سمينار

تدريس العلوم الشرعية

سيمنار

د. جمال الدين عطية:

بسم الله الرحمن الرحيم

إن أهمية موضوع تدريس العلوم الشرعية لا تخفى على أحد؛ وذلك لأن من أهم مشاكلنا، ولعلها أهمها على الإطلاق، هي مشكلة الازدواج الثقافي. وتطوير تدريس العلوم الشرعية يعد أحد الحلول والمداخل الطبيعية لحل هذه المشكلة، بما يضمن امتصاص العلوم الاجتماعية والطبيعية وتكييفها وفقًا للشريعة، وبذلك تعود الثقافتان إلى ثقافة واحدة.

ومحدثنا في هذا الموضوع هو أستاذنا الشيخ «محمد الغزالي»، وهو خير من يتحدث فيه علمًا وخبرةً وتجربةً، واعتقد أنه غني عن التعريف، فليتفضل:

الشيخ محمد الغوالي:

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، أيها الإخوة لا بأس أن أبدأ حديثي بطرفة وقعت لصديقي الشيخ عبد المعز عبد الستار([i]) وهو زميل دراسة وكان من قادة جماعة الإخوان المسلمين فقد كان يحب التحدث للجماهير وقد حضر الفقه على المذهب الحنفي –كما حضرته أنا على المذهب الحنفي- وأراد أن يذهب ليدرّس في مسجد قريته في فاقوس، فأخذ كتاب «الإيضاح»([ii]) وهو كتاب الفقه الذي درسناه، ثم شرع يقول للناس أول سطور الكتاب وهي أن المياه سبعة: ماء البحر، وماء النهر، وماء البَرَد، وماء الثلج، وماء المطر، ماء العين، وماء البئر، فقال له أحد الحاضرين: إن المياه موجودة بالصنبور… فما هي المياه السبعة التي تتحدث عنها، فطوى كتابه وهرب! فالكتاب مؤلف يوم كانت المياه هكذا، وحين كان طلب المياه للوضوء أو الغسل شيئًا عسيرًا وبقى الكتاب كما هو يدرس للآن. قد تكون هذه القصة مثار ضحك؛ ولكنه ضحك أشبه بالبكاء كما يقول أبو الطيب. وقد كنت أسمع إذاعة المملكة العربية السعودية، وأسمع المفتي يتحدث وكان يشرح قوله تعالى {فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وقصاص السن بالسن والعين بالعين معروفة ولكن المشكلة فيما إذا حدث جرح لا يمكن تحديده وأخذ القصاص منه، وقد سمى الفقهاء الجراحات بأسماء مختلفة، كالشجاج والدامغة والجائفة… الخ.

المهم أن الشارح أو المفتي أو المذيع قال: إذا ضرب شخص شخصًا آخر وأحدث به ما يسمى في العصر الحاضر «ارتجاج بالمخ» فكيف يتم القصاص منه أو ما الذي يصنع به؟ فالقصاص هنا مستحيل لنه قد يتم ضربه ضربة تؤدي إلى موته. وهنا لابد من تعويض، فكيف يتم التعويض؟ فقال أن نفرض هذا المعتدي عليه عبدًا ونرى كم ثمنه عليلاً، ثم ثمنه وهو صحيح، والفرق بين الثمنين الصحيح والعليل يدفعه المعتدى. هكذا كانوا يتعاملون في الماضي حيث كان الرق ولكن هذه الطريقة لا تصلح اليوم. وقد بقيت هذه الأفكار مجمدة في كتبنا الفقهية تجميدًا مؤسفًا ولا معنى له. وعندما كنت إمام مسجد في العتبة الخضراء خلف سوق الكانتو أحضرت ورقة وكتبت عليها: إذا أردت الوضوء فسمى الله وخذ الماء وأغسل يديك ثم أدخل الصلاة وراء الإمام وافعل ما يفعل الإمام؛ فإذا رابك شيء فاسأله. ففي صفحة من عشرة سطور أمكن تقديم الوضوء والصلاة! ولكنا الآن من الممكن أن نقرأ لابن حزم ما كتبه فيها في مجلدين تقريبًا مما يؤدي إلى إطالة الكلام في هذه الموضوعات إطالة كبيرة ولا تدري كيف تقع هذه الإطالة حتى أصبحت الأغسال كأنها عقد مع أنه من المفروض أنها مسألة عملية. والرسول ما فعل هذا وهو يُدرّس للناس الوضوء والطهارة، إنما قدمها في كلمات قلائل عملية تم بها تعليم الناس الغسل وانتهى الأمر!ولكن عندما تحول العمل بالدين إلى كلام فيه، تحول الفقه إلى كلام مكرر في أمور كان يمكن أن تكون سريعة وتؤدي على عجل، وقد كان ممكنًا لبعض الناس أن يذهبوا إلى كتب الفقه ويجردوها من هذه الأشياء التي ذكرناها يعيدوا صياغتها. وربما أول ما يعرض لهم حذف أبواب وصور الرق التي لا تزال تدرس إلى الآن. وبالطبع فإن الفقه بهذه الطريقة هو علم ميت، وما يبذل فيه من جهد هو جهد باطل. وذلك في الوقت الذي تغير فيه العالم تغيرًا يستدعي أن يتحول الفقه إلى علم عملي. وقد لاحظت أن أبا حنيفة كان له تلميذان مشهوران وهما «محمد بن الحسن الشيباني»([iii]) و«أبو يوسف»([iv]) وقد ألف أبو يوسف كتابه في الضرائب –أي في الخراج-: فدخل في صميم الحياة. كما ألف محمد بن الحسن الشيباني كتابه في السير الكبير في العلاقات الدولية؛ ودخل هو الآخر في صميم الحياة. وأنا ألحظ أن الفقه الإسلامي الآن فيه جانب ميت بيقين، وهو الناحية الدولية وسوف نتحدث في هذه الناحية الدولية حول قصة دار الإسلام ودار الحرب وكيف أُلْجِئنا إلى التعامل مع الآخرين بما فرضوه عليِنَا، فهم الذين فرضوا هذا ومع هذا فلدينا أخطاء حقيقية في الفقه في هذا الموضوع فالطالب يقرأ أن علاقتنا بالآخرين تدور حول «الإسلام أو الجزية أو الحرب» وهذا ما يدرسه الأزهريون جميعًا، وهو كلام لا أصل له من الناحية العلمية، فعلاقتي بالآخرين هي الدعوة وأنا أدعو الناس إلى الله وإلى الإسلام، ولا علاقة لي بأكثر من الدعوة، أنا أشبه برجل معه سلعة جديدة تشتمل على توحيد وعدالة، وديمقراطية، أعرضها على الآخرين؛ فإذا لم تعجبهم، أقول لهم: أتريدون ألّا تدخلوا في هذا الدين، فإذا قالوا: لا نريد أن ندل ولا أن نسمع منك، أقول لهم: لكم هذا ولكنني أطلب منك أمرين: الأمر الأول أن تدعني أذهب إلى الآخرين لأحدثهم، فهل تمنعني يقول: لا أمنعك! وإذا استجاب لي أحد أتعترض طريقه؟ فيقول: لا أعترض طريقه. فأقول: حسنًا لا صلة لي بك. وهذا نص الآية الكريمة {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}، أما إذا قال لي: سأمنعك من الكلام أو أمنع من استجاب لك من أتباعك، فإنني أقول له: إذن الحرب بيني وبينك! وهذا لا يقال له إما الإسلام وإما الجزية وإما الحرب. وهذا يوضح أننا قد نسينا الجزء الأول والأساسي وهو الدعوة. وقد يكون للنسيان سند، فقد كانت الأمة الإسلامية في الأيام الأولى شبه محتلة بالرومان من شمال الحجاز إلى تبوك وإلى مؤتة وبالفرس في الحيرة والعراق؛ ومن هنا كان القتال مثل قتال الفلسطينيين الآن مع بني إسرائيل الذين يحتلون أرضهم ليس فيه مقولة الإسلام أو الجزية أو الحرب، ولكنه مسألة غسل للأرض من أناس احتلوها من قرون، ولم نأنس فيهم إلا أنهم قتلة أو ظلمة. إن القانون الدولي لدينا لم يُدرس ولم توضح له أسس حسنة، ولم تؤخذ أسسه من الكتاب والسنة! أما القانون الدستوري فإنه قانون عجيب ليس موجودًا في الفقه الإسلامي أيضًا إذ كان الفقه يقتصر على بعض المعاملات التي تتصل بالعشيرة وبالمعاملات الساذجة البدائية وأعجب ما في تراثنا أننا نسمي الناس الذين يولوا الحاكم: «أهل الحل والعقد» وذلك في الوقت الذي نقول فيه أن الشورى معلمة لا ملزمة، فأين الحل والعقد؟ إذا كان أهل الحل والعقد لا يملكون شيئًا يقولوه للحاكم وهو يفعل ما يريد، فكيف يكونون أهل حل وعقد؟!

ومما سبق يتضح أن هناك خلطًا كبيرًا ولابد من إعادة النظر في الفقه الإسلامي كله موضوعًا ودراسةً وإلا فإن بقاء الفقه على النحو الذي يقدم به الآن ما هو إلا تضييع للوقت وللعمر وللفكر. فنحن قد درسنا «نور الإيضاح» للشُرُمْبُلالي([v]) ومتن القدوري وشرحه للميداني([vi])، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر([vii]). وهذه الكتب كلها تتكرر في موضوع واحد. أي أن السنوات الثلاث عشرة الأزهرية الابتدائية والإعدادية والثانوية كان يمكن أن تكون ثلاث سنوات فقط، وبعد اختصار الوقت من الممكن أن ندخل الدراسة الميدانية إذا أحببنا ولكن بعد تجريدها مما ذكرته، وبعد هذا يدخل القانون الدستوري والقانون الدولي في الشريعة والفقه ولكن في البداية يجب أن يقتصر الأمر على العبادات والمعاملات المعروفة والعادية!.

وأحيانًا تأتي أمثلة تنظر إليها فتعجب.. فعند دراسة الربا وأنا طالب –على سبيل المثال- أقول في نفسي ما معنى هذا الحديث وما شرحه لي أحد! «حيث الذهب بالذهب هاء وهاء ومثلاً بمثل، وكذلك الفضة» وأقول في نفسي ما معنى أن أعطي شخصًا كيلو قمح ويعطيني كليو قمح وكيف تسير هذه المعاملة؟ إلى أن قرأت بعد ذلك أن ابن القيم يقول إن هذه معاملة مقصود بها تحريم ربا الفضل وأن هذه ذريعة لتحريم النسيئة. وقد رفض معاوية ذلك.

المهم أن هناك أشياء كأنها عبادية تروى ولا تفهم، فكيف يكون هذا فقها وهو المعرفة ومن هنا لابد من إعادة النظر أولاً في مادة الفقه وفي الدراسة.

إذن كيف نعيد النظر في مادة الفقه؟

كان قد بدا لي في الماضي أن نبدأ في الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة، وبعد ذلك ندرس الفقه المذهبي معًا وفعلت هذا –وأنا مدير مساجد- ورتبت على الأئمة واخترت كتاب فقه السنة للشيخ «سيد سابق» وهو كتاب حسن وصغير. بالإضافة إلى الفقه المذهبي الذي يختاره الإمام حسب مذهبه، حنفي، أو مالكي، أو شافعي.. فهو حر في هذا. ولكنني بلوت من الناس ما جعلني أتراجع عن هذا، وأقول بتدريس الفقه المذهبي أولاً ثم الفقه المقارن على ضوء فقه السنة مع بعضهما، لماذا؟ لأنني وجدت الدخول في السنة دون وعي فقهي مالكي أو شافعي يعد خطرًا على القارئ ويجعله يفهم الأمور فهمًا قد يكون رديئًا. وعلى سبيل المثال فإن التفسير الذي وضعته «زينب الغزالي»([viii]) وأرسلته لي، وضعت فيه حديثًا يقول «بعثت بالسيف بين يديّ الساعة». رغم أنه من ناحية الرواية حديث ضعيف، ولو فرضنا أنه صحيح، فإنه يصبح في بعض الأوقات شعارًا فقط، بمعنى أن يأتي حديث آخر يقول «أنا نبي المرحمة وأنا نبي الملحمة»، ومعنى هذا أننا لسنا كالمسيحية التي تُضْرب على الخد الأيمن فتدير الخد الأيسر، وإنما بعث الرسول بالسيف عندما يكون الأمر محتاجًا للسيف. فالسيف موجود عندما يكون الأمر متعلقًا بالملحمة، وكما قال الشاعر العربي:

ولى فرس في الحلم بالحلم ملجم

 
  ولى فرس في الجهل بالجهل مسرّج

فمن شاء تقويمي فإني مقّوم

 
  ومن شاء تعويجي فإني معوّج

أو كما قال أبو الطيب([ix]):

ووضع الندى في موضع السيف بالعلى

 
  فصر موضع السيف في موضع الندى

ومن هنا فإن وضع الدليل مع الأحداث يحتاج إلى الفقه ومن بين الأئمة الأربعة الذين درستهم أبو حنيفة([x]) ومالك([xi]) والشافعي([xii]) وابن حنبل([xiii]) فإن ابن حنبل رغم أنه أقربهم إلى الأثر فإنه حقيقة رائع في أخلاقه ورجولته وصلابته وله فهم فيه دقة، أما الأئمة الثلاثة فقههم أو رأيهم العقلي رأي عجيب ففيهم ذكاء غير عادي. فعندما ظهر الشعر الأشيب في رأس أبي حنيفة قال له الحلاق لا تنزع الشعر الأشيب؛ لأن مكان الشعرة الواحدة تظهر شعرتان فقال أبو حنيفة إذن فانزع الشعر الأسود حتى يتضاعف! وهذا قول طريف وفيه شاعرية وليس فيهم جلافة كما يثار حولهم! وقد كان «مالك» لا يرى صلاة النافلة بعد العصر فكان أن قال له أحد الناس بعد صلاة العصر صل يا إمام.. اركع يا إمام.. فركع الإمام مالك ركعتين فقيل له: ليس هذا مذهبك، فقال: خشيت أن أكون ممن قيل فيهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ}؛ وهذه أيضًا نوع من الحساسية والشاعرية، فقد جمعوا بين الفقه وبين الحس المرهف. ونحن في دراستنا للفقه الإسلامي لابد أن ندرس هذا الفقه الجميل في الحقيقة. وأنا من أشد الناس كرهًا له في حياتي وإلى الآن أضيق بكتبي وربما والله ما نظرت في كتب الفقه إلا لأدفع عن الإسلام غائلة الجهلة الذين دخلوا في ميدانه ولهم فتاوى غريبة ولهم جهالات سقيمة اضطرتني للدخول فيه لكي أعرف الحقائق وقد رأيت حقائق كثيرة بعضها لابد منه فمن الخير أن يدرس الفقه! والواقع أن طبيعة ثقافتنا العامة مغشوشة، بمعنى أن كل علومنا كنوز ولكنها مخلوطة بأتربة لا حصر لها. فكما نستخرج البترول وننقيه، ونستخرج الذهب وننقيه؛ فنحن مضطرون إلى الخوض في هذه الكتب ولكن بعقل فيه شيء من النضارة والنقد والإدراك الصحيح، ثم نأخذ ما يقترب من الكتاب والسنة والفطرة السليمة؛ لأن الفطرة من مقاييس الإسلام، هذا بالنسبة للفقه. أما بالنسبة لعلم العقيدة وعلم التوحيد أو علم الكلام وهذا ما كان يجب أن نبدأ به فأنا أديم تلاوة القرآن الكريم وهذا من منن الله، والشيء الذي استيقنت منه أن القرآن أقام الأدلة على معرفة الله منتزعة من هذا الكون الذي نعيش فيه، والعقل الذي ينظر فيتأمل فيستنتج، وليست أدلة فلسفية أو نظرية. ليس أكثر من الالتفات إلى البديهيات مثل {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}؛ ومن هنا فإن البداية تكون بالأدلة العقلية من الكون الذي نعيش فيه، ثم من هذه الأدلة نقيم العقيدة. ولكن مع الأسف من عهد مبكر اضطربت علوم العقيدة عندنا واختلطت بالفلسفة الإغريقية التي لها نزعة غير النزعة الإسلامية فهي ترى أن المادة خسيسة وأن المعنويات هي الرفيعة. فالكون بجزئياته هابط ولكن الكليات العامة هي الرفيعة. والنظر لديهم ليس موجود أو موجود ولكن بطريقة غير كريمة أو غير سليمة أو غير كاملة. وقد ذكرت ذلك في كتابي «المحاور» أني أتعجب ماذا جعل المسلمين وهم أصحاب رسالة عالمية بدلاً من أن ينقلوا رسالتهم للعالم، ينقلوا خرافات الإغريق إلينا؟! يقول البعض إنه انفتاح.. وأقول والله لا بأس، قد يكون هذا انفتاح فعلاً، ولكن وجدت أن الناس الذين نقلوا الفلسفة الإغريقية كأنما أعجبوا بها إعجابًا غلبهم على أنفسهم، فكانت النتيجة أنني الآن عندما أنظر إلى علم الكلام وأنظر إلى الفرق الإسلامية خصوصًا المعتزلة، وما تفرع منها، أجد أن الخطأ الكبير عندنا هو أننا أخذن من فلسفة أرسطو([xiv]) في المادة والصورة ما نقلناه إلى الله والكون، وكانت النتيجة أننا نقلنا خرافات وأكاذيب لا معنى لها. وقد سمعت البعض في أصول الدين، وهو يصف الله سبحانه وتعالى في العقائد ويقول: إن الصفات هي لا هو ولا غيره لأن المعتزلة يقولون: يعلم بذاته، يقدر بذاته، وليست له صفات زائدة عن الذات، وإلا لتعدد القدماء، وهذا الكلام الساقط منقول نقلاً عن فلسفة أرسطو. ورغم أن أرسطو من الفلاسفة الإلهيين إلا أنه أشبه بالفيلسوف المُخدر أو الرجل الذي يتعاطى المخدرات، وقد قال عنه «ويل دورانت»: إنه إله أشبه بملك إنجلترا، يملك ولا يحكم، ولا يدري شيئًا، ويقول أيضًا: إن هذا العالم الكبير أصغر من أن ينظر الله فيه وقد ترجم هذا المعنى عندنا على أنه لا يعلم الجزئيات، وكل هذه خرافات منقولة لا أصل لها، ولا وجود لها في الخارج، ولا وجود لها في الذهن، ولا وجود لها في العقل، ولا تساوي شيئًا، وقد نقل إلينا ولا ندري كيف أعجبنا به؟ والذين يردوا على ذلك يأتي ردهم على أساس رفض هذه الفلسفة، وإننا لو شطبنا كلمة الفلسفة بكل مبادئها الإغريقية من علم الكلام لانتهت المذاهب الفلسفية في ديننا، وتختفي الأشاعرة والمعتزلة بطبيعة الحال؛ لماذا؟ لأن المعتزلة أنكروا الصفات، وأهل السنة أنكروا ذلك وقالوا: إن هناك صفات. ولكي يجمع الأشاعرة بين الاثنين قالوا: هناك صافت يقينًا، ولكن هذا لا يعني تعدد القدماء، وأتوا لها بحل يناسبهم.

ونحن لا نريد أن نجادل الذين نظروا للفلسفة فأيدوها أو حايدوها أو ردوا عليها؛ وذلك لأن الفلسفة الإغريقية بدأت منذ خمسة قرون تقريبيًا تتدحرج عن مكانتها، وذلك في وقت سقوط القسطنطينية في أيدينا، وفتح الأسبان لأمريكا، وسقوط الأندلس، حيث بدأ عصر الإحياء مع أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. والذي قام على إنكار الفلسفة الإغريقية، فبدأت في السقوط عن عرشها ولم يأت القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلا وكانت الفلسفة الأوربية بعيدة كل البعد عن فلسفة أرسطو وأفلاطون وسقراط، وبعيدة كل البعد عن هذا الكلام الذي تأثرنا به كثيرًا وتأثر به علم الكلام عندنا ولكي نعيد علم الكلام أو علم العقيدة أو علم التوحيد لقواعده الأصلية يجب أن نعود إلى الاستدلال على وجود الله من الكون، ونكتفي بالأسماء الحسنى وبالصفات العلى كما وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى. وبعد اختفاء الفلسفة الإغريقية يبقى شيء وحيد، وهو الذي يفرق بين السلف والأشاعرة الآن ولابد من كلمة حاسمة فيه، هو موضوع العقيدة. فالعقيدة عندنا أو المذهب الإسلامي السائد الذي قام عليه الأزهر يعد أعدل الدراسات الإسلامية منذ بدأت المدارس الإسلامية وإلى الآن. فالأزهر يرى أن العقيدة لا تستقي إلا من نصوص قطعية ثبوت وقطعية دلالة، وبالتالي فإن أحاديث الآحاد ليست مصدرًا للعقيدة؛ وإنما تؤخذ شرحًا لعقيدة جاءت في القرآن غير مفصلة ففصلتها، وقد دار حوار بيني وبين الدكتور راشد فقد سألني عن برنامج تدريس علم العقيدة، فقلت له إن العقائد موجودة وسنحضرها من الكتاب الكريم ولم أذكر السنة في الحقيقة، وقلت: إن السنة ما شرح الكتاب، فرفض ذلك. فقلت له: ماذا تريد إذن؟! فكان معنا رجل توفى رحمة الله عليه اسمه الشيخ خليل هراس([xv]) فقال: يجب أن تأخذ من أحاديث الآحاد، فقلت له: كيف وليس عندنا عقائد من أحاديث الآحاد فأصر على رأيه فقلت له مثل ماذا من أحاديث الآحاد، فقال: مثل حديث القدم الذي يقول «يضع الجبار قدمه على النار فتطقطق…» فقلت هذا حكم عادي وليس عقيدة لأنني عندما أذهب إلى إنجلترا مثلا هل أقول لهم أتؤمنون بالله وقدمه؟! أو تؤمنون بالله وساقه وقد ذكرت ذلك في كتابي الأخير (حديث الساق)، وقلت له يكفي أن تكون العقائد عندنا من القرآن الكريم، ولكنه رفض.

وأُصر على أن العقائد إنما تؤخذ من قطعي الثبوت وقطعي الدلالة وما كان شارحًا للقرآن؛ فنحن لدينا {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} فإذا جاء حديث يشرح الميزان فلا شكلة في هذا.. كما أننا لدينا عذاب القبر إجمالاً في القرآن {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} أو {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} أو {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أو {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} فلا بأس أن تأتي أحاديث تشرح عذاب القبر لأنها توضح ما أجمل القرآن وهذه طبيعة السنة ولا شيء في هذا. وقد قلت في كتابي «عقيدة المسلم» وهو كتاب سهل وقد ألفته وأنا صغير ولكني لا أزال أرى أن فيه خيرًا كثيرًا وفيه كلمة جديرة بالتأمل وهي «أن اللغات من صنع البشر فهم يضعون الكلمات بإزاء مفاهيم ذهنية أو أدوات حسية (شخوص وأشياء يألفونها أو أفكار تدور بينهم) فهي حقيقة بالنسبة إلى ما وضعت بإزائه مما يتداول بين الناس من حسيات ومعنويات، ولكن عندما تكون كلامًا عن الغيب فهذا الكلام مجازى بطبيعته لأنه حتى عندما وصفوا لنا الجنة قال ابن عباس: ما في الجنة من دنيانا إلا الأسماء، أما الحقائق فلا نعرفها. فإذا كان هذا بالنسبة للجنة، فكيف الحال بالنسبة لذات الله وصفاته التي يكون الكلام فيها على قدر عقولنا نحن. ومن هنا أنا أؤمن بالمجاز وأن كل لغة فيها مجاز، والقرآن فيه مجاز، وقد قال لي أحد الأشخاص: إن القرآن ليس فيه مجاز، فقلت له: فكيف أفهم إذن معنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} وقبلها: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} فأين هي الأغلال وأين هي السدود؟ فقال: إن ابن تيمية([xvi]) قد قال إنه ليس في القرآن مجاز، فقلت: وإن أصحاب اللغة الذين درسوها أكدوا لنا ذلك، وأخذنا منهم المجاز العقلي والمجاز المرسل والمجاز بالاستعارة وأخذنا البلاغة وعلومها، ومن هنا فإن القول بأنه لا يوجد مجاز في اللغة قول غير صحيح. وعندما كلفت بإلقاء درس بالتليفزيون كنت أطلب أن يعطوني صورة للسحب وهي تنطلق، وصورة للأمواج وهي تهيج، وصورة للزروع وهي تتدلى منها الثمار، والأشجار وهي باسقات. حتى إنني طلبت أن يعطونني صورة لعملية جراحية وقد أشرت في كتابي الأخير أنني كنت أعاني من جلطة بالساق قبل أن تنتقل إلى القلب وقد نجاني الله منها ونشكر الله على ذلك، وأتوا لي بآلة سمعت فيها صوتًا عند وضعها على ساقي فقلت للطبيب: ما هذا الصوت، قال: إنه صوت الدم وهو يجري في العروق. ففكرت في الشرايين الطويلة التي تصل إلى عدة كيلو مترات، ويجري الدم فيها من خلال شعيرات، مشتملاً على كرات حمراء وكرات بيضاء وأشياء زائدة من السكريات والدهنيات والزلال… الخ، وتخيلت لو تم توصيل شرايين ال 5 مليار نسمة في العالم إلى أين ستصل.. ستصل بالتأكيد إلى الشمس!! ومن الذي يشرف على ذلك كله.. فأنا ألْفِت النظر إلى خلق الله وإلى عظمته في كونه! ولماذا نذهب بعيدًا، فلقد حاول الشيخ محمد عبده([xvii]) في كتابه «رسالة التوحيد» الذي كان مقررًا علينا في السنة الرابعة الثانوية حاول أن يجمع الشمل ويلم المسلمين في هذا الجانب، وقال: لماذا النزاع، فالمعتزلة يقولون باستحالة رؤية الله، وأهل السنة يقولون إن الرؤية عقيدة لأن الحديث الشريف يقول: «ترونه كما ترون القمر ليلة البدر، والشمس ليس دونها سحاب». وقال الشيخ عبده: إن ما أنكره المعتزلة غير ما أثبته أهل السنة؛ لأن المعتزلة يقولون إن الرؤية تعني الجهة وتعني التحيز وتعني المادية وبذلك يصبح الله مخلوقًا، وعندما نقول إن هذه الرؤية لا ندريها ولا نعرفها وأنها رؤية غير مادية ينتهي الأمر.

وانتهى المعتزلة كما انتهى أرسطو، وأصبح هناك إنكار تام للألوهية. إننا نستطيع بالعقل أن ندرك أن ما لا نستطيع أن نبحث فيه نتجاوزه، وهذا هو الإسلام، وهذه هي العقيدة كما شرحها كتاب الله وسنة رسول الله. ومن هنا لابد من إعادة النظر في دروس العقائد على أساس معقول!

وعندما ننظر للحديث، وعلم مصطلح الحديث فسوف نجد أن هذا العلم يُدرس إلى الآن دراسة تعبدية بمعنى أنه لا يطبق، فالحديث المعلق هو الذي سقط منه الرواة من أول السلسلة والحديث المنقطع هو ما سقط منه رواة داخل السلسلة، والحديث المرسل هو ما سقط منه الصحابي، والحديث المتروك ما رواه راو ضعيف جدًا مخالفًا به أهل الثقة، وهكذا.. فهل فكر أحد أن يأتي بحديث وسلسلته ليبين لنا مواضع وأسباب الضعف وما حدث للسلسلة؟ ولم يفكر الأزهر في تدريس علم مصطلح الحديث حتى أصبح علمًا أثريًا يحال فيه على مجهول مع أنه كان من الممكن أن يأتي بعالم مثل الشيخ الألباني([xviii]) ويسند إليه تدريس الأسانيد، ويبين للطلبة لماذا قلنا إن هذا الحديث ضعيف، وهذا منقطع، وهذا ضعيف، وهذا مرسل، وهذا متروك.. الخ، ثم إنه ما أكثر الأحاديث الضعيفة، وما أكثر أسباب الضعف في السنن الموجودة ولا نعرفها. وخاصةً أن علم المصطلح علم أثري ولابد له من الشرح التحليلي. وأين الآن في الأزهر علماء السنة مثل: سيد صقر([xix])، أحمد شاكر([xx]). وقبل كل ذلك فإن تعريف الحديث الصحيح هو أنه رواية الضابط الثقة عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا علة قادحة، وهذا ما تسير عليه كتب السنة الصحاح. وعلى هذا النحو أجد أحيانًا حديثين متناقضين واردين في الصحاح مثل حديث «إذا التقى الختانان وجب الغسل» وحديث «الماء من الماء» الواردين في الصحاح في كتاب تفسير الوضوء تحت بعضهما وضد بعضهما. وهنا لابد من تدخل الفقهاء. وقد سبق أن تدخل أبو حنيفة ورفض ما لا يتعلق بمذهبه، وتدخل مالك ورفض كل ما خالف أعمال أهل المدينة، فقد رفض الاستفتاح في دخول الصلاة، ورفض صلاة ركعتي تحية المسجد والإمام يخطب، ورفض الرضعات الخمس والعشر ورضاع الكبار، ورغم أن كل ذلك موجود في الصحاح، وعندما جاء أبو حنيفة رفض حديث «لا يقتل مسلم في كافر» ومن منطلق أن النفس بالنفس. فإذا كنا نقول إن الحديث شاذ عندما يخالف الثقة، فكيف لا يكون شاذًا إذا خالف القرآن الكريم. وقد رفضت أحاديث خالفت القرآن وسبق أن صحح الألباني والسيوطي([xxi]) حديث «إن لحم البقر داء» ورفضته من منطلق أن الله امتن بلحم البقر في موضوعين من القرآن {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}، {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}، ومن هنا فإن الحديث مرفوض لأنه خالف القرآن.

وقد قال لي الشيخ عبد الحليم([xxii]): إن الله هو الذي دنا وتدلى لسيدنا محمد استنادًا لما رواه البخاري من أن الجبار دنا فتدلى، فقلت وهل ينزل الله لمحمد؟! وعندما بحثت في الحديث وجدته ضعيفًا ومن هنا وجدت أنه لابد من إعادة النظر في دراسة الأحاديث بأن يدرس المصطلح دراسة تطبيقية حتى نعرف لماذا يكون الحديث ضعيفًا، وثانيًا: تُعرض أحاديث الصحاح على ضوابط الصحة التي وضعها الأئمة ولا نأتي بشيء من عندنا، فإذا كان الأئمة يضعون في شروط الحديث الصحيح ألا يكون فيه شذوذ أو علة قادحة، فإنه إن ثبت أن الحديث مخالف للقرآن يصبح شاذًا وبه علة قادحة.

ومع هذا فمما لاشك فيه أن السنة غربلت وبذلت في الأحاديث جهود جبارة ولم ينقد تراث بشر كما نقد محمد عليه الصلاة والسلام لأنه ليس قرآنا، وقال العلماء: إنه ظني الثبوت فإذا خالف قطعيًا، سقط بطبيعته. ومن هنا فإنه يجب أن تُدرس هذه القواعد عندما تُدرس السنة.

وعندما كنت أُدرس بجامعة الأزهر اجتمعت بالإخوة الذين يقومون بالتدريس في الكليات وقلت لهم لكي تكونوا عمليين لا يجب أن ندرس جميع الأبواب حديث بحديث؛ لأننا بذلك لن ننهى منها حتى آخر العام سوى بابين فقط، وإنه من الأفضل أن نأخذ حديثًا من كل باب، وعلى سبيل المثال نأخذ حديثًا من باب الجمعة، وحديثين من باب العيد.. وهكذا حتى ننتهي من جميع الأحاديث الموجودة بالأبواب المقررة على آخر العام، ونكون بذلك قد أحطنا بشيء من السنة. ولكنهم رفضوا اقتراحي رفضًا باتًا، وأصروا على تدريس جميع أحاديث الباب الواحد، حتى لو وصل الأمر إلى تدريس 30 حديثًا في باب الجمعة، وفي هذا مضيعة للوقت. وأذكر أنه كان علينا ونحن طلبة أن ندرس صحيح مسلم كله بهذه الطريقة من السنة الأولى إلى السنة الرابعة، ومع ذلك لم ننبه ربعه! وقد اضطررت لقراءته بعد التخرج، وكثيرًا ما قلت وأنا طالب للشيخ عبد الفتاح العناني عندما كان يأتي لحضور المجلس الأعلى في عامي 1942، 1943: لقد خرجتمونا جهلة مع أننا كنا أحسن من تعلموا في هذه الفترة.

أما علم التفسير فإنني أرى أننا لم ندرسه في الأزهر على الإطلاق؛ إذ أن دراسته كانت مجرد تطبيقات بلاغية وإعرابية فقط.

وهنا أقول إنه لابد من إلقاء نظرة عامة على التفسير الموضوعي للسور كلها، ثم تُفسر الآيات جزءًا جزءًا، ولا بأس أن نعرض للبلاغة وللنحو ولما يكون من علوم تتصل بالتفسير، سواء كانت علوم كونية أو غيرها، وذلك دون أن يطغى هذا على التفسير النفسي أو الذاتي للقرآن الكريم. ومثال ذلك عندما نأتي لتفسير سورة آل عمران، فإنه يمكننا أن نشطرها إلى شطرين، الشطر الأول: حوار مع أهل الكتاب يتمثل في دعوة أصحاب الكتب الأولى، ويبدأ من أول السورة إلى قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ}  والشطر الثاني: تعليق على هزيمة أحد وجهاد الوثنية الأولى، وتبدأ من قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إلى آخر السورة. وقد يلتقي الشطران معًا في آخر السورة ليبين أن جهاد الدعوة الذي قد يكون مع أهل الكتاب، وقد يكون مع الوثنيين، يحتاج إلى الصبر والمثابرة؛ حيث ختمت السورة بـ {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا …}.

وقد اعتمدت وأنا أفسر سورة البقرة في خطبتي بمسجد عمرو بن العاص على كتاب الشيخ عبد الله دراز([xxiii]) «النبأ العظيم»، وهو كتاب أتمنى أن يقرأه الجميع. فقد شرح السورة، وقال: إنها يمكن أن تسمى سورة «الأتقياء» إذ أنها تعد هدى للمتقين، حيث تشرح أوصاف المتقين، وأركان الإسلام الخمسة (الإيمان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج)، كما أناه تقدم تاريخ بني إسرائيل، وتمهد للوَحدة الدينية التي يريد الإسلام أن يبشر الناس بها، كما أنها تتحدث عن الأسرة الإسلامية ودور الأم فيها، والجهاد في الدعوة، وهكذا جمع الشيخ عبد الله دراز أقسام السورة ووضعها في باقة من الورد التي توضح أهدافها وتعطي لقارئ السورة رؤية واضحة لمسيرة السورة وهو مغمض العينين!

ومن هنا فإن التفسير الموضوعي للسورة لابد منه، وبعد هذا لا بأس من الدخول في الإعراب؛ حيث إنه في بعض الأحيان لا يبين المعنى إلا من خلال الإعراب. وأذكر أننا عندما كنا نقوم باختيار الأئمة لترقيتهم إلى مفتش.. كنت أسأل الإمام أولاً عن الحفظ وأقول له اقرأ أول سورة يونس، فيقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ } .. فأقول له: أين اسم كان في هذه الآية، فلا يعرف.. فأقول له: أنت إذن لم تفهم السورة، إذ أن اسم كان هو أن وما دخلت عليه وهو أن أوحينا إلى رجل عظيم منهم».. حيث إن الجملة «أكان إيحاؤنا إلى رجل من الناس عجبا».. فمن الضروري إذن فهم المعنى في دراستنا للقرآن الكريم.

وقد نسيت وأنا أتناول السنة أن أذكر أنه لابد من المقابلة بين ما يبدو فيه التناقض بين الكتاب والسنة. والمثال على ذلك أن مالك قد رفض تحريم الحمر الأهلية استنادًا إلى قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} بينما أوضح الشيخ رشيد رضا([xxiv]) في تفسيره عكس ذلك. وأنا في نظري أن تفسير الشيخ رشيد رضا من الكتب القيمة التي تعين على فهم الكتاب والسنة، حيث إن الشيخ رشيد رجل سلفي، خلفي، جامع مانع، عصري وتاريخي، وكان كالبحر المحيط، حيث إن الأستاذ المرشد عندما أراد تفسير القرآن بعد أن أغلقوا له الدار، وقرر إصدار مجلة الشهاب، بدأ من أول سورة «الرعد» وعندما سألته عن السبب في ذلك، قال: وهل أستطيع أن أكتب شيئًا بعدما كتبه الشيخ رشيد… إنني سأبدأ من حيث انتهى. وهذا هو تقدير الرجال… ورحمة الله على الشيخ المرشد فقد كان إمامًا وعالمًا وعظيمًا. وكان ينتمي إلى نفس مدرسة الشيخ رشيد والإمام محمد عبده العظيمة والتي كانت تتميز بالعقلانية!

أعود فأقول إنه من المهم دراسة اللغة العربية أيضًا، خاصة وإنني قد لاحظت أن الكتب التي درسناها في النحو والصرف وهي كتاب شرح أوضح المسالك للأشموني، تعتمد في إقامة القواعد على الشواهد. فما معنى الشاهد.. هل هو الدليل؟! لو كان كذلك فإن الأمر يتعلق بالمفعول المطلق. وإذا قلنا أن الشاهد يعني الدليل فهذا يعني أننا نقول أن المفعول المطلق هو كل ما يرادف المصدر.

وهذه شواهد لا بأس بها، ولابد منها عند وضع قواعد اللغة، ولكن هل تبقى اللغة كما هي إلى قيام الساعة؟! وهنا نقول: إن كل قاعدة تحتاج إلى دليل، وعلى سبيل المثال فإن الدليل على أن «ما» تجزم فعلين، قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} و{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ }.. وهذان دليلان واضحان من القرآن الكريم على أن «ما» تجزم فعلين. وقد نشأ عن إهمال أصل الدليل في اللغة عجز المتخرجين في الأزهر عن تطبيق القاعدة اللغوية على آلاف الأمثلة المنتزعة من الحياة.

وفي الواقع فإن أول من خرج عن هذا العجز، وبدأ يعلم الناس أصل الأدلة هو الشيخ «حفني ناصف»([xxv])، وجاء بعده «علي الجارم»([xxvi]) وهو رجل عظيم استبحر في النحو ثم تلاه «عباس حسن»([xxvii]) الذي بلغ القمة في هذا المجال. فلماذا إذن هذا التشبث بالكتب القديمة، ولماذا لا نأتي بكتاب عباس حسن ويتم تدريسه لننفع به العامة والخاصة. نحن إذًا محتاجون إلى إعادة دراسة اللغة العربية؛ لأنه إذا ماتت اللغة وُضِعَ القرآن في المتاحف، بل إنني أعتبر أن دراسة اللغة من الدين، بل إن اللغة دين. ونحن محتاجون أيضًا إلى تعريف غير العرب باللغة العربية، وفي هذا أشعر بالأسف إذ أقول إن العرب قد خانوا الإسلام عندما وقفت حركة تعريب الناس –التي كانت موجودة في الماضي- وذلك مع ضعف الدولة. ويكفي أن سُبْع المسلمين فقط هم الذين يعرفون اللغة العربية، بينما ستّ أسباع منهم لا يعرفونها (وصل عدد المسلمين إلى مليار و200 مليون مسلم تقريبًا)، كما أن اللغة العربية مازالت مرفوضة عالميًا، وليست من اللغات الخمس التي دون بها ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وهي: الإنجليزية، والفرنسية، والروسية، والصينية، والأسبانية. ونحن نتحمل المسئولية في ذلك لأننا لم نحترم لغتنا ولم نتعصب لها، ولم نغضب لها عندما أهملت. وأذكر أنني تراجعت عن تعلم اللغات الأجنبية عندما وجدت في لغتنا العربية أشياء كثيرة تحتاج إلى وضع ضوابط سريعة لها، وتحتاج في ذلك إلى نوع معين من علماء اللغة، مثل الاشتقاق والمترادفات والمصادر وجموع التكسير (26 جمع تكسير)، وذلك حتى نستطيع أن نضعها (أي الضوابط) بين يدي الطلبة واضحة صحيحة. وأعود فأؤكد أن اللغة العربية تحتاج إلى إعادة النظر فيها حتى نستطيع أن نعلم الناس لغتنا ونُسهل تعريفها لمن لا يحسنها.

نأتي إلى علم أصول الفقه، وأقول: إن علم أصول الفقه في الأزهر علم أثري، فهو يُدرس ولا يُفهم، فلم تُوضع له أمثلة ولا قواعد ويُعتمد في تدريسه على بعض الكتب مثل شرح المنتهى، والتلخيص، الملخص، والتحصيل، الحاصل، المحصول…. الخ، والتي لا تزيد ولا تنقص وليس فيها شيء! وأعتقد أنه عندما نقول إن الأحكام الشرعية خمسة، أن نأتي بخمسة أو ستة نماذج للواجب من الكتاب والسنة، ومثلها للمكروه، ومثلها للمحرم وهكذا… وذلك حتى يتبين لنا ما هو الواجب، وما هو المكروه، وما هو المُحرم، وما هو المندوب، وما هو المباح، ولا بأس أن نأتي برأي الأحناف الذين يقولون بأن الأحكام سبعة وليس خمسة، ووضعوا منزلة بين الواجب وبين المكروه، وفرقوا بين الفرض والواجب والسنة المؤكدة، على أساس أن الفرض هو ما يكون بدليل قاطع لا شبهة فيه. وعلى هذا قالوا: إن حديث الآحاد ليس فرضًا لأنه به شبهة، وكذلك فإن الطمأنينة لديهم ليست فرضًا أيضًا. وكما وضعوا الواجب بين الفرض والسنة، فقد وضعوا «المكروه تحريمًا» بين «المكروه تنزيهًا» وبين الحرام. ولذلك فإن الحرير لديهم ليس حرامًا لأن ثبوت تحريمه ليس قطعيًا. ومن هنا فإننا نريد أن يتم تقييم ما قاله الأحناف في الأصول إلى ما قاله الجمهور فيها، وهذا يحتاج إلى عقول واسعة بقدر المستطاع.

وعندما نأتي إلى الكليات الخمس التي هي أساس المصالح المرسلة، وهي: الدين، والمال، والعرض، والنفس، والعقل، نجد أن الشيخ ابن عاشور([xxviii]) قد تجرأ وأضاف لها كلية سادسة وهي «الحرية» وأنا أيضًا أتجرأ وأضيف إليها كلية سابعة وهي «العدالة»! وذلك استنادًا إلى أن العدالة هي أساس الرسالات السماوية كلها {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} وفي هذا تتضح العدالة الاجتماعية والعدالة النفسية، والعدالة السياسية.

وقد أعجبني كتاب «تخريج الفروع على الأصول» ولا أذكر اسم صاحبه الذي جمع فيه مذهب الأحناف ومذهب الشافعية، وبيّن القواعد الفقهية في المذهبين وهو عمل جيد لأنه تدخل في الفقه وأتى بالسند والعمل والخلاف. ومن أمثلة ما أورده الخلاف حول هل على اليتيم زكاة؟.. وصحة صلاة من صلى وأخطأ القبلة دون أن يجتهد في تحديدها، وحول مسالة: تعدد الحق، بالإضافة لقواعد فقهية خلافية كثيرة، قام فيها بتخريج الفروع على الأصول وضم هذه القواعد لعلم أصول الفقه.

أعود فأقول: إن علم أصول الفقه علم وضُع قديمًا، حتى جاء الشاطبي([xxix]) في «الموافقات» واستبحر فيه ووسعه وأكثر فيه من النماذج والأمثلة. وقد خشى شيوخ الأزهر من تدريس «الموافقات» وأتوا بكتاب ميت وهو كتاب «ابن الحاجب»([xxx]) ودرسوه للطلاب، مما أدى إلى تخريج طلبة يعرفون أصولاً لا صلة لها بالحياة ولا بالفقه. ولمّا كان علم الأصول هو أصل القوانين وأصل الأحكام ولمّا كان هو البحيرة العظمى التي انبثقت منها المذاهب الأربعة فإنه لابد من إعادة النظر فيه ونقله من مرحلة العلم الأثري الميت الذي لا صلة له بالحياة، وذلك بضم القواعد الفقهية إليه، وضم دراسات الأحناف في الأحكام الخمسة إليه، وكذلك ضم كتاب «الموافقات» إليه. وهذه الأمور كلها بالإضافة إلى الأمور الخاصة بالقيام وأحكام وأهداف الشريعة، يجب أن تكون موجودة في الدراسات الأزهرية، ويجب أن يتم تعريف الطلاب بها، ولابد منها.

وفي النهاية فإنني أعتقد أن موضوع الدراسة الدينية، مادة وعرضًا، يحتاج إلى كثير من المراجعات، وأكون مدعيًا إذا قلت إنني قد أوفيته حقه من العرض. وبقي أن أقول إننا لو أتينا في هذا المجال برجال من مجمع البحوث الإسلامية من المتبحرين في الدين واللغة والتراث، وممن لديهم معرفة بالدراسات الأزهرية، لخرج لنا العالِم الذي يخدم الإسلام في العصر الحاضر. بل إنه يمكن من خلال وضع برنامج دراسي لعامين أو ثلاث أعوام إدخال الطبيب والمهندس الكيماوي والمحاسب.. الخ في الدراسات الإسلامية، وإعطاؤه خلاصات في الأمور التي يحتاج إليها كداعية، وتنفعه وهو يعرض الإسلام في هذا العصر.

هذا والله ولي التوفيق.

د. جمال عطية:

جزى اله شيخنا خير الجزاء على هذا الحديث الممتع والخطير والعظيم حقًا وكعادتنا في مثل هذه اللقاءات، نرجو من الإخوة الأفاضل أن يدلى كل بما عنده بترتيب الجلوس حتى تعم الفائدة.

د. محمد عمارة:

بسم الله الرحمن الرحيم، أعتقد كما أشار الأخ الدكتور جمال عطية، أن هذا الحديث الفياض، هو أيضًا حديث خطير لأنه يتناول المحاور الأساسية في العلوم الشرعية بنظرة نقدية ومن موقع المعايشة والخبرة، ليس فقط في دراسة هذه العلوم والتبحر فيها، وإنما أيضًا على ضوء الخبرة الحياتية في الدعوة والحوار مع تيارات الفكر في الإطار الإسلامي. والواقع أن هذه الخبرة الحياتية والحوار مع تيارات الفكر هي التي تُبرز، وتلقي الضوء على نقاط الضعف في مناهج تدريس العلوم الشرعية.

لقد استمعت بإعجاب شديد لهذا الحديث؛ إذ أنني قد عشت مع الشيخ الغزالي سنوات الدراسة في الأزهر. وقد كنا نرصد في بعض كتب الفقه والحواشي والتعليقات التي ذكرها، أن ما بين المبتدأ والخبر من الممكن أن تمر صفحة أو صفحتان حتى تتم الجملة الواحدة، وأنه لابد من دورة واسعة وغير عادية حتى نصل إلى معلومة أو حقيقة بسيطة وفي هذا ضياع للوقت. والواقع أن الناس عندما تنفق عمرها في تحصيل أدوات فقط لا يبقى لديها شيء لتضيفه في تحصيل الغايات، التي من المفروض أن تكون هي الأساس وهي القصد من وراء هذه العلوم. وقد أدى هذا إلى تخريج إناس معزولين تمامًا عن الحياة كما رأينا! وذلك لأن –كما أشار فضيلة الشيخ- تدريس العلوم يتم بمعزل عن الأمثلة التطبيقية التي تواكب العصر والواقع الذي يعيش فيه الناس، وبالتالي يخلق هذا شريحة من العقولة المعزولة تمامًا عن الواقع الذي تعيش فيه. وهذا هو الذي صنع الفراغ الحقيقي الذي ملأه الفكر التغريبي؛ إذ أننا لم نستطيع أن نجعل من العلوم الشرعية بضاعة يتم ترويجها في المجتمع، في وقت تمتلئ فيه السوق بالبضاعة المعلبة والمغلفة التي يتم عرضها بشكل جيد ومغر، وهي بضاعة الآخرين.

إنني أرجو ألّا ينتهي حديث الشيخ الغزالي حول هذه القضية عند حد العرض فقط فمن الضروري أن يكون هناك إلحاح على متابعة هذه القضية في أطر مختلفة، ومنها ما أشار إليه فضيلة الشيخ وهو الإلحاح على المؤسسة الأم الأزهر، ومجمع البحوث لإثارة هذه المشكلات الحيوية واتخاذ موقف منها. فقد وصلنا الآن عصر تخرج فيه الآلاف من الناس الذين يحملون شهادة العلماء وهم في الحقيقة أميون بكل معنى الكلمة فقد هبطت المستويات في كل المؤسسات التعليمية ولكن إذا كان الهبوط محتملاً في بعض المؤسسات التعليمية، فإنه ليس محتملاً في المؤسسة التي تُخرج الأمناء على عقيدة الأمة وهي محور علوم الشرع وعلوم الحضارة. كما أن الهبوط ليس محتملاً في المؤسسة التي تصبغ علوم الحضارة بصبغة الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا اعتقد أنه من المهم أن نواصل الإلحاح على متابعة خيوط القضية والنقاش حولها.

والواقع أن لي بعض الإشارات حول قضايا من القضايا التي أثارها فضيلة الشيخ… فرغم اتفاقي مع فضيلته حول نقد الفلسفة اليونانية فإنني أريد أن أقول إنه في بعض الأحيان يُفرض على الناس استخدام سلاحًا مناسبًا في معركة محددة، ويكون الخطأ عندما تجاوز استخدامه في المعركة، وفات أوان استخدام هذا السلاح، ورغم ذلك نستمر في الاحتكام إلى هذا السلاح وتعميمه في كل علومنا وفي كل معاركنا، وهذا هو الخطأ، وفي تقديره أن المسلمين بعد عصر الفتوحات قد اضطروا إلى ترجمة الفلسفة اليونانية واستخدامها لا لتكون هي فلسفة الإسلام ولكن لأن جمهور البلاد التي تم فتحها لم يكونوا يعترفون بغير مقاييس ومعايير الفلسفة اليونانية، وكانت كل التيارات الفكرية تعيش وتتعامل وتحتكم إلى منطق أرسطو وإلى الفلسفة اليونانية. ولذلك كان لابد للمسلمين من تعلم هذه الفلسفة، لا لتكون فلسفة الإسلام، ولا لتكون علم التوحيد المعبر عن فلسفة المسلمين، ولكن لتكون سلاحًا محددًا في معركة محددة. وقد ألمح بعض الفلاسفة المسلمين إلى ذلك وقالوا: إن التركيز على فلسفة وعقلانية أرسطو كان سلاحًا في مواجهة الفكر الباطني الذي كان مستشريًا نتيجة الإسرائيليات والفلسفة الهندية والمذاهب الفارسية. وإذا كان قد تم استخدام الفلسفة اليونانية كسلاح في معركة محددة، فإنه من الخطأ الاستمرار في إشاعة روح هذه الفلسفة في كل علومنا وفي كل عصورنا، واعتقد أن هذه الملاحظة تبئ هؤلاء الفلاسفة الذين ترجموا والذين شرحوا والذين تحدثوا عن الفلسفة اليونانية. وعلى سبيل المثال فإن ابن سينا([xxxi]) قدقال في مقدمة «الشفاء»: «نحن نعرض فلسفة اليونان، لا لأنها هي الفلسفة الحقة»، وإنما لأن هناك إناسًا لا يحترمون إلا كل ما هو يوناني وهذا في الحقيقة ما يحدث اليوم.. عندما نقول إن الشريعة الإسلامية عظيمة جدًا لأن مؤتمر المستشرقين قال: إنها منظومة قانونية متميزة ومعترف بها. فمادام لدينا «خواجات» لابد أن نناقشهم بسلاح «الخواجات»!. و«الخواجات» يقولون: إن الفلسفة اليونانية ليست هي الفلسفة الحقة والفلسفة الحقة هي فلسفة المستشرقين، وإن لكل عقيدة، ولكل حضارة لون متميز من ألوان الفلسفة. ومن هنا أقول إننا لو نظرنا إلى تراثنا في التعامل مع الفلسفة اليونانية من هذه الزاوية، لاستطعنا أن ننقي علومنا كلها التي طغى عليها المنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية وهذا يستوجب التعامل مع هذه الفلسفة على أساس أنها كانت سلاحًا محددًا في معركة محددة، ولا داعي بعد أن طويت صفحة هذه المعركة، أن تظل كل العلوم الإسلامية مشوبة بهذه الروح اليونانية.

الأمر الثاني الذي أود الإشارة إليه يتعلق بحديث فضيلة الشيخ الغزالي عن علوم الحديث، وكيف أن دراسة الحديث ودرايته قد ذبلت بتركيزها على قضية الرواية والسنة دون النظر في متن الحديث، ودون عرضه على ما هو يقيني وقطعي من القرآن الكريم. ورغم أن علماء السند والرواية المتقدمين أنفسهم قد نبهوا إلى هذا، فإننا لم نستفد من هذه التنبيهات! وقد أشار الإمام «أحمد» إلى إمكانية أن يكون السند سليمًا تمامًا والمتن مكذوب؛ لأن هناك كاذبًا أو إنسانًا منكرًا في روايته، يأتي بالكلام المكذوب، ويضيفه إلى رواة عدول.

والذي حدث أن الجهد العظيم الذي بُذل في السنة كان في حقل الرواية أكثر وأعظم منه في حقل الدراية. ومن هنا تأتي أهمية ما أشار إليه الشيخ الغزالي، في كتابه الأخير، من ضرورة نقد متون الأحاديث وعرضها على معايير ومقاصد الشريعة وروح الإسلام وعلى القرآن الكريم.

فكما أن القرآن يفسر بعضه، فإن عرض الأحاديث بعضها على البعض الآخر يفسرها وكما نلجأ إلى أسباب النزول فيما يتعلق بالقرآن، فإنه من المطلوب أن يُدرج الحديث على ضوء ملابسات رواية هذا الحديث. ففي كثير من الأحيان يبدو أن هناك تناقضًا بين حديثين أو أكثر، ورغم أنه ليس بينهما تناقض حقيقي؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد قال هذا الحديث لإنسان يناسبه، وقال الآخر لإنسان يناسبه هذا القول. ونعود فنؤكد إننا محتاجين إلى تنمية علم الدراية، كما نمى السابقون علم الرواية في دراسة الحديث.

الأمر الثالث يتعلق بما ذكره مولانا الشيخ الغزالي حول مناهج تفسير القرآن. في هذا الصدد أشير إلى ما أشار الإمام محمد عبده إليه في مقدمته للتفسير حول مناهج المفسرين، ونقده للتفاسير التي ركزت على اللغة أو على البلاغة… الخ، ثم قدم تفسيره للقرآن الكريم. ومن هنا أريد أن أقول –في الختام: إن هذه الإشارات الطيبة النافذة تحتاج منا إلى التأمل والمتابعة بالبحث والدراسة والحوار حولها، وشكرًا لكم.

د. محمد كمال إمام:

بسم الله الرحمن الرحيم، حقيقة وكما أشار الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية والأستاذ محمد عمارة فإن هذا الحديث هام وخطير في موضوع يتصف أيضًا بالأهمية والخطورة لما له من دور في تطوير حياتنا من الناحية المستقبلية.

وأبدأ من حيث انتهى أخي الدكتور محمد عمارة بضرورة أن تكون هناك متابعة جيدة ومتوازنة لهذا الموضوع نظرًا لأهميته ودقته. وهناك نقطة أعتبرها مهمة بالرغم أنها قد ذكرت على هامش الموضوع وهي أنني أطلب من المعهد الذي نظم هذا اللقاء بأن يضم إلى ما قاله أستاذنا «الشيخ الغزالي» الندوة التي عقدها منذ عشر سنوات اتحاد الجامعات العربية بجامعة أم درمان الإسلامية، وكان موضوعها «تطوير الدراسات الإسلامية» وذلك لأن من بين الأوراق التي قدمت كان منها الكثير الذي يتعلق بتطوير أصول الفقه وبتطوير علم التفسير وتطوير علم الحديث، كما شملت إلى جانب العلوم الشرعية، العلوم الإسلامية. فياحبذا لو كُتبت ورقة تتضمن تلخيصًا لِمَا دار في هذه الندوة واعْتُبرت بالإضافة إلى ما قاله شيخنا الجليل الشيخ «الغزالي» هذه الليلة ورقةُ عملٍ مشتركة لندوة قادمة ينظمها المعهد بالاشتراك مع الزهر أو بالاشتراك مع أي جهة أخرى.

الأمر الثاني: فيما يتعلق بمنهجية تدريس العلوم الشرعية كما طرحها أستاذنا الشيخ «الغزالي» فقد كنت أتمنى حقيقة أن يبين المدى بين العلوم الإسلامية وبين العلوم الشرعية، وهل نستطيع أن ندخل اللغة العربية وعلوم اللغة في العلوم الشرعية بالمعنى الاصطلاحي الدقيق أم إننا نعتبرها علومًا إسلامية كما نعتبر التاريخ الإسلامي علمًا إسلاميًا كما نعتبر غيره من العلوم فحبذا لو حددنا تحديدًا اصطلاحيًا دقيقًا ماذا نعني بالعلوم الشرعية وهل تقتصر على العلوم الشرعية التي تتعلق بالنظام القانوني للشريعة الإسلامية مثل الفقه والحديث وما إلى ذلك، أم تتسع لتشمل علم العقيدة وعلم اللغة وما إلى ذلك وأنا أطرح هذا الأمر للمناقشة وأتمنى أن نصل فيه إلى رأي. والأمر الرابع: أن قضية تدريس العلوم الشرعية تحتاج إلى مدى زمني طويل، وإلى مؤسسات وجهات، ويحتاج هذا الإقناع أيضًا إلى وقت، واقترح هنا –ومعنا الآن أحد عمداء جامعة الأزهر الشريف- دراسة إلى أي مدى يمكن إلغاء الكتاب الجامعي في جامعة الأزهر؛ لأن المشكلة في جامعة الأزهر الآن هي مشكلة الكتب الجامعية العجفاء المقررة على الطلاب في كل السنوات وفي كل الكليات واعتقد أنها من بين أهم الأسباب التي تؤدي إلى تخريج طالب الأزهر وهو لا يعرف كيف يعود إلى الأصول سواء الأصول التي تحتاج إلى تنقيح أو التي لا تحتاج إلى تنقيح، ولا يعرف أيضًا الموضوعات التي يشملها المنهج الدراسي. وذلك لأن الأستاذ يقوم بكتابة مذكرة عجلي في مائة صفحة أو أكثر، بعضها منقول، وبعضها مؤلف، وبعضها مكرر. ومن هنا فإن هذه القضية قد أصبحت تحتاج بالفعل إلى مراجعة كأن يشترك كبار أساتذة الأزهر في تأليف مقرر دراسي يتم تطبيقه على جميع المراحل التعليمية في جميع الكليات؛ لن ترك كل أستاذ يؤلف –منفردًا- مقررًا دراسيًا لطلابه أصبحت مسألة بالغة الخطورة على ضوء الإنتاج المطروح الذي أصبح لا يضيف إلى مكتبتنا الفقهية شيئًا جديدًا وهامًا نقدره ونحترمه، بل إنه يساهم في ازدياد أزمة العقل الفقهي الإسلامي المعاصر. وهذا –كما قلت- أمر يحتاج إلى مراجعة سريعة!

الأمر الخامس: أشار الشيخ «الغزالي» إلى نقطة بالغة الأهمية عندما تناول تطوير منهج العلوم الشرعية ليس فقط المرحلة الجامعية، ولكن في جميع مراحل التعليم الأزهري من بدايته إلى نهايته. وأقول إنه لابد لمنهج تطوير من أن يربط بين ما يُدرس في المرحلة الأولية، وما يُدرس في المرحلة الثانوية الأزهرية، وما يُدرس في المرحلة الجامعية، وذلك حتى يمكن تفادي التكرار، وحتى يمكن أن يكون هناك نمو عضوي في المناهج، تتحدد فيه جرعة كل مرحلة حتى يتم البناء عليها في المرحلة التالية وحتى مرحلة الدراسات العليا.

وأعود فأؤكد أن هذه الندوة يجب ألا تكون نهاية المطاف، وأكرر رجائي بأن ينظم المعهد بالاشتراك مع الأزهر أو مع إحدى كليات الأزهر، أو مع إحدى المؤسسات الإسلامية، ندوة أخرى تقوم بطرح هذا الموضوع من خلال ورقة عمل أو مجموعة أوراق، وتنتهي إلى توصيات محددة تتجه إلى الجهات المعنية لتنفيذها. وشكرًا.

المستشار طارق البشري:

بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً: أتوجه بالشكر للشيخ الغزالي على محاضرته القيمة والشيخ «الغزالي» في الحقيقة من علامات عصرنا الحاضر بالنسبة للفقه والفكر الإسلامي وأرجو ألا يمنعني الحياء أن أقول إننا كما نحتاج إلى الصيدلي في عصرنا هذا، نحتاج إلى الميزان الذي نزن به قدر التجديد مع قدر الأصالة، وقدر السلفية مع قدر التطور في تفكيرنا. فكما نريد التجديد، نريد الأصالة، ولكن المقادير المختلفة الموزونة بشكل دقيق والتي تناسب العصر الذي نعيش فيه فإننا نجد هذا المزيج في أحسن صورة لدى مولانا الشيخ «الغزالي» أطال الله لنا في عمره، ونفعنا بحياته إن شاء الله.

هناك نقطتان يشكلان هامشين صغيرين جدًا بالنسبة للمحاضرة. الهامش الأول: إنني من خلال رؤيتي أجد بالنسبة لتدريس الفقه الإسلامي، أن الشريعة الإسلامية تُدرس في الأزهر بنفس الطريقة التي تُدرس بها في كليات الحقوق بالجامعات الأخرى. وتركز في الأساس على الفقه القريب مثل الزواج والمواريث والفقه والمعاملات، دون إشارة إلى الجهود المعاصرة، كاجتهادات المحاكم الشرعية المتراكمة لمدة طويلة من الزمن، وهي موجودة ومجموعة ومنشورة في مجلة المحاماة التي ظلت لعشرات السنين تنشر هذه الأحكام. ومع ذلك لا نجد في تدريس الفقه الإسلامي أية إشارة إلى هذه الاجتهادات التي وضعها أساتذة وقضاة أفاضل في المحاكم الشرعية، ونفس الأمر بالنسبة لأحكام واجتهادات محكمة النقض ومجلس الدولة التي لا نجد لها أي صدى على الإطلاق في كتب الفقه الشرعي الحديث التي وقفت في هذا الموضوع عند اجتهادات الفقهاء القدامى، وآخر ما وصلت إليه هو قدري باشا([xxxii]) قاضي المحكمة العدلية.

وعندما نقارن ذلك بكتب الفقه في القانون الوضعي، نجد أن أساتذة القانون في كلية الحقوق يتسابقون في الحصول على أحكام النقض، والإدارية العليا، والمحكمة الدستورية، حتى يقوموا بتطوير الفكر القانوني إلى الأحسن! ولا يقتصر تسابقهم هذا إلى الأحكام المنشورة، ولكن يتعدى ذلك إلى الحكام والدراسات غير المنشورة مثل البحوث ورسائل الدكتوراه. ومع ذلك تتجاهل كتب الفقه الإسلامي الحديث التي تُدرس في جامعاتنا كل ذلك، حتى إننا لا نجد فيها الفتاوى التي أصدرتها دار الإفتاء ونشرتها في (14) جزءًا. كما لا نجد أي أثر منها لرسائل الدكتوراه التي تعد ثروة علمية كبيرة جدًا بالنسبة لدراسة الفقه الإسلامي والدراسات المقارنة بينه وبين الفقه الوضعي لما بها من اجتهادات كثيرة.

أما الهامش الثاني: فهو خاص بأسلوب الفقه، فمن خلال تجربتي وممارستي في تفسير القوانين الوضعية وجدت أن الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي قد انحصر في قضايا الأحوال الشخصية في الأساس. وأن استفادة القانون المدني منهما لم يتعد بعض القضايا القليلة مثل مرض الموت والشفعة. وبقى الجسر الأساس الذي يربط بين القضاء وبين العقل القانوني الوضعي في الشريعة الإسلامية، وهو علم أصول الفقه كما هو إلى الحد الذي أصبحنا فيه لا نعرف كيف نفهم النص فهمًا مقنعًا نطمئن إليه دون أن نطبق مناهج أصول الفقه في كثير من القوانين الوضعية. وقد أدى هذا إلى كثرة مدارس التفسير المصرية وكثرة أحكام النقض والإدارية العليا والدستورية وكثرة الفتاوى أيضًا! وأدى في النهاية إلى اتجاه مدرسة التفسير المصرية إلى تفسير القانون وَفقًا للإرادة الظاهرة للقانون، وليس وفقًا للإرادة الباطنية للقانون. فقد كانت القوانين الوضعية والتي أخذناها من فرنسا– تُفسر في فرنسا نفسها بمنطق الإرادة الباطنة وهي الإرادة التحضيرية للقانون، ومن هنا كانت المدارس المصرية –خصوصًا عند ظهور محكمة النقض لأول مرة- تميل إلى دراسة القانون الوضعي بالإرادة الذاتية؛ وذلك لأنها كانت تعمل بمناهج أصول الفقه في التفسير. وقد أشار السنهوري([xxxiii]) في آخر كتبه إلى بعض النقاط الهامة في أصول الفقه مثل التزام الموجب بإيجابه خلال فترة الإيجاب، وحق القادر في قبوله خلال مدة معينة، وهل هو حق أم رخصة وكل هذه الأمور لم ترد في المناهج أو المفاهيم الغربية في تفسير القانون، ولكن السنهوري ومحكمة النقض أشارا إليها وحلا بها كثيرًا من المشاكل الوضعية المعاصرة. فالشريعة الإسلامية ليست هي فقط الأحكام التي تتعلق بالأحوال الشخصية التي تطبق في أصول الفقه، ولكنها أيضًا كل ما يتعلق بالمعاملات والقانون الإداري والقانون الدستوري وكل مجالات القانون الأخرى. وأرجو أن يكون هناك مجال لدراسة هذا الأمر وإيضاح تأثير أصول الفقه أيضًا على القانون الوضعي.

بقيت نقطة صغيرة في حديث الشيخ الجليل محمد الغزالي وهي تتعلق بالسند، وأقول إننا نؤكد على السند عندما نناقش شخصًا ينكر السنَّة، ونؤكد على المتن عندما نناقش شخصًا يهتم بالسند اهتمامًا مطلقًا. وذلك لأن هناك إناسًا كتبوا عن أشياء كثيرة فلابد من التأكيد على السند والمتن، وهذه هي ملاحظاتي، وشكرًا لكم.

الشيخ: علي جمعة:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نحن سعداء في هذه الأمسية بأستاذنا فضيلة الشيخ «الغزالي». في الحقيقة: إن مسألة ازدواجية التعليم مسألة قديمة نشأت في عصر محمد علي ومع دخول مصر في العصر الحديث ولم يحظ التعليم الأزهري وتطوره بكثير من الدراسات الأكاديمية الجادة. وقد كتب «عزت عبد الكريم» كتابًا عن التعليم في مصر في عهد محمد علي وفي عصر سعيد وفي عصر إسماعيل وأثار مسألة ازدواجية التعليم، وهل كانت مفيدة أم غير مفيدة، وهل ازدواجية التعليم مشكلة يجب القضاء عليها أم ازدواجية التعليم لابد منها لدخول المسلمين في العصر الحديث، وما الذي يترتب على أن يكون هناك ازدواجية في التعليم؟ هل يصبح المتخصص في الشريعة لا يعلم من العلوم الطبيعية إلا بقدر ما يستطيع به أن يبلغ الدعوة، وأن يصبح لدينا الطبيب المتخصص والمهندس المتخصص وهذا هو طبيعة العصر وطبيعة التراكم المعرفي وطبيعة الثورة في المعلومات إذ لابد من وجود تخصص دقيق في كل شيء لأن الوقت والبرنامج اليومي الذي يعيشه الإنسان المعاصر لا يسمح له مع سرعة المواصلات الرهيبة أن يجلس يقرأ بالساعات كما كان يفعل من الفجر إلى العشاء في المسجد يقرأ ويدرس فكمية الوقت المتاح للعلم أصبحت قليلة، ومن هنا فإن ازدواجية التعليم وسلبياتها أو إيجابياتها تحتاج إلى بحث. وأضم صوتي إلى صوت الدكتور «كمال إمام» في وجوب عقد ندوة أو مجموعة ندوات ومؤتمرات حول مسالة التعليم بصفة عامة والتعليم في الأزهر بصفة خاصة حتى نصل إلى دراسة دقيقة لمثل هذه المشكلات. وقد سبق أن واجه الشيخ محمد عبده مشكلة القضاء الشرعي وانهياره، وكتب تقريرًا مبكيًا عن حالة القضاة الشرعيين الذين لا يعرفون شيئًا، ويتسمون بالأمية ومن هنا فإن المشكلة ليست جديدة، بل هي موجودة، وعاصرها محمد عبده ورآها. وقد ذكر شكيب أرسلان([xxxiv]) أنه طلب من الشيخ محمد عبده أن يجلس مع كبار علماء الأزهر فذهب إلى أحدهم وقال لهم: أنا من بيروت، فلم يعرفها فقال له: هي في لبنان فأجابه وما هي لبنان كما وجد أنه لا يعرف كتابة الأعداد بالأرقام، فشكى شكيب أرسلان إلى محمد عبده وقال له…. ليست هذه النوعية ما أريد فقال محمد عبده: هذا من كبار العلماء.

وقد حاول السابقون أن يحلوا مشكلة التعليم في الأزهر وأصدروا ثلاثة قوانين في أعوام 1906، 1908، 1911 ثم قانون آخر في 1929، كما حاول الشيخ الظواهري([xxxv]) في كتابه عن العلم والعلماء وقال: إن الطريقة الأزهرية تربي ملكة اللفظ ولا تربى ملكة الفقه.

أما مشكلة القضاء الشرعي وارتباطها بتطوير التعليم فإن الشكوى منها قديمة، وقد بذلت فيها جهود متراكمة ولكنها باءت بالفشل. وقد دعى الشيخ عبد المتعال الصعيدي –كما ندعو اليوم- إلى تطوير المناهج والأساليب والتدريس، على اعتبار أن العملية التعليمية تتكون من المدرس والطالب والكتب والمنهج وأنه لابد من دراسة كل عنصر من هذه العناصر على حدة. وعندا طبق في الستينات كلام الشيخ الصعيد الذي وضعه في الأربعينات-: لم ينتج شيئًا، فقد فشل التطبيق، وتحول ما قاله غيره عند التطبيق إلى شيء آخر تمامًا؛ وذلك لعدم وجود المدرس القادر على التطبيق من أمثال شيخنا محمد الغزالي، حيث أن العلماء المجتهدين في الأزهر وفي العالم الإسلامي كله قلة ضئيلة؛ لأن المناهج وتطويرها تحتاج إلى مجتهد يطبقها، كما تحتاج إلى تحديد دقيق لما نريده من العملية التعليمية فهل نريد أن نُخرّج من الأزهر داعية أم نريد أن نخرّج من الأزهر مجتهدًا، أم نريد أن نخرّج من الأزهر مدرسًا للعلوم الشرعية…الخ.

نأتي إلى نقطة أخرى.. وهي هل الحديث الذي دار بيننا حول تطوير التعليم الأزهري ينصب على المرحلة الجامعية أم يشمل المراحل الابتدائية والثانوية وحتى الدراسات العليا؟! وأعتقد أن هذا سؤال مهم يجب الإجابة عنه. ويمكن الإجابة عليه من خلال قيام أحد طلاب الدكتوراه بإعداد رسالة عن ذلك تحت إشراف الشيخ الغزالي، يتناول فيها جذور المشكلة ويتفرغ لبحث القضية، وتوضع أمامه المشكلات الدقيقة وتاريخها ووثائقها حتى يخرج لنا عملاً يساعدنا على الخروج مما نحن فيه الآن من تدهور شديد في التعليم! فمشكلة التعليم موجودة ليس فقط في الأزهر. وقد ذكر د حسين مؤنس أنه سأل أحد طلاب الدراسات العليا في التاريخ لكلية الاداب عن الذي قام بثورة 1919، فقال له: جمال عبد الناصر، وسأله عن الذي قام بثورة يوليو، فقال: أحمد عرابي. كما أن مشكلة التعليم موجودة في أمريكا، ولكننا هنا نريد إحياء دور الأزهر ونصرة دين الله سبحانه وتعالى.

إن الدراسات العليا في الأزهر يُدرس فيها الآن التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي([xxxvi])، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني، وذلك لمدة سنتين في الدبلوم، والواقع أن الطالب يظل طوال أربع سنوات في المرحلة الجامعية الأولى غير فاهم لأصول الفقه ولو اجتهد وحضر ودرس لفهم أصول الفقه في الدراسات العليا. فعندما يقرأ التمهيد للأسنوي والأشباه والنظائر للسيوطي، والضياء اللامع في شرح جمع الجوامع، على يد شيخ فاهم وواع، لفهم الطالب –وهذا ما نطلبه- كيف يأتي بالقاعدة أو الحكم الأصولي ويبني عليه الفروع. وللتذكرة فإن كتاب الضياء اللامع ليس موجودًا منه سوى نسخة واحدة في دار الكتب المصرية، ونسختين في الأزهر، وممنوع تصويرهما، وهو مطبوع في فاس بالمغرب عام 1310.

إننا أمام مشكلة حقيقية نحتاج فيها إلى البناء قبل الهدم؛ لأننا قد نهدم ولا نستطيع أن نبني البديل بسبب الضآلة الشديدة في الإمكانات، ومن هنا فإن المسألة تحتاج إلى هدوء في تشخيص المشكلة، وفي وضع حل لها قبل الهدم. وعلى سبيل المثال.. هل أصبح كتاب مختصر ابن الحاجب كتابًا ميتًا، أم إنه كما قال د. عمارة- سلاح قد أدى دوره في عصره وانتهى. وكذلك هل البحث اللفظي ليس مفيدًا رغم أهمية الملكة اللفظية في قراءة المتون والمصادر حتى يصبح الإنسان متخصصًا، وحتى يفهم ما قاله الأقدمون والواقع إننا يجب أن نتعلم اللغة حتى نفهم التراث، ونعيش عصرنا ونطور أنفسنا لمستقبل تكون فيه السيادة للإسلام.

إنني أقصد من ذلك أن يتم البناء بدون هدم لملكة اللفظ فالعالم قد ينفق سنوات طويلة في تحصيل العلم، ويظل يتعلم كل يوم. ومن هنا فإن هذه القضية نريد لها مؤتمرات ونريد لها طلابًا يدرسون دراسة أكاديمية تحت إشراف فضيلة مولانا الشيخ الغالي، وأرجو أن تكون هذه التوصية من بين توصيات هذا السيمنار خاصة وأن معنا سعادة عميد أصول الدين، ونتوسل إلى الشيخ الغزالي أن يفرغ من وقته لهذا الأمر الذي يحتاجه!

الشيخ الغزالي:

الواقع أنني مازلت أرى أنه لابد من إعادة النظر في كتب الفقه مثل نور الإيضاح وهو في العبادات فقط، وما يماثله من كتب الفقه المالكي والشافعي. وأريد أن أشير إلى أنني أدرس الفقه بصرف النظر عن الزهر، وعن الزيتونة وعن المدارس الإسلامية الأخرى. فنحن نتحدث عن الثقافة الإسلامية وليس عن التعليم الأزهري فقط ومن هنا نتحدث عن ضرورة إعادة النظر في علم مصطلح الحديث. ولما كان الأزهر هو الذي يُدرس هذه العلوم، فإنه يرجع إليه تطوير ووضع المنهج المناسب الذي يقوم الأستاذ بتدريسه. وعن أهمية الأستاذ أقول: إنني سمعت أن مالك يقول: «إذا كان المعلم في الأكابر رجع الناس إليه، وإذا كان في الأصاغر انصرف الناس عنه»، وأنا أشعر بالأسف عندما أقول إن العلوم الدينية هي علوم الضعفاء من المسلمين، فلا يدخل الأزهر أبناء الباشوات أو اللوردات، وإنما يدخله أبناء العمال والفلاحين وصغار التجار. واعتقد أن سبب التدهور الذي سقطت فيه الأمة الإسلامية منذ عدة قرون يعود إلى شقين:

الشق الأول: يتعلق بالفقه وأصول الفقه والتفسير والحديث ودراسة الأدب واللغة، والذي لم يستطع عرض الإسلام عرضًا صحيحًا.

الشق الثاني: يتعلق بعدم تخريج علماء أزهرين! رغم أن تخصصات العلوم الأزهرية يجب أن تخرج لنا الداعية والقضاة والقانونيين واللغويين. ولكن كيف تؤدي هذه التخصصات ذلك؟!

لقد دخلت الأزهر على قانون عام 1929، وكنا ندرس فيه الجبر محدد المعادلات التكعيبية، والحساب ونظريات الهندسة، وقديمًا كان لدينا نظام شهادة الكفاءة وشهادة البكالوريا. وكان للكفاءة شق علمي وشق أدبي في المدارس وكنا ندرس علوم الأحياء والنبات والحيوان والكيمياء والطبيعة وكان لأحمد حسنين باشا خمس كتب عن الصوت والضوء والكهربية والمغناطيسية والحرارة. وكان من اللازم أن ندرس كل ذلك حتى نتخرج علماء.

وأنا أرى أننا يمكننا أن نمزج التعليم الديني والتعليم المدني في تعليم عام من الابتدائية وحتى الثانوية، ولكن هذا الأمر يتطلب تغييرًا في السياسة التعليمية؛ فمن غير المعقول ألّا يكون الدين مادة نجاح ورسوب في المدارس، فالأقباط لا يتعدون نسبة 5% من سكان مصر، ولا يمكن أن تكون هذه النسبة السبب في ترك المسلمين لدينهم. ومن هنا لابد من توحيد التعليم ليشمل الجميع من الابتدائي حتى الثانوي حتى يتعلم الجميع الطهارة والصلاة، أما تخصيص نوع من التعليم الديني ليعلم التلاميذ الوضوء والصلاة، فإن هذا لا يحتاج إلى عبقرية، ولا يحتاج إلى هذا كله. إننا نحتاج في إطار إعادة النظر إلى تنقية علوم الدين من الغش ومن الدخل ومن أثر العقول الغوغائية في صياغتها خصوصًا وإن عدد كبير من المشتغلين بالدين من أنصاف المتعلمين أو الأميين ومن لا عقل لهم! فالأزهر نفسه يحتاج إلى إنقاذ.

إن مشكلتنا هي أننا نريد الديمقراطية في كل شيء إلا في الإسلام، وعلى سبيل المثال بينما تذكر الإذاعات الأجنبية أن الهنود «الهندوس» يريدون هدم مسجد حكم القضاء ببقاء المسجد، لم نجد مذيعًا عربيًا يذيع علينا ذلك. فالعرب قد خانوا الإسلام ما بين قوميين، وبعثيين، ووطنيين وهم كلهم مرتزقة. إن الأمر يتطلب أن نبدأ جميعًا في نقد أنفسنا، حتى نستطيع أن ننقي الثقافة الإسلامية، وإعطاء النماذج وتحديد الأهداف ثم نبدأ العمل. إن المسلمين لم ينصروا في بدر بنشاطهم وإنما هم دخلوا المعركة رغم أنفهم ليكون النصر من عند الله. وعندما يجد الله أن المسلمين أهل للقيادة العقلية فإنه سوف يعطيهم القيادة العقلية ويمكنهم في الأرض. ولكنني أخشى من قيادة المسلمين للعالم؛ لأنهم بهذه الحالة سوف يقودون العالم إلى الوراء ولن يستطيعوا أن يقدموا له أخلاقًا أو تربية أو علم… الخ. ومن هنا فإن علينا أن تبدأ من الآن في تقديم إسلام نظيف، بدلاً من الإسلام الذي علق به الكثير من الشوائب، ليبقى الوحي والسنة وكلام الأئمة الأعلام والعباقرة العظام الذين انتهوا من عشرة قرون! ولكن أن أفرض على الإنسانية ما يدرس في الأزهر الذي لا يستطيع أن يقوم بدوره، فهذا ما لا يصح! إننا نريد أن نعلم الناس خشية الله حتى يكونوا على صلة به.

وفي محاولات التنقية لابد أن نأخذ الحذر حتى لا نتهم اتهامات باطلة ويأخذ البعض كلامنا على أنه ضد الإسلام نفسه، أنا متهم وحتى الآن بأنني ضد السنة ومن هنا لابد من اتخاذ الحذر في عمليات البناء والهدم.

إنني أريد أن أفرق بين الثقافة الإسلامية والتراث الإسلامي؛ لأننا إذا سرنا كما سار من سبقونا منذ 4 قرون لوصلنا إلى الهاوية، فنفس العلوم كانت موجودة بينما كان البرتغاليون يكتشفون رأس الرجاء الصالح ونحن مشغولون بالتصوف واكتشفوا أمريكا ونحن نتجادل مثل البيزنطيين عندما دخل محمد الفاتح وقضى عليهم.

إذن كيف نصلح أحوالنا؟ إن الدواء ليس في معاهد الثقافة الإسلامية التي تشبه شركات الأدوية الفاسدة، ومن هنا فإن علينا أن نبدأ بأنفسنا حتى نزيل الغبار الذي علق بالإسلام وننظف المعدن النفيس. وأملنا كبير في المعهد العالمي للفكر الإسلامي في القيام بهذا الدور!

د. حسن رجب:

مرة أخرى أشكر المعهد والدكتور «جمال عطية» أن أتاح لنا فرصة التزود من بحر عطاء أستاذنا «الشيخ الغزالي». لقد سعدت كثيرًا بما سمعت وليس لي سوى تعليق صغير في قضية التجديد والتنقية ففي رأي أنها قضية ملحة جدًا ليس فقط بسبب وجود أوراق تعوق الفهم وتُعطل تخريج الداعية الحقيقي الفاهم والعالم، وتُعطل مواكبة العلم الإسلامي للحياة المعاصرة بكل تحدياتها، ولكن أيضًا بسبب ما يحدث من تسرب كثير من هذه الأوراق إلى الكتب المعاصرة. والواقع أن هذا ليس ذنب الأزهر وحده، بقدر ما يتعلق هذا بالعلم القائم الذي تسربت إليه كثير من الأوراق وأدت إلى تخريب المفاهيم الإسلامية، وتخريب مفهوم الناس عن الإسلام. وإلّا فكيف يأتي أستاذ وعميد كلية من الكليات ويقول، في إحدى كتبه التي تدعو إلى المفاهيم الإسلامية، في كراهية معاشرة المرأة لأكثر من رجل إن ذلك ينتج عنه أن تكون النطفة من رجل ودماء الجنين من رجال آخرين. فمن أين أتي بهذا الكلام. وهذا يؤكد أن المسألة خرجت إلى حد العبث والجهل الشديد!

وعندما أقرأ في كثير من كتب الإعلام الإسلامي الجديدة والتي تصدر الآن عن بعض الدعاة أو غيرهم، أن الحرب وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية، فإن هذا يشير إلى شيء مروع وخطير؛ إذ أننا بذلك نؤيد أقوال أعداء الإسلام الذين يستشهدون بذلك في حربهم علينا.

وأعود فأؤكد أن عملية التنقية ليست فقط لصالح العملية التعليمية، وليست فقط بهدف التنقية العامة، وإنما أيضًا لدرء مخاطر كثيرة تتسرب الآن إلى عامة الفكر الإسلامي وتضر الإسلام بشكل مباشر، وشكرًا.

د. أبو اليزيد العجمي:

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، في البداية أضيف إلى ما أبداه الأخوة من عظيم الثناء لما أفاض علينا شيخنا وشيخ العصر الشيخ «محمد الغزالي» فأقول: إني كلما سئلت في مناسبة ما عن كتابه الذي أثار الضجة الأخيرة كنت أقول أننا إذا نظرنا إلى الشيخ الغزالي على أنه يردد نصوصًا أو يحرر مسائل فقط، فنحن نغمط الرجل حقه. ولكننا إذا نظرنا إلى الرجل باعتباره يصرخ صرخة عالية مدوية لإيقاظ الغافلين وتحريك الكسالى من عقلاء المسلمين فضلاً عن غيرهم، فإننا بذلك نضع الرجل في مكانه. والشيخ «الغزالي» بما أسداه إلينا الليلة إنما يضرب على وتر حساس لأمر خطير. والواقع أنني أتعاطف مع التيار الواقعي في معالجة قضية التطوير، باعتبار أن التطوير في بلادنا يمر بمراحل طويلة ومن خلال لجان وهيئات ومؤسسات، ومن هنا اقترح أو أرى أن يقتصر التطوير في البداية على المرحلة الجامعية إذ أن تغيير وَحدات المناهج في الجامعات أيسر كثيرًا من تغيير وَحدات السلم التعليمي من أوله إلى آخره. أما بالنسبة للعلوم التي ذكرها فضيلة الشيخ فإنني أرى ضرورة إدخالها في نسيج الحياة؛ فقد آن الأوان أن ينتقل الطالب الذي درس الفقه بهذا الفقه إلى المرحلة المعاصرة، عن طريق تقديم دراسات فقهية في قضايا معاصرة للطالب، حتى يستطيع أن يدخل بالحلال والحرم والأحكام الشرعية إلى منطقة الحياة حيث يعيش الناس. كما أنه قد آن الأوان لإعطاء علم أصول الفقه، وهو من العلوم التي تمثل منهاج المسلمين في قضية العلم، حقه في هذا المجال، وذلك بالتركيز عليه، حتى يتضح أمام المسلمين أن لهم منهجًا في الاستدلال والاستنباط والاجتهاد والأمر والنهي والعلة، وذلك دون الدخول في جدليات التفسير والحديث، كما يجب أن يتم ربط هذا العلم بالحياة. فيتم –كما ذكر الشيخ الغزالي- ربط النص القرآني بالحياة، وليس فقط بالممارسات اللغوية رغم ما لها من قيمة في بيان النص. وعلى سبيل المثال فإن القصص القرآني لا يزال يُدرس في كتب التفسير وفي غيرها على أنه نوع من السردّ التاريخي الذي هو جزء من معجزة القرآن، ولكن لم نلتفت إلى أن هذا القصص يقدم مادة تربوية يمكن أن تنقل الناس من حال المرض إلى حال آخر، وهذا هو الهدف من التغيير الذي أحدثه الإسلام، وهو تغيير ينطلق من الفهم الصحيح للقرآن والسنة، إنني أركز في عملية التطوير على الجامعة؛ لأنه يتخرج منها عدد هائل من الذين يتولون أمر التدريس في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية. وإذا استطعنا أن نصيغهم صياغة جديدة، فإننا نكون قد مهدنا الأرض لإحداث التطوير والتغيير في المراحل التعليمية التي تسبق الجامعة.

بقيت لي عدة نقاط سريعة أريد أن أتحدث فيها، وأولها ما ذكره الشيخ «الغزالي» عن غزو الفلسفة اليونانية لعلم الكلام، ولكن ليس هناك علاقة بين هذا الغزو ومسألة الفرق الإسلامية؛ إذ أن هذه الفرق قد ظهرت قبل نهاية القرن الأول الهجري أثر مسألة التحكيم، فظهرت الفرق الفاعلة وهي الشيعة والخوارج وإلى جانبهما ظهرت المعتزلة الذين بدأوا في مرحلة تالية في استخدام أسلحة فكرهم للرد على الفرق الأخرى. وأنا أتفق مع الشيخ الغزالي ومع د. عمارة في ضرورة تقدير المسائل بقدرها الحقيقي.

والنقطة الثانية: هي أن الشيخ الغزالي تحدث عن قضية المجاز في اللغة، وقال: إن اللغة يمكن أن تكون مجازية، وأنا حسب فهمي لا أرى ضرورة أن تكون اللغة مجازية بمعنى أنها يمكن أن تكون لغة حقيقية، على أساس أن المشترك اللفظي موجود، وعلى سبيل المثال فإن كلمة رؤوف رحيم بالنسبة لله سبحانه وتعالى، غير كلمة رؤوف رحيم بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم. أعود فأؤكد إنني لست مع الذين يقولون إن القرآن ليس به مجاز، ولكنني أريد ألّا نفتح هذا الباب.

النقطة الأخيرة: أنني أنظر إلى اقتراح تسجيل رسائل يشرف عليها الشيخ الغزالي وتناقش هذه القضايا وتدرسها دراسة أكاديمية، فرغم أن هذا شيء طيب للغاية، إلا أننا يجب أن نتذكر أن هناك آلاف الرسائل في آلاف الموضوعات مكدسة على رفوف مكتباتنا ومن هنا فإنني أرى الندوات والمؤتمرات وحلقات البحث أكثر حيوية لمناقشة هذه القضايا ومن الدراسات الأكاديمية. وحين نحتاج إلى مزيد من العمق في إحدى النواحي الأكاديمية يمكننا أن نكلف بها فضيلة الشيخ الغزالي. وشكرًا.

الدكتورة: فوقية حسين:

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، وعليه نتوكل.. وبعد:

لقد سعدت كثيرًا بما استمعت إليه من فضيلة الشيخ «محمد الغزالي» حول تطوير مختلف العلوم الشرعية. وقد فهمت من حديثه أن التطوير يتجه إلى دمج الحاضر مع الأصول التي يتم تدريسها، وأن هذا التطوير لا يهدف إلى إلغاء كل ما هو قائم مرة واحدة، وإنما يتدرج في عمليات الاستبعاد والإحلال والتجديد. وهذا أمر طيب.

ولكن –كما أوضح سيادته، لا يجب أن نقصر الحديث على الأزهر الشريف فهو مؤسسة إسلامية لها قدرها في أعيننا نحن الذين خارجه. بل يجب أن يمتد الحديث إلى الثقافة الإسلامية بصفة عامة ليشمل أعضاء هيئات التدريس بالجامعة الأزهرية وبكلية دار العلوم ليكون لهم جميعًا اليد العليا في إحداث التطوير المنشود.

وأتفق مع أحد الزملاء بضرورة البدء في التطوير بالجامعة، على أساس أنها هي التي تخرج المدرسين على اختلاف تخصصاتهم. وهذا يبرز ضرورة الاهتمام بهذا المدرس وهو ما يزال طالبًا بالجامعة.

ومن هنا نعود فنطالب بضرورة إخال مقرر للثقافة الإسلامية في جميع الكليات الجامعية، على أن يستأنس هذا المقرر بكل ما هو قائم بالفعل من مناهج مختلفة ويعرض مختلف الآراء السائدة، ويشرح جميع المذاهب المتعلقة بالعقيدة، وحتى المذاهب الفلسفية المتطرفة، وذلك من خلال بيان أسس الفكر الإسلامي، والواقع أن وضع كتاب لهذا المقرر يحتاج إلى لجنة من العلماء الأفاضل، ويجب أن يراعي الخلفية الذهنية للطالب الجامعي خارج الأزهر ويأخذها في الحسبان، حتى لا يأتي الكتاب المقترح بعيدًا تمامًا عن التكوين الذهني والنفسي للشاب. ومن الممكن إدخال هذا المقرر أولاً في الكليات الإنسانية مثل الآداب والتجارة والحقوق، ثم بعد ذلك الكليات الآخر.

وأشار المستشار «البشري» إلى ضرورة الاستفادة من أحكام المحاكم الشرعية، واعتقد أن هذا الأمر يخص في الأساس كلية الحقوق. إذا تحدثنا في المدخل إلى الفكر الإسلامي عن الفقه مثلاً فإنه لابد أن يتم تطويره بالاستئناس برأي السادة الذين يقررون الأحكام ويصدرونها.

أعود إلى مسألة المقرر المقترح للثقافة الإسلامية لأضيف أنه بعد التعريف بأسس الفكر ومعالمه يبدأ الكتاب في الحديث عن العلوم الإسلامية، ثم المناهج الإسلامية كما أشار د. عمارة، د. كمال إمام؛ وذلك حتى يمكن تدريسه للطلبة الجامعيين في كليات العلوم الإنسانية حسب تخصصاتهم المختلفة من تجارة واقتصاد وآداب… الخ.

الواقع أنني أتفق تمامًا مع الشيخ الغزالي حول الحاجة إلى التغيير في الطرق القديمة ولكنني أرى أن هذا الأمر لا يعني هدم القديم كله؛ لأن منه ما يعد تراثًا مرتبطًا بأساليب المسلمين في فهم وتقدير وتقييم الفكر الوافد عليهم.

وبالنسبة للتعليم غير الأزهري فقد علمت أن هناك قسمًا للتعليم الأساسي بكلية البنات بجامعة عين شمس، ويخرج هذا القسم مدرسات التعليم الابتدائي، والواقع أننا يمكننا الاستفادة من هذا القسم، عن طريق إضافة ما تحتاج إليه الطالبات من تكوين إسلامي.

تفضل الشيخ الغزالي فأشار إلى الخطأ في عدم إدخال مادة الدين في مجموع درجات الطلاب وأضيف إلى ذلك أن مادة أخرى مثل الرسم يتم إدخال درجاتها في المجموع حتى يزيد الإقبال على دراستها.

أما بالنسبة لكتب التربية الدينية فقد أصبحت جيدة إلى حد ما في المرحلة الابتدائية رغم أنه مازالت لنا ملاحظات على كتب التربية الدينية في المرحلة الإعدادية، أما في المرحلة الثانوية فإننا نلاحظ أن كتاب الفلسفة الجديد قد أتى أسوأ بكثير من الكتاب القديم، وهو في شكله القديم والجديد لا يليق تدريسه حيث لا يستطيع تكوين شاب وهذا أمر مؤسف للغاية، حيث يصطدم فيه الطالب المسلم بأرسطو، كما يصطدم فيه بسقوط الكثير من المفاهيم الطيبة التي كونها عن رجال الفكر الإسلامي. وأعود فأكرر أنه لابد أن تصبح مادة الدين في المدارس مادة رسوب ونجاح، وتضاف درجاتها إلى المجموع، وشكرًا.

الأستاذ: نصر عارف:

بسم الله الرحمن الرحيم.. أعتقد أنني أصغر من أن أتكلم في هذا المجال ولكن مجرد هموم الطالب الذي هو موضوع التغيير أو الذي يؤمل في أن يغير عقولهم وأفكارهم حتى يحملوا في المستقبل إن شاء الله إن تيسر لهم الأمر هذه الشعلة.

وفي البداية وتعليقًا على كلام الأستاذ الشيخ «علي جمعة» حول الفصل بين التعليم الديني والتعليم غير الديني أو المدني، فإنني أقول: إن هذا الأمر قد تغلغل في كل المستويات إلى أن وصل إلى مادة الدين.  وأعتقد أن في وجود هذه المادة تكريس للعلمانية في الواقع المعاصر؛ فالطالب عندما يدرس التربية الدينية، وفي نفس الوقت يدرس بجوارها الفلسفة بكل ما فيها، والاجتماع بكل ما فيه، والتاريخ القومي أو تاريخ دول حوض النيل أو التاريخ المصري والفرعوني فإنه يصاب بازدواجية في شخصيته، ويكون أمامه إما أن يرفض الدين وإما أن يرفض الوقائع الأخرى، فيضطر إلى المزاوجة بين الاثنين. ومن هنا فإنني أرى أن الهدف في التطوير لا يتعلق بمادة التربية الدينية، بقدر ما يحتاج إلى ضرورة صياغة المواد الثقافية صياغة إسلامية تمنع في النهاية هذا النوع من الازدواجية.

وفيما يتعلق بالمرحلة الجامعية فإنني أود أن أشير إلى قانون تطوير الأزهر الذي حاول أن يجعل الأزهر على غرار الكليات العلمانية، وذلك بإضافة مواد ثقافية إلى كلياته في حين أنه كان من المفترض أن يؤسلم الكليات الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، كان من المفترض أن يكون لدينا –كما هو موجود في جميع أنحاء العالم- جامعة تسمى الجامعة الحضارية، التي تحمي تراث الأمة وعقلها وروحها وتكوينها الداخلي والتاريخي وذلك مثل جامعة «تل أبيب» في إسرائيل، وجامعة أخرى في روما. ففي إسرائيل مثلاً هناك نمطين من التعليم: الأول التعليم الديني أو تعليم «الحاخامات» والثاني التعليم العلماني الذي ليس له علاقة بنصوص التوراة أو التلمود. ومن هنا فإنني أرى ضرورة التفرقة بين نوعين من تطوير التعليم.. النوع الأول ويتعلق بالتطوير في جامعة الأزهر أو الزيتونة أو أي جامعة تمثل عقل الأمة وتُخرج مجتهديها، والثاني: يتعلق بالكليات والجامعات المدنية أو العلمانية. وفي النوع الأول فإنني أرى أنه رغم أهمية الربط بالواقع فإنه من الضروري الحفاظ على التراث وتنقيته وذلك للحفاظ على استمرارية عقل الأمة أما في النوع الثاني (الكليات غير الإسلامية) فإن التطوير يمكن أن يتم عبر أسلوبين: الأول: يقوم على اختيار دقيق من القرآن والحديث والفقه والسيرة والتاريخ الإسلامي ما يتعلق بموضوعات الدراسة المختلفة من اقتصاد وسياسة وإعلام… الخ وبحيث لا يدرس الطالب كمًا ضخمًا من السنة والتفسير والفقه ولا يتعلق بموضوعه. أما الأسلوب الثاني: فيقوم على الاستفادة من مناهج العلوم الإسلامية في تشكيل عقول طلبة الكليات غير الأزهرية، وعلى سبيل المثال، يمكن إدخال منهج المحدثين في علم الرواية والدراية في دراسة التاريخ، ويمكن إدخال منهج الفقهاء في تدريس الوقائع وتخريج الحكام والتحقيق والتحرير في دراسة الاجتماع، حتى يستطيع الطالب أن يدرس الظاهرة الاجتماعية دراسة حقيقية تعبر عن الواقع وحتى يستطيع أن ينزل على الواقعة الحكم المناسب لها. وأشير في هذا الصدد إلى رسالة الدكتوراه التي اعدها «د. سيف عبد الفتاح» في العلوم السياسية وحاول فيها تطبيق منهج المصلحة الشرعية لدراسة الظاهرة السياسية وذلك باستخدام مقاصد ومراتب الشريعة والمزاوجة بينهما وبين الحال والمؤجل والعام والخاص، وخرج بتقسيم كبير يستطيع من خلاله رسم السياسات العامة في كل أمور الحياة. ويضعها في إطارها الضروري أو الحاجي أو التحسيني الذي يتعلق بحفظ الدين أو العقل أو النسل أو المال… الخ.

وهذه الدراسة يمكن أن تكون مرشدًا لنا في دراسة الأوضاع المعاصرة وتقنينها وتشريعها وفي نفس الوقت. هناك محاولة أخرى لدراسة استخدام مقاصد الشريعة الخمسة في دراسة التنمية السياسية مع إعادة لتفسير مضمون المقاصد بحيث يكون حفظ الدين على سبيل المثال متعلقًا بحفظ جميع حدوده وشرائعه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق ذلك في كل أمور الحياة. ويكون حفظ العقل بحفظه من التدنيس والتلبيس والحجر عليه وتضليله وتشويهه، وحفظ النسل ليس فقط في وجود الإنسان في بطن أمه، ولكن أيضًا بتربيته تربية سليمة، وتوجيهه توجيهًا سليمًا وثقافة سليمة وإعلامًا سليمًا حتى يشب مسلمًا حقًا، وحفظ المال من الربا والغش والسرقة والنهب. ومن هنا يمكن ملء المفاهيم بالأفكار والأوضاع الحياتية المعاصرة مما يؤدي في النهاية إلى أن تكون هذه المقاصد الخمسة شاملة لكل حياة الإنسان، وشكرًا.

الدكتور: سيف عبد الفتاح:

بسم الله الرحمن الرحيم.. أعتقد أن ما يقال في هذه القاعة وتلك الأمسية لو صدر من شخص علماني لقالوا إنه يريد هدم الدين، ولكنه صدر من أساتذة أجلاء يعرفون للأمور قدرها، خبراء مارسوا العلم والتعليم في الجامعة وفي حقيقة الأمر فإن تلك الأمسية قد تركزت على موضوع هام وهو علاقة العلوم الشرعية بالعصر، وأظن أن ذلك يحدد الأهداف، فالأهداف يجب أن تحدد بدقة؛ وذلك لأن تحديد الهدف يعد جزءًا من الوصول إليه ثم يتم بعد ذلك بناء المنهج. وهي عملية طويلة وممتدة كما قال الشيخ فإن العجلة في الهدم قد لا يعقبه بناء، ومن ثَم فإن ما هو موجود موجود، ولكن علينا أن نفكر في البديل قبل أن نهدم. الأمر الآخر أنني أريد أن أدلي فقط بمجموعة من الخواطر باعتباري تلميذ قد درس في كلية علمانية. وأولها أنني لا أجد في دراسات العقيدة أثرًا في هذا الوقت سوى ارتباطها بالأيديولوجيات المعاصرة، ولا أجد في دراسات العقيدة أثرًا إلا بربطها بواقع الحياة، وقد قرأت كتاب الأستاذ «الفاروقي»([xxxvii]) رحمه الله عليه عن التوحيد والذي يؤكد على الآثار السياسية والاجتماعية والمعرفية كما يؤكد عن نمط جديد يجب أن يستخدم في دراسة علم العقيدة أيضًا وهو الفرع الخاص بدراسات فقه الواقع، وذلك بعد أن ساهمنا في تغييب الشرع عن هذه الحياة بتركيزنا على فقه الحكم الشرعي دون فقه الواقع وفقه التنزيل دون تنزيل الحكم على الواقع، وبذلك ساهمنا بقسط وافر في الفصل بين دراسة الحكم الشرعي ودراسة الواقع وذلك في الوقت الذي تنطلق الكليات العلمانية في دراستها من فقه الواقع ويقومون بانتقاء وقائع معينة منه لإثبات نتائج مسبقة! ومن هنا أرجو أن تكون لدينا دراسات متخصصة حول كيفية دراسة الوقائع والأحداث، في محاولة لتأصيل هذا من ناحية المنهجية. كما أرجو أن يُستحدث فرع حول دراسات الفقه الحضاري والبناء الحضاري. وأعتقد أن دراسة بناء الحضارة بكل تشابكاتها وتنوعاتها مسألة هامة جدًا، تختلف عن مسألة تخريج جيش من الدعاة يفيد في بناء الأمة.

كما أود أن أشير إلى أن علم أصول الفقه ليس إلا منهجًا لدراسة الظواهر في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ودراسة النص.

فعلى سبيل المثال إذا كان هناك من يتحدث عن تحليل المضمون، فإن أصول الفقه يتحدث عن دراسة النص وتحليله، فلماذا لا نستبدل هذا بذلك، وخاصة أن تحليل المضمون يطبق في بعض الدراسات بصورة هزلية.

أود أيضًا أن أشير إلى أنه في كليتنا يتحدثون ليل نهار عن منهج المصلحة القومية ويؤكدون أنه منهج لا يأتيه الباطل، وأنه صالح للتطبيق على كافة الظواهر وخصوصًا ظواهر التعامل الدولي. وعندما قررت كتابًا جديدًا في مفهوم المصلحة الشرعية رأيت مدى تبعيتنا المفرطة لمناهج الغرب، فمنهج المصلحة القومية منهج شائك، لم يحدد مفهوم المصلحة ومراتبها، وماذا تعني ومن الذي يحددها.

وأقول في النهاية: إن الغرب قد أحسن عرض بضاعته رغم ضعفها، ونحن أسأنا عرض بضاعتنا رغم قوتها وأصالتها، كما أريد أن أؤكد على ضرورة بناء مداخل للعلوم الإنسانية والاجتماعية من منظور إسلامي. وشكرًا.

الدكتور: السيد رزق الطويل:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على من أنزل رحمة للعالمين محمد النبي الأمي اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، أعتقد أن مهمة آخر المتحدثين في مثل هذه الحلقة بالغة الصعوبة، لكنني على كل حال سأوجز ما لدي من أفكار وفي البداية أقول: إنني سعدت سعادة بالغة بما استمعت إليه الليلة من أفكار جيدة وبناءة كانت تصادف هوى في نفسي وتترجم نبضات قلب الإنسان وكثيرًا ما يعتمل في صدر الإنسان أفكار لكن يضيق بها الصدر ولا ينطق بها اللسان أما عن موضوع هذه الحلقة وهو تدريس العلوم الشرعية فإنني دائمًا وأبدًا أحب في أول الأمر أن أقف عند المفاهيم لكي نحددها حتى يكون حديثنا فيها على بينة وقد أشار الأخ الدكتور «كمال إمام» إشارة موجزة إلى هذا. فماذا نعني بالعلوم الشرعية؟ إذا كنا نعني بالعلوم الشرعية العلوم المشروعة فإن كل المعارف في الدنيا مشروعة في الإسلام والحكمة ضالة المؤمن وطلب العلم فريضة على كل مسلم فإذا كنا نعني بالعلوم الشرعية العلوم المشروعة في المنظور الإسلامي إذًا لابد أن نتناول كل معارف الدنيا، وإذا كنا نعني بالعلوم الشرعية المفهوم الدقيق لمعنى الشرع والشريعة الذي يتداول على ألسنتنا، فإنه ينبغي أن نستبدل هذا العنوان ونقول مثلاً تدريس العلوم الإسلامية أو علوم الثقافة الإسلامية. على أي حال هذه ليست قضية لكن هناك ملاحظة هامة جدًا: لا عجب عندما نتحدث في هذا الموضوع أن نتحدث عن الأزهر لأنني أرى بعض المحدثين يتحرج من هذا ولكنني أقول إذا تحدثنا في هذا الموضوع لابد أن نتحدث عن الأزهر باعتبار أن الأزهر شيخ الجامعات الإسلامية ورائدها وصاحب تاريخ طويل، ولابد أن نتحدث فيه ولابد أن ننتقده، فالنقد لا يعيبه وإنما يعني أنه شيء له أهميته في تاريخ هذه الأمة، وأن الناقدين له حريصون عليه وحفيون به. فإذا تحدثنا في هذا الموضوع لابد أن نتحدث عن الأزهر لأن الأزهر هو الذي تحمل هذه المسئولية التاريخية، مسئولية الحفاظ على الدين الإسلامي وعلى اللسان العربي أيضًا والثقافة الإسلامية والعلوم الإسلامية والعلوم الشرعية واتفق مع الشيخ «الغزالي» في أن اللغة العربية تعتبر عنصرًا أساسيًا في الثقافة الإسلامية؛ لأن مهمة الاستعمار في كل عصر كانت ضرب اللغة، لأنه إذا ضُربت اللغة وقُطع لسان هذه الأمة، حيل بينها وبين كل ما لها من تراث ولذلك فإن مهمة الاستعمار على امتداد النصف الأول من القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر كانت تتجه إلى ضرب اللغة العربية، ففي كل مكان نزل فيه الاستعمار كان يحاول أن يضرب اللغة العربية؛ لأنه بهذا يضرب عصفورين بحجر واحد وقد عجبت كثيرًا عندما وصلني نبأ قيام الأزهر حاليًا باختيار بعض أعضاء لمجمع البحوث الإسلامية لإكمال عدده، واقترح البعض عدم أخذ أحد من اللغة العربية، وقصر الاختيار على المتخصصين في الحديث أو الفقه أو التفسير فقط، ولا داعي لمن يتخصصون في اللغة العربية. وقد عجبت لهذا الأمر أشد العجب! وإذا ألقينا نظرة على تدريس العلوم الشرعية في الأزهر لوجدنا أن الخطأ في القضية كلها يكمن في الكُتب التي تُدرس فمن العجيب أن الكتب التي تُدرس للطلاب في كل المراحل، كتب من عصور متأخرة مع أن في الثقافة الإسلامية كتب عظيمة في هذه المواد، فعلى سبيل المثال فإن كتاب الخراج «لأبي يوسف» مازال يُدرس في فقه الأحناف رغم أن محمد بن الحسن الشيباني قد ألف كتابًا في الأحكام به أصول اقتصادية عظيمة جدًا، وهناك أيضًا الكتب التي ألفت في مرحلة النضج العقلي في الفقه وهي عظيمة جدًا ومفيدة ومؤثرة، ورغم ذلك اقتصرنا في هذا المجال على الكتب المؤلفة في العصور المتأخرة والمليئة بالفروض النادرة جدًا.

إن عملية التغيير ليست صعبة، فكل ما في الأمر أننا نحتاج إلى رجل فقيه فطين يعرض المعارف الفقهية عرضًا واضحًا وميسورًا يلائم ذوق العصر وذوق الطلاب. والواقع أن الخطورة في كتب الفقه تتمثل في تقررها تعدد الآراء وتشعبها بطريقة تصل إلى حد التناقض، والأخطر من ذلك أننا ننظر لكل رأي موجود بكتب الفقه على أنه هو الإسلام. ولذلك من الممكن أن نخرج بآراء تتنافى تمامًا مع الإسلام وليس لها صدى في كتب الفقه. فالإسلام هو الكتاب الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة التي تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما كتب الفقه والعقيدة ما هي إلا اجتهاد فكر إسلامي ولا تؤسس عقيدة. ولا أعتقد أن أحدًا منا قد تعلم العقيدة من كتب العقيدة أو من كتب علم الكلام. إن هذه الكتب تتحدث عن الله وتقول إن صفات الله هي الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس والوحدانية. وهي اصطلاحات فلسفية تأثرنا بها، فكيف تصف الله بالقدم، وهو قد سمى نفسه بالأول والآخر وأيضًا ما معنى القيام بنفسه وهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو الحي القيوم.

إن علينا أن نأخذ العقيدة المصفاة، ونفتح أعين الطلاب على الآيات الكونية في كتاب الله تبارك وتعالى، ليعرف الطالب أن الله هو العظيم القادر القوي الكبير المتعال، بدلاً أن يعرف بأن القدرة صفة قديمة وأن الله قائم بذاته، ويدخل في الإشكالات القديمة حول هل الصفة هي عين الذات أم غير الذات كما يقول المعتزلة: إن الله قادر بذاته لأن الصفة غير الذات.

ومن هنا أقول إن كتب العقيدة في حاجة إلى تغيير شامل على كل المستويات. إن الكتب الحديثة تشكو مر الشكوى في هذه الأيام من غيبة العقل الإسلامي، وقد تحدثت في أحد المرات عن حديث السحر، وقد قلت إنه لا يمكن أن يكون الرسول قد سُحر أبدًا، وقد قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} و{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} و{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا}. وقد قال لي الشيخ الألباني إن هذا تكذيب للسُنة.. فماذا في ذلك فالمشركون قد قالوا عن النبي الكثير من الكلام الصحيح مثل {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}. فقلت له: انظر إلى كلام رب العالمين عندما قال المشركون: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} وقال رب العالمين: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا}. فهو بذلك يفتح باب للطعن، فالمستشرقون لهم أن يقولوا ما يشاءون عن أن النبي قد سُحر في فترة ولم يكن يشعر بأنه يفعل الشيء حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وهو لم يفعله. وعندما قلت ذلك وجدت من يكتب ويقول: إنني مُكذب لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والله يعلم أنني حفي بها وحريص عليها كل الحرص. وقد كتبت مرة مقال عن زواج السيدة عائشة وقلت إن عمرها لم يكن ثمانية أو تسعة سنوات. فالتي عرضت على النبي الزواج من السيدة عائشة قالت له: يا محمد أنت في حاجة إلى من يصلح لك شأنك بعد وفاة خديجة، وكانت عائشة مخطوبة لمصعب بن عدي فكيف تصلح شأن النبي وهي بنت 9 سنوات. وقد عرضت في المقال الأدلة النقلية والمنطقية التي استندت إليها في ذلك. إلا أنني وجدت خلال 15 يومًا قد أُلف كتاب كامل للرد على مقالي الموجز في صحيفة المدينة المنورة بالسعودية. وهذا يوضح مدى تغيب العقل الإسلامي وصعوبة التعامل معه. ومن هنا أقول إن حديث النبي يمثل قضية مهمة وخطيرة، إذ أنه به دُرر غوالي وكلمات عظيمة جدًا، ونحن نريد أن نبعد عنه الزيف والدخيل والتلبيس الذي زيف عقل الأمة. وأذكر أن البنداري له عبارة عجيبة جدًا إذ كان يقول: إن رواة الأدب أعقل من رواة البحث لأنهم ينظرون إلى سند ومتن النص الأدبي وفحصه ودرسه. وإذا تأملنا في حياة عمر بن الخطاب لوجدنا لمحات عظيمة، فعندما أرسل جماعة من الناس إلى أحد البلدان قال لهم: «ستنزلون على أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تشغلوهم عنه برواية الأحاديث». وكان إذا أتاه رجل يقول: لقد قال الرسول كذا.. يقول له ائتني بآخر يشهد بأنه سمع مثل ما سمعت. وعندما جاءته فاطمة بنت قيس بحديث الرضاعة والسكنى قال لها: هل ندع كلام الله لكلام امرأة. كما أن السيدة عائشة رضي الله عنها عندما روي عبد الله بن عمر حديث «يعذب الميت ببكاء أهله» قالت له: نوليك ما توليت إن الله تبارك وتعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ولم يثر أحد في وجه السيدة عائشة وقال لها: إنك تنكرين سنة الرسول مع أنها كانت فقيهة من الفقيهات أو من فقهاء الصحابة كما تُوصف.

وفي جامعة الأزهر التي تطالب الجامعات الأخرى بالتطوير، يمكنها لو توفر الأستاذ المدقق الفطن الوفي أن تقدم كتبًا تفيد الطلاب، وعلى سبيل المثال فإن الشيخ «علي جمعة» يدرس الفقه الإسلامي ومن حقه أن يؤلف كتابًا بعد سنة أو سنتين حسب القانون ويبدع الفكر الذي نريده، ويصيغه للطلاب، وبذلك يمكننا تحقيق الكثير، فحسب قوانين الجامعة يمكن للأساتذة أن يؤلفوا كتبًا للطلبة إذا كانوا على درجة أساتذة وعلى قدر من العلم والفهم والفطنة والمسئولية.

ولكن مشكلة الدراسة في الأزهر لها أسباب عميقة لسيرها على الطريقة النمطية. فعلى سبيل المثال فإن في الفقه لا يوجد في الأزهر إلا المذاهب الأربعة، ولا يجد سواهم متسعًا. وفي النحو يتعصب الأزهر لمدرسة البصريين، وفي العقيدة يتعصب لمدرسة الأشاعرة والماتريدية وهذه أنماط ثابتة ومفروضة يسير عليها الطلاب ويرون أن هذا هو الرأي الصحيح. ومن هنا فإن الثقافة الإسلامية أو التراث الإسلامي –على سعته- ليس متاحًا لأبناء الأزهر كما ينبغي.

وإذا تركنا الأزهر نجد أن التعليم الإسلامي في وزارة التربية والتعليم، في مأساة خطيرة جدًا حيث يقدم للطلاب في الصف الأول الثانوي بعض الشخصيات يلتمسون منها المواقف البناءة من حياة هذه الشخصيات. ولكننا يجب أن نقدم للطالب شخصية لها موقف حتى يتعلم الطالب أن الإسلام قد دفع هذه الشخصية إلى موقف معين وجعله يتصدى فيه لقضية.

إنني مع الشيخ «الغزالي» في أن العرب قد خانوا أمانة الإسلام، فقد كان ينبغي وقد ابتلاهم الله واجتباهم –أن يكونوا هم رواد الفهم الإسلامي الصحيح. وأذكر أنه طالما ظل العرب على هذه الصورة البعيدة عن الإسلام، فلا يمكن أن ننتظر صلاح المسلمين في البلاد الأخرى. فلابد أن يعود العقل العربي الإسلامي، لتعود من جديد أمة الإسلام.. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

د. جمال الدين عطية:

لي كلمة صغيرة حيث يحضرني في هذا المقام موقف حدث مؤخرًا ويبين الوضع الذي صرنا إليه في موضوع العلوم الشرعية. فقد استشارتني طالبة من البلاد العربية في موضوع تسجله لدرجة الدكتوراه فذكرت لها (11) موضوعًا. فذهبت بهذه القائمة وعرضتها على أستاذها في الفقه حتى يختار ما يشاء منها، ولكنه رفضها جميعًا. فطلبت منه أن يختار لها هو موضوعًا. فقال لها: يا ابنتي لم يعد هناك موضوعات، وهذه الواقعة لها دلالة واضحة على مدى ما وصلنا إليه. إذن فلنغلق الدراسات العليا مادام الواقع لم يعد فيه مشكلات تحتاج إلى الدرس. إنني أتفق مع الزملاء في ضرورة متابعة هذا الموضوع، ولكنني أرى أن جهد المتابعة يجب أن يكون غير رسمي، فلن نشكل لجانًا على المستويات الرسمية، وإنما ننشد من الأساتذة من واقع مناصبهم المشاركة في هذا العمل بصفة شخصية حتى يكون هناك مرونة وتحرر وحتى يتم العمل بنضج، ثم بعد ذلك يتم عرضه على الجهات الرسمية.

الأمر الثاني: أنه لابد من إقامة البديل أولاً قبل الحديث عن نقض ما هو قائم. وأعتقد أنه بالإمكان أن تتم عملية الإحلال تدريجيًا وأتصورها في أن العلوم كما تُدرس الآن يجب أن يفصل فيها بين الأصول. فإذا نظرنا للفقه –مثلاً- نفصل الأصول، أي ما ورد في الكتاب والسنة في المسألة المعروضة للدرس، والتطبيقات العملية التي كانت مرتبطة –بطبيعتها- بعصر معين وبيئة معينة. وهذا الفصل ضروري مع الزمن حتى يتضاءل حجم هذه التطبيقات، ليحل محلها تطبيقات معاصرة على حياتنا! الأمر الآخر: أن مهمة رجال العلوم الشرعية في تصوري تتمثل في وضع بدايات للعلوم الاجتماعية، بمعنى القيم والمقاصد الشرعية، ولعل من المفيد أن يتم استكمال الجزء الذي وضعه ابن عاشور والذي لم يتحدث فيه عن مقاصد الشرعية ككل وإنما تحدث عن مقاصد الشريعة في كل علم من العلوم. فإذا تتبعنا هذا الخط، وطورنا هذه المقاصد بصورة عملية بحيث يأخذها المتخصص في الاقتصاد والإعلام والتربية وغيرها من العلوم تكون قد بُلغت بشكل متين ووُصلت توصيلاً جيدًا، ليأخذها المتخصص في العلوم الأخرى ويبنى عليها تخصصه. وفي النهاية اعتقد أنه من الواجب أن نتابع هذا الموضوع… وشكرًا.

تعليق الشيخ الغزالي:

بسم الله الرحمن الرحيم، أعتقد أن المسلمين في هذا العصر يمرون بمحنة. ولولا أني واثق من قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وواثق من أن الذكر لن تحفظه الملائكة تنزل من السماء إنما يحفظه بشر ينبتون في الأرض. وهذا يجعلني واثق من أن أمتنا قد تمرض، ولكنها لن تموت، وقد تمر بها محن شديدة ولكنها لن تؤثر فيها، بل تتغلب عليها وتمضي وتستأنف سيرها في الدنيا، وتبلغ رسالة اله التي ارتبطت بعنقها وأملي أن نتعاون جميعًا على أن نخدم الإسلام الخدمة الصحيحة، عندما يزحم الميدان بقضاياه وبأحكامه، يغالب التيارات الوافدة بمنطق العصر حتى نستطيع أن نهزمها ونردها من حيث جاءت. فالغزو الثقافي الآن خطير جدًا وهناك انهيار تام في الميدان السياسي من الناحية الإسلامية، حتى خيل إليّ كأن الاستعمار يقول ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن العرب لن يصنعوا بأنفسهم أكثر مما نريد أو أقل مما نريد. وهذا يجعلنا نصحو ونعمل على أن نقدم ديننا بعقل مفتوح ونشاط موصول ويقظة دائمة. وأفهم أن الكفاح العسكري يتعب أصحابه أحيانًا حتى يقولون كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، {وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}، وما كان قولهم إلا هذا الدعاء. ومن هنا لا نريد أن نضعف ولا نريد أن نستكين، وأعتقد أن الله سيجعل من هذا الضيق فرجًا والمهم أ نعمل لكي نلقي الله وقد بذلنا الجهد في العمل الذي كلفنا به. والآن لابد من إحسان عرض الإسلام على الناس وهزيمة هذه التيارات التي نازلتنا في ديارنا وتوشك أن تتغلب علينا، ولكننا إن شاء الله سنهزمها، والله المستعان، وصلى الله على محمد وآله.

د. جمال الدين عطية:

شكرًا لكم جميعًا.

([i])  عبد المعز عبد الستار: من المعاصرين وقيادات الإخوان المسلمين وخريج اللغة العربية من جامعة الأزهر الشريف.

([ii])  نور الإيضاح: كتاب في فقه الأحناف يشتمل على العبادات. صنفه حسن بن عمار الشُرُنبلالي الاتي ترجمته وشرحه.

([iii])  محمد بن الحسن الشيباني: تلميذ أبي حنيفة، (131- 189هـ= 748-804م) له مؤلفات كثيرة ولى القضاء ومات بالري قال الشافعي: (لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت: لفصاحته).

([iv])  أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي تلميذ أبي حنيفة (113- 182هـ = 731- 798م) ولى القضاء، ومات ببغداد له مؤلفات كثيرة.

([v])  الشرمبلالي: هو حسن بن عمار بن علي الشرمبلالي نسبة إلى شبرا بلومه من أعمال المنوفية (994- 1069هـ= 1585- 1659) له نور الإيضاح متن في الفقه الحنفي وشرح له سماه مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح وغيرها. توفي بمصر.

([vi])  الميداني: هو عبد الغني بن طالب الميداني فقيه حنفي له: اللباب في شرح الكتاب والكتاب هو متن القدوري (1222- 1298هـ= 1807- 1881م) توفي بالشام.

([vii])  مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: تأليف عبد الله الرضى بن محمد بن سليمان الحنفي في مجلدين. مطبوع.

([viii])  زينب الغزالي: من الإخوان المسلمين. معاصرة.

([ix])  أبو الطيب: هو أحمد بن الحسين بن الحسن- شاعر حكيم مشهور، ولد بالكوفة ونشأ بالشام ومدح سيف الدولة الحمداني، زار مصر. ألف عنه الكثير (303- 354هـ= 915- 965م).

([x])  أبو حنيفة: النعمان بن ثابت أحد الأئمة الأربعة وفاته ببغداد وله فيها مقام يزار بالأعظمية نسبة إلى لقبه (الإمام الأعظم) (80- 150هـ).

([xi])  مالك: هو مالك بن أنس الأصبحي أحد الأئمة الأربعة وفاته بالمدينة ودفن بالبقيع وهو إمام أهل المدينة التقى بأبي حنيفة وهو شيخ الشافعي (96- 174هـ).

([xii])  الشافعي: محمد بن إدريس الشافعي أحد الأئمة الأربعة وفاته بمصر وقبره مشهور بحي الإمام الشافعي بالقاهرة (150- 205هـ).

([xiii])  ابن حنبل: أحمد بن محمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة وفاته ببغداد وهو تلميذ الشافعي (164- 241هـ).

([xiv])  أرسطو: أرسطوطاليس- يقال عنه المعلم الأول، وله الأرجانون والميتافيزيقا فيلسوف يوناني (384- 322ق.م).

([xv])  خليل هراس: أحد علماء الأزهر نشأ بطنطا وتخرج في كلية أسول الدين وكان زعيمًا لجمعية أنصار السنة المحمدية بعد مؤسسها حامد الفقي.

([xvi])  ابن تيمية: هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني- شيخ الإسلام (668- 728هـ) مات بدمشق مسجونًا بسجن القلعة له مؤلفات كثيرة جدًا، وله اجتهادات في الأصول والفروع.

([xvii])  محمد عبده: مفتي الديار المصرية- وفاته بالقاهرة (1850- 1905م) له رسالة التوحيد، والتفسير وغيرها، من المجددين.

([xviii])  ناصر الدين الألباني: ناصر الدين أبو عبد الرحمن محمد الألباني الساعاتي أصله من ألبانيا، سكن الشام ولازم الظاهرية، وتعلم الحديث بنفسه له مؤلفات كثيرة- معاصر.

([xix])  سيد صقر: سيد أحمد صقر ولد ونشأ بالقاهرة وبها وفاته سنة 1989م اهتم بالحديث وجمع كتبه حتى صارت مكتبته يضرب بها.

([xx])  أحمد شاكر: أحمد محمد شاكر محدث فقيه قاضي شرعي، أبوه محمد شاكر كان وكيلاً للأزهر. حقق الكثير من الكتب مات بالقاهرة (1309- 1377هـ= 1892- 1958م).

([xxi])  السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ت 911هـ مكثر من التآليف له أكثر من 500 كتاب دفن بالقاهرة بحي سيدي جلال بجوار القلعة.

([xxii])  عبد الحليم محمود: شيخ الجامع الأزهر مات سنة 1979م.

([xxiii])  محمد عبد الله دراز: من علماء الأزهر- تخرج في السربون- ألف كتبًا كثير مهمة، مات بالقاهرة (ت 377هـ= 1958م).

([xxiv])  محمد رشيد رضا: من علماء الأزهر تتلمذ على محمد عبده له تفسير مجلة المنار وغيرهما. مات بالقاهرة سنة (1354هـ= 1934م).

([xxv])  حفني ناصف: حفني ابن إسماعيل بن خليل بن ناصف- أديب قاض شاعر، وفاته بالقاهرة (1272- 1338هـ = 1865- 1919م).

([xxvi])  علي صالح الجارم: كان شاعرًا وأستاذًا بدار العلوم المصرية، وفاته بالقاهرة (1299- 1368هـ= 1881- 1949م).

([xxvii])  عباس حسن: صاحب كتاب النحو الوافي في أربع مجلدات، عضو مجمع اللغة العربية، معاصر.

([xxviii])  الطاهر بن عاشور: محمد الطاهر بن عاشور مفتي تونس وشيخ جامع الزيتونة وفاته بتونس (1296- 1393هـ= 1879- 1973م) له التفسير الكبير ومقاصد الشريعة وغيرهما.

([xxix])  الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي- من أهل غرناطة، من أئمة المالكية أغلب مؤلفاته في النحو، وألف الموافقات في الأصول (7905هـ= 1388م).

([xxx])  ابن الحاجب: عثمان بن عمر بن الحاجب فقيه أصولي قارئ نحوي عاش ومات بالإسكندرية وهو مدفون بجوار المرسي أبي العباس. توفي سنة 646هـ وله مؤلفات دقيقة في كل فن من أذكياء العالم.

([xxxi])  ابن سينا: الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله له كتاب الشفا في نيف وعشرين مجلدًا وغيره ت سنة 428هـ من فلاسفة الإسلام.

([xxxii])  محمد قدري باشا: من رجال القضاء بمصر وُلِدَ بملوى بالصعيد وتعلم بالقاهرة وكان ناظرًا للحقانية ثم وزيرًا للمعارف قنن الشريعة على مذهب الأحناف في (مرشد الحيران)، (قانون العدل والإنصاف)، (الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية) وله كتب كثيرة. (1237- 1306هـ= 1821- 1888م).

([xxxiii])  السنهوري: عبد الرزاق السنهوري- إمام من أئمة القانون له الوسيط. شرح فيه القانون المدني، وله غيره. وفاته بالقاهرة (1312- 1391هـ= 1895- 1971م).

([xxxiv])  شكيب أرسلان: شكيب بن محمود أرسلان- أمير من سلالة ملوك الحيرة. وفاته ببيروت (1286- 1366= 1869- 1946م) له مؤلفات كثيرة.

([xxxv])  الظواهري: الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ الجامع الأزهر (1295- 1363هـ= 1787- 1944م)

([xxxvi])  الأسنوي: عبد الرحيم الأسنوي له كتاب التمهيد في تخريج الفروع على الأصول في المذهب الشافعي، له مؤلفات كثيرة (ت 704- 772هـ= 1305- 1370م).

([xxxvii])  مش موجود له هامش في الأصل ؟؟؟ في الهوامش ص44 ترقيم بي دي اف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر