقة بهذه الصورة التي وصفها بها أنها أولية لكي تصف الحال.

ولدي إشكالية مع السؤال الذي طرحته الورقة، والذي يمكن أن نعيد صياغته ليصبح كالتالي: ماذا حدث أو ماذا سيحدث للإسلاميين؟ ليكون الحديث عن “تحولات الإسلاميين” قياسًا على الإمام الأشعري، فهذا هو سؤال المآل، وفي محاولة الإجابة عن هذا السؤال الخطير والكبير: لماذا تعثرَّ الإسلاميون اليوم؟ وهو ذلك السؤال الذي يشبه سؤال شكيب أرسلان في مطلع القرن: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ نجد أن أ.د.عماد حسين قام بعمليات مهمة جدًا تتمثل في: عملية التصنيف الأولية للإسلاميين، وعملية تصنيف لكل تيار أو مكون إسلامي، ومحاولة رصد ما جدَّ عليه خاصةً في الفترة التي تسبق الثورة مباشرةً وما بعدها، واستنباط دلالة هذا التحول، فضلاً عن تقديم محاولة للتقييم، ولكن أغلبها كان يشوبها نوع من أنواع التخوف من المسارات، وأحيانًا شئ من الاستنكار للمواقف وخاصةً استنكار التغيرات في المواقف.

والمدخل الذي أحاول أن أطرحه يقول إننا إذا أردنا أن نطوِّر هذه الورقة إلى ورقة بحثية نهائية فعلينا أن نبدأ في البحث عن السؤال السابق: كيف ننظر إلى الحالة الإسلامية أو الإسلاموية الآن؟ ونحن -الباحثين- يسيطر علينا المنظور الوضعي، وكثيراً لا نجد منظوراً جاهزاً بديلاً رغم أن أ.د.عماد حسين عرض المنظور الحضاري في مقابلة المنظور الوضعي، فالاستعانة بالمنظور الحضاري العلمي في النظر للظاهرة الإسلامية ينقلنا من مسألة الكشف عما يجري ومحاولة تفسيره وفهمه فهماً صحيحاً إلى التأسيس والبناء والتحريك والتشغيل وبالتالي تقديم البديل، والنظرية العلمية والمقترب الذي يمكن أن نستشفه من البحث هو شيء قريب من مقترب النظام السياسي في دراسة الظواهر السياسية والمجتمعية، وهذا مقترب مُكوَّن من خمس جمل تقول: إن الظاهرة التي أمامي كأنها صندوق له مدخلات وله مخرجات، ويتم داخل الصندوق نوع من عملية المعالجة وبعد أن تأتي المخرجات هذه ترجع مرة أخرى للصندوق بشكل ما يسمى بالتغذية الاسترجاعية.

فإذا وددت أن أعيد نظم هذه الورقة؛ بحيث تكون سائرة ضمن مقترب معين، فعلينا أن ننظر لكل تيار إسلامي بهذه الطريقة، وأنا اقترح نظرية أخرى لاحظتها عند “المواردي” و”ابن تيمية” وهى ما تسمى بــ”النظرية البنائية الوظيفية”، فمكونات الحركة الإسلامية يمكن أن نعتبرها بناء وله وظائف في المجتمع، وله بيئة يعيش فيها، وتحدث مجموعة من التحولات والتغيرات تؤثر على البنية وتؤثر على البيئة وتؤثر على الوظيفة وتعيد تغييرها مع كل حقبة زمنية، وبناءً عليه أقول إن بنية الحركة الإسلامية ليست فقط الانتقال من الدعوة إلى الدولة ولكن كما قال أ.د.سيف الدين عبد الفتاح هناك أمر حدث في المنتصف وهو “الثورة”، وحتى إذا كان هناك تحول من الدعوة إلى الدولة فهو ليس كتحول أردوغان أو غيره، ففي طريق التحول سمة مخصوصة أطلق عليها أ.د. سيف الدين عبد الفتاح “فقه المرحلة الانتقالية الخاصة بمصر من واقعها وليس من الأدبيات النظرية”.

وأقول إننا على مستوى البنية الكلية نتحرك من التعددية الإسلامية المقيدة إلى تعددية مفتوحة، فيوجد الآن أكثر من فصيل إخواني، وأكثر من فصيل سلفي، وأكثر من فصيل جهادي، وعلى مستوى البنية الجزئية أيضاً أي بداخل بنية كل كيان بذاته نتحول من القيد أو من المألوف والمعتاد من الأداء إلى مرحلة أكثر الحرية في الهياكل، وهذه التحولات في البنية سواء على المستوى الكلي أو الجزئي يمكن أن تؤشر إلى المستقبل واتجاهه.

ومن حيث الوظيفة فالحركة الإسلامية التي عاشت في مرحلتها الماضية خلال ما يقرب من مائة عام في حالة دفاع، فإن “الثورة” والوضع الجديد حولها إلى القدرة على تفعيل أشياء كثيرة وحرر مساحات أمامها، وبالتالي انتقلت من القدرة على الأداء، إلى القدرة على القيادة، وهذا الذي يمكن أن يشار إليه بمفهوم الدولة ، فبعد ما كنا ندافع عن الهوية والمرجعية، اكتشفنا أنها كانت قضية مفروضة علينا أكثر مما هى واقعية، والآن أصبحت قضية الفاعلية هى المطروحة.

وننتقل الآن إلى ما أشار إليه أ.د.عماد حسين فيما يتعلق بإشكالية التأصيل؛ حيث الانتقال من تأصيل غير مُفعَّل، إلى تفعيل يُراد له أن يُؤصل في واقع جديد، ومن ثمَّ لدينا إشكالية التأصيل لما نُفعلِّه الآن، وهذا لن يقوم به الحركيون، وإنما لابد أن تقوم به مراكز أبحاث مثل: مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، ومركز الحضارة للدراسات السياسية، ومؤسسات أخرى مثل: دار الإفتاء والأزهر الشريف، فالإشكالية المتعلقة بتأصيل الفاعلية الجديدة ترتبط بما وصفه المستشار البشري بالقدرة على إصلاح الماكينة وهى تعمل، فقد كانت الماكينة أمامنا معطلة ومقيدة وكنا نقوم بإصلاحها استاتيكياً، والآن نحتاج لمنظور جديد حتى للتأصيل نفسه؛ لأنه لم يعد يصلح أن نُؤصِّل مرة أخرى في الغرف المغلقة، وبعدما تكون الحركة سبقتنا نقدم لهم تصور عام 2011 في عام 2013، ونقدم التعامل في السياسة الخارجية بعد أن تكون قطعت أشواطًا ونقول لهم لنبدأ علاقتنا مع الآخرين بهذه الطريقة، فإن ما يحدث الآن هو تغيير في المواقف ولا أرى أن في هذا إشكال.

وعلى ذكر الأزهر والإفتاء، فقد سبق لي وأن قلت لأحد أساتذتي الكبار-بعد أن تولى موقعاً كبيراً- إنه الآن لم يعد كما كان من قبل تولي هذا المنصب، فقال: طبعًا، وضرب لي مثلاً موضحاً أن رؤية من يسير في الشارع تختلف عن رؤية من ينظر من نافذة في الدور الأول، وتختلف عمن ينظر من نافذة أكثر ارتفاعاً، فكل منهم سيختلف في طريقة تعامله مع الواقع؛ لأن كل منهم يتعامل مع الواقع الذي يتراءى له، فالواقع قد تغير ولكن هناك ثوابت، والتغيير يكون لتغير المواقع وليس لتغير المواقف، فهذا يحتاج لإعادة النظر، فمثلاً قرار الإخوان بعدم الترشح للرئاسة، ثم العدول عن هذا القرار، يجب النظر إلى ذلك في ضوء سياقه الجزئي وليس الكلي.

وهناك أمر آخر متعلق بتحير القادة الآن، فهذا أمر طبيعي أمام ما يحدث بعد الثورة المصرية؛ حيث نُقل من في السجن إلى القصر، ومن في القصر إلى السجن، وجميعنا حتى 25 يناير كان أملنا في الله (عزَّ وجلَّ) أن يحدث تغيير بأشكال كلنا نتنوع فيها، ولكن لم يخطر على البال مطلقاً أن تكون بكل هذه السرعة، وأن ننتقل إلى أن يصافح الإخوان المسلمون قادة العالم باسم أعظم دولة عربية وإسلامية.

وأخيراً نريد أن تنقشع ضبابية المشهد عندنا نحن أهل الراحة، فالأمة قد فرضت علينا واجب البحث لاختراق الضباب؛ لكي نقول لأمتنا ولحركتنا الإسلامية والمسلمين بعامة ولكل من ينتمي إلى هذه الأمة أن وراء الأثمة العِبرة؛ فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينتصر “ببدر” والصحابة يتساءلون: لمن الأنفال؟ ثم بعد ذلك يدخل المسلمون “معركة أحد” وينصحهم “الرسول” (صلى الله عليه وسلم) ولكنهم يذهبون للغنائم، فيعلمهم الدرس الثاني، فأريد أن أقول إن بشريتنا لا تجعلنا نضع لأنفسنا معايير تكون من القسوة في شيء، ولكن نحن نخطئ ونصيب، ونريد بروح بحثية تنقد ولكن في نفس الوقت تفتح، وهذا ما يسمى في الخارج “بالاستراتيجيون” فيقوم بعمل بحث بحت وفي نفس الوقت يفكر مكان صاحب المبحوث لكي يفتح له طريقًا.

وشكرًا

أ.د.محمد كمال إمام:

أشكرك أ.مدحت ماهر على هذا العرض، وأنا في الحقيقة أتفق معك فيما عرضته، وفي النتائج التي توصلت إليها، ولكن كيف يمكن أن نخرج من المأزق؟ فأنا أرى أن المنهجية التي أسميتها “البنائية الوظيفية” وأردت أن تجعلها عنصراً أساسياً في هذا البحث وأمثاله تحتاج إلى مراجعة؛ أولاً لأن هذا المنهج من الناحية العلمية تجاوزته الأبحاث؛ لأنه قائم على فكرة ما وجد عند “براون” و”استروس” الذين يطبقانه بالدرجة الأولى على النظم البدائية ونظم القرابة، ومن ثمَّ فنحن نحتاج إلى إيجاد همزة وصل حقيقية بين اللحظة الراهنة التي أجريت عليها تطبيق هذا المنهج وبين منهج كلا العالمين.

وثانياً نحن لسنا بحاجة في حقيقة الأمر لاستعارة المناهج، فلقد ختمت حديثك بمنهجية دينية موجودة عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يربي الجماعة المسلمة الأولى، فلماذا نتخفف من هذه المنهجية الدقيقة لنخرج إلى فضاءات منهجية معبئة بتاريخها بمناطق ومجالات بحثها؟! وأنا أعلم أن هناك قفزة حدثت في النصف الأول من القرن العشرين بالبحوث البنائية الوظيفية، إلا أنها لا تتلاءم ودراسة الطريق الذي يمر به المجتمع الإسلامي أو تعيش فيه الحياة الإسلامية.

مداخلة م.محمود عليان(*):

أنا لست من أهل الاختصاص، ولكن منذ فترة طويلة وأنا أستمع لكل المتاح، وأنا في الحركة الإسلامية منذ أواخر الستينات، وواضح أن أ.د.عماد حسين غير منغمس في الحركة فإذا اقتربت أكثر لمن هم في الحركة سيصفون لك بشكل أدق.

وبالنسبة للأزهر الشريف، فقد قرأت في عام 2010م بحثًا يتحدث عن ثلاثين عاماً والقوى الناعمة في مصر المتمثلة في الأزهر الشريف، فمبدأ أن الأزهر على حياد مبدأ غير صحيح، فالأزهر لا يمكن أن يكون على الحياد فلابد أن يكون له دور في ريادة الأمة الإسلامية، فهذه القوى الناعمة هي التي سيطرت على العالم الإسلامي كله من خلال المواقف الواضحة التي لا تتحيز إلا لشرع الله، فلابد أن يكون للأزهر موقفاً واضحاً تجاه كل أحداث الأمة الإسلامية وليس في مصر فقط، ومن أسوأ ما حدث خلال فترة النظام السابق هو تهميش دور رموز علماء الأزهر الكبار وظهور رموز التيار السلفي والإخواني المختلف على فتواهم.

وأكبر إشكالية أن هناك انقسام واضح جداً بين المجموعة التي تعمل في المنظور الإسلامي الحضاري، وبين أهل الدعوة، وبين أهل الحركة، فنحن تناسينا أن كل مجموعة من هذه المجموعات عملت بمفردها بعيدةً عن الأخرى خلال الستين عاماً الماضية التي شهدت تفنن النظام السابق في إبعاد كل فصيل عن الآخر؛ لأن هذه المجموعات الثلاث التي منها ما هو حركي، وما هو دعوي، وما هو فكري، إذا اجتمعت، وتلاقت، وتلاقحت أفكارهم وانتظمت سيؤدي ذلك إلى الفكر الصحيح والحركة السلمية والدعوة إلى الله.

وهناك إشكالية أخرى تتعلق بإشكالية التسويق، فمن سيستمع لما تقولونه الآن؟ فهناك إشكالية تسويق الفكر لإخواننا في المنظور الحضاري، وهناك إشكالية أضخم منها وهى التوقف عند الإسهام الفكري فحسب دون ربط ذلك بآليات واضحة المعالم لتنفيذها على الأرض، لربط هذا الفكر الرائع بالواقع الدعوي والواقع الحاضر.

والإخوان الذين كانوا في الجانب الدعوي، وأصبحوا يتصدرون المشهد الآن، لو كانوا يحسنون التفكير لظلوا في موقعهم في مجال الدعوة، وصدروا غيرهم من أهل السياسة لمجال الدولة.

ولا نريد جلد الذات فما نحن فيه واقع مؤلم يجب أن نتعامل معه بحكمة، وتعجبني فكرة أ.د.سيف الدين عبد الفتاح، وهى “استراتيجية تشبيك الصالحين”، فكيف نشبِّك بين أهل الدعوة، وبين أهل المنظور الحضاري، وبين مؤسساتنا العريقة التي يجب أن تأخذ مكانتها في ريادة الأمة؟ فمؤسسة الأزهر موجودة منذ ألف سنةً، ويوجد فيها علماء ولكن للأسف غير مشهورين، ولم توجَّه إليهم الأنظار، فيجب أن نبحث عن كنوزنا ونخرجها لتقود الأمة في الفكر والتأصيل الفكري والتأصيل الفقهي، فيكون لدينا منظومة من كل هذه الأشياء مجتمعة ومتشابكة مع بعضها البعض، بدلاً من أن يعمل كل طرف في جزيرة منعزلة، فيجب أن تحسنوا تسويق فكركم.

وشكراً

أ.د.محمد كمال الدين إمام:

شكراً على هذا الحديث المهم النابع من تجربة صادقة، ونتمنى أن يكون عندنا منهج “تشبيك الصالحين” من جانب الأفراد والنظم والمؤسسات؛ لأن هذا هو الذي يثمر النتائج الإيجابية في حياة الأمم وليس بالضرورة أن يتم تشبيك التنظيمات حيث إن بعض الثورات تنشأ من إشعاعات العقل وليس من تنظيمات الواقع.

فإذا نظرنا إلى الثورة الفرنسية، نجد أن الموسوعة التي قام بها الفلاسفة الثلاثة “فولتير، بيترو، روسو” هى التي صنعت الإشعاع الذي تحرك من خلاله كل هؤلاء الفرنسيين، وصنعوا الثورة بسلبياتها وإيجابيتها، فالثورات حينما تقودها الشعوب تصبح لها سلبيات كثيرة وإيجابيات كثيرة، وعندما تقودها النخب تصبح نتائجها محسومة إما إلى شرٍ مطلق وإما إلى خيرٍ مطلق؛ لأن الأمر يتوقف على طبيعة هذه النخبة، فهل هذه النخبة تريد الثورة لها فقط لتأخذ ثماراتها وتترك الأمة والمجتمع والشعب، أم أنها تعتبر نفسها مسئولة عن هذه الأمة والمجتمع والشعب فتقوده، والنموذج مختلف ما بين الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية والثورة المصرية والثورة التونسية والثورة الليبية.

ولذلك فلكل ثورة منطقها الخاص، لكن في النهاية الأصل أنها حركة تغيير من وضع سيء إلى وضع أفضل، فحضرتك تطالب الإخوة بأن يأتوا بكنوز علماء الأزهر إلى الجماهير، ونحن نطلب منك أن تنـزل ومعك مثل هذه المجموعة التي تفكر معك إلى الناس والجماهير في الحي والمدينة والمؤسسة التي تعمل فيها؛ لأن هذا في النهاية هو الذي يصنع أرضية فكرية قادرة على أن تفتح الأبواب الواسعة أمام الحوارات التي نريدها، وأمام العدالة التي نريدها، وأمام الديمقراطية التي ننشدها، فبغير أن يشترك الجميع ليصبحوا يداً واحدة فيما يتعلق بخير هذه الأمة ومصالحها الرئيسية، ربما يكون بيننا وبين الوصول إلى بر الأمان شوط بعيد.

مداخلة أ. مصطفى رضا(*):

في ضوء مطالعتي السريعة لهذه الورقة البحثية الرائعة لفضيلة أ.د.عماد حسين، استوقفني حديث الدكتور عن المؤسسات الإسلامية الرسمية حيث إن الأستاذ الدكتور عماد حسين قد حصر المؤسسات الرسمية في: الأزهر الجامع والجامعة، ومؤسسة الفتوى ومجمع البحوث الإسلامية، ولكن الدكتور لم يذكر مؤسسة تعد من أهم المؤسسات الرسمية الدينية في مصر ألا وهى: “وزارة الأوقاف”؛ فهذه الوزارة بها الدعاة والوعاظ الذين يستطيعون تصحيح بعض المفاهيم المفخخة التي أشار إليها د.عمرو الورداني، وهم الذين أيضاً يتواصلون مع الناس من خلال معايشة الواقع وحل المشاكل التي نعيش فيها في هذا العصر، كما أن فضيلته لم يشير إلى هيئة كبار العلماء، والتي أصبحت من أهم المؤسسات الدينية الرسمية في مصر، فهى الآن تتولى مهمة تشكيل الهيئات التي تقوم باختيار مفتي الديار وشيخ الأزهر، وهذا باعتبار ما سيكون إن شاء الله، فهذا ما استوقفني في حديث أ.د.عماد حسين عن المؤسسات الإسلامية الرسمية في مصر.

أ.د.محمد كمال الدين إمام:

شكراً على هذه الملحوظة، وأنا في تصوري أن الأوقاف جزء من المؤسسة الدينية؛ لأننا إذا نظرنا للأوقاف فعلماؤها هم أبناء الأزهر الذين يحملون فكره ووسطيته ويحملون منهجه، وبالتالي لسنا بحاجة أن نكثر الحديث أو نوسع المؤسسات خاصةً إذا نظرنا إليها كوزارة فهى جزء من السلطة التنفيذية، وإذا نظرنا إليها كجزء من العلم الشرعي فهى جزء من الأزهر الشريف لأن هؤلاء هم أبناء الأزهر، وبالتالي اعتقد أن دمجها في الأزهر أفضل من دمجها في السلطة التنفيذية؛ لأن السلطة التنفيذية لها مساوئها فلا نحُمِّل الأزهر مساوئ السلطة التنفيذية ووزارة الأوقاف من الداخل ، وكما أن الإعلام يحتاج إلى تطهير فهى أيضاً تحتاج إلى تطهير.

مداخلة م. محمود عليان:

هناك أمور في الدستور الجديد يجب أن تُفعَّل، وأن يوضع لها آليات، فمؤسسة مثل الوقف لم يتم النص عليها من قبل في الدستور؛ ومن ثمَّ يجب علينا أن نجهِّز ونحسن إعداد مشاريع القوانين التي تنظم عمل هذه المؤسسة فنقدم منتج يعين إخواننا الذين سيصلون إلى المؤسسة التشريعية.

أ.د.محمد كمال الدين إمام:

هذا أمر مهم ولابد أن يعمل أهل الاختصاص كل في ميدانه من أجل إعداد مشروعات قوانين، وربما كان الوقف من أكثر المسائل التي تحتاج إلى عدة قوانين، لكن لدينا من الدراسات والأطروحات والمؤتمرات ما يجعل الباب مفتوحاً لصنع تشريع وقفي على أعلى مستوى وربما يثمر نتائجه.

وعلماء القانون الجنائي – وأنا متخصص فيه- يقولون إذا أردت أن تعرف أخلاق مجتمع فاقرأ قانونه الجنائي، فأنت إذا نظرت إلى القانون الجنائي كيف ينظر إلى مؤسسة الوقف سيهولك ما ترى، وبالتالي نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب هذه المؤسسة ودورها الإسلامي ودورها الوطني وقدرتها على تحريك التفاصيل والجزئيات لصناعة مجتمع أكثر تماسكاً وأكثر عدلاً وأكثر قدرةً على تحريك المجتمع المدني الذي يكون فاعلًا داخل الأمة، وليس ضرورياً أي يكون جزءًا من الدولة أو جزءًا من الحكم.

أنا أريد تعقيبات برقية وطلبت من أ.د.عماد حسين أن يُسجِّل كل ما قيل كعناوين مهمة جدًا لتحويل الورقة من ورقة أولية إلى ورقة بحثية متكاملة وأظنه قد فعل، وأتركه يقول الكلمة الختامية.

أ.د. عماد حسين:

في الحقيقة الحديث تطرق لمواضيع كثيرة جدًا، وأشكر من قرأ الورقة، وقد يكون الأمر يحتاج لنقاش في بعض الموضوعات ولكن أظن الوقت قد طال وأتمنى أن يكون هناك تواصل حقيقي مع كل فرد في هذه القاعة ليكون هناك ثمرة حقيقية تمثل صناعة شارك فيها الجميع، لأنها في النهاية تتعلق بالتيارات الإسلامية التي نتمنى أن تحسن ما تفعل وتتواءم بدلاً مما نراه في الساحة من اختلاف، واذكر حديث أ.د.سيف الدين عبد الفتاح عن البحث عن نقاط الخلاف أكثر من نقاط الاتفاق، فأنا لدي قناعة بهذا الأمر، فلقد تربيت على يد أحد الأساتذة كان يقول إنه هناك قاعدة ذهبية مفادها “فليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه”، فهذه هي القاعدة الذهبية، أما القاعدة الماسية هى “فلنحسن مناقشة ما اختلفنا فيه”، وكانت هذه مقولة عبد الحليم أبو شقة (رحمه الله) فلقد كان يُعلمنا أننا يجب أن نناقش لأننا لن نصل إلى حلول واقعية إلا إذا أحسنا النقاش فيما اختلفنا فيه.

وأرى أن هذا هو الذي يحرِّك الساحة إلى النطاق الذي نتمناه وهو نطاق التفعيل الحقيقي بين التيارات الإسلامية.

وأظن أن النقاش حول الورقة لم ينتهِ، وأنا بدأت الورقة بأن لدي مشكلة في التسجيل؛ لأنني تربيت على أن أسجل الحدث بعد انتهائه، ولكن عندما نأتي لكي نُسجِّل هذه الوقائع نبحث عن من عاصرها فكتبها، فرأيت أن الواجب يحتم على من يدرك هذه الإشكالية من كتابة التاريخ أن يبدأ التسجيل؛ لقد كنت أكتب رسالة الماجستير عن الإخوان المسلمين فكنت أراجع الجرائد التي كانت تصدر على مدى أكثر من 25 عامًا من 1928 : 1954م وكانت الجرائد تطرح وجهات النظر بشكل جيد فيما كان يدور على الساحة، ولكن فلنتخيل الآن أن شخص جاء بعد أربعين سنة من اليوم يريد أن يكتب تاريخ الثورة من الجرائد المصرية فمن يقول أنه سيخرج بوقائع حقيقية من هذه الجرائد، فهذه الكارثة التي أعيشها هى التي دفعتني لكي أسعى في خطوة أولى إلى كتابة بعض ما رصدته من نطاق الأفكار وليس نطاق الأحداث؛ لأن نطاق الأحداث يحتاج أن أقترب من كل تيار لأصنع تاريخًا له عن ماذا فعل وكيف فعل، ولكن حتى على نطاق الأفكار لا تجد وثائق في هذا الإطار في كتابات معاصرين للأحداث على مدار التاريخ.

ولذلك كانت إحدى إشكالياتي مع التاريخ الإسلامي أنه تاريخ وقائع عسكرية، فكنت كتبت مقالا قديمًا مفاده أن المؤرخين قد سجلوا لنا تاريخ الوقائع العسكرية وأوضحوا كيف فُتحت البلدان، ولكن لم يسجلوا لنا كيف فُتحت القلوب، فكيف تحول المصريون والمغاربة من حالة كفر إلى حالة إيمان؟ وكيف تحولت هذه الشعوب إلى دولة إسلامية؟ فما الذي دفعها على مدار أقل من مائة سنة أن تتحول إلى شعوب إسلامية؟ فهذا لم يسجل بشكل واضح في كتب التاريخ، ولكن سجلت لنا كيف فُتحت وسقطت الحصون أمام الجيوش الإسلامية، لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ فهذا غاب عن كثير من الكتابات الإسلامية.

وهذا ما أستدعاني أن أكتب عن الأفكار وكيف تتطور وأنا لا أستهجن أي تطور يحدث، فلا أستهجن أن يدخل التيار السلفي إلى عمق السياسة فيدخل إلى منصة السلطة، ولكن أقول إن هناك تغير في الأفكار يجب أن نحدده ونتبعه، وذلك لكي يكون هناك تاريخًا لهذا الذي يحدث على الأرض.

وشكراً

أ.د.محمد كمال الدين إمام:

أظن أن ورقًة أحدثت كل هذا العصف الذهني بالتأكيد ورقة ناجحة، والكلمة الختامية للأستاذ الدكتور يوسف إبراهيم.

أ.د. يوسف:

لا أجد في الحقيقة أفضل من الكلمة الأخيرة التي قالها أ.د.محمد كمال إمام: إن ورقةً أحدثت كل هذا العصف الذهني وأثارت كل هذه المداخلات وأرضت البعض وأغضبت الآخرين لا شك أنها ورقة جديرة بأن تكون لها بصمة على فكرنا، وفي الحقيقة أنا شخصياً تغيرت بعض أفكاري بعد سماع هذا الحوار الممتد الطويل، ولا أستطيع إلا أن أشيد بالأستاذ الدكتور عماد حسين على ما قدَّم، كما أشيد بالإخوة جميعاً الذين شاركوا في إثراء ورقته وعلى رأسهم أ.د.سيف الدين عبد الفتاح، وأ.د.جمال نصار، وأ.د.بسيوني حمادة، وأ.مدحت ماهر، ود.عمرو الورداني، وأ.مصطفى رضا، وم.محمود عليان، فجزاكم الله جميعًا عنا خير الجزاء، وعلى رأس المشتركين والذين لهم دور كبير وإسهام واضح في هذه الندوة مديرها العملاق الكبير أ.د.محمد كمال إمام الذي يعطي في كثير من المجالات، ونسأل الله له دوام التوفيق والسداد في عطائه العلمي الممتد منذ أن كان مُنشئاً لإذاعة القرآن الكريم إلى اليوم الذي نسعد برؤيته وسماعه فنسأل الله له السداد والتوفيق في مسيرته، وليجعل كل ما قدَّم منذ بداية المسيرة في سجل حسناته ويجزيكم جميعاً عنا خير الجزاء.

أ.مدحت ماهر:

ألحق بهذا الشكر والتقدير للأستاذة مهجة مشهور وفريق أسرة “المسلم المعاصر” على الجهد، كذلك فريق مركز صالح كامل، أشكركم على هذه الاستضافة الكريمة، واستجابةً لدعوة التشبيك ندعو هذا الفريق الطيب بإذن الله في مركز الحضارة للدراسات السياسية لصناعة نواة التشبيك بين الصالحين إن شاء الله عن قريب.

(تم بحمد الله تعالى)

(الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات)

***

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق