أبحاث

نحو وجهة إسلامية لعلم النفس

العدد 63

إتجاهات في بناء «علم نفس إسلامي»

يتبين لنا مما سبق قصور الجهود التي تسعى إلى استبعاد علم النفس، وعجز الاستجابات الدفاعية التي صدرت عن بعض علماء النفس المسلمين لتجاوز أزمة التنافر المعرفي لديهم. والأفضل من ذلك بالطبع بذل محاولات بنائية إيجابية تحد موضع هذا العلم في النسق الإسلامي العام. والحق أن هناك بضعة محاولات بذلت من هذا القبيل، صدر بعضها قبل شيوع الانتقادات الراهنة، وصدر بعضها الآخر بعده. ويمكن أن تصنف الاتجاهات في هذا الصدد إلى ما يأتي:

(1)بناء علم نفس ((ديني)) إسلامي:

يسعى أصحاب هذا الإتجاه إلى بناء علم نفس ديني Religioun Psychologyذي طبيعة إسلامية. وكان أول من دعا إليه أحمد فؤاد الأهواني (1963) ، بل نكاد نقول إن الأهواني هو أول من استخدم عبارة ((علم النفس الإسلامي)) على نحو ما يقال علم نفس بوذي او يهودي أو نصراني ((لاختلاف خصائص كل دين من هذه الأديان)).

وعلى الرغم من أن الأهواني لم يوضح طبيعة ((علم النفس الإسلامي)) الذي يدعو إليه ـ: إلا أننا نستشف مما كتب الدعوة لبناء فرع من فروع علم النفس يهتم بالدين الإسلامي كما تهتم فروعه الأخرى بمحاولات اهتمامها. ومن المعروف أن فرع علم النفس الديني ظهر وتشعب في أوروبا والولايات المتحدة منذ نشأة علم النفس الحديث، فقد شملت البحوث المبكرة لولهلم فوندنت ـ مؤسس علم النفس التجريبي الحديث ـ اهتماماً بالدين ضمن بحوثه في سيكولوجية السلالات البشرية، وكان منهجه في البحث ونظرته إلى الدين اقرب إلى أصحاب المدرسة الوضعية في علم الإجتماع (ومنهم إميل دور كايم وليفي بربل في بحوثهما في علم الإجتماع الديني )

ثم تتابعت بعد ذلك كتابات علماء النفس الأوربيين والأمريكيين حول ((الخبرة الدينية)) وكانت أشهر هذه الأعمال وليم جيمس الذي صدر عام 1902 بعنوان ((ضروب الخبرة الدينية)) (James 1902)، ثم كتاب Pratt  الذى صدر عام 1920 حول ((الشعور الديني)). كما خصص سيرل بيرت عدة فصول حول ((علم النفس الديني)) في كتابه الشهير ((كيف يعمل العقل )) الذي صدر عام1933. بل إنه لا تكاد توجد مدرسة رئيسية في علم النفس إلا وتناول  أقطابها ما يسمى ((علم النفس الديني))،ومن هؤلاء فرنسيس جالتون وأصحاب مدرسة فورزبرج، ورواد التحليل النفسي (وخاصة سيجموند فرويد وكارل يونج )، وغيرهم. ويمكن الرجوع إلى بعض المصادر المتخصصة لاستطلاع تاريخ هذا العلم واهتماماته (Prown,1963).

ومن المحاولات العربية المبكرة التي أجريت في هذا الإطار تلك التي قام بها عمر حليق (1951)، وعلى الرغم من أن تناوله للموضوع يدخل ظاهرياً في إطار علم الإجتماع: إلا أن جوهره في صميم علم النفس؛ ففي هذه الدراسة الهامة وعنوانها (الدين والسلوك الإنساني) يذكر الباحث  صراحة أنه لن يطمح في ((أن يستنبط له منهجاً جديداً، وإنما هو يستوحي لذلك ما انتهجه بعض أئمة البحث الغربيين من مناهج))، وحدد هدفه منها بأنه ((التعرف على مشكلة الدين والسلوك الإنساني في المحيطين الأوروبي والأمريكي اللذين تغزو موجاتهما الفكر العربي في هذه الأونة، مما أوجد بين بعض المثقفين العرب اتجاهاً سلبياً إزاء وظيفة الدين الروحية والاجتماعية)).

وقياساً على المصطلح الذي استخدمه الباحث في تحديد طبيعة دراسته بأنها تنتمي إلى ما يسميه علم الدين الاجتماعي (وليس علم الإجتماع الديني)؛ فإننا نقول: إنها أقرب إلى ما يمكن أن نسميه علم الدين النفسي، ويبادر بتحفظ هام هو أن هذا الفرع من المعرفة متمم لعلوم الفقه والشريعة وأصول الدين، مع ضرورة إدراك الفرق ((بين العقيدة والإيمان وفلسفة الحياة الروحية، وبين النظرة الواقعية لمجرى الشئون النيوية  والسلوك الإنساني )) ـ على حد تعبيره؛ فظروف الحياة تتغير وأساليب السلوك الإنساني تتطور، ومعذلك تبقى ((العقيدة الدينية كامنة في قرارة السلوك الإنساني تحفظ الحياة، وقيمها ارفيعة في خضم القلق والثورات والحروب، وتلهم الناس أسباب الطمأنينة والثقة بالعدالة الإلهية وبالاستقرار النفساني والاجتماعي))

ويحدد عمر حليق لهذا الفرع من المعرفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية مهمتين رئيسيتين هما:

(أ‌)    دراسة التنوع في الخبرة الدينية على نحو أقرب إلى ما قام به وليم جيمس مذ أكثر من ثمانين عاماً. ويشمل ذلك طرق التعبير عن هذه الخبرة وما يصاحبها من قوة اليمان، والمتعة الروحية، والتطور التاريخي الذي صاحب ـ  ولا يزال يصاحب ـ التعبير عن هذ الخبرة وعن هذه المتعة.

(ب‌)                       دراسة الظواهر الدينية كما تبدو بالفعل، ويتطلب ذلك التمييز بين جوهر الدين وبين ما يتراكم عليه من ألوان العرف والعادات والتقاليد التي ليست من أصوله.

وهذا الإتجاه نحو بناء ((علم دين نفسي)) قد يكون  مفيداً إلا أنه ليس كافياً؛ لأن التركيز على ((الظاهرة الدينية)) لا يتفق مع خصائص الإسلام الذي لا تضاد بين ((الدين)) و((الدنيا)). أضف إلى ذذلك أننا كعلماء نفس مسلمين مطالبون بما هو أكثر من مجرد إنشاء فرع جديد لعلم النفس. إننا ـ في الحقيقة ـ مطالبون بالنظر إلى علم النفس من منظور شمولية الإسلام، ليصبح هذا العلم الذي يشمل مختلف جوانب سلوك الإنسان الدينية والدنيوية موجهاً وجهةً إسلاميةً.

(2) بناء علم نفس ( عربي إسلامي)):

يرى محمد رشاد خليل (1987) أن بناء علم النفس الإسلامي لابد أن يقوم على تراث العرب الذي التقى مع منهج الإسلام. وعنده أن علم النفس عند العرب ((ليس تأملياً أساسه الظن والرجم بالغيب كعلم النفس اليوناني، كما أنه ليس علماً تجريبياً معملياً؛ لأن التجريب المعملي لم يكن معروفاً لديهم في هذه الفترة، وإن كانوا هم الأصل التاريخي بالإضافة إلى الإسلام في ظهور التجريب المعملي عند المسلمين، وفي العالم الحديث)) (ص26). وعنده أيضاً أن ((الفهم العربي القديم للنفس هو اصدق فهم للنفس الإنسانية، وحسب هذا الفهم أن الإسلام جاء مصدقاً له في جملته، وحسبه أننا حين نعرضه على ما يصح اليوم علمه بالنفس ـ: نجده لا يخالف منه شيئاً بل نجد فيه أشياء لم يعرفها علم النفس معرفة صحيحة إلى يومنا هذا)) (ص26).

ويضيف إلى ذلك أن العرب ((هم أول من عبر تعبيرا علمياً عن وحدة الذات الإنسانية في تاريخ العلم، وأول من اكتشف أن النفس وحدة واحدة، وإن سميت بأسماء مختلفة أو نظر إليها من جوانب مختلفة)) (ص26 ـ 27).

ومصادر المعرفة الرئيسية بالنفس عند العرب قبل الإسلام هي اللغة والشعر وعلم الفراسة والأنساب. وفيها نجد مفاهيم انس والروح والعقل والقلب والفؤاد. والنفس عندهم مخلوق، كما أن الإنسان عندهم مسئول وحر، بالإضافة إلى إيمانهم بالقدر، وتأكيدهم على دور الإرادة والميراث والعادات والتقاليد.

أما المصادر الأساسية لعلم النفس الإسلامي فهي الكتاب والسنة والفقه، وعنده أن ((الإسلام قد جرى على مصطلح العرب في النفس)) (75)، كما ركز الإسلام على أن النفس واحدة، وأن هذه النفس الواحدة تشمل الإنسان كله، وأن هذا الإنسان قد خلق من أصلين هما الروح والجسد، وأن النفس نتيجة الإتصال بينهما، ويتم التعرف عليها (أي النفس) بهذه الصورة ((سواء في نشاطها الداخلي أو سلوكها الخارجي باعتبار أنها نشاط عقلي روحي، عاطفي حسي أي في صورة سلوك يصدر عن نشاط كلي للنفس)) (ص71).

ويفصل المؤلف في تناول أحوال النفس الإنسانية، وخاصة حالاتها الثلاثة التي وردت في القرآن الكريم وهي: النفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة. كما يفصل أحوال القلب الثلاثة أيضاً (ص76) وهي: القلب السليم الذي يقابل النفس المطمئنة، والقلب المريض الذي يقابل النفس اللوامة، والقلب الميت الذي يقابل النفس الأمارة بالسوء.

ومن الإضافات الهامة التي يوردها المؤلف أن النفس اللوامة ـ أو القلب المريض ـ لها معنيان أشرنا إليهما من قبل: ((لوم المؤمن التقي، ويكون اللوم عنده لوم التقصير في الطاعة، والغفلة عند الذكر، والإقدام علي المعاصي، ولوم الفاجر الغافل، ويكون على التقصير في طلب الدنيا وانتهاز الفرص وفوات الحظوظ والأهواء (ص 73).

ولا يتسع المقام لمزيد من التفصيل في عرض هذا الإتجاه وحسبنا أن نشير إلى أن المؤلف يتناول بالإضافة إلى ما سبق، الموضوعين الآتيين بالتفصيل:

(أ ) أحوال النفس والقلب وعلاقتها بعمل الإنسان وكسبه.

(ب) أحوال النفس والقلب وعلاقتها بالفطرة والأسباب المغيبة والمشهودة.

ثم يجري مقارنة بين علم النفس الإسلامي كما عرضه، وبين  علم النفس الحديث، ويركز على وجه الخصوص على مصطلح ((اللاشعور))، ويرى استبدال مصطلح ((الوعي الباطن))  أو ((الوعي الداخلي)) به، وهو في الإسلام عملية مختلفة في طبيعتها، وأرقى وأسمى في مستواها عما جاءت به نظرية التحليل النفسي، وبه تدرك النفس ((إدراكاً باطناً أو داخلياً لا يخضع لسيطرة الإدراك الخارجي)) ويشمل الإلهام، والأحلام الصادقة، والشعور والتأثير عن بعد، والإحساس بأحداث لم تقع بعد. ويبدو أنه يشير إلى عملية نفسية  أخرى يتناولها علم النفس الحديث تحت عنوان الإدراك المتجاوز للحواس Extrasensory Perception (ESP).

وهذا الإتجاه جهد طيب ومشكور، ففيه محاولة الربط بين تراث العرب في النفس عند نزول القرآن وما جاء به الإسلام ؛ وبه يفتح باب الإجتهاد حو إسهام الجزيرة العربية في تاريخ العلم. وإذا كان بعض مؤرخي العلم مثل برنال (1982) قد تنبه إلى إسهام الحضارة الإسلامية في تطور العلم الإنساني، وإذا كان بعض مؤرخي علم النفس مثل برت (Brett,1921)قد تنبه أيضاً إلى هذا الإسهام في نمو هذا العلم، فإن تقدير الدور الذي اسهم به عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام في هذين المجالين لا يزال في حاجة إلى مزيد من الإهتمام.

(3) بناء علم نفس قرآني:

يوجد اتجاه ثالث نحو بناء علم نفس قرآني، بدأه عبد الوهاب حمودة في منتصف الخمسينات بكتيب صغيرعنوانه (القرآن وعلم النفس)، ويمكن أن يندرج تحت هذا الإتجاه الكتابات التي صدرت عن فريق من الكتاب الإسلاميين تحت عنوان ((الإنسان في القرآن الكريم))؛ إلا أن أهم ما صدرحول هذا الموضوع ويتناول العلاقة بين القرآن وعلم النفس من منظور سيكولوجي واضح المعالم دراستان، أحدهما صدرت عام 1982 لمحمد عثمان نجاتي، والثانية عام 1987 لعدنان الشريف.

والدراسة الأولى (محمد عثمان نجاتي، 1982) محاولة لتصنيف الآيات القرآنية الكريمة المتصلة بالسلوك الإنساني تحت العناوين الرئيسية لعلم النفس الحديث، وإذا استعرضنا قائمة محتويات هذا الكتاب نجدها تشمل ما ياتي:

(أ) دواع السلوك في القرآن :

ويشمل ذلك الدوافع الفسيولوجية (ومنها: دوافع حفظ الذات، ودافعي بقاء النوع وهما: الدافع الجنسي، ودافع الأمومة، والدوافع النفسية وتشمل: دوافع التملك، ودافع العدوان، ودافع التنافس، ودافع التدين) والدوافع اللاشعورية، والصراع بين الدوافع، والسيطرة عليها، وانحرافها.

(ب) الإنفعالات في القرآن: ويشمل ذلك الخوف وأنواعه، والغضب، والحب وأنواعه، (وخاصة: حب الذات، وحب الناس، والحب الجنسي، والحب الأبوي، وحب الله، وحب الرسول)، والفرح، والكره، والغيرة، والحسد، والحزن، والندم، والخجل، والخزي، والزهو أو الكبر. كما يتناول في هذا القسم التغيرات البدنية المصاحبة للانفعال، والسيطرة على الانفعالات مثل: السيطرة على الخوف من الموت، والفقر، والسيطرة على الغضب، والحب والزهو، والكبرياء، والحزن، والفرح.

(جـ) الإدراك الحسي في القرآن:

ويشمل ذلك تناول منزلة الحواس في القرآن، ثم عرض للحواس الجلدية، والإدراك الحسي الخارج عن نطاق الحواس، والخداع البصري، وتأثير الدوافع والقيم في الإنتباه والإدراك الحسي.

(د) التعلم والعمليات المعرفية في القرآن: وتشمل مصادر العلم وتعلم اللغة، واكتساب إرادة الإختيار، واتخاذ القرار، وطرق التعلم وخاصةً: التقليد والمحاولة والخطأ والتجربة العملية، ومبادئ التعلم في القرآن وخاصةً: توافر الدوافع، واستخدام عنصر التكرار، ودور عمليات الإنتباه، والمشاركة الفعالة، وتوزيع التعلم، والتدرج في تعديل السلوك. كما يتناول العلم اللدني (الإلهام والرؤيا والأحلام والرؤى) والتذكر والنسيان والتفكير.

(هـ) الشخصية في القرآن: ويشمل ذلك تكوين الإنسان، والصراع النفسي، والتوازن في الشخصية، وخصائص الشخصية السوية، وأنماط الشخصية (المؤمنون والكافرون والمنافون)، والحيل الفعلية، والفروق الفردية، والنمو قبل الولادة، وبعدها.

(و) العلاج النفسي في القرآن:

ويتناول أسلوب القرآن في علاج النفوس من خلال الإيمان بعقيدة التوحيد والتقوى، ودور العبادات في العلاج النفسي.

أما الدراسة الثانية (عدنان الشريف، 1987) فتكاد تتفق مع الدراسة السابقة في الهدف، إلا أنها أقل شمولاً، بالإضافة إلى أنها تتضمن الكثير من ((وجهات النظر)) الشخصية في القضايا السيكولوجية التي يشتقها المؤلف من القرآن الكريم.

ولعل أكثر الأمثلة وضوحاً استخدام المؤلف لمصطلح ((النفس)) بمعنى الدم استناداً إلى الحديث الشريف ((ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه))… كل شئ له نفس سائلة فمات في الإناء ينجسه، واستند إلى المعاجم اللغوية في تفسير معنى النفس  السائلة بالدم؛ ويعقب على ذلك بقوله ((فالدم هو المخلوق الوحيد في الجسم الذي نستطيع أن نقول بأنه مصدر جميع الظواهر العضوية والنفسية التي ننسبها إلى النفس، وكما بدأ علم الكيمياء العضوية وعلم معالجة الأمراض النفسية بالمواد الكيميائية يثبت ذلك)) (ص38 ـ 39 ).

ومع استخدام المؤلف لهذا المعنى ((المادي)) للنفس فإنه يذكر في موضع آخر (ص40) أن النفس ليست الجسم وإنما الجسم هو وعاء النفس، بحكم تعريفه لها بأنها الدم، ويضيف إلى ذلك بضعة تمييزات بين النفس (بمعناها عنده) والجسم  والروح كما يلي:

((الدماغ المفكر العاقل هو آلة العقل، وهو الذي يجب أن يكون السيد المسيطر على النفس (أو الدم) ومسيرها، وإلا أصبح تبعاً لها. أما الروح… (فهي) أمر من المولى، ومخلوق له كيان روحي فقط، وسر من أسرار المولى، فهي علة الحياة في كل خلق، وإذا سيطر العقل على النفس وفقاً لتعاليم الخالق ارتاح الجسد والروح، ووصل الإنسان إلى السعادة الحقيقية أي الطمأنينة والسكينة)) (ص40).

ويغلب على هذه الدراسة الجانب الفسيولوجي في تفسير السلوك الإنساني، وقد يرجع ذلك إلى التخصص للمؤلف.

وتعقيباً على ذلك الإتجاه في بناء علم نفس قرآني هو أنه اتجاه مفيد، ويمكن أن يستعان ببعض عناصره في بناء الوجهة الإسلامية لعلم النفس التي ننشدها؛ ومع ذلك فإن ما توصل إليه بعض الباحثين في هذا الإتجاه هو اجتهاد بشري محض، ويصدق عليه الوصف بالخطأ والصواب، وفي جميع الحالات لابد لنا  أن نقول دائماً: الله أعلم.

(4) بناء علم نفس إسلامي ((صوفي)):

حاول بعض المفكرين الإسلاميين بناء علم نفس إسلامي في إطار المصطلحات والرموز الصوفية وحدها. ومن أكثر المؤيدين لهذا الاتجاه حسن الشرقاوي (1976)، ومصطفى محمود (1976، 1988)، وعامر النجار (1980)؛ وقد دعا المؤلف الأخير خاصةً إلى بناء ما يسميه ((علم التصوف النفسي)).

وهذا الإتجاه على ارتباط بالإتجاه الأول فقد أشار مؤرخو علم النفس الديني (Brown,1973)إلى أن الصوفيين في مختلف العصور،ومن مختتلف الديانات هم أسلاف سيكولوجية الدين بالمعنى الحديث، والتصوف في جوهره نزعةُ (روحية) تسعى إلى الوصول إلى الله، وفي سبيل ذلك اهتم الصوفية المسلمين بتحليل النفس البشرية تحليلاً عميقاً، وشرحوا آداب المريد في علاقته بالشيخ، وما يجب أن يتحلى به من الخصال السامية (كالصدق والإخلاص والقناعة والزهد)، ورسموا لهذا المريد وسائل النجاة (مثل التوبة، والندم، والتقوى، والورع، والتأمل، والخلوة، والإعتكاف)، وتحدثوا عن أحوال النفس ومقاماتها (مثل العشق والشوق، والخوف والرجاء، والغيبة والحضور، والفناء والبقاء).

وفي محاولات علم النفس الغربي الحديث للإنفتاح على الثقافات الأخرى توجه إلى ما يسمى ((علم النفس الشرقي)) Oriental Psychology. وأوضح الأمثلة على ذلك الطبعة الثالثة والأخيرة من كتاب هول ولنزدي عن ((نظريات الشخصية)) (Hall & Lindzey.1978)التي خصصا فيها لأول مرة فصلاً مستقلاً عن هذا الموضوع. وفيه عرضا ((ديانات الشرق))، وما تتضمنه من ((سيكولوجيات)) بينها درجات من الإختلاف والتشابه، ولعل أهم  أوجه التشابه الذي ينبه إليها هذان المؤلفان الإعتماد على ((الطريقة الفينومينولوجية)) أي وصف طبيعة الخبرات المباشرة للفرد؛ ولتحقيق ذلك فإن بعضها يتمركز على أساليب ((التأمل)) meditation. والتي تسمح للفرد ببساطة ان يلاحظ تيار وعيه الخاص به، وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه ((السيكولوجيات)) الشرقية تركز على ((أخطاء)) البشر وتضع مثلاً أعلى يمكن أن يحرزه المرء الذى يسعى إليه، ويثابر في هذا السعي بحيث يؤدي به ذلك إلى ((تحويلات)) جوهرية في الشخصية. وبالطبع فإن الطريق الرئيسي للوصول إلى هذا الهدف هو مرةً أخرى ((التأمل)).

ويذكر هول ولندزي أن هذه المفاهيم الأساسية تعتمد عليها البوذية في صورها المختلفة (في جنوب شرق آسيا والصين واليابان والتبت)، وكذلك الهندوكية التي ارست دعائم اليوجا، ويصنف المؤلفان الصوفية ضمن هذه الإتجاهات.

ولعل هذا الربط بين الصوفية والنزعات الشرقية يعود بنا إلى البدايات الأولى لنشأة التصوف الإسلامي في القرن الثالث الهجري، وفي ذلك يذكر دي بور (1938) أن أساليب ذلك ترجع إلى أن طائفة من المسلمين في ذلك الوقت لم يجدوا في علم الكلام ـ الذي كان قد شاع حينئذ ـ ما تطمئن به نفوسهم، ووجدوا في الزهد والإنصراف عن الدنيا سبيلاً أفضل للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. وبالطبع فإن هذه النزعة كانت موجودة منذ عهد النصرانية، وإلى مؤثرات ((فارسية ـ هندية))، وكان ذلك ـ عند دى بور أيضاً ـ أشبه بما حدث في الديانات الأخرى مثل رهبان النصارى، والصوامع، والأديرة في الشام ومصر، والنساك في الهند.

ويبدو لنا أنه  عند طرح السؤال الآتي: هل الدين أمر يختص بالفرد دون المجتمع، وهل السلوك الديني سلوك سلبي؟ فإن إجابات الصوفية تكون بالإيجاب. فالدين عندهم بالفعل مقصور على علاقة الفرد بربه دون علاقته بمجتمعه، وبالتالي فإن وظيفة الدين عندهم وظيفة سلبية. ويرى عمر حليق (1951) أن هذا هو ما استدعى ((نقمة بعض أئمة المسلمين قديماً وحديثاً على الصوفية)). ناهيك أن الإتجاه الصوفي في الإسلام كنزعة ((روحية)) متطرفة قد لا يتفق مع خاصية ((التوازن)) فيه، والتي تشمل جوانبه كلها سواء في الإعتقاد والتصور، أو التعبد والتنسك، أو الأخلاق والآداب، أو التشريع والنظام. وفي القرآن الكريم، وفي الأحاديث النبوية، وتراث السلف الصالح ــ: أدلةُ عديدةُ على أن وظيفة الدين في الإسلام لا تقتصر على علاقة المرء بربه، وفي التعاليم الإسلامية توازن بين مطالب الدنيا والآخرة، وتأكيد للوظيفة الإجتماعية للدين إلى جانب وظيفته الروحية.

ومع ذلك يبقى لتراث ((الصوفية)) قيمته وأهميته في بناء الوجهة الإسلامية لعلم النفس؛ فقد وصفه شاه (Shah, 1971)بأنه نوع من ((علم النفس التطبيقي))، كما يؤكد عامر النجار(1980) أن تاريخ الصوفية الخلص الصادقين في تصوفهم ــ بعد استبعاد الأدعياء منهم ـ يدلنا على أنهم كانوا على درجة عالية من التكيف النفسي والعقلي والإجتماعي، وتميزوا بسلوكهم السوي، بل كانوا أقدر على فهم النفس الإنسانية، وكانوا أطباء نفوس ممتازيين، وأثبتت طرقهم في العلاج النفسي فعاليتها مع مريديهم.

(5) بناء علم نفس إسلامي ((شيعي)):

إذا كنا قد انتقدنا محاولة بناء علم نفس إسلامي على أساس صوفي لأنها تجتزئ من المنظومة الإسلامية الشاملة بعض عناصرها ((الروحية))، وتركز اهتمامها عليها، وتغفل بقية العناصر التي تتألف منها هذه المنظومة، فإن من أخطر المسالك التي يمكن أن تتوجه إليها هذه المحاولات هو ما يمكن أن نسميه ((التوجيه المذهبي الإسلامي)).

ومن المحاولات التي بذلت في الإتجاه الأخير تلك التي قام بها محمود البستاني (1988)، وفيها يحاول بناء علم نفس إسلامي على أساس ((شيعي))، وقد يتصدى له من يحاول بناء هذا العلم على أساس ((سني)). ويمكن أن يمتد ذلك الخلاف بالطبع إلى مختلف المذاهب والفرق الإسلامية، وبهذا تنعكس على مرآة علم النفس جميع مظاهر الخلاف، التي عانى منها المسلمون طوال تاريخهم، ولايزالون يعانون.

وفى المحاولة التي قام بها محمود البستاني ــ والتي نشير إليها في هذه الفقرة ــ نجده يقيم الأساس النظري ((للأصل النفسي)) وطبيعة الثنائية (الشهوة والعقل) على قول الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه ((إن الله ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته ــ: فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله ــ: فهو شر من البهائم)) (ص14). وفي ضوء هذا القول يفسر الآية الكريمة {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} بأن إلهام الفجور والتقوى يعني الإدراك لمبادئ الشهوة والعقل (ص15). كما يفسر الحديث الشريف الذي يقرر أن المداومة على الخير يتشعب منها كراهية الشر، بأنه يتضمن إمكانية النفور من الجانب الشهوي للذة في حالة التدريب على تأجيل ما هو ملح وعاجل (ص19).

ويقع الباحث في خطأ ((الإسقاط)) الذي أشرنا إليه في القسم الثاني من هذا البحث حين يجعل ((الهو)) عند فرويد مقابلاً ــ ولو مع بعض الإختلافات ــ لما اصطلح عليه الإمام علي بن أبي طالب بالشهوة، و((الأنا)) ــ ولو في جانب منه ــ مع ما اصطلح عليه الإمام أيضاً بالفعل. ولم يجد ــ فيما قرأناه للباحث ــ ما يقابل به بين ألفاظ الإمام ومفهوم ((الأنا الأعلى)) (ص 20).

ويقيم الباحث نظرياته في الوراثة والبيئة، والنمو الإنساني، والأمراض النفسية، وسمات الشخصية على أقوال الإمامين علي بن أبي طالب وجعفر الصادق. وبالطبع لا يتسع المقام لتناول هذه الموضوعات بالتفصيل، ويمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى النص الأصلي للمؤلف (محمود البستاني، 1988). وحسبنا أن نشير إلى أن أي محاولة لبناء وجهة إسلامية لعلم النفس يجب أن تستفيد من جميع جهود المسلمين واجتهاداتهم، مع تجاوز الحدود ((المذهبية))، وذلك بانفتاح ((المذاهب)) بعضها على بعض كما أوصت بذلك المؤتمرات الإسلامية حول الفقه الإسلامي والتي انعقدت بكثرة خلال السنوات الأخيرة، مع مراعاة تصنيف أدلة الأحكام وترتيبها حسب ما يقرره علم أصول الفقه؛ فالأدلة الأصلية هي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع والقياس، والأدلة الفرعية أو التبعية هي الإستحسان والإستصلاح وسد الذرائع والعرف وقول الصحابي وشرع من قبلنا والإستصحاب (محمد عبد القادر أبو فارس وآخرون، 1985).

(6) الدراسات النفسية في تراث العلماء المسلمين:

يوجد اتجاه ثالث بين الكتاب المسلمين في علم النفس يتمثل في إعادة قراءة التراث العربي والإسلامي في فنون التأليف والترجمة المختلفة، وخاصة ما يرتبط منها بموضوعات علم النفس الحديث. ونحن نستخدم كلمة ((التراث)) بالمعنى الذي اشار إليه عبد السلام هارون       (1978:5) أي: ((كل ما خلفه مؤلف من إنتاج فكري بعد حياته))؛ فالتراث هنا هو انتاج العلماء المسلمين على مر العصور.

وأقدم نماذج هذا الإتجاه ما فعله المتخصصون في الفلسفة الإسلامية حين حققت مخطوطات فلاسفة المسلمين مع حركة إحياء التراث في العصر الحديث، ومن ذلك مؤلفات الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد. وكان ابن سينا أكثر هؤلاء اهتماماً بالمسائل التي تعد ((نفسية)) بالمعنى الحديث، ولذلك نجد أحد رواد ((الجيل الثاني)) في علم النفس في مصر وهو محمد عثمان نجاتي (1948) يهتم بمسألة الإدراك الحسي عند ابن سينا من منظور سيكولوجي معاصر، كما يهتم أحمد فؤاد الأهواني (1952) ببعض المسائل النفسية عند ابن سينا أيضاً وخاصة فكرة ((الشعور)) وموضوع النفس والبدن، والمسألة الأخيرة خاصةً لها تاريخ طويل في الفلسفة، واهتم بها الفارابي قبل ابن سينا.

أما رسالة حي ابن يقظان لابن طفيل فقد اهتم بها عبد الحميد الهاشمي (19975)، وأعاد قراءتها في إطار سيكولوجية النمو والتعلم، ولا زلنا في حاجة إلى إعادة قراءة آراء أهل المدينة الفاضلة ((للفارابي)) في حدود علم النفس الإجتماعي، و((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) لابن قيم الجوزية في إطار علم النفس المرضي والكلينيكي، و((المقابسات)) لأبي حيان التوحيدي في ضوء علم النفس التجريبي.

إلا أننا يجب أن ننبه إلى أن هذا التراث الفلسفي يجب أن نلتزم إزاءه بإطار نقدي حين نعيد قراءته سيكولوجياً، وخاصةً إذا علمنا أن كثيرين من هؤلاء الفلاسفة قد تأثروا بأرسطو وغيره من فلاسفة اليونان، ولذلك قد تجد فيما يكتبون أثراً لما يمكن أن يسمى ((علم نفس يوناني)) يتصل بنظرة هؤلاء الفلاسفة إلى الإنسان والكون، والتى قد لا تمت بصلة إلى التصور الإسلامي.

وقد يصدق ما قلناه هنا على ((الإتجاه الصوفي)) أيضاً ــ الذي قد يعد من فئة هذا الإتجاه التراثي ــ وخاصة إذا علمنا أنه توجد ـ كما أشرنا ــ مؤثرات خارجية عديدة أثرت في التصوف الإسلامي مثل الرهبنة المسيحية، والبرهمية الهندية، والمانوية الفارسية، وكلها تختلف عن خصائص التصور الإسلامي للكون والإنسان.

وقد يكون حجة الإسلام الإمام الغزالي استثناء من هذا كله، فقد كان الرجل من أعظم الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين والمعلمين والصوفية؛ إلا إنه التزم في جميع الأحوال بإطار نقدي جعله في تاريخ الفكر الإسلامي مؤسس أول نسق إسلامي متكامل لعلم النفس؛ ولذلك فإن الدراستين اللتين قام بأولاهما حمدي الحسيني (1950) وثانيتهما عبد الكريم العثمان (1963) عن الفكر السيكولوجي عند الغزالي لابد أن تحتلا مكانةً خاصةً في أي عهد جديد يبذل لإعادة توجيه علم النفس وجهة إسلامية.

وفي دراسة قام بها الزبير بشير طه وزميله (1987) يؤكدان فيها على الدور الذي لعبه المنهج التجريبي في المباحثات النفسية في التراث العربي والإسلامي، والذي استخدمه علماء المسلمين في العلاج النفسي كما استخدموه في غير ذلك من المباحث، وكان أشهر من استخدمه في العلاج النفسي ابن سينا والغزالي والرازي، وفي مجال دراسة السلوك الإجتماعي ابن خلدون.

وتوجد محاولات أخرى تنتمي إلى هذا الإتجاه التراثي ذات صبغة مختلفة، وتتمثل في إعادة قراءة التراث العربي في فنون الأدب والتربية وغيرهما، وانتقاء ما يتصل منه بموضوعات علم النفس ومجالاته، والربط بين ما يتضمنه من مصطلحات ومفاهيم ومبادئ من ناحية وما يهتم به علم النفس الحديث من ناحية أخرى.

ومن بين هذه المحاولات كان أكثرها تبكيراً ما قام به محمد خلف الله (1940) في قراءته السيكولوجية لكتاب الأذكياء لابن الجوزي، والتي حاول فيها أن يوائم بين تصور الذكاء عنده ومفهوم الذكاء عند كل من بينيه وسبيرمان؛ إلا أن أهم ما يقدمه تناوله الناقد لمنهج ابن الجوزي، وفي ذلك يقول:

((أورد المؤلف (يقصد ابن الجوزي) في أبواب كثيرة أخباراً عن الأذكياء، من مختلف طبقات الإنسان والحيوان، يسردها بطريق الرواية والرجل.. كان عالماً ومحدثاً وواعظاً، وقد عاش في القرن السادس الهجري، فليسس بدعاً إذن أن ينهج نهج سابقيه من أصحاب الأغاني والأمالي وعيون الأخبار وغيرهم ممن اعتمدوا على الرواية في تأليفهم، بل إن تلك كانت سنة التأليف الإسلامي في مختلف فروعه. وهذه الأخبار.. تقوم مقام الإستقراء والملاحظة في الدراسات الحديثة، والغالب على الظن أن المؤلف لم يلتزم الضبط والدقة في هذه الروايات. ولم يكن ذلك شأنه وحده، بل شأن الكثيرين من علماء المسلمين ممن ألفوا في غير المسائل الشرعية المحضة، ولهذا ترانا مضطرين أن نأخذ ما يجيئنا به عن الأذكياء السابقين في شئ من التحفظ… (و) أن ننتقد ما يجيئنا به، من الوجهة التاريخية، وأن نرجع ــ في تحقيق الوقائع التي يسردها ــ إلى مصادر التاريخ )) (ص15).

هذا النص الذي أوردناه يحدد لنا مجموعة من الضوابط الهامة التي يجب مراعاتها عند النظر في تراث علماء المسلمين عامة.

(أ) المنهج القصصي  anecdotalالذي استخدمه هؤلاء العلماء منهج أمبريقي في جوهره،    فإذا تطور هذا المنهج في العلم الحديث لتصبح الملاحظة فيه أكثر دقة وضبطاً (كما هو الحال مثلاً في المنهج التجريبي) ؛ فعلينا بالطبع أن تزداد ثقتنا في المنهج الأكثر توثيقاً.

(ب) التحقق من صحة الرويات التي استخدمت في المنهج القصصي ووضعها على محك مصادر التاريخ.

(جـ) عدم القطع بصحة هذه الروايات لا يحول دون الإستدلال منها على ما لدى مؤلفي التراث العربي والإسلامي ــ أو في أذهان معاصريهم ــ من تصورات وأفكار معينة حول الظواهر النفسية موضع الإهتمام.

(د) أن تظل هذه التصورات والأفكار في أحسن حالاتها ((تخمينات جيدة)) أو ((فروضاً)) تنتظر الإختبار بالطرق الأكثر دقة، كما أشرنا من قبل، على ألا يقلل ذلك من شأن عبقرية أصحابها من علماء ومفكري المسلمين.

وقد يكون أكثر عناصر تراث العلماء المسلمين صلة بعلم النفس ما كتب في موضوعات التربية والتعلم والتعليم، والذي عولجت فيه هذه القضايا في ضوء تعاليم الإسلام من ناحية، وظروف عصرهم من ناحية أخرى. ولعل أهم ما أنجز في هذا الصدد الرسالة المفصّلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين للقابسي، ورسالة ((آداب المعلمين)) لابن سحنون واللتين درسهما تربوياً وسيكولوجياً أحمد فؤاد الأهواني 1968) ورسالة ((تعليم المتعلم طريق التعلم)) للزرنوجي، والتي درسها سيد أحمد عثمان (1977) في إطار سيكولوجية التعلم.

وبالطبع فإن تراث علماء المسلمين المتصل بعلم النفس لم يقرأ بعد إلا أقل قليله، وقد أعد المعهد العالمي للفكر الإسلامي قائمةً تتضمن أكثر من مائة مرجع ((تراثي)) في هذا الميدان تحتاج من علماء النفس المسلمين المعاصرين هذا الجهد الطيب المثابر.

وبالطبع فإن الجهد الذي يبذله أصحاب هذا الإتجاه جهد حميد لا شك، ففيه الغيرة على الفكر العربي والإسلامي والحماسة له، كما أن فيه التفتح على اهتمامات علم النفس الحديث، إلا أننا نرى أن هذه الحركة تحتاج إلى جهد كبير لتنظيم نتائجها الجزئية فيإطار كلي، وإلا تراكمت المصطلحات والمفاهيم والمبادئ والأفكار تراكماً يصل بنا إلى حد العجز عن التنظيم والفهم، هذا الإطار الكلي هو ما نسميه ((الوجهة الإسلامية لعلم النفس الحديث))

مفهوم الوجهة في العلم

يستخدم كاتب هذه السطور مصطلح الوجهة في العلم ترجمة لمقابله في اللغة الإنجليزية وهو لفظ Paradigm، وهو مصطلح تعود أصوله إلى مؤرخ العلم وفيلسوفه المعاصر توماس كون (Kuhn,1970)،الذي اقترحه لأول مرة عام 1962، وقبل هذا المفهوم كان الصورة الشائعة للعلم أنه من ناحية ((نشاط تراكمي)) حيث التقدم فيه عبارة عن نمو متزايد للحقائق والإكتشافات، وتحسن مطرد في مناهج البحث وطرقه وأساليبه، وتعديل منتظم في القوانين والنظريات، وأنه من ناحية أخرى نشاط ((عقلاني)) تحكمه خطوات منتظمة وإجراءات صارمة. إلا أن كون تحدى هذا الرأي السائد بمكونيه على النحو الآتي:

(1) التمييز بين العلم الهادئ والعلم الثائر:

لقد اكتشف ((كون)) من دراسته لتاريخ العلم ــ وخاصةً العلم الطبيعي ــ أن التقدم العلمي ليس تراكمياً أو خطياً ولكنه تناوبى alternative. وأوضح صور التناوب فيه مرور العلم في دورات من حالتي الهدوء والثورة. وهكذا ظهر تمييزه الأساسي الأول بين نوعين من العلم يسميهما العلم الهادئ والعلم الثائر.

والعلم الهادي ــ في رأي ((كون)) ــ يتألف من مجموعة من التقاليد المتماسكة للنشاط اليومي للبحث. وهذه الأنشطة، سواء كانت نظرية أو منهجية أو تطبيقية، تنتمي إلى وجهة معينة تشتمل على الإلتزامات العقلية والإتجاهات ((الأيدولوجية)) لدى جماعة من العلماء الذين يتسمون بالتشابه المعرفي. وتزود الوجهة أفراد هذه الجماعات بفلسفة واضحة للعلم وافتراضات صريحة أو مضمرة حول ظواهره موضع الإهتمام وبمشكلات نموذجية تصلح للبحث ونطاق محدد للحلول المقبولة ومناهج صالحة للوصول إليها ومدى واضح للتطبيقات المفيدة. وبالطبع لا تتوحد الوجهة العلمية مع نظرية بذاتها أو قانون بعينه أو منهج محدد، وإنما هي أكثر عمومية وشمولاً واتساعاً من ذلك كله.إنها تستوعب المدى الكلي لعملية العلم.

ومع مسار العلم الهادئ وتقدمه تنشأ ظاهرتان هامتان: أولاهما نمو وتطور تراث من المعرفة، وثانيتهما تراكم عدد محدد من المشكلات غير المحلولة أو التي قد لا تقبل الحل. ويسمي((كون)) الظاهرة الثانية المفارقات anomaliesوهي حالات الخروج على القياس. وكانت هذه الحالات توصف في الماضي بأنها ((الشذوذ ــ أو الأشياء ــ الذي لا يخرق القاعدة))، إلا أن ((كون)) يرى أنها ليست كذلك، فزيادتها ونموها وتراكمها يمكن أن ((يخرق)) القاعدة بالفعل. ومن أهم هذه المفارقات نوعان:

(أ) فشل بعض النظريات الجيدة التي تجيزها الوجهة العلمية في التنبؤ ببعض التوقعات الإمبريقية.

(ب) فشل البحوث في أن تحقق شرط القابلية للإستعادة أو التكرار، وبالتالي التحقق من صحة النتائج.

وحين يتراكم عدد كاف من المفارقات أو حين تنشأ مفارقة تتسم بالأهمية، ولفت الأنظار إليها؛ فإن العلم يدخل عندئذ في طور الأزمة crisisوتتغير حينئذ طبيعته من علم هادئ إلى علم ثائر. فإذا ظهرت وجه علمية بديلة يمكنها التغلب على هذه المفارقات والنقائص وحالات الشذوذ تحدث الثورة العلمية.

والثورة العلمية في جوهرها هي نقطة فصل في تاريخ العلم تحوله إلى صورة لا تراكمية non – cumulative . فعندما يرفض معظم الممارسين للعلم الوجهة السائدة ويقبلون ــ إما كلياً أو جزئياُ ــ مكونات الوجهة الجديدة للعلم.والتغير ((الثوري)) في العلم عند تحوله إلى هذه الوجهة الجديدة يعني حدوث تغيرات جوهرية في فلسفة العلم ومفاهيم العلماء حول مشكلاته العامة، والحلول التي تعد مقبولة فيه، والصيغ النظرية والمناهج البحثية الأكثر ملاءمةً لهذه الحلول. وماذا يكون هذا كله إن لم يكن حالة ثورية حقيقية كاملة تشبه إلى حد كبير الثورة السياسية ذات الصبغة الأيدولوجية. ويرى ((كون)) أن مصطلح ((الثورة)) ذاته كما يستخدم في علم السياسة يعود بأصله إلى العلم؛ لقد ظهر لأول مرة في القرن السادس عشر في عنوان كتاب كوبرنيكس الذي كان يشير إلى ((ثورات)) الأجسام السماوية، ولعله كان بذلك يقدم النموذج الأساسي لجميع الثورات العقلية والسياسية للإنسان.

ويتضمن تمييز ((كون)) بين العلم الهادئ والعلم الثائر تمييزاً آخر بين العلم الناضج والعلم النامي. ومن أمثلة النوع الأول في العلوم الطبيعية والكيميائية الفروع المتقدمة فيها مثل فيزياء الكواكب، والديناميكا الحرارية، والمغناطيسية الكهربائية، وعلم البصريات. ومن أمثلة النوع الثاني في نفس الفئة من العلوم بيولوجيا الجزئيات والفيزياء المجهرية.

والعلم النامي هو علم بحثي نشط، وبالطبع فإن ما يوصف اليوم بأنه علم ناضج مر من قبل بمرحلة العلم النامي التي تجري فيها تجارب وبحوث كثيرة للإجابة على المسائل ((الجوهرية)) فيه. ومع تطوره تقل هذه البحوث لأن الكثير من هذه الأسئلة تكون قد تمت الإجابة عليها. فإذا ظل العلم منشغلاً انشغالا إيجابياً بمشكلاته ((الجوهرية))، ولا تتوافر فيه حلول واضحة لها يبقى دينامياً ومتغيراً وغير مستقر. ناهيك عن أن التغيرات في مجالاته قد تنعكس بآثارها على مجالاته الأخرى، ولذلك يظهر في صورة جزئية مفتتة.

وبالطبع فإن التعامل مع علم بحثي دينامي مفتوح ــ: يختلف عن التعامل مع نسق ناضج متقدم، فالعلم النامي فيه كثرة من الأسئلة لا تتوافر لها إجابات. بل إن كثيراً من هذه الأسئلة لا يكون قد طرح فيه بطريقة واضحة؛ ولهذا يختلف أصحابه حول طرق صياغة هذه الأسئلة، وحول الأدلة والشواهد التي تجيب عليها. ولهذا يشعر الكثيرون بالإحباط إذا تعاملوا مع هذا النوع على أنها ((أنساق مكتملة)) من الحقائق ((المؤكدة)) والنظريات ((المتفق عليها)). ومصدر الإحباط أن العلوم النامية لا يتوافر لها ((إطار نظري)) واحد ينظم الأسئلة والحقائق فيها كما هو الحال في العلوم المتقدمة؛ ولهذا تنشأ في هذه العلوم (أي العلوم النامية) خلافات حول النظرية والمنهج والتطبيق. ناهيك عن أن من النادر في هذه الفئة من العلوم أن يفيد الباحث من محض تطبيق قواعد البحث العلمي كما تقدمها له الوفرة الوفيرة من المراجع والمقررات الدراسية حول ما يسمى ((مناهج البحث)). وينشأ عن ذلك في أحيان كثيرة صعوبة التمييز بين ((الجوهري)) و((الثانوي)) من موضوعات البحث. كما تنشأ أيضاً خلافات جديدة حول((بؤر الإهتمام))؛ فالبعض قد يركز على النظرية، والبعض الآخر يهتم بالمنهج، والبعض الثالث يؤكد التطبيق. وهكذا يبدو العلم النامي للملاحظة من الخارج مشوشاً مضطرباً، بل ومجموعة من الأخلاط والنقائص.

ويساعد على زيادة هذا الغموض ما يلجأ إليه أصحاب العلوم النامية من عرض جميع القيود qualificationsالتي يفرضونها على نتائج بحوثهم وتفسيراتهم لها، وخاصةً عندما تتعارض المعطيات والحقائق، أو عند تقديم معان وتفسيرات جديدة لنتائج قديمة. ويعتمد ذلك على الحقائق والتفسيرات الأخرى التي يقدرها الباحث ولا يستطيع تجاهلها. وهذا اللون من الإستيفاء قد  يكون في كثير من الأحيان نوعاً من ((إبراء الذمة))، وقد لا يتجاوز حدود الرغبة في عدم الإساءة إلى الأسلاف والأقران، بل قد يكون نوعاً من ((المساومة)) أو((الحلول الوسط)). وفي جميع الحالات يزداد الأمر غموضاً نتيجة الإفراط في التعقيد over- complication.

إلا أن الإفراط في التبسيط  over- simplification لا يحل المشكلة أيضاً؛ فلن نصل إلى فهم أفضل لبحوث العلم النامي إذا تجاهلنا التعارض بين المعطيات والتفسيرات، أو بعدم اللجوء إلى ((التقييد)) في فهمها؛ لأن ذلك سيقدم لنا في النهاية ((هيكلاً)) للعلم قد لا يتفق مع العلم الحقيقي الحي. ولا يحل هذه المشكلة إلا السعي لبناء وجهة محددة تستوعب ((كليات)) العلم أولاً، ثم تسعى بعد ذلك لحل تناقضات وصراعات جزئياته.

(2) التمييز بين القواعد العقلانية والقواعد الاصطلاحية في العلم:

العلم بالطبع نشاط إنساني، وهو بهذا الوصف فيه نقص الإنسان وعجزه وضعفه وخطؤه وقصوره. وفي هذا الصدد لا بد من التمييز بين العلم كما يجب أن يكون، والعلم كما هو بالفعل. ومعظم ((الفوضى)) التي تلاحظ في العلوم النامية إنما تنشأ في جوهرها عن عدم الإتفاق بين صورة العلم كما تقدمها كتب ومقررات ((مناهج البحث))، أي ما يجب أن يكون من ناحية، وبين حقيقته كما يحدث بالفعل داخل المعامل أو في الميدان. ومصدر هذا الخلط قد ينشأ من أن الصورة المكتملة للعلم كما يقدمها مثلاً التقرير النهائي عن البحث، وهي صورة أقرب إلى ما يجب أن يكون، لا تتطابق تماماً مع سلسلة السلوك الفعلي للباحث أو الباحثين كما حدثت بالفعل. وصورة العلم ــ كما يجب أن تكون ــ أن تصفه بأنه عمل عقلاني يتقدم بصاحبه بطريقة ثابتة وبخطوات منتظمة إلى الأمام (وهل نسينا بعد خطوات جون ديوي الخمس؟!) ؛ فالأسئلة الجديدة، والمشكلات المثيرة للاهتمام هي تلك التي يفترض فيها فقط أن يشتقها من فجوات المعرفة أو من الحقائق غير المفسرة. وطرق جمع المعلومات يفترض فيها أنها تم فقط لاختبار استنباطات من النظريات العلمية (المنهج الفرضي الإستنباطي). والنظريات يتم استبعادها أو تعديلها إذا كانت الأدلة والشواهد المتاحة لا تدعم استنباطاتنا منها، أما النظرية التي يكون حظها من هذه الأدلة أكبر تصبح الأفضل والأكثر قبولاً، ولو بشكل مؤقت.

والواقع أن هذه الصورة النمطية للعلم هي أقرب إلى الزيف منها إلى الحقيقة(Kessel,1969) ؛ فمعظم العلماء الممارسين يعتبرونها وصفاً غير صحيح لسلولكهم الفعلي أثناء البحث، وتتوافر لديها ثروة هائلة من المعلومات حول هذا الموضوع، وفرتها في السنوات الأخيرة بحوث سيكولوجية الإبداع العلمي، فالفحص الدقيق للأنشطة النظرية والعملية للعلماء قدم لنا صورة للعلم أكثر تعقيداً وأكثر إثارة وحيوية من ذلك.

وهذه الصورة النمطية الزائفة للعلم هي المسئولة إلى حد كبير عن سوء فهمه لدى العامة، وبعض الخاصة على حد سواء. إنها لا تجيب على أسئلة هامة تدور عادة في الأذهان مثل: لايهتم العلم ببعض الممسائل الجوهرية التي تبدو واضحة الأهمية، بينما تمتلئ صفحات الكتب والمجلات العلمية ببحوث حول موضوعات فرعية أو ثانوية ثم سرعان ما تختفي؟ ولماذا لا يتولد عن كثير من التجارب والبحوث التي تجري في مجال علمي معين إلا قليل من التقدم في بناء النظرية؟ ولماذا تختفي نظريات علمية ــ على الرغم من سيطرتها وشيوعها وذيوعها لحقبة من الوقت ــ وتحل محلها نظريات جديدة؟ هذه الأسئلة وغيرها لا تجيب عليها أبداً تلك الصورة النمطية الشائعة للعلم؛ بل إننا لو تشبثنا بها يزداد عجزنا عن فهم العلم. إلا أن هذه المعضلة يمكن حلها إذا تنبهنا ــ كما تنبه كون ــ إلى أن في العلم أكثر من مجموعة واحدة من القواعد يعمل بها، وأشهرها تمييزه الشهير بين القواعد العقلانيrational ، والقواعد الاتفاقية conventional. والتي نعرضها بإيجاز فيما يلي:

(أ) القواعد العقلانية للعلم: كلنا يعلم أن العلميين لديهم إلتزام بمجموعة من القواعد تحدد لهم أن ما يقومون به ينتمي إلى ((العلم)) وليس إلى غيره. وتعرف هذه القواعد باسم ((الطريقة العلمية)) أو ((المنهج العلمي)) Scientific method، والتي تؤلف ما يسميه  ـ كون ـ القواعد العقلانية للعلم. وتتشابه هذه القواعد إلى حد كبير من ميدان علمي إلى آخر، بل يشترك فيها العلماء من مختلف مجالات العلم، اي العلوم الطبيعية والبيولوجية والإنسانية والإجتماعية، صحيح أن بين ((قواعد المنهج)) وفي هذه المجالات كثير من الإختلاف، إلا أن بينها أيضاً كثير من التشابه.

والطريقة العلمية في جوهرها هي لون من الإتجاه أو القيمة، وهذا الإتجاه العلمي أو القيمة العلمية تتطلب من الباحث الإقتناع والإلتزام بمجموعة من القضايا هي (آمال صادق، فؤاد أبو حطب، 1987 ):

(1) الملاحظة هي جوهر العلم.

(2) تتمثل أهمية الملاحظة في العلم في أنها تنتج أهم عناصره، وهي مادته الخام، أي المعطيات أو المعلومات أو البيانات.

(3) لابد للمعطيات أو البيانات التي يجمعها الباحث العلمي بالملاحظة أن تتسم بالموضوعية.

(4) الموضوعية في جوهرها هي اتفاق الملاحظين في تسجيلاتهم لبياناتهم، وتقديراتهم، وأحكامها عليها اتفاقاً مستقلاً.

(5) تتطلب الموضوعية بهذا المعنى أن يقوم بعمليات التسجيل والتقدير والحكم (وهي المكونات الجوهرية للملاحظة العلمية ) أكثر من ملاحظ واحد، على أن يكونوا مستقلين بعضهم عن بعض، وهذا يتضمن قابلية البحث العلمي للإستعادة والتكرار.

(6) المعطيات والبيانات والمعلومات التي يجمعها الباحثون بالملاحظة العلمية توفر للباحث نتائج تعد وحدها الشواهد والأدلة تقرر صحة الفرض أو النظرية. وعلى الباحث أن يتخلى عن فرضه العلمي أو نظريته إذا لم تتوافر أدلة وشواهد كافية على صحتها.

وبالطبع فإن العلميين يعرفون جيداً هذه القواعد، ولا يشك أحد في أنها توجههم في عملهم اليومي، إلا أنها ليست المرشد الوحيد الذي يستخدمونه في نشاطهم العلمي، فهي تتسم بأنها مقننة Standardized ،Normalized، أيتحدد لنا ((كيف يجب أن يعمل العلم))، إلا أن السؤال الأهم هنا ــ كما أشرنا آنفاً ــ هو كيف يعمل العلم بالفعل، وهذا ما تحدده فئة أخرى من القواعد يسميها ـ كون ـ القواعد الإتفاقية للعلم. وعدم التنبه إلى هذه ((المجموعة الأخرى )) من القواعد يجعل وضع من يحاول فهم سلوك الباحث العلمي أشبه بمن يحاول فهم سلوك أعضاء مجلس الشعب بالإحالة إلى الدستور واللائحة الداخلية للمجلس وحدها.

ولعل ما حدث في مجلس الشعب المصري منذ بضعة أشهر ــ: يؤكد أن ما يصدر من سلوك عن بعض أعضاء الحكومة وبعض أعضاء المجلس لا يفسر إلا في ضوء ظروف معينة تحدد ما يحدث بالفعل، وليس ما يجب أن يحدث في ضوء بنود الدستور واللائحة. وهذا لا يعني بالطبع أن النصوص خاطئة، وإنما يعني أننا يجب دائماً ألا نعتمد عليها وحدها في تفسير السلوك الإنساني. ويصدق هذا على السلوك الإنساني في مجال العلم، فالقواعد العقلانية التي تصف ما يجب أن يكون لابد أن يصاحبها دائماً وصف لسلوك حقيقي  لعلماء حقيقيين.

ولنضرب بعض الأمثلة: إذا كانت القواعد العقلانية تفيد في إرشادنا إلى أفضل الطرق التي نختبر بها فروضنا، ونجمع بها معطياتنا وبياناتنا ومعلوماتنا، إلا أنها لا تعيننا على اختيار موضوع بحثنا ومتغيرات دراستنا. ومعنى ذلك أنه إذا كانت القواعد العقلانية تفيد في توجيهنا إلى كيف نلاحظ بطريقة جيدة ونحلل نتائج ملاحظاتنا بطريقة دقيقة ــ: فإنها لا توجهنا كثيراً إلى ماذا نلاحظ. وحينئذ لابد للباحث أن يلجأ ألى مصادر أخرى يغترف منها الأفكار. ولعل المصدر الشائع لدى معظم الباحثين العلميين ما يسميه(Lachman & Butterfield, 1969: 18)  ((الحكمة الجماعية))collective wisdom  والتي يوفرها في الميدان ــ إلى حد ما ــ ملاحظات وتجارب الباحثين السابقين. ولعلنا بهذا ننبه إلى الوضع المتردي الذي وصل إليه حال ما يسمى ((البحوث والدراسات السابقة)) الذي أصبح جزءاً لا تخطئه العين في أي بحث معاصر، ومع ذلك لا نكاد نلمح له وظيفة تذكر في معظم هذه البحوث، بل نكاد نقول إنه أصبح في بعض الأحيان نوعاً من الديكور الذي لا غنى عنه، وفي أحيان أكثر نوعاً من الحشو الذي لا غناء فيه. بينما الواجب أن يكون تعبيراً عن هذه ((الحكمة الجماعية)) في ميدان البحث. ومن المصادر الأخرى لأفكار الباحثين ما يسمى ((الإفتراضات العملية)) Working assumption  والتي قد تكون صريحة أو مضمرة في التراث العلمي السابق وتتسم بقدرتها على اجتياز محك الزمن لبعض الوقت وتأكيد صلاحيتها، وهذه الإفتراضات قد لا تتعرض مطلقاً للإختبار المباشر. بل تتدعم بطرق غير مباشرة مثل قدرتها على إقناع عدد كبير من علماء الميدان بصحتها، أو خصوبتها في إنتاج بحوث بالفعل. ومعنى ذلك أن صحة هذه الإفتراضات لا تأتي من توافر الأدلة والشواهد ((الإمبيريقية)) على صحتها، وإنما من خلال ((الصحة الاتفاقية)) بين جمهرة من علماء الميدان.

وهناك جانب آخر من جوانب البحث العلمي تلعب فيه الصحة الإتفاقية دورها أكثرمن ((الصحة الإجرائية))، وهو تفسير المعطيات والنتائج الإمبيريقية. إن الطرق العقلانية للعلم تفرض بالطبع بعض القيود على الطريقة التي يفسر بها الباحث ملاحظاته ونتائجه، ومن ذلك مثلاً الا يتجاهل مطالب المنطق وينقاد وراء الخيال في تجاوز المعطيات. ومع ذلك فإن هذه المطالب المنطقية لا تحدد وحدها تفسيرات الباحث لنتائجه. ولعل هذا يذكرنا بما قاله ذات يوم الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل في تعليقه على نتائج التعلم الحيواني، وخلاصتها أن الحيوانات ــ التي تناولها بالدراسة أصحاب نظرية التعلم من الأمريكيين ــ تعلمت عن طريق النشاط والمحاولة والخطا (مما يتفق مع الفلسفة البرجماتية الأمريكية)، أما تلك التي درسها العلماء الألمان فقد كانت تنتظر لحظة ((الإستبصار)) (مما يتفق مع الفلسفة المثالية الألمانية) (فؤاد أبو حطب، 1983). ويدخل في هذا الباب إفتراضات أخرى مثل تشابه السلوك الإنساني والسلوك الحيواني، الذي ظل ــ ولا يزال مقبولاً قبولاً واسعاً لدى علماء النفس التجريبيين من أنصار السلوكية لفترة طويلة ومثله افتراض التشابه بين السلوك الإنساني والحاسوب (الكمبيوتر) الذي يشيعه في وقتنا الحاضر علماء النفس التجريبيون من أنصار الإتجاه المعرفي. والسؤال الآن: هل هذه الافتراضات اختبرت إمبريقياً على نحو مباشر؟ الإجابة بالنفي على وجه القطع. ثم يأتي السؤال الآخر والأهم وهو: هل يحدث التحول من مجموعة قواعد اتفاقية إلى مجموعة أخرى نتيجة ما يتوافر من أدلة إمبريقية تثبت خطأ أحدهما وصواب الآخر؟ الإجابة مرة أخرى بالنفي.

إننا لو عدنا للمثال الأخير لا يستطيع أحد أن يشير إلى نتيجة تجريبية واحدة تثبت خطأ افتراض التشابه بين الإنسان والحيوان، وتدعم صحة افتراض التشابه بين الإنسان والحاسوب. ولو حدث ذلك ما كان يمكن لمتخصص واحد في علم النفس يحترم نفسه ويقدر علمه ويعرف بضاعته أن يظل على قبول الإفتراض الأول. وحقيقة الأمر أن عدداً من علماء النفس الذين لهم باع طويل في علمهم، لا يمكن الشك مطلقاً في حكمتهم وشرفهم وعقلهم (مثل ب. ف. سكنر) لا يزالون على اقتناعهم القديم بأن السلوك الحيواني والإنساني متشابهان، وأن دراسة السلوك الحيواني البسيط تفيد في مزيد من الفهم الإنساني المركب. صحيح أن عدد هؤلاء يتناقص بشكل واضح في السنوات الأخيرة، ويتزايد بنفس النسبة أصحاب الإفتراض الآخرن إلا أن مجرد وجودهم يؤكد أن الإختلاف حول ((القواعد الإتفاقية)) في العلم هو القاعدة وليس الإستثناء. وما حدث في الحالتين أن جمهرة من العلماء على درجة عالية من المعرفة والإتقان لمجال تخصصهم صاغوا هذه القواعد على أساس أحكامهم وحكمتهم.

وخلاصة القول أن القواعد الإتفاقية هي تلك التي يتفق على ملاءمتها جمهرة من العلماء. وعلى الرغم من أن هذه القواعد توجد في كل العلوم الطبيعية والبيولوجية والإجتماعية والإنسانية إلا أنها لا تتشابه من علم لآخر، كما هو الحال إلى حد كبير في القواعد العقلانية. بل إن العلماء داخل المجال العلمي الواحد قد يختلفون فيما بينهم حول هذه القواعد الإتفاقية. وحين يشترك مجموعة من العلماء في مجموعة من هذه القواعد، ويستخدمونها في اشتقاق أفكارهم وصياغة أسئلتهم البحثية وبناء تجاربهم وملاحظاتهم وجمع معلوماتهم ومعطياتهم للإجابة على هذه الأسئلة، وتفسير ما يصلون إليه من نتائج فإنهم يؤلفون في هذه الحالة ما يسميه ((كون)) الوجهة العلمية (البارادايم العلمي) والتي تكاد أن تكون أيديولوجية غير صريحة للعلم.

المعنى الأساسي للوجهة العلمية:

أشرنا فيما سبق إلى أننا نستخدم مصطلح الوجهة العلمية مقابلاً للفظ الاصطلاحي في اللغة الإنجليزية وهوScientific Paradigm . وهذا المصطلح لم يحظ باتفاق بعد على ما يقابله تماماُ في اللغة العربية، فقد ترجم على أنه ((أصولية منهجية)) (السيد ياسين)، و((صيغة بحثية)) (أحمد عبد الحليم)، و(نموذج مثالي)) (دينكسون)، و((نظرة إلى العلم)) (أغروس وستانسيو)، بالإضافة إلى استخدامه في نفس المعنى الشائع لبعض المصطلحات المألوفة مثل: مذهب ومدرسة ونسق أو منظومة ونظرية ونموذج وغيرها.

ولا يتسع المقام لمناقشة هذه المصطلحات بالتفصيل، وحسبنا أن نقول إن بعضها يقترب من معناها من المصطلح الأصلي، وبعضها الآخر يبتعد عنه. وقد آثرنا استخدام المصطلح ((وجهة))؛ لأنه في رأينا  أقرب إلى المعنى الأساسي للفظ، وما نقصده به في هذا البحث. وقد جاءت الكلمة في القرآن الكريم في الآية رقم 148 من سورة البقرة، يقول الله تعالى:{ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات}.

ولفظ وجهة وزنها فعلة من المواجهة، والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القبلة، والمقصود بها خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأن اليهود لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهته إما بحق، وإما بغير حق.

وقد نزلت الآية الكريمة في سياق تحويل القبلة من بيت المقدس (قبلة اليهود على وجه الخصوص) إلى الكعبة المشرفة التي تدل على انتساب المسلمين إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولم يكن ذلك محض تحول مكاني وإنما كان في جوهره تحديداً للخصوصية الإسلامية. وفي ذلك يقول سيد قطب عند تعليقه على هذه الآية الكريمة في ظلال القرآن:

((إن الإختصاص والتميز ضروريان للجماعة المسلمة: الإختصاص والتميز في التصور والإعتقاد، والإختصاص والتميز في القبلة والعبادة. وهذه كتلك لابد من التميز فيها والإختصاص)).

وبهذا المعنى فإن لفظ ((وجهة)) هو الأنسب للإستخدام في هذا البحث الذي نسعى فيه إلى تحديد معالم خصوصية إسلامية لعلم النفس وتمييز لها، وهذا في جوهره معنى الوجهة بالمعنى القرآني المشار إليه.

والوجهة باعتبارها تدل على الخصوصية والتميز في العلم تشمل في جوهرها ما أشرنا إليه من قبل على أنه القواعد الإتفاقية. ولعلنا نشير هنا مرة أخرى إلى أن التقدم العلمي لا يكون تراكمياً إلا خلال فترات العلم الهادئ، أما أثناء الثورات العلمية فإن القواعد الإتفاقية التي تؤلف وجهة العلم السائدة تتعرض لتغيير جوهري، ويترتب على ذلك استبعاد أو تجاهل أو تعديل أو إعادة تفسير معظم ــ إن لم يكن جميع ــ مكونات هذه الوجهة العلمية.

ما الذي يؤدي بالعلماء إلى أن يستبدلوا وجهة بأخرى؟

السبب الأول والحاسم في ذلك أن الكثرة الكثيرة من هؤلاء العلماء يجدون الوجهة الجديدة أكثر إقناعاً لهم وأكثر فائدة. وتظهر فائدتها على أسئلة ما يدور في ذهن الباحث مثل: ماهي الأسئلة العلمية الهامة التي لم يجب عنها بعد؟ ثم ما هي الأسئلة مثل: ما هي الأسئلة العلمية الهامة التي  لم يجب عنها بعد؟ ثم ما هي الأسئلة الأكثر إلحاحاً في العصر الذي نعيش فيه؟ ماهي الطرق الأكثر ملائمة في الإجابة على هذه الأسئلة؟ ما هي التجارب التي يجب إجراؤها؟ ماذا يجب أن يلاحظ الباحث ويقيس؟ ما هي الاستنتاجات التي تسوغها النتائج التي يحصل عليها الباحث؟

هذه الأسئلة وسواها يجب أن يجيب عليها الباحث، ليس بالرجوع إلى ما يجب أن يفعله في ضوء القواعد العقلانية للعلم؛ وإنما في ضوء ((معتقداته)) العلمية. وهذا تعبير صحيح إذا تأملنا ما يحدث بالفعل عندما يستخدم القواعد الاتفاقية للعلم الذي ينتسب إليه والتي تسود في وقت ما.

أما السبب الثاني لتغير وجهات العلم فهو أثر التعلم الذي يتلقاه الباحثون العلميون أثناء إعدادهم لمهامهم، ويظهر ذلك خاصة في مرحلة الدراسات العليا التي يتدرج الباحث المبتدئ أثنائها على ((سر الصنعة))، وحينئذ يتم ((تطبيعه)) و((تنشئته)) على مكونات وجهة معينة. فإذا كان العلم في مرحلة الهدوء كانت المهمة أيسر حيث تسود مكونات الوجهة المسيطرة فيه، وتصبح مألوفة لدى الأغلبية الساحقة من العلماء، كما أن قيمة هذه المفاهيم والأفكار التي تتضمنها مكونات هذه الوجهة قليلاً ما تتعرض للمناقشة أو التحليل والنقد. ويعين الباحث المبتدئ ــ أثناء فترة الإعداد ــ على اكتساب  وجهة العلم الذي ينتسب إليه، ثم يبقى عليها لديه بعد ذلك ما يلاحظ من ((نماذج)) سلوكية موجودة لعلماء أو باحثين حقيقيين مدربين على المهارات التي تتطلبها هذه الوجهة. بالإضافة إلى أن ضغوط جماعة ((الوجهة العلمية)) تقوم بدورها. ومن حقائق ((سيكولوجية العلم)) ــ ومنها سيكولوجية علم النفس ــ أن معايير أعضاء هذه الجماعة ـ باعتبارها جماعة مرجعية ــ تحدد إلى حد كبير السلوك العلمي الفردي لأي عضو فيها، على الرغم مما يبدو لنا من ((الطبيعة العامة)) للعلم(1). ويظهر أثر الجماعة المرجعية في مجموعة ((ممارسات علمية)) تتطلب من بعض أعضاء هذه الجماعة الحكم على أداء بعضهم الأخر.

ويظهر ذلك خاصة في تقرير مدى صلاحية البحوث للنشر، وعند اتخاذ قرارات الترقية والتقدم الأكاديمي للباحثين، وحين يطلب الباحث دعماً مالياً أو معنوياً لمشروعاته البحثية، وحينما يتطلب الأمر إجازة الباحث المبتدئ (مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه)، أو تقرير كفاءته للقيام بعمل معين؛ ويؤدي ذلك كله بالباحث إلى ((الإلتزام)) بمكونات الوجهة السائدة، إن لم يكن ((الإنصياع)) لها(2).

وهذا هو أحد جوانب ((مقاومة)) الجديد في العلم. ومن الطريف أن العلماء حين يسايرون تقاليد الوجهة العلمية التي ينتسبون إليها والتي سبق لهم أن تدربوا عليها أثناء الطلب لا يشعرون بمشاعر القهر والإجبار التي يوحي بها الوصف السابق للسلوك العلمي؛ إنهم على العكس ((يلتزمون))عن طيب خاطر، و((ينصاعون)) عن إرادة، ويحصلون بذلك على الدعم ((المتبادل)). إنهم أشبه بأبناء ((عائلة)) واحدة، فيقدم بعضهم البراهين والأدلة على صحة أفكار البعض الآخر، ويفهم بعضهم بعضاً بطريقة تختلف عن فهمم للآخرين. صحيح أن بينهم قد تنشأ الخلافات والصراعات، إلا أن الوجهة العلمية الواحدة التي ينتمون إليها تزودهم بالمحكات الملائمة التي تساعدهم بالحكم على الأعمال العلمية بالنجاح أو الفشل، بالقوة أو الضعف:                                                                                           ولهذه الأسباب جميعاً يصعب على الباحثين الذين بنوا ((أمجادهم)) العلمية على أساس وجهة العلم التي درسوها هم انفسهم وعلموها لغيرهم، وتناقلوها فيما بينهم بالممارسة والبحث أن يغيروا وجهتهم العلمية، ولهذا نجد هؤلاء كثيراً ما ((يقاتلون)) دفاعاً عن قلاعهم وحصونهم، وحفاظاً على مراكزهم ومكانتهم، ولهذا يصعب كثيراً على الثورة العلمية أن تشق طريقها وسط هذا كله. فكيف يقبل هؤلاء راضين تحولات في وجهة العلم تتطلب منهم تغيير إدراكهم لحقيقة العلم، وطبيعته على وجه العموم، ورؤيتهم للميدان الذي يعملون فيه على وجه الخصوص. وبالطبع فإن طوفان الثورة العلمية بعد نجاحه قد يجبرهم على ذلك، وفي كثير من الحيان يكون عليهم أن يستجيبوا، ولا نجاة وقتئذ للمكابرين حتى ولو لجئوا إلى (جبل)) يعصمهم من الماء؛ وحينئذ تضطرهم ضرورات البقاء واستمرار إلى التخلي عن مفاهيم ألفوها، وطرق تفكير تعودوا عليها، بل تدفعهم إلى ((محو تعلم)) و((إعادة تعلم)) جديد في كل مكون من مكونات الوجهة العلمية والني تشمل على وجه الخصوص ما يأتي:

(أ) الأصول:  فلكل وجهة سوابقها المعرفية التي تنتسب إليها.

(ب) فلسفة العلم:فلكل وجهة قائمتها من الإفتراضات، والبديهيات، والمسلمات التي تعد من نوع الأفكار السابقة على النظرية أو النسق.

(جـ) محاور الإرتكاز: فلكل وجهة تركيزها على موضوعات معينة، تجعلها منطلقاتها لتناول الميدان ككل.

(د) النمذجة المفضلة:فلكل وجهة تشبيهاتها التي تعد نماذجها في تناول ظواهر البحث، وبعضها قد يتم اختياره من خارج الميدان (الحيوان أو الحاسوب مثلاً).

(هـ) مناهج البحث وطرقه وإجراءاته:فلكل وجهة خصوصيتها وتميزها في تفضيل المنهجية التي تناسبها.                                                                                           وقبل ذلك كله وبعده فإن الوجهة العلمية ظاهرة اجتماعية في جوهرها. فمنشأ الوجهة لابد أن يكون عقول مجموعة من العلماء الذين يؤلفون جماعة اجتماعية تتواصل معظم اوقت، ويكون أعضاؤها واعين بما يفعله زملاؤهم، ويشير بعضهم إلى جهود بعضهم الآخر وهم بذلك يؤسسون ((وجهة علمية)). بهذا نشأت وتكونت وتطورت الوجهات العلمية المختلفة في علم النفس، وبهذا أيضاً يمكن أن تنشأ وتتكون وتنمو الوجهة الإسلامية لعلم النفس.                 ونعرض فيما بقي من هذا البحث لمفهوم الوجهة في علم النفس الحديث، ثم ننتقل إلى تحديد بعض معالم الوجهة الإسلامية لعلم النفس.

مفهوم الوجهة في علم النفس الحديث

يرى بعض فلاسفة العلم الحديث ومؤرخوه أن مفهوم الوجهة العلمية يلعب أدواراً مختلفة في العلوم المختلفة، وفي المراحل المختلفة في العلم الواحد. وإذا تأملنا تاريخ علم النفس الحديث فإننا نجد بدايته في القرن التاسع عشر كانت ((بلا وجهة علمية)) nonparadigmatic ، وما أطلق عليه ((مدارس)) علم النفس لوصف بعض اتجاهات الباحثين في هذه الفترة كالبنيوية والوظيفية، ومدرسة المحتوى، ومدرسة الفعل وغيرها لم تكن ((وجهات)) علمية بالمعنى الذي حددناه. ومع مطلع القرن العشرين اتسم علم النفس بأنه ((متعدد الوجهات العلمية)) mulliparadigmatic، مع ظهور التحليل النفسي والسلوكية والجشطالت. ثم سرعان ما راقت السلوكية ــ خاصة ــ لعدد أكبر من العلماء والباحثين في الميدان حتى تحولت خلال عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين لتصبح ((الوجهة العلمية)) السائدة أو المسيطرة، وخاصة بعد انهيار كل من مدرستي الجشطالت والتحليل النفسي في أوروبا، ولجوء معظم أقطابها إلى الولايات المتحدة.صحيح أن التحليل النفسي ظل ينازع السلوكية زعامتها للعلم طوال هذه الفترة  إلا أنها ظلت حتى مطلع الخمسينات الوجهة الأثيرة لدى أصحاب الإتجاهات السيكولوجية التجريبية على وجه الخصوص، وحولت العلم نسبياً إلى حالة العلم الهادئ.        لقد سيطرت السلوكية على علم النفس لأكثر من ثلاثين عاماً، وحينما تعرضت للإنهيار في خمسينات القرن العشرين لم ترثها وجهة علمية واحدة، وسادت علم النفس حالة العلم الثائر. وهكذا عاد علم النفس مرة أخرى إلى حالة ((تعدد الوجهات))، لعل أكثرها قوة ــ كما بينا من قبل ــ علم النفس المعرفي، وعلم النفس الإنساني، ولا ندري بعد ما يحمله المستقبل لهذا العلم، كما لا ندري متى سيعود إلى حالة الهدوء والإستقرار. وبالطبع فإن دروس تاريخ العلم عامة تذكرنا دائماً بأن ذلك لا يتم إلا بسيطرة ((وجهة علمية معينة)). ولعل علماء النفس المسلمين يستطيعون إحراز بعض النجاح في بناء وجهة إسلامية لعلم النفس في هذا الوقت بالذات، وهم إن فعلوا وأمكن لهذه الوجهة أن تحقق وجوداً واستقراراً ونجاحاً في أقطارهم الإسلامية أولاً، فإن ذلك قد يمتد بأثره إلى النطاق العالمي ((تثويراً)) للعلم، وإخراجاً له من مآزقه التاريخية التي لا يزال أسيراً لها.

 ولا يتسع المقام لعرض تفاصيل نشأة الوجهات العلمية المختلفة في علم النفس، وحسبنا أن نعرض فيما يلي بإيجاز لتجربة ((صعود)) وجهة السلوكية ثم هبوطها وانهيارها(3)، وعلى القارئ المهتم بتفاصيل ذلك الرجوع إلى دراسة أخرى قام بها الباحث حول هذا الموضوع   (فؤاد أبو حطب، 1973).

(1) أصول وجهة السلوكية:

تمتد السلوكية الكلاسيكية والجديدة على حد سواء بأصولها إلى التقليد الإمبريقي في الغرب الأنجلوسكسوني، والذي يمتد إلى توماس هوبز وجون لوك وجورج بركلي وديفيد هارتلي، ثم جيمس مل وجون ستيوارت مل. وقد أخذت السلوكية عن هذا التقليد التركيز على التجريب المعملي المضبوط، والسعي للوصول للقوانين العامة للسلوكnomethetic  أكثر من الإهتمام بالسلوك الذي يتميز به كل شخص على حدة ideographic. والتي لعبت دوراً هاماً في بناء النماذج النظرية التي نشأت في أحضان هذه الوجهة.

والأصل الثاني لوجهة السلوكية هو التفسير الميكانيكي للسلوك الإنساني والذي أرسى دعائمه كل من الفيلسوف الفرنسي ديكارت والعالم البريطاني نيوتن في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم اتخذ صورة أكثر حداثة لدى العلماء الروس الذين اهتموا بالأفعال المنعكسة في القرن التاسع عشر، وخاصة سيشينوف SechenovوبختريفBekhtrev.وأخيراً استقر في مطلع القرن العشرين في صورته ((الشرطية)) عند بافلوف.

أما الأصل الثالث لهذه الوجهة فهو الفلسفة الوضعية Positivismالتي ولدت على يد أوجيست كونت في القرن الثامن عشر، والتي ترى أن العلم يجب أن يقوم على أساس من ((الحقائق الموضوعية))، ومع تراكم هذه الحقائق يمكن للعلم أن يتوصل إلى تعميمات أو قوانين ((يقينية)) تصدق على جميع حقائق العلم ((دون استثناء))، وقد تطورت الأفكار الأساسية للوضعية الكلاسيكية إلى صورة أكثر حداثة ــ في القرن العشرين ــ هي الوضعية المنطقية logical positivism .                                                                                        والأصل الرابع والأخير للوجهة السلوكية لعلم النفس هو نظرية التطور في صورتهما الكلاسيكية كما صاغها تشارلز داروين في منتصف القرن التاسع عشر قي كتابه (أصل الأنواع). ويمتد إلى هذا المصدر الإفتراضان الأساسيان لدى السلوكيين بأن معظم ــ إن لم يكن جميع ــ الأنواع الحيوانية تتعلم بنفس الطريقة، وأن سلوك الأنواع الحيوانية العليا يمكن اختزاله إلى سلوك الأنواع الدنيا. ويضاف إلى ذلك رواد الحركة التجريبية حول سلوك الحيوان، والتي ظهرت ابتداء من عام 1890 بقيادة جون لابوك Lubbockولويد مورجان Morganفي بريطانيا وجاك لوب Loebوماكس فرورن Verworn  في ألمانيا، وامتدت آثارها في مطلع القرن العشرين إلى جيننجز Jennings، ويركيزYerkes ، وثورنديكThorndik    وكلاين  Klineوسمول Smallوبافلوف الذي سبق الإشارة إليه.

(2) فلسفة العلم في الوجهة السلوكية:

لقد اندمجت الأصول السابقة جميعاً عند العالم الأمريكي جون برودس واطسون  J.B. Watson(1878ــ 1958) وتفاعلت عنده على نحو دفعه في عام 1913 إلى نشر مقاله الشهير الذي اصطلح على تسميته ((بالمانيفستو السلوكي)) (Watson) ، ولا يتسع المقام لعرض تفاصيل نشأة السلوكية وتطورها، وقد أحلنا القارئ من قبل إلى مرجع سابق لهذا الغرض (فؤاد أبو حطب، 1972)، إلا أننا نحب الإشارة هنا إلى أن الصورة التقليدية التي عرضت بها السلوكية أحياناً بدت كما لو أنها ولدت ((كاملة النمو)) مع تجاهل الأصول التي تمتد إليها والجو العلمي الذي نشأت فيه. ويرى  (Stagner, 1988)أن هذا الخطأ أشبه بالخطأ التاريخي القديم الذي افترض أن ((أثينا)) كفلسفة وحضارة ولدت أيضاً ((كاملة النمو)) مع تجاهل أصولها في حضارات العالم القديم (وخاصة الحضارة المصرية القديمة) التي سبقتها. ونضيف إليه خطأً تاريخياً ثالثاً شائعاً ــ وخاصةً عند مؤرخي العلم من الغربيين ــ هو افتراض أن ((عصر النهضة الأوربية) ولد أيضاً ((مكتمل النمو)) مع تجاهل صريح لإسهام الحضارة الإسلامية في تكوينه، وقد ترتب على هذه الأخطاء نتائج خطيرة، لعل أشدها ضرراً رسم صورة زائفة لتاريخ الفكر الإنساني.

ومع الوعي بطبيعة الأصول التي استندت إليها الوجهة السلوكية في علم النفس نعرض فيما يلي المعلمين الأساسيين لفلسفة العلم التي اصطنعها، والتي ظلت مسيطرة على هذا العلم حتى مطلع النصف الثاني من القرن العشرين.

(أ‌)    الموضوعية:يرى واطسون أن السلوكية تسعى إلى تحقيق بداية جديدة ونظيفة في علم النفس بعيداً عن النظريات السائدة والمفاهيم والمصطلحات التقليدية، هذه البداية تستبعد ((الموضوعات الذاتية))، ولا تبقي إلا على الملاحظات التي يمكن أن يقوم بها فاحصون مستقلون لنفس الموضوع، أو الحدث ــ كما يحدث في الفيزياء والكيمياء ــ أما الملاحظات التي لا يستطيع أن يقوم بها أكثر من فاحص في وقت واحد مستقلاً بعضهم عن بعض، أو التي يوجد فيها الفاحص والمفحوص ــ كالاستبطان ــ فليست من نوع الملاحظات العلمية التي تقبلها السلوكية.                                                                                                وقد ميز واطسون بين الوقائع ((العامة)) والحالات ((الخاصة)) وسار على نهجه السلوكيون جميعاً من بعده. والوقائع ((العامة)) هي الوقائع الخارجية التي يمكن ملاحظتها، أي التي تخضع للملاحظات المستقلة من الفاحص، وهي عندهم موضوع علم النفس. أما الحالات الشعورية أو الخاصة فلا يستطيع ملاحظتها إلا الشخص الذي ((يمتلكها))، وبالتالي يعوزها اليقين الذي يجب أن يتوفر في البيانات العلمية. فما أسميه إحساساتي، أو صوري الذهنية، أو حالاتي الوجدانية قد لايصل إليه أي شخص آخر فيما عداي، أما ما يستطيع علماء النفس ــ كفاحصين أو مجربين ــ أن يلاحظوه فهو استجاباتي الصريحة لمثيرات مختلفة، هذه الإستجابات قد تكون  حركات أو كلاماً (مسموعاً أو غير مسموع) أو تغيرات حشوية داخلية، أوهي باختصار سلوك behavior.

وحينما تحولت السلوكية الجديدة بقيادة ــ كلارك هل ــ إلى الوضعية المنطقية، والبرجماتية الجديدة، والإجرائية كانت تسعى ــ كما فعلت السلوكية الكلاسيكية ــ إلى تأكيد الموضوعية، وإلى هذا التمييز الأساسي عندهم بين ما هو ((عام)) وما هو ((خاص))، وإن طرحت السلوكية الجديدة جانباً تلك النغمة ((الميتافيزيقية)) التي كانت سائدة لدى أسلافها، وبذلت محاولات متعددة للبحث عن أساس عقلي منطقي للموضوعية المنهجية التي تؤكد مرة أخرى الإتفاق بين الملاحظين والفاحصين من ناحية، واليقين من ناحية أخرى.

(ب‌)  الفيزيائية:يمكن القول أن الإعتراضات العنيفة التي وجهها واطسون إلى منهج الإستبطان انتهت به إلى موقف ميتافيزيقي محدد يتمثل في ((الإعتقاد)) بوجود ما هو واقعي محسوس و ((إنكار)) وجود غير المحسوس وهذا لا يعني أن مفهوم السلوك عند واطسون يقتصر على ما يحدث خارج السطح الحاسي للكائن العضوي، وإنما يعترف بما يحدث داخله من حركات حشوية، وإفرازات غددية، وتقلصات عضلية، ودفعات عصبية فقط، ويدخل ذلك كله تحت مايسميه السلوك.

ويرفض واطسون أي نوع من الثنائية بين العقل والبدن. فباستبعاد الظواهر((العقلية)) من نظريته وتركيزه على السلوك الملاحظ أو القابل للملاحظة يتبنى موقف الأحادية الطبيعية أو المادية الذي عرضناه  فيما سبق، وهو الموقف الذي يري أن العلوم الطبيعية تكون شجرة جذورها الفيزياء والكيمياء وغيرهما من العلوم الفيزيائية وفروعها ثم البيولوجيا والفسيولوجيا وعلم النفس. وتتناول الفيزياء والكيمياء المادية في أبسط صورها، أما العلوم الحيوية والسيكولوجية فتدرس ((الطبيعة)) في أكثر صورها تعقداً. وإذا تصورنا العلوم جميعاً في متصل ؛ فإن هذه النظرية ترى أن علم النفس يمكن أن يختزل إلى علم الفسيولوجيا، وأن علم الفسيولوجيا يمكن اختزاله إلى فيزياء وكيمياء المركبات العضوية.

وهكذا كان محك ((العلمية)) الذي يستخدمه واطسون للحكم على مفاهيم علم النفس ومصطلحاته مشتقاً من تدريبه المبكر في ميدان العلوم الفيزيائية والبيولوجية، كما كان عليه حالها في أواخر القرن التاسع عشر.أما العلماء الذين كانوا يتحدثون عن الشعور والحالات الشعورية؛ فقد كانوا يسعون إلى اكتشاف ما هو غير مادي، ويقع خارج نطاق عالم الظواهر الطبيعية. وقد افترض واطسون أن هذا العلم الطبيعي نظام ميكانيكي يتكون من الأشياء المادية، وتحكمه قوانين السببية البسيطة حكماً صارماً. وفي مثل هذا النظام لا يمكن أن يقبل المفاهيم ((الميتافيزيقية)) كالإرادة والغرض، والتي تتحدى منطق السببية والحتمية او مفاهيم الإحساسات والصور الذهنية والحالات الوجدانية التي لا تعد اسباباً على الإطلاق كما أننا لا نعرف أسبابها في رأيه.         

وقد حدث حتى  نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات (فترة سيادة السلوكية الكلاسيكية) أن تكاثرت البحوث  التجريبية ((الموضوعية)) دون أن تتوفر قدر كاف من المبادئ (أو القوانين) التنبؤية، في الوقت الذي حقق علم الفيزياء  أعظم إنجازاته أي صيغه النظرية. وهكذا تحول جهد السلوكيين الجدد إلى السعي لبناء ((نظرية)) دقيقة بدلاً من الإهتمام الجزئي ــ كما فعل رواد السلوكية ــ بالتحقق مما يسميه (Koch,1964)  ((المفاهيم الوصفية)) من الدرجة الأولى))، التي يستخدمها الباحث في تحديد بياناته ومعطياته التجريبية، وبالطبع لم تتخل السلوكية الجديدة عن هذا الهدف ــ بل ربما زادته تأكيداً ــ من خلال تحقيق الموضوعية علي مستوى ((النظرية)) عن طريق التأكد من أن جميع العناصر اللغوية التي يتكون منها النظام النظري ترتكز على علاقات صريحة بمتغيرات مستقلة سابقة، ومتغيرات تابعة لاحقة، وكذلك عن طريق الإهتمام بضرورة وجود تماثل كامل بين الخصائص المنطقية للصيغ النظرية في علم النفس وتلك التي تتوفر للنموذج الذي تعود على النفس على محاكاته منذ نشأته المبكرة أي علم الفيزياء.

ولم يلجأ السلوكيون الجدد إلى فيزياء الثلاثينات مباشرة يستلهمون منها الوحي، بل كانت مصادرهم هي فلسفة العلم، ومنطق البحث في العلوم الطبيعية، وبخاصة في الوضعية المطقية، والبرجماتية الجديدة والإجرائية. وعن هؤلاء أخذوا المنهج الفرضي الإستنباطي، والتعرف الإجرائي. وقد أدى تداخل وامتزاج هذه الإتجاهات الفلسفية المتنوعة في سلوكية الثلاثينات إلى ظهور ما يسميه مؤرخو علم النفس ((عصر النظرية)) الذي كان قائده بلا منازع كلارك هل.

(3) المفاهيم الأساسية في الوجهة السلوكية:

عندما دعا واطسون إلى تعريف علم النفس بأنه علم السلوك لم تكن دعوته جديدة كل الجدة على الجو العلمي آنذاك. ففي الوقت الذي كانت تسود البنيوية والوظيفية ظهرت محاولات متعددة متفرقة لتحويل علم النفس عن دراسة الشعور. كان جيمس ماكين كاتل يدعو إلى موضوعية العلم، وكان وليم مكدوجل يحدده بأنه الدراسة الوضعية لتصرفات conduct  الكائنات الحية، ثم أضاف إلى هذا التعريف مصطلح السلوك في كتابه ((مقدمة إلى علم النفس الإجتماعي)) الذي أصدره عام 1908 ــ أي قبل أن يكتب واطسون بيانه السلوكي بخمس سنوات. كما أن بلسبري Pillsbuury   أحد تلاميذ تتشنر المبكرين نشر كتاباً سنة 1911 عنوانه ((أساسيات علم النفس)) يعرف فيه هذا العلم ــ صراحةً ــ أنه علم سلوك الإنسان. ويعترف واطسون بفضل بلسبري عليه، ولو أنه يعترض على استخدامه لمفاهيم الإستبطان والشعور والصور الذهنية.وتميزت هذه الفترة بالإتجاهات النقدية لسيكولوجية القرن التاسع عشر؛ فنجد وليم جيمس في كتاب ((أحاديث إلى المعلمين)) يأخذ عليها إنكارها لدراسة السلوك، ومن قبل ذلك نجده يهتم وكثيرون غيره بالتفسير العصبي لنشاط الإنسان، كما شهدت الفترة إهتماماً بسيكولوجية الحيوان على النحو الذي بيناه آنفاً.

وقد تأثر واطسون بهذه الإتجاهات السابقة عليه، وبدا له تعريف السلوك سهلاً حتى أنه لم يضعه موضع المناقشة والتحليل، وبدأ باعتباره نشاطاً انعكاسياً لا يلعب التعلم أي دور فيه. إلا أن وجهة نظره هذه بدأت تتعدل تدريجياً بعد ما اعترف بأهمية الفعل المنعكس الشرطي، وهو في جميع الحالات نشاط انعكاسي بالطبع، وإذا كان السلوك فعلاً منعكساً فيجب أن يحلل إلى ما شبه ميكانيكية بين المثيرات (م) والإستجابات (س).

وحينما حاول واطسون أن يستخدم مفهومي المثير والإستجابة وقع في مشكلة غموض تعريفاتهما، فبالنسبة للمثير تذبذب بين المحكات الفيزيائية (كالضوء الذي يؤثر في العين) والمحكات الكتلية ــ الموقفية، وبالنسبة للإستجابات تذبذب أيضاً بين المحكات الفسيولوجية (كاهتزازالركبة) والمحكات الكتلية ــ السلوكية ككتابة خطاب أو حتى بناء منزل. وظهرت نتيجة لهذا الغموض المشكلات التي عجز عن حلها السلوكيون (كلاسيكيون وجدد)، فما كان من طولمان Tolmanإلا أن اقترح ((سلوكية غير فسيولوجية)). ومع ذلك فقد ظلت السلوكية الجديدة تعتبر ((الإستجابة)) هي النموذج الأساسي للمتغير التابع الذي يمكن قبوله في لغة علم النفس؛ لأنها يمكن التعبير عنها أو اختزالها إلى أدلة سلوكية يمكن ملاحظتها والتحقق منها وقياسها. وبالمثل فإن مفهوم ((المثير)) كان نموذج المتغير المستقل المقبول. وعموماً يمكن القول أن مطلب الإختزالية الفيزيائية الذي أشرنا إليه آنفاً كان أكثر شيوعاً بالنسبة للمتغيرات التانعة، ومن ذلك مثلاً شيوع محك ((الطاقة الفيزيائية)) في تعريف المثير عند السلوكيين، وبالطبع اندمجت هذه الإفتراضات في عصر السلوكية الجديدة اندماجاً كبيراً في اللغة ((الإجرائية))، و((الوضعية المنطقية))، و((البرجماتية الجديدة)). ومع ذلك فإننا نتفق مع (Koch,1964)  في أنه لم يحدث تقدم ملموس عند السلوكيين لحل مشكلة غموض تعريفات المثير والإستجابة، وهي مشكلة ورثتها السلوكية، والواقع أن السلوكية تقدم تحليلاً جوهرياً لمفهومي المثير على الرغم من كلارك هل مثلاً يحدد تحديداً دقيقاً مقاييس الإستجابة وسعتها ومقاومتها للإنطفاء إلا أنه لم يبذل جهداً في مناقشة مفهوم ((الإستجابة)) ذاته الذي تقيسه هذه المقاييس.                                                                                                     ولقد كان جاثري واحد من الذين استخدموا مفهوم المثير والإستجابة استخداماً فيزيائيا ً، ولكنه عانى كثيراً من مشكلات التناقض الداخلي في نسقه النظري، أما سكنر فيعرف ((الإستجابة)) في حدود فيزيائية أيضاً، أي ((ما يتوقف عليه التعزيز))، ومثل هذا التعريف قد لا يخلق مشكلات حين تكون الإستجابة محددة بجهاز معملي (كصندوق سكنر)، ولكن تظهر الصعوبات، وتزداد حدة حين يتعلق الأمر بصور السلوك المعقد (كالسلوك اللغوي).

(4) موضوع علم النفس عند السلوكيين:

من المسائل الأساسية التي فرقت علم النفس إلى ((مدارسه)) المختلفة منذ البداية مسألة الموقف من المركزية centralism، والطرفية peripheralism. فالطرفي المتطرف لا يقصر ملاحظاته على المثيرات والإستجابات وحسب، ولكنه يقصر بحثه أيضاً على المفاهيم الوضعية التي تناسب هذه الظواهر. وقد كان واطسون نموذجاً للسلوكي المتطرف في هذا الإتجاه، وتطلب برنامجه أن يتناول الظواهر التي كانت تصنف من قبل على أنها ظواهر ((عقلية)) في ضوء م ــ س، ومن الشائع في هذا الصدد نظريته في التفكير. فإذا كان الإنسان حين يفكر لا يستطيع أن يلاحظ تفكيره هذا أي فاحص من الخارج ــ إلا إذا ظهرت نتائجه في شكل لغوي أو حركي ــ فكيف يمكن للموضوعية أن تدخل هذا الميدان ؟ لقد حاول واطسون حل هذه المشكلة باعتبار التفكير مجرد ((كلام داخلي))، وبذل هو وتلاميذه بعض الجهد في تسجيل حركة اللسان وعضلات الحنجرة أثناء التفكير، إلا أن جهودهم لم تؤد إلى نتائج تستحق الذكر، ومع ذلك فقد كان واطسون واثقاً من وجود مثل هذه الحركات في جميع حالات التفكير، وكل ما في الأمر ــ في رأيه ــ أننا نحتاج إلى أدوات أكثر حساسية للكشف عنها وتسجيلها (سيد عثمان، فؤاد أبو حطب، 1978).

وعندما ظهرت السلوكية الجديدة وجدنا بين قادتها ــ وعلى وجه الخصوص سكنر ــ من يدعو إلى دراسة ((الكائن العضوي الأجوف)) حيث تكون العوامل السببية للأحداث السلوكية التي نلاحظها من خارج هذا الكائن تماماً. إلا أن هذا الإتجاه لم يكتب له الشيوع في فترة السلوكية الجديدة، وإنما الذي حدث أن طولمان قدم لعلم النفس تمييزه الشهير بين ثلاثة أنواع من المتغيرات:

(1) المتغيرات التجريبية أو المستقلة وهي تلك العوامل التي تتغير في الموقف أو في البيئة.

(2) المتغيرات السلوكية أو التابعة وتدل على السلوك الناتج.

(3) المتغيرات المتوسطة.

ومهمة الباحث عند طولمان هي ملاحظة السلوك في مختلف الظروف التجريبية لاكتشاف العلاقة بين المتغير التابع والمتغير المستقل وصولاً إلى المتغيرات المتوسطة.

وبالطبع لم تحول استراتيجية المتغير المتوسط السلوكيين من الإتجاه الطرفي إلى الإتجاه المركزي، فقد ظلوا على اعتقادهم القديم بضرورة اكتشاف العلاقات بين المثيرات والإستجابات، أو بين المتغيرات المستقلة والمتغيرات التابعة، وتجنب أي محاولة لتناول الظواهر ((الهامة)) التي تحدث بينهما. والواقع أن أخطر الظواهر السلوكية هو ما يحدث بين المثيرات والإستجابات؛ بل هي التي تجعل للعلاقات بين المثيرات والإستجابات معنى، وعند وصف السلوك أو تفسيره أو التنبؤ به نحتاج إلى معرفة الظروف الداخلية، حاجتنا إلى معرفة الظروف الخارجية.

وحينما سقطت السلوكية الجديدة في شرك الطرفية مرة أخرى بالرغم من صيغة المتغيرات المتوسطة عجزت عن تفسير الظواهر السيكولوجية الهامة كالتفكير والإبتكار، وظل التعلم موضوعها الأثير.

(5) الموقف من القضايا الخلافية:

يتضح لنا من العرض السابق أن الوجهة السلوكية حددت موقفها بوضوح من بعض القضايا الخلافية في علم النفس، فبالنسبة للموضوعية في مقابل الذاتية، والطرفية في مقابل المركزية، والإمبريقية في مقابل العقلانية، والحتمية في مقابل اللاحتمية، والميكانيكية في مقابل الحيوية، والجزئية في مقابل الكتلية، انحازت دائماً إلى الطرف الأول من الثنائية في جميع الحالات، كما انحازت إلى طرف الأحادية المادية ضد الثنائية في موقفها من مسألة العلاقة بين الجسم والعقل. وهو موقف سوف نقارنه فيما بعد بالوجهة الإسلامية لعلم النفس بسبب جوهرية هذه المسألة.

ويبقى أن نعرض موقف السلوكية من مسألتين هامتين أيضاً لأغراض المقارنة فيما بعد، وهما مسالة الخير والشر في الطبيعة البشرية، ومسألة الفطرة والخبرة، وبالنسبة للمسألة الأولى فقد كان موقف السلوكية واضحاً وهو ((الطبيعة المحايدة)) للإنسان. أما عن الإتجاه إزاء المسألة الثانية أي الفطرة والخبرة (أو ما يسمى الوراثة والبيئة) فلم يكن قاطعاً كما هو الحال في جميع المسائل السابقة. صحيح أن واطسون حبذ البيئية، وهو الإتجاه الذي التزم به في أواخر حياته العلمية، ولم يكن صريحاً في كتاباته المبكرة. ويتضح هذا الإتجاه في عبارته المشهورة في أنه لو أتيحت له حرية التحكم في بيئة الطفل السوي وتعليمه فإنه يستطيع أن يصنع منه ما يشاء بصرف النظر عن ((مواهبه)) أو ((اهتماماته)) أو ((قدراته)).

والواقع أن اتجاه البيئة المتطرفة لم يكن نتيجة للسلوكية في ذاتها، فعلاقته بقضية الموضوعية المنهجية غير واضحة، ولو أن له بعض العلاقة بالإتجاه الطرفي، وتأكيد التعلم كموضوع لعلم النفس ؛ ولهذا نجد بعض السلوكيين يرفضونه، والبعض الآخر يقبلونه، أي أنه لم يكن اتجاهاً مطرداً في تاريخ السلوكية كالإتجاهات الأخرى التي أشرنا إليها في هذه الدراسة.

ونحن نتفق مع  (Woodworth & Shehan, 1964)في أن الخلافات بين أصحاب الوراثة وأصحاب البيئة ليس خلافاً ((مذهبياً)) يدخل في باب الإفتراضات أو البديهيات أو المسلمات، وإنما يجب أن يتحول إلى مسألة تقبل البحث المنظم، وأن يجمع عنها الباحثون الأدلة والحقائق. وتأتينا بالفعل بعض الشواهد من علماء لم يكن همهم تأييد السلوكية أو دحضها وإنما كانوا يدرسون الوراثة والبيئة كموضوع مستقل للبحث العلمي (فؤاد أبو حطب، 1983). وعلى كل حال فإن السؤال المطروح في علم النفس المعاصر هو تحديد ــ ما أمكن ــ الدور النسبي لأثر الوراثة والبيئة في اسلوك، وعدم الإلتزام بوجهة نظر ((أحادية)) في هذا الموضوع الخطير.

نهاية عصر وبداية عصر جديد:

ظلت السلوكية الكلاسيكية والجديدة هي الوجهة المسيطرة على علم النفس طوال الفترة من 1913 وحتى 1950 على نحو جعلها تمثل تيار العلم السائد الهادئ طوال هذه الفترة. إلا أنه مع مطلع الخمسينات بدأت الإضطرابات تحيط بالسلوكية من كل جانب، على نحو حول العلم الهادئ إلى نوع من العلم الثائر ــ على حد تعبير ((كون)) ــ وجعله في حالة وصفها كوخ (Koch,1951)بأنها ((أزمة )). وكان لهذه الأزمة سببان: أحدهما داخلي، والآخر خارجي. أما السبب الداخلي فهو أن النماذج، والأنساق النظرية التي صاغتها السلوكية ــ وخاصة في مجال التعلم ــ قبل الحرب العالمية الثانية ــ عانت الكثيرمن الجمد النظري، والعقم التجريبي لأكثر من عشر سنوات. أما السبب الخارجي فهو سعي علماء النفس التطبيقيين في المجالات العملية المختلفة كالصناعة والتربية والقوات المسلحة والعلاج النفسي للحصول على((الإعتراف الجماعي)) وكان سبيلهم إلى ذلك التخلي عن ((النظرية)) لحساب ((الممارسة)), وكأنهم أدركوا جدوى نصف الحكمة التي شاعت كثيراً في عصر ((النظرية)) في علم النفس، وهي أن ((النظرية بلا ممارس جوفاء))، أما نصفها الآخر وهو أن ((الممارسة بلا نظرية عمياء)) فقد تجاهلوه أو تجاوزوه.

وجاءت بداية الهجوم على السلوكية من تلميذ قديم لواطسون هم عالم النفس الفسيولوجي الأشهر كارل لاشلي الذي دحض في عام 1951 نظرية تسلسل المركب كما صيغت في إطار مفاهيم المثير والإستجابة، ومن ذلك السلوك اللغوي. ثم كانت الضربة الثانية على يد عالم السلوك الحيواني فرانك بيتش الذي تسائل عما إذا كان الإهتمام المبالغ فيه بتعلم الحيوان (وخاصة الفئران) يدل على أن علماء النفس يهتمون حقاً بعلم عام للسلوك، أم أن اهتمامهم انحصر في موضوع واحد ((ونوع حيواني)) واحد، بالإضافة إلى أنه نبه لأول مرة إلى ((وجود)) السلوك الخاص بالنوع، ثم سرعان ما تعرضت ((السلوكية الفلسفية)) لأزمات منطقية وخاصةً ما يتصل بالتكافؤ بين الحالة الداخلية (الشعورية بالمعنى القديم) والسلوك الظاهر، وتحويل جميع المفاهيم ((النفسية)) إلى لغة التعريف الإجرائي. صحيح أن ب. ف. سكنر حاول طوال فترة الأزمة أن يحافظ على التقليد السلوكي من خلال ما أسماه ((السلوكية الراديكالية))، إلا أن طوفان التغيير كان أقوى منه. لقد خرجت ((العمليات المعرفية)) ــ الذي ظلت حبيسة لبضعة عقود من الزمان ــ من قمقم الحرب العالمية الثانية، وكان لابد للجميع من أن يتعاملوا معها، ومنهم السلوكيون أنفسهم، فظهر ((الهليون الجدد)) neo –Hullians  الذين صاغوا ما سمي ((السلوكية المحررة))، أو ((غير الشكلية)) التي لم تكن ــ كغيرها من البدائل ــ إلا محض انتقائية جديدة (Leahey, 1987).

وجاءت التحديات العظمى للسلوكية من عدة مصادر أساسية هي: صعود علم النفس الإنساني على يد كارل روجرز وإبراهام ماسلو، وظهور علم اللغة الحديث عند تشومسكي، والإعتراف بالبنيوية الجديدة التي ثابر عليها طويلاً جان بياجيه، وإعادة قراءة مدرسة فورزبرج، ومدرسة الجشطالت القديمتين، ثم جاءت الضربة القاضية على يد علم النفس المعرفي. ظهرت ثورة علم النفس المعرفي في مطلع السبعينات لتضع معالم وجهة جديدة لعلم النفس تتحدى بقواعدها الإتفاقية للعلم  تلك التي أرستها السلوكية. فقد تطلبت إعادة النظر في مسألة تجاهل القدرات ((الفطرية)) للإنسان مع اختزال الإهتمام بالتعلم، وزيادة الإهتمام بالعمليات المعرفية كالإدراك والتفكير والذاكرة. ودعت إلى مناقشة الإفتراض السائد حول الإستكمال (أو التعميم) من سلوك الإنسان أو الحيوان أو العكس ممل ترتب عليه انخفاض ملحوظ في تجارب الحيوان في السنوات الأخيرة. وشككت في افتراض جوهرية وعمومية الإشتراط كنموذج أساسي ــ بل ووحيد ــ للتعلم الإنساني، وإعادة تفسير عملية الترابط أو التداعي على أسس معرفية. واعتبرت بعض ما ظهر في عصر السلوكية من نتائج وقوانين ونظريات غير مرتبطة بالسلوك الإنساني، وبالتالي تستحق الإستبعاد أو الإهمال. أما ما كان مرتبطاً منها فقد أعيد تفسيره في ضوء الوجهة المعرفية الجديدة.

وقد أبقت الوجهة الجديدة على بعض معالم الوجهة السلوكية القديمة، وعلى وجه الخصوص ما يلى:

(أ) الإهتمام بالبحث عن القوانين العامة للسلوك الإنساني.

(ب) التشبث بالإمبريقية على أساس ان الملاحظة العلمية تزودنا بأفضل برهان على صحة فروضنا، وأدق إجابة على أسئلتنا.

(جـ) الإستمرار في تبني التقاليد المعملية الدقيقة، وإجراء التجارب تحت شروط مضبوطة.

(د) السعي نحو بناء النظرية مع رفض الوضعية المطقية، والإتجاهات المضادة للشعوريةmentalism.

إلا أنه بعد انقضاء حوالي عشرين عاماً من الثورة المعرفية الجديدة بدأت تدور حولها الشكوك، ولعل أخطرها ما ذكره (Leahey, 1987)نقلاً عن جيمس جنكنز الذي عاش الثورتين السلوكية والمعرفية معاً، ويلخص جنكنز مشكلات علم النفس المعرفي الحديث في مسألتين: عودة مرة أخرى إلى الإهتمام بالمسائل ((التافهة))، وفقدان الإتجاه. وقد أدى ذلك إلى أن هذا العلم لم يحرز تقدماً كبيراً واضحاً. بل زاد النقد حدة أن أولريك نيسر،  U.Neisserأحد رواد هذا الإتجاه منذ أواخر الستينات يشارك أيضاً في الشعور بعدم الرضا عن أحد نماذج علم النفس المعرفي، وهوتجهيز المعلومات. ويرى ضرورة أن يحل محله ما يسميه ((المنحى الأيكولوجي)) والذي يجب أن يدرس عرفان الإنسان في سياقه الطبيعي بدلاً من الإعتماد المطلق ــ في الوقت الحاضر ــ على تجارب المعمل.

ولعل أهم مصادر المفارقة التي قد تؤدي بالوجهة الجديدة لعلم النفس إلى مرحلة ((الأزمة)) نوع من النمذجة التي تستخدمه. لقد كان مقتل السلوكية في نمذجتها للسلوك الإنساني على أساس المشابهة بينه وبين سلوك الحيوان من ناحية، وبينه وبين سلوك الآلة البسيطة التي تعطيك قطعة الحلوى إذا وضعت في إحدى فتحاتها قطعة من النقود من ناحية أخرى. أما النموذج الجديد لعلم النفس المعرفي فهو المشابهة بين العقل الإنساني وسلوك الحاسوب (الكمبيوتر)(4). لقد نشأ هذا التشبيه من حقيقة أن الحاسوب في تصميمه معد ليحاكي أو يماثل وظائف معينة للعقل الإنساني كالذاكرة، وهذا التشبيه قد يكون مفيداً لأصحاب هندسة الكومبيوتر، ولكنه ليس مفيداً للمتخصصين في علم النفس. فالعقل الإنساني هو الذي صمم الحاسوب كآلة، والعكس غير صحيح بالطبع بالإضاقة إلى أن أوجه الإختلاف بين العقل والحاسوب لا تقل، إن لم تزد، عن أوجه التشابه، حتى ولو تناولنا العقل بمعناه المادي (أي المخ)، ويذكر بنجي (Bunge, 1980)على الأقل خمسة أوجه للإختلاف بينهما هي:

(1) تنشط النيرونات (الخلايا العصبية) في المخ تلقائياً، ولا يمكن استثارتها إلا إذا كانت في حالة نشاط قبل أن تصل إليها الإستثارة، أما عناصر الحاسوب فلا يمكن أن تنشط على هذا النحو.

(ب) تتسم الوصلات العصبية التي تربط بين النيرونات بأنها على درجة كبيرة من المرونة والقابلية للتغيير، أما الروابط بين عناصرالحاسوب فحالما تتكون بالبرنامج تصبح جامدة وثابتة.

(جـ) يتميز المخ بأنه يبرمج نفسه ذاتياً، بينما الحاسوب لا يعمل بدون مبرمجين، ويصبح عاطلاً بغيرهم.

(د) ينتمي المخ إلي المستوى البيولوجي وهو أرقى بكثير من المستوى الفيزيائي الميكانيكي الآلي الذي ينتمي إليه الكومبيوتر، وعلى ذلك فإذا استطاع الحاسوب أن يقلد بعض جوانب التفكير الإنساني إلا أنه لا يستطيع أن يفكر. ومصطلح ((الآلات المفكرة)) الذي شاع في السنوات الأخيرة فيه من العبث والتناقض الداخلي أكثر ممافيه من الحقيقة.

(هـ) يصمم الحاسوب للقيام بمهام معينة، بينما مهام المخ الأخرى لا تقع تحت حصر، ولا يزال يكشف لنا كل يوم عن جديد فيه، فالمخ لم يبح بأسراره كلها بعد.

هذا عن الجانب المادي للعقل (أي المخ)، أما العقل نفسه فإنه ــ كما بينا في مطلع هذا البحث من خلال عرضنا للنظرة الجديدة للعلم ــ جوهر متميز ومختلف عن المادة ومنها (المخ). فهو يقع على مستوى أرقى من كل من الحاسوب (المستوى الفيزيائي)، والمخ (المستوى البيولوجي) جميعاً. ولعلنا بهذا نكون قد وصلنا إلى نقطة انطلاق نحو بناء وجهة جديدة للعلم ــ ومنه علم النفس ــ تكون بداية عصر جديد، هي الوجهة الإسلامية، والتي إذا تضافر عليها فريق جاد من علماء النفس المسلمين؛ لأسهموا إسهاماً جاداً ليس في حل مشكلات تنافرهم المعرفي فحسب، وإنما في حل المشكلات ((المتوطنة)) في هذا العلم، والتي لازمته منذ نشأته ولا تزال تلازمه.

{ وللحديث صلة }

الهــــــوامـش

1)    تظهر أهمية دور النماذج السلوكية ومعايير الجماعة المرجعية في السلوك الفردي للباحثين فيما يمكن أن نسميه((الحالات المرضية للبحث العلمي)). وكثير من المشكلات والأخطاء – بل والجرائم – التي نشهدها في الكتب والتقارير التي نقرأها والتي شاعت في السنوات الأخيرة ناجمة في جوهرها عن فساد النماذج أو خلل المعايير، وكلاهما يحتاج إلى تصحيح، وإلا ضاعت منا قيمة العلم كما ضاعت قيم أخرى نبيلة.

2)    نحن نفترض بالطبع ((سواء)) هذه الممارسات والضغوط التي تمارسها الجماعة المرجعية على أعضائها، ولكن إذا تعرضت معايير هذه الجماعة للخلل المعرفي ((الجهل أو التخلف)) أو الانحراف الأخلاقي (فساد الذمم) فقل على العلم العفاء؟!

3)    يجري الباحث في الوقت الحاضر دراسة مستقلة لصعود مدرسة التحليل النفسي ثم هبوطها وانهيارها.

4)    لعل أكثر المفارقات شيوعاً الإشارة أحياناً إلى الحاسوب أو الكمبيوتر بمصطلح ((العقل)) الآلي أو ((العقل)) الإلكتروني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر