سمينار

الاستفادة من مناهج العلوم الشرعية

العدد 145 - 146

تقديم: الأستاذ سليمان الستاوي(**)

بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على سيد المرسلين..

أيها الإخوة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. يسعدنا أن يكون معنا اليوم الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية الأستاذ الزائر بكلية الشريعة – جامعة قطر، ومستشار المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، ليحدثنا حول مجالات الاستفادة من مناهج العلوم الشرعية في العلوم الإنسانية.

د. جمال الدين عطية:

بسم الله الرحمن الرحيم.. الواقع أن الموضوع مهم ويمثل انعطافة رئيسية في مسيرة الفكر الإسلامي؛ إذ إن العلاقة بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية ليست جديدة، فقد جاءت مصادر الشريعة الإسلامية (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) لهداية الناس، وجاءت العلوم الشرعية كالفقه والأحكام التكليفية لتحقيق مصالح الناس، فهي تدور معها وجودًا وعدمًا، ومن هنا كان الارتباط الوثيق بين الدين والواقع، وكانت العلاقة بين العلوم الإنسانية والاجتماعية من ناحية، والعلوم الشرعية من ناحية أخرى.

وهناك بعض المقدمات الأساسية التي من الضروري الإشارة إليها قبل الدخول في موضوع المحاضرة:

– يتحدث الكثيرون عن الفكر الإسلامي فيصورون الفكر الإنساني وكأنه بدأ مع الإسلام فحسب، وأن مقابل ذلك كانت الجاهلية المظلمة، فجاء النور ممثَّلاً في الإسلام، والواقع أن هذا التصوير فيه تجاوز للحقيقة إلى حد كبير، فالحضارات الإنسانية ممتدة عبر التاريخ، وأرسل الله رسولاً بعد رسول ونبيًّا بعد نبي لهداية الإنسان، فالحضارات القديمة قائمة وآثارها موجودة وممتدة، ومن الإنصاف أن ننظر للأمور نظرة واقعية، حتى لا تكون نظرتنا محدودة.

– يقع بعض الكتّاب في الخلط عندما ينفون أن هناك تأثيرًا ما للحضارات السابقة على العلماء المسلمين، ويحاربون بشدة القول بدخول علم شرقي أو غربي إلى حياة المسلمين، مع أن التأثيرات المتبادلة بين الحضارات أمر طبيعي، فمن الطبيعي أن يستفيد المسلمون من الحضارات الأخرى، وأن يكونوا قد أفادوا غيرهم.

– لقد سيطرت علينا عقدتا الاستعلاء والنقص في وقت واحد، وذلك عندما قال البعض إن الحضارة الغربية قد قامت على أكتاف علوم المسلمين، وقال البعض الآخر بالأخذ الكامل للحضارة الغربية، فنحن نتراوح بين عقدة النقص من ناحية، والاستعلاء والثقة الزائدة بالنفس من ناحية أخرى، ومن الواجب – إذا كنا بصدد بحث علمي – أن نفحص المسائل ونقبلها على علاتها، فما أخذناه من غيرنا نعترف به، وما أعطيناه لغيرنا نؤكده، دون أن يكون لعواطفنا أثر في الإبراز أو في غمط الآخرين حقهم.

– يقف معظم الكتاب عندما يدرسون تاريخ العلوم والفلسفة والفكر عند الفلسفة اليونانية، بينما سبقتها حضارات أخرى كان لها شأنها، ومن هنا فإن الذي يحتاج إلى كثير من الدراسة والبحث هو الحضارات السابقة على الحضارة اليونانية.

ومن المعروف أن الحضارة المصرية القديمة كانت متقدمة في مجالات الطب وغيره من العلوم التي ليس من المتصور أن يحدث فيها إنجاز ما بهذه الكيفية والمستوى دون علوم تجريبية تسبق العلم التطبيقي، بل إن البعض يتجاهل أن أرسطو كان مفكرًا تجريبيًا قبل أن يكون منطقيًا.

ومما يذكر عادة أن الفلسفة اليونانية قامت على الفكر المنطقي، ثم أنتجت الحضارة الإسلامية الفكر التجريبي الذي استفاده الغرب.

– من الأمور التي كتب عنها البعض أن المسلمين عندما اتصلوا – بعد عصر الترجمة الواسع – بالفلسفة اليونانية والهندية وغيرها، قاموا بتمحيصها وقبلوا ما يتسع له الإسلام وحضارته، وخاصة بالنسبة للفلسفة اليونانية التي محصوها وشرحوها، وذلك على عكس ما يراه المستشرقون من أن المسلمين كانوا مجرد نَقَلة لهذه العلوم، ومن هنا فإن الموقف الذي وقفه علماء المسلمين من الحضارات القديمة يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، إذ إننا بصدد موقف مماثل، فبعض العلماء تفاعل مع هذه الحضارات ونقدها وأضاف إليها، بينما استنكر البعض الآخر هذا الموقف، ومعروف من ينتمي إلى كل فريق من العلماء المسلمين، ولكن كلاهما لم يتنكر لهويته الإسلامية؛ إذ إن التفاوت بينهما كمي لا كيفي في تناولهما للحضارة اليونانية.

نصل الآن إلى مناهج العلوم ونقول إن المسلمين كان لهم إسهامهم الكبير في مناهج العلوم، فالقرآن الكريم نفسه وجه الناس إلى الانتقال من الحالة السلبية التي كانوا عليها، إلى النظر في الكون والتفكر فيه، وهذه – بالتحديد – علامات مهمة لها مدلولها في مناهج البحث وخاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فضلاً عن العلوم الطبيعية، حيث تدل الآيات القرآنية الكثيرة التي تدعو إلى النظر والتفكر في الكون، على عناية الإسلام بإعمال الفكر والنظر الواعي وليس مجرد النظر السلبي لمجرد الإعجاب بخلق الله، ومن الآيات الكريمة التي توضح الفرق بين النظرتين قوله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)، و(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا)، وبالإضافة إلى ذلك وجه القرآنُ الكريم الناسَ إلى إعمال العقل، ونهى عن تعطيله، فدعى إلى التفكير الموضوعي والتحرر من سلطان الآباء والبيئة والرؤساء وعدم اتباع الهوى في الحكم على الأشياء، وحفظ العقل من دراسة ما ينوء به كاهله ويخرج عن قدراته المحدودة مثل: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، كما يشير القرآن الكريم إلى علاقة تقوى الله بكسب العلوم: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ)، و(يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً)، فالتقوى تحدث في النفس إشراقًا وتفتحًا وإقبالاً على تلقي الحقيقة، الأمر الذي يوضح الصلة بين تقوى الله والوصول إلى نتائج علمية سليمة، وفي هذا يقول الإمام الشافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور

ونور الله لا يهدى لعاص

وهناك أيضًا آيات قرآنية كريمة تؤكد أن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وأنه يجب أن يتم الرجوع إلى أهل العلم من المتخصصين.

وقد كان للعلماء المسلمين منذ عهد مبكر نظرات في مناهج العلوم، ولا أقصد هنا نوعًا معينًا من العلوم التي بدأت في تاريخ الإسلام كالعلوم القريبة من التشريع مثل الفقه وأصوله، واتصال ذلك باللغة العربية وعلومها، ثم الاهتمام بغير ذلك من العلوم التجريبية والطبيعية، حتى إن العالم الواحد كان يتقن أكثر من علم مختلف كالفلسفة والطب والفلك والفقه وغيرها.

ومن الأمثلة المبكرة على اهتمام العلماء المسلمين بمناهج التفسير والبحث، ما كتبه صاعد الأندلسي – المتوفي عام 1070م – في كتابه “طبقات الأمم” عن تأثير البيئة في الأفكار والآراء والعادات والملابس والطبيعة البشرية نفسها (المنهج البيئي)، هذا بالإضافة إلى أعمال الأعلام من أمثال جابر بن حيان، والحسن بن الهيثم، وابن خلدون، والبيروني، والنووي… إلخ.

الموضوع الذي أحببت أن يكون مجالاً للتشاور فيما بيننا هو: كيف يمكن أن تُسهم العلوم الشرعية في تطوير وتقدم العلوم الإنسانية؟

والسؤال الأول الذي يطرح نفسه هو: هل كان للمسلمين وللعلوم الشرعية إسهام فيما مضى في هذا المجال؟

والواقع أن أول ما نلاحظه هو ما يمكن التعبير عنه بلغة العلم المعاصر – بضرورة التفرقة بين الشق الموضوعي وبين الشق المعياري في كل علم من العلوم، ففي العلوم الطبيعية بشكل واضح، وفي العلوم الاجتماعية بشكل أقل وضوحًا، سننٌ وقوانينُ تحكم هذا الكون الماديَّ، والنفس الإنسانية، والمجتمعاتِ البشريةَ، وهذه السنن – كما عبر عنها القرآن – هي التي تحكم بشكل تلقائي عالم المادة وعالم الإنسان والظواهر الإنسانية، وهذا هو الشق الموضوعي، وإلى جانب الشق الموضوعي هناك الشق المعياري للعلم، وهو الذي ينبع من فلسفة المفكر أو العالم أو المجتمع، ويصبغ العلم بما فيه الشق الموضوعي بصبغته، فمن المعروف أن بعض قواعد الاقتصاد كالعرض والطلب وقواعد السوق واحدة، إلا أن البيئة الفكرية التي تطبق فيها هذه القواعد تؤدي إلى نتائج مختلفة، فتطبيق القانون في مجتمع اشتراكي يختلف عن تطبيقه في مجتمع رأسمالي أو في مجتمع إسلامي، وذلك لأن العوامل والاعتبارات المعيارية المختلفة التي تدخل على هذه القواعد والقوانين تؤثر في النتائج التي تصبح هي بذاتها مجالاً للدراسة والبحث.

ومن هنا فإن الجانب المعياري في المجتمع الإسلامي يتمثل في الشريعة الإسلامية (افعل هذا ولا تفعل هذا، وهذا حرام، وهذا مكروه، وهذا واجب، وهذا مندوب… إلخ)، فهذه التوجيهات هي الشق المعياري الذي يدخل على العلوم الإنسانية إلى جانب الشق الموضوعي، وهناك الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي نبهت إلى وجود سنن كونية لله سبحانه وتعالى في المجتمع والنفس الإنسانية، وفي هذا فإنني لا أرى ما يذهب إليه البعض من أن القرآن الكريم قد حوى كل العلوم وليس وراءه استزادة، فقد جاء القرآن الكريم كتاب هداية وليس كتاب رياضة أو علم نفس أو اجتماع، وما ورد فيه من قوانين وسنن إنما ورد على سبيل المثال وليس الحصر، لينبهنا إلى توجيه حركة النفس الإنسانية واكتشاف هذه القوانين والتعمق فيها وتطبيقها والاستفادة منها، شأنها في ذلك شأن القوانين التي تحكم العالم المادي.

– والسؤال التالي: هل هناك مجال للاستفادة خارج هذين المجالين وهما الشق المعياري فيما ورد بالقرآن الكريم والسنة، والشق الموضوعي؟

وما أحب أن أوضحه هو أن العلوم الإسلامية المختلفة والمناهج التي اتبعت في دراستها يمكن أن تسهم إسهامًا كبيرًا في تطوير العلوم المعاصرة، وهذا ما أعتبره صميم البحث العلمي.

والواقع أن تصنيف العلوم إلى علوم إنسانية وعلوم اجتماعية أمر اختلف فيه العلماء المعاصرون كثيرًا، ولم يتفقوا على ما يدخل ضمن كل منهما من علوم، وكذلك نلمس خلطًا كبيرًا في تصنيف المناهج بين مختلف الكاتبين، فقد تعددت تقسيمات المناهج ولم يتم الاتفاق على أي منها، بل إن هناك من يتحدث عن التفرقة بين المناهج وبين الطرق والأدوات، وهذا يدعونا إلى إسقاط تلك التفرقة على مناهج البحث في العلوم الإسلامية، وخاصة في أصول الفقه الذي اخترته ليكون مجالاً لحديثنا الذي سوف يتناول خطوات البحث العلمي نفسه بصرف النظر عن المناهج والتقسيمات والتفسيرات المختلفة، وفي هذا المجال يمكن أن نتحدث عن مراحل معينة يمر بها التفكير العلمي وهي:

الملاحظة بأنواعها المختلفة، ثم وصف وتصنيف الظواهر، ثم تحديد المفاهيم العلمية وصياغة الفروض، ثم عملية التجريب، ثم التحليل المقارن والتفسير، وصولاً إلى التنظير العلمي.

وهذه المراحل المختلفة للبحث العلمي يمكن أن نجد في مقابل كل منها بابًا واسعًا في العلوم الإسلامية المختلفة يمكن للدارس أن يجد فيه إثراءً للبحث في المناهج المتعلقة بالعلوم الإنسانية.

وعلى سبيل المثال، فإنه في مقابل الملاحظة، سواء كانت مباشرة أو وثائقية – لدينا المنهج القرآني الذي يدعو إلى النظر والتدبر في مقابل الملاحظة المباشرة، وفي مقابل الملاحظة الوثائقية لدينا المنهج التاريخي الذي استخدمه علماء الحديث في تحقيق الرواية والأحاديث سواء من ناحية السند أو المتن، والقواعد الدقيقة في هذا الصدد.

وفي مجال تصنيف المعلومات التي نصل إليها بطريق الملاحظة، لدينا علم لم يهتم به كثير من الناس، وهو ما يسمى بعلم “الجمع”، وهو الذي قام به بعض العلماء لجمع الأمور المتفرقة من مختلف الكتب والأبواب حتى يصلوا إلى تصنيف لها، ووُجد هذا العلم لإقامة محور للمعلومات المتعلقة بكل موضوع، ومن أمثلة ذلك كتب أحكام النساء والأولاد وغيرها.

وفي مجال تحديد المفاهيم العلمية قبل صياغة الفروض، هناك مجال واسع للاستفادة من القواعد اللغوية التي اهتم بها – ليس فقط علماء اللغة – وإنما أيضًا علماء أصول الفقه، وهي القواعد اللغوية التي تُضبط وتُفسّر بها المصطلحات، وهذه القواعد تعتبر أساسية إذا أردنا أن يكون لنا إسهامنا الواعي والمستقل في مجال المصطلحات.

وإذا دخلنا بعد ذلك إلى مرحلة صياغة الفروض فإن لدينا في اصول الفقه أبوابًا كاملةً تسمى الأحكام الوضعية، إلى جوار الأحكام التكليفية، حيث تتحدث الأولى في مباحث معينة عن الركن والسبب والظرف والعلة والمانع وغير ذلك من المباحث التي تُعد – إلى حد كبير – من الأدوات الضابطة لعملية الفروض والقوانين العلمية المختلفة، وإذا أخذنا النمط الاستقرائي في صياغة الفروض لوجدنا أن لدينا علمًا لا يهتم به كثير من الناس وهو علم “صياغة القواعد الفقهية” الذي ينحو إلى جمع الأحكام العامة من الحالات الفردية في قواعد عامة.. وقد تم التوصل من خلاله إلى صياغة الآلاف من القواعد على مختلف المستويات، سواء على مستوى الشريعة ككل، أو على مستوى قسم معين من أقسامها كالعبادات، والمعاملات، ورفع الحرج.. واتبع المنهج الاستقرائي في استخراجها.

أما إذا أخذنا النمط الاستنباطي لوجدنا في عملية القياس، وهو باب كبير من أبواب أصول الفقه، مجالاً ضخمًا للاستفادة من القواعد والمباحث الكثيرة التي وضعها الأصوليون في هذا الباب، وإلى جانب القياس هناك الاستحسان المكمل له، ويعني العدول عن القياس الظاهر إلى قياس آخر خفي لسبب يدعو إلى هذا العدول.

وإذا انتقلنا إلى مرحلة التجريب فإننا نجد في مباحث العلة – وهي أحد مباحث القياس – مجالاً  كبيرًا للاستفادة، وقد أشار د. علي سامي النشار في كتبه إلى المقابلة المتوازية بين المراحل التي تمر بها عملية العلة والتعليل والمراحل التي تحدّث عنها علماء النهضة الأوروبية مثل “جون ستيوارت مل” في الوصول إلى الفرض العلمي وتحقيقه.

وإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى عملية التحليل المقارن – وهي إحدى العمليات التي تمر بها المناهج العلمية – فإننا نجد عددًا لابأس به من العلوم الإسلامية التي اهتمت بهذا الموضوع والتي يمكن الاستفادة منها، مثل علم اختلاف الفقهاء والمحدثين الذي يقوم على البحث في أسباب هذا الاختلاف، وتتبع أصول العلماء المختلفين للكشف عن السبب الذي أدى بكل منهم إلى النتيجة التي انتهى إليها، ويعد هذا العلم من العلوم المقارنة الناضجة في الفكر الإسلامي، والتي نضجت قبل أن تنضج العلوم المقارنة في مختلف المجالات في الغرب.

وهناك كذلك علم “الفروق” الذي يعني بالرد على سؤال: لماذا كانت هاتان المسألتان لهما حكمان مختلفان رغم تشابههما الظاهر؟ وهناك أيضًا كتب الأشباه والنظائر المليئة بالأمثلة في هذا المجال.

نأتي بعد ذلك إلى مرحلة التفسير العلمي واكتشاف القوانين الاجتماعية، وهي الغرض الأساسي من عملية البحث العلمي، وفيها نجد عدة مباحث تتعلق بوجود قوانين تحكم الكون (الشق الموضوعي)، كما نجد في قصص القرآن الكريم مجالاً للاعتبار بتاريخ الأمم الماضية، ونجد أيضًا أن هناك سننًا كونية ثابتة تؤكد أنه إذا اتجهت الأمة اتجاهًا معينًا فإن مصيرها يكون كذا… وإذا اتجهت اتجاهًا آخر فإن مصيرها يكون كذا… بالإضافة إلى ذلك فإن التاريخ وتفسيره يعد من المسائل التي يمكن الاستفادة بها في هذا المجال.

نأتي إلى الذروة العلمية وهو “التنظير” الذي يعني الوصول إلى النظرية العلمية، التي إما أن تكون في مجال ما هو كائن بالفعل، وهذا هو الشق الموضوعي، أو في مجال ما يجب أن يكون، وهذا هو الشق المعياري.

وفي هذا المجال هناك الأحكام التكليفية المختلفة، ومن ورائها القيم الأخلاقية الكبرى التي تعد بمثابة المحور الذي تقوم عليه مختلف العلوم في الإسلام، ويوضح الحديث الشريف أهمية ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فالأخلاق تأتي مباشرة بعد العقيدة، وأهميتها في الشريعة وفي باقي العلوم واضحة، ورغم أن أخلاقيات العلم دينيًا أو اجتماعيًا، وأخلاقيات الشريعة من الأمثلة الواضحة جدًا، إلا لم تحظ بالاهتمام الذي حظيت به الأحكام التكليفية ذاتها، فقد اتجه الاهتمام إلى معرفة الأحكام الجزئية والتفصيلية العملية، دون الاهتمام بما وراء ذلك من قيم مثل البحث في المنحيين الشكلي والأخلاقي في الفقه.

– وأخيرًا، ففي مجال فلسفة العلم ككل، هناك أمور رئيسية لازمة كمنطلق لنا في هذا المجال، ففروض الكفاية التي تحدث عنها العلماء والتي يقع طلب العلم والتعليم وتحصيل الخبرات للقيام بالصناعات والمهن المختلفة التي تحتاج إليها الأمة، والتي إن لم يقم بها البعض أَثِمَ الجميع، وبالتالي يجب أن ينصرف نفر من كل فريق إلى واحد من هذه الأمور للقيام بها – على أساس “أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، في هذا المجال نجد الإمام الشاطبي يتجه اتجاهًا مستقبليًّا حينما يقول إننا يجب أن ندفع بالناس إلى التعلم العام والذي تظهر به كفاءتهم واستعدادهم، وإذا وقف أحدهم في درجة معينة – يجب أن نهتم بمواصلة تعليم الباقين واكتشاف الاتجاه الذي يصلح لهم، وبهذا نتجه إلى تنوير وتعليم أكبر عدد منهم في مختلف المجالات.

وهذا في واقع الأمر نوع من التخطيط التعليمي والعلمي الذي يتحدثون عنه الآن خاصة في الدول الاشتراكية التي تقوم جذورها على التخطيط لعمليات البحث العلمي والتنمية.

– وهناك كذلك مباحث حق الله وحق العبد، وما أشار إليه الفقهاء بوضوح من أن المقصود بحق الله هو حق المجتمع، والتصنيف الذي وضع لحقوق الله، وحدث خلاف بين الفقهاء في هذا التصنيف، فقد حصرها الأحناف في ثمانية بينما أطلقها ابن تيمية وغيره إطلاقًا، ووضع لها معايير تجعلها مرنة لتتسع وفقًا لظروف كل الأمكنة والأزمنة.

وهذه من المباحث الهامة التي تفيد في تبين النـزعة الإسلامية بين النـزعتين الفردية والجماعية، وهذه من المسائل المهمة التي تدخل في العلوم الاجتماعية عمومًا، لأن عصر النهضة الأوروبية في بدايته -كما نعلم- قد اتخذ اتجاه النـزعة الفردية التي تقول إن الفرد هو الأساس، وأنه يولد بمجموعة من الحقوق التي لا يجوز التنازل عنها، وأن دور الدولة فقط هو حماية هذه الحقوق، وما حدث من جراء اتباع هذا من أضرار ومفاسد أدت إلى ظهور المذهب الجماعي الذي ذهب إلى عكس ذلك، أي إلى أن المجتمع هو الأساس وأنه إذا صلح حال المجتمع فإن الفرد ينصلح حاله كذلك، والتي مازالت آثارها ممتدة في العلوم المختلفة وفي حياتنا كمجتمعات على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية وغيرها، وعلى هذا فإننا نجد في مباحث حقوق الله وحقوق الإنسان من ناحية، ومبحث فروض الكفاية وهي الواجبات التي تقع على المجتمعات من ناحية أخرى، أن حق الله يمثل حقوق المجتمع، وأن فروض الكفاية تمثل واجبات المجتمع، وبجمع هذين المبحثين نكون أمام صورة واضحة لما يقع على المجتمع من واجبات وما يتمتع به المجتمع كله من حقوق.

– هذه مجرد إشارات لا أكثر ولا أقل، ولا أدعي أنني وصلت فيها إلى شيء محدد، وإنما هي دعوة إلى التفكير في هذا الاتجاه، وأعتقد أننا – كمتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية – لا يصح أن نقف عند حد النقل من الغرب لأفكار يقول عنها علماء الغرب أنفسهم إنها مازالت فجة ولم تستقر على ساق، خاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.

إن فشل المحاولات التي بذلت لتطبيق منهج العلوم الطبيعية في العلوم الإنسانية يعود إلى الفروق الكبيرة بين الميدانين على أساس أن الإنسان كائن له حريته وإرادته، وأن المجتمع كذلك كائن معقد لا يمكن أن نتحكم فيه كما نتحكم في الطبيعة، فما أحرانا ونحن أمام هذه الثروة في تاريخنا الإسلامي أن يكون لنا منهجنا الذي نضيف به إلى هذه العلوم كما أضاف أسلافنا من قبل، والتي يتحقق بها على كل حال صالحنا في نفوسنا ومجتمعاتنا التي نحن أولاً وأخيرًا مسئولون عن تقديم النصح والخير لها.

وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله.

المناقشات

مقدم السمينار: الأستاذ/ سليمان الستاوي

لقد وضعتنا هذه المحاضرة أمام حقيقة اتساع مدى العلم (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، وأن في الإسلام ثروة واسعة جدًّا وهائلة – وأننا لم نصل بعد إلى الكشف عنها وتعريف الآخرين بها فضلاً عن الاستفادة منها وتوظيفها في حياتنا.

فالمسافة واسعة جدًا بين تقدم أسلافنا وتخلفنا – وبين تقدم الغرب وتواضع ما نصيبه من هذا التقدم – كما أن المسافة واسعة بين طموحنا وواقعنا، ونرجو بجهود الباحثين أن نجتاز هذه المسافات ونضيقها إلى حد كبير.

السؤال الأول:

– هناك سؤال يلح علينا كلما تذكرنا موقف المسلمين من المنهج سواء التجريبي أو الاستقرائي، فعلى الرغم من تأثر المسلمين في أوائل حياتهم بالمنهج الأرسطي الصوري رغم انتقادهم له، إلا أننا نلمس ظاهرة استخدام المنهج الأرسطي في كثير من استنباطاتهم في العلوم الفقهية خاصة ما يتعلق بأصول الفقه، كما أننا نسمع أن هناك أفكار اجتهادية في مسألة تجديد أصول الفقه.

فنرجو توضيح ذلك.

د. جمال الدين عطية:

بالنسبة لتأثر المسلمين بمنطق أرسطو فإن قواعد المنطق قد تكونت قبل أرسطو، ولم يكن له من فضل سوى تجميعها، كما يقال بالنسبة لأصول الفقه، فالشافعي هو أول من كتب في أصول الفقه، ولكن العلم كان موجودًا من قبله، وقد تأثر المسلمون وخاصة الفقهاء بالمنطق الأرسطي بسبب الطبيعة الخاصة لأصول الفقه وهي استنباط الأحكام التكليفية، وهذا لا ينفي أن المسلمين عمومًا قد استخدموا كافة المناهج الأخرى، فقد استخدم الفقهاء المنهج التجريبي حينما كانوا يبحثون في الفلك أو الطب، واستخدم علماء الحديث والتاريخ المنهج التاريخي، واستخدم الفقهاء وعلماء الكلام المنهج المقارن في كتب الملل والنحل.

فجميع ما نقرأ عنه من المناهج المستخدمة حاليًا – فيما عدا المناهج الإحصائية والكمية والتي تطورت مؤخرًا بواسطة الكمبيوتر وغيره – قد استخدمها علماء المسلمين، وحتى داخل العلم الواحد نفسه تتعدد الطرق الاستنباطية والاستقرائية، ومن هنا فإن التركيز على أن المسلمين قد اتبعوا المنهج الأرسطي فقط لا يوضح الحقيقة بكاملها، فقد أشار ابن خلدون في مقدمته بوضوح إلى طبيعة المناهج الأخرى وضرورة استخدامها، وليس ابن خلدون هو الوحيد أو الأول الذي قال ذلك فقد سبقه ابن صاعد أيضًا.

بالنسبة لموضوع التجديد في أصول الفقه فإنه يرتبط بجواز الاجتهاد، فهذا العلم من المسائل الاجتهادية التي اختلف العلماء فيها، فكما كان للأسبقين أن يختلفوا في هذه المسائل يمكن الآن إعادة التجديد النظري فيه.

وبطبيعة الحال لا نتصور أن يكون التجديد بالقول أن السنة كانت مصدرًا للتشريع ولا نعتبرها الآن كذلك، ولكن المقصود هو الإضافات وبلورة المسائل، فمن جهود الفقهاء الأول نلمس أن النهضة العلمية لو استمرت لتطور علم أصول الفقه كما تطور غيره.

ومن هنا فإن تطبيق الأحكام الشرعية والوصول إلى اجتهاد فيها يحتاج منا إلى استخدام المناهج التي كثر استعمالها من حولنا، فأبو حنيفة كان تاجرًا ولذلك اجتهد في أمور المعاملات عن علم ومعرفة واضحة بالواقع، ولكن عندما يقف الاجتهاد ثم يحدث الازدواج في الثقافتين ويخرج لنا فئة من العلماء بأمور الشريعة وهم بعيدون عن الواقع فإنهم بطبيعة الحال لا يستطيعون الاجتهاد ويكون من الطبيعي أن يتوقفوا عنه.

فمن شروط الاجتهاد أن يكون المجتهد ملمًا بالواقعة الجزئية التي يجتهد فيها – وقد كان هذا في الماضي – ولكنه الآن يحتاج إلى الإلمام بعلوم بكاملها وبمناهجها المختلفة، فقبل أن نقتحم مجال الطلاق وتعدد الزوجات مثلاً، لا يجوز للعالم الشرعي مهما كان علمه أن يظل في برجه العاجي ثم يخرج بفتوى أنه يجوز أو لا يجوز؛ لأن الفتوى والاجتهاد ينبنيان على ما وصل إليه المجتمع من حسن استعمال أو سوء استعمال هذه الحقوق وهذا يقتضي دراساتٍ ميدانيةً وتحليلاً وإحصاءاتٍ؛ لأن تضخيم بعض المسائل بواسطة وسائل الإعلام لا يعكس المصالح الحقيقية، وأي مشرّع في أية دولة متحضرة لا يعدل القانون بين يوم وليلة لمجرد أن زعيمًا سياسيًّا يريد ذلك، بل يسبقه عشرات السنين من الدراسات والأبحاث التي تؤدي بصورة محددة وموجهة إلى تعديل معين في النصوص، وإذا تركنا باب التشريع إلى القضاء، فالقاضي حين يحكم في قضية معينة يستقرئ الواقع، ثم يعرف القانون الذي سيطبق عليه، ثم يُنـزّل حكم القانون على الواقعة مع مراعاة الأمور النفسية والاجتماعية وغيرها.

وحينما نعتمد العُرْف كمصدر للتشريع، فالعرف يعرفه القاضي بصفته الشخصية؛ لأنه من البلد نفسه – ولكن إذا سافر القاضي من مصر ليحكم في قطر – مثلاً – وهو مُنبت الصلة بهذا المجتمع الجديد، فكيف يتسنى له أن يعلم العُرْف الموجود في هذه البيئة، بل إن هذا يمكن أن يحدث في البلد الواحد، وحتى تتم معرفة العُرْف لابد من دراسات تبلور هذه المسائل وتوضحها، وعلى كل المستويات فهناك مجال لبلورة المناهج والأساليب التي تؤدي إلى تطبيق الشريعة.

السؤال الثاني:

– قياسًا على الموضوع نفسه، بالنسبة للبنوك ما هو الوضع خاصة بعد ظهور شركات توظيف الأموال؟

د. جمال الدين عطية:

إن هذه الدراسات لا تصل بنا إلى التحليل والتحريم فهي تهدف إلى فهم أبعاد النص وتحليله قبل تطبيقه دون تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فمهمة الوساطة المالية التي تقوم بها البنوك لم تكن موجودة في تاريخ الإسلام، بل لم تكن موجودة في تاريخ البشرية حتى عهد قريب، فكان الذي لديه مال لا يستطيع استثماره يعهد به إلى شخص آخر يستثمره له عن طريق المشاركة، وعلى أساس تحمل المخاطرة؛ لأن الناس كانوا في مجتمعات صغيرة يعرف بعضهم بعضًا أو يقترض هذا الشخص فائض المال بربا أو بغير ربا، ثم جاء الإسلام فأحل القرض الحسن بدون ربا وحرم الربا، ولكن وسائل استثمار المال كانت محدودة، وكان الناس يعهدون للقوافل بمالهم ويشترون البضائع ويبيعونها مع اقتسام الربح.

وأساس نظام البنوك سواء كانت إسلامية أم لا هو أن الناس أصبح لا يعرف بعضهم بعضًا؛ ولذلك لابد من وسيط يقوم بين من لديه فائض من المال وبين من هو بحاجة إلى هذا المال؛ لهذا فإن البنوك تقوم بوظيفة جديدة، ولذلك عندما نفكر فيها من الناحية الإسلامية لابد أن نعترف بأنها وظيفة جديدة ولا نفكر على نحو تقليدي فنبحث في كتب الفقه عن هذه الوظيفة.

وقد وصل الفقهاء إلى تسعة آراء في علة تحريم الربا، وينبني على الأخذ بهذا الرأي دون ذلك في حالة القياس تحليل أو تحريم نوع من أنواع المعاملات قياسًا على أصناف الربا الستة الواردة في الأحاديث وفقًا للعلة، هذا التنوع في العلل يعني أن هناك مجالاً كبيرًا للاجتهاد، ولكن هذا لا يؤدي لأن نقول إن تحريم الربا كان لظروف معينة غير موجودة الآن، هذا لا يقول به أحد، وليس هو المقصود بعملية إعادة التقييم والنظر.

السؤال الثالث:

– إن قوة اندفاع المسلمين وإيمانهم بدينهم تدفعهم إلى إثبات الريادة والقيادة في كل مجال وبالتالي برز منهم علماء مازلنا ننتسب إليهم حتى الآن كأن الزمن انقطع منذ الحسن بن الهيثم إلى الآن دون وجود بشر، فمنذ انحصر رأي المسلمين في القول – وما وراءه من أسباب – دون العمل، تراجعت القوة الإسلامية وتحول المسلم من قائد متبوع إلى مقود تابع.

فما السبب في رأيكم؟ هل هو عدم وجود نظرية إسلامية لعناصر الحياة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة؟

د. جمال الدين عطية:

من المشهور على ألسنة الناس أن المسلمين كانوا يهتمون بالجزئيات دون الكليات، وبالتالي لم يكن لديهم نظرية، والواقع أن المسلمين كان لديهم سعي دائم نحو التنظير على جميع المستويات، وهناك كثير من العلوم المساعدة التي نشأت خصيصًا لهذا الغرض كعلم القواعد، ولكن وقوف حركة الاجتهاد هو الذي أدى إلى وقف التطور الذي كان يسير نحو تحقيق هذا الهدف، وحينما صحونا – بدأنا الاهتمام بالأمور العملية مثل الفقه.

وأنا أتصور أن مسألة التنظير يمكن أن نصل إليها بعدة طرق منها الطريقة المباشرة، وهذه وجدت بداياتها في رسائل الدكتوراه التي تعالج مشكلات مستحدثة، فحتى نصل إلى هذا العلاج لابد أن تنبعث من نظرية معينة، ونظرًا لعدم وجودها في الكتب القديمة تحاول هذه الرسائل إيجاد هذه النظرية، ويتزامل مع هذا الدراسة المقارنة للمدارس الفقهية المختلفة للوصول إلى نظرة متكاملة للفقه الإسلامي ككل، بل إلى مقارنته مع القوانين الوضعية، وهذه الدراسات المقارنة كانت بداية ضرورية للاجتهاد، ومع ذلك فإن هذه الجهود الاجتهادية مازالت تسير بحذر شديد لأن طالب الدكتوراه أعجز من أن يرسي نظرية في مسألة من هذه المسائل يتحرج أستاذه نفسه في إرسائها.

والمحاولة الثانية هي دراسة العلوم القديمة التي كانت تتجه نحو التنظير – ولنتصور ماذا كانت ستصل إليه هذه العلوم لو لم تتوقف حركة الاجتهاد – وللطاهر بن عاشور في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” محاولة جديدة في مجال التنظير لمقاصد الشريعة ومقاصد فروع الشريعة، ويفيدنا هذا كثيرًا في العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ لأن من ضمن فلسفة كل علم تحديد مقاصد هذا العلم، وحتى نتبين هذه المقاصد في إطار إسلامي عام لابد أن نرتبط بمقاصد الشريعة ككل حتى يكون التسلسل الفكري قائمًا وموجودًا.

الواقع أننا في حالة تقليد على مستوى الزمان والمكان، على المستوى الأول نقلد الماضين، وعلى المستوى الثاني نقلد الغرب، وفي الحالتين وقفنا تمامًا عن إعمال عقولنا، ومن هنا فإن موضوع المناهج غير وارد للآن في تفكيرنا؛ لأن من يحتاج للمناهج هو شخص يريد أن يفكر، وما دمنا قد أعطينا عقولنا إجازة فلسنا بحاجة إلى تلك المناهج، فمنذ إغلاق باب الاجتهاد أصبح مجال التجديد في أصول الفقه غير وارد؛ إذ تركه العلماء واتجهوا إلى مسائل الترجيح داخل المذهب الواحد، وهذه مسائل ميكانيكية لا اجتهادية، فنحن نستورد السيارات والطائرات والكمبيوتر المصنوعة لدى غيرنا، ونستعملها، حتى إذا فسدت أتينا بهذا الغير لإصلاحها، فنحن في النهاية مجرد مستهلكين لا مصنعين ولا مبدعين، وبالتالي فإن موضوع المناهج مازال غريبًا علينا.

وأشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقدم الندوة: الأستاذ/ سليمان الستاوي

في الختام نتوجه بخالص الشكر للأستاذ الدكتور جمال الدين عطية، ونشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

***

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
إغلاق
إغلاق