حواررؤى

حركة الفكر الإسلامي المعاصر خلال القرن العشرين

العدد 96

السؤال الأول: متى بدأت المرحلة الحالية في الفكر الإسلامي المعاصر، وما العوامل التي أدت إليها؟

الدكتور عبد الحميد مدكور: أبدأ بالإشارة إلى أن تحديد البدايات لمراحل من التاريخ والفكر، ربما كان فيه الكثير من الصعوبة؛ لأن الأحداث في العادة تتداخل، والأفكار تتداخل، وليس هناك فصل حاسم، بحيث نستطيع أن نقول بصفة منهجية وعلمية وموضوعية: إن هناك بداية محددة لمرحلة بعينها من مراحل الفكر أو التاريخ.

وهذه المشكلة تصادف العاملين في نطاق الفكر، وفي نطاق الأعمال الاجتماعية والأدبية.

ولعلنا نتذكر أن المهتمين بالأدب وتاريخه تواجههم نفس الصعوبة؛ ولذلك قد يضطرون إلى تحديد هذه المراحل بسنوات تتعلق ببعض الأحداث السياسية، وبدايات الدول أو انتهائها، فيقال مثلاً: الأدب في العصر الأموي، والأدب في العصر العباسي، أو الأدب في عصر المماليك نسبة إلى نظام سياسي معين، ومع ذلك يجد هؤلاء المؤرخون أن الظواهر الأدبية ربما تتشابه في عصرين؛ لأنه ليس هنالك فاصل حاسم للظواهر الاجتماعية التي تنمو ببطء وتتكاثر على مدار التاريخ، ومن ثمَّ يبدو خلال هذا التطور وبعد فترة طويلة من الزمن أن هنالك شيئًا من التميز، أو الخصائص التي تسمح لهم بأن يتحدثوا عن مرحلة بعينها من المراحل.

ومع هذا فليست هذه الصعوبة بمانعة أن يحاول الدارسون تحديد بعض المراحل المتعلقة بالفكر، أو المتعلقة بالنظم الاجتماعية أو السياسية، أو نحو ذلك مما يبتغى الدارسون دراسته، على أن تظل – مع ذلك – ملاحظة أن التحديد الحاسم للبدايات يظل نقطة صعبة، وتختلف فيها وجهات النظر.

وفي ضوء هذه المقدمة أحاول الإجابة عن هذا السؤال، فأقول:

إن المرحلة الحالية في الفكر الإسلامي المعاصر يحيط بها أكثر من نظام لتحديدها، ومن ثَمَّ يحيط بالعوامل التي أدت إلى وجودها، ولعل التقسيم المشهور لتاريخنا الإسلامي في العصر الحديث يتخذ نقطة البدء من مراحل الغزو الأوروبي للعالم الإسلامي، ويتخذ من الحملة الفرنسية على مصر – والتي تمت في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي – نقطة بدء لهذه المرحلة من تاريخ الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر معًا.

وبطبيعة الحال فإن المؤرخين الإسلاميين والعاملين في مجال الحقل الإسلامي لا يوافقون موافقة تامة على هذا التقسيم؛ وذلك لأن ما ينطبق على أوروبا وما يتعلق بتاريخها لا ينطبق بالدرجة نفسها على العالم الإسلامي.

وهم يعتبرون أن هذا التقسيم مظهر من مظاهر الهيمنة الأوربية على العالم الإسلامي، ومن نظرة تنطلق من أن أوروبا هي مركز العالم ، وما ينطبق على أوروبا ينبغي تعميمه على العالم.

وهى – في رأيي – عولمة قديمة إذا صح هذا التعبير، وإخضاع العالم كله للمنظور الأوروبي، والرؤية الفكرية والسياسية والفلسفية التي يريد أن يطبقها على العالم كله.

ولكننا مع ذلك نشير – وإن كنا لا نوافق على هذا التحديد في جوهره – إلى أن التقاء العالم الإسلامي بأوروبا من خلال هذه المرحلة الاستعمارية كانت له آثاره ونتائجه الكثيرة التي غيّرت بالتدريج نمط الحياة في المجتمع الإسلامي، حتى صارت بعد فترة من الزمن مغايرة لما كانت عليه صورة الحياة في المجتمع العربي.

ولعلى لا أتخذ من نقطة الحملة الفرنسية بالذات نقطة بدء، ولكنى أشير إلى ظاهرة الاستعمار بصفة عامة التي أحاطت بالعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر : استعمار الهند في أوائل النصف الثاني من القرن السابع عشر، واستعمار الجزائر 1830م، ثم استعمار مصر من بريطانيا 1882 م، وقبلها استعمار فرنسا لتونس 1881م.

ويمكن أن نقول: إن هذه المرحلة بالذات كان لها وقعها على العالم الإسلامي من الناحية السياسية، وما ترتب على ذلك من الناحية الثقافية والفكرية، وما ترتب على ذلك أيضا من عوامل أدت إلى حركة في الفكر الإسلامي، وهى حركة مضادة لهذا الخضوع لأوروبا، وما يترتب على ذلك الخضوع من محاولة صبغ الحياة في العالم الإسلامي بالصبغة الأوروبية.

نستطيع أن نقول: إن هذه الظاهرة الاستعمارية التي تمت في العالم الإسلامي من جهة أوروبا كانت بداية لتلك المرحلة التي نصفها بأنها مرحلة حالية في الفكر الإسلامي المعاصر.

ولعل الظاهرة الاستعمارية هى أهم العوامل في هذا التحديد الذى نشير إليه.

وكانت خطورة هذا العامل تتمثل ليس فقط في مجيء القوى الاستعمارية إلى بلادنا، ولكنها كانت تتمثل      – إضافة إلى ذلك – بأن الاستعمار قد جاء إلينا بمفكريه الذين كانوا قديما يعملون من وراء البحار، جاءت بهؤلاء المفكرين إلى عالمنا ليدرسوا على الطبيعة وليواجهونا بأفكارهم، ويقدموا إلينا نظرتهم إلى الإسلام وتاريخه وفكره وعقيدته، ويحللون أسباب قوة العالم الإسلامي، ويحددون عوامل ضعف العالم الإسلامي، ويقذفون إلينا بأفكارهم التي تشكك في الإسلام عقيدة وفكرًا وشريعة ونظامًا، ويشككون في جدارة هذا الإسلام بأن يقود نهضة جديد، أو أن يواصل مسيرة حضارية جديدة، ويشككون في قدرة العالم الإسلامي على أن يثبت وجوده مرة أخرى بعد هذه الحضارة الكبرى التي بلغها في تاريخه القديم.

ويقذفون إلينا -كما أقول- بشبهات كثيرة حول الإسلام وانتشاره، وبعض القضايا مثل مكانة المرأة في الإسلام، ومكانة الأقليات في الإسلام، وجدارة الشريعة بأن تقود نظام الحياة، إلخ، ومع كل هذه الشبهات التي ألقاها المستشرقون وأثاروها قديمًا ، وصلوا إلينا بأنفسهم في هذه المرحلة الاستعمارية لكى ينظموا من وجهة نظرهم الحركة الفكرية الإسلامية، وليشغلوا المسلمين بموضوعات لم تكن موضع اهتمام المفكرين الإسلاميين من قبل، على أساس ما كان سائدًا  في المجتمع الإسلامي من نظام مستقر وأفكار هى موضع الرضا والقبول منهم.

ومن أمثال ذلك: قضايا تحرير المرأة، وفكرة انتشار الإسلام بالسيف، إلى آخر هذه الشبهات الكثيرة التي أثيرت.

وكان هؤلاء يذيعون هذه الأفكار بكل السبل عن طريق المحاضرات، أو الرسائل التي يكتبونها، أو الاتصال بالآخرين من العالم الإسلامي، وإقناع هؤلاء الآخرين بأن يتبنوا مثل هذه الأفكار، ويحسنوا تقديمها إلى العالم الإسلامي.

وهكذا كانت الفكرة أو كانت هذه الظاهرة الاستعمارية وسيلة من وسائل نشر هذا الفكر الجديد الذى كان لا بد أن يجد مقاومة له من المفكرين الإسلاميين الذين كانوا يعيشون في العالم الإسلامي، ومن ثَم بدأت أفكار جديدة وأطروحات جديدة تأتى على ألسنة هؤلاء من حيث بيان الأصول الإسلامية، ومن حيث الرد على هذه الشبهات، ومن حيث البحث عن علل التأخر التي سادت العالم الإسلامي، ومن حيث وضع الأسس لبناء جديد وفكر جديد يحاول أن يتخطى عوامل الضعف التي ظهرت في العالم الإسلامي نتيجة لأسباب كثيرة داخلية وخارجية.

فالظاهرة الاستعمارية وما ترتب عليها من وجود هؤلاء المفكرين الذين ظهروا في العالم الإسلامي سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين، أثارت هذه الأفكار.. كل هذا من العوامل التي أدت إلى وجود هذه المرحلة الحالية في الفكر الإسلامي.

وإذا كان لى أن أسير قليلاً مع الزمن أقول: إن من أهم العوامل في وجود هذه المرحلة الحالية في الفكر الإسلامي مضافًا إلى الظاهرة الاستعمارية.. هو سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا، وهى الخلافة التي كانت – على الرغم من كل ما وقعت فيه من الأخطاء – عاملاً من عوامل وقاية العالم الإسلامي من الخضوع للاستعمار، وعاملاً من عوامل تماسك المجتمع الإسلامي، ونجاته من التفتت الذى ظهر على أيدى المستعمرين بعد انقضاء الخلافة العثمانية، وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات تحكم من خلال نظم سياسية مختلفة.

وكان لسقوط هذه الخلافة العثمانية دوى كبير في العالم الإسلامي بداية من الهند حتى الجزائر، وكان ذلك إيذانا ببدء عمل جديد من الفكر والعمل الإسلامي لمحاولة التغلب على الضعف الذى حل بالعالم الإسلامي بعد سقوط هذه الخلافة.

وهكذا.. يمكن أن نقول: إن الظاهرة الاستعمارية مع سقوط الخلافة العثمانية كان من أهم العوامل التي أدت إلى نشأة المرحلة الحالية في الفكر الإسلامي المعاصر.

السؤال الثاني: ما أهم تيارات الفكر الإسلامي المعاصر خلال القرن العشرين؟ وما أهم عناصر كل تيار من تلك التيارات؟

الدكتور مدكور: كلامنا في هذا السؤال مرتبط بالسؤال الأول، ويمكن أن نقول: إنه وجد خلال القرن العشرين تيارات كثيرة جدًا؛ لأننا ننظر إليها من خلال قرن كامل، وامتداد تاريخي وجغرافي كبير، ومن ثم يتعذر إحصاؤها، ومن هنا يأتي الحديث عن أهم هذه التيارات.

يمكن القول بأن بعض التيارات التي ظهرت في القرن العشرين كانت امتدادًا لأفكار، أو تيارات ظهرت في القرن التاسع عشر؛ فتيار الجامعة الإسلامية -على سبيل المثال – الذى ظهر على يد جمال الدين الأفغاني، وتلقاه منه محمد عبده ظل تيارًا موجودًا خلال القرن العشرين، خصوصًا وأن الشيخ محمد عبده توفي في أوائــــــــــل هذا القرن (1905) فهو بمعنى ما يمكن نسبته إلى القرن العشرين، كما يمكن نسبته إلى القرن التاسع عشر.

ففكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني، وشاركه في الحديث عنها الشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي – على سبيل المثال- هؤلاء كانوا يمثلون تيارًا مستمرًا خلال بدايات القرن العشرين.

وهنالك تيارات فكرية إسلامية أخرى ظهرت في العالم الإسلامي تُعد امتدادًا لما ظهر من تيارات فكرية إسلامية أخرى في العالم الإسلامي ظهرت في القرن التاسع عشر.

وعلى سبيل المثال، فإن التيار الذى قاده السير أحمد خان في الهند عن تصوره للإصلاح ونهضة العالم الإسلامي كان تيارًا لا تزال له أصداؤه في القرن العشرين، وكان يعنى بالنظر للإسلام ومفاهيمه من خلال رؤية عصرية متأثرة بالقيم الغربية التي تنزع نحو العلمانية، وهذا الاتجاه موجود في القرن 19، وما يزال موجودًا في القرن 20، وظهر له مفكرون يذيعون أفكارًا حول النظرة العلمانية في الدولة الإسلامية.

ويمكن هنا أن نتذكر كتابات الأستاذ الشيخ على عبد الرازق – على سبيل المثال  -وما ترتب عليها من وجود مفكرين يصنفون أنفسهم أو يصنفهم الغرب على أساس أنهم يمثلون تيارًا فكريًا إسلاميًا يدعو إلى النهضة، أو إلى التطور من خلال المفاهيم الغربية، ويحصرون الإسلام في الجانب الأخلاقي، أو في الجانب التعبدي، ويقيمون الدولة على أسس المفاهيم الغربية، التي وصل إليها الغرب بعد صراعه الطويل مع الكنيسة الغربية التي كانت ذات هيمنة كبرى على السياسة، وعلى الدين، وعلى الحياة الاجتماعية بصفة عامة.

فلدينا أولا تيار الجامعة الإسلامية، ولدينا التيار الآخر الذى يمكن أن يكون مضادًا لها بنسبة كبيرة، وفي بعض الأحيان بنسبة تامة، ولدينا بعض التيارات الأخرى التي تنزع منزع التوفيق بين ما يمكن أن نجده في أصولنا الإسلامية وما يمكن أن نقتبسه من الحضارة الغربية.

وهذا الاتجاه يمثل تيارًا سائدًا خلال القرن العشرين؛ فلدينا على الأقل ثلاثة تيارات كبرى، يمكن أن تنضم إليه، وتنضوي تحته كتابات إسلامية كثيرة تنتمى إلى الفكر الإسلامي المعاصر.

وإذا أردنا أن نحدد أهم العناصر التي يقول بها أصحاب التيار الأول، فتيار النهضة من منطلق الإسلام والنهضة بالإسلام -كما يعبر عن ذلك بعض المفكرين الإسلاميين-  النهضة بالإسلام أو عن طريق الإسلام وبواسطة الإسلام؛ لأن هؤلاء يركزون على ما يتضمنه عنصر الشريعة من قوة تقدمية، ومن أسس جديرة بأن تقيم الحياة الناهضة القوية، وما يمكن أن تدل عليه من اعتراف بمكانة العقل ودوره، ومن نزعة إلى التجديد الذى كان قد خف صوته، وقل الاعتماد عليه في القرون الأخيرة في العالم الإسلامي، نتيجة لسيادة بعض المفاهيم الخاطئة مثل إغلاق باب الاجتهاد، وغلبة التقليد المذهبي في الفقه وفي العقيدة، والخروج من نطاق التواكلية التي وقع فيها العالم الإسلامي نتيجة لسيادة بعض المفاهيم الخاطئة لمفهوم التوكل عند الصوفية، والعمل على إعادة مكانة العلم التجريبي الذى ارتفعت به الحضارة الإسلامية، والخروج من نطاق التقليد.

وربما أضاف بعض المفكرين الكبار الذين ينتمون إلى هذا التيار الإسلامي فكرة القضاء على الاستبداد، الذى يعطل طاقات الأمة، ويؤدى إلى عدم الإفادة من كل الأفكار والقوى الكامنة لدى علمائها وأهل الذكر والاختصاص فيها، وسيادة المفاهيم الشورية الإسلامية.

وينطبق هذا بصفة كبيرة لدى الشيخ عبد الرحمن الكواكبي فيما كتبه عن طبائع الاستبداد، وفيما تصوره لوضع العالم الإسلامي في كتابه (أم القرى)..

هذه المفاهيم الأساسية تمثل عناصر هذا التيار، الذى يسعى إلى أن يتم التجديد انطلاقًا من الإسلام، واعتمادًا على الإسلام، وذلك باستخلاص العناصر الإيجابية الموجودة في النصوص الشرعية، وفي التاريخ الإسلامي، والاعتماد عليها في بناء النهضة، وقيام المجتمع الإسلامي الذى يواصل مسيرة حضارية جديدة، وهكذا.. يمكن أن تكون هذه العناصر هي أهم ما يعتمد عليها هذا التيار.

ويمكن أن نشير -أيضًا- إلى بعض تيارات الفكر الإسلامي المعاصر التي شغلت بفكر النهضة، نهضة العالم الإسلامي من التخلف والضعف والتفتت الذى يعيش فيها.

ويمكن لنا أن نلحظ ذلك في كتابات كثيرة لعل من أشهرها وأهمها ما كتبه المفكر الإسلامي مالك من نبي في الحديث عن وجهة العالم الإسلامي، وحديثه عن شروط النهضة، ونحو ذلك.

وهى فكرة موجودة لدى بعض المفكرين الآخرين الذين سبقوه، ومنهم -على سبيل المثال- الأمير شكيب أرسلان في تعليقاته على حاضر العالم الإسلامي لستويدر الأمريكي، وما كتبه عن عوامل تأخر المسلمين وتقدم الأمم الأخرى.

وكان هو وأمثاله مهتمين بتحديد أسباب التخلف والضعف حتى يمكن أن ينهض العالم الإسلامي على أسس جديدة تمكنه من الصمود، وتمكنه من المقاومة، وتمكنه من استئناف مسيرته الحضارية.

ولعل ما ذكرته الآن يمثل أهم ما يمكن الحديث عنه، أو ما يحضرني من حديث حول هذا الأمر.

ولعل هناك إضافة بسيطة هو أن لدينا بعض التيارات التي ظهرت في الفكر الإسلامي المعاصر كانت ذات وجهة يرتبط فيها الفكر بالحركة؛ يعنى يمكن أن نقسم التيارات إلى تيارات فكرية خالصة، سجلها المفكرون، وظلت أفكارًا، ولم تنتقل من نطاق الفكر إلى نطاق الحركة؛ لأنه لم يتبنها أحد لكى يحولها من نطاق الفكر إلى نطاق العمل، سواء في المجال السياسي، أو في غيرها من المجالات.

وهنالك أفكار انتقلت من كونها أفكارًا إلى كونها حركات، وربما نشير إلى هذا في بعض الأسئلة التي تأتى قريبًا.

لكنني أشير – بصفة  خاصة – إلى أنه وجدت بعض الأفكار التي تهتم بجانب من الإسلام، ليس بالفهم الشامل له، بالإضافة إلى بعض الحركات التي اهتمت بالفهم الشامل للإسلام ومحاولة إعادة الإسلام بهذه النظرة الشمولية.

فعلى سبيل المثال ظهر لدينا في مصر تيارات تعمل في مجال الحقل الإسلامي تهتم بالجوانب الدينية الخالصة، والجوانب الاجتماعية الملتصقة بها كبناء المساجد والدعوة إلى الله عن طريقها، وإقامة المؤسسات الاجتماعية كالمستشفيات وغيرها، وكأنهم بهذا كانوا يواجهون عملا مضادًا كان موجهًا إلى العالم الإسلامي، وهو ما ظهر في نطاق التنصير والتبشير، ويمكن أن ننظر إلى الجمعية الشرعية من هذه الزاوية.

هنالك بعض الأفكار التي ظهرت، واهتم أصحابها بالعمل في نطاق الإسلام من خلال زاوية محددة، وهى زاوية العمل الاجتماعي، أو العمل الرياضي مع بعض النشاط الثقافي مثل حركة الشبان المسلمين.

وقد كانت – أيضًا – رد فعل لاتجاهات ظهرت في المجتمع الإسلامي تنظم شبابًا ينتمى إلى أديان أخرى، فكأن المسلمين أرادوا – أيضًا – ألا يفوتهم أن يوجهوا الشباب في العالم الإسلامي إلى بناء الجسد، وإلى الإسهام في الرياضة مع تكوين عقيدة من منطلق الثقافة والمحاضرات ونحوها.. وهكذا وجدت مثل هذه الأفكار.

وربما أمكن لى أن أضيف – قبل أن أترك هذا السؤال – أن القرن العشرين شهد التيار الذى أخذ الاتجاه السلفي، وهذا الاتجاه كان معتمدًا على بعض الكتابات وبعض الحركات الإسلامية التي ظهرت في القرن 19 كالحركة الوهابية التي ظهرت في نجد، وكان لها تأثيراتها وخصوصًا بعد قيام الدولة السعودية الحديثة، وكان نشر كتب هذه الحركة، واعتماد هذا المذهب في دولة كالسعودية كان له أثره الكبير في شيوع مفاهيم هذا الاتجاه، ونشر أصوله، وخصوصًا كتب الإمام أحمد بن حنبل، والإمام ابن تيمية، والإمام ابن قيم الجوزية، وابن كثير والذهبي وغيرهم.. وهؤلاء كانوا يمثلون اتجاها فكريًّا وهو موجود خلال القرن العشرين، ولا يمكن تجاهله ونحن نتحدث عن أهم تيارات الفكر الإسلامي المعاصر.

وإن كان هذا الاتجاه يركز على الجوانب الاعتقادية أكثر من الجوانب الاجتماعية، ويهتم بتطهير العقيدة مما شابها من الشرك خلال القرون الماضية، وتنقية عقيدة التوحيد، والتركيز على المفهوم الصحيح للعقيدة أكثر من اهتمامهم بالجوانب الأخرى.

السؤال الثالث: ما أهم القضايا التي طرحتها هذه التيارات الفكرية المعاصرة؟

الدكتور مدكور: تبدو الأسئلة على قدر كبير من الترابط، ولذلك إذا كان السؤال الثاني يرتبط بالسؤال الأول؛ فإن السؤال الثالث يرتبط بالسؤال الثانى ارتباطًا وثيقًا وعضويًّا لا يمكن الفصل بينهما.

ويمكن أن نشير – إضافة إلى ما سبق من إجابة عن السؤال الثانى – إلى عدد من القضايا الأساسية التي طرحتها هذه التيارات الفكرية المعاصرة.

أولا: تجديد فهم الدين بإزالة الأوهام والانحرافات الفكرية التي ارتبطت بمفهوم الدين، خلال العصور على أيدى بعض الفرق الكلامية، أو على أيدى بعض الفرق الصوفية، أو على أيدى الحركة الشعبية غير المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأصولها الدينية.

ومعنى ذلك أن هؤلاء المنتمين إلى هذه التيارات الفكرية الإسلامية التي تنهض عن طريق الإسلام وبالإسلام كانت تعمد إلى بيان الفهم الصحيح للدين، بإزالة ما تراكم عليه خلال العصور، ومحاولة العودة إلى فهم نقى صحيح يقترب مع الفهم الذى كان للإسلام قبل حدوث البدع وقبل حدوث الانشقاقات.

وهذا ما تحدث به الشيخ محمد عبده -على سبيل المثال – وصرح به صراحة، وهذا ما يظهر في الفكر السلفي ، ولكن النسب متفاوتة والاجتهادات مختلفة. هذه نقطة من النقاط الأساسية التي شغل بها أصحاب التيار الأول.

ثانيًا : الاهتمام بالرد على الشبهات التي كانت توجه إلى العالم الإسلامي من قِبَل المفكرين الغربيين الذين درسوا الإسلام، سواء كانوا من المستشرقين أم من المنتسبين إليه.

وعلى سبيل المثال يمكن أن نشير إلى بعض المحاضرات التي ألقيت في أوروبا، كمحاضرات (هانونو )،  أو (رينان) الذى تحدث عن افتقاد الإسلام للروح العلمية، وعدم قدرة الإسلام على بناء النهضة، وكونه عائقًا للتقدم..

وهذا كان محل مساجلة كبرى، قام فيها جمال الدين الأفغاني بالرد على رينان، وكذلك قام الشيخ محمد عبده بالرد على محاضرة (هانونو).

وهناك أيضا بعض النظريات العلمية التي كانت تواكب التطور في أوروبا كنظرية (داروين) على سبيل المثال، وجدت من يرد عليها بداية من الشيخ الأفغاني فيما كتبه في الرد على الدهريين.

وهكذا كان من القضايا الأساسية التي اهتم بها رواد هذا التيار الذى ينهض بالإسلام وانطلاقًا من الإسلام: الرد على هذه الشبهات والشكوك التي تحاك ضد الإسلام، وكذلك الرد على الأفكار التي يثيرها من ينتسب إلى الفكر الغربي ممن يعيشون في المجتمع الإسلامي بعد البعثات العلمية التي ذهبت إلى أوروبا،  سواء في أوربا الغربية أو أوربا الشرقية، وكذلك الرد على ما كانت تحمله الصحافة، وما كان يحمله بعض المفكرين غير الإسلاميين من تفسير لبعض آراء المفكرين الإسلاميين.

ولعلنا أيضا نذكر المساجلة التي دارت بين الشيخ محمد عبده وبين فرح أنطون حول (ابن رشد)، وما كان يدعو إليه فرح أنطون من فهم علماني وتفسير علماني لنصوص ابن رشد، ودعوة إلى النهضة عن طريق العلم التجريبي، والابتعاد عن تقليد الأقدمين ونحو ذلك مما يعطل من وجهة نظره مسيرة النهضة في العالم العربي والإسلامي إلى آخر هذه الشبهات التي كانت تثار، إما على أيدى المستشرقين، وإما على أيدى من انتقلت إليهم الأفكار من أوروبا بسبب سفرهم إليها ونحو ذلك.

فقد كان هذا أيضًا من الأمور التي تشغل أصحاب التيار الذى ينهض بالإسلام واعتمادًا على الإسلام.

ثالثًا: تحليل أسباب ضعف العالم الإسلامي، وهذه قضية انشغل بها مفكرون إسلاميون كثيرون، حاولوا أن ينظروا في تاريخنا الإسلامي، وتاريخنا السياسي والاجتماعي، وأن يستخلصوا من واقع العالم الإسلامي الأسباب التي أدت إلى تدهوره بعد أن كانت له القوة والغلبة في السياسة والفكر والحضارة، والعمل على مقاومة هذه العوامل التي أدت إلى هذا ضعف.

ففكرة النهضة كانت موجودة بصورة واضحة جدًا؛ لأن مقارنة واقع العالم الإسلامي بما كانت تعيشه أوروبا في ذلك الوقت من نهضة عمرانية، وعلمية تجريبية، وقوة عسكرية وسياسية… كانت تفرض نفسها على المفكرين الإسلاميين الذين يريدون النهضة بالعالم الإسلامي، فكانت تدفعهم دفعًا إلى محاولة تفسير هذا الخلل الذى أصاب الأمة الإسلامية، وتدفعهم لوضع الخطط للنهوض بالعالم الإسلامي مرة ثانية.

وهكذا كانت قضية النهضة من القضايا الأساسية التي يهتم بها رواد تيار النهضة الإسلامية.

أما التيارات الأخرى فكانت تهتم ببذر ونشر أفكارها عن طريق الكتب المترجمة، أو عن طريق الصحافة، أو عن طريق المؤتمرات الداعية إلى سيادة فكر جديد وفهم جديد يحاول أن ينهض به العالم الإسلامي نهضة مادية دنيوية علمانية.

وهذا كان مرتبطًا -كما أقول- بجهود بعض المفكرين الذين يدعون إلى هذه الأفكار، ويقاومون بها تأثير الاتجاهات الأخرى التي تنظر إلى التطور من وجهة نظر إسلامية خالصة.

السؤال الرابع: ما هو مفهوم الحركة لديكم؟

الدكتور مدكور: الحركة بصفة عامة وإذا نظرنا إليها بمفهومها اللغوي الخالص: ضد السكون، وشيوع اتجاه سكونى وثابت وراسخ معناه توقف حركة الحياة وتوقف حركة التقدم، وسيادة مفهوم تقليدي سواء من الناحية الفكرية والناحية السياسية، أو من الناحية الاجتماعية، أو من ناحية فهم ديني معين، ومعنى ذلك أن تصاب الحياة بما يشبه الشلل.

وهذا السكون غير متصور تصورًا مطلقًا في حركة المجتمعات، قد يوجد بطء في الحركة، ولكن المجتمعات التي تسكن سكونًا تامًا تكون في طريقها إلى الزوال؛ لأنها قد افتقدت العوامل الإيجابية التي تعمل على إثبات الوجود، وعلى استمرار الحياة، وعلى تطوير هذه الحياة بما يؤدى إلى وضع أفضل من الأوضاع السابقة التي تقوم عليها هذه المجتمعات.

والحركة – إذا نظرنا إليها في ذاتها- قد تكون حركة عشوائية، وقد تكون حركة متقطعة، ولكن في مجال الفكر، وفي مجال السياسة، وفي مجال الاجتماع تقصد بالحركة: ما كان خاضعًا لفكر، وساعيا إلى تطبيق غايات معينة استنادًا إلى منهج منظم وتخطيط.

فالحركة – إذن – تعتمد على الفكر بوصفه الباعث والمحرك، وتسعى من خلال النتائج إلى تحقيق غايات وأهداف معينة، وتعتمد في الوصول إلى هذه الأهداف على منهج مخطط علمي ومدروس.. بهذا تكون حركة.

وقد سبق لي شخصيًا أن استخدمت مصطلح الحركة في الحديث عن ظاهرة الاستشراق باعتبار أن هذه العناصر توجد لديها، بمعنى أنها منطلقة من فكرة، وتسعى إلى تحقيق غاية تعتمد منهجًا معينًا للوصول إلى تحقيق هذه الغايات، وسبق لى – أيضًا – أن استخدمت هذا المصطلح في وصف الاجتهاد الفقهي (حركة الاجتهاد الفقهي)؛ لأنه ينطلق من منطلقات فكرية، الكتاب والسنة مثلاً، أو من المصادر التي يعتمد عليها الاجتهاد، ثم يسعى إلى تحقيق ما ضمنته الشريعة من تحقيق مصالح العباد بناء على خطوات متدرجة ومتسلسلة في منهج الاستنباط انطلاقا من النص أولا، ثم دراسة النص من حيث الثبوت ومن حيث توثيقه إلى آخره، حتى يصل المجتهد أو الفقيه إلى حكم الله عز وجل في الواقعة التي تعرض عليه.

ويمكن لنا أن نوسع هذا المفهوم، أو ننظر إليه نظرة خاصة في الحديث عن الفكر، وعن السياسة.

من ثم فما ينطبق عليه هذه العناصر: (الانطلاق من فكر- السعي نحو تحقيق غايات- الاعتماد على منهج مخطط ومدروس): يمكن أن نطلق عليه حركة، ومن هنا وصفت بعض التيارات الفكرية التي تحولت إلى واقع، أو حاولت التحول إلى واقع، وصفت بأنها حركات إسلامية، أو حركة الصحوة الإسلامية.. وهكذا يمكن أن توصف بمفهوم الحركة.

وينبغي أن نستبعد من مفهوم الحركة الحركات العشوائية، أو الحركات الفجائية، أو الحركات الاعتباطية التي قد تظهر نتيجة لنزوة فكرية، أو اتجاه عاطفي ليس راسخ الجذور، وليس واضح القسمات، وليس واضح الملامح، وليس محدد الغايات التي يسعى إليها.

فمن هنا أصف الحركة بذلك متى توفرت فيها هذه العناصر الثلاث: (الفكر – الرائد أو القائد- الغاية المحددة)، وهذه الغايات ربما يصيبها بعض التطور بناءً على ما تواجهه الحركة في سيرتها، وقد تعدل من منهجها، وتعدل من طريقتها إلى آخره..

ولكن ينبغي أن يكون ذلك كله خاضعًا للتخطيط العملي، وليس مجرد الحركة العشوائية.

السؤال الخامس: هل للحركات الإسلامية المعاصرة جذور فكرية انطلقت منها، أم أنها نشأت بصورة حركية صرفة، وهل ولدت الحركة فكرًا؟

الدكتور مدكور: لعلى في إجابتي عن مفهوم الحركة اتخذت اتجاها معينًا في الإجابة عن هذا السؤال، وأن كل ما لا ينطلق من فكر فإنه ليس جديرًا بأن يوصف بأنه حركة إسلامية، أو حركة اجتماعية، أو حركة فلسفية، أو أى حركة ما دامت ليست منطلقة من فكر؛ فيجب مراعاة هذا الأمر.

حتى الحركات الشيوعية توصف بعضها بأنها حركات غير علمية حتى إننا نجد هناك اشتراكية علمية، واشتراكية غير علمية؛ لأن الاشتراكية غير العلمية ليس لديها هذا الفكر المنظم، ليس لديها الرؤية الشمولية، ليس لديها المنهج المحدد ليسد لديها الغايات المحددة، قد تختلط فيها المفاهيم ببعض الحركات الإسلامية، ومن ثم فإنها لا توصف بأنها في داخل إطار الفكر الشيوعي.

أما بالنسبة للحركة الصهيونية: فقد وجدت حركات قبل هرتزل وغيره، وهذه الحركات لم تستمر؛ لأنه ليس لديها آليات الاستمرار، وليس لديها أفكارًا محددة، وليس لديها الغايات المحددة.. إلى آخره، وقد توجد عندها الغايات بطريقة غامضة، ولكن ليس لديها الوسائل..

وأنا في إجابتي على السؤال السابق اتخذت اتجاهًا في أن الحركات التي ليس لها جذور فكرية ينبغي استبعادها من نطاق الحركة، وتدرس على أنها ظواهر نشأت في نطاق العمل الإسلامي، ولكنها ظواهر موقوتة، طارئة، وشواهد عرضية، ليس لها صفة الاستمرار، ومن ثم فإن هذه الحركات ليست جديرة بأن توضع على المستوى الذى ينبغي أن تتحقق فيه هذه الشروط التي تحدثتُ عنها.

إذا نظرنا إلى الحركات الإسلامية – ومن بينها حركة الإخوان، وهى من الحركات التي أخذت ثلاثة أرباع القرن تقريبًا – إذا نظرنا إليها منذ مؤسسها الشيخ حسن البنا، فقد كانت لديها أهداف من جذورها الفكرية التي انطلقت منها، فقدمت فكرًا إسلاميًّا شاملاً يسعى إلى إقامة المجتمع الإسلامي على عناصر وأصول كتلك التي قام عليها من قبل، وتتخطى المفاهيم الجزئية في النظر إلى الإسلام على أنه مجرد عبادة، أو على أنه مجرد طرق ونحو ذلك.

وإنما تسعى إلى تحقيق الإسلام في شموله وعمومه، وإعادة هذا المفهوم الشامل بعد أن كاد يغيب نتيجة لسيادة المفاهيم العلمانية الطارئة فقد كانت حركة موجهة إلى الاتجاهات العلمانية، وكانت حركة لمحاولة استعادة وضع العالم الإسلامي، بعد القضاء على الخلافة العثمانية سنة 1924 م، بينما بدأت الحركة 1928م.

فقد كانت لديها جذورها الفكرية، وكانت لديها غاياتها التي اتضحت بصورة متكاملة بالتدريج – على حسب ما مرت به حركة الإخوان – فهذه الحركة – بوصفها نموذجًا من الحركات- لها خصائص مطلق الحركة.

إذا نظرنا إلى حركة الجماعة الإسلامية في الهند، فإننا نجد فيها أيضا ملامح وخصائص ما هو جدير بأن يطلق عليه حركة إسلامية؛ لأنها قامت للحفاظ على الهوية الإسلامية في مقاومة القوميات الأخرى الكاسحة، وفي مقاومة الاستعمار، ومحاولة إقامة الدولة على هذه المفاهيم الإسلامية الواضحة التي تعنى بالعقل وتعنى بالحرية، وتعنى بالتقدم، وتعنى بالشورى، ومحاولة وضع نظام للمجتمع الإسلامي الصاعد في بعض الولايات الإسلامية التي تحولت إلى باكستان فيما بعد، لكي تكون ذات تأثير في حياة المسلمين، وفي صياغة حياتهم على أساس من المفاهيم الإسلامية الواضحة.. وهكذا يمكن أن نرى مثل هذه الحركات.

وإذا أخذنا على سبيل المثال نماذج أقدم قليلاً كالحركة الوهابية، فهي أيضًا كانت لها جذورها الفكرية وتوجهاتها، وكانت لها وسيلتها لتحقيق هذه الأفكار عندما تم الاتفاق بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبين الحكام في عصره، ولا سيما ابن سعود بتحويل هذه الأفكار إلى مفاهيم أساسية في مجتمع شبه الجزيرة العربية، حتى تتم العودة إلى الإسلام بحسب المفهوم الذى قدمته هذه الحركة في ذلك الوقت.

ويمكن أن نجد نماذج للحركات الإسلامية المعاصرة ذات جذور فكرية، وذات غايات تسعى إلى تحقيقها، ولا نستطيع أن نقول إنها نشأت بصورة حركية صرفة؛ لأن هذا أمر غريب في نطاق أي عمل، وسيكون كالومضة التي تظهر فجأة ثم تختفي، دون أن تترك ورائها أية آثار، ولا يمكن أن يكون لها صفة الامتداد أو التأثير، لكن هذه الحركات أثرت سلبًا أو إيجابًا بموافقة النظم السياسية أو عدم موافقتها؛ بل إنها أثرت على المستوى الفكري -أيضًا – ولهذا نقول: ولدت الحركة فكرًا.

ويظهر هذا بمقارنة وضع الفكر الإسلامي قبل ظهور هذه الحركات بوضع الفكر الإسلامي بعد ظهور هذه الحركات.

وقد كان مؤسسو بعض هذه الحركات حريصين على إبراز هذا الطابع الفكري لحركاتهم، وتوضيح الأسس التي تقوم عليها، وتوضيح الغايات التي تسعى إليها، وبيان ارتباطها بالأصول الإسلامية.

وعلى سبيل المثال فنحن لا نستطيع تجاهل الجهود التي قدمها المودودي، وإن أسئ تفسير بعض نصوصه، وإن ارتبطت بعض نصوصه بواقع كان يعيش فيه بداخل المجتمع الإسلامي بالهند.

لا يمكن أن نتجاهل الحركة الفكرية التي تشتمل عليها مؤلفاته وكتاباته فيما يخص الموقف من الحضارة الغربية، والموقف من النهضة في العالم الإسلامي، والموقف من المشكلات التي تواجه العالم الإسلامي.

لا يمكن أن نتجاهل على سبيل المثال ما كتبه مفكر كأبي الحسن الندوي  -مثلاً- وما زال الرجل يعطى في ثراء وتدفق ومواجهة للمشكلات..

لا يمكن أن نتجاهل ما كتبه مفكر كالشيخ عبد الحميد بن باديس في الجزائر، وهو ما ترتب عليه قيام حركة النهضة في الجزائر، وحركة المقاومة للاستعمار الفرنسي… وهكذا، فالحركات ولدت فكرًا لاشك في ذلك.

وإذا رجعنا إلى بعض كتب كتبها بعض أعلام الفكر في حركة الإخوان المسلمين كالشيخ الغزالي، والشيخ سيد سابق، والأستاذ عبد القادر عودة؛ فسوف نجد في مقدمات هذه الكتب ما يوضح أن الشيخ حسن البنا كان يوصيهم بطرق هذه الموضوعات، فمثلاً يكتب الشيخ سيد سابق في الفقه، ويكتب -في المقدمة- أنه قام بذلك بوصية أو بنصيحة أو بتوجيه من الشيخ البنا، حتى يسد حاجة المسلم المثقف، وتوفير المعارف بالمصطلحات الفكرية القديمة للأحكام الشرعية، ونحن لا نستطيع أن نرجع إلى المصادر، وإنما إلى كتاب الشيخ سيد سابق (فقه السنة) على سبيل المثال.

وما كتبه الشيخ الغزالي عن النظم الاقتصادية، وما كتبه عن علاقة الإسلام بالرأسمالية، وعلاقة الإسلام بالمذاهب الاشتراكية.. كل هذه الكتب نجد في مقدمتها إشارة إلى أنها بتوجيه من الشيخ حسن البنا رحمه الله.

وما كتبه الدكتور عبد القادر عودة في مجال القانون وفي مجال التشريع، وما كتبه الدكتور محمد عبد الله العربي في مجال الاقتصاد.. وهكذا..

وهذا الموضوع ربما لم يخدم بما فيه الكفاية، ولذلك يظل غائبًا عن الساحة، ولكن لو أن هنالك بعض الدراسات المتخصصة توجهت إلى هذه الفكرة فسوف يتضح مقدار ما أسهمت به هذه الحركات سواء هنا في مصر، أو في الجزائر، أو في تونس.

حتى في الفكر السلفي الذى أدى إلى نشر فكر ونشر اتجاهات كانت مطاردة في العالم الإسلامي، فكتب ابن تيمية عندما ننظر إليها في أواخر القرن الماضي كان ينظر إليها نظرة على أنها أقل من المستوى الذى ينبغي أن تعالج به، وأن ينظر به إليها، وربما أحاطت بها شبهات، ومقولات، يعد ابن تيمية والمنتسبون إليه بريئين منها، فوجود هذه الحركة القوية في المجتمع السعودي أدى إلى نشر فكر… وهكذا.

ونحن نتفق أو نختلف في النظرة إلى هذا الفكر، وربما توافق عليه بعض الجهات أو لا توافق ، في الداخل أو في الخارج، وربما ينظر إليه نظرة سلبية أحيانًا، ولكنه فكر ينبغى أن ننظر إليه نظرة موضوعية بأن يوضع في إطاره التاريخي، ويربط بالحركة التي أنشأته، وبالأحوال السياسية التي ظهر خلالها حتى نستطيع أن نقوِّم هذا الفكر تقويما صحيحا، ولكننا على أية حال لا نستطيع أن نتجاهل هذا الفكر، وما كان له من تأثير في حركة المجتمع الإسلامي في العصر الحاضر.

ويمكن أن نضيف هنا أن بعض هذا الفكر يوصف بأنه فكر معتدل أو فكر متطرف نتيجة للظروف والبواعث التي تعلقت به، أو ارتبطت بنشأته، أو الظروف التي خضع لها أصحاب هذا الفكر؛ ولكنه فكر على أية حال.

ونحن ينبغي أن ندرس بمنتهى الحياد والموضوعية هذا الفكر المترتب على هذه الحركات؛ لكى نرى ما أسهمت به في إثراء الفكر الإسلامي، وفي إثراء الحياة الإسلامية، والحركة الاجتماعية الإسلامية، ليمكننا تقويمه: فنرى هل هو مرتبط بظروف خاصة ليس لها صفة الاستمرار، هل يمكن أن نعدل عنه في بعض الأحيان مبينين أسباب هذا العدول، إلى آخر ما يمكن أن يتضمنه تقويم هذه الحركات.

توجد أيضا حركة إسلامية في المهجر، حركة موجودة بين المسلمين المهاجرين إلى أوربا، وإلى أمريكا الشمالية، وأمريكا الجنوبية، وهى تمثل حركة مرتبطة بواقع هذه المجتمعات، وما تواجهه من مشكلات تحتاج إلى حلول، وتحتاج إلى تفسير، وإلى حكم شرعي؛ ومن هنا فإن لها فكرًا يرتبط بالحركة الإسلامية المعاصرة، ولا يصح الإغضاء عنه، ونحن نتحدث عن الحركة الإسلامية.

السؤال السادس: إلى أي مدى تفاعل الفكر والفقه الإسلامي بالحالة الراهنة للعالم وما يكتنفها من تغيرات؟

الدكتور مدكور: لعلني في آخر ما تحدثت به في السؤال السابق أشرت إشارة ما إلى إجابة هذا السؤال، وهو يتعلق بتفاعل الفقه والفكر الإسلامي بالحالة الراهنة في العالم.

وأقول أولاً: إن الفكر الذى نشأ في العالم الإسلامي ارتبط بحالة العالم الإسلامي، وما يرد على هذا العالم الإسلامي ويفد عليه من مشكلات يولدها التطور العالمي.

وعلى سبيل المثال فإن ما يحدث من تطور في مجال الاقتصاد، وما يحدث من تطور في مجال الطب، وما يحدث من تطور في مجال النظم السياسية.. يلقى بظلاله على المفكرين الذين يوجدون في العالم الإسلامي، ويلزمهم بضرورة إيجاد الحلول الشرعية لما يطرأ من هذه المشكلات في العالم الإسلامي وللمسلمين الموجودين في العالم الآخر الذى لا يرتبط بالنظام الإسلامي، سواء كان ذلك على هيئة أقليات إسلامية موجودة في بعض المجتمعات، أو حركة إسلامية مهاجرة إلى بعض المجتمعات.

الفكر هنا مكلف ببحث هذه المسائل ودراستها، وإيجاد الأحكام والحلول والاجتهادات، على الأقل الاجتهادات الشرعية لهذه المشكلات.

ولعلنا نذكر مشكلة البنوك وما تثيره من مشكلات في العالم الإسلامي، ومشكلة التطورات الطبية كنقل الأعضاء، والحمل خارج الرحم… ونحو ذلك من تطورات أخرى تثور في العالم الغربي.

هذه المسائل تصدر فيها الفتاوى الفقهية، وتتصدى لها المؤتمرات الإسلامية، بل والاجتهادات الفردية على مستوى الرسائل الجامعية والبحوث الفردية لتقديم تصورات وحلول إسلامية لهذه المشكلات الطارئة.

ومن هنا فإن الفكر والفقه الإسلامي يرتبط بهذه الحالة الراهنة في العالم الإسلامي.

ولعل فكرة التطور التي أثارها داروين وما ألقته من ظلال على الفكر الإسلامي، جعلت رجلا كجمال الدين الأفغاني يحاول أن يتصدى لهذه الفكرة كي يرى تأثيرها على العقيدة، وما يتعلق منها بخلق الله تعالى للإنسان خلقًا مباشرًا، وتكريم الإنسان، وحرية الإنسان إلى آخر هذه الأمور.. تعد بداية لهذا التصدي، والتفاعل مع المشكلات التي تقع في العالم.

فالعلم التجريبي الموجود الآن يثير مشكلات، لعل آخرها الاستنساخ على سبيل المثال، ويحتاج الأمر إلى دراسات تتعلق بنقد الشرع لهذه المسألة، ورؤيته بالنسبة للاستنساخ في نطاق الحيوان ونطاق النبات، والاستنساخ في نطاق الأعضاء، والاستنساخ للإنسان الكامل وهكذا، وما يترتب على ذلك من مشكلات أخلاقية، ومشكلات دينية، وما يمكن أن يقدمه المجتهدون الإسلاميون من حلول لمثل هذه المشكلة.

فهذه المسائل لو بعث أحد الفقهاء من القرن الماضي، ورأى الفقهاء يتحدثون بهذه الطريقة فلا بد أن يصعق مرة أخرى؛ لاختلاف لغة الخطاب الفكري، ولغة الاجتهاد الفقهي لمواجهة مثل هذه المشكلات الطارئة الحديثة؛ فإذن ليس الفقه الإسلامي الآن منعزلا عن هذه التيارات الفكرية والتغيرات الموجودة؛ لأنها تغيرات تفرض نفسها على واقع المجتمع الإسلامي، ومن ثم فإن المجتمع الإسلامي مطالَب بأن يوجِد لها حلا شرعيًا؛ لأنه إذا أراد أن يكون مجتمعا إسلاميا فلا بد أن يلتزم بالنصوص الشرعية. وكما قال فقهاؤنا: إن كل فعل من أحكام المكلفين لابد أن يكون له حكم شرعي إما بالوجوب وإما بالتحريم وإما بالإباحة وإما بالكراهة وإما بالندب، فالمسلم مكلف شرعا طالما أراد أن يعيش في نطاق إسلامه، وما دام أراد أن يعيش ملتزما بأفكار دينه وأصوله وأحكام شريعته، فلا بد أن يجد الحكم الشرعي الذى يطمئن إليه قلبه في أى مسألة من المسائل.

وعندما يهاجر أحد المسلمين إلى مجتمع غربي، فإنه يواجه هناك ببعض صور الحياة التي لا يجدها مستساغة من وجهة النظر الإسلامية، وهو ما يحتاج إلى جهود فكرية وجهود علمية من أجل حل هذه المشكلات، وهكذا تثار مشكلات أمام المسلمين في مجتمعات خارج العالم الإسلامي، أو تنقل إلى العالم الإسلامي نتيجة هذا التواصل الحضاري الموجود الآن كالبنوك ونحوها، ويضطر الفقهاء، تحت ضغط حاجة المسلمين، إلى دراسة هذه المشكلات وتقديم الحل الإسلامي لها.

ومن ثم فإن التفاعل الآن تفاعل كبير، وخصوصًا في ظل هذا الاتصال الإعلامي والمعلوماتي الموجود في العالم الآن، والذى لا يستطيع المسلم تجاهل وجود مثل هذه التيارات فيه؛ لأنها تفرض نفسها عليه فرضًا، وعليه أن يصل إلى حكم شرعي في مثل هذه المشكلات؛ ومن هنا فإننا نستطيع أن نقول: إن هناك تفاعلات.

تقويم هذا التفاعل، والإقدام عليه، وتقديم حلول جذرية فيه، والتوصل إلى حلول شرعية، وإلى أي مدى نجحنا في هذا، هذه المسألة تختلف فيها وجهات النظر، وربما تعكس في بعض الأحيان نوعا من التذبذب في الآراء لأسباب متعددة.

منها – على سبيل المثال – غلبة اتجاه فقهى معين؛ فإلى الآن هناك بعض المجتهدين ينظرون من خلال اتجاه فقهى معين، والبعض الآخر ينظر من خلال نظام سياسي معين.. وهكذا.

ولكن وجود الاجتهادات الفردية، ووجود المجامع الفقهية من شأنهما أن يعملا على تقريب وجهات النظر بين المجتهدين الإسلاميين في تحقيق هذا التفاعل، وفي تقريب وجهات النظر، ونحن في كل الأحوال لا نطالب أن يكون الرأى واحد؛ لأن هذا لم يقع في تاريخنا الإسلامي الذى انقسم إلى مذاهب فقهية متعددة، وظهرت بعضها إلى جانب بعض؛ ولكننا نبتغى فقط أن يكون الاعتماد على النصوص والمصالح المتوافقة مع النصوص، وليست المصادمة لها، أو التي تخضع النصوص لظروف خارجية، أو اجتهادات ليست إسلامية.

هذا هو الذى نبتغيه في ضبط الاجتهاد، أما التفاعل فهو موجود شئنا أم بينا، أما الأحكام التي نتوصل إليها فيمكن أن تنتظم بمرور الوقت، وأن يستقر الاجتهاد في المسائل الجديدة التي تطرأ على حياة المجتمع الإسلامي.

السؤال السابع: إلى أي مدى تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بالتيارات الفكرية العالمية؟

الدكتور مدكور: يمكن أن نقول -وإن كان في هذا القول تعميم كبير، يحتاج إلى تحديد وتفصيل – بأننا لا نستطيع أن نعزل الفكر الإسلامي المعاصر عن تأثره بالتيارات الفكرية العالمية. وهنا نلجأ – أيضًا – إلى المقارنة.

إذا قارنا ما يصدر من كتابات فكرية سوف نجد أن بعض المفكرين الإسلاميين يحاول أن يقدم الإسلام على نحو يبين تفضيل الإسلام على بعض التيارات الفكرية العالمية.

وعلى سبيل المثال، عند الكتابة عن العدالة الاجتماعية وعن منهج الإسلام في إقامة المجتمع… فإن من يكتب في هذا الأمر يضع في ذهنه تيارات بعينها يريد أن يوضح أصالة الإسلام في معالجة المشكلات التي تعالجها، ومزايا الإسلام في تقديم الحلول للمشكلات التي تناقشها هذه التيارات.

فعندما تحدث الشيخ الغزالي أو سيد قطب عن العدالة الاجتماعية في الإسلام؛ فهما يضعان في ذهنهما تيارات بعينها يردان عليها ضمنا، ويبينان مزايا الإسلام في النظر إليها ضمنًا، وقد يصرحان بذلك؛ فبعض عناوين كتب الشيخ الغزالي تتحدث عن هذا صراحة.

وعندما يتحدث مفكر عن الشورى في الإسلام ويضع في ذهنه فكرة الديموقراطية الغربية، وهو متأثر بها أصلاً فتوجهه إلى النظر في النصوص نظرة لم تكن لدى المفكر الإسلامي الذى سبق وطرح هذا المشكلات، ومن ثم يريد أن يبين مزايا الإسلام في نقطة معينة، بناء على الوعى بهذه التيارات، وقد يرد عليها صراحة أو يرد عليها ضمنا.

عندما يثار – مثلاً – الاتجاه إلى العلمانية، وهو اتجاه يفرض نفسه على العالم الإسلامي منذ حملة نابليون على مصر، وازداد بعد وجود الاستعمار في العالم الإسلامي، ونشأة الدولة الحديثة في العالم الإسلامي متأثرة بالمفاهيم الأساسية الموجودة في العالم الغربي بصفة عامة.. فالباحث يريد أن يبين علاقة الإسلام بهذه الأفكار وهذه المفاهيم، وما يتميز به عنها؛ ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نعزل صلة الفكر الإسلامي المعاصر بهذه التيارات الفكرية العالمية.

وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى صياغة بعض المفاهيم الإسلامية بما تتبدى عليه هذه التيارات الفكرية العالمية.. وهذا يوجد عند بعض المفكرين، بمعنى أن يقدم الإسلام من خلال الرؤية الفكرية العالمية لموضوعها بحيث تكاد تكون صورة مطابقة له.

وفي حقيقة الأمر فإن مثل هذا التوجه يؤدى إلى تحريف النصوص في بعض الأحيان عن مواضعها، والنظر إليها بعين ليست هى العين الإسلامية المنضبطة بأصول الاجتهاد الشرعي في النصوص الشرعية، وهى على كل حال توضح لنا تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بالتيارات الفكرية.

فعندما ينظر مفكر مثل أحمد خان -على سبيل المثال – لنهضة العالم؛ فإنه ينظر إليه من خلال الرؤية الغربية، ويحاول أن يصبغ عليها بعض المفاهيم الإسلامية، ويكون الأمر عندئذ انتقاء لبعض النصوص التي تتفق مع وجهة نظره، واستبعادًا لبعض النصوص التي لا تتفق مع وجهة نظره؛ ومن هنا فإن مثل هذه الرؤى توصف بأنها جزئية، وأن فيها تحريفا وإخضاعًا للنصوص الشرعية لهذه التيارات الفكرية حتى تبدو النصوص الشرعية متوافقة معها.. وهكذا.

فالفكر الإسلامي المعاصر تأثر بدرجات متفاوتة لا يمكن أن نضعها كلها في إطار واحد، ولا في مستوى واحد، ولا في موقف واحد من الرد؛ فقد يكون التأثر عكسيًّا بمعنى إثبات أصالة الفكر الإسلامي وجدارته بالتفوق بسبب مصدره الإلهى، وبسبب حفظ مصادره الشرعية، وبسبب الشمول الذى في الإسلام.

وقد يؤدى التأثر في بعض الأحيان عند بعض المفكرين إلى إخضاع الفكر الإسلامي نفسه، وأصوله إلى التيارات الفكرية الخارجية.

السؤال الثامن: هل بدأت بعض الأفكار الإسلامية تطرح على الصعيد العالمي، وما أهم مجالات الحوار التي دخلت فيها مع الفكر الآخر؟

الدكتور مدكور: بالنسبة للجزئية الأولى من السؤال فأنا أرى أن الفكر الإسلامي يجد صعوبة كبيرة في الطرح على الصعيد العالمي لأسباب عديدة منها:

أن العالم وخصوصًا الغرب بمفهومه الحضاري سواء شرقًا أو غربا يحس بالتفوق عن العالم الإسلامي من الناحية السياسية والعسكرية والتكنولوجية والإعلامية، ومن ناحية إصدار الكتب وناحية المعرفة.. من كل النواحي التي تؤدى بالفعل إلى وجود القوة بمفهومها العام الشامل، وتؤدى إلى وجود التفوق، وبالطبع فإن أوروبا ومعها أمريكا تحس بالتفوق على العالم الإسلامي منذ قرون، وأنها تشعر بفتوة النهضة التي يفتقدها العالم الإسلامي، والتي ظهرت في المجال السياسي والعسكري، وانتهى في النهاية إلى أن يخضع لأوروبا نفسها حينما أتت لاحتلاله واستعمار أرضه.

نحن ننظر بغرابة – مثلا – إلى أن بلدًا كهولندا يحتل بلدًا كإندونيسيا، أو بلدًا كإنجلترا تحتل بلدًا كالهند.. الهند التي كانت عندما احتلتها إنجلترا بلدًا إسلاميًّا تصنف في عداد المجتمعات والدول الإسلامية، أو عندما تجد اليهود والذين كنا نصفهم بأنهم شراذم يهزمون العالم الإسلامي كله، ويأخذون أرض المسلمين في القدس وفلسطين.

فالعالم الغربي يحس بالتفوق تجاه العالم الإسلامي؛ ولذلك إذا نظرنا إلى حركة التأثير فهي في الغالب من أوروبا نحو العالم الإسلامي، وإذا كان العالم الإسلامي يقظًا واعيا؛ فإن حركته تكون في صد ما يمكن أن يتعارض مع مقوماته الأساسية من هذا التيار الوافد إليه.. هذا إذا كان واعيًا، فإن حركته تتمثل في صد، أو في التقليل من آثار هذا التأثير الوافد إليه من العالم الغربي.

ولذلك فأنا أظن أن تأثر الفكر العالمي بالفكر الإسلامي تأثر قليل، ولعله يكاد يكون غير موجود بصورة مرئية، أو بصورة محسوسة؛ لأنه طالما كنا نحن في الموقف الأضعف من جميع النواح، حتى إننا نعتمد على الخارج في كل شيء تقريبًا، فإن التأثير لا يأتي من الجانب الأدنى – حضاريًّا وتكنولوجيًّا وعلميًا – إلى الجانب الأقوى ، ولا يأتي من الأضعف إلى الأقوى، وإنما يأتي من الأقوى إلى الأضعف بصفة عامة.

فلا أرى مظاهر تأثر الفكر العالمي بالفكر الإسلامي، ثم إن هناك سببًا مهمًا آخر، وهو أننا – في حقيقة الأمر- لا نقوم بترجمة فكرنا إلى العالم لعدم إجادتنا للغات العالم، ولعدم اهتمامنا بهذه الزاوية من التأثير في العالم، ومن ثم فإن العالم عرف كثيرًا عن اقتصادنا نتيجة لجهده الخاص، وليس نتيجة لجهودنا نحن، ويعرف عن فكرنا ما ينتهى إليه مفكروه، وليس عن طريق جهدنا نحن في تعريفهم بفكرنا، وبذلك فإن رؤاهم وأفكارهم متأثرة بمواقفهم الأيديولوجية والتاريخية والدينية والسياسية من العالم الإسلامي.

ونحن نعلم أن العلاقة بيننا وبين كثير من بلدان الغرب – شابتها حروب وشابتها صراعات كثيرة وحروب صليبية وحركة الاستعمار الحديث.. ومن ثم فهم يعرفوننا من خلال هذا الاحتكاك، ويختارون مما يعرفونه ما يتفق مع أيديولوجيتهم، وما يتفق مع تحقيق مصالحهم ويصدرون إلينا ما يرتبط بهذه المصالح وبهذه المفاهيم والأيدولوجيات.

فتفوقهم من ناحية، وتقصيرنا في عرض ما لدينا من ناحية أخرى يجعل تأثيرنا هناك قليلاً.

ولكننا مع ذلك يمكن أن نشير إلى بعض الكتابات التي ظهرت لدى بعض المفكرين الذين أرادوا أن يدرسوا الإسلام بطريقة مجردة بعيدة عن المقولات العامة التي كانت تظهر في نطاق الاستشراق .

وعلى سبيل المثال جوته الألماني في كتابه عن الديوان الشرقي، أو بعض ما كتبه تولوستوى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بعض ما كتبه برناردشو عن الإسلام، بعض هذه الأشياء التي تتحدث عن قيمة الإسلام كدين، ومكانة الإسلام بوصفه مؤسس حضارة، وشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان لها من تأثير عجيب جدًّا في تاريخ العالم، وتميزه بهذه عن أدوار السابقين عليه، فقد أسس دولة وحضارة، ووضع الأسس لقيام هذه الحضارة واستمرارها.. هذه شذرات تظهر في الفكر العالمي شرقًا وغربًا، لكنها ليست محسوسة بحيث تكون رؤية عامة وشاملة تقابل رؤيتهم السابقة عن العالم الإسلامي، فهي تمثل مجرد ثقوب في جدار ضخم بنى عبر القرون وعبر المصادمات والمواجهات.

فيمكن الإشارة إليها بهذه الصفة: أنها تأثيرات قليلة ومحدودة، وتخضع في الغالب لنظرات شخصية من المفكرين الذين انتهوا إليها، لكنها لا تمثل موقفا عاما لحضارة من حضاراتنا أو لنظم من نظمنا…

ولعل الجانب السلبى يحيط بنظرتهم للإسلام نتيجة -كما نقول- لممارسات كثيرة ومصادمات.. الخ، فهي التي تشكل الرأي الأساسي في مثل هذا الأمر.

أما عن أهم مجالات الحوار التي دخلت  فيها الأفكار الإسلامية مع الفكر الآخر؛ فيمكن أن نقول: إن أكثر المجالات التي يتم فيها الحوار تأخذ أحيانا جانبًا حضاريًّا في بعض المؤتمرات المشتركة التي يتم تنظيمها في فرنسا أو في إسبانيا أو في غيرهما، وتحاول أن تجد أرضية مشتركة لثقافة إنسانية تسعى إلى أن يتمتع العالم بالسلام .

وربما يمكن أن نشير في هذا الصدد إلى ما يقدمه جارودى في إسبانيا، إنه يقدم نقاط الاتفاق في الحضارة القديمة، وما يمكن أن تؤسس عليه هذه النقاط من اتفاق حول المستقبل .

ونحن نسمع أيضا عن مجالات الحوار الديني التي تجرى أحيانًا، وإن كان تقويم ما يتم في هذا الحوار يرجع إلى المشاركين فيه والنتائج التي يتوصل إليها، والملابسات التي تحيط بها.

ولاشك أنها تكون موضع اختلاف في تقديرها وتقويمها، وهل هي لمصلحة العالم الإسلامي أم لمصلحة الآخرين، وهل الأهداف المرجوة منها تتعلق بتأسيس سلام مشترك فعلا، أو أنها ذات أهداف سياسية.. وهكذا..

فالحوار يتم في مجالات حضارية -أحيانًا- وفي مجالات دينية، وفي مجالات ثقافية يمكن أن يتم فيها ما يؤدى إلى ثقافة تعتمد على هذه الأرضية المشتركة للمشروع.

وربما يمكن الإشارة هنا إلى ما يقوم به اليونسكو -على سبيل المثال- في هذا المجال في مناطق كثيرة من العالم في الحديث عن مقاومة الحروب، وما يمكن أن تؤدى إليه من آلام للبشرية، وإيجاد تفاهم بين الشعوب؛ لأنهم أبناء كوكب واحد، وأبناء جنس واحد، ومن ثم ينبغي أن يعمدوا إلى المشاركة…

وهى مفاهيم إنسانية طيبة، ولكن تحقيقها لا يتم على المستوى المطلوب الذى ينبغي أن ترتفع إليه الإسهامات الإنسانية هنا وهناك على هذا الجانب، أو على ذاك الجانب البعيد ، وهكذا.

السؤال التاسع: يلاحظ تشابهًا شديدًا في المشكلات والأطروحات المعروضة على الفكر الإسلامي في بداية القرن مع تلك المعروضة في نهايته، ما مدى صدق هذه الملاحظة وما أسبابها؟

الدكتور مدكور: الإجابة عن هذا السؤال تأتى من زاويتين: زاوية وجود تشابه، زاوية عدم وجود تشابه.

فالمسألة معقدة إلى درجة لا يمكن أن تدلى فيها برأي واحد؛ وإنما ينبغي أن نحيط بها من جوانبها المختلفة لنحاول أن نقدم رؤية موضوعية لهذه الجوانب، بحيث تكون الإجابة أكثر توافقا مع الظروف الموضوعية للسؤال الذى نتحدث عنه.

فمن المبالغة أن نقول: إن هناك تشابهًا في المشكلات والأطروحات المعروضة على الفكر الإسلامي، وأن المشكلات هي نفس المشكلات، وأن الأسئلة المثارة هى نفس الأسئلة المثارة، فهناك مشكلات أصبحت الآن من التاريخ الكلاسيكي – إذا صح هذا التعبير – وأيضا بعض الأفكار.

كما أن بعض المسائل التي تثار في أول القرن تختلف اختلافًا كبيرًا عن المسائل التي تثار في آخره.

ولنا أن نتذكر -على سبيل المثال- أن المسلم في جنوب أفريقيا كان يرسل رسالة إلى الشيخ محمد عبده ليسأله عن لبس القبعة !

كانت هذه آنئذ تمثل مشكلة ضخمة جدًّا في رأى العالم الإسلامي في أوائل القرن العشرين.. هذه المسائل أصبحت الآن تقليدية، وأصبحت تثير البسمة إذا نظر إليها الناس وتحدثوا عنها، فهى تدرس على أنها تراث أو تاريخ.

بعض المشكلات الأولى التي كانت تواجه المهاجرين الإسلاميين إلى الغرب أصبحت الآن تقليدية لا تثار؛ لأن هناك حلولاً قد وضعت لها.

إذا نظرنا إلى المشكلات الحديثة التي لم تكن موجودة في أول القرن كالمشكلات الاجتهادية التي أشرنا إلى بعضها: زرع الأعضاء، ونقل الدم، والحمل خارج الرحم، والصور الحديثة للاقتصاد العالمي من البنوك والشركات العابرة للقارات…

هذه أشياء لم تكن موجودة أصلاً في أول القرن، فانشغال الفكر الإسلامي بها يجعله مواكبًا لحركة القرن، ولذلك لا نستطيع أن نقول إن هناك تشابهًا شديدًا -كما يقال – في مثل هذه المشكلات.

وكلما أجلنا النظر في جوانب الفكر الإسلامي سوف نجد أمثلة تؤكد أن هناك فروقًا بين ما يطرح الآن، ويبين ما كان يطرح في الزمن القديم منذ مائة سنة، ومن الظلم للمفكرين الإسلاميين أن يقال إنهم يرددون نفس المقولات، ويواصلون تقديم نفس الحلول لمشكلات سبق لمن عاصروها أن وصلوا فيها إلى حلول أو إلى اجتهادات.

فمن جهة لا نستطيع أن نقول: إن هناك تشابهًا شديدًا في كثير من المشكلات التي ظهرت في الفكر الإسلامي في بداية القرن مع تلك المعروضة في نهايته…

هذا من جهة، ومن جهة ثانية نجد بالفعل كثيرًا من التشابه في بعض المشكلات التي لا يزال يناقشها المسلمون أو ناقشوها من قبل، ويناقشونها الآن، وربما اضطروا إلى مناقشتها في القرن القادم أيضًا، ولذلك أسباب، فلنأتي بنماذج، ونقدم بعض التفسير.

من ذلك ما يتعلق بالنظم السياسية؛ لعل هذه المشكلة التي تواجه المفكرين الإسلاميين أنهم بحثوا في ضوء ما كان لديهم من تراث فكرى إسلامي حول الشورى، أو حول الإمامة، ودرسوا مثل هذه المسائل عندما بدأت الأفكار العلمانية تطرح عليها. والأفكار العلمانية لا تتوقف، ويأتي المنتسبون إليها بأفكار جديدة تحتاج إلى معالجة، أو إلى مناقشة، أو إلى حلول، أو إلى رفض؛ فيضطر القائمون على الفكر الإسلامي إلى التصدي لهذه الأفكار، وإلى تقديم حلول إسلامية لهذه المشكلات المثارة حتى لا يتركوا مجالاً لمثل هذه الأفكار أن تشوه فكر المسلمين.

ومن بين أسباب التشابه أن كثيرًا من الحركات الإسلامية لم تتمكن من تطبيق أفكارها، وإنما ظلت – مع سعيها إلى تطبيقها – خارج التطبيق ، ومن ثم فإنها تحتاج إلى تأكيدها وتثبيتها في الأذهان حتى يمكن أن تأتى فرصة مناسبة لهذا التطبيق؛ ومن ثم ففي مجال بعض الأفكار السياسية يوجد شيء من التشابه.

موقف المسلمين من العلم -مثلاً- مشكلة ناقشها الشيخ محمد عبده وناقشها غيره، واعتبروا أن من أساس تخلّف المسلمين تخلّفهم في المجال العلمي، ولا زال العالم الإسلامي على وضعه من هذه المسألة، من حيث إنه لم يأخذ بالمنهج العلمي الصحيح الذى يسعى إلى التقدم بما يقوم عليه من دراسات علمية للمشكلات، وتحديد أسبابها، ووضع الخطط لمقاومتها، ومراعاة وجهات النظر، وتأكيد الحرية في دراسة مثل هذه المشكلات.

من ثم يكون وضع العالم الإسلامي -المتردي أصلا فيما يتعلق بالتكنولوجيا والتطورات العلمية الحديثة – مؤديًا إلى إعادة التفكير في مثل هذه المفاهيم وموقف الإسلام منها، حتى يكون موقف الإسلام منها عاملاً من عوامل النهضة، فالأخذ بأسباب العلم ليس مظهريًا، وليس بمجرد استيراد آلات الحضارة؛ وإنما تقوم الحضارة على صنع وابتكار آلة الحضارة، والعالم الإسلامي متخلف في هذه الناحية حتى الآن.

ويمكن أن تنظر من قضية العالم الإسلامي بداية من إندونيسيا وانتهاء بالجزائر، فسوف تجد تخلفًا هائلاً في هذه الجوانب، فكم من الدول الإسلامية ينتج طائرات حربية، كم ينتج دبابات وأجهزة كمبيوتر، كم يضع نظمًا لأجهزة الكمبيوتر التي تبذل المحاولات لإنطاقه باللغة العربية.

وكما يقول بعض المفكرين الإسلاميين: إن العالم الغربي بمفهوم الحضارة يخترع الكمبيوتر، ونختلف نحن في تسميته! حتى الآن لم نتفق على تسمية الكمبيوتر وهكذا…

فإذا وجدت بعض الأفكار التي نوقشت فيما مضى، وتناقش الآن مرة أخرى؛ فذلك لأن دوافعها لا تزال موجودة.

وربما يكون فيما ذكرته إشارة إلى مثل هذه المشكلات؛ لكن بصفة عامة نظلم المفكرين الإسلاميين إذا قلنا إن الأفكار هي نفس الأفكار، وإن المشكلات هى نفس المشكلات، وإن الأطروحات والإجابات هي نفس الأطروحات والإجابات؛ لأن كثيرًا منها أصبح تقليديًّا وكلاسيكيًّا كما يقال.

أما المسائل المتشابهة والمتكررة فإن الظروف تدعو إلى التذكير بها وبما فيها من الأخطاء، أو القصور حتى يتدارك المسلمون هذا الأمر.

السؤال العاشر: ما أهم التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي في مطلع القرن الحادي والعشرين؟

الدكتور مدكور: هذا سؤال يتجه نحو المستقبل؛ وإذا كانت الأسئلة السابقة تهتم بدراسة الواقع والماضي، فإن هذا السؤال يتجه نحو المستقبل، وبالطبع فإن الإجابة عنه مهمة جدًا، وتحتاج إلى مؤتمرات أو لقاءات؛ لأنها تمثل تحديدا لطريق ينبغي أن يعرف المسلمون جوانبه المختلفة حتى يتمكنوا من السير فيه.

التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي في القرن الحادي والعشرين ترتبط بالمشكلات التي واجهها العالم الإسلامي التي يمكن الإشارة إلى بعضها الآن.

لدينا -مثلاً- التخلف في مجال العلوم، وفي مجال التكنولوجيا، وهذه من أسباب القوة المادية التي تمكن المجتمعات من الحفاظ على هويتها، ومن الحفاظ على شخصيتها، ومن قدرتها على الاستجابة لمقتضيات تاريخها وعقائدها وشخصيتها. وإذا وجدت لديها فإنها تتمكن من مواصلة هذا السير بأمان وثقة وطمأنينة، وإذا لم توجد فإنها لن تتمكن من تحقيق ذلك.

وهذه مسألة لا يمكن أن يجادل فيها أحد كما قلت منذ قليل في الإجابة عن السؤال السابق، فلدينا تخلف مادى وتكنولوجي لا يمكن المجادلة فيه؛ فهذه مشكلة من المشكلات، ولا بد أن توضع خطط عملية فعلاً للخروج من هذه الحالة التي يوجد فيها العالم الإسلامي، حتى إن أكثر الدول أمية في العالم توجد في العالم الإسلامي، الذى بدأ كتابه بالدعوة إلى القراءة، وإلى العلم، وتكريم العلماء، فلدينا تخلف في هذا المجال لا يمكن تجاهله، ومن ثم فإننا نحتاج إلى وضع الأسس للقضاء على هذا التخلف، والتقليل من أخطاره على المستقبل، هذا يمثل مشكلة من المشكلات الأساسية.

لدينا مشكلة أخرى تتعلق بالتنمية في العالم الإسلامي، التنمية بالمفهوم الشامل: التنمية للاقتصاد، التنمية للفكر، التنمية للشخصية، وإيجاد روح الابتكار عند الناس، وإيجاد طرق التعبير الحرة، ودراسة المشكلات، ووضع الحلول لها…

وقد يكون الكلام سهلاً، ولكن التنفيذ صعب، يحتاج إلى تضافر العقول، والعالم الإسلامي ليس فقيرًا من العقول، ولكنه يحتاج إلى تجميع هذه العقول أو الاستفادة من كل ما وهبه الله تعالى من الفكر والطبيعة المستقبلية ووضع ذلك في خطط، وتحويل هذه الخطط إلى برامج، وتحويل البرامج إلى أعمال، ومن ثم تؤتى ثمارها على المدى البعيد.

لدينا مشكلة الشورى والديموقراطية؛ لأننا حتى الآن لا يزال لدينا اختلافات حول المفاهيم؛ فلا بد أن يتم هذا أيضا، ولا بد أن يكون للشعوب الإسلامية -بصفة عامة في كل جوانب العالم الإسلامي – طرق أو وسائل للتعبير الحر عن إرادتها، وتحديد مشكلاتها وتحديد وسائل الخروج منها، وهذا يعطى الإيجابية بدلا من السلبية، ويعطى الفاعلية بدلاً من السكون والخمود، والبعد عن مباشرة العمل العام، فهى مظاهر موجودة في كثير من بقاع العالم الإسلامي.

وكلما درسنا هذه المفاهيم وحولناها إلى تقاليد، ورفعنا عنها عوامل القهر والكبت، فإن ذلك يؤدى إلى النهضة في العالم الإسلامي.

لدينا مشكلة عدم مقدرة العالم الإسلامي على أن يكون له رؤية واحدة أو متقاربة في المشكلات التي تهم العالم الآن.

العالم الإسلامي مهدد بالإغراق  أمام غزو العولمة، وأمام الهيمنة الكبرى للقوى الاقتصادية في العالم من شركات ودول إلى آخره، ومع ذلك تجد أن العالم الإسلامي يفتقد إلى الروابط المتينة التي تربطه، وتوجهنا الدائم نحو الآخر، أما توجهنا نحو أنفسنا فهو ضعيف جدًا، ولنا أن نتذكر أن التجارة بين شعوب العالم الإسلامي لا تزيد عن 8%، حتى الغذاء لا يستطيع العالم الإسلامي إن ينتجه؛ نتيجة لافتقاده روح التكامل؛ لأن روح التكامل إذا وجدت في العالم الإسلامي فمن شأنها أن تقضى على كثير من المشكلات الموجودة فيه.

والفكر مرتبط بالواقع؛ فإذا كان الواقع مليئا بهذه المشكلات، فإنه بالتالي يؤدى إل ضعف حركة الفكر، بل يؤدى إلى شلل هذا الفكر، وإلى سيادة نظم تمنع الفكر من التعبير، وكيف يتمكن فكر إسلامي أو غير إسلامي من أن يتقدم برؤيته التي تتوافق أو لا تتوافق مع النظم السائدة والأفكار السائدة في المجتمعات الإسلامية، وصورة الواقع كهذه التي نعيشها.

ينبغي أن نعلم أن هذه التحديات- كما أقول – مرتبطة بمشكلات؛ فإذا كان لدينا تخلف وفقر في التنمية، وفقر في العلم والتكنولوجيا، وحاجة شديدة إلى سيادة المفاهيم الشورية والديمقراطية، ولدينا عدم القدرة على ضبط موقع العالم الإسلامي من العالم، ومن مشكلاته هو، ومن علاقاته الداخلية بعضها وبعض، بحيث يمكن أن ترى هذه الأعداد المتفرقة تتحول إلى قوة كبرى.

لنا أن نعلم أن العالم الإسلامي ملئ بالمشكلات التي ليس له القدرة على حلها، لدينا مشكلة الصومال، مشكلات المسلمين في كوسوفا، مشكلات المسلمين في البوسنة والهرسك، مشكلات المسلمين في الفلبين.

وللأسف ينتظر العالم الإسلامي حتى تقوم القوى الدولية بحل هذه المشكلات وعندما تحلها فإنها تراعى ما يخدم مصالحها هي، وهذا طبيعي.

وبالطبع فإن العامل الخارجي مهم في تقسيم العالم الإسلامي إلى نظم مختلفة لأسباب عديدة من فقراء وأغنياء، وبدو وحضر، وشرق وغرب، وسنة وشيعة، ونحو ذلك من التقسيمات التي توجد في العالم الإسلامي، حتى لا نستطيع أن نحل مشاكلنا.

فالفكر مرتبط بالواقع، الواقع فيه ضعف شديد، وفيه تخلف شديد، ومن ثم فإن التحديات التي يواجهها الفكر الإسلامي تتعلق بهذه المشكلات التي يواجهها العالم الإسلامي، وكلما نجحنا في حل مشكلة من المشكلات سنجد الفكر الإسلامي يتقدم خطوة مقابل هذا الحل لهذه المشكلة، ويحدد لنفسه طريقًا يتوافق مع الحلول التي تقدم لهذه المشكلات.

ونحن على أية حال لا نفقد الأمل؛ لأن اليأس ليس من طبيعة الروح الإسلامية؛ ولأن العالم الإسلامي واجه مشكلات ضخمة جدًا على امتداد تاريخه، ونحن نعلم كيف اجتاح المغول العالم الإسلامي وأسقطوا الخلافة العباسية.

نعلم كيف أقبلت أوروبا في الحروب الصليبية التي استمرت قرنين من الزمان.. نعلم كيف انتشرت الحركة الاستعمارية في نهاية القرن الثامن عشر، واستمرت إلى القرن العشرين، ومع ذلك تمكن العالم الإسلامي من التماسك ومن أن يضع قدمه على بداية الطريق، ويمكن أن تستمر النهضة، وأن يتقدم كلما ارتبط بدينه ارتباطا وثيقًا قائمًا على الفهم والوعى والاجتهاد والعقل، والإفادة من الخبرة البشرية التي تتوافر الآن، لينهض بناء على أصوله ومنطلقاته.

وهذه كلها جوانب يعنى الفكر الإسلامي بتأكيدها في عصوره، وسيكون أكثر حاجة لتأكيدها في القرن الحادي والعشرين حتى تتمكن الأمة الإسلامية من الحفاظ على وجودها، ومن استئناف المسيرة الحضارية التي نرجو لها التقدم والازدهار.

—————————————————————————————————————-

(*) – – من مواليد باسوس – القليوبية – مصر ، في 1/ 8/ 1942 .

– حاصل على دكتوراه الفلسفة الإسلامية في الولاية عند ابن عربى ، كلية دار العلوم – جامعة القاهرة.

– أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة ، وعضو لجنة الفكر الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ، وخبير بلجنة الفلسفة بمجمع اللغة العربية .

– من أهم مؤلفاته : دراسات في علم الأخلاق ، نظرات في حركة الاستشراق ، بواكير حركة الترجمة في الإسلام ، في الفلسفة الإسلامية – مقدمات وقضايا ، تحقيق كتاب مدارج السالكين لابن القيم (بالمشاركة) .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر