أبحاث

حقوق المشتبه فيه في مرحلة التحقيق

العدد 22

1- القضاء الجنائي في الشريعة الإسلامية:

القضاء في الدول المعاصرة سلطة من سلطات الدولة، له بغيره من السلطات الأخرى علاقات، إلا أنه يتمتع في مواجهتها باستقلال يكفل له القيام بعمله بحرية تامة ودون تدخل من جانب سلطة أخرى. وتجري سنة التشريعات المعاصرة على تخصيص محاكم معينة للنظر في
الدعاوى الجنائية والفصل فيها، وإن كان معظم التشريعات مع ذلك لا يخصص لهذا العمل قضاة معينين…. والأصل أن القضاء الجنائي لا ينظر غير الدعاوى الجنائية إلا أنه قد ينظر استثناء في بعض الدعاوى الأخرى وعلى الأخص دعاوى التعويض الناشئة عن الجريمة.

والمحاكم الجنائية أنواع ودرجات، وهي تختلف فيما بينها تبعا لاختلاف ضابط التقسيم، وأبرز الضوابط هو نوع الجريمة وشخص المتهم.

والشريعة الإسلامية كسائر الشرائع السماوية تركز على جملة أسس من أهمها العدل. وفي القرآن آيات عديدة، وفي السنة أحاديث كثيرة تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم وتقرن الأمر بالثواب والنهي والعقاب. وقد عاقبت الشريعة الإسلامية بنصوص صريحة على جرائم محددة وفيها نصوص أخرى تجبن العقاب على ما تقتضي المصلحة العامة تجريمه، ولا سبيل إلى تطبيق هذه النصوص إلا من خلال القضاء. والقضاء في الإسلام من أشرف الأعمال بل هو من أفضل العبادات، وقد وليه الرسول ومن بعده الخلفاء. وقد عني فقهاء المسلمين عناية فائقة بالقضاء فبينوا شروط تقلده وتشددوا في ذلك فاشترطوا في القاضي –بين ما اشترطوا- الفطنة والعلم والعدالة. وفيما عدا الأصول العامة فإن الشريعة الإسلامية لم تضع للقضاء ولا للدعوى تنظيما تفصيليا على اعتبار أن هذا التنظيم يدخل في باب المصالح المرسلة أي المصالح التي يترخص لولي الأمر في تنظيمها وفقا لما يؤدي إليه اجتهاده مستهديا في ذلك باعتبارات الزمان والمكان ومستلهما من روح الشريعة ومبادئها الكلية. وفي إطار هذا المفهوم قامت الدولة الإسلامية في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده ثم في عهد بني أمية وبني العباس بتنظيم القضاء كجهاز وتنظيم عمله في نظر الدعوى والفصل فيها. ويلمس الباحث بوضوح أن هذا التنظيم لم تثبت معالمه باطراد، بل اختلفت هذه المعالم باختلاف الزمان والمكان. وكان التنظيم في بداية الأمر بسيطا شأنه شأن الحياة السياسية والاجتماعية نفسها، ثم أخذ في التطور بتطور الحياة نفسها واتساع رقعة الدولة وربما باتصال المسلمين بشعوب أخرى من بينها شعوب ذات حضارة عميقة الجذور. ولا ينبغي الخلط فيما نحن بصدده بين السوابق التاريخية في الدولة الإسلامية وبين الأحكام الشرعية. وهذه الملاحظة تصدق على الدولة الإسلامية في كل عهودها حتى في عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة. وهذه الملاحظة نفسها تفسر لنا اختلاف التنظيم القضائي في العصور المختلفة واتساع صدر الشريعة الإسلامية لها جميعا دون أن ترمي بالقصور أو التناقض.

وقد رسم ابن الحسن النباهي صورة لنظام القضاء في دولة الأندلس في القرن الثامن الهجري فذكر أن الحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام وهم: القضاة، والشرطة الوسطى، والشرطة الصغرى، وصاحب المظالم، وصاحب الرد، وصاحب المدينة –ويقصد به الوالي أو الأمير- وصحاب السوق –ويقصد به المحتسب- ثم يعقب بأن هذا قول أهل قرطبة. وعدد ابن القيم في كتابه الطرق الحكيمة جهات القضاء في دولة المشرق في القرن الثامن نفسه فذكر أن الحكم بين الناس فيما لا يتوقف على دعوى يسمى الحسبة والمتولي له هو والي الحسبة، كما أفردت ولاية المظالم بصفة خاصة، والمتولي لذلك يسمى والي المظالم أما الذي يتولى الفصل في المنازعات المدنية وفي مسائل الأحوال الشخصية فيسمى الحاكم أو القاضي، واستدرك ابن القيم فذكر أن هذا الاسم يتناول كل حاكم بين اثنين وقاض بينهما فيدخل تحته أصحاب الولايات جميعا. وهناك فقهاء كثيرون تحدثوا عن جهات القضاء في عهدهم وبينوا ما تختص كل جهة بالفصل فيه، ومن هؤلاء ابن خلدون والماوردي وابن تيمية.

ويعنينا في هذا المقام ما ذكره ابن القيم –ومن قبله ابن تيمية- فقد واجه أصل المسألة وفسر تعدد جهات القضاء بقوله: إن عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي من الولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء –بالمعنى الضيق- في بعض الأزمنة والأمكنة ما يدخل في ولاية الحرب –ويقصد الإمارة- في زمان ومكان آخر، وكذا الحسبة وولاية المال.

وحاصل قول ابن القيم أنه ليس في الشرع نص أو حكم يوجب إسناد عمل القضاء كله لشخص واحد أو لولاية بعينها، وإنما المسألة سياسة خالصة، فيصح توزيع اختصاص القضاء على جهات متعددة ويصح جمعها في واحدة. والشرط الوحيد فيمن يسند إليه أي جانب من عمل القضاء أن يكون أهلا للقيام به أي أن تتوفر فيه الصفات الشرعية التي ترشحه للقيام بهذا العمل.

واستقراء الواقع التاريخي في الدولة الإسلامية يدل على أن القضاء الجنائي كان موزعا بين عدة جهات، هي الخليفة، ووالي المظالم، والأمير أو والي الحرب وصاحب الشرطة، والمحتسب، والقاضي، بمفهومه الضيق.

ولم يكن اختصاص هذه الجهات ثابتا باطراد بل كان يضيق ويتسع وكان بعضها يُضم في بعض الأحيان إلى بعض. ويلاحظ أن الوالي أو صاحب الشرطة كان يختص عادة بنظر الجرائم الخطيرة كالحدود والقصاص، وأن المحتسب كان يختص بالتعزير على الجرائم المضرة بالمصلحة العامة، أي التي ليس فيها مجني عليه محدد، وعلى الأخص ما يقع من تلك الجرائم في الأسواق، أما من يطلق عليه الحاكم أو القاضي فلم يكن اختصاصه الأصيل جنائيا وإنما كان يباشر هذا الاختصاص في حدود ضيقة، أما اختصاصه الأصيل فكان ينحصر في المنازعات المدنية ومسائل الأحوال الشخصية. وعبر بعض الفقهاء عن هذا المعنى بقولهم إن ولاية أمير الحرب معتمدها المنع من الفساد في الأرض وقمع أهل الشر والعدوان، بخلاف ولاية الحكم فإن مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها (نقلا عن ابن القيم ص 122).

2- تقسيم الدعاوى الجنائية إلى مرحلتين: تحقيق ومحاكمة:

ترد النظم الإجرائية التي سادت التشريعات على مر العصور إلى ثلاثة أنواع، هي النظام الاتهامي ونظام التنقيب والتحري أما الثالث فنظام مختلط يجمع بين خصائص النظامين السابقين بدرجات متفاوتة.

والنظام الاتهامي أقدم نشأة، وأبرز ما يميزه أنه ينظر إلى الدعوى الجنائية على أنها خصومة عادية بين طرفين متكافئين، فالدعوى في ظله ترفع إلى القاضي مباشرة كغيرها من الدعاوى دون أن تسبقها مرحلة تحقيق، ويقتصر دور القاضي فيه على الموازنة بين ما يقدمه له الخصوم من أدلة ولا يتدخل بنفسه لجمع الأدلة لمصلحة الاتهام أو الدفاع.

أما نظام التنقيب ففيه تمر الدعوى بمرحلة سابقة على المحاكمة تجمع فيها الاستدلالات ويجري التحقيق. والاتهام في هذا النظام وظيفة تحتكرها الدولة وتباشرها عن طريق بعض أجهزتها. وتتمتع جهة الاتهام بسلطات تعينها على أداء عملها وتمنحها نفوذا على المتهم وعلى غيره من الناس فيصح لها في حدود معينة أن تضع قيودا على حرياتهم. ودور القاضي في هذا النظام ايجابي لا سلبي، فله أن يتدخل لجمع الأدلة سواء كانت أدلة اتهام أو أدلة براءة بغض النظر عن مسلك الخصوم أنفسهم.

وقلما تأخذ التشريعات المعاصرة بأحد النظامين على إطلاقه. وإنما هي تمزج بينهما بنسب متفاوتة، وقد يغلب أحد النظامين في مرحلة دون مرحلة. والتشريعات اللاتينية –وكذلك التشريعات التي تأثرت بها- تغلب نظام التنقيب والتحري في مرحلة التحقيق والنظام الاتهامي في مرحلة المحاكمة.

وكلا النظامين لا حكم للشريعة الإسلامية فيه تأييدا أو رفضا، فالأخذ بأيهما هو من الأمور التي تدخل في باب السياسية الشرعية، إذ لا دليل يعزز القول بأن الشريعة الإسلامية تعتبر هذا النظام أو ذاك وسيلتها المفضلة في إمضاء العدالة الجنائية، وإنما المسألة اجتهاد يرتبط بظروف الزمان والمكان، والرجحان عند المفاضلة هو للنظام الذي يغلب على الظن أنه أكثر تحقيقا للمصلحة العامة. وقد فرق فقهاء الشريعة في المجال الجنائي بين ما يدخل في السياسة وما يدخل في الشرع، ولابن خلدون في هذا الصدد عبارات دقيقة تدل على عمق فهم فقهاء الشريعة الإسلامية وقدرتهم على التمييز بين ما هو ثابت من الأحكام وما هو متغير، فهو يصرح في “مقدمته” بأن التهم التي تعرض في الجرائم لا نظر للمشرع إلا في استيفائها، وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها. ويقصد بذلك أن المشرع وإن أوجب العقاب على الجرائم إلا أنه لم يحدد الطرق أو الوسائل التي يتم بها التحقق من وقوعها ومن اكتمال شروطها، بل ترك هذه المسائل لولي الأمر ينظمها بما يراه محققا للصالح العام. وعلى هذا الأساس فإن إجراءات التحقيق والمحاكمة تعتبر من السياسة أو من المصالح المرسلة.

أما على صعيد الواقع فيمكن القول في ضوء ما جرى به العمل بأن النظام الاتهامي كان هو السائد بالنسبة للدعاوى التي كان يختص بنظرها الحاكم أو القاضي، أما الدعاوى التي كان يفصل فيها الأمير أو صاحب الشرطة أو المحتسب فقد كان يغلب عليها نظام التنقيب والتحري. ويرجع هذا الاختلاف في تقديرنا إلى سببين:

الأول أن فقهاء الشريعة اهتموا بالأدلة التي تثبت بها الحقوق وحصرها جمهورهم في ثلاث: هي الكتابة والبينة والإقرار، وبينوا تفصيلا شروط كل دليل وطريقة تحصيله واعتبروا هذه المسألة حكما شرعيا. ولما كان الحاكم أو القاضي هو المختص أصلا بالفصل فيما ينشأ من منازعات حول الحقوق فقد أوجب الفقهاء عليه التزام هذه الأدلة حتى أصبحت دستوره في الفصل في كل ما يعرض عليه من دعاوى أيا كانت طبيعة الدعوى، ولم يعد من المتصور أن تختلف إجراءات الإثبات لدى القضاة باختلاف الدعاوى. أما بالنسبة لغيره ممن يتولون جانبا من عمل القضاة فقد تخفف الفقهاء ونظروا إليهم على أن طابع السياسة في عملهم -وعلى الأخص في مجال الإجراءات- أغلب من طابع الشرع. فلم يقيدوهم بكل ما قيدوا به القضاة من أحكام.

والسبب الثاني أن القاضي لم يكن لديه إلا قلة من الأعوان يستعين بهم على ضبط الجلسة وتدوين الأحكام والتثبت من عدالة الشهود، أما الجهات القضائية الأخرى فكانت ترأس أجهزة تنفيذية تمارس قدرا من السلطة العامة يتيح لعمالها استخدام القوة في تنفيذ ما يتلقونه من أوامر. وقد هيأ جنود هذه الأجهزة المناخ المناسب لظهور نظام التنقيب والتحري وأصبح هذا النظام أغلب في الدعاوى الجنائية التي كان يتولى رؤساء هذه الأجهزة نظرها والفصل فيها.

وتتضح معالم هذا الاختلاف وعلته فيما كتبه ابن خلدون عن صاحب الشرطة، فقد تحدث عن هذه الوظيفة وعن اختصاصها فذكر أنها وضعت في الأصل في الدولة العباسية لمن يقيم أحكام الجرائم في حال استبدائها أولا ثم للحدود بعد استيفائها، فإن التهم التي تعرض في الجرائم لا نظر للمشرع إلا في استيفائها، وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها بإقرار يكرهه عليه الحاكم إذا احتفت بها القرائن لما توجبه المصلحة العامة في ذلك. فكان الذي يقوم بهذا الاستبداء وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزه عنه القاضي يسمى صاحب الشرطة، وربما جعلوا إليه النظر في الحدود والدماء بإطلاق وأفردوهما من نظر القاضي، ونزهوا هذه المرتبة وقلدوها كبار القواد والعظماء من مواليهم، ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية بالأندلس ونوعت الشرطة إلى شرطة كبرى وشرطة صغرى، وجعل حكم الكبرى على الخاصة دون الدهماء، وجعل صاحب الصغرى مخصوصا بالعامة. ثم عرض ابن خلدون لهذه الوظيفة في الدول الإسلامية الأخرى وقال: ومنها ما حمل لصاحب الشرطة إقامة الحدود الشرعية والسياسية كما تقتضيه رعاية المصالح العامة في المدينة.

3- ونخلص من كل ما تقدم إلى حقيقتين:

الأولى: أن إسناد عمل القضاء كله إلى جهة واحدة أو تقسيمه على جهات متعددة. وتوزيع الاختصاص بينها هو في نظر الشريعة الإسلامية من الأمور التي تترخص الدولة في تنظيمها بحسب ما تراه محققا للمصلحة العامة، وليس في النصوص الشرعية ما يوجب تجميع القضاء في يد جهة واحدة أو توزيعه على جهات متعددة. وكل ما توجبه الشريعة الإسلامية أن تكون هناك جهة تمارس القضاء وأن تتوفر فيمن ينتمي إليها شروط معينة تكفل حسن تطبيق أحكام الشرع وتحقيق العدل.

والثانية: أن تحقيق الدعوى سواء من حيث تحديد الجهة التي تتولى هذا العمل والقواعد التي تنظمها والإجراءات التي تباشرها والسلطات الممنوحة لها في سبيل الكشف عن الحقيقة، ذلك كله من السياسة لا من الشرع، فليس في الشريعة نصوص توجب تنظيم هذه الأمور على نحو معين. لكن هناك مع ذلك أصولا عامة وأحكاما كلية تحكم هذا النشاط كما تحكم غيره، وهو ألا يؤدي إلى إهدار الأحكام الشرعية التي تصون حرمان الناس وحقوقهم، وإن جاز مع ذلك تقييد هذه الحقوق نزولا على حكم الضرورة وفي حدود ما تقضي به هذه الضرورة.

 

4- حقوق المشتبه فيه في مرحلة التحقيق بوجه عام:

المشتبه فيه هو من قامت قرائن حال على أنه ارتكب جريمة، والاشتباه في ذاته غير مؤثر ما لم يتحول إلى اتهام. والاتهام نشاط إجرائي تباشره جهة معينة ويتمثل في إسناد واقعة إجرامية إلى شخص معين إما صراحة عن طريق مواجهته بأنه مرتكبها أو ضمنا عن طريق إخضاعه لإجراء أو أكثر من الإجراءات التي لا تتخذ إلا ضد المتهمين كالقبض والحبس الاحتياطي.

واصطلاح “المتهم” هو الشائع في التشريعات اللاتينية، أما فقهاء الشريعة فيسمون الشخص “مدعى عليه” إذا ساقه خصمه إلى القاضي أو الحاكم. ويسمونه “متهوسا” أمام الوالي أو صاحب الشرطة، فهذا الوصف يقتصر على من يحاكم أمام هذه الجهات وغالبا ما توجه التهمة إليه من جانب رجال السلطة العامة.

والقاعدة أن الاتهام يحد من حقوق الشخص وحرياته، وهذه القاعدة عامة في الشرائع التي تأخذ بنظام التنقيب والتحري، إلا أن هذه الشرائع تختلف فيما بينها في مدى الحد من تلك الحقوق والحريات. وترجع علة الاختلاف إلى تعارض أصلين كلاهما جدير بالرعاية.

أما الأصل الأول فهو أن كل إنسان بريء إلى أن تثبت أدانته، ومقتضى هذه القرينة ألا تمس حقوق إنسان ولا تقيد حريته قبل أن تقوم الأدلة على انتفاء براءته. والاتهام وحده لا ينفي تلك القرينة، لأنه لا يخلو من الشك بطبيعته، والشك لا يمحو اليقين، والبراءة الأصلية حقيقة متيقنة.

أما الأصل الثاني فهو الضرورة، ويراد بها في هذا المقام ضرورة الكشف عن الحقيقة. فتمحيص الاتهام لا يتسنى في كثير من الأحيان دون التعرض لشخص المتهم وتقييد بعض حقوقه. ولما كان الأمر متعلقا بتحقيق العدالة الجنائية وهي من أسس الحياة الاجتماعية فلا مناص من النزول على حكم الضرورة تيسيرا لمهمة القائمين بالكشف عن الحقيقة.

والتعارض بين الأصلين يضع المشرع في موقف دقيق ويفرض عليه تقييد كل منهما بقدر ما تقضي به الحاجة دون إفراط ولا تفريط. وكثيرا ما وقع الشطط نتيجة المبالغة في تقدير إحدى المصلحتين. والحد الذي تستقيم به الأمور هو الاعتدال، لكن الاعتدال مطلب عسير لأنه من المسائل النسبية التي تختلف فيها الأنظار. وعلى أي حال فالمتفق عليه في الشرائع التي تأخذ بنظام التنقيب والتحري أن توجيه الاتهام لشخص يجعله في وضع قلق، فهو من جهة لا يتساوى مع غيره من الأبرياء، كما أنه من جهة أخرى يختلف عن غيره ممن ثبتت إدانتهم بصفة نهائية، ويتمثل هذا الوضع في خضوعه لطائفة من القيود يختلف مداها باختلاف التشريعات.

وفي مقابل هذه القيود يتمتع المتهم بطائفة من الحقوق، منها ما هو أصلي ومنها ما هو فرعي. أما حقوقه الأصلية فهي في الحقيقة تعبير عن حق واحد هو حق الدفاع، ويثبت هذا الحق للمتهم استقلالا لمجرد كونه متهما. أما الحقوق الفرعية فتتعلق بالسلطات الممنوحة لجهة التحقيق، فهي في وجهها الآخر، أو هي القيود التي ترد عليها. غير أن هذه القيود بالنسبة للمتهم تعد ضمانات، ويمكن مع التجاوز تسميتها حقوقا.

5- أولا: حق الدفاع:

حق الدفاع حق أصيل ينشأ منذ اللحظة التي يواجه فيها الشخص بالاتهام. ويقصد بهذا الحق تمكين الشخص من درء الاتهام عن نفسه، إما بإثبات فساد دليله أو بإقامة الدليل على نقيضه وهو البراءة. والاتهام بطبيعته يقتضي الدفاع، فهو ضرورة منطقية له. ذلك أن الاتهام إذا لم يقابله دفاع كان إدانة لا مجرد اتهام، فهما في الحقيقة وجهان لمسألة واحدة. والاتهام كما قررنا يحتمل الشك بطبيعته، وقدر الشك فيه هو قدر الدفاع ومجاله. ومن اقتران الدفاع بالاتهام تبرز الحقيقة، وهي ما يسعى التحقيق إلى الكشف عنها، فكلا الأمرين عاجز وحده عن جلاء الحقيقة. ولهذا السبب عينه فإن الدفاع لا يعتبر حقا خالصا للمتهم وحده، يمارسه إن شاء أو يهمله، بل هو حق للمجتمع وواجب عليه أيضا. وإذا كانت للمتهم مصلحة في ألا يدان وهو برئ فحق المجتمع لا يقل عن حقه، لأن العدالة الجنائية والمصلحة الاجتماعية توجبان ألا تنزل العقوبة بغير الجاني، وإلا تحملت الجماعة ضررين عقاب برئ وإفلات مجرم. وانطلاقا من هذه الفكرة تنص معظم التشريعات على ضرورة حضور محام مع المتهم في مرحلة المحاكمة في الجرائم الخطيرة، ومنها ما يقرر هذا الحكم أيضا في مرحلة التحقيق. ولا يحول دون تعميم الحكم بالنسبة لكل الجرائم وفي كل من المرحلتين إلا صعوبة تنفيذه من الناحية العملية. وحيث تسود النزعة الاشتراكية فإن النظرة للدفاع باعتباره حقا أو واجبا اجتماعيا تكون أعمق، ولهذا تحرص الدول الاشتراكية على إنشاء جهاز حكومي مهمته الوقوف بجانب المتهمين والدفاع عنهم.

والأصل في الدفاع أن يتولاه الشخص بنفسه، غير أنه يجوز له أن يستعين فيه بغيره، وفي هذه الحالة يكون للمدافع عن المتهم نفس حقوقه. ووجود المدافع لا يلغي دور المتهم ولا يغل يده في إبداء ما يشاء من وجوه الدفاع، لأنه الطرف الأصيل أما المدافع فنائب أو وكيل.

ولحق الدفاع مظاهر عديدة، منها:

1- حق المتهم في أن يعلم بالواقعة المسندة إليه، وبالأدلة القائمة ضده، وبالإجراءات التي تتخذ لجمع الأدلة أو لتحقيقها وتمحيصها. ويقتضي هذا الحق إخطار المتهم بمكان كل إجراء وزمانه وتمكينه من الحضور أثناء مباشرته والاطلاع على ما يثبته المحقق في أوراقه. وكل حق من هذه الحقوق قائم بذاته، فلا يجوز حرمان المتهم من حضور التحقيق بغير ضرورة اكتفاء بحقه في الاطلاع بعد ذلك على ما يتم في غيبته. وما يسري على المتهم في هذا الشأن يسري على من يدافع عنه.

2- حق المتهم في إبداء دفاعه للمحقق، سواء تعلق الدفاع بوقائع الدعوى أو بالقانون. وسواء كان تفنيدا لدليل إدانة أو إبداء لدليل براءة. ويتفرع عن ذلك حق المتهم في تقديم الطلبات والدفوع في التظلم أو الطعن فيما يصدر من قرارات، وفي الاستعانة بمحام أو بخبير فني أو في دعوة من يرى سماع شهادته أو في إجراء معاينة. ويتصل بذلك أيضا حقه في الاجتماع بمن يدافع عنه دون رقيب وفي التراسل معه وفي حصانة ما يرسله أو يسلمه إليه، وكذلك حقه في أن يستجوب وأن يواجه بغيره من المتهمين أو الشهود.

 

6- ثانيا: ضمانات المتهم:

هذه الضمانات هي الضوابط أو القيود التي ترد على سلطة المحقق وهي السلطة التي تبيح له الحد من حرية المتهم وتقييد حقوقه. فللمحقق في سبيل الكشف عن الحقيقة أو تأمين التحقيق أن يقبض على المتهم وأن يفتش شخصه ومسكنه وأن يسجل أحاديثه الخاصة وأن يضبط رسائله وأمتعته وأن يحبسه احتياطيا. ولم يجعل المشرع هذه السلطات مطلقة بل قرنها بقيود يتعين التزامها. وحق المتهم يتمثل أولا في ألا يتخذ المحقق ضده إجراء يمس بحق من حقوقه إلا إذا كان في القانون نص يقرره، لأن سلطة المحقق في هذا الشأن ليست أصلا بل هي استثناء من أصل، فلا يجوز التوسع فيها بل يجب الاقتصار على ما ورد النص به. ولذلك فإنه لا يجوز حمله على الإجابة على أسئلة المحقق. ويتمثل هذا الحق كذلك في أن تمارس سلطات التحقيق في حدودها القانونية، سواء من حيث الجهة التي خصها القانون بمباشرة الإجراء، سواء من حيث الجهة التي خصها القانون بمباشرة الإجراء، أو من حيث شكله والأحوال الداعية لاتخاذه وشروط مصحته وطريقة تنفيذه. فإذا باشر المحقق إجراء يخرج عن نطاق اختصاصه أو في غير أحواله المقررة قانونا أو دون توفر شروطه أو تجاوز حدوثه أو كل تنفيذه إلى غير مختص وقع الإجراء باطلا وثبت للمتهم الحق في التمسك ببطلانه وبطلان ما أسفر عنه. وقد تؤدي المخالفة –فضلا عن ذلك- إلى ترتيب مسئولية المحقق مدنيا أو إداريا أو جنائيا.

وتختلف التشريعات المعاصرة في مدى ما تمنحه للمحقق من سلطات، كما تختلف في تحديد الأحوال والشروط التي يتقيد بها المحقق عند استعمال هذه السلطات، إلا أنها على أي حال لا تطلق يد المحقق بل تحرص على تقرير عديد من الضمانات حماية للمتهم من جهة ورعاية للنظام العام والآداب من جهة أخرى.

7- حقوق المتهم في فقه الشريعة الإسلامية:

مرحلة التحقيق كما قدمنا لم يرد بها نص خاص ولم يوجبها حكم كلي، فهي ليست من الشرع بل من السياسة كما يقال. ولم يثبت الواقع التاريخي أن هذه المرحلة كانت أصلا عاما في الدعاوى الجنائية. ولا يعني ذلك أن الفصل في هذه الدعاوى كان يتم بدون تحقيق، وإنما المقصود أن التحقيق لم يكن مرحلة مستقلة تتولاه جهة مختصة غير الجهة التي تقوم بالحكم. فمرحلة التحقيق بصورتها الراهنة لم تكن نظاما مقررا في الدول الإسلامية، أو هذا على الأقل ما نراه في حدود ما تجمع لدينا من معلومات. على أنه يسعنا القول مع ذلك بأن الدعاوى الجنائية التي كان يختص بنظرها والفصل فيها من عدا الحاكم أو القاضي كالأمير والمحتسب وصاحب الشرطة كانت تمر بمرحلة تحقيق قبل المحاكمة. غير أن الفصل بين شخص المحقق وشخص القاضي لم يكن مقررا، فكثيرا ما كان الشخص الذي يقوم بالفصل في الدعوى هو نفس الشخص الذي يتولى تحقيقها وتجهيزها وجمع أدلتها. ولهذا السبب فإن كتب الفقه لا تتحدث استقلالا عن حقوق المتهم في مرحلة التحقيق، غير أن الأصول الكلية للشريعة الإسلامية وبعض الكتابات الفقهية في الموضوع تسمح للباحث بتحديد هذه الحقوق. وسوف نعرض لبيانها ملتزمين في ذلك التقسيم السابق.

8- أولا: حق الدفاع:

حق الدفاع عن الشريعة –كما هو في القوانين الوضعية- من لوازم الاتهام فهو فيها من المسلمات. والمقصود بهذا الحق كفالته لا مباشرته، فقد يتقاعس المتهم عن مباشرة حقه في الدفاع عن نفسه رغم تمكينه من ذلك فلا يكون أمام القاضي غير أدلة الإدانة فيحكم بمقتضاها إذا لم يجد ما ينفيها. ولم يتناول فقهاء الشريعة حق الدفاع كنظرية عامة ولم يعرضوا بالتفصيل لكل جزئياته على نحو ما يفعل فقهاء القانون الوضعي، ولكنهم مع ذلك عرضوا له في عديد من تطبيقاته وفي مواضع متفرقة من بحوثهم. والواقع أن كثيرا من الأفكار الفقهية الشرعية في حاجة إلى تأصيل وتنظير أو إلى مزيد من التأصيل والتنظير.

أما عن وجوب كفالة حق الدفاع فالأدلة على ذلك كثيرة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب حين ولاه اليمن: يا علي إن الناس سيتقاضون إليك، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضين لأحدهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء وتعلم لمن الحق. ويروي المؤرخون أن الخليفة عمر بن عبد العزيز نصح بعض القضاة بقوله: إذا أتاك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم له حتى يأتي خصمه، فلعله فقئت عيناه جميعا. والرأي متفق في الفقه الإسلامي على أن تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه هو من الشرع لا من السياسة، فلا يجوز لأي سبب من الأسباب حرمان المتهم من هذا الحق.

ولكي يمارس المتهم حقه في الدفاع عن نفسه يجب أن يكون على بينة من الواقعة المسندة إليه والأدلة القائمة ضده، وهذا يقتضي أن يحيطه المحقق علما بذلك. وفقهاء الشريعة متفقون على ذلك بالنسبة للدعاوى التي ينظرها الحاكم أو القاضي. وإذا كان إعلام المدعي عليه بما يطلب خصمه الحكم به عليه لازما في الدعاوى المدنية ودعاوى الأحوال الشخصية فهو ألزم بغير شك في الدعاوى الجنائية. وليس من المتصور على أي حال أن يسلم نظام قانوني بحق المتهم في الدفاع عن نفسه ثم يحجب عنه الواقعة المسندة إليه والأدلة القائمة ضده. وإنما ينحصر البحث فيما إذا كان من حق المتهم في مرحلة التحقيق أن يعلم بكل هذه الأمور. ولا يسعنا التسليم بأن المسألة لا تحتمل غير رأي واحد من وجهة النظر الإسلامية، وأغلب الظن أنها من المجتهدات. ذلك أن الخلاف لا يدور حول لزوم علم المتهم أو عدم لزومه، وإنما يدور حول وقته، وهل يجب إعلام المتهم على الفور أو على التراخي.

ويشترط أن يكون المتهم قادرا على الدفاع عن نفسه، فإن كان عاجزا عن ذلك لم تصح إدانته، لأن العجز عن الدفاع كالحرمان منه سواء بسواء. وقد بلغ تشدد فقهاء الشريعة في هذا الشأن حدا لم يبلغه المعاصرون من فقهاء القانون الوضعي، فالأحناف يمنعون عقاب الأخرس في الجرائم الخطيرة ولو اكتمل نصاب الشهادة ضده. وحجتهم أنه لو كان ناطقا فربما ادعى شبهة تدرأ الحد عنه، لأنه لا يقدر على إظهار كل ما في نفسه بالإشارة، فلو أقيم عليه الحد لم يكن ذلك عدلا لتمكن الشبهة.

أما استعانة المتهم بمن يدافع عنه فلا نجد في نصوص الشريعة ما يصرح بحظره ولا بإباحته. ولم يجر العمل أو لم يطرد على أن يحضر مع المتهم من يدافع عنه. وربما كان مرجع ذلك إلى أن القضاة كانوا يستشيرون الفقهاء فيما يغم عليهم، ولهذا لم تكن حاجة المتهم شديدة إلى الاستعانة بمن يقدم له الرأي الشرعي. غير أنه يلاحظ أن دور المدافع لا يقف عند هذا الحد، بل يشمل كذلك إبداء الرأي في مدى توفر شروط الحكم الشرعي في الواقعة، وفي مدى صحة أدلة الإدانة، كما يشمل إبداء الأدلة الواقعية المثبتة للبراءة.

وعندنا أن أصول الشريعة الإسلامية –بغض النظر عن الواقع العملي- لا تأبى أن يستعين المتهم بمن يدافع عنه. ويمكن الاحتجاج لهذا الرأي بأدلة وشواهد عدة منها ما هو عقلي ومنها ما هو نقلي. أما دليل العقل فمستمد من طبيعة حق الدفاع، فليس في معنى الدفاع ولا من طبيعته ما يوجب قصر مباشرته على شخص المتهم وحظره على سواه. قد يكون المتهم ممن لا يحسنون الدفاع عن أنفسهم، وحتى إذا كان من يحسن الدفاع فإن اتهامه بارتكاب الجريمة قد يسلبه صفاء ذهنه فلا يسلس له زمام المنطق، وقد يركبه العي في موقف الدفاع أو يفلت منه بعض ما كان يود أن يبديه. ولا يمكن أن تقر عين العدالة بدفاع أبتر كهذا الدفاع. وإذا كنا لا نجد نصا صريحا يحظر على المتهم أن يستعين بمن يدافع عنه فإن روح الشريعة الإسلامية ومبادئها العامة لا تأبى عليه أن يستعين بمن يشاء، بل إنها تحض على نجدة الملهوف وإغاثة المكروب، وأشد ما يكرب به المرء هو أن يساق إلى القضاء ويتهم أمامه بما قد يودي به. وأما أدلة النقل وشواهده فمن قوله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار. وقد تناول فقهاء الشريعة هذا الحديث بالشرح من جوانب مختلفة، غير أن هناك في رأينا جانبا يستطيع المحدثون أن يبرزوه. فالحديث يقرر أن القاضي مهما تكن فطنته يمكن أن يدلس عليه أحد الخصوم بحسن منطقه وحذقه في عرض حجته حتى يختلط عليه الأمر فيظن الباطل حقا والحق باطلا فيقضي على وفق ما سمع وما اعتقد. وقد نفر صلى الله عليه وسلم من ذلك واعتذر واستبرأ لنفسه. ونحن نفهم هذا الحديث على أن فيه إشارة إلى جواز استعانة الفدم أو العيي بمن يحسن بسط حجته، والمضطرب بمن هو أثبت منه نفسا وأصفى فكرا وأعمق تجربة ليواجه خصمه ويفند حججه ويعصم القاضي من الحكم بالباطل ويعينه على تحقيق رسالته، وهي الكشف عن الحقيقة أولا ثم إمضاء العدل ثانيا.

وقد يعترض على ذلك بأن العاجز عن الدفاع قد يستعين بمن هو ألحن من خصمه فتنعكس الآية، بل قد يستعين اللحن بنفسه بمن هو ألحن منه فتكون الطامة أكبر. وهذا الاحتمال قائم إلا أن البديل أخطر منه، وما دام الحكم يبنى على ما يبدو للقاضي أنه الحق فليس من العدل أن نحرم أحد من الخصمين من إبداء كل دفاعه لقاضيه إما بنفسه أو عن طريق غيره إذا أحسن بالعجز عن مجاراة خصمه. والتسوية بين الخصوم في هذا المجال هي أقصى ما في وسع البشر عمله للكشف عن الحقيقة وإقرار العدل. وإذا لم يكن بد من الموازنة والاختيار بين تقييد حق الدفاع والإفراط في كفالته فكفة الأمر الثاني أرجح، لأن الإسراف في تحري العدل خير من الظلم على أي حال. وهذا الرأي يتلاءم تماما مع ما قرره فقهاء الشريعة في عقد الوكالة، فقد صرحوا بجواز التوكيل في الخصومة، ولم يقصروا الحكم على الخصومة المدنية وحدها. بل صرفوه كذلك إلى الخصومة الجنائية، فنصوا على جواز الوكالة في إثبات الاتهام، سواء تعلق بحد أو قصاص أو تعزير. جاء في بدائع الصنائع أنه إذا كان الحد مما يحتاج فيه إلى الخصومة كالسرقة والقذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد، أما عند أبي يوسف فلا يجوز، وحكى الكاساني الخلاف نفسه بالنسبة إلى التوكيل بإثبات القصاص. أما التعزير فقد ذكر أن التوكيل بإثباته جائز بالاتفاق. وعندنا أن إجازة الوكالة في إثبات الاتهام تقتضي بطريق التقابل أجازتها في درئه، بل إننا نراها كذلك من باب أولى، لأن الحاجة إلى الوكالة في الدرء أمس نظرا لما يعتري الشخص في مقام الاتهام من عي أو اضطراب يعجزه عن إحسان الدفاع عن نفسه. وقد فطن فقهاء الشريعة إلى ما يمكن أن يؤدي إليه التوكيل في الخصومة من مخاطر قد تذهب أحيانا ببعض الحقوق، فدعا بعضهم إلى وجوب تقييد حق الخصم في توكيل غيره برضا خصمه، فإذا اعترض تعين عليه أن يتولى بنفسه الدفاع عن حقه. وهذا رأي أبي حنيفة، وقد احتج له –فيما احتج- بأن الناس في الخصومات على التفاوت، فبعضهم أشد خصومة من بعض، وربما كان الوكيل ألحن بحجته فيعجز من يخاصمه عن إحياء حقه فيضرر به، ولذلك اشترط رضا الخصم ليكون الضرر الذي يصيبه بسبب الوكيل مضافا إليه. وخالف الشافعي وأبو يوسف ومحمد فلم يقيدوا حق الخصم في توكيل غيره برضا خصمه، لأن التوكيل بالخصومة –في رأيهم- صادف حق الموكل فلا يقف على رضا خصمه، كما لو خاصمه بنفسه. والخلاف بين الرأيين يدور حول أي الحقين أولى بالرعاية: حق الخصم في اختيار من ينوب عنه في بسط دعواه، أو حق خصمه في ألا يبتلى بوكيل محجاج، فمن قدم حق الأول أطلقه، ومن راعى حق الثاني مال إلى التقييد. ولا تخلو تراجم القضاة من إشارات إلى وكلاء الخصومة.

حكى الخشني في “تاريخ قضاة قرطبة” أن رجلين اختصما إلى القاضي أحمد بن بقي “فنظر إلى أحدهما يحسن ما يقول والآخر لا يدري ما يقول، ولعله توسم فيه ملازمة الحق فقال له: يا هذا، لو قدمت من يتكلم عنك، فإنني أرى صاحبك يدري ما يتكلم، فقال له: أعزك الله، إنما هو الحق أقوله كائنا فقال: ما أكثر من قتله قول الحق. وإذا كان هذا القاضي الجليل قد حرض الخصم على الاستعانة بمن هو أقدر منه على إبداء دفاعه ومقارعة خصمه في دعوى يدور النزاع فيها حول حق من الحقوق المالية، فإن روح الشريعة الإسلامية، بل المنطق المجرد يوجب التسليم من باب أولى بحق المتهم في الاستعانة بمن يدافع عنه حيث قد يؤدي الحكم عليه إلى إهدار دمه أو طرفه أو النيل من بدنه أو شرفه واعتباره. ومن الفقهاء مع ذلك من يقيد حق الخصم في الاستعانة بمن يدافع عنه، فيقصره على أمور دون أمور. فقد جاء في أدب القاضي للماوردي ما يلي: إن قال القاضي لأحد الخصمين ما يلي: إن قال القاضي لأحد الخصمين استعن بمن ينوب عنك فإن أشار بذلك إلى الاستعانة في تحقيق الدعوى جاز، وهذا الرأي لا يستند إلى نص صريح وإنما هو اجتهاد وعلة الحكم فيما نعتقد هي الحرص على تحقيق المساواة بين الخصوم. ومن الممكن المنازعة في سلامة العلة، فليس من شأن الحكم أن يحقق هذه المساواة وأقصى ما يمكن أن يؤدي إليه هو المساواة الشكلية، فالخصوم أنفسهم يتفاوتون في مدى قدرتهم على بسط حججهم والدفاع عن أنفسهم بين يدي قاضيهم، فكيف يتصور أن يتساوى غير الأكفاء‍ وعلى أي حال فالعلة إن قبلت في دعاوى الأحوال المدنية ودعاوي الأحوال الشخصية فلا وجه للتمسك بها في الدعاوي الجنائية لأن أغلب الجرائم تتمحض عدوانا على حق الله وسائرها عدوان على حق الله وحق العبد على تفاوت بينهما في الغلبة أو الرجحان، وهذا يقتضي التيسير على المتهم بل التوسعة عليه في مقام الدفاع لأن علة الحكم وهي الإشفاق من الإخلال بواجب المساواة بين الخصوم منتفية بطبيعة الحال، ذلك بأن المتهم -وعلى الأخص في النظم الإجرائية المعاصرة وهي لا تخالف أحكام الشريعة- يواجه خصما عاما هو النيابة العامة، وهي ألحن منه حجة بحكم التخصص والتمرس وأكثر قدرة على النفاذ إلى الدليل بحكم ما تتمتع به من سلطات عامة.

9- ثانيا: ضمانات المتهم:

يحرص الإسلام على حماية الحقوق الأساسية للإنسان، وهو لا يفرق في هذه الحماية بين مسلم وغير مسلم. وبعبارة أدق فإن هناك حد أدنى من الحقوق يثبت للإنسان بوصفه إنسانا فلا يجوز المساس به إلا لضرورة تعلو على ضرورة حمايته، وذلك مقتضى التكريم الذي ورد في قوله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم”. والحقوق التي يقرها ويحميها عديدة، وأهمها حق الحياة وسلامة البدن والعرض والشرف والحرية الشخصية وحرمة المال والمسكن والحياة الخاصة بوجه عام، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الخصوص كثيرة. ولذلك فإن كفالة هذه الحقوق هي من صميم الشرع، والدولة مسئولة عن حمايتها بحكم كونها القائمة على تطبيق هذا الشرع.

غير أن هذا الأصل يقابله أصل آخر، وهو أن الحقوق كلها يمكن الحد منها أو حتى العصف بها نزولا على حكم الضرورة. ومن القواعد المجمع عليها في الفقه الإسلامي –بل وعلى مستوى الفكر الإنساني- أن الضرورات تبيح المحظورات وأنها تقدر دائما بقدرها.

والتعارض بين الأصلين في مجال التحقيق الجنائي يقتضي الحد من حقوق المتهم وحرياته بالقدر الذي تقتضيه ضرورة الكشف عن الحقيقة وإمضاء العدالة الجنائية. فما توجبه الضرورة يمثل قدر السلطة الممنوحة للمحقق، وما لا توجبه يخرج عن اختصاصه وإلا كان عدوانا. وعلى هذا النحو تتحدد طبيعة السلطة المقررة للمحقق، فهي خروج على أصل وليست تطبيقا لأصل. فالأصل ألا يقبض على إنسان، ولا يحبس ولا تنتهك حرمة مسكنه ولا حياته الخاصة ولا تضبط أمواله، فإذا اقتضت ضرورة الكشف عن الحقيقة وإقرار العدالة الحد من هذه الحقوق أو بعضها جاز ذلك استثناء وبشرط أن ينحصر الأمر في حدود ما تقضي به الضرورة. وعلى ذلك فالقيود التي ترد على حقوق المتهم تقابلها في الوقت نفسه قيود على سلطة المحقق، وهذه القيود من وجهة نظر المتهم تعتبر ضمانات.

ويتعين القول بأن الأصلين السابقين هما من الشرع بلا خلاف، أما الجمع أو التوثيق بينهما فمن السياسة، بشرط ألا يصل الأمر إلى إهدار أحد الأصلين كلية. وهنا تبدو مرونة الشريعة الإسلامية، فهي لا تضع قائمة جامدة تحدد ما يجوز تقييده من حقوق المتهم ولا مدى القيد وشروطه، ولكنها تكل الأمر لمن بيدهم مقاليد الحكم في الدولة، وتخولهم سلطة تنظيمه وفقا لما يرونه محققا للصالح العام. والباحث في كتب الفقه يلمس كثيرا من وجوه الخلاف بين الفقهاء حول ماهية ومدى القيود التي يجوز إيرادها على حقوق المتهم في مرحلة التحقيق أو بتعبير آخر حول مدى السلطة الممنوحة للمحقق. ولا يمكن فهم هذا الخلاف ولا تعليله إلا في ضوء الملاحظة السابقة.

ويحسن بنا في هذا المقام أن نعرض بإيجاز لبعض ما تناوله فقهاء الشريعة في مؤلفاتهم مما يتصل بهذا الموضوع وذلك على سبيل الاستشهاد وليس الاستقصاء.

 

10- تقسيم المتهمين من حيث خضوعهم لإجراءات التحقيق:

يقسم فقهاء الشريعة المتهمين من هذه الزاوية ثلاثة أقسام: فالمتهم إما أن يكون من أهل الصلاح والتقوى، أو من أهل المعصية والفجور، أو يكون مجهول الحال لا يعرف ببر ولا بفجور. وتظهر أهمية هذا التقسيم عندما تكون التهمة خفيفة أو ضعيفة، أي عندما تكون خالية من دليل شرعي أو من قرينة حال. والرأي متفق على أن أفراد القسم الأول لا يجوز التعرض لهم، فلا تقيد حقوقهم ولا تحد حرياتهم لمجرد اتهام قولي ينسبه البعض إليهم. وفي تعزير من وجه الاتهام لأهل هذا القسم خلاف. أما القسمان الآخران فيصح تقييد حقوق أفرادهما والحد من حرياتهم بالقدر الذي تقتضيه ضرورة الكشف عن الحقيقة. وهذا التقسيم مناطه فكرة الاستصحاب. وقد أحسن فقهاء الشريعة استغلال هذه الفكرة وتمكنوا بحس مرهف من التمييز بين دورها في مجال العقوبات ودورها في مجال الإجراءات.

أما في المجال الأول فقرينة البراءة الأصلية تعصم كل إنسان من العقاب إلى أن يقوم الدليل على إدانته، ولا يكفي مجرد الشك مهما تكن درجته لنفي تلك القرينة. أما في مجال الإجراءات فالأمر يختلف، إذ يكفي لتقييد حرية المتهم وحقوقه أن تهتز تلك القرينة وأن تخالطها قرينة معاكسة.

ولا يعتبر هذا التقييد نفيا للبراءة الأصلية ولكنه إجراء وقتي تمليه المصلحة العامة لاستجلاء حقيقة القرينة المعاكسة، فإما أن تثبت صحة هذه القرينة فتنتفي البراءة الأصلية أو لا تثبت صحتها فتبقى البراءة الأصلية قائمة. ويرى فقهاء الشريعة أن الاتهام المجرد لأهل الصلاح والتقوى هو اتهام متهافت لا يعتد به ولا يلتفت إليه، أما اتهام أهل الفجور والمعصية فيحتمل الصدق والكذب واحتمال الصدق به أغلب لاتفاقه مع أسلوب حياتهم، وأما مجهول الحال فاتهامه يحتمل الوجهين على سبيل الاستواء. وقد رأى جمهور الفقهاء إلحاق مجهولي الحال بأهل الفجور في الحكم فأجازوا إخضاعهم جميعا لقيود التحقيق.

وقد التبس الأمر على بعض فقهاء الشريعة فخلطوا بين الأثر الموضوعي والأثر الإجرائي لقرينة البراءة الأصلية، وذهبوا إلى وجوب كف اليد عن المتهم وعدم التعرض له بالحد من حرياته وحقوقه إلى أن يقوم الدليل الشرعي على إدانته ظنا منهم أن أي تعرض له قبل ثبوت إدانته يعتبر إهدارا لتلك القرينة وانتهاكا لأصل لا خلاف فيه. وهذا الرأي وإن يكن إنساني النزعة إلا أن إطلاقه بغير قيود لا يتفق مع الفهم الصحيح للشريعة الإسلامية ولا يحقق التوازن الذي تحرص عليه في كل أحكامها بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع. وقد أفضى تشديد هذا الرأي في حماية المتهم إلى نتيجة عكسية، إذ انتهكت حقوقه من الناحية العلمية، ذلك أن الولاة والأمراء لم يسعهم –بحكم مسئولياتهم- ما وسع أصحاب هذا الرأي. وقد أطلق كثير منهم لنفسه العنان ومنهم من أفرط في التنكيل بالمتهمين ظنا منهم أن الأمر سياسة لا شرع وأن لهم حق تنظيمه كما يشاءون بغير قيد ولا شرط.

وقد حمل ابن تيمية على الفريقين بشدة وتبعه في ذلك ابن القيم فقال نقلا عنه: ما علمت أحدا من أئمة المسلمين يقول إن المتهم يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، فليس هذا على إطلاقه مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة. ومن زعم أن هذا –على إطلاقه وعمومه- هو الشرع فقد غلط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولإجماع الأئمة. وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصالح الأمة وتعدوا حدود الله. وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة جعلها هؤلاء من الشرع، وجعلها هؤلاء قسيمه ومقابلة له. وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، وأن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة. والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ وأفحشه. وإنما أوتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزله الله على رسوله وشرعه بين عباده، فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال إمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقا حتى تقوم إمارة على صدقه فيقبل أو على كذبه فيرد، حكمه دائر مع الحق والحق دائر مع حكمه أين كان ومع من كان وبأي دليل صحيح كان. فتوسع كثير من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكاما وقصر كثير من أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام.

11- مدى جواز القبض على المتهم وحبسه احتياطيا:

الأصل عند فقهاء الشريعة أن حرية الإنسان مكفولة فله أن ينتقل حيث يشاء كما يشاء. ويستشهد ابن حزم على صحة هذا الأصل بقوله تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها. وقد منع الفقهاء حبس الإنسان إلا لضرورة توجب الحد من هذا الأصل، فلا يحل لأحد أن يمنع إنسانا من السعي في الأرض بغير حق.

والشرعيون حين يتحدثون عن الحبس فإنما يقصدون به مفهومه الواسع، فهو يشمل عندهم كلا من القبض والحبس الاحتياطي بحسب اصطلاح القوانين الوضعية. وقد عرف ابن القيم الحبس الشرعي بأنه ليس الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه.

وعامة الفقهاء يوجبون على القاضي إذا تقلد عمله لأول مرة أن يبدأ بالتفتيش على المحبوسين فيطلق كل من حبس بظلم، فإذا فرغ من ذلك نظر في الأوصياء ومال القصر ثم أخذ بعد ذلك في الفصل فيما تحت يده من دعاوي. وتبدو شدة اهتمام الفقهاء بالحرية الشخصية فيما الزموا به القاضي من قيود لضمان مشروعية الحبس، فقد جاء في الفتاوى الهندية –وهو من كتب الحنفية- أنه إذا حبس القاضي رجلا بحق ينبغي أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده والسبب الذي لأجله حبسه وتاريخ الحبس. وإذا عزل القاضي وخلفه غيره بعث الخليفة إليه من يسأله عن المحبوسين وأسباب حبسهم. ويسأل القاضي الجديد المحبوسين عن أسباب حبسهم ويجمع بينهم وبين خصومهم. وجاء في وجيز الغزالي –وهو من أئمة الشافعية-: إذا قدم القاضي فتش عن المحبوسين وأطلق كل من حبس بظلم، ومن أقر بالحق رد إلى الحبس، ومن قال أنا مظلوم استدعى خصمه ليستأنف الخصومة ولقيم الحجة على أن القاضي المعزول حكم عليه بالحق، وإن قال المحبوس لا أدري لم حبست استدعى خصمه فإن لم يحضر أطلق، وإن ذكر خصما غائبا وزعم أنه مظلوم فإطلاقه أولى. وقد عرف فقهاء الشريعة الحبس الاحتياطي وأجازوه، وسماه بعضهم حبس احتياط، وبعضهم حبس اختيار، وبعضهم حبس كشف واستبراء. جاء في المبسوط للسرخسي –وهو من فقهاء الحنفية- إذا شهد شهود الزنا والقاضي لا يعرف عدالتهم فإنه يحبس المتهم حتى يسأل عن الشهود، وهذا لأنه لو خلى سبيله هرب فلا يظفر به بعد ذلك… ولا يقتصر الحبس الاحتياطي على جريمة الزنا بل يصح في كل جريمة تقتضي التحفظ على المتهم، إما ضمانا لعدم هربه أو لتنفيذ حكم الإدانة عند صدوره. ولا ينفرد فقهاء الحنفية بهذا الرأي بل ويتفق معهم فيه فقهاء الشافعية والمالكية والحنابلة أيضا.

غير أن الفقهاء يختلفون بعد ذلك فيمن يصح له أن يأمر بالحبس، وفيمن يصح حبسه، وفي أقصى مدة للحبس ولا يعنينا في هذا المقام تقصي آراء الفقهاء، وتكفي الإشارة هنا إلى ما ذكره الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية” وتبعه كثير من الفقهاء… والرأي عنده أن سلطة المحقق تختلف باختلاف صفته، فإن كان حاكما أو قاضيا واتهم شخص لديه بسرقة أو زنا فليس لهذه التهمة عنده من أثر، فلا يجوز له أن يحبسه حتى يكشف عن حاله أو يتحقق من براءته أو إدانته. أما إن كان الناظر في التهمة هو الأمير أو والي الجرائم فله أن يأمر بالحبس إذا رأى التهمة قوية أو غليظة وعليه أن يطلق المتهم إذا اتضح أنها ضعيفة أو خفيفة. والتهمة الخفيفة تغلظ لأسباب، منها ما يقدمه أعوان الأمير له من معلومات عن طباع المتهم وأحواله، ومنها الدلائل والقرائن. ويفصل الماوردي هذا الرأي بأن للأمير أن يسمع قذف المتهم من أعوانه الذين يصطنعهم للكشف عن الجرائم، وهو يرجع إلى قولهم في الأخبار عن حال التهم، وهل هو من أهل الريب أو لا، وهل هو معروف بمثل ما اتهم به أو لا، فإن نزهوه عن ذلك خفت التهمة وأطلق، وإن اتهموه بمثل ما هو منسوب إليه غلظت التهمة وبالغ الأمير في الكشف.

وله كذلك أن يراعي شواهد الأحوال وأوصاف المتهم في قوة التهمة وضعفها، فإن كانت التهمة سرقة وكان المتهم ذا عيارة أو في بدنه آثار ضرب أو كان معه حين أخذ منقب قويت التهمة وإلا ضعفت. وإذا قويت التهمة جاز للأمير أن يعجل حبس المتهم للكشف عن حاله والتحقق من براءته أو إدانته.

أما عن مدة الحبس فقال: “واختلف في مدة حبسه، فقيل شهر، وقيل ليس بمقدر وهو موقوف على رأي الإمام واجتهاده، وهذا أشبه”. ويميل الماوردي بوجه عام إلى التضييق من سلطة القاضي والتوسعة على غيره ممن يلون القضاء بحكم وظائفهم في المسائل التي يتوقف الحكم الشرعي فيها على تقدير وجه المصلحة، وهي المسائل التي لم يرد بها نص ولا انعقد عليها إجماع، وذلك “لاختصاص الأمير بالسياسة واختصاص القضاة بالأحكام” كما يقول.

ويتبين مما سبق أن الحبس الاحتياطي جائز بوجه عام في الفقه الشرعي، ولكنه محاط بقيود منها ما يتصل بالغاية منه، ومنها ما يتصل بصفة الآمر به، ومنها ما يتصل بشروط الأمر به، ومنها ما يتصل بمدته، وتلعب السياسة الشرعية دورا كبيرا في تحديد هذه القيود و تنظيم أحكامها، وليس في أصول الشريعة العامة ولا في نصوصها الخاصة ما يحول دون تنظيم هذه المسائل على نحو يختلف باختلاف الزمان والمكان إذا اقتضت ذلك دواعي المصلحة العامة.

12- تفتيش شخص المتهم ومسكنه ومراقبة أحاديثه:

مقتضى التكريم الذي مَن الله به على الإنسان وصرح به القرآن أن تصان حرماته. وأخص ما تتعلق به الحرمة شخص الإنسان ومسكنه وحياته الخاصة بوجه عام. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الخصوص عديدة. قال تعالى في سورة النور: “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم”، وقال في سورة الحجرات: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا”، وقال صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه” وقال: إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم، وقال أيضا: من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك (وهو الرصاص المذاب) يوم القيامة. وقيل لابن مسعود: هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذه به. وروي أن عمر بن الخطاب حدث أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته فانطلق عمر حتى دخل عليه فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس، فخرج عمر وتركه. وقال عبد الرحمن ابن عوف: حرست ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت مجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية ابن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال تعالى: ولا تجسسوا، وقد تجسسنا، فانصرف عمر وتركهم.

وإذا كانت حرمات الإنسان واجبة الصيانة فذلك مشروط بألا يقوم من الأسباب ما يوجب الحد أو النيل منها. وقد بين القرآن هذا الشرط ضمنا حين قصر الإثم في آية الحجرات على بعض الظن ولم يبسطه على سائره. وقال المفسرون: الظن في الآية هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى: “ولا تجسسوا”، وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع ليتحقق مما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإن شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له إمارة صحيحة، وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث (تفسير القرطبي). وحاصل هذا القول أنه لا يجوز تفتيش بالخبائث (تفسير القرطبي). وحاصل هذا القول أنه لا يجوز تفتيش شخص الإنسان ولا تفتيش  مسكنه ولا تسجيل أحاديثه الخاصة ولا هتك أسراره بوجه عام لمجرد الاعتقاد بأنه ارتكب ما يوجب عقابه، لأن الاعتقاد المجرد ظن آثم، وهو لا يغني من الحق شيئا. ولا معتبر لهذا الظن إلا إذا عززته إمارة صحيحة أو شهد على صحته دليل. ورأى الفقهاء في هذا الشأن يوافق رأيهم في القبض والحبس والاحتياطي، فهم يفرقون بين أهل الصلاح والتقوى وأهل الفجور والمعصية وينهون عن التجسس على الأولين لمجرد اتهامهم ولا يرون بأسا في التجسس على الآخرين اعتبارا بحالهم وما درجوا عليه في سلوكهم. وعندنا أن إباحة التعرض للفريق الثاني وتقييد حقوقه وحرياته لمجرد اتهامه إنما هو اجتهاد فقهي تصح المجادلة فيه وتصح معارضته. ومجال الرأي يتسع للقول بأنه لا يصح التجسس على أحد –سواء بتفتيشه أو تفتيش مسكنه أو بتسجيل أحاديثه- إلا إذا قامت إمارة أو قرينة من الواقع تعزز اتهامه، سواء كان المتهم من أهل البر والتقوى أو من أهل الفجور والمعصية. ومما يؤيد هذا النظر أن عمر بن الخطاب توقف عن التجسس على كل من أبي محجن الثقفي وربيعة ابن أمية وكلاهما كان معروفا بالميل للشراب. والخلاف في هذا الشأن محتمل، ولكل رأي ما يوجهه. ويلفت النظر أن هذا الخلاف ملموس في التشريعات الوضعية المعاصرة، فمن التشريعات ما يحظر التفتيش ومراقبة الأحاديث وتسجيلها إلا إذا قامت قرائن أو دلائل كافية على صحة الاتهام، ومنها ما يجيز اتخاذ هذه الإجراءات بالنسبة لطائفة معينة من الناس كالمتشردين والمشتبه فيهم والذين ليس لهم محل إقامة ثابت ومعروف لمجرد اتهامهم بارتكاب جريمة ولو لم تقم على صحة اتهامهم قرائن أو دلائل أخرى.

والذي يعنينا تقريره في هذا الخصوص أن الشريعة الإسلامية تحظر تفتيش الشخص والمسكن واستباحة الحياة الخاصة بغرض التحقق من وقوع الجريمة، وإنما هي تسمح بذلك فحسب إذا قامت القرائن، أو الدلائل على وقوع الجريمة. وهذا الحكم من صميم الشرع، أما تقدير قوة القرائن ومدى كفايتها فمتروك للقائم على تنفيذ حكم الشرع.

ولما كان من المقرر أن تقييد حقوق المتهم وحرياته هو خروج على الأصل نزولا على حكم الضرورة فإنه يتعين ألا يجاوز القيد مداه، ويتحدد هذا المدى بالغاية التي استوجبت فرض القيد وهو الكشف عن الحقيقة، فما لا تقتضيه هذه الضرورة ألا يباح بل يظل على أصله من الحظر. وإذا اقتضت الضرورة تقييد حرية المتهم أو حق من حقوقه فإنه يتعين تنفيذ هذا الإجراء بطريقة تتفق مع الآداب الإسلامية. فإذا دعا الأمر إلى تفتيش أنثى فلا يحل لرجل أن يمس عورة من عوراتها. وهذا الشرط مسلم، وهو عند المسلمين من البديهيات الشرعية. وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة ما يؤكده، ففي كتب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هم بفتح مكة وأعلم الناس بذلك كتب حاطب إلى أهل مكة كتابا يخبرهم فيه بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنفذه إليهم مع امرأة يثق بها. ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل بعث عليا بن أبي طالب والزبير والمقداد في أثرها، وأمرهم أن يدركوها ويأخذوا الكتاب منها، فأدركوها على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبوا منها الكتاب فقالت: ما معي كتاب، فأناخوا بعيرها وفتشوه فلم يجدوا الكتاب، فقالوا لها: ما كذب رسول الله، لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها أي حزامها وفي رواية إلى عقاصها أي ضفيرتها فأخرجته. ودلالة القصة أن الصحابة الثلاثة لم يبتدروا المرأة بتفتيش شخصها بل بدءوا بتفتيش متاعها ثم توقفوا عندما اقتضى الأمر تفتيشها وخوفوها حتى أخرجت الكتاب بنفسها دون أن يمس أحدهم عورة من عوراتها.

13- حرية المتهم في الإدلاء بأقواله والعدول عنها:

للمتهم في الشريعة الإسلامية مطلق الحرية أن يجيب على أسئلة المحقق أو يعتصم الصمت، وإذا أجاب فهو غير ملزم بقول الحق، وإذا أقر على نفسه فله العدول عن إقراره، وإذا عدل عنه سقط الإقرار فلا يصح التعويل عليه عند الحكم بإدانته.

(أ) وجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز إكراه المتهم لحمله على الإقرار. يقول ابن حزم في المحلي: لا يحل الامتحان في شيء من الأشياء بضرب ولا بسجن ولا بتهديد لأنه لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة ثابتة ولا إجماع. ويشترط المالكية أن يكون الإقرار طوعا. فإن أكره المتهم على الإقرار فلا حكم لإقراره ولا يؤخذ به ولو أخرج السرقة أو عين القتيل. والحنفية بدروهم لا يعولون على الإقرار ولو كان صادقا إذا كان المتهم قد أدلى به تحت التعذيب أو التهديد، ويصفون الحصول على هذا الإقرار بأنه جور أشبه بالعدل.

(ب) ومن الفقهاء مع ذلك من يجيز الإكراه لحمل المتهم على الإقرار، وهذا رأي بعض متأخري الحنفية. جاء في حاشية ابن عابدين، عن الحسن ابن زياد من أصحاب الإمام قوله: يحل ضربه –أي المتهم- حتى يقر ما لم يقطع اللحم ويبين العظم، ويعقب ابن عابدين بأن الضرب هو الذي يسع الناس وعليه العمل، وإلا فالشهادة على السرقات أندر الأمور. ويضيف بأنه ينبغي التعويل على هذا الرأي في زماننا –أي زمن ابن عابدين ومن نقل عنهم- لغلبة الفساد. ويتحفظ أصحاب هذا الرأي فيقصرون الإكراه على أهل التهمة، وهم طائفة الأشرار الفجار.

(ج) ومن الفقهاء من يتوسط فلا يجيز الإكراه لانتزاع الإقرار لكنه يعتد بأثره إن كان صحيحا. ومن هؤلاء ابن القيم وابن حزم. يقول ابن القيم في الطرق الحكمية: إذا عُوقب المتهم –أي عُذب- على أن يقر بالمال المسروق فأقر به وظهر عنده قطعت يده، وليس هذا إقامة للحد بالإقرار الذي أكره عليه ولكن بوجود المال المسروق معه الذي توصل إليه بالإقرار. ويعبر ابن حزم عن هذا الرأي في المحلي بوضوح أشد وبمنطق أسد فيقول: إن لم يكن  إلا إقراره فقط فليس بشيء لأن أخذه بإقرار هذه صفته لم يوجبه قرآن ولا سنة ولا إجماع. فإن استضاف إلى الإقرار أمر يتحقق به يقينا صحة ما أقر به فالواجب إقامة الحد عليه، وله القود –أي القصاص- مع ذلك على من ضربه: السلطان كان أو غيره، لأنه ضربه ظالما له دون أن يجب عليه ضرب وهو عدوان. وليس ظلمه وما وجب عليه من حد لله تعالى أو لغيره، بمسقط حقه عند غيره في ظلمه له، بل يؤخذ منه ما عليه ويعطي هو من غيره. وهذا الرأي بغض النظر عن صحة ما انتهى إليه أو فساده لا يخلو من حبكة فقهية، فهو لا يعول على ذات الإقرار لبطلانه، ولكنه مع ذلك يعول على آثاره باعتبارها دليلا قائما بذاته يصح بناء حكم الإدانة عليه إذا فرضنا الإقرار عدما. وقد حاول ابن حزم بحس الفقيه أن يحقق التوازن بين ما توجبه العدالة من ضرورة عقاب من قام الدليل القاطع على صحة اتهامه وبين ما يوجبه الشرع من عدم إيذاء إنسان لحمله على الإقرار بما لا يلزمه الإقرار به.

وفي مقام الموازنة بين الآراء الثلاثة يبدو لنا رأي الجمهور أرجح.

أما الرأي الثاني فضعفه ظاهر وسنده متهافت، فليس من أصول الشريعة الإسلامية أن الغاية تبرر الوسيلة، وإنما الذي يتفق مع أصولها أن تتكافأ الوسائل مع المقاصد في مشروعيتها وهذا الرأي فضلا عن ذلك عقيم، فهو لا يحقق فائدة عملية في نظام قانوني يطبق أحكام الشريعة كاملة، ذلك أن الأثر الجنائي للإقرار لا يترتب على مجرد الإدلاء به، بل هو مشروط كذلك بالإصرار عليه، فإذا اكره المتهم على الإقرار فأقر ثم عدل من بعد سقط إقراره وامتنع العمل به، وبهذا يتمخض عن الإكراه أذى لا نفع فيه.

وأما الرأي الثالث فلا يعيي القائلين به الدفاع عنه، وقد تصلح فوائده العملية شفيعا له. غير أننا مع ذلك لا نؤيده، وذلك لسببين: الأول أنه يصطدم بقاعدة فقهية مقررة عبر عنها الشرعيون بصيغ متعددة ورتبوا عليها كثيرا من الأحكام الفرعية، وتتحصل هذه القاعدة في أنه لا يبنى صحيح على باطل، وأن للفرع حكم الأصل. والثاني أن سد الذرائع يقتضي إبطال ما يفضي إليه الإكراه، لأن التعويل على ما يسفر عنه إقرار المكره يغري ضعاف النفوس بتعذيب المتهم، ولا يدرأ عن المتهم هذا الخطر تقرير حقه في القصاص ممن عذبه وإنما يندرئ الخطر بإبطال إقراره وإهدار كل ما أسفر عنه.

أما الاحتيال على الإقرار فقد أجازه ابن حزم وحسنه لأنه لا إكراه فيه، وعرض لرأي الإمام مالك وانتقده بقوله: وقد كره ذلك مالك ولا وجه لكراهيته لأنه ليس فيه عمل محظور. ونسب ابن حزم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى علي بن أبي طالب أنهما احتالا على بعض المتهمين حتى أقروا فأخذهم بأقاريرهم. وحجة ابن حزم أن الاحتيال ليس كالإكراه. فالكره ما كان ضررا في الجسم أو في المال أو ما توعد به المرء في نفسه أو في أهله، ولا كذلك الاحتيال فلا يكون له حكم الإكراه. وجمهور الفقهاء على غير ذلك، فالرأي عندهم أنه لا ينبغي للقاضي أن يحتال على المتهم لحمله على الإقرار ولا أن يستحثه عليه، بل إنهم يستحبون له أن يثنيه عن الإقرار إن هم به وعن المضي فيه إذ بدأه، وأن يعرض له بالرجوع فيه إن كان سرق، وقال لماعز: لعلك قبلت، لعلك فأخذت، لعلك لامست. وروى أن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسارق فقال له: أسرقت؟ ما أخالك مما يقبل فيه الرجوع. وهم يستدلون لذلك بأحاديث وآثار صحيحة، فقد أتى برجل فسأله: أسرقت؟ قال لا فقال: لا، فتركه. وروى معنى ذلك عن أبي بكر وأبي هريرة وأبي الدرداء. وروي عن ابن مسعود أنه أتى بسوداء يقال لها سلامة فقال: سرقت؟ قولي لا، قالوا: أتلقنها؟ قال: جئتموني بأعجمية لا تدري ما يراد بها حين تقر فأقطعها. وفي حث المقر على الرجوع في إقراره تفصيل وخلاف لا يقتضي المقام بسطه. وخلاصة رأي الجمهور أن القاضي بالنسبة إلى الإقرار منهي عن أمور ومندوب لأمور، ولا بأس بالإقرار شرعا إن جاء على خلاف الندب على ما فيه من كراهة، إنما البأس إن جاء على خلاف النهي. ويكون الإقرار كذلك إذا سعى القاضي إليه وحمل المتهم عليه بإكراه أو تدليس، فهو في الحالين باطل لا يعول عليه. وليس سديدا ما ذهب إليه ابن حزم من المغايرة في الحكم بين الإكراه على الإقرار والاحتيال للحصول عليه، واعتبار الأول دون الثاني قادحا فيه، إذا لا فرق في الحقيقة بين الأمرين، وكان المنطق يوجب التسوية بينهما، فالإكراه يبطل لا لكونه تعذيبا محظورا، بل لكونه مفسدا للإدارة.. ورأي مالك في تقديرنا أرجح، فليس صحيحا أن ركون المحقق إلى الغش والخديعة عمل غير محظور، كذلك فإن الإكراه إنما يبطل الإقرار لكونه مفسدا للإرادة ونافيا للتلقائية أو الطواعية وهي شرط صحة في الإقرار، وهذه العلة قائمة في الاحتيال فوجب أن يكون له حكم الإكراه. وقد ظن ابن حزم أن علة الحكم في حالة الإكراه هي إيذاء المقر أو تهديده، والنظر الصحيح في اعتقادنا يوجب الاعتداد بأثر الوسيلة على إرادة المقر لا على شكلها وصورتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر