أبحاث

التربية الإسلامية وتحديات القرن الحادي والعشرين

العدد 85

مقدمة:

عدة آيات كريمات من كتاب الله المجيد في القرآن الكريم تشير لنا إلى ان الله سبحانه وتعالى عندما خلق الانسان في هذه الحياة الدنيا لم يضعه على طريق مفروش بالورود والرياحين ، إنما هو على طريق ” الابتلاء” سائر ، وقد زوده المولى عز وجل بإمكانات وقدرات “المغالبة”  ، وأرشده إلى غاية السعي وهداه إلى أسباب وآداب ” الكدح”:

}إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان لوماً جهولاً{( الأحزاب: 72).

فها هنا الموقف الأول للتحدي والابتلاء ، لقد ألقى الله عز وجل تبعات جسام على عاتق هذا المخلوق (الانسان) في الوقت الذي باءت بحملها مخلوقات أخرى تبدو ذات قوة وبأس شديد كالسموات والأرض والجبال ، إنها التكاليف والحقوق المرعبة التي اودعها الله المكلف وائتمنهم عليها وواجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد ، أمرهم بمراعاتها وأدائها والمحافظة عليها من غير إخلال بشيء من حقوقها.

والصراع أبرز صور التحدي ، فهناك من يسعون في الأرض فساداً ، لكن الله سبحانه وتعالى يقيض للأمة من أبنائها من يحملون على عاتقهم مسئولية التصدي لهؤلاء فيرفعون لواء النضال والكفاح ، ولولا هذا لتداعت حياة الامة:}ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض {البقرة : 215).

وتتعدد آيات (الابتلاء) بمعنى الامتحان والاختبار ويكون بالخير والشر والنعمة وأيضاً النقمة:

}ويلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون{(الأعراف : 168).

}ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون{( الأنبياء :35)

}ولنبلونكم بشيء من الخوف والجزع ونقص من الأموال والانفس والثمرات{(البقرة : 155)

}ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين {(محمد :31) }ولوشاء الله لا ننتصر منهم ولكن ليبلو لعضكم بعض{(محمد :4) }ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم{(المائدة : 48 والأنعام :165 ، هود :7 ، والنحل :92 ، والملك:2) …. وهكذا.

بل إن الله سبحانه وتعالى ينص في كتابه العزيز على ان الحياة الإنسانية بكليتها إنما هي سلسلة متصلة الحلقات من الألم والمشقة:}لقد خلقنا الانسان في كبد{(البلد : 4) ويقول عز من قال:}يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه{(الانشقاق: 6) ، أي لا تنفك تجد وتعمل إلى ان تلقى ربك فيحزنك كما فعلت.

” التحدي ” و” الابتلاء” إذن من علامات الطريق الإنساني لا برز الوعي به فقط ونحن نهم بطي صفحة القرن العشرين لنفتح أولى صفحات القرن الحادي والعشرين.

الصراع الأيديولوجي:

تنادت أصوات عدة قبل التسعينات مشيرة إلى أن عصر الأيديولوجيات الكبرى قد انتهى ، وكانت تلك الأصوات تواجه بهجوم مضاد وخاصة من المعسكر الاشتراكي الذى يؤكد أصحابه أن الصراع الأيدلوجي مازال وسوف يظل قائماً ، حتى إذا شهدنا انهيار منظومة الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي إذا بصوت المعارضة يخفت ، بل لقد شهدنا – وخاصة في الدول النامية  – تحولاً ملحوظاً لمثقفين ، كثيراً ما حملوا لواء الاشتراكية وما كان يفرضه هذا من تحالفات ” مع ” و” ضد ”  ، وأفكاراً وعملة لفظية ولغة فكرية يتعاملون بها ، إلى مواقف فكرية مغايرة معللة بأن الدنيا تتغير والظروف تتبدل ولابد للفكر أن ينفعل بهذا وذلك ، وأن الجمود على ما يزعم أنه ثوابت إنما هو تخلف وعجز عن مواكبة العصر ، وبالتالي فقد سادت المقولة التي تشير إلى انتهاء الصراع الأيديولوجي ما دام الخصم الكبير والقطب الثاني قد رفع الراية البيضاء معلناً الهزيمة والاستسلام .

وفى رأينا أن هزيمة أيديولوجية بعينها مهما كان انتشارها رأيٌا كانت سطوتها لا يعنى بالضرورة انتهاء عصر الأيديولوجيات ، ذلك أن هزيمة القطب الثاني قد واكبها إعلان القطب الأول أن ذلك يعنى انتصار فلسفته هو ورؤيته العامة وهي ” الرأسمالية ” التي هي بغير شك ” أيديولوجيا ” لها منطلقاتها الفلسفية ومسلماتها وآلياتها وتفسيراتها لعديد من القضايا والمشكلات… هذا من جانب ….. ومن جانب آخر فلقد تجمعت مؤشرات متعددة لتعلن أن المواجهة التي قامت بين ” الرأسمالية ” و ” الاشتراكية “ قد تحولت الآن … أو هي بسبيلها إلى أن تتحول إلى شكل آخر من أشكال الصراع، بحيث يكون صراعاً بين (النموذج الحضاري الغربي) و (النموذج الإسلامي).

لقد كان طرفا الصراع السابق معسكرين سياسيين كبيرين ، لكن المواجهة الجديدة تختلف باعتبار أنه على الرغم من أننا قد درجنا على تسمية عدة دول بأنها ” إسلامية ” وتجمعها بالفعل منظمة ، لكن هذه الصفة الإسلامية في الحقيقة إنما تشير إلى ” ديانة ” غالبة على سكانها ، ولا تعنى بالضرورة أن نظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إسلامية بنفس المقياس الذي كان يتيح لنا أن نسمي دولاً سابقة بأنها (اشتراكية) ، وفضلاً عن ذلك فإن هذه الدول ” إسلامية ” لا ينظمها تحالف سياسي يجعلها تقف في مواجهة دول الغرب.

ومن هنا فإن المواجهة الجديدة تتخذ شكلاً حضارياً بالدرجة الأولى ، ولا نعني هنا بالحضارة مستوى عالياً غالباً في مجالات الحياة المختلفة ، وإنما نقصد بها الإشارة إلى وجود منظومة متكاملة لرؤية فكرية لأسس التنظيم الاجتماعي والمنطلقات النظرية وتصور للمستقبل ، كيف يكون ؟ وإلى أي غاية يتجه ؟ ومعالم شخصية الإنسان كما يجب أن تكون والآليات المصاحبة لكل ذلك.

ولأن الغرب الحضاري لا يواجه منظومة سياسية تجمع عدة دول ؛ فإنه اتخذ سبلاً جديدة لمواجهة مختلفة تماماً عن تلك التي واجه بها منظومة الدول الاشتراكية ، فلا حاجة له هنا إلى ” حلف عسكري ” ، ولا إلى بوارج وغواصات وطائرات وصواريخ ، ولا إلى عسكر ، وإنما يستهدف (عقولاً) و(فكراً) و(اتجاهات) و(ميولاً) و(معارفاً) مما يجعلنا نؤكد – بغير (تعصب مهني) و(تحيز معرفي) أن المواجهة سلاحها الأساسي هو (التربية) بمعناها الواسع الذي يجعل منها تلك العملية المتكاملة الشاملة التي نسعى من خلالها إلى تنمية شخصية الانسان.

وبحكم التخلف الملموس للجمهرة الكبرى من الدول الإسلامية  ، فهي تعتمد إلى حد كبير على المنتج الصناعي الغربي بالدرجة الأولى ، وهنا لا يرى كثيرون خطراً في أن يستوردوا هذا المنتج وذاك ما دام يلبي حاجات اجتماعية واقتصادية ، ويعكس آخر ما وصل إليه العلم الحديث والتكنولوجيا المعاصرة ، وقلما ينتبه أحد إلى أن المنتج المادي لابد أن تصحبه منظومة من القيم والعادات والاتجاهات التي تعكس ما هو قائم في بلد المشنأ ، وهناك ما لا حصر له من الأمثلة التي يمكن أن نسوقها التي أصبحت بيوتنا تعتمد عليها ، وما أصبحت تتطلبه من سلوكيات تختلف تماماً عما كانت تتطلبه الأدوات المنزلية السابقة ذات المستوى البدائي.

وإذا كان هذا مما لا مهرب منه ، لكن هناك منتجات أخرى عديدة لها مصاحباتها الثقافية من لغة ومفاهيم ، إلى الدرجة التي جعلت البعض يشير إلى ما أصبح سائداً في معظم البلدان النامية مما يمكن تسميته بثقافة (الهامبرجر) و(الكوكاكولا) و(الجينز) ، وما إلى هذا وذاك من منتجات.

إن هذا الطوفان الذي أصبح يحاصرنا من المنتجات الغربية ، إذا أضفنا إليه أساليب أخرى في التعامل السياسي والعلاقات الاقتصادية والتدفق الإعلامي ، له أثره الذي لا يجحد في إحداث ما يمكن تسميته (بالاستلاب الثقافي) مما يجعل فئات غير قليلة من أبناء الأمة تفكر كما يفكر الغربيون وتسلك كما يسلكون ، ولو كان هذا مؤدياً إلى أن ينتج هؤلاء من المعرفة والتكنولوجيا مثلما ينتج الغربيون لربما سعدنا بذلك ، وإنما هي صور من تقليد المغلوب للغالب تقليد اتباع وانصياع وليس تقلد مشاركة وندية ، محاكاة تشيع روح الانهزام القومي وتنذر بذور الاستسلام الثقافي ، وترسيخ اتجاهات المسايرة وتؤسس لموقع الذيلية الحضارية والتبعية المؤدية إلى الانكسار .

وعلى الرغم مما أكدنا عليه من أن المواجهة بهذه الصورة هي مواجهة حضارية بالأساس ، إلا أن الأمر لا يعني الإقلاع تماماً عن المواجهة المادية والأساليب الساخنة؛ فما حدث في (البوسنة والهرسك) عبر ما يزيد على سنوات ثلاثة من أبشع ما شهده التاريخ من صور بطش وقهر وسفك دماء هتك أعراض وتدمير وتخريب وقتل جماعي ودفن لجماعات من الأحياء وطرد وتشريد ، كل هذا إنما هو صورة أخرى من صور المواجهة الغربية تتبعها الآن أحداث في ألبانيا ، وذلك حتى (تتطهر) أوروبا من هذين “الجيبين الإسلاميين “.

وأمامنا كذلك المثال التركي ، فعلى الرغم من الجهود المتواصلة لتركيا كي نلحق بالقطار الأوروبي حليفة إلا أن العراقيل مازالت توضع أمامها والتباطؤ شديد في اتخاذ ما يلزم من إجراءات ، وعندما نفتش عما تختلف فيه تركيا عن سائر الأقطار الأوروبية فسوف نجده في سكان تركيا المسلمين ، مع أن تركيا لا تدعى أنها (إسلامية) وتؤكد أنها علمانية.

الصراع العقيدي إذن قائم وسوف يظل قائماً مثلما كان قائماً عبر عصور التاريخ المختلفة… وهكذا تجد التربية الإسلامية نفسها أمام هذا (الابتلاء) القديم/الجديد.

تحدي الهوية:

الهوية على وجه العموم هي جملة المعالم المميزة للشيء التي تجعله هو هو ، وعلى سبيل المثال هذا القلم الذي أكتب به الآن له خصائص ومكونات ووظيفة جعلت منه قلماً بحيث لا تخطئ في تمييزه عن غيره من الأشياء. ولكن منا – كالإنسان – شخصيته المميزة له ، فله نسقه القيمي ومعتقداته وعاداته السلوكية وميوله واتجاهاته وثقافته ، وكل هذا إنما هو حصيلة جملة الخبرات الى مر بها عبر سنوات عمره نتيجة التفاعل بين ما فطر عليه وبيئته المحيطة بأشيائها وناسها وتفاعلاتها ومواقفها ، هذه الشخصية هي التي جعلت من توفيق الحكيم ، وهي التي جعلت من جمال عبد الناصر جمال عبد الناصر … وهكذا الامر بالنسبة لكل فرد من الناس.

وهكذا الشأن بالنسبة للأمم والشعوب ، فللشعب الإنجليزي شخصته القومية المميزة له حتى غننا أحيانا لنصف سلوكاً ما يأتيه فرد من أبناء البلدان العربية بأنه (إنجليزي) رغم ان جنسيته ليست كذلكن ولا لسانه ولا ثقافته ، وإنما نريد بذلك أن نعبر عن أنه قد سلك وفقاً (للنمط الإنجليزي) ، تماماً مثلما قد نصف شخصاً بأنه (حاتمي) قاصدين بذلك وصفه بأنه كريم ، حيث تحفل كتب تراثنا بقصص ومواقف ميزت شخصياً اسمه (حاتم الطائي) فجعلته (كريماً).

وهناك أمم وشعوب كثيرة لا تعد الهوية مشكلة يدور حولها الجدل والنقاش فهي ليست مشكلة ، مثلا في فرنسا؛ لأنهم متفقون على الهوية الفرنسية ، ولا هي مشكلة كذلك في ألمانيا أو بريطانيا او اليونان…. إلى غير هذا وذاك من بلدان كثيرة….

 لكنها تعتبر (قضية كبرى) ، ومشكلة خطيرة بالنسبة لأبناء الامة العربية ، ولا نقصد بذلك ما قد تثيره بعض (الفئات) في جنوب السودان مثلاً  ، أو شمال العراق أو في بعض مناطق الشمال الافريقي  ، ولكنها كذلك بالنسبة لشعوب بأكملها ، ففي مصر – على سبيل المثال – دار جدل طويل وجاد منذ العشرينات هل هي ( مصرية) او ( عربية) أم ( إسلامية) ؟ وإذا كان هذا الجدل قد ظهر لنا وكأنه قد حسم منذ الخمسينيات وحتى نهاية الستينيات بأن مصر ( عربية) إلا أنه عاد وأثير مرة أخرى في السبعينيات ، وإن كانت الجمرة الكبرى تميل إلى أن نصفها بأنها ( عربية إسلامية ) إلى الآخر ، فهناك من يعتبر العروبة هي الوعاء الأكبر وينظر إلى الدين باعتباره ( عنصراً) و(مقوماُ) من جملة مقومات الأمة  ، وهناك من يعكس العلاقة لينظر إلى الإسلام على أنه الوعاء الأكبر وأن العروبة هي عنصر و(مقوم) ضمن عناصر ومقومات متعددة.

وكان لهذا أثره في الكتابات التربوية ، فرأينا كتباً يتحدث كتابها فيها عن (التربية العربية) وكتباً أخرى يتحدث فيها أصحابها عن (التربية الإسلامية).

وفي خضم ما أشرنا إليه من استمرار احتدام (الصراع الأيديولوجي) يبرز ما اصطلح عليه ما تسميته في السنوات الأخيرة (بالنام الشرق أوسطي) ليطرح جانبا (الدين) و(القومية) ليجعل من (الجوار الجغرافي) محوراً للحياة بأنشطتها المتعددة ، حتى يتيح الفرصة لدول غير (عربية) وغير إسلامية … زرعت في المنطقة العربية كي تصبح جزءاً من المنومة الإقليمية المقترحة ، لأن هذه الدول (إسرائيل) نموذج حضاري غربي فلقد ساندت الولايات المتحدة هذا التوجه الإقليمي المستحدث.

إنها عملية التفاف خطير حول كل من ( القومية ) و(الدين) لتسيد النمط الثقافي الغربي ، وأخطر ما فيه أنه يلح بوسائل شتى ، مباشرة وغير مباشرة على أن يطلب منا طرح ( الدين) جانباً ، بينما يقوم هذا التصنيف المزروع نفسه على ( الدين ) ويوحد بين الدين والقومية إلى الدرجة التي تجعل البعض يتحدث عما يسميه ( القومية اليهودية) وذلك حتى يتلاقى أن يستخدم الاسم الحقيقي لقومتيهم ألا وهو ( الصهيونية) نظراً لما ارتبطت به أذهان كثرين من العرب – بل وغيرهم – من ( عنصرية ) و(عدوانية ) و(عنف ) ، وفي الممارسة القومية تقوم إسرائيل بعليات ( تطهير عرقي) مبعدة أبناء فلسطين العرب من مناطقهم؛ سعياً من اجل ( تهويدها).

جانب آخر لا يقل خطراً عن ذلك هو أن الضيف المزروع – بحكم عوامل شتى ليس هنا مجال تفصيلها – قد أصبح الأقوى علمياً واقتصادياُ وتكنولوجياً وعسكرياً ، وبالتالي فإن التوحد معه في منظومة إقليمية لابد أن يجعل له القيادة والسيطرة وفقاً للناموس الاجتماعي المعروف ، سواء في التاريخ أو حتى على مستوى العلاقات الفردية العادية ، فإذا تجمع افراد ليسيروا في طريق أو للقيام بمشروع ، تبرز أقدرهم علماً وقوة كزعيم وقائد.

ويتم تركيز جهد الآخر الحضاري على مصر بصفة خاصة باعتبارها الأخ الأكبر في منومة الدول العربية ، وهي وإن لم تكن كذلك بالنسبة لمنظومة الدول الإسلامية ، إلا انها من الناحية (الحضارية) تبرز كقوة عمل لها حساب كبير بما أسهمت به في الثقافة والحضارة الإسلامية ، وعندما يتم التركيز عليها يضمن المؤثرون – إلى حد كبير – ان دولاُ عربية وإسلامية غالباً ما سوف تحذو حذوها.

وهكذا رأينا هذا من خلال (سناريو كامب ديفيد).

إننا لا نقصد أن نسوق حديثاً “سياسياً” ، وإن كنا قد أضطرننا إليه ، وإنما قصدنا ينصب على قضية (الهوية) و(الذاتية) الحضارية ، وفي معظم بلداننا فإن المدخل سياسي حتى إذا أردنا الحديث عن هذه القضية ، وربما لا يكون الامر كذلك في الدول الغربية المتقدمة ، فقد استقرت فيها الأمور وخاصة فيما يتصل بالمسار الحضاري  ، بينما مازال الأمر في الدول العربية والإسلامية مرهوناً بالإرادة السياسية ، فالإرادة السياسية  في مصر – مثلاً – هي التي اختارت الهوية العربية في الخمسينيات والستينيات ، وقادت بذلك مختلف الكتابات في مختلف المجالات ، كما قادت التعليم بنمه وكتبه وفلسفته ومقرراته حول المحور العروبي.

والإرادة السياسية هي التي قررت منذ حرب أكتوبر أن تزيل تدريجياُ التوجه الاشتراكي؛ لتقود البلاد نحو الغرب على وجه العموم والولايات المتحدة على وجه الخصوص ، ثم توجت جهودها بمصالحة إسرائيل ، وها هي المنطقة كلها كما نراها في التسعينات تسير بخطى متسارعة على نفس الطريق.

إن هذه قضية أساسية بالنسبة للتربية الإسلامية تمثل خطراً كبيراً عليها خاصة لما صاحبها في السنوات الأخيرة من حوادث عنف مسلح قامت به فئات قليلة من ذوى الأفق الضيق والتعصب البغيض تحت راية الإسلام ، فإذا بالآخر الحضاري ينتهزها فرصة عمر ليضخم من الحديث حول هذه الظاهرة ويبالغ فيها ، حتى لقد أصبح الإسلام في المرآه الغربية مقترناً بالإرهاب والوحشية والعنف ، مع أن من قتلوهم في البوسنة والهرسك من المسلمين لا يقارن بضحايا هذا العنف المسلح الذى اقترفته جماعات متعصبة ، وشيوع مثل هذه الصورة يسئ إلى سمعة الإسلام كنموذج حضاري  ، وربما يبرر محاصرته ومحاربته ، والأخطر من ذلك أنه قد أثر على فئات من أبناء أمتنا فجعلهم كذلك يربطون بين الاتجاه الديني وبين التخلف والتعصب والعنف والإرهاب ، ففي البداية كان هذا الوصف يرمى به من يحملون السلاح ، فإذا بعملية تعميم ظالمة تقول: أن ليس هناك معتدل ومتطرف ، وأن المسألة ه توزيع أدوار ، حاكمن بذلك على جميع من ينضوون تحت الراية العقيدية الإسلامية مريدين بالعقيدة أن تنحصر داخل المسجد وداخل البيت – لمن يريد – بعيدة عن توجيه مناشط الحياة الدنيا على اختلاف مجالاتها وتنوع أساليبها.

تحدي الوجود:

منذ السبعينات تصاعد المد الإسلامي بشكل واضح ، وترافق مع هذا المد اتساع نطاق استخدام وصف (الإسلامي) على درجة جعلت أحد المراقبين يشعر بأن الأمر قد (تطرق)   إلى درجة وصف ميناء بانه إسلامي وتساءل: وأين هي (الإسلامية) في هذا الميناء ؟ إنه أرصفة ومياه وأجهزة ونظم مراقبة وأعمال بحر ، الامر الذي يتماثل مع ما يحدث في أي ميناء آخر في مختلف دول العالم شرقه وغربه ، واندفع كثيرون على الطريق يريدون أن (يؤسلموا) أنساق المعرفة المختلفة ، فهذا اقتصاد إسلامي ، وذلك طب إسلامي ، وهذه هندسة إسلامية ، وتلك…. وتلك….

وآثار هذا آخرين رأوا أن العلم واحد وليس لنا أن نصفه بانه إسلامي محذرين من ان هذا ربما يعنى أن الآخر (كافر) مادام ليس إسلامياً.

ومن هذا المنطلق هاجم أساتذة تربية ان يكون هناك تربية إسلامية على أساس أن التربية ، علماً ، ومجالاً ، لها قوانينها وقواعدها وظواهرها ، ومناهج بحثها مما لا يفترق الامر فيه بيننا وبين غيرنا من الأمم الأخرى.

والحق إننا نريد ان ننبه إلى أن هناك انساقا معرفية عرفت منذ عشرات السنين ، وقبل السبعينات ، صفة الإسلامية من غير ان يرى أحد غضاضة في ذلك ، إذا عرفت – على سبيل المثال – أقسام الفلسفة في كليات الآداب ما عرف باسم الفلسفة الإسلامية ، وعرفت أقسام التاريخ كذلك ما يعرف باسم (التاريخ الإسلامي).

كذلك فغن التربية الإسلامية قد عرفت دراسات حملت هذا الاسم دون أن تثير جدلاً واعتراضاً مثلما رأينا في رسالة أحمد فؤاد الاهواني عن التعليم في رأى القابسي؛ حيث حملت عنوان (التربية في الإسلام) وكان هورها كتاباً في أواسط الخمسينيات ، وكذلك بالنسبة لدراسة أسماء فهمي عن (مبادئ التربية الإسلامية).

ونحن نذكر ان التربية الإسلامية احتلت مكانها كمقرر دراسي فيما كان يسمى (معهد الإعداد والتوجيه) بجامعة الازهر في أواسط الستينيات حيث أنشئ على غرار معهد التربية العالي للمعلمين والذى تحول فيما بعد إلى كلية التربية بجامعة عين شمس ، فكان معهد الإعداد والتوجيه يقوم بعملية تأهيل تربوي مهني لخريجي كليات جامعة الازهر ، وكان من مقرراته مقرر باسم (التربية الإسلامية) كان قوم بتدريسه المرحوم د. أبو الفتوح رضوان وأحياناً ما كان ينيبني عنه لتدريسه عندما منت معيداً أتتلمذ على يديه.

نقوا هذا لنكد أن (التربية الإسلامية) لم تكتسب هذه الصفة كمهر من مظاهر المد الذي شهدناه منذ السبعينيات؛ وإنما لأسباب سنذكرها بعد قليل.

ولعل ما يثيره البعض من أن وصفها (بالإسلامية) يحمل ضمناً اتهاماً للتربيات الأخرى بأنها غير لإسلامية ، إنما هو اتهام ساذج مع الأسف الشديد لا صمد طويلاً أمام المناقشة المنطقية ،

فوصفك لفرد من الافراد بأنه (وطني) مثلاً لا يحمل ضمناً أن غيره ( غير وطني) ، لقد شهدت موقفاً حدث في اجتماع رأسه مسئول تعليمي كبير  ، حيث كان الامر متعلقاً بإيجاد قسم للتربية الإسلامية بإحدى الكليات  ، وردد المسئول هذه الحجة ، فقلت له: إننا نسمى أحد المقرات الدراسية ( بالتربية الوطنية) ولا يعني هذا أن المقررات الأخرى غير وطنية ، وأحيانا ما نسمى مقرراً باسم ( التربية العلمية) قاصدين به الفيزياء والكيمياء والاحياء دون أن يعني هذا انتزاع ( العلمية ) عن العلوم الاجتماعية واللغوية ، وكم من أحزاب نعرفها في عالمنا العربي ، وفي العالم الغربي ، تحمل صفات مثل ( المسيحي) و(الوطني) و( التقدمي) … إلخ.

أما القول بان العلم لا جنسية له فهذا صحيح فيما يتصل بالعلوم التي تقع خارج نطاق العلوم الإنسانية والاجتماعية بصفة عامة ، والتربية بصفة خاصة ، إن الفيزياء في روسيا لن تختلف عن الفيزياء في مصر أو في الولايات المتحدة إلا من حيث (الموضوعات) و(درجة التقدم) وهكذا الامر بالنسبة للرياضيات والكيمياء وماشابه هذه العلوم.

لكن الامر يختلف كثيراً عندما نكون بصدد تربية الانسان ، فلا يمكن لإنسان أن يقوم بالعمل التربوي من أجل تشكيل جانب من جوانب شخصية فرد آخر إلا إذا كان يعمل وفق (نموذج فكرى) أو (تصور نظري) ، فإذا أردنا أن نصمم منهجاً دراسياً على سبيل المثال ، فإن مثل هذا العمل لا يتم إلا في ضوء خريطة عامة تجيب عن السؤال الشهير: ماذا؟ نعلم لكننا إزاء هذا السؤال نتردد في الإجابة عنه قبل أن نجيب عن سؤال يسبقه هو: لماذا نعلم؟ وإذا تساءلنا: لماذا نعلم؟ ، نجد أنفسنا أمام قضية (الهوية) و (النموذج الفكري) الذي يرشدنا إلى ما نعلمه.

إن الذين أخذوا على عاتقهم تصميم مناهج التعليم في دول المنومة الاشتراكية لم يخطر على بال أحد منهم ان يضع في خريطة المناهج مقرراً عن ( الدين)؛ لأن النموذج الفكري الذى كانوا يهتدون به ، وهو (الماركسية) كان يسقط الدين من الاعتبار بل ينر إليه وكأنه (عاهات فكرية) و( مرض اجتماعي) يجب التخلص منه؛ بل ورأينا (الفلسفة) و(التاريخ) و(التربية) و(علم النفس) و(الاجتماع) و(الاقتصاد) وغيرها من المقررات تفسر تفسيراً ماركسياً.

وإذا يمنعنا وجهنا شطر إسرائيل فسوف تجد التوجه إلى دراسة التراث اليهودي وكثير من الأفكار والتوجيهات التي تؤكد أسطورة شعب الله المختار وأسطورة الوعد الإلهي بأن تكون الأرض التي تقع بين النيل والفرات لبني إسرائيل كما نصت على ذلك بعض أسفار التوراة. كذلك فإن الإسلام يمثل نموذجاً فكرياً ومنهجاً حياتياً لابد أن يعف طريقة إلى العمل التربوي ونحن نقوم بالتنشئة لأبناء هذه الامة بحيث تجيء تربيتنا تربية إسلامية.

ولعل هذا هو مربط الفرس الحقيقي ، فالذين ينكرون أن هناك (تربية إسلامية) ينظرون إلى الإسلام على أنه أمر (تعبدي) خالص بين الفرد وربه ، أما هذه الحياة التي نعيشها بصخبها وإيقاعاتها ومجالاتها ومشكلاها ، فإنما نحتكم فيها إلى اجتهادات العقل البشري وما يوصل إيه هذا الاجتهاد من أساليب ونظم.

أما نحن فنذهب إلى ان الدين الإسلامي بصفة خاصة إنما هو (منهج حياة) ، يتخلل سلوكنا ويوجهه أياً كان المنشط الذي تنشطه ، وهناك مساحات واسعة للاجتهاد العقلي الإنساني في مجال تربية الانسان بصفة خاصة.

إن الدين ليس مجرد مجموعة عقائد أو شعائر أو ابنية. إنه يستهدف بناء الشخصية ويسعى إلى توجيه الانسان وإرشاده ، ومن ثم تكون الربية قرينه له؛ لنها مساحة الساحة التي تملك النم المعرفية والوسائل والأساليب التي تعين على التشخيص السلوكي) عملياً في واقع الحياة.

تحديد المفهوم:

لو أن متحدثاً ذكر أنه يقوم ببحث في (التاريخ) وآخر أعلن أنه يقرأ في (الجغرافيا) وثالث انه يدرس في الاقتصاد) … وهكذا لما وجدنا مشقة في معرفة المجال الذي يتحدث عنه كل واحد من هؤلاء وامثالهم؛ إذ ليس هناك اختلاف كبير في تحديد مفهوم كل من (التاريخ) أو (الجغرافيا) (الاقتصاد) أو غير هذا أو ذاك من علوم إنسانية وغير إنسانية ، لكننا لا نجد نفس السهولة واليسر إذا كنا بصدد ( التربية الإسلامية) فكيف يمكن لنا أن نتصور قدرة علم علي مواجهة تحديات مستقبلية إذا افتقد التحديد اللازم لمفهومه واتسعت الأرض أمامه بحيث تداخلت مع أنسقة معرفية أخرى ، وبرزت مسألة ( الحدود الأمنية والمعترف بها) بينه وبين هذه الأنسقة المعرفية؟

إن الأمر قد يبدو غير ذلك لأول وهلة ، ولكن إشكاليته تبرز إذا أبرزنا للقارئ كيف ان مئات الألوف من طلاب التعليم العام في بلدان عربية كثيرة يحملون بين أيديهم كتباً عنوانها هو (التربية الإسلامية) تشير إلى مقرر يدرسونه في مختلف الصفوف ، فهل هذا هو ما نتحدث عنه اليوم؟

إن ما يدرسه طلاب التعليم العام هو (التربية الدينية) وليست التربية الإسلامية ، ففي التربية الدينية نسعى أن يدرس الطلاب (حفظاً) و(فهما) آيات وسوراً من القرآن الكريم وأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم وتعليماً للصلاة ، وتعريفاً بأركان الإسلام الأخرى مثل الصوم والحج والزكاة ، وكذلك جوانب مختلفة عن العقائد الإسلامية ، ومعلومات عن صحابة رسول الله… وهكذا.

أما في التربية الإسلامية كما نقصدها فهي أن ندرس الموقف الديني الإسلامي من القضايا والمشكلات والمفاهيم التي تواجهنا في حياتنا التربوية المعاصرة من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.

وعلى سبيل المثال ، نحن نواجه الآن قضية تتعلق بالعام والخاص في مؤسسات التعليم ، فهل تكون الدولة هي المسئولة عن إقامة المؤسسات التعليمية وتشرف عليها وتوجهها أو ان هذا الامر متروك للجهود الخاصة ، او هو شركة بين الاثنين؟ وإذا كان الامر شركة بين الاثنين فما حدود هذا وذاك؟

وترتبط بهذا كذلك مشكلة تمويل التعليم ، هل تتكفل الدولة بالتمويل او ان ذلك يلقى على عاتق طلاب التعليم او هو شركة أيضاً بين الاثنين؟ إلى أي مدى؟

ونحن نتعامل في التربية مع مفاهيم (نظرية)و (تطبيق) و (خبرة) و(نشاط) و(تعليم) و(تربية)و (لعب) و(ثواب) و(عقاب) …. وهكذا.

وهناك بحوث ودراسات لعلماء تربية وفلاسفة من اجل تجلية هذه المفاهيم وبيان ابعادها وعناصرها وعلاقاتها بغيرها وآثارها ووظيفتها ، فما الرأي الديني الإسلامي في كل منها؟

إن الامر هنا شبيه بعدد من القضايا التي تحفل بها حياة المسلم المعاصر والتي درسها علماء متخصصون ، ويريد أن يطمئن إلى الموقف الديني منها مثل: فوائد البنوك ، ونقل الأعضاء في الجسم الإنساني ، و(التأمين) وآخر المشكلات هي ما أثير مؤخراً عن ( الاستنساخ). ذلك هو (الجسم) الأساسي للتربية الإسلامية ، لكن هناك فروعاً لها تتصل بالجهد البشري سواء كان ذلك بدراسة آراء المفكرين أم بدراسة (المؤسسات التربوية) التي شهدناها عبر العصور الإسلامية.

ونحن لا نزعم ان مفهومنا هذا للتربية الإسلامية هو القول الفصل ، ولكنا ندعو إلى ضرورة أن يحظى برضى غالبية المهتمين بدراسة التربية الإسلامية.

إن هناك كثيراً من الأمثلة التي يمكن أن تساق بياناً (للبس) الحاث حول المفهوم ، فلقد دعيت – مثلاً – عام 1986 إلى ملتقى فكري إسلامي بالجزائر ، وكان تجمعاً كبيراً من (علماء المسلمين) ، وكان المحور الأساسي للملتقى هو (الحياة الروحية في الإسلام)؛ حيث استأثرت دراسة التصرف بالمساحة الأساسية ، وكان جهدي في الملتقى منصباً حول تتبع جهود (المتصوفية) التربوية في الحضارة الإسلامية. حصرت باعتباري(عالماً في التربية) ولست عالماً دينياً ، وكان من تقاليد الملتقى أن يستثمر يوم الجمعة في ترشيح العلماء الضيوف في مساجد القرى المحيطة لإلقاء خطبة الجمعة وإمامة الناس لصلاتها ،وفوجئت بأنني ضمن هؤلاء ، وعانيت مشقة كبية كي أشرح للمنظمين أننى لست مؤهلاً لذلك ، ولم أشعر بأن من يسمعني قد اقتنع ، ألست عالما في التربية الإسلامية؟

وفي نفس الملتقى أحيانا ما كان يجئ لي بعض أفراد جمهور الحاضرين يسألني في فتوى دينية ، عندما أخبه بأنني لست عالماً دينياً كان ينظر لي باندهاش واضح ، وكل ذلك انطلاقاً من مفهوم أن التربية الإسلامية هي التربية الدينية.

لقد كنت في أوائل الثمانينيات مشرفاً على قسم التربية الإسلامية بكلية التربية بجامعة الأزهر ، ثم إذا ببعض المسئولين يثيرون اعتراضاً بأنني لست من علماء الدين ، وأن مثل هذا التخصص لابد أن يشرف عليه أحد علماء الأزهر بغض النظر عما إذا كان قد درس العلوم التربوية والنفسية ، أم لا؟!

ويشير هنا إلى مشكلة لابد من مواجهتها ، ذلك أن عدداً ممن يتناولون التربية الإسلامية قد يكونون قد حصلوا الكثير من الثقافات الدينية ، لكنهم لم يحصلوا شيئاً من العلوم التربوية والنفسية فيجئ حديثهم وكأنه خطاب وعظ وإرشاد ، وهناك فريق آخر ممن يتناولونها قد يكونون قد حصلوا الكثير من الثقافة التربوية والنفسية ، لكن حظهم من الثقافة الدينية ضعيف فيجئ حديثهم مشبعاً بلغة خطاب غبي حديث ، وإن تلبس بزى إسلامي مما قد يلجؤهم في كثير من الأحيان إلى الافتعال والتأويل ولى ذراع النصوص كي تتفق مع السياق الذى يسيرونها فيه.

وإذا كانت روف العقود الماضية قد فرضت أن يكون هؤلاء وهؤلاء هم أصحاب الجهد البحثي ، إلا أننا الأن بحاجة إلى فئة ثالثة يتواف لديها حد أدنى من الثقافات الإسلامية يمكنهم من الوعى والفهم والاختيار لما يقتضيه البحث التربوي الإسلامي من نصوص دينية وآراء اجتهادية ووقائع حضارية ، كما يتوافر لديهم وعى كاف بكم من العلوم التربوية والنفسية.

إن الفئة المرشحة لذلك هي من الذين تخصصوا في علوم دينية سواء في أقسام الدرجة الجامعية من الأولى ، أو خريجو كليات الدراسات والعلوم الإسلامية ثم درسوا علوم تربوية ونفسية ، وإن كان يمكن للفئات الأخرى أن تطرق الميدان ، فلابد من بذل الجهد في التثقف الذاتي من علوم الدين ودراساته ، فبمثل هذا لا يمكن أن يتوافر لدينا عدد من الباحثين الذين يملكون اللغة العلمية المتكاملة للبحث في التربية الإسلامية.

أخطار الداخل:

منذ ان قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجيباً لأمر ربه عز وجل بدعوة الناس إلى سالة الإسلام والحرب مستمرة ضده….

كانت طلائع الخطر من الخارج تتمثل في كفار قريش… ثم أخذت الدائرة تتسع كلما قويت شوكة الإسلام ، فإذا بها تشمل أكب قوتين في ذلك الزمان: الفرس والروم.

… وهكذا استمرت رحى الحرب دائمة حتى هذه اللحظة التي نكتب فيها ، وإن تبدلت أشكال هذه الحرب ومواقعها وأساليبها.

كل هذا صحيح … فهناك دار اسلام … ودار حرب.

ولكن … هل صحيح أن خطر لا يأتي إلا من الخارج؟ … كلا ، ذلك أن هناك أخطاراً عدة تأتينا كذلك من الداخل:

1-                      فهناك فئه من المشتغلين بالتربية تنكر على التربية الإسلامية هويتها وتنكر على التربية الإسلامية هويتها وتنكر عليها حق الوجود ، وهؤلاء فريقان:

فريق تمثل نموذج الحضارة الغربية في النهج والتفكير فأصبح الإسلام عنده مجموعة (شعائر) تؤدى دون أن يتحول إلى منهج في النظر والتفكير والمعاملات ، فالتربية عند هؤلاء – كما سبق أن بينا من قبل – مثلها مثل سائر العلوم لا دين لها.

وفريق آخر قد يكون تمثل نموذج الحضارة الغربية ، وقد لا يكون  ، وهو في الحالة الثانية لا يرى الإسلام بديلاً ، وإنما يرى البديل في اتجاه آخر قد يبدو رافضاً لنموذج الحضارة الغبية ، ولكنه في الحقيقة إنما يرفض فقط وجهها الرأسمالي ليتبنى وجهاً لها آخر يجعله يتعامل مع (الدين) كظاهرة تاريخية  ، مما قد يلتبس على كثيرون عندما يستمع إليهم ، فقد يذكرون الإسلام وانه يأمرنا بكذا وكذا ..وقد يذكرون فقهاء عظاماً ويحنون لهم الرأس تقديراً وإعجاباً ، وترد في احاديثهم استشهادات من أقوالهم  ، ولكنهم في كل ذلك يصدرون عن ان الإسلام حضارة احتلت فترة من التاريخ مضت وأن المصادر الإسلامية هي (تراث) نأخذ منه ونترك ، ونفسه وفقاً لأبعاد الزمان والمكان… وهكذا.

ويظهر موقف هؤلاء عندما تطرح المناقشة قضية في القرآن الكريم أو السنة النبوية يريد باحث أن يدرسها من منظور التربية الإسلامية ، إنهم لا يجرؤون على الجهر بحقيقة رأيهم  ، وإنما يتحايلون بدعاوى – تبدو علمية ظاهراً – بأن البحث التربوي في القرآن والسنة أمامه محاذير ومزالق لا حص لها  ، وان الباحث هنا لابد أن تتوافر فيه كذا وكذا من الاستعدادات  ، مما يجعل الامر يبدو مستحيلاً ومن ثم فالأفضل بحث هذا الموضوع أو ذاك من خلال (مؤسسات) أو (مفكرين)..

إن هؤلاء ينسون أن مؤسسات التربية الإسلامية ومفكريها إنما هي (فروع) من أصل كبير هو القرآن والسنة ، فكيف تتم دراسة الفروع قبل أن تدرس الأصول؟

إن ما نرجحه – والله أعلم – أنهم يهدفون إلى سحب البحث إلى دائرة يستطيعون على ارضها ان ينقدوا ويعترضوا وينكروا ويلغوا ، أما لو ظل في دائرة القرآن والسنة ، فإن الانكار والاعتراض والحذف والنقد سوف تصبح أموراً مستحيلة.

2-                      وعقب حرب أكتوبر دخل العالم العربي حقبه تاريخية درج كثيرون على تسميتها بالحقبة النفطية حيث تدفق المال على دول الخليج العربي بصفة خاصة ، مما جعلها قوة جذب لقوى عاملة من شتى البلدان ، ومنها بطبيعة الحال بلدان عربية ، وخاصة تلك التي كانت تمر بضائقة مالية اقتصادية ، حتى لقد سميت بلدان النفط ببلدان اليسر ، والبلدان المصدرة للعمالة ببلان العسر.

في مقدمة البلدان النفطية احتلت المملكة العربية السعودية وضعاً مميزاً ، فمن حيث المساحة والحجم كانت هي الأكبر ، مما يجعلها مساحة أوسع لاستقطاب العمالة لمواجهة العديد من مشروعات عملاقة للتنمية والنهضة. وأهم من هذا انها بلد الحرمين: المسجد الحرام والمسجد النبوي ، وهي الأرض التي ظهرت عليها رسالة الإسلام وولد فيها سوله صلى الله عليه وسلم… وغير هذا وذاك من أسباب جعلت منها قوة ذات طبيعة اسلامية تتميز بها عن سائر البلدان.

وكان لابد لمظاهرة النهضة والتقدم أن تنال العلوم والدراسات الإسلامية ، ومنها بطبيعة الحال التربية الإسلامية.

وهكذا بدأنا نرى كثير من الكتاب والكتابات التربوية الإسلامية ، وخاصة من العاملين الوافدين في كليات التربية والمعلمين.

ولا نريد ان ندعى بما ليس من حقنا في الكشف عن النوايا ، ولكنا في الوقت نفسه لا نستطيع ان نغض الطرف عن القول ، بأن المساحة التربوية قد عرفت – نتيجة لما سبق – قدراً من الكتابات في التربية الإسلامية انطلق من مجرد (المسايرية)  ، واخشى ان أقول وبعضاً من بعض ماهر (المتاجرة) ، واتاح هذا للبعض أن يغمز ويلمز الكتابات التربوية الإسلامية  ، ويدعى أن رائحة النفط تفوح منها ولا نغالي إذا قلنا : عن هذا القطاع يمثل صورة من صور الخطر على التربية الإسلامية وتحدياً لابد من مواجهته.

3-                      وهناك نفر من كتاب التربية الإسلامية ، قد تمتلئ قلوبهم بالحب والإخلاص ، وتجرى في عروقهم الحمية ، لكن التربية الإسلامية تتحول لديهم إلى دعوة تبشيرية تمتلئ بعبارات تثير انفعالات دون ان تثير أفكاراً ، قد تهز القلوب ، لكنها لا تحرك العقول ، الفاظها ذات رنين عال. تعميماتها كاسحة… يسهل عليها إصدار الاحكام قبل ان تتوافر الأدلة الكافية ، إذ دقق القارئ ، فقد لا يرى وصلاً قوياً بين ما يساق من مقدمات وما ينتهون إليه من نتائج ، ومثل هذا المنهج قد يصلح في المخاطبة الشفوية لبسطاء الناس ، وفى المناسبات ، لكنه لا يبنى علماً ولا يشق طريقاً منهجياً سليماً.

مشكلات البنية العلمية:

وإذا كانت تلك الأخطار – التي أشرنا إليها تشير إلى تحديات تجئ من (بشر) ، فإن هناك مشكلات تشكل تحديات تتصل بلبنية العلمية للتربية الإسلامية نفسها ، ولعل في مقدمة تلك المشكلات ، المشكلة الخاصة بالمفهوم والتي أفردها لها جزءاً خاصاً نظراً لأهميتها المركزية ، مما يجعل منها (مفرخة) لكثير من المشكلات.

ومنها القضية الخاصة بموقع التربية الإسلامية على خريطة الاعداد المهني للمعلم في وطننا العربي.

صحيح أن هناك أقطاراً تحتل فيها التربية الإسلامية موقعها على هذه الخريطة كما نرى في كليات التربية بالمملكة السعودية والكويت وهناك غيرها مما لا نعلم ، لكن هناك أقطاراً لا تعترف بضرورتها على هذه الخريطة ، حيث يكتفى منها بما قد لا يزيد عن محاضرة او محاضرتين في مقرر تاريخ التربية فتجيء وكأنها تمثل محلة تاريخية مضت وانتهت.

وإذ لا نملك –مع  الأسف–بيانات تتيح لنا التحدث عن كثرة من البلدان العربية ، غلا اننا يمكن أن نسوق مصر مثالا حيث فيها ما قد يزيد على الستين كلية لإعداد المعلم ، لا يوجد في أي منها مقرر بهذا الاسم باستثناء كلية التربية بجامعة الازهر.

والغريب اننا نجد عكس ذلك في مواقع اكاديمية أخرى ، ففي كليات الحقوق ، مثلاً حيث إعداد رجال القانون تدرس الشريعة الإسلامية ويدرس الفقه الإسلامي ، على أساس أن كثيراً من القوانين المعمول بها في البلاد تصدر عن الشريعة فلا يجوز إذن ولا يصح ان يتخرج رجل القانون جاهلا بها.

وهكذا نجد نفس المنطق في كليات الآداب في قسم الفلسفة؛ حيث نجد: علم الكلام والتصوف الإسلامي والفلسفة الإسلامية ، ومع ذلك فإن المعلم الذي نقول له: إن (الثقافة) هي مصدر التربية وموضوعاتها ، لا نتيح له فرصة دراسة التربية الإسلامية المعبرة عن (وجهة) الثقافة في هذا المجتمع ، فكثير من عناصر الثقافة ومفرداتها وأساليبها وقيمتها مشبعة بالعقيدة الإسلامية ، ونتاج واضح للإرث الحضاري الإسلامي.

كذلك نشير إلى ما سبق أن أشرنا إليه من غياب قناة خاصة لإعداد الباحث في التربية الإسلامية. وهي نتيجة طبيعية لغياب هذا النسق المعرفي ، وهنا نعيد التأكيد على ضرورة أن يشمل هذا الإعداد جانبية الاساسين: الثقافة الدينية الإسلامية ، والعلوم التربوية والنفسية.

ولا يكون ذلك بإنشاء قسم متخصص فيها في المرحلة الجامعية الأولى ، ولا يكفي ان يوجد مقرر يحمل أسمها في هذه المرحلة ، كما هو الامر في بعض الأقطار؛ إذ سوف تكون هنا مجرد استكمال للثقافة التربوية والنفسية للمعلم العربي.

لكن إعداد الباحث يوجب ان تكون هناك درجة جامعية في مرحلة الدراسات العليا(دبلوم) ؛ حيث تتاح الفرصة كي تقدم مجموعة مقررات متخصصة تكون من بينها مقررات في الثقافة الدينية ، إذ حتى لو أتخذنا الفرصة لأن يكون هناك مقرر دراسي في مرحلة الدراسات العليا فسوف تبرز نفس المشكلة وهي غياب الثقافة الدينية.

مشكلة أخرى تبرز في هذا المجال ، ألا وهي مشكلة المنهجية؛ إذ يذهب بعض المتحمسين إلى القول بأنه نظراً للطبيعة الخاصة للتربية الإسلامية فلابد وأن يكون لها منهج بحثي خاص؛ وهذا ما يستفز آخرين فيؤكدون على أن (المنهج العلمي) واحد ، له مفهوم واحد وتعدد أساليبه إنما يعود إلى طبيعة الموضوع نفسه ، فدراسة موضوع عن (نبات) تستلزم أسلوباً يختلف عن دراسة اتجاه ما للرأي العام ، وهذه وتلك تختلف عن دراسة فترة من تاريخ أمه عن الأمم… وهكذا.

والحق أننا إذا نظرنا إلى التربية الإسلامية في مصدريها الأساسيين: القرآن والسنة فسوف نجد أننا بالفعل أمام (خصوصية منهجية) تجعل المناسب التعويل على نفس المنهج الذي يستخدمه الفقهاء في دراستهم لهذين المصدرين ، وإن كان هذا لا يمنع استخدام بعض الأساليب التي تستخدم في علوم أخرى ، مثل (تحليل المضمون) ، والتحليل الفلسفي عندما نكون إزاء موضوع يتعلق بدراسة مفهوم تربوي بعينه من خلال القرآن الكريم أو السنة أو كليهما.

لكننا إذا كنا بإزاء دراسة فترة من تاريخ التربية الإسلامية ، أو مؤسسة تعليمية في هذا التاريخ ، او شخصية ، او اتجاه فكري ، او تطور أسلوب ، فلابد من استخدام المنهج التاريخي بقواعده وخطواته المصطلح عليها.

وإذا كنا بصدد دراسة وضع خاص بالتربية الإسلامية في الواقع المجتمعي المعاصر ، فلابد هنا كذلك من اصطناع المناهج والأساليب العلمية المستقر الرأي عليها في دراسات الواقع المجتمعي.

ولا شك ان هذا يرتبط بالضرورة بتحديد مجال التربية الإسلامية ، فهل هي دراسة أصولية تقتصر على استنباط ما يمكن استنباطه من القرآن والسنة؟ أم هي دراسة للتربية في الحضارة الإسلامية؟ أم هي دراسة لفلاسفة ومفكرين عاشوا في العهود الإسلامية؟ ام هي دراسة للموقف الديني من قضايا التربية التي نعيشها؟ الحق انها هي كل ذلك….

فالأصل – في رأينا – انها دراسة للموقف الديني الإسلامي من قضايا التربية التي نعيشها ، ومثل هذا يقتضي بالضرورة الاعتماد أولاً على القرآن والسنة النبوية والقرآن والسنة ليسا مجرد نصوص ، إنما هما حياة تشخص في (سلوكيات) و(اجتهادات فكرية) مما يوجب علينا أن ندرس اجتهادات الفلاسفة والمفكرين ، وكذلك كيف طبق المسلمون ما فهموه من القرآن والسنة في معاشهم الدنيوي؟

معرفة الحق بالرجال:

من يقرأ أهداف التربية الإسلامية ومبادئها والقيم التي تدعو لها والصورة التي تنشدها للإنسان ينبهر بما يقرأ؛ لأن أهدافها ومبادئها وقيمها واتساقها هو جوهر الإسلام ، حتى لو أنه أغمض عينه ومان مستمعاً لشخص آخر فقد يظنه يصف له جانباً من الفردوس الموعود. لكنه إذ يفتش بعينه واذنيه بين المسلمين فسوف يرى نماذج وأحوال وسلوكاً ومواقف تسير في معظمها على طريق التخلف والازدراء.

إن هذه الهواه الواسعة بين (النموذج) و(الواقع) تسئ إلى النموذج إساءة بالغة وتشكل تحدياً كبيراً له.

فلربما دفعت هذه الهوة البعض إلى ان يصف هذا النموذج بالتعالي على الواقع والمثالية المفارقة لإمكان الحدوث. كأنه مجموعة أحلام ومسارات خيال ، وفي هذا ظلم صارخ للنموذج ، ويستطيع القارئ أن يرجع إلى كم كبر من البحوث والدراسات التي تؤكد جميعها على ما يتسم به هذا النموذج من (واقعية) واتفاق مع الفطرة البشرية مما يجعله غير عصى على التنفيذ والتشخيص العلمي. ولعل ما هو أصدق برهاناً هو أن هناك نماذج عديدة من مسلمي صدر الإسلام قد تمثلوا هذا النموذج وسلكوه معيشة وحياة ، بل وفي عصور أخرى تلت صدر الإسلام ، وإلا فكيف تأتي للمسلمين أن يقيموا هذه الحضارة الرائعة التي فاقت كل ما سبقها من حضارات ، وأهدت للإنسانية أشهى ثمرات أبدعها إنسان الإسلام واستمرت قرونا عدة؟ كيف تأتى لهم هذا من غير توافر الأبنية البشرية التي هي الطاقة المحركة للحضارة؟

وإذا كانت الهوة الشاسعة بين النموذج والواقع يمكن أن تدفع البعض إلى سوء الفهم هذا في مدى قابلية النموذج للتطبيق ، فإنها أحياناً ما تكون سنداً لبعض آخر للجحود والإنكار عندما يتخذون من سلوك المسلمين معياراً للحكم على الربية الإسلامية ، واشهر الأمثلة على ذلك ما نجده بخصوص بعض الأمثلة السياسية المعاصرة التي رفع شعاراً إسلامياً ويصدر منها من المواقف والسلوك ما قد يصدم الانسان ، فهنا يشير المنكرون : أرأيتم ؟ هذا هو الحال عندما يحكم الإسلام.

إن الخطأ الفاحش هنا هو قياس الحق بالرجال ، والمفروض ان يقاس الرجال بالحق . الحق هو تربية الإسلام ، وتربية الإسلام هي الحق ، ومن ثم فهي (المعيار) الذي نقيس عليه ما يمارس من سلوك فنحكم عليه بالتخطئة او الصواب.

وإذا كنا قد أشرنا إلى ان الحضارة الإسلامية الزاهية لابد ان تكون من صنع ابنية بشرية على أعلى قدر ممكن من الكفاءة التربوية الإنسانية ، فإننا لا نستطيع أن نقول : عن المجتمع الكلية إنما تكون بالجمهرة الكبرى.

لكن البعض مغرم بأسلوب (الاصطياد) في التعامل مع التاريخ. إنه يصدر الحكم مسبقاً بينه وبين نفسه بالجحود والإنكار ، ثم يعمل أدوات بحثه بين صفحات التاريخ كي يصاد الأمثلة المؤيدة ، وهو لابد واجدها ، ليقول لنا فرحا: أرأيتم؟ هذه هي نتائج التربية الإسلامية : غدر هنا ، ودرس هنا ، وذبح هنا وتآمر هناك ، قهر هنا ، واستغلال هناك ، وكان التاريخ الإسلامي كله غدر ودس ، ولو صح هذا فكيف تأتي للمسلمين ان يقيموا ما اقاموا من حضارة مذهلة عدة قرون؟

إن ما ينبغي التنبيه إليه هو ان هذه الجهود المستميتة لمحاصرة الإسلام بحيث يل معتقلاً على صفحات الورق داخل المساجد ، وترك الناس يفكرون ويسلكون وفقاً لنماذج أخرى مغايرة من شأنها أن تزيد الهوة بين النموذج الإسلامي وسلوك المسلمين ، ومن ثم يسهل الامر على المهاجمين أن يدفعوا بسهامهم ورماحهم تشكيكاً وإنكاراً.

ولو أن إنسانا تفرغ يوماً واحداً لمراقبة ما يذاع ويشاهد في أجهزة الاعلام المرئية والمسموعة لوضع يده على بيان علمي واسع النطاق متعددة الأساليب على صحة ما نقول ، فأجهزة الاعلام كما نعلم جميعاً لها من قوة الجذب وربما (التخدير) ما يمكنها من أن تفترس العقول وتحتل القلوب بنماذج من الأفكار والقيم والاتجاهات ما يساعد على تشكيل سلوك المسلم وفقاً للغايات التي يستهدفها القائمون بأمر الأجهزة.

 لقد سمعت يوماً في إحدى القنوات الفضائية العربية مواطناً من بلد هذه القناه يعيش في إحدى البلدان الأوروبية يخاطب مسئول القناة بانهم مشتاقون لمشاهدة برامج دينية تعينهم على مواجهة هذا الزخم الذي تحتفل به الحياة الأوروبية من حولهم ، حتى تستمر صلتهم بدينهم وتساعدهم على حماية أبنائهم  ، فإذا بالمسئول يرد بأنهم في هذه القناه لا يتأخرون عن ذلك عندما تكون هناك مناسبات  ، مثل : رمضان والعيد ورأس السنة الهجرية ، وموعد مولد الرسول صلى الله ليه وسلم.

وهكذا يعتبر هذا المسئول عن تصور للدين بأنه مرتبط فقط بمناسبات لا يزيد مجموعها في العام عن أربعين يوماً على وجه التقريب ، وفي غير هذه الأيام ، فلا حاجة للناس بالإسلام ولا الحديث عنه!

وحتى إذا فحصنا ما يقال من انه برامج دينية في مثل هذه المناسبات فسوف نجد – مثلاً- الاعمال (الدرامية) ، وهي التي تحظى بنسبة مشاهدة اكبر تدور حول وقائع تاريخية مما يرسخ فكرة  ، ان الإسلام (فترة تاريخية) وليس (حاضراً) ، فضلاً عن أن يكون مستقبلاً ، وهنا نجد أن ليس من الضروري ان يسمى العمل التليفزيوني او الإذاعي بأنه (ديني) وإنما يمكن بث القيم والاتجاهات الدينية الإسلامية من خلال اعمال عادية ، ففي العمل ( الدرامي ) مثلاً يمكن للإنسان (المأزوم) أن يهرع إلى الصلاة ركعتين بدلاً من أن يسرع إلى إشعال سيجارة أو شرب كأس من الخمر. ويمكن أن تكون التحية دائما هي (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)  ، ويمكن أن يشير العمل إلى عالم دين يقوم بدور إصلاحي ينفع الناس ، بدلاً من أن يظهر المتدينين دائماً بأنهم لابسي جلاليب بيضاء قصيرة ملتحين ، حالقي الشوارب مقطبي الوجوه ، لا تعرف الابتسامة طريقها إليهم ، ولا هم لهم إلا الإرهاب والتآمر وإفزاع الناس وترويعهم.

الحوار … فريضة:

 الاختلاف بين البشر حقيقة إنسانية لا تستحق من ان نقدم الأدلة والبراهين على وجودها ، فهي قد أصبحت من المسلمات التي نقيم حياتنا على أساسها ، بل ان البعض منا قد يعجب أن يجئ ابنان لأب وأم واحدة وبيت واحد وروف واحدة ، ثم إذا بهما لا يتماثلان في التفكير أو في الأسلوب ، وهي الظاهرة التي ليس من العسير تفسيرها (بيولوجياً) أو (نفسياً) و(اجتماعياً) و(ثقافياً).

وقديناً استند مفكر مثل ابن خلدون إلى هذه الحقيقة ليؤكد (فطرية) النزعة البشرية إلى (الاجتماع) والتآزر ، فكل منا يملك من المواهب والاستعدادات ما قد لا يتوافر للآخر ، والعكس صحيح ، فنحتاج نحن إلى الآخر بقدر لا يقل عن حاجة هذا الآخر إلينا.

وقد استفاد علماء الأدلة الجنائية من هذه الحقيقة الإنسانية استناداً إلى أن لكل فرد منا بصمة خاصة به يحتفظ بها حتى إذا وقع مكروه يصبح فحص البصمات معيناً إلى حد كبير على كشف ما قد يكون غامضا من الأمر.

والحق أن (البصمة الخاصة) لا تقتصر على (الإصبع) ، فلعقل الانسان كذلك بصمة خاصة تجعل ما ينتجه غير متطابق دائما وكلياً مع ما ينتجه آخرون ، ومثلما أوجب اختلاف القدرات والاستعدادات على البشر أن يتعاونوا ويتآزروا فإن اختلاف العقول يوجب الحوار وتبادل الرأي والمناقشة. ومن الأهمية بمكان أن نتساءل: الحوار مع من؟

إن ما نود التأكيد عليه هنا هو أن التربية الإسلامية إزاء هذا الموج الزاخر المتلاطم من اتجاهات الفكر والذي يتزايد كلما صعدنا في مدارج التقدم الراقي يستحيل أن تربى أبنائها على مخاصمة الآخر باعتبارها ممثلة للحق ، ذلك أن هذا الآخر يعتقد نفس الشيء ، أنه على حق ، ومن ثم نكون نحن الذين قد انحرفنا عن الحق ، ومع ذلك فغن هذا لا يوجب إقامة الاسوار بين عقول أبنائنا وعقول الآخرين.

إن أهمية الحوار مع الآخر هنا ضرورة من وجهتين: الأول ، أن الحوار معه يتيح لنا ان نعرفه بما نملك من فكر واتجاهات ، ومن ثم فمن يدري؟ ألا يحتمل ان يقتنع بما نقول فنكسب واحداً ، ويخسر الآخر هذا الواحد؟

والوجه الثاني ان الحوار مع الآخر ينبهنا في كثير من الأحيان إلى جوانب ربما لم ننتبه إليها ، وتاريخ الفكر الإسلامي زاخر بالأمثلة على هذا ، وكيف أدى الحوار مع الآخر إلى أن يستعين فلاسفة المسلمين بالزاد الفلسفي الذي وجدوه في تراث اليونان ليطرقوا مجالات لم تكن مطروقة ويصطنعوا أساليب لم تكن معروفة.

إن البعض يتخوف ويقول: إننا إذا اتحنا هذا لأبنائنا فلربما أغواهم هذا الآخر فتتزعزع معتقداتهم ، وقد يصل الامر بهم إلى ان يخرجوا عن الملة ويرثموا كليه في أحضان الآخر.

والرد على ذلك اننا نكون عادة في موقف يماثل المواقف الحربية ، فلابد من خسائر ، ولكن الانتصار عادة ما يعوض المنتصر بالكثير. هذا جانب ، ومن جانب آخر فإن هذا التخوف من شانه ان يدفعنا إلى المزيد من حسن وعمق التعليم الإسلامي ، فهذا هو السبيل أساسي لرفع القدرات الفكرية على المنازلة العقلية لنخرج منها كاسبين لا خاسرين.

وغنى عن البيان أن الحوار مع الآخر له أصوله وله قواعده وآدابه ، وأبرز هذه الأصول والقواعد والآداب أن سلاحه الأساسي هو (الكلمة) و(الفكرة) مسوقة في سياق يتسم بالعقلانية والمنطقية ووضوح البيان وقوة الحجة وسلاسة العبارات. ومن ثم فإننا ننر على التحاور بالسلاح على انه (مرض اجتماعي) و(عاهة فكرية) تشير إلى تخلف وقصور وعجز.

ومن هذه الأصول والقواعد والآداب ان ينحصر الحوار في دائرة (القضية) موضوع الحوار دون أن يتجاوزها إلى(شخص) يمثل طرفاً في حوار.

والحق اننا هنا نقف أمام آفة تشيع كثيراً فيما نراه من حوارات في عالمنا العربي ، فغالباً ما ينحرف المتحاورون عن (القضية) ليتناولوا جوانب في شخص هذا الطرف أو ذاك ، فيزداد التوتر ويشوب الحوار انفعال غاضب يعمى البصيرة ، فإذا بالهوة تزداد بين المتحاورين وإذا بالموقف يزداد تعقداً.

والحوار يقتضي كذلك تحديد لما يتم التعامل به من مفاهيم؛ إذ هناك العديد من الكلمات التي قد يعنى بها متحدث امراً غير ما يعنى به الآخر ، فقد يعنى طرف بالديمقراطية (نظاماً غربياً) للحكم يجعل الشعب مصدر السلطة مما قد يوقع في شبهة المخالفة الدينية على اعتبار أن الشريعة هي مصدر السلطة وليس الشعب. وقد يعنى الآخر بالديمقراطية طريقة للحياة تجعل للإنسان الحق في الاستمتاع بفرص العمل والتعليم والسكن بغير تمييز بينه وبين الغير تميزاً يقوم على (العرق) أو (المذهب) أو (الطبقة الاجتماعية) فإذا لم وضح هذه المعاني ، فليس مستبعداً ان يقول الأول إن الديمقراطية تخالف الدين ، وإن يصدم هذا الحكم الطرف الآخر فيسئ الظن بالإسلام.

والحوار الذي نريد من التربية الإسلامية أن تربى أبناءنا عليه ليس دائما بيننا وبين الآخر؛ إذ مما لا يقل عن ذلك أهمية أن يكون بين (السلطة) والمحكومين ، وبين أفراد المجتمع بعضهم وبعض.

إن علماء (البيولوجيا) يؤكدون لنا ان التلاقح كما كان بين أطراف تتباعد في أصولها كان ذلك أفضل لإنتاج حيوي أكثر صحة وعافية وسلامة ، ويحذر الأطباء كثيراً من التزاوج بين شديدي القرابة…

هكذا الفكر… فالتلاقح بين الأفكار المغايرة ، يؤدي إلى تكاثر فكرى صحيح البنية عافي القدرة.

إن سيادة الفكر اواحد يصيب العقول بالعقم ويصيب الامة بالجمود… وكل يوم يمر بأمة فكرها لا ينمو ولا يتطور ويتقدم فهذا لا يعنى فقط جموداً عن الحركة ، إنما يعنى ذلك تراجعاً إلى الخلف.

إن الحقيقة ليس لها إلا ملك واحد ، هو الله ، وما نحن جميعاً إلا مجموعة أفراد مهما كثروا لا نقف منها إلا من زاوية واحدة لا تتيح لنا ان نبصر إلا من خلال هذه الزاوية ، وكلما اجتمعت آراء أكثر ، وكلما تفاعلت ، أتاح لنا هذا بصراً بمساحة أكبر بالحقيقة.

التعامل مع الزمن:

ليس بسبيل الدخول في مناقشة فلسفية حول حقيقة(الزمن) وإنما ننظر إليه هنا لا باعتباره وعاء لحركة الانسان وغنما باعتباره (مورداً) و(ثروة) تزداد قيمة كلما تقدمنا نحو المستقبل ، حيث تصغر وحدة قياس الزمن فإذا بنا نطالب بان نحقق في ساعة ما كان يتم تحقيقه من قبل في أيام وربما في أسابيع ، ولا نبالغ إذا قلنا: وفي شهور. ومن غريب حياتنا الاجتماعية والثقافية أن نسمع-حتى الآن وقد أوشكنا أن نودع القرن العشرين – البعض يدعو بعضاً آخر من أجل (تضييع الوقت) في كذا وكذا من صور التسلية والترفيه.

وإذا كان الزمن وعاء لكل ما هو موجود ، إلا ان درجة الرقى في الوجود إنما تقاس بمدى الوعي بالزمان ، ومن هنا كان الانسان – ضمن مميزات أخرى-يمتاز عن سائر المخلوقات بوعيه بالزمن ، ذلك الوعي الذي جعله صاحب (ذاكرة) هي مخزون خبرة بشرية يصرفه عن الوقوع في أخطاء الأمس ويوحى له بما يجب ان يفعله اليوم مستفيداً مما فعله بالأمس؛ فيحدث تراكم تقوم عليه النهضة ويشاد عليه بناء الأمة.

لقد ألفنا القول باننا مازلنا نعيش حضارة الزراعة ، وبعضا من مقدمات حضارة الصناعة حيث الوحدة الزمنية تتسع لأيام وأسابيع  ، ولما ندخل بعد حضارة الصناعة الكبيرة المتقدمة حيث وحدة الزمن بالدقيقة أو الثانية ، ناسين أن الزمن في الربية الإسلامية له اعتباره وتقديره ، فكل الموارد يمكن استبدالها وتعويضها إلا الزمن ، فما يمضى منه لا يمكن تعويضه ، إن الذى يقلب في كتاب الله الكريم يلمس القيمة المرتفعة للزمن حين يرى سوراً من القرآن الكريم سميت بأسماء زمنية ، وأن الله يقسم بوحدات زمنية }والفجر وليال عشر{و }والعصر إن الانسان لفي خسر{، والصلوات خمس مرات محددة دائماً بالدقيقة ، ولو حرص الانسان على تأدية الصلوات بأوقاتها المحددة لتعود سلوكياً على ان يتعامل مع الزمن بوحداته الصغيرة والدقيقة.

وعندما يتم التأكيد من التربية الإسلامية على (الزمن) وقيمته والحرص على الوقت فغن حسن التعامل معه يقتضي الحساب الدقيق لأبعاد الزمن الثلاثية المعروفة: الماضي والحاضر والمستقبل.

فالتربية بحكم تعريفها ومفهومها تشمل ، ضمن ما تشمل ، تزويد الأجيال الجديدة بما سبق للبشرية أن توصلت إليه من تراث ثقافي ، إذا عنينا بالثقافة ذلك الكل المركب من المعارف والعلوم والعادات والتقاليد والمهارات والاتجاهات التي اكتسبها الإنسان من خلال عملية التفاعل بينه وبين عناصر البيئة المحيطة ، وإنسانية واجتماعية ، وقد يعنى أن (الماضي) هو مخزون كبير و(رصد) عظيم تغترف منه العملية التربوية من أجل إدماج الأجيال الجديدة في الجماعة البشرية.

لكن هذه الأجيال تعيش (حاضراً) وواقعاً مجتمعياً يضغط على الجميع بإيقاعاته ونبضه ومشكلاته وتوتراته ، وليس كل ما وصل إليه السابقون بصالح دائماً وتماماً لكل ما يستجد ، مما يفرض على المربين أن يصلوا دائماً بين الملية التربوية والأبعاد المجتمعية للحاضر الذي يعيشه الطلاب.

ومما لا جدال فيه أننا غذ نربي ، إنما نربي أولادنا لزمان غير زماننا مازال في علم الغيب ، لكن وجوده في علم الغيب لا ينبغي أن يصرفنا عن التحسب له وحسن التدبير والاستعداد وفرض الاحتمالات و(السيناريوهات) التي يمكن أن تحدث بحيث لا تدهمنا الوقائع ولا تفاجئنا الاحداث.

وهكذا يجد المربون أنفسهم أمام ضرورة أن يضع العمل التربوي في اعتباره الابعاد الثلاثة للزمن.

ومع الأسف الشديد فإن هناك فئات غير قليلة تكاد تربط العمل التربوي الإسلامي ببعد الماضي وحده ، وعندما نشير إلى هذا لا ندخل في اعتبارنا بطبيعة الحال كلا من القرآن الكريم أو السنة النبوية ، فهما: ماض وحاضر ومستقبل في وحدة متشابكة. وغذا وعينا هذا جيدا اتسعت مساحة الحرية في التعامل مع التراث الذي هو – بهذا المعنى – وعاء الجهد البشري في التفكير والسلوك ، فيستحيل أن يشكل قيداً على حركة التفكير التربوي بحيث يلزمه باتباع كل ما فيه والسر على منواله دائماً وأبداُ ، فلابد أن يعرض على محكات نقدية ، وعمليات فرز مستمرة تستبقى ما يظل صالحاً لتوحيد مسارات الحاضر وتستبعد ما تنتهي فترة صلاحيته.

إن التربية الإسلامية ، إذ تستهدي بكتاب الله عز وجل وسنته رسوله صلى الله عليه وسلم ، تجد نفسها بالضرورة تربية مستقبلية.

سيسارع البعض إلى اتهامنا بالافتعال ومحاولة (تجميل الصورة)  ، ونبادر إلى القول بأن الصورة الجميلة أصلاً لا تحتاج إلى تجميل ، وقد تحتاج إلى جهد لإزالة غبار الإهمال وعدم الاستعمال…

فلننظر إلى ذلك التوجيه النبوي العظيم بأن يعمل المسلم لدنياه كأنه يعيش أبداً وأن يعمل لآخرته كأنه يموت غداً…

هل المسألة خيار بين أن يعمل الانسان لدنياه أو لآخرته؟

إذا كانت المسألة خياراً فلابد للمسلم الحق أن يختار العمل لآخرته. وإذا كان العمل للآخرة يقوم على افتراض أن ينتهي أجل الانسان غداً ، وربما بعد لحظات ، فإن هذا قد يعنى للنظرة العجلى أن لا جدوى إذن من العمل ولا فائدة لبذل الجهد ، لكن النظرة المتأملة المتعمقة ترى عكس ذلك… ترى أن يستجمع الانسان كل ما يملك من طاقة لكى يسرع بالعمل حيث لا تضيع منه دقيقة واحدة حتى يستطيع ان يلاقي ربه برصيد أكبر من العمل الصالح ، وبدلاً من أن يجنح إلى التكاسل ، ويقول لنفسه: فلنؤجل ذلك إلى أسبوع قادم ، سيضغط عليه هذا الاختيار: ومن أدراك أن تعيش إلى الأسبوع القادم ، لابد وأن يتم ذلك اليوم.

وإذا كانت المسألة ليست خياراً بحيث يل عاملاً لدنياه ولآخرته ، فسوف تظل الأولوية للعمل للآخرة ، وسوف يتعامل مع الدنيا على أنها (مزرعة) للآخرة إذا طالت أيامه بها-أي الدنيا-فلابد أن ينتهزها فرصة لكثير المزروعات وتجويد الزراعة واستنبات أفضل ما يمكن أن يزرع؛ فتزداد عمرانا ويزداد فائض الإنتاج.

النهم المعرفي:

منهومان لا يشبعان: طالب مال وطالب علم…كلاهما يشبهان كذلك بالنار كما أعطيتها ، قالت: هل من مزيد؟

فهناك الكثير مما يمكن أن يقال عن أن جزءاً أساسياً من الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها هي (حب الاستطلاع) وهو الذي يترجم عملياً إلى ميل فطري إلى الاستزادة من المعرفة ، ذلك أن الانسان كلما توافرت لدية معلومات عن جانب من جوانب الحياة ، اعتبر ذلك امتداداً يستطيع أن يبسط عليها نفوذه ، واعتبر ذلك أيضاً توسعة نطاق إرادة الإنسان.

لكننا أصبحنا خبراء بكل الأسف وبكل الأسى في بذور الجفوة بين الانسان وطلب المعرفة بتلك الأساليب والنظم التي ابتكرناها في نظم التعليم ، وفي مقدمتها نظام التعليم ، وفي مقدمتها نظام الامتحان. لقد تحول إلى محكمة لإصدار حكم على الطالب بالنجاح أو الفشل ، وارتبطت به نتائج ذات أثر كبير على مستقبل الطالب ، وتطلع كل ما يحيطون به ، فأصبحت الامتحانات مقرونة بالخوف والقلق والتوتر.

ولما كان طلب المعرفة لابد أن ينتهى بامتحان ، انسحبت هذه المشاعر المشار إليها إلى عملتي التعلم والتعليم ، وهكذا نرى الطالب بعد أن ينتهى من امتحاناته يعمد إلى الكتب وكأنها عدو له فيقذف بها بعيداً لا يريد أن تذكره بأيام سوداء.

ولأن الانسان نهم إلى المعرفة ويتطلع إلى الجديد ، هرع الشباب إلى أن يطلبوه في أشياء أخرى: في أغان ورقصات وتقاليع وانحرافات وأفلام وغير هذا وذاك من مصادر أخرى الله اعلم بما تحويه من مدمرات وصور تخريب وأساليب تقويض.

إن الانسان يبدأ طفلاً في ممارسة هذه الفطرة بأن يكثر التساؤل عما حوله مما يغمض عليه ، ولو أننا انتهزناها فرصة لتنمية هذه الفطرة وتغذيتها بالجديد الدائم من المعرفة تماماً كما نحرص على تغذيته بالطعام لينمو جسمه ، لساهمنا كثيراً في أن ينمو أبناؤنا وهم في طلب دائم للمعرفة وسعى مستمر في طلب العلم.

هل نسوق عشرات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تعلى من شأن العلم وتحث على لبه وترفع من قدر العلماء؟

لا أظن أننا الآن بحاجة إلى ذلك سعياً للإقناع ، فضلاً عن أن هناك مئات البحوث والدراسات التي عكفت على مثل هذه الأدلة النصية شرحاً وتحليلاً وتعليقاً وتعميقاً واستنباطاً.

ويكفي أن نشير إلى هذه النوعية من الآيات القرآنية التي تبين كيف سخر لنا سبحانه وتعلى هذا وذاك مما هو في الكون ، ودعوته الانسان إلى ان (يستثمر) و(يستخدم) هذا الذي سخ له. والسؤال هو: هل من الممكن ان نستثمر ونحن نستخدم هذا الذي سخر من أجلنا من غير أن نفهمه وندرسه ونعرفه؟

ويكفي ان نشير إلى نوعيه أخرى من آيات القرآن الكريم تتصل بمظاهر في هذا الكون طالبة من ان نفكر فيها وننر ونتأمل حتى نتيقن من أن وراها خالقاً غي مخلوق ، احداً لا شريك له ، فكيف يمكن أن يتأتى لنا هذا غلا بدرسٍ وفحص وبحث وتعلم وتعليم؟

العلم في التربية الإسلامية إذن لا يقتصر على ما اصطلح على تسميته بالعلم الديني ، فدائرة تتسع باتساع نطاق ما وهبه الإنسان من حواس وقدرات عقلية ، وبامتداداتها بما يصل إليه من اختراعات ومبتكرات توسع من دائرة كل ما يمكن ان تقع عليه حاسة من الحواس. نستدعي الي الذاكرة كل هذا – وهماك غيرة كثير – ونحن نعيش عصراً يتميز بانه يشهد (طوفاناً معرفياً) ما كان يخطر على خيال بشر من قبل ، وأصبح مجتمع الحاضر المتقدم والمستقبل المقبل هو مجتمع المعلوماتية.

إن كتب تاريخ التربية الإسلامية تحدثنا عن (الرحلة في طلب العلم)  ، وكيف أن طالباً للعلم كان يركب دابته ليسير شهوراً إلى مدينه بعيدة متحملاً مشاق سفر يخلو تماماً من كل ما ينعم به إنسان اليوم من تسهيلات طرق وأجواء للطيران وأشكال لا حصر لها للتيسير والتزويد بالماء وبالمأكل بأبسط وأسرع الطرق ، كل ذلك بما من أجل الحصول على حديث نبوي ، أو التحقق من حديث ، أو الحصول على كتاب ، وها نحن نرى إنسان اليوم يستطيع – وهو بملابس الرحلة المنزلية – أن يحصل في دقائق ، وبما ثوان على ما يريد من معلومات ، بل وكتب!

إن التربية الإسلامية إزاء هذا تجد نفسها مطالبة بان توسع من آفاقها وتثرى من معلوماتها وتجعل منها ساحة للتشجيع على طرح التساؤلات والمشكلات والقضايا من أجل البحث والدس والفحص والنقد. إن الشائع لدى كثيرين للأسف الشديد ان المعرفة ذات الطابع الديني تنفر من (الشك) وتنحو نحو (التسليم) وتنزع إلى (النقل) وهذه كلها شبهات أفرزها ضعف الوعي بحقيقة التربية الإسلامية ، فلا يقين لديها إلا ما يتصل بأركان العقيدة الأساسية ، وهذا اليقين نفسه لا تتطلب التربية الإسلامية التسليم به إلا بعد فهم واقتناع ، والفهم والاقتناع لا يأتيان إلا بعد حالة شك وإثارة التساؤلات ، فهذا حق مشروع ومطلوب؛ لأنه طريق يوصل إلى اليقين المبنى على الرضا والقبول والوعي الصحيح.

إن الانسان كلما وقف على سر من أسرار الكون فإنما يضع يده بذلك على آية من آيات الله في خلقه فيزداد إيماناً وثقة بما يؤمن ، ومن ثم فالتربية الإسلامية مفوض بها أن تزرع هذا النهم إلى المعرفة وتجعل من مطالبها لا يكاد يستقر على معلومة حتى يسرع إلى طلب غيرها ، وفراءة المسلم قوله عزو جل :}وما اوتيتم من العلم إلا قليلاً{تصرف عنه تصوراً أنه بكل ما يعلم يمكن أن يكون قد حصل الكثير ، فمهما حصل  ، فهو قطرة من بحر ، ولذلك يظل طالباً للمعرفة طالما استمر قلبه يدق وأنفاسه تتردد داعياً المولى عز وجل}وقل رب زدنى علماً{.

الإنسان المنشود:

وغاية العملية التربوية في كل زمان وفي كل مكان أن نربى شخصية إنسانية تتمثل في كل أو معظم ما تأمله الأمة لغدها. والتربية الإسلامية هي أولى بذلك ، فهذا الانسان هو الذي كرمه الله على سائر خلقه ، وهو الذي خلقه في أحسن تقويم وأجمل صورة ، وأودعه من المقومات ما يعنيه على أن يتسيد كل ما سخره له المولى عز وجل مما خلقه في هذا الكون. وجماع مقومات الانسان المنشودة هي التي تمكنه من أن يواجه الغد بفاعلية واقتدا ويحسن التعامل مع متغيرات المستقبل. ويمكن أن نوجز مقترحاً لهذه المقومات في الخطوط العريضة التالية:

–   فنقطة البداية لابد أن تكون الايمان بالله وبرسله وكتبه واليوم الآخر ، صحيح أن موضوع التربية الإسلامية هو الإنسان المسلم ، ولا يكون الإنسان مسلما إلا بهذا الايمان ، فلماذا النص عليه هنا؟ تنص عليه ونبرزه ونقدمه لن التربية الإسلامية هنا تسعى إلى إقامة هذا الإيمان على علم وعلى وعى. إيمان لا يقف عند حد التلفظ به وإنما يتعدى ذلك إلى القدرة على الدفاع عن عقيدته وسوق الأدلة والبراهين التي يقم عليها الايمانبالعقيدة ، إيمان يمثل طاقة نور تبث إشعاعها في التفكير وفي السلوك ، ولا تكون حبيسة العقل والفكر.

–   و(التقوى) هي القيمة المركزية في سلوك الانسان المسلم… إنه في كل ما يسلك يتقى الله ، ويضع نصب عينيه أنه يرى الله ، فإن لم يكن يراه فالله يراه ، وهكذا يكون سبحانه هو الموجه وهو المرشد وهو الرقيب وهو الحسيب.

لقد قلنا (التقوى) ولم نقل (فضيلة) أو ( خلق)؛ لأن الفضيلة أو الخلق تلعب النسبية فيها دوراً كبيراً؛ إذ المعاني هنا قد تتبدل وتتغير بتغير الزمان والمكان لكن تقوى الله ترتبط بالخالق الذى لا يتبدل ولا يتغير؛ ترتبط (برب العالمين) الذى يريد الخير للجميع لا يميز بين إنسان وآخر إلا (بالتقوى).

إنها أشد لزوماً للإنسان وهو يستقبل الجديد من الزمان والذى يحمل طوفاناً من التغيرات التي من شأنها أن تزعزع وتهز أركان البنية القيمية ، فتظل التقوى هي قارب النجاة ، والبوصلة على الطريق.

–   والتربية الإسلامية إذا كانت تركز على التوجيه السلوكي فهى بحكم طبيعتها تسعى إلى أن تزود إنسانها بزاد معرفي في العلوم الدينية يشكل البنية التحتية لسلوكه ، فهو عندما يحرص على استقامة السلوك لابد أن يكون على علم بميادين هذا السلوك المستقيم وفقاً للعقيدة الإسلامية  ، وهو إذ يستقبل كل يوم جديداً من المعارف والعلوم والاختراعات المتعددة يكون بحاجة إلى (ميزان) يزن به ما يستقبله ، فهذا – مثلاً – من شأنه أن يوسع دائرة المنفعة لعموم المسلمين فيرحب به ، وهذا قد يفعل العكس فيقصيه جانباً ، وربما عمل على محاربته ، ولن يكون الميزان ذا وظيفه فعالة إلا بثقافة دينية ترتكز على الأصول والقواعد الأساسية والمفاهيم والاركان الرئيسية.

وطالب التربية الإسلامية يعي جيدا أن هذا المجال ه (تربية) (إسلامية)  ، فإذا كان ملزما بالتثقف الديني الإسلامي  ، فهو كذلك ملزم لا بما يقدم له في الاتصال الدائم بمصادر المعرفة التربوية والنفسية لا يبالى من أي وعاء خرجت ، فمن المفروض أنه على قدر من (الايمان) و(التقوى) و( العلم الديني) الذى يجعله يميز بين النافع وغير النافع ، مستجيباً بذلك إلى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلمبأن يرزقنا الله علما نافعا ، والله لا يرزق عباده وهم متكئون على الارائك  ، وإنما يبذل الجهد وبالكد والعمل الشاق.

التربية الإسلامية ليست مجرد تخصص ضيق ، رغم ما تلزم به طالبها من التثقف الديني والتربوي والنفسي ، فالعملية التربوية ليست مثل كثير من العمليات التي يمكن أن تنحصر في دائرة ضيقة إنها تتناول ( إنساناً) هو (كل) و(مركب) مما لا حصر له من الاتجاهات والميول والقدرات  ، وهي لابد واضعة نصب عينيها مقومات المجتمع الذى تربى فيه ، ومتغيرات العصر وجملة القوى والعوامل الفاعلة ، وكل هذا يوجب أن يكون إنسان التربية الإسلامية (مثقفا) بالمعنى الذى يجعله قادراً على الوعى بالمشكلات الكبرى التي تواجه أمته ، وأبرز معالم التغير المعاصر الذى يعيشه.

وغذا كان واجباً على طالب التربية الإسلامية أن يعب بقدر ما يستطيع ويغترف بكل ما يملك من طاقة من منابع المعرفة الدينية والتربوية والنفسية والعامة ، لكى يتكون ذلك التكوين الذى يتيح له أن يحظى برضى الله ويحسن التعامل مع متغيرات العصر ، إلا ان هناك واجباً أساسياً (يتربى) عليه ، هو أن يتعدى بما يعلم حدود شخصية ليكون (عطاء) للآخرين ، (داعية) و (مبشراً) . وهو في ذلك لا ينتظر حتى يجيئه آخرون ممن لا يعلمون ، يسألونه ، بل يبادر هو ليستثمر كل موقف ليثبت من خلاله ما يمكن أن يعرفه للآخرين ، وهولا يبث معرفة فقط ، وإنما يبث سلوكاً ، وهذا لا يتأتى إلا بمدى التزامه هو جانب التقوى ، فبمثل هذا الالتزام يقتدى به آخرون.

وطالب التربية لن يكون قادراً حقاً على واجهة المستقبل إلا إذا توافرت لديه مهارات ثلاثة أساسية:

أولها: ان يكون صاحب رؤية نقدية ، لا يقف موقف المستسلم لما يقرأ أو يشاهد او يسمع ، إنما يعرضه على محكات نقدية متعددة أولاً ليقرر بعد ذلك إذا كان قابلاً أم لا لما يرى أو يقأ أو يسمع.

ثانيها: القدرة على (الجدال بالتي هي أحسن) أو المحاورة الهادئة المتزنة التي تقوم على المنطق وأصوله العلم الديني والعلم الحديث والعبارات المهذبة والكلمات المحددة.

ثالثها: أن يكون مبدعاً بقدر ما يستطيع ، لا يركن إلى (التقليد) ومجرد (الحفظ) و(الاستظهار) ، وإنما يسأل نفسه دائماً: ما الذي يمكن أن أضيفه من جديد؟

واخيراً فكثيرون يظنون أن التربية الإسلامية بحكم نزعتها فهي (روحية)  ، ونحن نؤكد هنا أن المربى المسلم بحاجة إلى بنيان جسدي قوى وصحة سليمة حتى يستطيع أن يقوم بواجبات يفرضها عليه الدين كالجهاد والعمل ، وفرائض الدين نفسها مثل : الصيام والحج يصعب القيام بها إن لم يكن الجسم صحيحاً معافاً وقوياً….

وبعد…….

إن هذه الأفكار لم يجئ من خلال (بحث) يغوص بنا في بطون المصادر والمراجع ، وإنما آثرنا أن نسوقها (اجتهاداً) وإعمالاً للفكر لنقدم بها ريتنا نحن لا رؤية هذا أو ذاك من المؤلفين ، سائلين المولى عز وجل أن نكون قد التزمنا صواب النهج واستقامة الريق وبلوغ المرام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر