أبحاث

أين سنكون عام 2000

العدد 19

هل تسير البشرية تجاه كارثة محققة؟ إن الكثير من العلماء المعاصرين مقتنعون بأن النزاعات العالمية الحالية سوف تقود البشرية إلى كارثة لو لم نبادر الآن بعقد هدنة مع الطبيعة. وزياد الدين سردار في هذه المقالة يفحص الوضع الحالي لكوكبنا الأرض، ويلخص
النظام الناشئ لتطبيق (الدراسات القادمة)، ويستعرض واحدة من الدراسات المعروفة التي تتحدث عن المستقبل ويقترح أن مصادر الأزمة الحالية فيما بين السكان وبيئتهم تعد روحية بالضرورة، وإن الاتجاهات التي ندين بها تجاه بيئتنا تعتبر غير ملائمة إطلاقاً. ونحن في حاجة إلى إحداث تغيير أساسي في أنماط تفكيرنا وأفعالنا، وإن ذلك فقط هو الذي سوف يؤدي إلى تحقيق التغيير الحقيقي في مستقبل الإنسان.

(التحرير)

إننا نعيش في فترة فريدة، إنها فريدة في تطورها وتوزيع سكانها، وإجمالي الضغط السكاني على الأرض والبيئة، والعرض واستخدام الاحتياطي (الطاقة، والغذاء، والماء، إلخ)، وإنتاج الأراضي البور، والمقدرة التكنولوجية، ولكنها فوق كل شيء تعد فريدة بالنسبة للقوة التاريخية الدافعة لتلك الاتجاهات.

إن ظاهرة التغيير تختلف الآن عما كانت عليه في الماضي القريب، ليس من نواحي الكم فحسب، ولكن أيضاً من نواحي الكيف ودرجة تداخلهما سوياً. لقد كان التغيير في الماضي يحدث بطريقة بطيئة، وكان تتابع الأحداث يحدث في أماكن متفرقة، وكان التغيير محدوداً ومحلياً في شكله، ولكن التغيير في يومنا هذا يعتبر جذرياً، وذا طبيعة عالمية، وهو لم يعد بمثابة أحداث متفرقة تختلف في زمن حدوثها وعدد الناس الذين يتأثرون بها، والعمليات الاجتماعية والطبيعية التي تضطرب بمقتضاها.

إن التغيير “والتطور” المستمر في عصرنا هذا قد أدى إلى تكوين مجتمع مصاب بآفة مهلكة أصبح التطور فيه هو الهدف الرئيسي للحياة، ويعني ذلك، من الناحية الاقتصادية، أنه اقتصادياً لا يستطيع بيع السلع الاستهلاكية المتدفقة من المصانع القائمة لو لم نقم في نفس الوقت باستثمار رأس مال وموارد أكثر في مصانع جديدة بهدف إنتاج سلع أكثر، أو أن نقوم بتزويد السوق بقوة شرائية أكبر عن طريق الإنفاق التضخمي على المنتجات الغير قابلة للتسويق مثل الدفاع القومي. إن تلك الخاصية ذاتها تنطبق على مجتمعنا، وهي أننا لن نستطيع استخدام ما يكون لدينا بالفعل لإشباع حاجاتنا لو لم نقم بتكريس وقت وموارد متزايدة لإشباع الرغبات المختلفة في المستقبل، ونجد أنها الآن تتخلل جميع أوجه حياتنا. لقد قمنا في جميع أنشطتنا بوضع نظام للتغذية الإسترجاعية التي تتطلب الاستثمار في ابتكارات فنية جديدة لخلق أنشطة جديدة بهدف تفادي الانهيار المفاجئ لأنشطتنا الحالية.

فلنأخذ مثلاً من الطب، إن استخدام العلاج بالمضادات الحيوية بالنسبة للأمراض المعدية يؤدي إلى تكوين سلالات جديدة من الميكروبات التي تحوز على مناعة ضد تلك المضادات المستخدمة الآن، حتى أننا نضطر إلى اختراع مضادات حيوية جديدة أكثر تخصصاً حتى نستطيع السيطرة على تلك الأنواع الجديدة من الميكروبات، ويؤدي ذلك إلى دورة لا تنتهي تصبح فيها أنواع الميكروبات الأقل مقدرة التي كانت سائدة، والمطهرات، والحصانات الطبيعية أثراً من آثار التاريخ.

إن المشكلة الحقيقية تتلخص في حقيقة أن النمو الكمي المكثف القائم على أساس التخصص يعد في الواقع ذا نظام إحباط ذاتي، ولقد كان الاتجاه الناجح للتطور دائماً يتمثل في الاتجاه نحو التغييرات الكيفية المكثفة ذات الأنواع الأقل تخصصاً، والأكثر عموماً، والأكثر مرونة، والأكثر قابلية للتكييف. إن التطرف في تطبيق التخصص الثقافي لرعاية النمو الكمي المكثف والسيطرة على قوى الطبيعة في المدنية الغربية يشير إلى اقتراب انهيار تلك المدنية، ولسوء الحظ فإن سكان الكرة الأرضية يعتمدون بعضهم على البعض ويرتبطون سوياً حتى أن رغبة الغرب الانتحارية قد تكون مميتة أيضاً للشرق الذي لم يرتكب ذنباً، وإن تجربة العالم المتخصص في العلاقات بين الكائنات الحية وبيئتها تفيدنا علماً أن ما نفعله في منطقتنا قد يكون ذا أثر عميق على الكوكب بأكمله: إذ أن الكرة الأرضية تعد قرية متضائلة.

عوامل الكارثة:

توجد أربعة اتجاهات عالمية تقود الكرة الأرضية إلى كارثة، وهي: التلوث البيئي، واستنفاذ الموارد الطبيعية، والإنفجار السكاني، وتطور الأسلحة الذرية والكيميائية والبيولوجية.

وبمرور الوقت نجد أن أجواءنا تصبح أقل صلاحية للتنفس، ويصبح الماء أقل صلاحية للشرب، والشواطئ أقل صلاحية للسباحة، والسمك أقل صلاحية للأكل. لقد قدمنا إلى أجوائنا أدخنة ضارة بالصحة وخطرة، وتسربت  إلى مياهنا نفايات المياه المستعملة والنفايات الكيميائية، والمشعة، والحرارية، بل وتسربت النفايات الكيميائية والمشعة إلى الكائنات الحية (بما في ذلك أنفسنا) التي تسكن كوكب الكرة الأرضية. إن جميع ذلك التلوث يتزايد بطريقة هندسية، أو كما نطلق عليها الآن طريقة أسية. وهو لا يعترف بأي حدود سياسية.

إن أكثر الأشياء التي تؤدي، إلى تلوث العالم تعد نتاجاً للنظام الاقتصادي الغربي الذي يتسم بالتبديد، ونستطيع أن نقدم أمثلة لعقلية التبديد تلك في أزياء الزفاف المصنوعة من الورق، وعلب الكوكا كولا، الغير قابلة للإرجاع، والصواني الألمونيوم التي توضع بها الوجبات الغذائية المباعة، وفرش الأسنان المعدة للاستعمال مرة واحدة، والعديد من المنتجات المعدة للزوال قبل أوانها. ويعد ذلك بأجمعه نتيجة للمجتمع الفني الذي يكون محوره التكنولوجيا السريعة النزاعة على الإنتاج وتكوين الأرباح.

وحدود ذلك التبديد تتمثل في استنزاف موارد الأرض- وذلك هو الجانب الآخر من المعادلة. إن الطلب المستمر لتوفير طاقة متزايدة وتحقيق مستوى معيشة أفضل قد أدى إلى نتيجتين متداخلتين: فمن ناحية، نجد أن جميع العوامل الملوثة، و “كل من الأشكال الرئيسية لتوليد الطاقة يكون له دور في إضرار البيئة، فبقايا الوقود –الفحم والبترول- تؤدي على أسوأ الأحوال إلى تكوين الدخان وثاني أكسيد الكبريت، وحتى لو أننا وفرنا الظروف المثلى، فإنها سوف تحول الأوكسجين إلى ثاني أكسيد الكربون، وتوليد الكهرباء من القوة المائية يتطلب إقامة سدود تغطي الأراضي، وتفسد الحالة الطبيعية للأنهار، وتزيد من فقدان الماء عن طريق التبخر، وأخيراً تؤدي إلى تكوين أودية ممتلئة بالطمي، ومحطات الطاقة الذرية تؤدي إلى التلوث الحراري والإشعاعي وتخلق احتمال الكارثة”، وهكذا، فإن الارتفاع في مستوى المعيشة يصاحب بازدياد مواز في التلوث، ومن الناحية الأخرى فإنه يؤدي إلى تقلص الموارد في كوكبنا، فنحن قبل كل شيء نعيش في نظام محدود.

إن الأزمة البترولية الحديثة تثير انتباهنا إلى وجود علاقة بين التلوث واستنفاد الموارد. لقد كان الكثير من التطور الاقتصادي الحالي في العالم يعتمد على البترول رخيص السعر إلى حد ما، ونظراً لأن ذلك المورد الحيوي يعد رخيصاً نسبياً فإنه كان يتبدد، بصفة عامة في الكثير من القطاعات الاقتصادية. فقد استهلك العالم في عشر السنوات الماضية مقداراً من البترول يفوق ما استهلكه في مائة عام سبقت. وبمعدل الاستهلاك الحالي، فإن ما لدينا الآن من الإحتياطي سوف يتم استنفاده قبل حلول عام 2000. وفي نفس الوقت سوف يكون التلوث قد ازداد بشكل سريع للغاية حتى يغمر الأرض.

ومثل التلوث، فإن السكان أيضاً يتزايدون بشكل كبير. ففي الوقت الحالي يتزايد السكان في العالم بمعدل 2 في المائة سنوياً. ويتضاعفون كل 35 عاماً. إن ذلك المعدل للتزايد من الممكن أن يقود البشرية إلى ثلاثة إحتمالات: الأول- وهو الذي سيكون أكثرها مأساوية- أن السكان سوف يستمرون في التزايد بالمعدل الحالي بحوالي ثلاثة أضعاف في القرن الواحد حتى يتجاوزوا طاقة الأرض- بما في ذلك سكنى المحيطات والصحارى، وسوف تتراكم التأثيرات المضادة المرجأة بالنسبة للبيئة وتبلغ ذروتها في التدهور السريع الذي يحدث من خلال المجاعات المفرطة، والتلوث الشديد، والفوضى الاجتماعية، وارتفاع معدلات الوفاة بسبب انتشار الأمراض المعدية والمزمنة، وانخفاض معدلات الميلاد، والحروب التي تستنفد احتياطي الكرة الأرضية المتناقص أبداً، وغير ذلك من العوامل. والاحتمال الثاني: هو التوصل إلى معدل نمو سكاني يوازي الصفر، ويقوم ذلك الاحتمال على أساس عديد من الافتراضات: (أ) أننا لا نتجاوز بالفعل المستوى السكاني الذي تستطيع فيه الكرة الأرضية الاستمرار في إمداد البشرية بأسباب الحياة وبمستوى معقول من الصحة والثقافة، (ب) أن الإنسان يستطيع أن يخفض معدل تزايده ومستواه السكاني في نطاق الحدود التي تستطيع فيها الكرة الأرضية أن تستمر في إمداده بأسباب الحياة، (ج) عندما يتوازن مستوى السكان في العالم سوف يكون هناك ما يكفي من الموارد والمقدرة السياسية والإدارية لتحقيق ما يطلق عليه (الحالة المستقرة)، التي ينسجم فيها معدل المواليد مع معدل الوفاة ولكنه لا يفوقها. وأما الاحتمال الثالث فيتمثل في التوصل إلى الإجماع العام فيما بين سكان الكرة الأرضية، بالنسبة للحد من السكان –ولعل ذلك الإجماع يمكن التوصل إليه بسهولة أكثر إثر حدوث كارثة خطيرة أو عدد من الكوارث.

وقد تحدث كارثة خطيرة في شكل إبادة ذرية، وبالرغم من بلاغة الحديث عن الإنفراج، فإن مخزوننا من الأسلحة الذرية يستطيع تدمير الأرض مرات عديدة. ولو أننا أضفنا إليه الأسلحة المتراكمة البيولوجية والكيميائية، فإن احتمالات المستقبل تبدو مخيفة للغاية.

والعوامل الأربعة للكارثة قد خفضت من (حد الأمن) البشري وجعلته منخفضاً للغاية، كما أن عوامل التغيير تستمر في الخفض من ذلك الحد وتزيد من تهديد بقائنا وسعادتنا.

عوامل التغيير:

توجد أربعة اتجاهات عالمية لا تزال مستمرة في تغيير مجتمعنا، وهي: التمدن، والبطالة، والهوة بين الأغنياء والفقراء، ووسائل النقل والاتصال.

إن الناس في جميع أنحاء العالم ينتقلون من الريف إلى المدينة، ويؤدي ذلك إلى حدوث أزمة اجتماعية خطيرة، ويعد ذلك التدفق هائلاً بصفة خاصة في الدول النامية. وذلك التمدن الخاطف يؤدي بالضرورة إلى أحوال معيشية مكتظة بالسكان، إذ أن معظم المهاجرين القرويين الذين يتجهون إلى المدن سوف ينتهون إلى المعيشة في الأراضي العمومية، أو في مدن مؤلفة من الأكواخ، فمثلاً، في مدينة المكسيك تعادل مدن الأكواخ ثلث سكان العاصمة الذي يساوي 4.5 مليون.

وبمعدل النمو الحالي في المستوطنات العمومية تلك، فإننا عند بلوغنا عام 2000 سوف يكون لدينا كثير من الناس الذين يعيشون في أحياء الفقراء ومدن الأكواخ.

وتحول الناس إلى المدن، يؤدي بالضرورة إلى ندرة الكثير من أسباب الراحة الرئيسية. فسوف يفتقر الناس إلى المدارس، وشبكات تصريف المياه، بل إنهم سوف يفتقرون إلى الماء ذاته. وسوف تتراكم النفاية حول الأكواخ، وتتفشى الأمراض، وسوف تكون المستوطنات معرضة للحرائق. وسيزداد الإجهاد والتوتر بالنسبة للأفراد وتتصاعد الجريمة. وإن مدناً مثل كليفلاند، ووالتس، ونيويورك، وديترويت، وهارلم، وشيكاغو لن تستطيع أن تتماسك لفترة طويلة. فإن الإنهيار سوف يكون وشيكاً.

والهجرة من المناطق القروية إلى المدن تتم بأمل الحصول على وظيفة، ولكن الوظائف في يومنا هذا قد أصبحت شيئاً نادراً، فإن ازدياد السكان قد أدى إلى ازدياد حاد في عدد الوافدين الجدد إلى ميدان الوظائف، وفي نفس الوقت، فإن تطبيق الأساليب الميكانيكية والألكترونية قد ساهم في ازدياد البطالة. ولقد أدت البطالة الشاملة إلى الفقر والبؤس العام. وسوف يزداد الأمر سوءاً على مر الأيام.

وإذا نظرنا للأمر من الناحية الاقتصادية، فإننا نجد أن الكرة الأرضية تنقسم إلى جزأين: أحدهما غني والآخر فقير، أحدهما مثقف والآخر تغلب عليه الأمية، أحدهما صناعي ومتمدن والآخر زراعي وقروي، أحدهما يحصل من الغذاء على ما يزيد عن حاجته، والآخر يعاني من الجوع وسوء التغذية، أحدهما غني ويتجه إلى الاستهلاك، والآخر فقير كل ما يعنيه هو الحفاظ على بقائه، وللأسف فإن تلك الهوة بين الجزء الفقير والجزء الغني تتسع باستمرار.

إن ازدياد الظلم بالنسبة لتوزيع الثروة في العالم من الممكن أن يؤدي إلى العنف، بل الحرب، بل ومن الممكن أن يؤدي إلى نشوب حرب عالمية. إن الشعوب المظلومة في الكرة الأرضية، التي تمثل معظم الجنس البشري، تعد الآن نقطة الوميض، ولن تصيبنا الدهشة لو أنهم لجأوا إلى وسائل يائسة لتقويم ذلك الاختلال في التوازن بالنسبة للقوة والثروة.

إن وسائل الانتقال في العالم تتحسن بدرجة سريعة، وتنخفض نفقات الانتقال بطريقة منتظمة، وإن السفر الجوي عبر الأطلنطي مستمر في إحراز التقدم بسرعة فائقة، ويبلغ الآن متوسط المسافرين بالجو نحو 20000 مسافر يومياً. ويتزايد عدد الزوار الآسيويين لأوروبا وأمريكا بمعدل أكثر سرعة. ولم تعد كلمة المسافة تعني الشيء الكثير، فإن جميع أجزاء العالم الآن أصبحت مرتبطة في نظام للمواصلات تتزايد كفاءته يوماً بعد يوم.

إن السيطرة الجديدة التي تم تحقيقها بالنسبة للمسافات قد غيرت موقف الناس من الزمان والمكان، فنحن الآن لم نعد نؤكد على كلمة (هنا) و(هناك)، أو كلمة (نحن) و (هم)، فقد أصبح الناس يميلون إلى القول (أننا جميعاً هنا)، تربطنا العلاقات المتبادلة ونعتمد بعضنا على البعض، ومن ثم فإننا مرغمون على التعاون من أجل البقاء.

ولقد أدى التقدم الحديث في وسائل الاتصال أيضاً إلى ازدياد تدعيم تلك الاتجاهات الجديدة بالنسبة للزمان والمكان. فللمرة الأولى في التاريخ يصبح في الإمكان التواصل بين أي نقطتين من الكرة الأرضية عن طريق نظام ألكتروني منفرد. قد كون الإنسان اليوم نظاماً متماثلاً مع النظام العصبي المركزي يشمل العالم بأجمعه، ويربط مباشرة بين أجزائه المختلفة مهما بعدت مسافتها.

وعوامل التغير، بالإضافة إلى عوامل الكارثة، قد أدت إلى تكوين فترة فريدة لتاريخ الإنسان، فالتغير في يومنا هذا لم يعد يتسم بتتابع متفرق للأحداث ذي طبيعة محلية لا يصل تأثيره إلا لعدد محدود من الأفراد والعمليات مثلما كان في الماضي، بل التغييرات التي نواجهها الآن تتسم بالسرعة وبالطبيعة العالمية، وتتفرع حتى تشمل جميع أوجه الحياة الإنسانية، والمؤسسات الاجتماعية، وتتصف بالقدرة على التأثير في التوازن الطبيعي. إن السؤال الذي يطرح الآن هو: ما هي المرحلة التي تستطيع فيها كل من عوامل الكارثة والتغيير أن تربك التوازن الطبيعي لذلك الجزء من العالم الذي يمكن أن تتواجد به الحياة؟ كم من الوقت سوف تظل الكرة الأرضية قادرة على احتواء ذلك الانفجار السكاني المتزايد أبداً، واحتمال ذلك الضغط الجماعي والفردي على الأرض والبيئة، وتظل محتفظة بقدرتها على تدعيم الحياة واحتوائها باعتبار أنها هي موطن الحياة البشرية؟ كيف نستطيع الخروج من ذلك الموقف؟ كيف نستطيع أن نبني لأنفسنا مستقبلاً أفضل؟ إن تلك الأسئلة، وما يشابهها تشكل أساس الأبحاث المقبلة.

دراسات المستقبل:

دراسات المستقبل تعني بدراسة الاتجاهات العالمية، وتصوير الحقائق، وتحسين العمليات التي يتم على أساسها وضع القرارات المتعلقة بالسياسة في مجالات السعي الإنساني المختلفة، ويتمثل ذلك في التنظيم التكنولوجي، واختبار مدى التلوث البيئي، وإعادة تخطيط المناهج التعليمية، إلخ. وهذا النظام الناشئ يهدف إلى معاونة واضعي القرارات على الاختيار الحكيم بين أساليب العمل البديلة، الذي يعد واحداً من مهام القيادة، في إطار الأهداف والقيم التي يؤمنون بها.

“وبالنسبة لعملية التوصل إلى القرارات الخاصة بنظام التعليم، فإن أبحاث المستقبل لا تقتصر على تقديم النصح الحكيم المدعم بالأدلة، ولكنها تعني بأن تجعل صانعي السياسة أنفسهم يتدبرون احتمالات جميع أساليب العمل البديلة المتعلقة بالمستقبل والنتائج المتوقعة لكل أسلوب معين من التصرف. وفي عبارة أخرى، فإن أبحاث المستقبل تركز على توفير المعلومات لواضعي السياسة فيما يتعلق بالإجراءات المرغوب فيها، وأيضاً معاونتهم في التوصل إلى الأهداف التي يودون التوصل إليها أو تحقيق النتائج التي يضعونها نصب أعينهم”.

إن الوسائل المختلفة التي يتم استخدامها في أبحاث المستقبل تبتدئ من الإتجاهات المباشرة للتقدير الاستقرائي إلى الحاسبات الإلكترونية، وإن هؤلاء الذين يدينون باتجاه المستقبلية يحاولون الهروب من الإجراءات التقليدية المتعلقة بالأشياء القابلة للإدراك، ويعنون بالتفكير في الأشياء الجانبية، حتى يحققوا (انطلاقاً نظامياً) أو يصلوا إلى تقييم الاحتمالات (البديهية المضادة). ونستطيع أن نقول: إن معتنقي اتجاه المستقبلية يحاولون التنبؤ بالأشياء التي لا تخضع لأي قواعد تمكننا من التنبؤ بها أو توقعها ويقومون بدراسة إمكانيات تحسين أحوال البشرية، ولعل أكثر المناهج شهرة بين تلك التي تنتمي إلى معتنقي اتجاه المستقبلية هي طريقة دلفي (Delphi) التي أصبح استعمالها واسع الإنتشار في الستينات. وهي تحتوي على سلسلة من الاستفتاءات الخالية من الاسم، والتي يتم تقديمها إلى جماعة من الخبراء، وفي كل استفتاء يطلب من الخبراء تقدير التاريخ الذي يتوقعون تحقيق تنبؤات معينة فيه. ولمعاونتهم في ذلك التقدير، فإنه يكون أمام الخبراء مجموعة التقديرات الخاصة بالجولات السابقة للاستفتاء، وأيضاً بعض التعليقات الخالية من الاسم الخاصة بالأعضاء الآخرين من المجموعة، وفي كل مرحلة يكون للخبراء الحرية في تغيير آرائهم السابقة. ولسوء الحظ، فإن النزعات الشخصية للخبراء تلعب دوراً كبيراً في تنبؤ دلفي. ولو أننا تخيرنا (الخبراء) بحذر سوف تأتي نتيجة التنبؤ على النحو الذي نرغب فيه، ولكن ذلك بالطبع لا يعني القول بأن جميع تنبؤات دلفي تتسم بالانحراف على هذا النحو.

والمكون الآخر لمنهج أبحاث المستقبل الذي يعد أقل انتشاراً هو أسلوب التظاهر بما يشابه الموقف الحقيقي، وإن ذلك الأسلوب يعني وضع نموذج للموقف الحقيقي ثم إقامة التجارب على ذلك النموذج. ويمكن تطبيق ذلك الأسلوب عندما يتضمن الأمر مواقف يكون من المستحيل، أو مما يستلزم نفقات ضخمة، أو من غير العملي أن يتم إنجازها بالنسبة للنظام الحقيقي الذي يمثله النموذج. ويمكننا دراسة كيفية سير ذلك النموذج موضع الاختبار وكيفية تجاوزه للعوائق، ومن ثم يمكننا استنباط خصائص النظام الواقعي من ذلك النموذج.

وتوجد ثلاثة أنواع للنماذج التظاهرية: (أ) النماذج التي يتم وضعها بمعاونة الحاسب الإلكتروني (ب) النماذج الحسابية التي تقوم فيها المعادلات بوصف نظام معين (ج) النماذج ذات الثلاث أبعاد أو التخطيطية التي يمكننا استخدامها على سبيل المثال في التخطيط الخاص بالمدن أو تصوير العلاقات الكيميائية.

ويوجد عدد من المقاييس التي نستطيع تطبيقها لتقييم كفاءة أسلوب التظاهر. إن أسلوب التظاهر بصفة خاصة يعد جديراً بالثقة لأنه يزودنا بتقييمات مستقرة ودقيقة وجديرة بالاعتماد. وهو يعد صحيحاً لأنه يقيس ما يرغب الشخص في قياسه. ويستطيع ذلك الأسلوب أيضاً تقديم معلومات دقيقة بالنسبة لكيفية تغيير النظام بهدف تحسين الكفاءات.

وعندما يأتي الأمر إلى تطبيق أسلوب التظاهر بالنسبة للمواقف الاجتماعية، فإن القياس التمثيلي بين النموذج والموقف الواقعي لا ينجح دائماً، أما بالنسبة لأساليب التظاهر التي تستخدم الحاسب الإلكتروني، فإنه يتم تمثيل واضعي القرارات بواسطة أشخاص يقومون بأداء أدوار بارزة. وعن طريق تمثيل (ما سوف يكون عليه الموقف لو أننا فعلنا كذا) يكون في استطاعتنا استكشاف الأشياء البديلة للمستقبل.

ومن بين الأساليب الأخرى المستخدمة في أبحاث المستقبل نجد أسلوب السيناريو، وذلك هو أسلوب الحدس الكتابي بالنسبة للأشياء البديلة في المستقبل. ولقد وصف كل من خان ووينر أسلوب السيناريو بأنه، “تتابع افتراضي للأحداث يقام بغرض تركيز الانتباه على العمليات السببية واتخاذ القرارات”. وأحياناً يتم تطبيق التحليل بالنسبة للعلاقات المزدوجة وبالنسبة للعوامل في أبحاث المستقبل مثلما يتم تطبيقه في الأبحاث التعليمية. وتتمثل الأداة الهامة التي تستخدم في الاستكشاف المنظم للعلاقات المحتملة بين الأحداث المقبلة في تحليل التأثيرات المتعارضة التي تقوم على أساس “المعادلات التربيعية” إن الأسلوب القياسي يعد بمثابة تحليل للتأثيرات –أي العلاقات بين الأحداث المتوقعة وتقييم كيفية تأثير كل منها على الآخر.

والمثل الثاني لاستخدام الموارد في أبحاث المستقبل بصفة عامة يتمثل في تجربة أسلوب الضغط. ومن الممكن تطبيق ذلك في معمل مكثف يقوم على أساس التخطيط للمستقبل ويتضمن هيئة قيادية، ولتكن من الحكومة أو الميدان التعليمي، ويشتغل المشتركون في تلك الميادين في دراسة مكثفة على مدى أسبوع أو أسبوعين، وهم يقومون بعرض أو مجابهة التطورات المحتمل حدوثها في فرع من الحكومة أو التعليم على مدى سنوات قليلة. وكما توحي (تجربة الضغط)، فإن الشخص المتضمن يجب أن يتوصل إلى القرارات ويقيم الاختيار بطريقة حكيمة وفي أيام قليلة- تلك القرارات التي تأخذ في المعتاد فترات أطول بكثير، وإن خاصية الاختيار التي تعد واحدة من الإجراءات البديلة التي تقوم بها الهيئة يتم دراستها وتقييمها في اليوم أو اليومين الأخيرين من تجربة الضغط.

والمنهج الجديد المتطور للتنبؤ بالمستقبل يطلق عليه “التقييم التكنولوجي”. وهو يعرف بأنه دراسة نظامية للتأثيرات التي تحدث للمجتمع إثر تقديم التكنولوجيا أو نشرها، أو تعديلها، ويوضع تأكيد خاص على التأثيرات التي تحدث عن غير عمد، وبشكل غير مباشر ومرجأ.

وعلى الطريقة المثلى، فإن التقييم التكنولوجي يجب أن يتوقع الآثار التي تترتب على تقديم التكنولوجيا الحديثة بالنسبة لجميع قطاعات المجتمع ويقوم بتقييمها، ولكنه حتى الآن لم يتم إلا تطبيق القليل من التقييم التكنولوجي المكتمل، وبدلاً من ذلك فإن ما نجده هو تاريخ طويل من التقييم الجزئي، الذي يقتصر عامة على الآثار الاقتصادية، وحديثاً الآثار البيئية.

إن التقييم التكنولوجي بصفة عامة يؤكد على الآثار الثانوية أو التي تأتي في المرتبة الثالثة للتكنولوجيا الحديثة بدلاً من التأكيد على الآثار الأولية المتعمدة. ويرجع ذلك بصفة رئيسية إلى أن الآثار الغير متعمدة والغير مباشرة قد تكون هي الأكثر أهمية على المدى الطويل. فعند إقامة كوبري، أو أصغر قنال، وتقديم الأنزيمات المطهرة، أو تزويد السكك الحديدية بالكهرباء، فإن التأثيرات التي تأتي في المرتبة الأولى –أي تلك التي يمكن أن تكون الهدف الرئيسي للجهد- يكون بصفة عامة مخطط لها بوضوح ويتم الإعداد لها في المراحل الأولية. إن التقييم التكنولوجي يركز على السؤال ماذا يمكن أيضاً أن يحدث عند تقديم التكنولوجيا.

حدود النمو:

لعل أشهر الدراسات عن المستقبل هي الدراسة التي أقيمت تحت رعاية نادي روما حول “حالة البشرية”، وتعتبر هذه دراسة مستمرة تتبع تطبيق أسلوب النموذج التظاهري بالنسبة للعالم، على أساس الاستعانة بالحاسب الإلكتروني. والتقرير المبدئي الذي قدمه ج. و. فورستر عن (ديناميكا العالم). صور لنا، نموذجاً يسمى بالعالم2، واستعرض التغييرات الأساسية التي سوف تحدث في المائتي عام القادمة بالنسبة للتعاون بين سكان الكرة الأرضية، والتلوث، والموارد الطبيعية، واستثمار رأس المال، والإنتاج الغذائي. وأسلوب الديناميكا الذي استخدم في تلك الدراسة يصف أي نظام بأنه بنيان يتكون من نوعين من المتغيرات: المستويات والمعدلات. وفي نموذج العالم 2، تعتبر كل من الأعداد المتراكمة للسكان والتلوث المتزايد بمثابة مستويات. ومستوى السكان يزداد بازدياد معدل المواليد وينخفض بإزدياد معدل الوفيات.

والعالم 3 الذي تم استعراضه في التقرير الأول لنادي روما، تحت عنوان حدود النمو، قد نقل العالم 2 إلى خطوة أبعد، وهو يصور قوى النمو بطريقة واضحة بأنها دالة للعوامل البيولوجية، والسياسية، والاقتصادية، والطبيعية، والاجتماعية التي تؤثر عليها.

إن واحداً من الأفكار الأساسية في هذا التصنيف هو نظام التغذية الإسترجاعية، الذي يصور المواقف حينما يؤدي التغيير في قمة المتغيرات إما: إلى أن يقوم النظام بتدعيم ذلك التغيير أو يعمل على مقاومته. ويعد نظام التغذية الإسترجاعية إيجابياً بالنسبة للمتغير لو أنه كان يدعم التغيير في قيمة ذلك المتغير، ويعد سلبياً لو أنه كان يقاوم ذلك التغيير. ويعتبر كل من السكان والمواليد بمثابة نظام إيجابي للتغذية الاسترجاعية. فازدياد عدد السكان يؤدي إلى ازدياد المواليد وازدياد المواليد بدوره يؤدي إلى ازدياد عدد السكان. وعندما يكون هناك نظام إيجابي للتغذية الاسترجاعية ومسيطرة على الأمر بتلك الكيفية، فإننا سوف نلاحظ وجود نمو (أسى). [محزن ومخيف]

وتطبيق أسلوب التظاهر القائم على أساس الاتجاهات الحالية بالنسبة للعالم 3، يظهر لنا أن الخمسة عناصر بأجمعها –أي، السكان، والتلوث، والإنتاج الغذائي، والنمو الاقتصادي، واستنفاد الموارد- تتغير بشكل محزن. وعند حوالي عام 2100، سوف يبتدئ الأمر بانخفاض نصيب كل فرد من الغذاء، وفي نفس الوقت سوف ينخفض الإنتاج الصناعي بالنسبة لكل فرد، ولكن عدد السكان ودرجة التلوث سوف يستمران في التزايد، وبعد مرور بعض الوقت سوف يبتدئ مستوى التلوث أيضاً في الانخفاض، ثم يتلوه عدد السكان، وعند حلول عام 2100 يكون التلوث لا يزال متجهاً إلى الإنخفاض، في حين أن الإنتاج الغذائي بالنسبة لكل فرد سوف يصل إلى مستوى أقل من مستوى 1900.

وتحليل نموذج العالم 3 ونتائج تطبيق أسلوب التظاهر على أساس الحاسب الإلكتروني قد قادا فريق البحث لنادي روما إلى الاستنتاجات التالية:

1-   أنه لا يوجد إحتمال لإحراز التقدم التكنولوجي والثقافي في المائة عام القادمة بما يكفي لإمداد 24 بليون نسمة على الكرة الأرضية بأسباب الحياة، ونظراً لأن الفترة التي يتضاعف فيها عدد السكان في الوقت الحالي توازي 32 عاماً وهي نفس الفترة التي نحتاج إليها لتناقصه، فإن ذلك يعني أنه في وقت ما في خلال الستين عاماً القادمة سوف يمر التزايد السكاني بتناقص شديد.

2-   إنه لا يوجد احتمال لرفع مستوى معيشة الأغلبية الكبيرة لهؤلاء الذين يعيشون في الدول النامية إلى المستوى المعيشي المادي الذي تتمتع به الدول المتقدمة.

3-   يوجد احتمال كبير لأن تشهد الدول الغربية تدهوراً واضحاً في مستوى معيشتها المادي في خلال الثلاثة أو الأربعة عقود القادمة.

4-   لا يوجد مستوى منفرد للسكان نستطيع التوصل إليه بطريقة إرادية على المدى الطويل، حيث توجد مجموعة كاملة من العوامل المتمثلة في التقلبات الاقتصادية، والحرية الشخصية، ومستويات المعيشة المادية والاجتماعية التي تؤثر على مستوى السكان، وباعتبار أن مخزون الكرة الأرضية من الموارد يعد محدوداً ومتناقصاً، فإنه من المحتم علينا أن نعترف بأن ازدياد عدد السكان يتضمن ازدياد الانخفاض في مستوى المعيشة.

5-   ومن الناحية النظرية، نستطيع القول أن جميع القيم الإنسانية الجوهرية يمكن تحقيقها بطريقة أفضل من خلال الخفض الأساسي من القاعدة السكانية في الكرة الأرضية.

6-   يوجد احتمال قوي أن الاتجاه إلى التوازن في الكرة الأرضية سوف يتضمن، انخفاضاً كبيراً في عدد السكان، وأن المهمة البالغة التي أمامنا تتمثل في التعرف عليه وتنفيذ تلك المجموعة من السياسات التي سوف تمكننا من إحراز الانتقال المنظم إلى التوازن، ويجب أن نحقق ذلك الانتقال الذي رغم أنه سوف يؤدي إلى إحداث تغييرات عنيفة، فإنه سوف يترك لنا معظم الخصائص التي تضفي عليها قيمة في مجتمعنا والتي سوف تحفظ حرية الاختيار لهؤلاء الذين سوف يعيشون على الكرة الأرضية على مدى قرن أو أكثر حتى الآن.

وفي حين أن حدود النمو قد أدت إلى إبطاء النمو الاقتصادي بطريقة مباشرة، فإن التقرير الثاني لنادي روما تحت عنوان: “البشرية في نقطة التحول” يوصي بأنه يجب تحقيق أسلوب جديد ومختلف للنمو. ولقد تم تقديم مفهوم النمو العضوي، أي النمو المماثل لنمو الكائن الحي السليم، إن الكائن الحي السليم ينمو في إطار رذائل النظام بأكمله، ثم يصبح جزءاً قائماً بذاته في ذلك النظام، على عكس الخلية السرطانية التي تنمو بطريقة مندمجة في النظام إلى أن تدمر ذلك النظام وتدمر نفسها.

لقد جاء أقوى ردود الفعل ضد تقريرات نادي روما من وحدة البحث للسياسة العلمية لجامعة سسكس، الذي تمثل في التفكير في المستقبل: (نقداً لحدود النمو). ولقد أقامت وحدة البحث للسياسة العلمية دراسة مكونة من ثلاث عشرة مقالة تناولت بالفحص الأوجه المختلفة لتقرير نادي روما، والسؤال الرئيسي الذي قام فريق وحدة البحث للسياسة العلمية بطرحه فيما يتعلق بكل من النظم الفرعية والنموذج ككل هو: إلى أي مدى تتوافق الافتراضات التي تم تقديمها مع ما نعرفه عن العالم الواقعي قبل 1970، وما يمكن أن نفترضه بما يقبله العقل بالنسبة للتطورات المقبلة المحتمل حدوثها في العالم منذ ذلك الوقت، وما بعد ذلك؟ إن معاينة الفريق لنموذج نادي روما توحي أن ذلك النموذج يقوم على أساس بيانات غير ملائمة وافتراضات مضللة حيث أهملت نسبياً كلا من الاقتصاد والاجتماع.

وطبقاً لما كتبه كريستوفر فريمان، فإن طبيعة افتراضاتهم، ليست بمشكلة فنية محضة. إذ من الضروري أن نأخذ في اعتبارنا النزعة السياسية والقيم المتضمنة في أي دراسة للنظم الاجتماعية سواء كانت متضمنة بطريقة صريحة أو ضمنية، وإن الحياد الظاهر لنموذج الحاسب الإلكتروني يتضمن عنصراً من الخداع يتوازى مع عنصر الإقناع الذي يتضمنه. وأي نموذج لأي نظام اجتماعي يتضمن بالضرورة افتراضات عن سير عمل ذلك النظام، وتلك الافتراضات من الضروري أن تتأثر باتجاهات وقيم الشخص أو الجماعة المعنية، ولذلك السبب أيضاً فإن كول وكونو قد استنتجا أنه يجب النظر إلى نماذج الحاسب الألكتروني باعتبارهما جزءاً متكاملاً من المناقشة السياسية، وذلك فقط لمجرد أنها قد تخفي مصادر محتملة للانحراف والنموذج يعد بمثابة رسالة.

وجميع الثلاث تقريرات الخاصة بنادي روما تعتبر وثائق سياسية، وهي خطيرة بالقدر الذي تمكننا من إقامة ديكتاتورية البوروجوازية الفنية أو البروليتاريا الفنية طبقاً لوجهة نظرنا. إن دراسة نادي روما قد استخدمت نموذج رأسمالي محض في جميع الأمثلة والافتراضات التي طرحتها… ومن ثم، فإن المستقبل البديل الذي تصوره من الممكن أن يكون مقبولاً فقط لهؤلاء الذين يقرون ذلك النموذج. وتوجد نماذج أخرى للسلوك الإنساني، وكل منها سوف يقدم الشكل البديل الخاص به بالنسبة للمستقبل.

ماذا عن الدول النامية؟

إن أي محاولة لتحليل الاتجاهات العالمية والتنبؤ بالأشكال البديلة للمستقبل على أساس نموذج مفرد، تتضمن الافتراض بأن العالم يسير تجاه مدنية عالمية يتم صياغتها على أساس المدنية الغربية. ولسنا بحاجة للقول أن ذلك الافتراض ليس بخاطئ فحسب ولكنه أيضاً خطير للغاية. وفي الحقيقة، فإن العالم يجب أن يتطور تجاه مجموعة من المدنيات بدلاً من مدنية عالمية.

إن التقريرات المختلفة لنادي روما قد أوضحت بالفعل أنه لن يكون من الحكمة بالنسبة للدول النامية أن تتبع خطوات الغرب، وإذا نظرنا نظرة بعيدة إلى المستقبل المتمثل في المائة عام القادمة، فإن جهود التصنيع الحالية للدول المتخلفة قد تؤدي إلى كارثة فإن تلك الدول في الوقت الحاضر تعد أقرب إلى تحقيق التوازن النهائي مع البيئة بما يفوق الدول الصناعية، وهذه الدول المتخلفة في الوقت الحالي تعتبر في وضع أفضل من الدول المتقدمة بالنسبة لتخطي الضغوط البيئية والاقتصادية الواسعة النطاق، وإذا ظهر أي من العوامل العديدة التي لديها ما يكفي من القوة للإخلال بالتوازن في العلاقة بين السكان والبيئة، فإن الدول المتخلفة قد تعاني قدراً أقل من التدهور ولأن النظم الاقتصادية التي تتسم بقدر أقل من التنظيم، والتكامل، والتخصص من المرجح أنها تكون أقل تعرضاً للتمزق.

ومن ثم، فإن مستقبل الدول النامية لا يكمن في اتباع نموذج التطور الغربي (الذي نستطيع رفضه باطمئنان بعد 30 عاماً من الجهد باعتباره فشلاً تاماً). ولكنه يكمن في تقريرها لمستقبلها بنفسها، وتطويرها (خطة للمدنية) خاصة بها، واتباعها مشروعات للرواتب والأرباح الخاصة بها، ووضعها للخطط والتقييمات لاستطلاع الآراء بالنسبة للمستقبل. وذلك العمل سوف يتطلب تغييراً كاملاً وجريئاً للاتجاهات الحالية في الدول النامية، وتكون العلوم البديلة الخاصة بها، والاختراعات التكنولوجية المصممة للإيفاء بحاجاتها والمتلائمة مع قدراتها وتخطيطها للمستقبل.

لقد كنا في المعهد الإسلامي نقيم (خطة للمدنية) خاصة بالعالم الإسلامي –الممتد من المغرب حتى إندونيسيا جنوب شرقي آسيا، والذي يشمل 700 مليون نسمة. إن محاولة إيجاد مستقبل جديد للمدنية الإسلامية تقوم على أساس التكهنات التالية، من بين تكهنات أخرى:

1-     بعد مرور أكثر من 100 عام من الحصول على الثقافة الغربية، والتكيف مع السيطرة السياسية، والثقافية، والفكرية للغرب، والمرور بالفترة الانتقالية إلى الوحدة القومية/ المدنية، والفلسفات الرأسمالية الديمقراطية، والاتباع المتهور للأسلوب الغربي للعصرية، فإننا حتى الآن لا نستطيع أن نرى أي بادرة لإنهاء تدهور المسلمين النسبي والمنطلق.

2-     وعلى عكس ذلك، فإن المدنية الغربية (بما في ذلك التجربة الشيوعية) بعد مرور 200 عام من النمو المدعم، والتطور والسطوة العالمية قد فشلت طبقاً لتنبؤنا في تزويد البشرية بنظام قابل للتطبيق، ويستطيع تحقيق الانسجام الاجتماعي، والإيفاء بالمتطلبات الأخلاقية والروحية، وتحقيق السلام العالمي، بل إن المدنية الغربية في الحقيقة قد أدت إلى مواجهة البشرية بمشاكل أكثر وأشد تعقيداً من المشاكل التي قد تكون حلتها.

3-     إن أضخم انجاز للمدنية الغربية –أي إنتاج البضائع، والخدمات بدرجة لم يسبق لها مثيل- قد أدى، بمقتضى طبيعة العلاقات الاجتماعية في كل من الرأسمالية والشيوعية، إلى تدمير البنية الأخلاقية لشخصية الإنسان وأدى إلى الصراعات الأخلاقية على كل من المستويات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والدولية.

4-     إن سعي المسلمين لتحقيق (العصرية) و (الرقي)، من خلال محاولة الأفراد المسلمين والمجتمعات المسلمة التشبه بالغرب قد كتب عليه الفشل للسبب الذي ذكرناه، وقد أدى ذلك الفشل إلى خسارة فادحة بالنسبة للثقافة الإسلامية والبنيان الاقتصادي، والاجتماعي والسياسي للمجتمعات المسلمة.

5-     إن الضرر الذي حدث للمجتمعات المسلمة يعد شاملاً للغاية حتى أنه قد لا يكون من الممكن، أو حتى من المرغوب فيه، إصلاح تلك النظم الاجتماعية وإعادتها للوضع السابق، وإن البديل الوحيد القابل للتطبيق هو تدبر وتكوين نظم اجتماعية واقتصادية وسياسية تختلف في جوهرها عن تلك النظم السائدة في المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء العالم في الوقت الحاضر.

وبعد تقييم حاجات وقدرات المدنية الإسلامية فإننا يجب أن نتبدئ في وضع خطط مختصرة لنوع العلوم والتكنولوجيا تستطيع إفادة المسلمين لأقصى درجة. وعلى سبيل المثال فنحن نعلم أن أي نموذج للتطور العلمي يمكنه أن يقود المدنية الإسلامية إلى الأهداف الاقتصادية، والسياسية والبيئية المرغوب فيها يجب (أ) أن يوجد تكاملاً بين القيم والعلم، (ب) أن يستعيض عن الأفكار التخطيطية الحالية باتجاه ذي نظم متعددة الأبعاد، (ج) أن يحافظ على الثقافة، والمعايير والقيم الإسلامية، (د) أن يكون أساليب تكنولوجيا بديلة، (هـ) أن يضع ميتافيزيقيا إسلامية تتدخل فيها الفيزياء الحديثة بطريقة مخففة وغير شخصية.

هل يعد ذلك نظاماً صعب التطبيق؟ لعله كذلك. فعندما نأخذ في الاعتبار أن التوقعات بالنسبة لمجتمعنا تعد هزيلة للغاية على المدى الطويل، وأن الوضع يبدو أنه يسير تجاه التدهور السريع، سوف ندرك أن إعادة التكيف بهدف الهروب من تلك الكارثة المقبلة ليس بالأمر الهين.

الطريق للمستقبل:

إن القضية السياسية الرئيسية في عصرنا تتمثل في علاقة الإنسان بالطبيعة. وتلك العبارة تبدو متعارضة مع كل من الحكم الصائب والإجماع في الرأي. فالسياسة من المؤكد أنها تدور حول علاقات الأشخاص كل مع الآخر. وإنها لكذلك بالطبع، ولكنه من الصعب في يومنا هذا، بل يعد من المستحيل حقيقة أن نجيب على أي سؤال بالنسبة لكيفية سير العلاقات بين الناس لو لم نقم أولاً بتعريف علاقة الناس بالطبيعة. إن وضع الناس وكيفية إقامتهم سبل معيشتهم يقرر بالضرورة كلاً من المشاكل والاحتمالات التي تنجم عن معيشتهم سوياً. إن الناس يجب أن يعقدوا سلاماً مع الطبيعة، وحينئذ يمكنهم فقط أن يعقدوا السلام بعضهم مع البعض. ويجب أن ندرك أولاً أننا نعد جزءاً من الطبيعة وأنه يجب أن نعيش داخل الحدود التي تقرها الطبيعة، ويجب أن نصوغ علاقتنا مع الطبيعة بطريقة مدققة وواعية: أي أننا نعد أحراراً في أن نعمل على تحقيق حاجتنا الرئيسية وأن نسعى لتحقيق سعادتنا، ولكنه يجب أن نخضع لكثير من الحدود –تلك الحدود التي يهملها مبدأ التحررية بطريقة حمقاء، وأن علينا أن نعترف أن مدى احتمال الطبيعة الأم يصل إلى قدر معين. ثم يتوقف بعد ذلك.

إن خلاصة المناقشة السابقة هي أن أصل الحالة الحاضرة للبشرية يعد بالضرورة روحياً. إن المهمة التي أمامنا هي أن نسعى إلى إضفاء العنصر الروحي الديني للطبيعة على علومنا الحديثة والتكنولوجيا الخاصة بنا. وسوف تعمل كل من المدنيات المختلفة على مباشرة تلك المهمة من خلال أساليبها الفريدة الخاصة بها. ولكنه يجب أن يتم توحيد الجهود مهما اختلفت الاتجاهات، إذ التوحيد بين الاتجاهات المختلفة هو الطريق الوحيد لتحقيق مستقبل آمن، فنحن نسير سوياً كمسافرين في سفينة فضاء تتمثل في كرتنا الأرضية، ونظراً لأننا نعتمد على مواردها، فإنه يجب أن نحافظ على أمنها وسلامتها من أجل سلامتنا، ويجب أن نهتم بأعمالنا ونحبها ونكرس أنفسنا لها من أجل الحفاظ على بقائنا. إن ذلك هو الضمان الوحيد لسلامتنا في عام 2000

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر