أبحاث

الاستشراق والفقه الإسلامي – المعرفة والقراءة والتأويل

العدد 153

استقلال العلوم عن الفلسفة لم يكن نهائيا ولا إقصائيا وإنما اقتضته الضرورات المنهجية الاجرائية كما يوضح مؤرخو العلوم، فالفلسفة احتفظت بحقها في البحث في ماهية الأشياء والمواضيع والمنهجيات.

اليوم من النادر أن نجد باحثا أحادي التكوين، لأن طبيعة البحث خصوصا في العلوم الإنسانية يفرض عبورا مستمرا إلى تخصصات عديدة، وطبيعة مواضيع البحث في العلوم الإنسانية لا يمكن مقاربتها موضوعيا من غير آليات منهجية متعددة المشارب.

المسلمون اليوم في موقع الدفاع، وهذا الشعور يجعل العقل دائما متوجسا بل متشنجا مما يحول دون استثماره الإيجابي كما أراده له خالقه.

الحوار بين المتدينين وبينهم وبين اللادينين -بمختلف تنويعاتهم- والانفتاح الفضائي إضافة إلى الدراسات العلمية للمجتمعات الحديثة(1)، كل هذا يجعل الدين محورا مركزيا دون أن يعني ذلك التقديس المحصن من أي تحليل نقدي.

الأبحاث الغربية لا تميز بين الدين كمبادئ والتدين كاجتهادات لتمثل تلك المبادئ، فكل المحاور توضع تحت المجهر دون تحفظ.

تاريخ الأديان ومقارنة الأديان –كعلمين- توسعا من حيث الروافد ومن حيث التفريعات، وأصبحت خصائص كل دين محل دراسة لا تستصحب المصادرات والمسلمات التي يضعها أتباع دين معين عند دراسته.

دراسة الإسلام بعلومه الأساسية في الجامعات ومراكز البحوث العالمية تتم وفق آليات منهجية غير مألوفة لدى أتباعه، والمواجهة التي تفرضها هذه الحالة العلمية تقتضي متابعة بل ملاحقة متيقظة لثمار العقل الإنساني، والإجابات الدفاعية المستوحاة من أدبيات الردود على المستشرقين الكلاسيكيين لم تعد صالحة منذ وقت طويل.

من أهم العلوم في المنظومة الإسلامية الفقه وأصوله، وهو مجال لمقاربات منهجية معاصرة غربية بالأساس لا تتماشى أغلب عناصرها مع ما ألفه المسلمون من مسلمات مما يعيق الدخول الفعال لهم في معترك توظيف أقصى طاقات العقل لتفكيك الشبهات، ولكن أيضا للانتباه إلى بعض الزوايا التي تراكم حولها غبار الإهمال أو التغاضي.

أصول الفقه: مثاقفة إيجابية بحثا عن ضالة الحكمة

يرى أبو حامد الغزالي في: “المستصفى في علم الأصول” أن:

أشرف العلوم ما ازدوج فيها العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل(2).

وجاء في: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي حول سؤال في مسمى الفقه وهل هو علم ديني أو دنيوي أنه:

باعتبار ما يتعلق بالعبادة علم ديني أخروي، وباعتبار ما يتعلق بالمعاملات وفصل الخصومات دنيوي باعتبار وأخروي باعتبار(3).

التنسيق بين دواعي العقل وأساسيات الدين مسألة مركزية في الحراك العقلي ولكنها أيضا عمق الحيوية الإنسانية التي تشد الطرفين.

يدافع البعض عن أصالة أصول الفقه باعتباره المفتاح المنهجي للأحكام، والبعض يعتبر القضية معركة مقدسة يقدم فيها التراث الأصولي باعتباره برنامجا نهائيا للتفكير بنيت مكوناته على أساسات فهم مكتمل لمقاصد الخطاب الإلهي، لم يستفد مما حوله من ثراء في طرق استخدام المواهب العقلية والوجدانية التي وزعها الخالق بالعدل على كل البشر، وذلك رغم أننا نقرأ ما يتعارض مع هذه النظرة، على سبيل المثال ما يقوله محمد الخضري بوضوح:

قال بعض الأصوليين أن لعلم أصول الفقه قواعد مستعارة من علوم أخرى وليس في ذلك غض منه لأن الأصوليين جمعوا من العلوم المختلفة ما يرجع إلى غرضهم ويختص ببحثهم فألفوه وصيروه علما موضوعه الدليل السمعي(4).

هذه الرؤية تسمح للباحثين في تاريخ وعلم اجتماع المعرفة الدينية في الإسلام أن يتعمقوا بعيدا عن سياج المعادلات وأسوار الإدانات المسبقة من حراس المعابد الوهمية، لأن الباحث في هذه القضايا لا يتطاول على الثوابت بل يحفر بحثا عن الطرق التي سلكها العقل المسلم في تجسيد الاستخلاف وتثبيت قواعد انطلاق الاجتهادات التي يسعها الدين الرحب.

يقول أصولي معاصر ابن بار بالمتون المؤسسة وسد منيع لدواعي الاغتراب:

مثل علم أصول الفقه بالنسبة للفقه كمثل علم المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية فهو ميزان يضبط العقل(5).

الميزان قواعده مستمدة من مصادر الدين الأساسية والقرآن أهمها، وفي هذه النقطة يشير أبوزهرة منبهًا:

القرآن ليس كتاب قانون يلتزم منهاجًا بيانيًا واحدًا بل هو كتاب عظة وعبرة(6).

قراءة الجملة السابقة على ضوء استخدام المصحف في المعارك السياسية وفي محاولة تقديمه مرة ككتاب بلاغة وتارة ككتاب في علم التشريح وأخرى ككتاب في علم الفلك وغيرها أفقد المسلم فرصة التواصل مع خطابه باعتباره مادة للطاقة المفجرة لمواهب الإنسان في كل المجالات ومحفزًا قويًا لبث روح النماء الإيجابي وليس الاختباء خلفه في ساحات المعارك الحقيقية: بين العمل والموت أي بين الحركة الحارثة في شعاب الكون وسكون ظلمة قصور النائمين في الأوهام.

يقول طه عبد الرحمن:

“ذلك أن علم أصول الفقه الذي يظهر بمظهر نسق من العلوم لم تدخل فيه شعب العلوم الإسلامية وحدها، بل دخلت فيه أيضا العلوم العقلية المنقولة من الثقافات والحضارات الأخرى والتي لها قرابة معرفية أو منهجية معه(7).

أصول الفقه آلية لفهم الخطاب التشريعي المبثوث في المصادر الأصلية، وللوصول إلى أدق النتائج استعان المسلمون بثمار العقل البشري المدرب على التشغيل الأقصى لطاقاته، ومثل هذه الأفكار من مثل هؤلاء تقطع الطريق على بعض المستشرقين الذين رأوا في ذلك انتقاصًا من قيمته خصوصًا مع إصرار لفيف عريض من المسلمين على تبرئة أصول الفقه من أي أثر أجنبي.

هذه القضايا تستقطب الباحثين في التاريخ المعرفي المتخصص مما يؤكد ضرورة تحيين الآراء والمواقف باستمرار وملاحقة الإنتاج الجدي المبني على اكتشافات جديدة أو تحليلاً بأدوات جديدة أو رؤى مبدعة في الربط والاستنتاج، يقول رضوان السيد – في إطار الملاحقة المستمرة لما تنتجه الدوائر الحية- في مقال بعنوان: “إنجازات الشافعي ومآخذ نقاده“:

لا يكاد يمضي شهر إلا وتصدر قراءة جديدة للإمام الشافعي وبخاصة لنصه في الرسالة(8).

وقراءة الرسالة من باحثين من مشارب متنوعة وخلفيات متناقضة دليل على حيوية المادة العلمية خصوصا عندما تربط بالبيئة السياسية والعلمية التي كتبت فيها قبل أن تتحول إلى ما يشبه التأسيس لبناء معرفي جديد يصر البعض على تجميده.

ويسعف الباحثين إنارات أساسية كالتي وضعها واضحة أبوزهرة في 1958:

علم أصول الفقه هو العلم الذي يبين المناهج التي انتهجها الأئمة المجتهدون في استنباطهم وتعرف الأحكام الشرعية من النصوص والبناء عليها باستخراج العلل التي تبنى عليها الاحكام وتلمس المصالح التي قصد إليها الشرع الحكيم…. الفقه الذي توارثناه وكان في ذاته ثروة مثرية… ينير لطالب الفقه سبيل الاجتهاد إن أراد أن يضيف إلى تلك الثروة أخرى من نوعها(9).

هذا التوضيح من مرجعية علمية في المجال تحيل إلى النداءات الخافتة لبعض أهل الاختصاص الذين دقوا ناقوس الخطر منبهين إلى خطأ تدريس المقاييس الخاصة بالفقه وأصوله باعتبارها قوالب مغلقة ونهائية أقرب إلى المعادلات الكيميائية، ومن مداخل الديناميكية في مقاربة العلمين تفكيك المنظومتين إلى عناصرها الأولية كالبحث عن أثر المنطق اليوناني أو علم الأوائل في المعجم الاصطلاحي وفي بناء الأحكام ذاته.

انتبه المستشرقون مبكرًا لأهمية الفقه وأصوله في فهم المجتمعات الإسلامية ليس من باب التطابق بين العنصرين ولكن للتحكم المنهجي في أساسيات التفكير، وإن كانت بعض اجتهاداتهم ودأبهم على التوسع في البحث قادهم إلى نتائج تبدو منطقية بفعل الانتقاء الذكي وارتخاء العقل المسلم من قبيل عجز الفقه أمام العرف في مجالات أخرجت القضية عن سياقها لتصل بها إلى أن العرف المستمد من الديانات السابقة من سماوية ووثنية أسعفت الفقيه لسد ثغور واسعة فرضها الإيقاع السريع لتحولات الحياة وسحبت البساط بالتدريج من الشريعة العاجزة عن التطور.

الاستشراق: الآخر وشفرتنا

الاستشراق ليس مرحلة عابرة في تاريخ المسلمين الفكري بل هو عامل حاضر بقوة فرضته ملابسات استثنائية مازالت تكشف عن أسرار جديدة من خزانة المخطوطات النادرة وأيضا الاستفزازات المنهجية التي يفرضها العقل الغربي الجارف بقوته التي لا تلتفت لغير نداء: جين إدمان المعرفة.

ارتبط الاستشراق بالموقف الديني من الإسلام سواء من اليهود أو المسيحيين أو حتى غير المتدينين، ولكن معرفة تضاريسه كانت عنصرا أساسيا سواء لخدمة حملات صليبية مسلحة أو التبشير الناعم أو الاستعمار أو البحث العلمي الخالص.

تتباين المواقف من إنتاج المستشرقين، ولكن النظرة العاطفية جعلت شيطنته تخليا مُرضيا (بضم الميم) للذات التائهة عن مواجهته معرفيا.

تقول عائشة عبد الرحمن: علماء الاستشراق بشر مثلنا يتعصبون لدينهم وقومياتهم مثلما نتعصب لديننا وقوميتنا، وما ينبغي أن نلومهم على هذا التعصب أو نغضب لعجزهم عن التجرد من أهوائهم، وإنما نحن هنا بصدد قضية علمية وتاريخية تلزمنا بأن نكون على وعي بما لابس عمل أكثر المستشرقين من انحراف لم يكن منه بد بحكم ما استهدف الاستشراق في نشأته الأولى من خدمة الكنيسة(10).

التسلح بالواقعية الراشدة لمواجهة هذه القضية العلمية المحاطة بأكوام من الإدانات المسبقة تبدأ بالاعتراف:

يقول محمد كرد علي: لولا عناية المستعربين بإحياء آثارنا لما انتهت الينا الدرر الثمينة(11).

ويقرأ الاعتراف المؤلم السابق أيضا على ضوء:

تم إحراق مليون كتاب في ميدان غرناطة في يوم واحد، وأحرقت كتب أثناء الحروب الصليبية مثلا، وحوالي ثلاثة ملايين مخطوطة في مدينة طرابلس الشام وحدها(12).

بعض المسلمين فرح بالحرق حتى لا تقع المخطوطات في أيدي المستشرقين(13).

أحرق المسلمون كتب ابن رشد وابن حزم والطبري وغيرها، وكأن قَدَر هذه الأمة المخاطبة بفعل الأمر اقرأ من غير مفعول به كرمز لانفتاح العقل على الحكمة أن تصاب بهذا المرض  Pyromanie.

خطوة منهجية تكسر رتابة التعامل العدائي يضاف إليها التحديد المنهجي للتدخل الاستشراقي في صناعة وتصنيف الخزانة المكتبية الإسلامية:

خدمة المستشرقين للتراث الإسلامي في خمسة مجالات:

1- البحث عن المخطوطات والرحلة إليها وحفظها وصيانتها.

2- فهرسة المخطوطات وتوثيقها وضبطها وراقيا وربما تلخيصها.

3- تحقيق كتب التراث.

4- الدراسات حول التراث.

5- ترجمة التراث إلى اللغات الأوربية(14).

وإحصائيا هناك أرقاما غير نهائية حول ثمار العقل المسلم في معركة البحث عنها بروح الأمن الروحي الحقيقي. القائمة التي ذكرها إدوارد فان دايك في مطلع كتابه: اكتفاء القنوع بما هو مطبوع: 75% من المخطوطات تكاد تنحصر في المكتبات الأوربية و25% منها في العواصم العربية والإسلامية.. وتعود هذه المعلومات إلى بداية القرن الرابع عشر الهجري أي نهاية القرن التاسع عشر الميلادي 1313هـ/1896م. وهذا حصر مكاني تقريبـي، ويذكر اليوم أن المخطوطات العربية تصل أو تزيد عن ثلاثة ملايين مخطوطة موزعة بين أكثر من ألفي (2000) مكتبة في العالم(15).

وينقل باحث آخر أن مكتبة باريس الوطنية تحتوي على ستة ملايين من الكتب والمخطوطات منها نحو سبعة آلاف مخطوط عربي بينها نفائس علمية وأدبية وتاريخية ونوادر(16).

ويقول بعض الباحثين أن %5 فقط من التراث الإسلامي رأى النور، ولابد أن يؤرق السؤال التالي عقول ذوي الألباب وهو كيف سيكون الوعي والعقل والوجدان مع 95% الضائعين؟ وكيف يعيش المسلم بهذه الإعاقة الخطيرة التي تزداد تأزما بربطها بالمعرفة الدينية؟

وسيكون ضغط السؤال أشد عندما تستحضر تحفظات من قبيل:

بعض المستشرقين ركزوا في اهتمامهم بالتراث على الحركات التي تمردت على التوجه السائد في المجتمع العربي المسلم واعتبروا المنشقين أصحاب فكر ثوري تحرري عقلي(17).

المواضيع التي انتقاها أو ركّز عليها المستشرقون مرتبطة بالتفاعل العلمي وصعوبة النصوص ولكن أيضا بالأمزجة والاختيارات الشخصية مع ما يوحي به ذلك من نسبية النتائج على الصعيد العام.

دراسة كمية قام بها عبد العظيم الديب أثبتت أن نسبة المنشور في مجال التصوف والفلسفة وعلم الكلام يصل إلى 43% من جملة منشورات المستشرقين التراثية، وحوالي 30% في مجال التاريخ والتراجم، و4.3% في مجال التفسير واللغة والنحو والأدب والجغرافيا والفقه والعلوم والرحلات والطرائف(18).

المعرفة بتراثنا إذن هي رهينة تفضيلات من استولوا – لحسن وسوء حظنا في نفس الوقت – على خزانات مخطوطاتنا ويشكلون خريطتنا المعرفية وفق اختيارات نادرا ما تتوافق مع حاجاتنا.

دروب خريطة طريق مخطوطاتنا ليس بأيدينا، والإسلام والفطرة السليمة يدفعان إلى تكرار الاعتراف الصعب بالتعامل الواعي للمستشرقين مع تراثنا الذي مازال جله في دهاليز التاريخ، ولكن التنبيه أيضا إلى جريمة التشويه الذي يمعن فيه البعض فقد وفر لنا المستشرقون ألوف الذخائر العربية مرتبة محررة موثقة تجلها مكتباتنا وتعتمد عليها جامعاتنا ويستند إليها علماؤنا، إذ سبق المستشرقون إلى نشرها لأمتنا بل وقاموا بترجمة معظمها إلى سائر لغاتهم، وقد بلغ حرصهم على تطبيق منهجهم العلمي عليها إلى نشر بعضها في أكثر من سبع طبعات لمقابلتها على المكتشف من نسخها وتصحيح أخطاء أوائلهم والاستدراك عليها، وعندما أخذتها مطابعنا عنهم أغفل بعضها أسماء المستشرقين ومقدماتهم ومعاجمهم.. وشوهت شروحهم واستدراكاتهم وفهارسهم ولم يكن حظ مخطوطاتنا على يد بعض محققيها عندنا بأوفر(19).

ملاحظات المتخصصين من علماء الأمة الإسلامية الصارمة تنفي عنهم أية تهمة بموالاة الآخر لأن هذه الاعترافات هي أهم خطوة لمواجهة المشكلة ومحاسبة الذات.

نحن و التراث

التعريف الإجرائي للتراث:

ماورثناه عن آبائنا من عقيدة وثقافة وقيم وآداب وفنون وصناعات وسائر المنجزات الأخرى المعنوية والمادية، ويشمل كذلك على الوحي الإلهي القرآن والسنة.

هذا البناء الهام في كيان أية أمة تعرَّض للضياع، وانتبه المسلمون إلى خطورة الأمر باحتكاكهم بأمم أدركت أن روح الأمة مرتبطة بجذورها، ومن العينات الدالة على ذلك:

محمد علي باشا أقام مشروع إعادة إصدار التراث الإسلامي في مصر في عام 1820 في إطار مشروع النهضة وإنشاء المطبعة الأميرية ببولاق، وبجهود رفاعة الطهطاوي وتحت إشرافه تم تحرير تفسير القرآن للرازي وغيره من ركائز تراث الأمة، وفي عهد الخديوي إسماعيل تم إنشاء دار الكتب: الكتب خانة على يد علي مبارك عام 1870 والتي قامت بحصر المخطوطات التراثية ومحاولة جمعها من الزوايا والبيوت والمساجد.

ثم ساهمت الجامعات في تحقيق ودراسة التراث ابتداء من ثلاثينات القرن العشرين خصوصا مع التواصل مع المستشرقين.

الأدوات والوسائل المستعملة لمحاولة إنقاذ التراث ارتبطت أيضا بالآخر غربيا ومستشرقا وحتى مستعمرا مع ارتعاش عقلي لدى المسلمين كاد أن يعصف بمحاولة الدخول إلى الأزمنة الحية للأمم:

تذْكر المصادر التاريخية أن الطباعة العربية التي ظهرت في أوائل القرن السادس عشر في أوروبا كانت في إيطاليا بأمر البابا يوليوس الثاني سنة 1514، وأول كتاب عربي طبع فيها في تلك السنة كتاب ديني صلاة السواعي ثم سفر الزبور سنة 1546، ثم مطبعة البندقية وفيها طبع القرآن الكريم للمرة الأولى، ثم طبعت أول ترجمة إيطالية للقرآن عام 1547. تركيا مقر الخلافة عرفت الطباعة قبل غيرها من بلاد الشرق الأدنى والأقصى وكان القوم في حالة تردد في طبع كتب الحكمة واللغة والتاريخ والطب والفلك التي لم يجرؤ أحد على طبعها إلا بعد ظهور فتوى شيخ الإسلام عبد الله أفندي بجواز ذلك بدعوى الجرأة على تحريف وتشويه الكتب الدينية(20).

دراسة الرياضيات والعلوم الدقيقة واللغات كانت محرمة في عصور الظلام في العالم الإسلامي وكاد هذا الفيروس أن يقضي نهائيا على أمل اليقظة، ولولا الفتوى التالية لحرمت الأمة الإسلامية من نعمة ثمار المطابع:

السلاطين العثمانيون استصدروا فتوى بطبع الكتب الدينية استنادا على أن الأمور بمقاصدها(21)، (ذلك في عز القوة العسكرية وربط ذلك بالجانب الفكري والثقافي للدولة العثمانية للشيخ سعد الله نظرية متوازنة في الأمر).

في مقابل هذا حرص المستشرقون سواء في مراكزهم أو أثناء إقامتهم في العالم الإسلامي على ضمان الحد الأقصى من الاحتياطات للنجاح في تفكيك النصوص الإسلامية وفهمها، حتى أنهم استعانوا بأهل اللسان العربي في تحرير نصوص التراث العربي ونشرها عندما أنشأوا بجامعاتهم كراسي للغات الشرقية والأدب العربي.. وأنشأوا أقساما تعنى بالتراث العربي وأنشأوا أيضا وظيفة قارئ نصوص بجانب الأساتذة والمحاضرين(22).

وحتى تتوسع المأساة نقرأ في شهادات الباحثين تفاصيل المشهد الدرامي التالي:

خدام المساجد كانوا حتى مطلع القرن العشرين هم حراس تلكم الكنوز.. يبيعونها بالكوم لتجار الترمس والفول واللب كي يغلفوا فيها بضائعهم قبل أن تكثر الصحف والمجلات وتؤدي هذه المهمة.

ذكر الكونت فيليب دي طرازي أن خادما يدعى ابن السليماني في منتصف القرن التاسع عشر عين خازنا لثلاث مكتبات كبرى في مساجد مصر وجعل له راتبا شهريا وكان الرجل يستعين على العيش ببيع قصب السكر ويضع ببضاعته من القصب أكداسا من مخطوطات المكاتب الثلاث يبذلها لمن يدفع له القرش والقرشين(23).

هل تحول التوجس من إنتاج المستشرقين إلى تحدي إيجابي؟هل راجعت الأمة الراشدة موقفها من الانضباط الفكري؟

المراقب لما يوجد في بعض المعارض الدولية للكتاب في العالم الإسلامي والنمو السرطاني لدور النشر التي تعيد طباعة كتب التراث بلجان تحقيق وهمية مع ما يصحب ذلك من مذابح للمادة العلمية يؤكد أن الأمة الإسلامية عموما لم تسترجع بوصلتها:

يقول أحد العرب: قارن ما نشره العلماء الغربيون من المخطوطات العربية بما نشرناه نحن: قابل تاريخ الطبري طبعة مصر بتاريخ الطبري طبعة لندن أو تاريخ المسعودي أو الشهرستاني تجد أن مطبوعاتنا لا تكاد تكون صالحة للاستعمال بالنسبة لرداءة ورقها وكثرة أغلاطها وخلوها من الفهارس والحواشي والتعاليق والملاحظات الانتقادية(24).

أحيطت الدراسات الاستشراقية بالريب والاتهام المؤبد في حالات عديدة وهذا راجع كما سبق إلى النـزعة الدفاعية التي تحصن فيها العقل المسلم المرهق مما عطل حتى الاتفاق على تعريف مرجعي لهذا “العدو” المعرفي المترصد.

ولم يتفق المثقفون العرب (والكاتبون بالعربية من غير العرب) على تعريف لمفهوم الاستشراق، كما لم يتفقوا على بداياته الأولى. فهناك أربعة مفهومات حول الاستشراق تبدأ من المفهوم الأعم إلى المفهوم الأخص، كما أن هناك أكثر من اثنى عشر رأياً حول انطلاقة الاستشراق وبداياته.

والبدايات الأولى للاستشراق عند الباحثين العرب (والباحثين بالعربية من غير العرب) تختلف إلى مدى قد يصل إلى أكثر من ستمائة (600) سنة. فالبداية عند البعض تعود إلى غزوة مؤته على عهد النبي r وهي عند البعض من علماء المسلمين ومثقفيهم تبدأ رسمياً سنة 1312 ميلادية مع صدور قرار مجمع (فيّنا) الكنسي بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية وغيرها من اللغات في عدد من الجامعات الأوربية(25).

اليوم كلمة الاستشراق بعيدة عن المجال التداولي الأكاديمي الغربي إلا في نطاق ضيق لأن الحياة تستمر بالحيوية التي يضيفها الأحياء للإنسانية والمصطلحات كمحمولاتها كائنات حية.

 

الفقه وأصوله في قراءات المستشرقين:

حقل الدراسات الفقهية في المنظومة الاستشراقية لم يهتم به سوى فئة قليلة من المستشرقين – ممن قضوا فترات طويلة من حياتهم في دراسة الفقه وفروعه، واكتفى معظم المستشرقين بالنقل عن هؤلاء والاستفادة من نتائج أبحاثهم مع الوقوف عند القضايا العامة، ككشف مدى أصالته وصلاحيته لواقع المجتمعات الإسلامية(26).

اليهودية ديانة مغلقة خاصة بفئة قليلة تعتبر نفسها مصطفاة وتضخم الفقه اليهودي مع التفاسير للأحكام الفقهية عقد الحياة الطبيعية لمن يريد الالتزام بالأحكام، أما المسيحية فهي أسلوب حياة – أو ديانة – عولت كما يقول علماؤها على بناء الإنسان الذي يطهر قلبه من كل ضعف، رغم أن المسيح حسب الأناجيل الموجودة يقول أنه لم يأت ليعطل الناموس، لكن بولس وتعاليمه وجه حياة المسيحي وجهة لم تبن أحكاما فقهية كما هي عند اليهود ولكنها بنت منظومتها الخاصة.

بعض المستشرقين يرى أن الإسلام أقرب إلى النموذج اليهودي، ولكن بعضهم الآخر ذهب في اتجاه مختلف تماما، فقد قرأ المستشرقون التراث الفقهي الإسلامي بخلفية لا تتمسك بالمسلمات التي أحاط بها الأصوليون إنتاجهم، فمعظم المستشرقين يميلون إلى القول بتأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني، على اختلاف فيما بينهم في درجات هذا التأثر، فمنهم فريق من أمثال (جولد تسيهر) و(فون كريمر) و(شيلدونآموس) يذهبون إلى القول بأن الشريعة الإسلامية مستمدة من القانون الروماني، فهذا القانون هو المصدر الذي أقام فقهاء المسلمين على أساس من قواعده الكيان القانوني للشريعة الإسلامية. وفي ذلك يقول (شيلدونآموس) بصريح العبارة:
(إن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية الشرقية معدلاً وفق الأحوال السياسية في الممتلكات العربية). ويضيف: (إن القانون المحمدي ليس سوى قانون جستنيان في لباس عربي).

يستدل هؤلاء على دعواهم بأدلة مختلفة أهمها أن النبي r كان على معرفة واسعة بالقانون الروماني، كما أن فقهاء المسلمين قد تعرفوا على آراء فقهاء مدارس القانون الروماني وأحكام المحاكم الرومانية في البلاد التي كانت لا تزال فيها هذه المدارس والمحاكم قائمة بعد الفتح الإسلامي. وهناك بالإضافة إلى ذلك تشابه في النظم القانونية والأحكام والقواعد الموجودة في الشريعة والقانون الروماني، الأمر الذي يعني أن الشريعة الإسلامية اقتبست هذه النظم والأحكام من القانون الروماني باعتباره سابقاً عليها(27).

فنّد العلماء المسلمون هذه الادعاءات وبيّنوا تهافتها، ونبه بعض الباحثين أيضا إلى الاختيار المنهجي الذي سلكه المستشرقون في تحليل التراث الفقهي كأحكام وأصول فقه كمسالك للوصول إلى تلك الأحكام التي حرصت المنظومة الأصولية على تسييجها بالضمانات الكافية العاصمة من الزلل والهوى بل وحتى الضعف في استثمار كل طاقات العقل، لكن الاستشراق بنى مقاربته لهذا الحقل الحيوي في البناء المعرفي الإسلامي على فرضيات واهنة:

نهج المستشرقون في دراسة الفقه الإسلامي الطريقة نفسها التي تُنهج في دراسة القانون الروماني أي باعتباره كان في يوم من الأيام نظاماً قانونياً عريقاً،ولم يصبح اليوم بالقوة والحيوية نفسها، ولذلك فهُم يفترضون أن الفقه الإسلامي نظام قانوني بالٍ ومن هنا تم تركيز هؤلاء على جوانب العادات والتقاليد السائدة في المجتمعات الإسلامية وتناقض كثير منها في أحيان كثيرة مع تعاليم الإسلام، وذلك للخلوص إلى نتيجة مفادها أن الإسلام أنشأ فقهاً غير قابل للتطبيق في كل زمان ومكان(28).

هذه الفكرة منتشرة في جل كتب المستشرقين ويذكر بعض الباحثين أن أول من زعم أن القانون الإسلامي في جوهره مأخوذ من القانون الروماني المستشرق الإيطالي دومينيكو غاتيسكي                       DOMINICO GATTESCHI وذلك في كتابه الإيطالي المسمى: كتاب يدوي للحقوق العثمانية العامة والخاصة المطبوع في الأسكندرية سنة 1856(29).

دافع المستشرق الإيطالي بشدة عن زعمه أن القانون الإسلامي في جوهره مأخوذ من القانون الروماني، وكان هذا المستشرق يعمل محاميا في محكمة الاستئناف المختلطة وعضوا في معهد مصر ويربط بين خلفيته العلمية وتجربته الميدانية في مصر، وقد فسر عملية تغلغل القانون الروماني في الفقه الإسلامي بطريقة غريبة تبناها لاحقا الكثير من المستشرقين حيث زعم أن القواعد الرومانية دخلت في الإسلام بسهولة في زي الأحاديث الموضوعة التي نسبت إلى النبي محمد(30).

رد العلماء المسلمون على بعض هذه المواقف بالاعتماد على المصادر التاريخية، ولكن الآلة الاستشراقية القوية تحتاج إلى مواظبة على البحث عن الحقائق التاريخية التي لا يختلف عليها المتخصصون، ومن المؤسف أن يعتقد البعض أن ذلك من الترف أو من إضعاف البناء المعرفي والديني الإسلاميين ناسين أن لكل معركة قواعد يجب الالتزام بها فأمام الصواريخ لا ينفع المنجنيق.

من الشبهات التي أثارتها الآلة الاستشراقية والمبنية على قراءة خاصة للمعطيات التاريخية ما يتعلق بخاصية الثبات ووحدة المصدر الجامع :

ولفرد كانتول سميث يرى أن هناك ثلاثة أنواع في الدين الإسلامي: دين القرآن ودين العلماء ودين الدهماء(31).

وهذا التقسيم نجده عند بعض الباحثين الذين قسموا الإسلام الى إسلام الفقهاء وإسلام المتكلمين والإسلام الشعبي وغيرها، وهي عناوين لا يجب الحكم عليها قبل تحليل عناصرها، ففي اجتهادات هؤلاء أصداء واضحة للاستشراق واعتراف ضمني باحتلال هذا لأهم المساحات في باب التحقيق والاسئلة العميقة.

قرأ المستشرقون تغير الموقف الفقهي من قضايا عديدة وتتبعوا البناء التأصيلي لذلك واستنتجوا ما يتماشى والفرضيات التي وضعوها كحقائق تاريخية:

دنكن بلاك ماكدونالد يرى أن الأمة ممكن أن تجتمع على مسألة فتكون تشريعا وإن خالفت نصًا من الكتاب أو السنة. ويعضد الموقف السابق رأي مورو بيرجر: الدين خاضع للبيئة فما صلح منه في الماضي لا يصلح اليوم وما يصلح منه اليوم ليس بالضرورة صالحا في الماضي(32).

في مادة (إجماع) في (دائرة المعارف الإسلامية) يذكر المستشرق الأمريكي (دونكان بلاك ماكدونالد) أن ما كان في أول الأمر بدعة أصبح بفضل الإجماع أمراً مقبولاً نسخ السنة الأولى. فالتوسل بالأولياء مثلاً صار عملياً جزءاً من السنة، وأعجب من هذا أن الاعتقاد بعصمة النبي قد جعل (الإجماع) ينحرف عن نصوص واضحة في القرآن، فلم يقتصر الإجماع هنا على تقرير أمور لم تكن مقررة من قبل فحسب، بل غيَّر عقائد ثابتة وهامة جداً تغييراً تاماً. وعلى هذا فهم يقولون إن المسلمين يستطيعون أن يجعلوا من الإسلام ما شاؤوا على شريطة أن يكونوا مجتمعين. على أن الآراء غير متفقة فيما يمكن أن يكون له شأن كبير، على خلاف (سنوك هورجرنيه) الذي يرى أن (الفقه) قد جمد، ولذلك لا رجاء في الإجماع(33).

وجود النصوص الأساسية بين يدي المستشرقين وإعمالهم للعقل في فهمها وتأويلها وتتبع تطورها أو تغيرها أوصلهم إلى بعض النتائج الغريبة على خصوصيات البناء الديني الإسلامي: أين تكمن عثراتهم المنهجية وأين تكمن ثغرات اجتهادات المسلمين؟؟ هذه الأسئلة تحيل إلى قضايا كبرى في الفكر الفقهي مثل التجديد في الأصول وظروف نشأة المعرفة الدينية والحدود الفاصلة بين الثابت والمتغير وغياب مباحث الفلسفة الفقهية وغيرها من الإشكاليات الملحة اليوم بعيدا عن الألفة المريحة مع المتون. هذه الساحة يجب أن تبقى مفتوحة للتساؤلات الحقيقية ولا يدلي بدلوه في قسم الإجابات إلا من هضم النصوص والمتون وأرهف السمع لنداء العقل الملح على ضرورة فهم روح العصر بتحدياته الكبرى.

التتبع الأركيولوجي لأفكار المستشرقين تساعد على معرفة الفيروسات المزروعة في منظومتنا المركزية.

وائل حلاق – الذي يكتب في القضايا الأصولية باللغة الإنجليزية والمراجع الاستشراقية حاضرة نصا ومنهجا في مؤلفاته الرئيسية – يقول عن مشروعه الفكري أنه محاولة للتصدي للظلم الاستشراقي دون إنكار دور الاستشراق في استجلاء بعض الزوايا، فهو يلاحظ أن الخطاب الاستشراقي رفع الشافعي إلى منصب المخترع الأوحد (وهو منصب تجاوز المكانة المرموقة التي قررها له التاريخ الإسلامي)، وهي الخطوة الأولى لتحضير منظومة معرفية تاريخية تنتهي بانحدار وتهافت التاريخ الإسلامي والإسلام جميعا.

أما الخطوة الثانية وهي خطوة مكملة للأولى فهي الإصرار على السرعة الهائلة التي تشيد بالشافعي وهي مقولة محددة تجعل من قرني الهجرة الأولين الفترة الكاملة التي احتيج اليها لبلورة الشريعة وصياغتها صياغة تامة فما الشريعة الإسلامية إلا نسخة عن الشرائع اليونانية والرومانية واليهودية(34).

علماؤنا لم يكونوا غافلين عن مثل هذه العناصر المهمة في مسألة التاريخ المنهجي والموضوعاتي لأصول التفكير الفقهي، فنجد الشيخ أبو زهرة مثلا ينبه منذ القرن الماضي:

لا نقول أن الشافعي قد أتى بالعلم كاملاً من كل الوجوه بحيث إنه لم يبق مجهودًا لمن بعده، بل أنه جاء من بعده من زاد ونمى وحرر مسائل كثيرة في هذا العلم(35).

بعض المستشرقين جعل من آراء الشافعي وسيلة للانتقاص من المذاهب الأخرى، وبعضهم يعتبر الاختلاف بين العلماء في مسائل أصولية دليلاً على تناقضات في الإسلام تحرج أتباعه، بل أنهم يتصيدون بعض العبارات لتصوير ذلك الجدل كأنه معارك لفظية وأخلاقية بعيدة عن الفضائل في المطلق ودليل على ضعف في أساسات البناء الأصولي (اتهام بالخلل للإسلام بغلاف علمي).

يلاحظ ذلك في آراء R.Brunschwig المدافعة بخبث عن الشافعي باعتباره واحدًا من المنتقدين بعنف لمسألة الإجماع المدني للوصول إلى نتائج لها علاقة بمعادلة العرف مقابل الفقه أو بدقة أكثر العادات مقابل الدين.

وهناك مسلمة تاريخية تبناها المستشرقون كواقع تاريخي وكان سندهم لبناء الكتلة الصلبة في المنظومة الاستشراقية:

فقد اعتقد المستشرقون الكلاسيكيون أن المنطقة العربية في عهد الرسول كانت معدمة ثقافيا، وأن العرب لما بنوا مدنهم المتطورة وامبراطوريتهم وأنظمتهم التشريعية لم يكن بوسعهم التعويل على مصادرهم الثقافية الباهتة، وقد استقر الرأي لديهم أن العرب بدل ذلك استوعبوا دون حرج عناصر ثقافات المجتمعات التي فتحوها بما فيها خاصة الحضارتين البيزنطية الرومانية والفارسية والساسانية وعلى هذا الأساس أصبحت سوريا والعراق معبرا تنفذ منه المعارف التشريعية(36).

المثاقفة في تاريخ نشأة العلوم عملية طبيعية ولكن تصوير البيئة الإسلامية قحطا وبورا لا يرد عليه إلا المؤرخ الذي يستنطق كل الآثار التاريخية المادية و غير المادية ويعرض نتائج بحوثه بثقة المتخصص بعيدًا عن مخاطبة الذات في مرآة كاذبة.

 

نماذج من آراء المستشرقين:

النماذج التالية هي من ثنايا كتب لشخصيات استشراقية عملت لمشروعها بجد وكان الكثير عالة عليها.

اجناس جولدسيهر من خلال كتابه العقيدة والشريعة في الإسلام: تاريخ التطور العقدي والتشريعي في الدين الإسلامي(37).

للتمكن من رسم صورة كاملة لأفكار جولدسيهر وغيره من المستشرقين لابد من القراءة المتأنية لكل منتوجهم، فهم يبثون أفكارهم المركزية عبر كل ما ينتجون، فكتاب جولدسيهر عن مذاهب التفسير مثلا يحمل أيضا أفكارا عن التشريع والفقه ورأيه في القرآن وأنواع تفسيره، وذلك له علاقة مباشرة بموقفه من أصالة الفقه الإسلامي وأصوله، ولكن هنا عينة فقط من كتابه الشهير عن العقيدة والشريعة.

ولد جولدسيهر عام 1850 وتوفي عام 1920 وهذه الفترة مهمة وخطيرة في حياة الشعوب الإسلامية لأنها فترة محاولات مسخ التراث الإسلامي وتدنيس تراب الأمة الإسلامية في هجمة منظمة وخطة شاملة رسمتها الدول الحية المتحالفة لتقسيم تركة آخر إمبراطورية إسلامية.

كان متخصصا في اللغات السامية قام برحلة إلى سوريا وصحب بها طاهر الجزائري ثم زار فلسطين ومصر وعمق دراسته للعربية في الأزهر وتزي بالزي الأزهري والتقى الشيخ محمد عبده، جمع كتب داود الظاهري وابن حزم الأندلسي، وكتب بمختلف اللغات الأوربية. كتب عن الإسلام فقها وأدبا وكتب أيضا عن اليهود. من أهم مؤلفاته: “اليهود“، “آداب الجدل عند الشيعة“، “الأساطير عند اليهود“، “الإسلام“ بالألمانية وترجم إلى الفرنسية بعنوان: “العقيدة والشريعة في الإسلام“، “فقه اللغة العربية“، “تحقيق ودراسة لديوان الحطيئة“، والكثير من الكتب في علم الكلام والفقه الإسلامي والحديث والقرآن والسيرة والتاريخ والأدب والشعر العربيين، وكتب في الأديان كدراسته عن “عجل السامري“(38).

جولدسيهر يموضع اجتهاداته ضمن التحيين المستمر للاجتهادات والمراجعات حيث يبين في مقدمة كتابه أنه يدعى لإلقاء محاضرات ضمن الحركة الأكاديمية في الغرب مع ما يقتضيه ذلك من تجديد ومراجعة مستمرين: دعتني اللجنة الأمريكية للمحاضرات في تاريخ الأديان خلال خريف 1908(39).

أهم الافكار التي ينطلق منها:

الإسلام كما يبدو عند اكتمال نموه هو نتيجة تأثيرات مختلفة تكون بعضها باعتباره تصورا وفهما أخلاقيا للعالم، وباعتباره نظاما قانونيا وعقيديا(40).

الإسلام مصطبغ نوعا بالأفكار والآراء الهلينستية، ونظامه الفقهي الدقيق يشعر بأثر القانون الروماني، ونظامه السياسي كما تكوَّن في عصر الخلفاء العباسيين يدل على عمل الأفكار والنظريات السياسية الفارسية، وتصوفه ليس إلا تمثلا لتيارات الآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة الفلسفية(41).

يصور جولدسيهر إذن الإسلام كمنطقة تقاطع تيارات فلسفية ودينية، وهو لم يقصد فكرة الحكمة ضالة المؤمن بل قصد أن التراث الإسلامي ما هو إلا عملية تلفيقية.

يضيف جولدسيهر بما يشبه السم في العسل:

الإسلام في كل هذه الميادين قد أكد استعداده وقدرته على امتصاص هذه الآراء وتمثلها، كما أكد قدرته كذلك على صهر تلك العناصر الأجنبية كلها في بوتقة واحدة فأصبحت لا تبدو على حقيقتها إلا إذا حللت تحليلاً عميقًا وبحثت بحثًا نقديًا دقيقًا.

ويضيف في تفصيل فكرته:

الإسلام في خلال توسعه التالي وبفعل التأثيرات الأجنبية ترك مجالا لدقة الفقهاء المفتين وعلماء العقائد، وكان دخول الحكمة التفكيرية على مبادئ الطاعة والإيمان بالله (إيمانا قلبيا) سببا لإفسادها(42).

فكرة جولدسيهر هذه هي مسلمة تكاد لا تخلو منها كتابات المستشرقين المهتمين ببناء الشريعة الإسلامية، فهم يرون أن الاسلام جاء ناقصا لم يوفر لأتباعه ما يحتاجونه من ركائز توجيهية في أساسيات حياتهم وأن التطور اللاحق لم يكن ممكنا من غير “التلصص“ على تراث الحضارات السابقة خلال رحلة التوسع. يقول جولدسيهر:

فتح المسلمون المفكرون باب التفكير في المسائل الدينية التي كانت مقفلة إلى ذلك الحين في بلاد العرب وكذلك كانت في الوقت نفسه تقنن مسائل الحياة العملية وأشكال العبادات في أصول ضرورية تقنينا متأرجحا غير ثابت. وكانت تطورات التفكير الإسلامي ووضع الأشكال العملية وتأسيس النظم –كل ذلك كان نتيجة لعمل الخلف التالين ولم يتم كل هذا بدون كفاح داخلي وتوفيقات. وهكذا يظهر غير صحيح ما يقال من أن الإسلام في كل العلاقات “جاء إلى العالم طريقة كاملة” بل على العكس فإن الإسلام والقرآن لم يتما كل شيء وكان الإكمال نتيجة لعمل الأجيال اللاحقة(43).

التطور الطبيعي للاجتهاد الفقهي يقرأه جولدسيهر كتطور متحرر من ثوابت راسخة من أجل الوصول إلى أن الإسلام التاريخي الذي شرب من أنهار عديدة يكاد لا يمت بصلة لإسلام النبع الأول، وهذه الفكرة مركزية في منظومة المسلمات الاستشراقية.

الصيرورة التي شهدها الفقه والفكر الإسلاميان طبيعية تنم عن دور العقل المؤمن في صناعة المنظومة المعرفية والأخلاقية المرشدة إلى حسن الاستخلاف لكن جولدسيهر يرمي في تحليله إلى نتائج أخرى.

بناء على الحاجة الضرورية في الحياة العامة بدأ تطور الفقه الإسلامي مباشرة بعد وفاة النبي(44).

يعرض جولدسيهر مسار الاجتهاد الفقهي الذي واجه قضايا جديدة ونوازل ملحة بما قد يوحي بالعرض الموضوعي، إذ النوازل تيار جارف في حياة البشر أما الاجتهاد المتأصل فهو ابن التريث والتعمق وجولدسيهر عندما يتناول هذه الظاهرة الفكرية الاجتماعية يريد إيصال منحاها لما يخدم مسلماته الأساسية، حيث يضيف:

وفي بلاد الشام ومصر وفارس كل الناس يوفقون بين تقاليد وعادات هذه البلاد ذات الثقافات المختلفة وبين هذه القوانين الجديدة. وبالجملة فإن الحياة الفقهية الإسلامية سواء في ذلك ما يتعلق بالدين أو الدنيا أصبحت خاضعة للتقنين. والقرآن نفسه لم يعط من الأحكام إلا القليل ولا يمكن أن تكون أحكامه شاملة لهذه العلاقات غير المنتظرة كلها مما جاء من الفتوح فقد كان مقصورا على حالات العرب الساذجة ومعنيا بها بحيث لا يكفي لهذا الوضع الجديد(45).

فكرة التطور والحراك الداخلي في الفقه الإسلامي حقيقة متفق عليها وهي من طبيعة الدين كمستجيب لحاجات البشر في كل زمان ومكان، ولكن خلفية نظرية المعرفة الدينية وتبيئة الاجتهادات كما يوظفها جولدسيهر تنأى بالمسار نحو علمنة أقرب للتنكر للدين نفسه, يقول في ذلك:

وهؤلاء الحاكمون المتجهون إلى الدنيا والذين رفعوا من شأن الدولة الجديدة لم يكونوا ليعنوا كثيرا بهذه الحاجات وإن لم يولوا وجوههم عنها إلا أنهم كانوا أكثر اهتماما بالأنظمة القانونية الدينية التي تقوي من شأن الدولة والتي تدعو إلى الاستيلاء على ما فتحوه بالسيف من أجل الجنس العربي(46).

الملك العضوض واستبداد الحكام وتغول السلطة لا يمكن أن يخفي استقلال الكثير من القضاة والفقهاء، والدراسة التفصيلية للتاريخ الموازي لتاريخ الملوك والخلفاء يكشف الكثير من الصفحات المنيرة للعقل المسلم المتحرر، لكن جولدسيهر له رأي آخر:

أما في الأمور الدينية الخاصة بالحياة اليومية فقد اكتفوا في ذلك بعادات قانونية وأخذوا في الوقائع المتنازع فيها بما يوحيه إليهم الذكاء، وأستطيع أن أقول بأنهم في ذلك بمقتضى ما يريدون وزيادة على هذا فإنهم لم يأخذوا – بدقة- بتلك القواعد التي كانت وضعت في عهد الخلفاء الراشدين(47).

طريقة بناء المعالم الأساسية للثوابت في الفقه الإسلامي لم تكن بالبساطة التي يعلنها جولدسيهر ولم تكن أيضا دائما على بساط مريح، وهو ما يغفله عمدا إذ يضيف:

وكان العمل أو الحكم يعد سليما عندما يمكن إثبات أنه متصل في سلسلة بمرجع أخير من الصحابة شهد ذلك وسمعه من الرسول وبهذه الأحاديث صارت التقاليد سواء في العبادة أو القانون محلا للتقديس بعد أن بحثت قيمتها(48).

وعن الحديث يقول جولدسيهر: هناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيين أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية وأقوال من حكم الفرس والهنود كل ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق “الحديث”.

تصوير الأحاديث كساحة للتلفيقات من مشارب عديدة أقرب إلى الخيال العلمي، ولكنه يدفع به إلى مستوى أعلى حيث يضيف:

قد أدى الشك والارتياب إلى ظهور طريقة سادت منذ بدء الفقه كان أصحابها يستعملون بجانب الأحاديث الصحيحة عندهم وسائل ثابتة لاستنتاج القواعد الدينية ثم هذه العلاقات المتجددة كان يرى من الخير أن تقنن باستعمال القياس(49).

القياس في تاريخ أصول الفقه مجال لبحوث مازالت مفتوحة إيجابيا، بعض العلماء قرنه بالقياس المنطقي وبعضهم بيَّن أسلمته من حيث المبادئ والمآلات، وكتب التراث تحمل تفاصيل الجدل الأصولي في هذا المبدأ، وبالتالي لا زالت الورشة مفتوحة للرد على جولدسيهر إفحاما في القضايا غير العلمية وغير الموضوعية ولكن أيضا في استرجاع شرعية البحث في مثل هذه القضايا في ساحة المتخصصين بعيدا عن أية وثوقية مغلقة تؤجل المواجهة التي يستغل غيابها المستشرقون ومن نحا منحاهم.

نجد في كتاب جولدسيهر فرية القانون الروماني تقدم كيقين تاريخي:

وليس غريبا أن تكون هذه التعاليم الفقهية والتفضيلات المستعملة قد تأثرت كذلك بثقافات أجنبية، كما أن المعارف الفقهية الإسلامية تحمل على سبيل المثال -كما حقق ذلك البحث الحديث تحقيقا ثابتا- آثارا غير منكورة من الفقه الروماني سواء في ذلك من ناحية الطريقة أو من ناحية الأحكام الفرعية(50).

يفهم من كلمة الطريقة منهجية الوصول إلى الأحكام أي بالتعبير الإسلامي الدقيق أصول الفقه، ويحقب جولدسيهر لتاريخ الفقه الإسلامي في اتجاه يخدم فرضيته الرئيسية، وهنا المسلمون عموما يحصنون هذا المجال المعرفي بطريقة غريبة وكأن الفقه وأصوله منـزلين معصومين وليس اجتهادات بشرية تحرت اليقين ولكنها لا تصل إليه وذلك من حكمة الخالق، فأمام دعاوي بعض المستشرقين تكاد تفرغ الفقه وأصوله من أية أصالة وذكاء أحيانا نجد أنفسنا أمام كتابات قدمتهما كقلعتين مبنيتين بلبنات العصمة، ولكن كتابات أصيلة ورصينة بدأت تحتل مكانا في شعاب الكتابات الأكاديمية الإسلامية التي أرجعت قضايا الفقه وأصوله إلى مجال العبقرية الإسلامية الحية.

يضيف جولدسيهر في تفصيل نتائج مسلماته:

ومهما يكن فهذه الأعمال الفقهية العلمية التي ازدهرت في أثناء القرن الثاني الهجري أضافت إلى الثقافة العقلية الإسلامية مادة جديدة هي “علم الفقه”، ذلك القانون الديني الذي انحط بعد ذلك بالتفصيلات الكثيرة في طريقة الحياة الدينية والمعرفة الدينية انحطاطا سيئا، وكان للتغيير السياسي أثر كبير في تطوره إذ حاد بالروح الإسلامية إلى طريق جديد ونعني بذلك سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية(51).

ارتباط تاريخ الفقه والقضاء الإسلاميين بأنظمة الحكم مسألة واضحة في الكتابات التاريخية، والقراءة الاستشراقية تريد توجيه  هذه المعطيات لخدمة آرائها المسبقة الهادفة لدحض أية أصالة أو إعمال للعقل في البناء الإسلامي.

وكأن جولدسيهر يريد أن يرضي متلقيًا ساذجًا فيضيف:

وعلى العموم فقد طبع بالتسامح بين الجميع هذا الحديث: “اختلاف أمتي رحمة” وبيدنا من الأدلة ما يؤيد أن هذا المبدأ إنما يمثل وجهة التوفيق ضد الهجمات التي وجهها العدو في الداخل والخارج لهذه الأعمال الفقهية المختلفة في أشكالها غير القاطعة(51).

الاختلاف في المنظومة الإسلامية في بعض أدبيات المستشرقين هو دليل على عدم عصمة المصادر وعلى عدم إمكانية بناء نسق موحد للأساسيات في المعاملات خصوصا.

رؤية جولدسيهر للقياس لا تختلف عن رؤيته للإجماع والذي كان ولايزال محل جدل بين العلماء ولكن ليس في الاتجاه الذي يريده هؤلاء المستشرقون.

وكانت دائرة الاجماع في مبدأ الأمر أقرب إلى الإحساس الجمعي منها إلى المعنى الديني المحدد، وقد حاولوا عبثا تحديده بالزمان والمكان وبيان أنه إجماع الصحابة أو أهل المدينة القدامى وهو تحديد لا يمكن الوصول إليه بإزاء التطورات الأخيرة، ولكن من جهة أخرى لا يكفي بالنسبة للأنظمة الدينية أيضا أن يترك الإجماع حرا متروكا للإحساس الغريزي للجماعة… وفي الحق أن هذا المبدأ المتبع ملحوظ عند مجددي الإسلام في عصرنا فهو الباب الذي يجب بواسطته أن تنفذ إلى بناية الإسلام عوامل القوى الشابة(52).

مدارس التجديد في العالم الإسلامي ليست على مبدأ واحد، فبعض الأفكار التي صنفت كتيارات تجديد سارت في فلك المستشرقين واندفعت في هدم أسس الثوابت الإسلامية أحيانا على عين الاستعمار الذي كرم حاملي هذه الأفكار مثلما حدث مع تيار في الهند الإنجليزية .

المرونة في الفقه الإسلامي يفهمها جولدسيهر وفق نظرته الإجمالية:

بعض الأمور الثقيلة كانت تخفف أو تطرح بواسطة التوسع في شرح النصوص وبواسطة تفسير يرجح الوجوب أو المنع في الفقه، وعبارة الأمر أو المنع في الفقه تستخدم للتعبير عن الرغبة والاستحباب أو الكراهة، وارتكاب ما أمر به في النصوص أو النهي عنه لا يعاقب عليه ولا يعد تخطيا للقانون(53).

التفريق بين الحكم الشرعي والمادة القانونية ضروري للملاحظة الموضوعية، والجمع بينهما يرجع للمسلمات الاستشراقية السابق ذكرها.

يهودية جولدسيهر تظهر من خلال الملاحظة التالية الأقرب إلى اللمز التي لا تضر الإسلام الذي لا يتنكر لموسى عليه السلام في مثل تلك الأمور:

طعام الحيوانات المسموح بها يجب أن يسبقه ذكر الله كشرط لذلك ويحتمل أن يكون هذا مستندا إلى عادة اليهود، Berakha(54) قبل الذبح وقبل الأكل ويعد ترك هذا فسقا.

في القراءة السوسيولوجية للأحكام الفقهية والتي يرد عليها المؤرخون المسلمون بإطناب ومن غير مواربة ما يشير إليه في:

الحقيقة التي نود أن ننوه بها هنا فهي أن الشعر الخمري في الإسلام وكذلك الدور الذي لعبه شرب الخمر في لهو الفقهاء الذين كانوا أمراء للمؤمنين وملوك الدولة كل ذلك لا يصور لنا الجماعة التي كان يطبع شريعتها الدينية ما جاء “من الخمر أم الخبائث” فكل هذا يدخل في باب الحرية وسهولة التخطي لأحكام الشريعة المعترف بها…. وهناك من سعوا أن يستنتجوا أنه فيما عدا خمر العنب لا تحرم الأشربة الأخرى في نفسها بل فقط عندما يحصل منها الإسكار ووضعوا لذلك أحاديث مثل حديث عائشة: “اشربوا ولا تسكروا”(55).

القول المنسوب للسيدة عائشة -رضي الله عنها- فصل في صحته العلماء في باب الأشربة، والفهم الاستشراقي للقول يدفع إلى الاعتقاد بالقدرة على الاحتيال على المحرمات بالاستناد إلى أجزاء من التراث الإسلامي الأساسي، أما قصص عدم الالتزام بالممنوعات التي ليست قليلة في كتب التاريخ الإسلامي فمن قرأها لن يصاب بالسكتة القلبية عندما يقرأ ما يورده جولدسيهر وشريك قاضي الكوفة في عصر الخليفة المهدي كان يحدث بحديث الرسول ويشم من فمه رائحة النبيذ(56).

تنـزيل الأحكام الفقهية على الواقع و حرص الناس على تمثل القيم والواجبات الدينية مجال تحليلها يكون بالموضوعية، واعتبار الفقه في خدمة الأهواء فيه مبالغة يتعمدها جولدسيهر دون أن يعني هذا أن كتب الفقه الإسلامي كانت خالية من الضعف البشري الذي يتحايل على الأوامر، ونقد الفقهاء لبعضهم البعض يسمح بالتحيين المستمر لبرنامج تطهير وحماية العقل المسلم المستقيم، أما جولدسيهر فهو يوجه الأمور إلى ما يجعل الفقه وأصوله اداة طيعة للأهواء:

وعلى هذا المنوال من الاختلاف في الإباحة التي استعملت فيها هذه المهارة الفنية تبعا لمقدار هذا وكيفيته قام قسم كبير من تعاليم الاختلاف بين المدارس الفقهية التي تنازعت العالم الإسلامي. ويكفي هنا من ناحية النظرية التاريخية للإسلام أن نثبت أن الأكثرية الغالبة لتلك المدارس في كثير من الوقائع قد اعتبرت مبدأ التأويل للتوفيق بين الحياة في نظر الفقه والحالات الواقعية الاجتماعية والسعي للمطابقة بين القانون الضيق لمكة والمدينة والظروف الجديدة المغايرة الواسعة الأمر الذي دعت إليه الفتوحات للبلاد الأجنبية والاتصال المباشر بأشكال الحياة المختلفة اختلافا أصليا(57).

يصل تحليل جولدسيهر لظاهرة معروفة في تاريخ الفقه الإسلامي إلى نتائج يتبناها اليوم من يرجع تدهورحال المسلمين بمثل تلك الظواهر:

تبعا لهذه الجهود الموصوفة المبالغ فيها سادت في العراق روح التدقيق والتفصيل وضاع في هذا التدقيق الممل والشروح المقفرة وتخيل إمكانات لا تحصل والعناية بإيجاد مسائل من الحيل مع الخيال الجرئ والتدقيق المبالغ فيه ضاع في ذلك شرح كلام الله وتقنين الحياة حسب ذلك(58).

تفاعل الفقيه مع الواقع وبحث الناس عن الخروج من العثرات التي يوقعهم فيها ضعفهم أمر طبيعي ولكن تضخم دور الفقيه قد ينبئ بخلل ما في الضمير الإسلامي, تنبه الي ذلك الباحثون المسلمون بالتركيز على مجالات أخرى لتكوين الضمير كالمداخل الصوفية مثلا ووجود حالات غريبة كالتي يذكرها جولدسيهر لا يستلزم التبرؤ منها خصوصا وأنها متناثرة في كتب الفتاوي والنوازل:

الخرافات الشعبية والفقهاء  يتكلمون بجد بالغ نفيا وإثباتا عن جواز عد هؤلاء في نصاب الجماعة يوم الجمعة وأن ذلك أمر يجب بحثه فقهيا.. من تزوج الإنسان بالجن المتشكل بالإنس وما ينشأ من هذا الزواج من الخلف ونتائج مثل هذا الزواج من حقوق عائلية.

واخترعت التدقيقات الفقهية علاوة على ذلك مسألة الحيل التي تخلص من يقع في حالة معينة إلى ما فيه مصلحته، فهي فتاوى فقهية تصور جزءا ضروريا في الفقه وتستخدم بكثرة في الإيمان لكي تكون منها طمأنينة للضمير فيسأل الفقيه عن رأيه في المخرج(59).

يصور جولدسيهر الفقه الإسلامي كعملاق ابتلع تفاصيل حياة المسلم وهي قراءة سطحية تغفل مساحات واسعة أخرى لحياة المسلمين:

أصبحت الحياة الدينية نفسها موضوعة تحت النظرة الفقهية التي لا يمكن بالطبع أن تكون نافعة لتقوية التقوى الصحيحة والمعرفة الإلهية(60).

هذه عينات من أفكار جولدسيهر يبنيها على مقدمات ومسلمات يبطل بعضها البحث التاريخي الموضوعي واستنتاجاته كباحث في المعارف الإسلامية يصفها المتخصصون ويصنفونها إلى تهافتات ومسائل جدلية حقيقية.

 نموذج جوزيف شاخت:

ولد شاخت في 1902 وتوفي في 1969، اهتم بالمخطوطات خاصة الموجودة في اسطنبول والقاهرة وتونس وفاس، ودرس في عدة جامعات عالمية كان من بينها جامعة الجزائر عام 1952. برز في دراسة التشريع الإسلامي تاريخا وتأثيرا، كما حقق ودرس كتاب الحيل والمخارج للخصاف، وكتاب الحيل للقزويني والمخارج في الحيل للشيباني، وكتابين للطحاوي في الشفعة والحقوق والرهون والرسالة الكاملية لابن النفيس، وبوَّب أحكام الشريعة الإسلامية على المذهب الحنفي للمستشرق برجستراسر، وله كتاب في نشأة الفقه وآخر في خلاصة الفقه الإسلامي، وشارك في إصدار الطبعة الجديدة من المعجم المفهرس لألفاظ الحديث لفنسك، وقدَّم وعلَّق على كتاب التوحيد للماتريدي، وساهم في تحرير دائرة المعارف الإسلامية. اهتم بما أسماه التجديد الإسلامي من خلال الشريعة والقانون في مصر الحديثة. عُرِف أيضا بنظرية اختلاق الإسناد التي سماها القذف الخلفي، ويتبنى ككثير من المستشرقين الفكرة المركزية  بأن الفقه الإسلامي هو وليد تطور تاريخي(61).

عينات أفكاره مأخوذة من كتابه أصول الفقه(62).

في مقدمة ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية – والتي كتبها رئيس تحرير النسخة العربية لدائرة المعارف الإسلامية – يلاحظ أجواء المؤامرة حول ترجمة الكتاب والتعليق عليه، ولكن بقراءة الكتاب يلاحظ الصرامة الجافة المتعالية للمستشرق والعاطفة الجياشة للمعلق الشيخ أمين الخولي الذي كان زميلا للمستشرق شاخت عندما كان هذا الأخير أستاذا زائرا في كلية الآداب بالجامعة المصرية سنة1934، ولكن القيمة المطلقة للمعرفة العلمية في الجانبين تؤكد أن المعركة شرسة مطلوب من عقل متعب أن يحقق انتصارات علمية بآليات متخلفة عن تلك المتوفرة عند الخصم.

يبني شاخت رؤيته اعتمادًا على بعض القضايا الجزئية في التاريخ الإسلامي ودون الالتفات إلى ردود علماء المسلمين منها:

ص23 ينتقد أن الرسول r ينسى بعض الآيات اعتمادًا على الآية 100 من سورة البقرة وما بعدها والآية 6 من سورة الأعلى.

ص36 وأيضا نسخ آيات متأخرة لآيات قديمة النحل 103 والآية 100من سورة البقرة(63).

ويرى أن آيات في القرآن بها تناقضات اضطر المفسرون للخروج من مأزقها إلى اللجوء إلى التأويل واستحضار آليات الناسخ والمنسوخ خصوصًا في الأحكام:

“كان على المفسرين هم التخلص من التناقضات الموجودة بين آيات القرآن”(64).

تحضر الفكرة الاستشراقية المركزية في الانتقاص من السنة أيضًا:

لم يكن قصد محمد خلق نظام يضبط به حياة أتباعه أو وضع أصول هذا النظام على الأقل، بل ظل القانون العرفي العربي القديم الذي تضمن كثيرًا من العناصر الدخيلة من رومية إقليمية وبابلية ويمنية يسير الإسلام سيره الطبيعي ودخلت عليه بعض التغيرات لتلائم بينه وبين الظروف الإقليمية للبدو(65).

ويدافع شاخت عن فكرة أن الفكر الفقهي وثماره كان عالة ومتطفلا على التراث الإنساني من خلال قوله:

“واصل القانون العرفي العربي القديم الذي تضمن كثيرا من العناصر الدخيلة رومية إقليمية وبابلية ويمنية سيره، والإسلام دخلت عليه بعض التغيرات لتلائم بينه وبين الظروف الإقليمية للبدو وأهل مكة – وهي مدينة تجارية- وأهل المدينة – وهي مركز زراعي-. وكان هم محمد في التشريع قاصرا على تصحيح بعض المسائل مدفوعا إلى ذلك باعتبارات دينية، وذلك لأن الأحكام التي تمس الحياة الاجتماعية تقوم أيضا على أساس ديني وفي مثل هذه المسائل كانت الدوافع الخارجية هي الدافع إلى معالجة أكثرها”(66).

دافع شاخت في مؤلفاته عن فكرة تبناها الكثير من المستشرقين وهي أنه لايوجد حديث واحد صحيح في كل الأحكام الفقهية الموجودة في التراث الفقهي الإسلامي، هذا إضافة إلى غياب عنصر الوحي في استحضار دور النبي r كمسلمة عند المستشرقين وبالتبعية لا تميز للصحابة:

ص56 بعد وفاة النبي r الخلفاء حاولوا السير بالأمة على سنة محمد مسترشدين برأي كبار صحابة الرسول: ولما حاولوا بسط هذه المبادئ المحدودة نوعا ما انتهى بهم الأمر إلى التوسع في تأويلها توسعا خرج بها عن معناها الأصلي وربما كان سببا في ظهور أحاديث جديدة.. الصلة بالقانون العرفي ظلت كما هي دون تغيير حتى بعد أن تعرض لكثير من المؤثرات الأجنبية نتيجة الفتوح العظيمة في العراق والشام ومصر(67).

مسار تطور القضاء ومسار تطور الفقه يدرسان بالربط بالبيئة السياسية المتحركة للدولة الإسلامية ومختلف التحديات التي واجهها العقل المسلم مع الفتوحات والثقافات التي أصبحت جزءًا من التحدي الداخلي خصوصا في معركة إعادة بناء عقائد المسلمين الوافدين من خلفيات كثيرة، ومسألة الحديث وادعاءات المستشرقين الطاعنة في صحته رد عليها العلماء، وفكك محمد الأعظمي -وغيره- مثلاً المسار المنهجي الذي اعتمده شاخت في موقفه من تدوين الحديث(68).

تعود معادلة الفقه والعرف أو الدين والعادات بنفس اتجاه طرح جولديسهر:

كان القانون العرفي يسود أقاليم الخلافة المتعددة دون منازع ويتطور جنبا إلى جنب مع النظام الفعلي للقضاء، وذلك لأن خلفاء بني أمية إلى عهد عمر بن عبد العزيز كانوا بوجه عام لا يميلون كثيرًا إلى تغيير ذلك القانون العرفي وإنشاء مقاييس تنهض على أساس ديني(69).

يلمز شاخت مصدرية قول الصحابي عندما يتحدث عن قيام الفقهاء المسلمين الذين يسميهم الرجال الصالحين ومحاولتهم التوفيق بين مادة القوانين التي كانت موجودة عند ذاك والتوفيق بينها وبين مبادئ الدين الإسلامي وسلكها في نظام خاص واستمدوا آراءهم الدينية من الكتاب والحديث اللذين كانوا يتقيدون بهما وكانوا يحتجون أيضا بأقوال الصحابة وأفعالهم (صحيحها ومنحولها) ويعتبرون أنفسهم خلفاء لأولئك(70).

الاحتجاج بالمنحول من أقوال الصحابي هو تابع للاعتماد على الزائف من سنة النبي التي لم يعصمها حسب رأيه القرآن:

“الجزء الأكبر من الفقه ينهض على سنة محمد (صحيحها وزائفها) فقد اعتبر المسلمون أن السنة منـزهة عن الخطأ ومن الصعب أن تجد هذا الرأي في القرآن”(71).

ويتحدث شاخت عن الحديث وكيف تضخم بدخول عناصر غريبة عليه ومنها الإسرائيليات، وبالتالي سيكون التشريع عن طريق السنة معبرا للفقه والفكر اليهوديين:

الزيادة العظيمة في مادة الحديث التي جاءت والتي جاءت أيضا من مصادر أخرى أدخلت في الشريعة الإسلامية عناصر جديدة متعددة وبخاصة العناصر التي ترجع إلى أصل إسرائيلي(72).

وباعتبار شاخت درس وحقق تراث الشيباني فهو يقارن أثر مصنفاته في العراق بما كان لمصنفات مالك في المدينة وفق اتجاه المستشرقين في تحليل علاقة العرف بالفقه وما أولوه من مسألة عمل أهل المدينة أو الإجماع المديني ويختارون من الجدل الأصولي بين العلماء ما يحط من قيمة السنة وذلك عن طريق النيل من مبدأ عمل أهل المدينة ويركز أكثرهم على موقف الشافعي من ذلك.

يقول شاخت:

“عمل أهل المدينة ليس بحال من الأحوال عين سنة النبي، والإجماع  صبغ القانون العرفي بالصبغة الإسلامية، كما أن أثر بعض مصنفات الشيباني في العراق لها نفس الأثر المشابه لمصنفات مالك في المدينة(73).

عرض شاخت دور الشافعي ورأيه في القياس والاستحسان، وأثر اختلاف الآراء حول الاجماع، والشيخ الخولي الذي كتب تعليقات نقدية على بعض آراء شاخت والمنشورة في نفس الكتاب لم يقدم ملاحظة واحدة عن ذلك السرد التاريخي الهام، وهو اعتراف ضمني بالقيمة المعرفية المتجردة لما قاله شاخت باعتباره محققا ودارسا وجامعا للتراث الفقهي الإسلامي –في انتظار تحرير المخطوطات الكثيرة من أسر الإهمال أو الحجز إن لم تكن قد أعدمت – إلى جانب ما يستنتجه كغير مسلم وغير مقيد بمسلمات هي لدى المسلم من صميم الدين.

لم يتدخل الشيخ الخولي إلا في الرد على فكرة موقف الشيعة الإثني عشرية من كتب الأحاديث عند السنة.

نموذج المستشـرق ت.ج.دي بور:

هو مستشرق هولندي توفي عام 1942. درس الآداب العربية، وتخصص في الفلسفة الإسلامية، وأرخ لها في كتابه الهام «تاريخ الفلسفة في الإسلام» الذي وضعه بالألمانية عام 1921م.

قدم “دي بور” قراءة كرونو -موضوعاتية لما أنتجه العقل المسلم، وترجم وعلق على كتابه أحد أعمدة التعليم الفلسفي والصوفي في القرن العشرين محمد عبد الهادي أبوريدة، ولكن الملاحظ أن التعليقات لم تشكك عموما في المادة التاريخية التي دارت حولها التأملات والآراء ولكن في الاستنتاجات أساسا التي ذهب بها المستشرق إلى أبعاد لا تتفق مع أساسيات المنظومة الدينية الإسلامية.

يرى “دي بور” أن استعانة المسلمين بالقانون الروماني كان حتمية فرضتها توسعات الدولة:

ص79 “بعد أن فتح المسلمون بلادًا ذات مدنيات قديمة نشأت مطالب جديدة من كل وجه لم يكن للإسلام بها عهد… ثم أخذ عدد الوقائع الجزئية يزداد كل يوم وهي وقائع لم ترد فيها نصوص ولم يكن للمسلمين بد من الحكم فيها إما بما يتفق مع العرف الموروث أو بما يهديهم إليه الرأي الاجتهادي، ولابد أن يكون القانون الروماني قد ظل زمانا طويلا يؤثر تأثيرا كبيرا في ذلك في الشام والعراق وهما من ولايات الإمبراطورية الرومانية القديمة”(74).

استخدام الرأي في المدينة وفي المذهب المالكي كان محل اهتمام “دي بور” وربط تطوره بقضية وضع الحديث ويرى أن اهتمام المسلمين كان بالسند وليس بالرواية، وكان جولدسيهر(75) قد أشار في كتابه السابق إلى اهتمام المسلمين بمعالجة تناقضات الحديث من خلال علم نقد الحديث مثلا إلى جانب الاهتمام بمعالجة تناقضات الآيات:

يرى “دي بور” أن الفقهاء في المدينة كانوا قبل ظهور مالك يستعملون الرأي استعمالا لم يكن منه بأس وإن كان قليل المدى، وكذلك استعمله أهل المذهب المالكي أنفسهم. ولكن لما بدأ الناس يعرضون عن الرأي بالتدريج بعد أن أصبح تعلة لأحكام تقوم على الهوى قوي مذهب القائلين بوجوب الرجوع في كل شيء إلى الحديث المبين للسنة النبوية فجمعت الأحاديث من كل صوب وأولت بل وضع الكثير منها وقررت قواعد يعتمد عليها في تمييز صحيح الأحاديث من موضوعها وكانت هذه القواعد تعنى بسند الحديث وموافقته للغرض الذي يستشهد به فيه اكثر مما تعنى بسلامة الحديث من التناقض المنطقي أو بصحة نسبته للنبي(76).

يقارن “دي بور” بين المنظومة الفقهية في الإسلام بفئة رجال الدين في الدين المسيحي كما تحول في مرحلته الإمبراطورية دون الأخذ بعين الاعتبار الموانع القوية وأهمها عدم وجود أكليروس في الإسلام وكون الفقيه لا يملك في الحقيقة سلطة مراقبة الضمائر أو التوسط بين المسلم وربه:

“إجماع الأمة وبعبارة أدق إجماع المجتهدين الذين نستطيع أن نشبههم بآباء الكنيسة وعلمائها في المذهب الكاثوليكي“(77).

يرى “ديبور” أن نشأة الفقه لم يكن مرحبًا بها وأن ماهيته تجعله مرفوضا من فئات عديدة في المجتمع الإسلامي:

“لقي الفقه مقاومة شديدة أول الأمر شأن كل جديد إذ بسببه صارت أحكام الشريعة مسائل نظرية وتحول امتثال أوامر الدين إلى تعمق وتدقيق في النظر وقد أثار هذا معارضة من جانب سذج أهل الورع ومن جانب أهل الحزم من رجال السياسة أيضا ولكن الناس أخذوا يعترفون شيئا فشيئا بأن علماء الشريعة ويسمون الفقهاء في المغرب هم ورثة الأنبياء“(78).

ويدافع “دي بور” على فكرة كون الفقه في جوهره قانون نظري مثالي لا يمكن تحقيقه خالصا في دنيانا هذه الناقصة(79).

وهذا التيئيس نتيجة النظرة الأحادية التي ترى الفقه قانونا كالقانون الروماني، ولا ترى في روافد البناء الوجداني للمسلم إلا قواعد تكاد تتعامل معه كإنسان آلي.

معرفة الآخر في العلاقات الدولية ينبني على معرفة مستفيضة بخريطته الوجدانية والعقلية، وكان الاستشراق الجيش الناعم الذي غزا عقول وميراث المسلمين وعن طريق آلياته الدقيقة بنى قاعدة بيانات رجع اليها السياسي والباحث والسائح والصحافي وفتحت أقسام متخصصة في الجامعات ومراكز البحث لإثراء تلك القاعدة وتحيينها بل ان مؤسسات مالية عنكبوتية كبرى مولت مثل هذه الدراسات كمؤسستي روكفلر وفورد، ويقدم المتخصصون في الدراسات الاستشراقية بمفهومها الأكاديمي محاضراتهم في أعلى الهيئات السيادية التشريعية والتنفيذية كالكونغرس والجيش، ولا شك ان العمل المخابراتي الذي هو جزء من الأمن القومي لا يمكن أن يغامر بعيدا عن البيانات والمعطيات الدقيقة التي يصنعها العالم المتمكن الذي يحسن تقديم المادة العلمية المستمدة من النصوص الأصلية ويحسن تقديم المشورة والرأي بناء على القراءة المتحيزة لمصلحة بلده وكما قالت عائشة عبد الرحمن: “علماء الاستشراق بشر مثلنا يتعصبون لدينهم وقومياتهم مثلما نتعصب لديننا وقوميتنا”.

الفقه وأصوله كان ساحة من ساحات معركة المعرفة الخالصة والمعرفة المؤدلجة، والمسلم لم يصل إلى جزء من خزانة تراثه إلا عن طريق من سرقها أو درسها أو حافظ عليها. آراء المستشرقين في الفقه وأصوله متحررة من المسلمات التي توجه العقل المسلم.

بعض آرائهم يرفضها العقل المسلم تلقائيا ولكن بعضها تستدعي تريث المتخصصين لتفكيكها وتتبع العلمي الخالص منها خصوصا باستحضار الاحتكاك السباق للمستشرقين بتراثنا جمعا وتصنيفا وإعمالا للمناهج العلمية ولكن أيضا توظيفا في خدمة استراتيجيات صراع الأمم الحية.

* * *

الهوامش

(1) انظر مثلا الدراسات حول مجتمعات شمال إفريقيا ومواقف المستشرقين من العرف والنوازل وأسس الفقه المالكي.

Georges-henri BOUSQUET:

1-Précis de droit musulman: principalement mâlékite et algérien.

2-Les Berbères: (histoire et institutions

3-Justice française et coutumes kabiles

4-Le Droit musulman

5-Abrégé de la loi musulmane selon le rite de l’imâm Mâlek

6-Le droit musulman par les textes

7-La Mudawwana: Index (avec la table générale des matières

8-Le droit musulman: nature et évolution

انظر أيضا مثلا بعض مؤلفات جاك بيرك:

1- Structures sociales du haut atlas.

(2) المستصفى.

(3) محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، الجزء الأول مطبعة النهضة تونس من جامعة القرويين حوالي سنة 1918.

(4) محمد الخضري: أصول الفقه، المكتبة التجارية 1969 ص17.

(5) أبو زهرة: أصول الفقه، دار الفكر العربي ص8.

(6) المرجع نفسه ص 93 .

(7) طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي ط2 الدار البيضاء 93.

(8) رضوان السيد: إنجازات الشافعي ومآخذ نقاده، جريدة الشرق الأوسط عدد 12313 الصادر في 14 اوت 2012.

(9) أبو زهرة المرجع نفسه ص4 .

(10) عائشة عبد الرحمن: تراثنا بين ماض وحاضر، دار المعارف القاهرة 1968/1969 ص53.

استقلال الفقه الإسلامي عن القانون الروماني والرد على شبه المستشرقين، الدسوقي السيد الدسوقي عيد، مكتبة التوعية الإسلامية 1989 ط1.

(11) و(12) علي بن إبراهيم نملة: إسهامات المستشرقين في نشر التراث العربي الإسلامي دراسة تحليلية ونماذج من التحقيق والنشر والترجمة، الرياض 1417/1996 ط1 ص21 .

(13) م, ن. ص32.

(14) م, ن. ص24.

(15) م, ن. ص27.

(16) نجيب عفيفي: المستشرقون، دار المعارف مصر ج1 الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة 1964، ص 155.

(17) علي بن إبراهيم نملة: إسهامات المستشرقين، ص31.

(18) م, ن. ص 31.

(19) نجيب عفيفي: المستشرقون ج3 /1965 ص803.

(20) عبد المجيد دياب: تحقيق التراث العربي: منهجه وتطوره، دار المعارف ط2 1993 القاهرة. ص104.

(21) م, ن. ص 105.

يذكر المؤلف من الأمثلة أن المستشرق قد يقضي عمره في نشر كتاب واحد من التراث الإسلامي مثل كراتشكوفسكي الذي استمر يعمل عشرين عاما في تحقيق رسالة الملائكة لأبي العلاء المعري، وفلوجل استمر 25 عاما في جمع المخطوطات لكتاب الفهرست لابن النديم من مختلف المكتبات وتوفي ولم يتم تحقيقه، وأنطوني بيفان حقق نقائض جرير والفرزدق في 1102 من الصفحات وحين عثر على خلل في وزن أحد أبياتها بعد نشرها اغتم له غما شديدا.

(22) م, ن. ص184.

(23) م, ن. ص193 .

(24) م, ن. ص194 و 195.

(25) علي بن إبراهيم نملة: أعمال المستشرقين مصدراً من مصادر المعلومات عن الإسلام والمسلمين، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد 7، السنة 7، ص519-564.

(26) حسن عزوزي: أصول المذهب المالكي في دراسات المستشرقين المعاصرين، مجلة الوعي وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية الكويت العدد532 /03 سبتمبر2010.

(27) حمدي زقزوق ص123 .

تعريف القانون الروماني الرجوع مثلا إلى:

Cours de droit romain henri STAEDTLER TOME PREMIER PARIS L.LAROSE.LOUVAIN A.UYSTPRUYST 1910.

القانون الرومانيّ: هو مجموعة القواعد والأحكام والنظم القانونيّة التي كانت مرعيّة في الدولة الرومانيّة والبلاد الخاضعة لها منذ تأسيس “روما” سنة 754 ق.م؛ إلى وفاة الملك (جستنيان) سنة 565م.

من الألفاظ التي تذكر في مجال التشابه مع الفقه الإسلامي:

الفتوى:  JURIS BRUDENTINA

الاجماع: CONSENSUS

عرف أهل المدينة: CONSUETUDO POPULI ROMANI عادة أهالي روما.

من الذين عرضوا لهذه المسألة وناقشوها: السنهوريّ، وشفيق شحاتة ود. محمد يوسف موسى ومحمد سلام مدكور، وعلي البدوي ومحمّد الغزالي.

انظر مثلا:

رد صوفي أبوطالب في كتابه: بين القانون الروماني والشريعة الإسلامية.

(28) حسن عزوزي:م, س .

(29) الدسوقى السيد الدسوقي: استقلال الفقه الإسلامي عن القانون الروماني والرد على شبه المستشرقين، مكتبة التوعية الإسلامية، 1989 ط1 ص11.

Du Droit international public et privé en Égypte, par Domenico Gatteschi

(30) م, ن. ص48.

(31) علي بن إبراهيم النملة: مصادر المعلومات عن الاستشراق والمستشرقين: استقراء للمواقف، الرياض 1414/1993 ص9 .

(32) و(33) علي بن إبراهيم نملة: أعمال المستشرقين مصدراً من مصادر المعلومات عن الإسلام والمسلمين، الرياض 1414/1993 ص9 .

(34) وائل حلاق: نشأة الفقه الاسلامي وتطوره، دار المدار الإسلامي، ترجمة: رياض الميلادي، مراجعة: فهد بن عبد الرحمان الحمودي ط1 /2007. ص14.

(35) أبو زهرة: أصول الفقه م,م,س. ص16.

(36) وائل حلاق: نشأة الفقه الإسلامي ص25.

(37) اجناس جولدسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام: تاريخ التطور العقدي والتشريعي في الدين الإسلامي نقله إلى العربية: محمد يوسف موسى وعلي حسن عبد القادر وعبد العزيز عبد الحق ط2 منقحة و مزيدة. دار الكتب الحديثة مصر ومكتبة المثنى بغداد ودار الكتاب العربي مصر .

(38) العقيقي ص906 .

(39) جولدسيهر: العقيدة م, م. ص7 .

(40) م, ن. ص10 .

(41) م, ن. ص11 .

(42) م, ن. ص32 .

(43) م, ن. ص44 .

(44) م, ن. ص45 .

(45) م, ن. ص47 .

(46) م, ن. ص48 .

(47) و(48) م, ن. ص49 .

(49) م, ن. ص55 .

(50) م, ن. ص56 .

(51) م, ن. ص59 .

(52) م, ن.ص63 .

(53) م, ن. ص67 .

(54) م, ن. ص68.

(55) م, ن. ص70 .

(56) م, ن. ص72 .

(57) و(58) م, ن. ص73 .

(59) م, ن. ص74 .

(60) م, ن. ص76 .

(61) محمد الزحيلي: الجهود المبذولة في حجية السنة في القرن الرابع عشر الهجري، جامعة الشارقة 2005/1426م.

(62) جوزيف شاخت: أصول الفقه، ترجمة: إبراهيم خورشيد وعبد الحميد يونس وحسن عثمان، دار الكتاب اللبناني بيروت 1981.

انظر أيضا ضمن سلسلة عالم المعرفة: تراث الإسلام ج1 تصنيف جوزيف شاخت وكليفورد بوزورث.ص27 .

وتراث الإسلام، الجزء من تحرير جوزيف شاخت تحت عنوان القانون والدولة والذي راجعه محمد عبد الهادي أبو ريدة. ص85.

(63) م, ن. ص ص23 .

(64) م, ن. ص 39.

(65) م, ن. ص48 و ص49 .

(66) م, ن. ص50 .

(67) م, ن. ص56 و57 .

(68) انظر مثلا: محمد مصطفى الأعظمي في: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، المكتب الإسلامي دمشق وبيروت1980 الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه قدمت باللغة الإنجليزية في 1966 في جامعة كمبريدج.

(69) و(70) جوزيف شاخت: أصول الفقه، م, س. ص 58 شاخت ص58 .

(71) م, ن. ص61 وص62.

(72) م, ن. ص63.

(73) م, ن. ص84.

(74) ت.ج دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، نقله إلى العربية: محمد عبد الهادي أبوريدة، الدار التونسية للنشر والمؤسسة الوطنية للكتاب .

(75) اجناس جولدسيهر: العقيدة…م,م, س. ص50.

(76) ت.ج دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص80.

(77) و(78) م,ن.ص82 .

(79) م,ن.ص83.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر