أبحاث

المعتقدات الميتافيزيقية ودورها في التربية الاجتماعية

العدد 53

مدخل:

تحتل مسألة الاعتقاد بالقضايا الغيبية، مركزا هاما فى موضوع الجدل الفلسفى بين المفكرين، فبعضهم ينظر إلى القضايا الغيبية، بأنها من أوهام الفكر الإنسانى إذ لاجدوى من انشغال الفكر بها بل إن التفكير حولها، يرتب عجزا على تفاعل الإنسان مع المعطيات المادية الماثلة حوله، ومن المفكرين ما يأحذ موقفا مغايرا من الأول، فيعتقد بوجود هذه القضايا، بل يرى أنها من الموضوعات الهامة التى تفيد فى تربية الإنسان داخل المجتمعات البشرية، والعمل على تنميط سلوكها وترشيد تفاعلها فى أثناء مسيرتها الحضارية فى الحياة.

– ومنهم من يقف موقفا محايدا من القضايا الغيبية، لأنه لايحس بأى دافع يثير اهتمامه نحو هذه القضايا.

– وأمام هذه المواقف الثلاثة، نحو موضوع الاعتقاد بالقضايا الغيبية، فإنى سوف أوقف موقفا مؤيدا، للتيار الذى يعتقد بوجود هذه القضايا الغيبية، فإنى سوف أوقف موقفا مؤيدا، للتيار الذى يعتقد بوجود هذه القضايا، ويرى أنها من الموضوعات الهامة، التى لايستغنى عنها فى المجتمعات الإنسانية، فإذا رغبت حياة مستقيمة فى بنيتها الاجتماعية.

– وستكون هذه الدراسة محاولة فى توكيد الفكر الايمانى بالقضايا الميتافيزيقية (الغيبية) وأهمية هذه المعتقدات الميتافيزيقية فى التربية داخل النظام الاجتماعى والكشف عن الاحتمالات السلوكية التى قد تنجم عن القضايا الغيبية من الفكر والوجدان داخل المجتمعات الإنسانية.

– وتتناول هذه الدراسة، مسألة مهمة، يمكن تصنيفها فى مجال الفكر الفلسفى الذى يوجه الفكر التربوي، نحو قضايا تدور حول تربية الإنسان، تربية فكرية، وروحية وأخلاقية، وسلوكية واجتماعية.

– وتقوم هذه الدراسة بالكشف عن طبيعة المعتقدات الميتافيزقية وذلك بتحليل موضوعاتها ذات الصلة بالتربية الاجتماعية، وتتناول وبالتحديد أهم الموضوعات الميتافيزيقية الدينية، لنرى كيف تؤثر هذه الموضوعات، فى تربية الناشئة داخل المجتمعات الإنسانية.

– وسأنهج فى الدراسة نهجا خاصا، يبدأ بتوضيح المعتقدات الميتافيزيقية، ثم ينتقل إلى تحليل هذه المعتقدات، مع بيان طرق اكتسابها ووظائفها فى المجتمعات فى الإنسانية.

– فإذا كانت التربية، عمليات مقصودة، تنصب على الإنسان وسلوكه، لإكسابه أو تبصيره بالسلوك المرغوب، أو جعله يتمثل النظام الثقلفى والقيمى فى مجتمع من المجتمعات أو تنميته وإبراز إمكاناته، بحيث يتميز بقدرات خاصة وكفايات أومهارات تمكنه من القيام بدوره الاجتماعى، على أكمل وجه.

– ومهما اختلفت مبادئ النظريات التربوية، وتباينت وسائلها، فإن بعضها يفترض أن هذا الإنسان، يتعلم بإنماء سلوكه، من حالة إلى أخرى، عن طريق شروط تتعلق بتصميم البيئة، نفسها ،أو عن طريق شروط، تشكل حالات من المواقف، تقوم على إثارات لتصميم السلوك، الذى نريده، كما تقول المدارس السلوكية، وبعضها يرى أن تربية الإنسان، لاتتم بتصميم الشروط الخارجية، التى توجه الإنسان، من الخارج فى البيئة، وإنما يحدث التعلم، عن طريق استبصار العقل وإدراكه، لما يتميز به العقل، ومن خصائص الإدراك والفهم، وبما يتصف به الوجدان، من صفات التحريك الداخلى، لاكتساب أنماط سلوكية، ومواقف محددة

– ومهما اختلفت النظريات التعلمية، سواء أكانت سلوكية، أم مجالية أم تكاملة أم معرفية فإنها لاتخرج عن كونها، افتراضات نظرية، تجتهد فى تفسير ظاهرة التعليم عند الإنسان….

منهج الدراسة وافتراضاتها:

ولكن هذه الدراسة ستأخذ موقفا آخر، فهى وإن التقت جزئيا مع النظريات التعلمية والتربوية، فإن مكوناتها تختلف اختلافا كليا، عن مرتكزات النظريات التعليمة المعرفية والسلوكية والاستبصارية.

وتقوم محاولتي كلها، على منهج ميتافيزيقى، يستند على الثقة المطلقة، فى حجة المناهج الدينية السماوية، التى صمم مدخلاتها وافتراضاتها، صاحب العلم وليس المتعلم، خالق الإنسان، وليس الإنسان المخلوق، صاحب القدرة والكمال الذى وسع علمه كل شئ، وتفضل على الإنسان، بشئ من هذا العلم لإعمار الأرض.

– والافتراضات المنطقية لهذه الدراسة هى:

1- أن هناك صلة قوية بين معتقدات الإنسان الفكرية والوجدانية وأنماط سلوكه.

2- وما الصلة بين المعتقدات الميتافيزيقية، وتكوين المراقبة الداخلية فى الإنسان، لاختيار سلوكه وتوجيهه وضبطه داخل النظام الاجتماعى؟

3- ما الصلة بين المعتقدات الميتافيزيقية، وإحياء المراقبة الداخلية، والدافع الداخلى، لاختيار السلوك الإنسانى، الملتزم بالنظام الدينى؟

4- هل المعتقدات الميتافيزيقية، تشكل دافعاً مستمراً داخل الإنسان الذى يعتقد بها، أم دافعا متغيراً؟

سأقوم بدراسة (( موضوع المعتقدات الميتافيزيقية وأثرها فى التربية )) من خلال منهج تحليلى للابعاد والمجالات التالية:

(1) ما طبيعة المعتقدات الميتافيزيقية ومفهومها وأنواعها؟

(2) ما طبيعة المعتقدات الميتافيزيقية فى العلوم؟

(3) ماهى المعتقدات الميتافيزيقية الدينية؟

(4) ما السبيل إلى الكشف عن طبيعة هذه الموضوعات الميتافيزيقية؟

(5) ما أهمية هذه الموضوعات الميتافيزيقية، للمجتمع الإنسانى؟

(6) هل يتمكن الإنسان من ضبط سلوكه عن طريق القوانين الخارجية؟

(7) ما السبيل إلى تخليص الإنسان من التعثر العقلى والوجدانى والنفسى؟

(8) إن تربية الإنسان بحاجة إلى أهداف وغايات تتجاوز حدود أطار الحياة الدنيا بأبعادها النفسية والمادية، فأين تكون هذه الأهداف؟

(9) ما الغايات والأهداف النهائية التى لا تتحول إلى وسائل بل تبقى أهدافا مطلقة وليست نسبية؟

(10) ما الموضوعات الميتافيزيقية الداخلة فى الدراسة؟

الموضوعات الميتافيزيقية الداخلية فى الدراسة هى:

1- الله، 2- الملائكة،   3- الآخرة،      4- البعث، 5    – الحساب والعقاب.

طبيعة المعتقدات الميتافيزيقية:

– ما طبيعة المعتقدات الميتافيزيقية؟ وما مفهوم هذه المعتقدات؟

– إن المعتقدات الميتافيزيقية، قضايا غيبية، يؤمن الإنسان بوجودها، على الرغم من أنه لايتمكن من رؤيتها، أو معاينتها أو أقامة الدليل المادى عليها، لأنها خارج موضوعات، مجال المعرفة الطبيعية، التى تقع تحت حواس الإنسان ومشاهداته وإدراكاته العقلية.

– والميتافيزيقا (Metaphysics  ( وإن فهمت بأنها موضوعات الوجود، التى سبق وجودها الإنسان، إن موضوعات الوجود، التى لم يتمكن الإنسان من التقدم فى الكشف عن طبائعها وماهياتها، بسبب نقص الأمكانات والأدوات والوسائل، فإن تلك الموضوعات الميتافيزيقية التى تدخل فى هذا المجال، سوف تخرج من مجال موضوعات الدراسة لأن ميتافيزيقيتها، قضية نسبية، وهى مرهونة بتقدم العلم والتكنولوجيا، ونشاهد أن الكثير من القضايا التى كانت تتدرج فى قائمة هذه الموضوعات الميتافيزيقية، أصبحت الآن قضايا معروفة تماما لدى الإنسان، فالقمر والمجرات والذرة، كانت تفاسيرها وتفاصيلها قضايا متيافيزيقية، ولكنها اليوم لم تعد سرا غيبيا، بل أصبحت حقائق علمية، يشاهدها الإنسان، ويقيم التجريب عليها بصورة مستمرة… ولكن الموضوعات الميتافيزيقية، التى نعنيها فى هذه الدراسة، هى: الموضوعات الغيبية، التى أخبرنا بها، إخبارا عن طريق الوحى الإلهى، الذى أنزله الله على رسله، وبالتحديد، ماأخبرنا بها القرآن الكريم الذى ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ﴾(1) وهى التى تشكل الجزء الأساسى، من قائمة المعتقدات الضرورية، لصحة الإيمان أو صحة قضية العقيدة. تلك المعتقدات التى يتدرج بها الإنسان، من إنسان فطرى إلى إنسان مسلم، ومن إنسان فطرى إلى إنسان مسلم، إلى إنسان مؤمن، ثم من إنسان مؤمن إلى إنسان محسن.  وهذه الحالات الأربع التى يمر بها الإنسان هى:

1- الحالة الفطرية         2- حالة الإسلام.          3- ثم حالة الإيمان                 4- ثم حالة الإحسان.

وإنما هى حالات يرتقى بها الإنسان، فى معارج الاعتقاد والسلوك والعمل والتقوى اختيارا يقوم على استبدال الأشكال اللفظية بالجواهر، أو استبدال النظر بالفعل أو نقل التعريفات اللفظية والفكرية، من مستوى الحيادية فى القول والتصريح إلى مستوى الحيادية فى القول والتصريح إلى مستوى الحيادية فى القول والتصريح إلى مستوى الاعتقاد، والتصديق، ثم إلى مستوى التقوى وإتقان العمل، وهو آخر معارج الرقى، أو بمعنى آخر، إرتقاء الإنسان، فى مراتب التقوى، من مجال الفطرة البريئة، والمتعثرة، إلى مجال الإسلام، وهو بداية وضع الفطرة، فى إطارها الصحيح، على الركائز الأساسية، لينالها الإنسان، بإقرار اللسان، وتصديق قلبه وعمله وجوارجه، ثم الارتقاء بحالة الإيمان هذه، إلى مرتبة الإحسان، تلك المرتبة التى يتخلص الإيمان فيها، من أية متغيرات، وترتقى مصداقيته وتثبت فيها نتائج اختياره على الدوام.

– الميتافيزيقية والعلوم، وقد تكون الموضوعات الميتافيزيقية، قضايا تتناول موضوعات طبيعية، ولكن اكتشاف حقيقتها مايزال قضية جدلية، غير محسومة، على مستوى الحقائق أو النظريات العلمية، أو على مستوى الحقائق أو النظريات العلمية، أو على مستوى الجدل الفلسفى، لأن المعرفة العلمية وأدواتها لم تتمكن بعد من الحسم فى أصل هذه القضايا، كقضية خلق الكون، والإنسان والوجود.

ومازال العلماء سائرين فى دراساتهم وبحوثهم، فى الكشف عن أسرارها، انتقلت هذه الموضوعات، من مجال القضايا الغيبية، إلى قضايا الموضوعات الطبيعية الأخرى.

– المعتقدات الميتافيزيقية الدينية، وهى القضايا التى تقع فوق المجال الطبيعى أو مابعد الطبيعة، والتى تتناول الموضوعات التى لاتقع تحت حواس الإنسان، ولا يتمكن من أن يقيم الدليل المادى عليها، أو يخصعها إلى التجريب للكشف عن خصائصها وسوف يبقى العلم، غير قادر على تفسرها، والكشف عن ماهيتها، كما يكشف   أو يفسر الظواهر الطبيعية الأخرى.

منهج الكشف عن المعتقدات الميتافيزيقية الدينية:

– ما السبيل إذن للكشف عن طبيعة الموضوعات الميتافيزيقية الدينية؟ هناك سبيل واحد فقط للكشف عن طبيعة الموضوعات الميتافيزيقية الدينية، وهو الإخبار الإلهى، عن طريق الوحى، لنقل أية معلومات تتعلق بطبيعة هذه القضايا مما يشرحها أو يفسرها بطريقة كلية عامة، أو بطريقة تفصيلية خاصة، ولولا مصدر الوحى، فى إيصال المعلومات، عن الموضوعات الميتافيزيقية الدينية لظلت المجتمعات البشرية فى حالة غياب كامل عن هذه المعلومات، لأنها لاتنال بكل ألوان مناهج البحث الوضعى.

– ما أهمية الموضوعات الميتافيزيقية الدينية للمجتمعات الإنسانية؟

– ما صلة هذه الموضوعات في مجال التصور الفكري؟

– ما صلة هذه الموضوعات في مجال الوجدان والإيمان؟

– ما صلة هذه الموضوعات فى مجال سلوك الإنسان اختيارا وضبطا؟

إن الاعتقاد بالموضوعات الميتافيزيقية الدينية، والتسليم بوجودها، كحقيقة تكمن فى العالم فوق الطبيعى، أو العالم الغيبى، الذى يتجاوز (( عالم الشهادة والمعاينة ))، قصية ضرورية لاشتغال التصور الفكرى عند الإنسان، فالمعتقدات الميتافيزيقية تبقى فى موقع متقدم من الفكر، تحفزه على النشاط والتأصل بصورة مستمرة، وتشكل دافعا داخليا يحرك الفكر، ودافعا خارجيا يحرك التأمل، وبالتفكير والتأمل يصعد الإنسان، ويرتقى ويخرج من الموروثات الاجتماعية، التى كانت تأسر تفكيره، وتحجم موضوعات نشاطه الفكرى فى الوجود.

– فبانتقال مجال التصور الفكرى عند الإنسان، من مجال الموجودات الحسية المحدودة فى موضوعاتها وطبائعها ووظائفها فى الحياة، إلى مجال الموجودات الميتافيزيقية التى توجد فى عالم الغيب، ينتقل هذا التصور نقله توعية، نقله من مجال المحسوسات، بل من مجال موضوعات الوجود الطبيعى، إلى موضوعات الوجود الغيبى وبالأحرى من موضوعات الإمكان المتغيرة إلى موضوعات القضايا الخالدة، التى لايلحقها التغيير على الإطلاق. وبذلك يخرج محتوى التصور الفكرى، من إطار الموجودات الماثلة، فى العالم الآخر، عالم الغيب، ذلك العالم الذى يشكل غاية الوجود، وحقيقته عند نهاية الحياة الإنسانية من العالم الواقعى المشهود الذى يتفاعل معه الإنسان فى أثناء وجوده الزمانى وفى حركته المكانية داخل الكون. فوجود القضايا الميتافيزيقية الدينية، فى جغرافية التصور الإنسانى، يعمل على تنقية التصور وتطهيره وتزكيته من الاختلاط بالشبهات المادية المضللة، التى كانت ومازالت تشوه التصور الإنسانى، وتنقل اتجاهاته من الاهتمام بالموضوعات الحسية إلى الموضوعات الغيبية الحقيقة، وبذلك فإن القصور الفكرى، ينتقل من مرحلة الاعتقادية الخاطئة، إلى مرحلة الشك فيها، ثم هبوط مستوى القناعات، ثم مرحلة العزوف عنها وإهمالها تمهيدا لإطفائها وكفها، وإخراجها من إطاره الذهنى، وبذلك ينقى الفكر والذهن ويستعد، لاستقبال البدائل الجديدة، البدائل الأعلى الخيرة، لتحل محل الموضوعات الأدنى العاجزة عن ترقية الفكر، وتجاوزه قضية الموروثات المادية الهابطة، وبذلك يتهيأ الفكر، ليستقيبل موضوعات، الحق والخير والعدل، التى تخلص التصور الفكرى من شبهاته. ولا يقتصر أثر المعتقدات الميتافيزيقية الدينية على تربية التصور الفكرى بل يتجاوز ذلك إلى تربية الوجدان.

المعتقدات الميتافيزيقية والوجدانية:

فأهمية المعتقدات الميتافيزيقية الدينية، فى مجال الوجدان تتجلى عندما تنتقل مراحل الاعتقاد بالموضوعات الميتافيزيقية الدينية، من المرحلة النظرية المتمثلة فى القناعات العقلية، التى كانت تقوم فى جغرافية الذهن والتصور الفكرى إلى المرحلة الإيمانية، التى تنتقل فيها مرحلة المعتقدات الميتافيزيقية، من حالة التصديق اللفظى باللسان، إلى حالة التصديق بالقلب، قال تعالى ﴿ قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم ﴾(1)، وهذه الآية دلالة على أن الإيمان، أرقى درجة من الإسلام، فالإسلام تقدم فى الاعتقاد على مستوى الفكر النظرى للعقيدة فى مجالى التفكير والقول، أما الإيمان، فهو تقدم، فى مجال الاعتقاد على مستوى التفكير والقول والقلب، والموضوع الذى يحل فى القلب، يملك سواده، ويتربع على عرش محبته، فيخلص الإنسان إلى كل الموضوعات التى تتمكن من قلبه، أكثر من الموضعات التى على لسانه وحسب. فبنزول الموضوعات إلى القلب القلب يحصل التواجد، وفقا لهذه الموضوعات. فالمعتقدات الميتافيزيقية عندما تنزل القلب أو الوجدان، وتأخذ مكانتها فيه، فإنها تكون محتواه، وتكون خفقاته، وفلسفته ودوافعه وموجهاته، وترسم اتجاهاته وقيمته، وحركته فى مجال التفاعل، وأنماط السلوك التى تقر بها الجوارح، داخل البيئة، عندئذ تصبح المعتقدات الميتافيزيقية فى داخل الانسان، شاهد عدل، ومراقبا يقظا يحافظ على الوجدان، من التعصر، أو الفساد، أو الانحراف وتملؤه بأخلاقيات وأفكار، ترشد مناشطة المختلفة، وأنماط سلوكه، فالوجدان الذى يؤمن بالموضوعات الميتافيزيقية الدينية، يحدد فكره، وقوله وفعله وسلوكه، فى ضوء ماتربى عليه، داخل إطار مرجعه الاعتقادى أو الدينى أو الثقافى، الذى يوجه عادة محدداته الثقافية والفكرية والسلوكية، نحو علائقه مع معطيات البيئة وإطارها الطبيعى والاجتماعى…

المعتقدات الميتافيزيقية والسلوك:

وتظهر أهمية المعتقدات الميتافيزيقية، فى مجال سلوك الإنسان، عندما تشكل هذه المعتقدات، إطار مرجعه فى التفكير، ومعايير قياسه فى المحاكمة، وميزان اختياره، من وسط البدائل المتعددة، التى تكون أمام إرادته الحرة للاختيارمنها، وهو يقوم بنشاطاته الحياتية، فى أبعادها المختلفة. فتصبح المعتقدات الميتافيزيقية، فى ذهن الإنسان وفى وجدانه، موجهة لاختيار السلوك وضابط لتوجيهها وترشيدها ومراقبتها، حتى تبقى فى إطارها الصحيح، ومجالها الطبيعى الذى يبقيها فى دائرة الانسجام مع القيم التى تحملها هذه المعتقدات الميتافيزيقية، فالإنسان الذى ارتقى بمعتقداته الدينية، إلى درجة تمكنت من أن تعيش حية فاعلة فى وجدانه على الدوام، فإن هذه المعتقدات ، تحفظ سلوكه من التعثر، وتخلص إيمانه مما قد يصيبه من وهن أحيانا، فيرتقى الإنسان فى إيمانه إلى مرتبة أكثر اكتمالا، وإلى حالة ذاتية، يرتفع فيها الإحساس، ويزداد فيها الحرص ويظهر فيها الإخلاص، على إحياء المراقبة الخارجية، فتستقيم اختياراته أو مناشطه فى الحياة، فيتحرك الإنسان المؤمن، الذى يتصف بهذه الخصائص، من مرحلة الإيمان إلى مرحلة الإحسان، تلك هى أغلى المراتب منزلة وأكثرها كمالا ومثالية وهى بهذا تنقل صاحبها من مرحلة التسيير الذاتى، التى تحرك بوقود إيمانى يشتعل فى داخل الإنسان بصورة لاتنقطع، فتشكل عناصره، مشاعل هداية، وصوت مراقبة، وحسن عمل ذاتى، وإخلاص وتقوى من شأنها أن تمنع كل سلوك أو نشاط يتنافى مع عناصر الإيمان وأخلاقياته فيظل المرء، نظيفا من أى مدخلات سلبية تحبط عمله، عندئذ يعمل الاحسان على كمال السلوك الإنسانى، عن طريق السيطرة على عناصر التصميم التى تكون بناء السلوك الإنسانى نفسه من الداخل والخارج وتحافظ على اختياره وتنفيذه وصيانته، بصورة مستمرة حتى لايتعثر فى مسيرته أو تلحقه الشبهات التى تقلل من جماله وكماله.

الإنسان وغياب المعتقدات الميتافيزيقية:

ماذا يحدث لو خلا الإنسان، من المعتقدات الميتافيزيقية؟ التى تلح على عقله ووجدانه وقلبه، بصورة مستمرة، حتى تعينه على ضبط سلوكه وتحديده فى ضوء إطار النشاط الأخلاقى، الذى يقوم على توجيه الإرادة الحرة، نحو اخيتار الأفعال الفاصلة، التى تستند على إدراك الخير من الشر، أو على وعى الفعل وما يترتب عليه من جزاءات أو مكافآت يقينية فى الآخرة، وكذلك الإدراك الواعى لنتائج العمل، فى العالم الآخر، هذا العالم الذى يتصف باليقين فى وجوده وباليقين فى وقوعه، وباليقين فى عمليات المحاسبة فيه، والتقييم الإلهى الذى يقوم على التقوى والاستقامة والعدل… ﴿ فأما من ثقلت موازينه فهو فى عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ماهية نار حامية ﴾(1). فإذا طرد الإنسان، البعد الميتافيزيقى من تصوره وفكره وقلبه، ولم تعد فكرة الله، ومسألة الآخرة، وقضية البعث، تشكل أمرا اعتقاديا أو أمرا ضروريا للإيمان، وأصبح الأنسان محايدا تماما، القضايا الميتافيزيقية واقتصرت معتقداته وإدراكاته فى الحياة على بعدها الدنيوى، على اعتبار أن هذا البعد، هو الأول والأخير، هو الوجود الذى لا وجود غيره، وأن الإنسان يعيش حياته فى هذا الوجود، مرة واحدة، ولاتمتد هذه الحياة إلى عالم آخر ويبعث الإنسان للمحاسبة، إذا فعل الإنسان ذلك فما نمط هذا الإنسان الذى يعيش فى إطار هذا الفكر؟ وما القيم والاتجاهات التى يحملها؟ وما موقفه من اختيار الفعل المحظور بالقوانين الوضعية، عند غياب هذه القوانين، أو عند إفلات الإنسان، من كل ألوان، المراقبة الخارجية، سواء أكانت مراقبة شخصية أو مراقبة اجتماعية أو مراقبة قانونية؟ وتؤكد الدراسات السيكولوجية أن الفرد لايحرك بالقوانين الخارجية، أكثر مما يحرك بالقوانين الداخلية، أو الموجهات الاعتقادية أو القيمية، التى تستند على تربية، تقوم على أسس ميتافيزيقية، تكمن فى كيان الإنسان من الداخل، فى ذهنه وعقله ووجدانه وقلبه، وبهذا فإن الاعتقاد بالقضايا الميتافيزيقية، يساعد فى تشكيل الضماير أو الوجدان أو المرقبة الحية الماثلة فى داخل الإنسان باستمرار، وبخاصة إذا ارتبطت هذه المعتقدات الميتافيزيقية بموضوع الآخرة، التى يحدث فيها موضوع البعث، والحساب، وتطبيق مبدأ العقاب والثواب، فإما أن يدخل الإنسان الجنة، فيستمتع بخيراتها، ثوابا على أعماله الفاضلة، وإما أن دخل النار جزءا وفاقا على أعماله الشريرة… فما الذى يدفع الإنسان للالتزام بالسلوك الخير، أو بالفضيلة والأعمال الأخلاقية إذا تمكن أن يلفت من جزءا القوانين الخارجية، أو مراقبتها، خاصة عندما لايؤمن بقضايا ميتافيزيقية، كالاعتقاد بوجود العالم الآخر، وما يحدث فيه من بعث وعقاب أو ثواب، فالإنسان الذى يعيش على الإيمان بالواقع، ويقصر معتقداته على موضوعات الحياة المادية، فإنه يفرغ نفسه وعقله وقلبه ووجدانه، من كل الموضوعات، التى تبعث فيه ضبط السلوك بدافع داخلى، يتشكل بحالة الاستشعار من بعد، المتمثلة بالاعتقاد والتصديق بالقضايا الميتافيزيقية، تلك المعتقدات التى لا يفلت من عقابها الإنسان فى حياته الأخرى، إذا تمكن الإنسان أن يفلت بفضل ذكائه من عقاب القوانين والمراقبة الخارجية، وهكذا فإن الأفراد، الذين تقتصر معتقداتهم، فى الحياة على بعد واحد، هو بعد الحياة الدنيا، فإنهم يغرقون فى الاهتمامات المادية ويسلكون سلوكا ماديا، وهذا اللون المادى اللون المادى من السلوك، يترتب منطقيا على مفهوم الحياة فى إطارها المادى، الدنيوى، ونفى بعدها الأخروى، فالإنسان الذى تخلو منظومة الفكر والأخلاق عنده، من المعتقدات الميتافيزيقية، فإن نشاطه، يتمركز على الألوان المادية لا حبا فى المادة بجد ذاتها، بل هو انسجام مع طبيعة مفاهيمه، ومعتقداته وأفكاره عن الحياة وعلائقه معها، ذلك لأنه محيد من الإيمان والاعتقاد بمفاهيم مسألة العقاب والثواب، بعد مرحلة الموت، الذى يؤكد الله به عودة الإنسان، إلى أصل مادة تكوينه، وهى الطين، لكى يبعثه الله مرة ثانية، قال تعالى ﴿ قال من يحيى العظام وهى رميم، قل يحيها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾(1) تلك دلالة منطقية، يبرهن الله بها لمخلوقاته أنه هو الذى يعيدهم، وهو الذى يحييهم مرة ثانية، لكى يبرهن للأنسان فى نهاية حياته، قصة خلقه التى لم يكن شاهدا عليها.

الاعتقاد بالقضايا الميتافيزيقية ودورها فى توجيه السلوك:ـ

فإن تربى الإنسان فى إطار مرجعى، من المفاهيم والأفكار المحسوسة والمشاهدة فى البيئة، كالأنظمة والقوانين وأنماط المراقبة الأخرى، وحسب، ثم لم يترتب على الأفكار مايصون التزامه بهذه القوانين، من الداخل، فإن أنانيته وإحساساته المادية، واهتماماته الفردية، وحاجاته السيكولوجية والاجتماعية والبيولوجية، قد تلحة عليه، لان يفلت يفلت من هذه القوانين الخارجية، لغاية إشباع حاجاته التى قد تتعارض مع هذه القوانين، أو تحس بأنها تكبلها، وتحد من درجة إشباعها، بل هى أسباب حرمانها بصورة عامة.. ومثل هذا الشعور من الحرمان، يدفع الإنسان إلى أن يشبع حاجاته، عن طريق تجاوز القوانين والاحتيال عليها بفضل ذكائه، وفقا لأساليب مختلفة… وتبقى العملية عنده، قوانين تتحدى ذكاءه فحسب، فإن عمله، يعد تصرفا ذكيا ومقبولا، بل تكيفا مع قوانين الجزاءات المادية..، ومن الذى يحاسبه إذا استطاع أن يفلت، من كل الالتزامات الخارجية فى البيئة؟ وهو لا يؤمن، بأنه سوف ينتقل إلى عالم آخر لايفلت من العقاب فيه، جزاءات لعمله، الذى أفلت منه فى الدنيا، بكل مافيها من قوانين خارجية، لأن مجال العقاب فيها، مجال الحياة الدنيا وحسب.. والإنسان الذى يقع تحت إلحاح التوجيهات العقلية والنفسية والجسمية، فأنه لا يتمكن، من أن يضبط سلوكه، أمام ضغط الحاجات الطفولية غير المشبعة أو الأنا المتورم، الذى يعيد الحاجات البيولوجية الجامحة أو متطلبات النفس غير المزكية أو استمرار التمركز الطفولى حول الذات وحتى يتخلص الإنسان من التعثر، الذى قد يصيبه فى نفسه وعقله وجسمه ( حاجاته البيولوجية )، لا بد من أن يقيم فى داخله نموذجا آخر من الموجهات التى لا تنطلق من الذات فى الإنسان، أو من البيئة حوله، بل لابد وأن تتجاوز حدود هذين البعدين، لكى تبقى دوافع إيجابية مستمرة تبعث فيه صوت المراقبة الإِلهية، التى تتمثل فى الهداية، ثم فى إقامة المحاكمات والجزاءات فى الآخرة، وفقا لأعمالنا فى الدنيا، تلك قضية لا مفر منها أبدا، لضبط سلوك الإنسان وفقا للنظام الدينى. ما السبيل إلى تخليص الإنسان من التعثر العقلى والوجدانى والنفسى الذى يترتب عليه، خروج عن الأنظمة والقوانين والمراقبة الاجتماعية بألوانها المختلفة؟؟؟ فالإنسان الذى يعيش فى إطار من المواجهات الماثلة فى الحياة الدنيا، لاغاية له لأنه يحدد أهدافه فى إطارها المادى، تلك الأهداف تتحول إلى وسائل، لهذا تبدو قريبة المنال تبدأ مع وعى الإنسان لذاته، وتنتهى مع سقوط اهتماماته، سوى أن يعيش حياته عيشة اشتراطية، كما هو حال الحيوانات، ثم تنتهى هذه الحياة، وتنتهى قضية تماما، وكأن شيئا لم يكن… فلا غاية، ولا هدف ولا مسؤليات ولا فلسفة من وجوده، فإن كان الأمر كذلك، فإن المنطق يستدعى، أن يسقط عن الإنسان، عقله وخلقه، ومسؤولياته، ثم الغاية من وجوده، ثم عملية تقييمه، إذ لم تعد كل هذه الخصائص ضرورية للإنسان، لأن الإنسان قد تحول إلى كائن يعيش حياة واحدة، هى الحياة الدنيا، تلك الحياة الحياة التى لم تخلق فى الإنسان أية غابات مطلقة، أو أية مسؤليات تكليفية، يختبر فى كيفية أدائها، ومسؤوليات اجتماعية، يختبر فى ضوء التزامه بها.. لأن الإنسان فى ضوء المفهوم المادى، قضية ولادة وحياة وموت، وحسب. وليس قضية ولادة، وغاية ومسؤولية، وحياة، وموت، ثم بعث لتطبيق مبدأ العقاب والثواب، فى ضوء أعمالة ونشاطاته وسلوكه، فى الحياة الدنيا، أو عالم الشهادة، من أجل أن تبقى الأهداف، التى يقيم فى ضوئها، خارج حدود الإطار الدنيوى، تلك الحدود التى تكفل استمرارية الدوافع فى وجدان الإنسان وعقله، مادام حيا لكى يؤمن له حياة أخرى، بعد موته، وبذلك يضمن نهاية خالدة فى الجنة، ذلك المكان الذى يتطلع إليه كل المؤمنين، لما فيه من خصائص تبعث السعادة فى النفس، والشعور بالرضا، وبالفوز بأعلى الغابات، مكافأة على الالتزام والانضباط والطاعة والقيام بالواجب، نحو الذات والله، ومحتوى ذهنه ومعتقداته ومفاهيمه عن الوجود، ويؤمن بقضايا الغيب كلها، وبخاصة تلك القضايا التى تتعلق بالخالق وما يترتب عليه، من مخلوقات فى عالم الغيب، وبالتحديد الإيمان بالموضوعات الميتافيزيقية، التى تبقى غايات مطلقة لاتنال فى أثناء حياته، بل تتجاوز حدود الزمان الذى يعيشه، وحدود المكان الذى يتواجد فيه، خلال مدته الزمان الذى يعيشه، وحدود المكان الذى يتواجد فيه، خلال مدته الزمانية، من أجل أن تبقى تلك القضايا غايات، لايدركها الإنسان فى وجوده الدنيوى، بل يدركها بعد انتقاله إلى العالم الآخر، فى ضوء مايقدمه من كشف حساب، يتضمن مستوى تقواه، وأنماط سلوكه، ونشاطاته المختلفة، وهذا يستدعى أن يستدعى الإنسان، فإنه يستقيم فى تصوراته وفى فكره، وفى وجدانه وفى سلوكه، ونشاطاته المختلفة، وهذا يستدعى أن يؤمن الإنسان، بموضوعات الحياة الآخرة، وفى مقدمة هذه الموضوعات، الله كخالق ومميت، ومعيد، والأخرة كوجود ومكان للتقييم، وتطبيق لمبدأ الثواب والعقاب، لكى يحقق الله وعده ووعيده فيكافئ المحسنين، ويعاقب المفسدين، تلك منتجات منطقية، يمكن ترتيبها وفقا لاستدلالات تمثيلية، تقوم فى الحياة الدنيا من جزاء أو ثواب فإذا كان منطق العقاب والثواب مقبولا فى المجتمعات الإنسانية، فى أثناء حياتها الأولى، فلماذا لاينسحب هذا النمطق أو يقبل تطبيقه فى الحياة الآخرة، تلك هى نهاية المحاسبة، وتصفية الحقوق بين أطراف موضوعات الوجود المختلفة، التى أوجدها الله بق
ضائه وقدره، وحدد رسالتها وغاياتها فى الحياة، فى ضوء ما قضاه الله فى الأزل على تصميم الوجود عليه، وفقا لصورة التصميم، التى  قضى أن تكون الأشياء عليها فى الأزل

– فإذا كانت جميع الأهداف التى يسعى إليها الإنسان، أهدافا تقع فى عالم الشهادة العالم الدنيوى- فإنها تشكل أهدافا قريبة، لأنها فى إطار حياته الدنيوية، فعندما يظفر الإنسان بهذه الغايات المادية فى حياته الدنيوية، فعندما يظفر الإنسان بهذه الغابات المادية فى حياته، ولم تعد أمامه أهدافا تحركه فإنه يحبط، ويفقد معنى استمرارية الحياة، فتنتهى، رسالته والغاية من وجوده، تلك الرسالة التى ينبغى أن تبقى مستمرة مادامت البشرية حية، ومادام الوجود يستدعى استمرار الوجود يستدعى استمرار حياة الإنسان، لأنه الكائن الوحيد الذى وجد لإعماره فلا توجد مبررات منظقية تحدد رسالة الإنسان فى الحياة الدنيا، مادام الوجود يشتمل على موضوعات ميتافيزيقية، فالإنسان هو محور الحياة، وهو العنصر الغائى الذى قضى الله عليه، أن يحمله أمانته في الأرض وفقا لرسالة أن يقيم عمله، فمن يقيمه؟ وأين يقيم؟ وما مجال تقييمه؟ ومتى يقيم؟ وهل يقيم فى الحياة الدنيا؟ وإذا تم ذلك، فهل يقيم بصورة مستمرة على طيلة حياته؟ أم يقيم قبل موته؟ وإن حدث أن مات قبل أن يقيم؟ ما الذى سيحدث؟ هل تسقط عنه كل الأعمال؟ أم يلاحقه التقييم إلى ما بعد الموت؟ وهنا يستدعى المنطق الإيمان بالله، الذى يعيده ثانية، من أجل الحساب، ومكان البعث سيكون الآخرة، حتى يخرج الإنسان من إطار حياته الدنيوية، وهو يتطلع إلى أهداف تتجاوز حدود حياته الأولى، وتكمن فى حياته الأخرى، تلك الحياة، التى تمثل غاية الغايات عند الإنسان المؤمن، بقضية البعث، ويوم الحساب، فى العالم الآخر. فإذا آمن الأفراد والجماعات والمجتمعات والأمم والبشرية جميعا، بقضية البعث والحساب فإن هذه المجتمعات تتغير فلسفاتها، وأنماط سلوكها، فى الحياة الدنيا بفضل ما تخلقه هذه المعتقدات من معايير، لاختيار أنماط السلوك المنسجمة، مع مبادئ الإيمان.

– ما الموضوعات الميتافيزيقية التى تبعث على التربية الاجتماعية؟ هناك موضوعات عديدة تساعد على تربية الوجدان، وإحياء الشاهد الداخلى، وضبط السلوك فى الحياة الاجتماعية وسوف لا نستعرضها جميعا، بل سنعرض بعضنا منها على سبيل المثال وليس الحصر، وعلى رأس هذه الموضوعات الميتافيزيقية التى تؤدى إلى التربية الاجتماعية:

أولا: الله: إن الإيمان بالله، الذى يترتب عليه، اعتقاد الإنسان بصفات الله، صفات ذاته، وصفات فعله، يتنتج عنه أن الله قد خلق الوجود بكل مافيه، وأنه الوحيد القادر على إنهائه، ثم بعثه، بإرادته ومشيئته فهو المحيى والمميت وأن الله يعلم ما تخفى الأنفس، لأن عمله وسع كل شئ، وأن الله سوف يحقق وعده ووعيده، لتحقيق مبدأ الثواب والعقاب، تلك المفاهيم، إذا استطاعت التربية الاجتماعية أو التنشئة الاجتماعية أن تضعها فى الإطار المرجعى، كعناصر ثقافية أو قيمتة توجه فكر الإنسان، وفلسفته فى الحياة، وتشكل مرجعا قيميا، يختار الإنسان فى ضوئها ممارساته وأنماط سلوكه، فإنه يعيش طيلة حياته فى الحياة الدنيا، منضبطا فى سلوكه إيمانا واحتسابا من الآخر، تلك المسألة تشكل صوت ضمير، ينبه وجدان الإنسان فى الإقبال على اختيار الاستقامة فى السلوك بصورة مستمرة.

ثانيا: البعث: إن البعث قضية ميتافيزيقية، من قضايا الدين الإسلامى، وجزء من الإيمان، الذى يؤكد سلامة التوحيد، عند المسلمين، إن إحياء مسألة البعث فى وجدان الإنسان، تشكل عامل صيانة، يخلص فكر فكر الإنسان ووجدانه من التعثرات وينمط السلوك، فى ضوء شروط الإيمان ومتطباته، ولهذا فإن الإيمان، بقضية البعث، يكون دافعا قويا، يوجه الإنسان لفعل الخير، بصورة مستمرة، تلك هى تربية، لا يستغنى عنها المجتمع الإنسانى، بل يتطلبها تطلبا ضروريا لصاينة حياته الاجتماعية وبخاصة عندما تغيب المراقبات الخارجية.

ثالثا: الآخرة: وهى قضية ميتافيزيقية، تستدعيها صحة الإيمان ولكن التصديق بها مسألة تربوية، تعين الإنسان، غلى نقل غاياته، من العالم المحسوس، إلى عالم الغيب، لتبقى هذه الغابات وراء الوجود المنظور، فتتحول أهداف الإنسان من التركيز على موضوعات دنيوية، إلى موضوعات أخروية، تتجاوز حدود العالم الطبيعى، فتنقل مستوى الأهداف، من أهداف نسبية ترتبط بالحياة واهتماماتها، إلى أهداف مطلقة ترتبط بالحياة الآخرة. ومن تجاوزت أهدافه الحياة الدنيا، بموضوعاتها المادية نظر إلى هذه الحياة، على أنها وسيلة لا غاية، وطريق عابر وليس مكانا نهائيا فلا يتمركز حولها، ولا يعيش لها، ولا يجعلها غايته النهائية، فإن رغبته فى الجنة وطمعه فى الحصول عليها، ورهبته من العقاب، كل ذلك مفاهيم تدور حول موضوع الآخرة مسالة ميتافيزيقية تربى الإنسان، وتصون فكره، ووجدانه، وسلوكه، من كل ألوان الفساد، أو التعثر، الذى يتعارض مع القيم الأخلاقية، أو مبادئ الإيمان، بصورة عامة.

رابعا: الملائكة: تلك قضية ميتافيزيقية أخرى، يترتب عليها صحة الإيمان، وسلامة العقيدة، وتصديق الرسلات السماوية، وتوثيق ما قاله الرسل والأنبياء نقلا عن الله سبحانه… فإذا تربى الإنسان على التسليم بالملائكة، فإن ذلك يستدعى التسليم بكل ما نقله هؤلاء، من رسالات سماوية إلى الانبياء والرسل الذين اصطفاهم الله واختارهم لتبليغ رسالاته إلى البشر، تلك الرسالات التى تمثل هدايتهم إلى سواء السبيل هدايتهم لفهم أنفسهم، وهدايتهم لفهم طبيعة الكون، وهدايتهم لإدراك الغاية الأساسية من وجودهم، فى هذه الحياة، ثم هدايتهم لتنظيم اجتماعهم، وعلاقاتهم، الداخلية والخارجية، ثم هدايتهم إلى خالقهم، وكل ذلك تربية للعقل، الذى يقصر عن إدراك هذه الأشياء، بعد أن ظل ضائعا، غير قادر على تنظيف نفسه من ألوان التعثر الداخلى، التى كانت تمنعه من رؤية الصواب والحق والجمال والقيم فى الأشياء والموضوعات من حوله، لأنها كانت تتعارض، مع اهتماماته الذاتية… وهذه الألوان من التربية، التى أصابت العقل والوجدان والتصور قد ساعدت الإنسان على تخلصه من عبوديته للطبيعة، ومن عبوديته الذاتية، ومن عبوديته لغيره من بنى جنسه، ورد العبودية إلى الخالق الأساسي، لأن فى والكون، ترقية للإنسان بسبب تخليصه من عبادة المخلوقات، وتوجيهه لعبادة الله وحده، خالق كل شئ.

مراجع البحث

1- ابن سيناء، الشفاء، الإهيات، والجزء الأول، تحقيق الأب قنواتى، سعيد زايد، القاهرة سنة 1960.

2- دكتور توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ط7 دار النهضة القاهرة، سنو 1979 ص 231-254.

3- دكتور زكريا إبراهيم، مشكلات فلسفية، مكتبة حصر، القاهرة، ص 300- 312.

4- دكتور زكى نجيب، خرافة الميتافيزيقا، النهضة المصرية، الطبعة الأولى القاهرة سنة 1953.

5- دكتور عبد الرحمن بدوى، مدخل جديد إلى الفلسفة، ط3. مطبوعات الكويت سنة 1978.

6- دكتور محمد عاطف العراقى، ثورة العقل فى الفلسفة العربية، دار المعارف سنة 1978 ومباحثها مع ترجمة المدخل إلى الميتافيزيقا، دار المعارف، سنة 1979.

7- دكتور محمد علي أبو ريان , الفلسفة ومباحثها مع ترجمة المدخل إلى الميتافيزيقا, دار المعارف سنة 1979.

8- محمود رجب، الميتافيزيقا عند الفلاسفة المعاصرين، منشأة المعارف، الاسكندرية سنة 1966.

9- دكتوره نازلى إسماعيل، تأملات ديكتاتورية- المدخل إلى الظاهريات. دار المعارف بمصر سنة 1969.

10- هدجر، ما الفلسفة؟ ما الميتافيزيقا؟ ترجمة فؤاد كامل، محمود رجب، القاهرة سنة 1964.

12- Leclerc, Whiteheadʼs, Metaphysics, London, Allen & Unwin, 1958.

13- Heidegger, Essays, in metaphysics, Identity & Difference, N.Y. Philosophical Library 1960.

14- Emmit Dorothy, the Nature of Metaphysical, London, Macmillan 1945.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر