محاضرات

حول أوضاع المشاركة في شئون الولايات العامة لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية المعاصرة

العدد 69- 70

مقدمة :

الحديث عن الأقليات في التاريخ الحديث يتناول عدة محاور هي :

  1. المركز الذي تشغله الأقليات في العصر الحديث .
  2. الأقليات والعصر الحديث في بلادنا العربية والإسلامية .
  3. يدور الحديث حول الأقليات الدينية الإسلامية في بلادنا العربية الإسلامية خاصة دون التطرق إلي الأقليات عامة .
  4. الاهتمام بقضية مشاركة غير المسلمين للمسلمين في إدارة الشئون العامة للمجتمعات الإسلامية وهي قضية محل خلاف يحتاج بحثها ومناقشتها إلي النظر في ثلاثة أمور:

أ -النظر إلي هذه المشاركة في إطار علاقات حقوق الإنسان المتخذة إطارا مرجعيا الآن للفكر الوضعي .

ب – النظر إلي هذه المشاركة في إطار الفقه الإسلامي، وبيان منهج النظر الشرعي والواقعي في هذا الصدد.

ج – النظر في الجانب التنظيمي للمجتمع، وفقا لما تفتقت عنه أوضاع مجتمعاتنا المعاصرة مما يتمشى ولا يتعارض مع أصول النظر الشرعي الإسلامي، وبيان ما إذا كان ثمة إمكان لتنظيم إجماعي يكفل تحقيق هذه المشاركة، وما الضوابط التي تحدد ذلك.

أولاَ:

من أشهر الوثائق السياسية في العالم اليوم (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948.

ولم تصدر هذه الوثيقة من فراغ، إنما لخصت وبلورت ما انتهي إلية الفكر الغربي علي مدي قرون نهضته الأخيرة في العصر الحديث، وأهم وثيقتين غربيتين سابقتين هما:

  1. إعلان الاستقلال الأمريكي الذي صدر في يوليه سنة 1776 في حرب استقلال أمريكا ضد الاحتلال البريطاني لها، وتضمن الإعلان (( أن كان الرجل قد ولدتهم أمهاتهم سواسية)) وأشار إلي حق الإنسان في الحياة والحرية والمساواة.
  2. وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية في أغسطس سنة 1789 ، وتضمن(( يولد الناس أحرارا ومتساوون في الحقوق)) ، وما لبث هذا الإعلان أن صار ذا شهرة واسعة وصيت ذائع، وأوضحت مبادئه من الأصول التي أنبنى عليها الفكر السياسي الغربي في العصر الحديث .

لقد جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في1948، وثيقة دولية ذات إشعاع علي الدساتير والقوانين الوطنية التي تصدر في غالب الدول، وبعد صدور هذا الإعلان علمت الأمم المتحدة علي إنجاز مهمة اكثر صعوبة، وهي تحويل مبادئ هذا الإعلان إلي مواد تتضمنها معاهدة دولية، تقرر التزام الدول المصدقة علي مبادئ، أي تحويل المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان إلي أحكام قانونية ملزمة .

وأعدت الهيئة العالمية مشروعي اتفاقيتين، الأولي تتناول الحقوق المدنية والسياسية والثانية تعالج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي 16 ديسمبر 1966 صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة علي هذين  المشروعين، ولكن كان تنفيذ كل منهما يتطلب موافقة 35 دولة علي الأقل، ولم يتوافر هذا العدد إلا بعد عشر سنوات في 3 يناير سنة 1976 بالنسبة للاتفاقية الخاصة (( بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)) وفي 23 مارس سنة 1976بالنسبة للاتفاقية الخاصة (( بالحقوق المدنية والسياسية)).

وتتضمن اتفاقية الحقوق الإنسانية والسياسية، حق كل كائن بشري في الحياة والحرية والأمن والحياة الخاصة، وحقة في المحاكمة العادلة، وحقة في حرية الفكر والضمير والديانة وممارسة الرأي والتعبير عنه، وحقه في التنقل والتجمع، كما تتضمن الاتفاقية الاقتصادية والاجتماعية كفالة ظروف المعيشة الأفضل، وحق الشخص في العمل والأجر العادل، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية، وتشكيل الجمعيات والانضمام لها..، وإلي آخر ذلك مما لسنا بصدد بحثه ولا حصره ، ولكننا بصدد ذكره لخريطة فكرية عامة لنلتقط الخيط الذي يتعلق بالموضوع المطروح.

فإن أهم ما يفيدنا مما ورد بهذه المبادئ مما يتعلق مباشرة بموضوع الأقليات، هو مبدأ المساوة بين البشر . فموضوع الأقليات في العصر الحديث يجد إطارا مرجعيا له في مبدأ المساواة بالصيغة التي أشارت إليها وثائق حقوق الإنسان، واعتبرت لدي كثيرين مرجعا عالميا معاصرا لهذا المبدأ.

ويسهل جدا القول بأن الإسلام كان سابقا لهذه الوثائق في تقرير جملة المبادئ التي تضمنتها،  حماية لحق الإنسان في العيش الحر الكريم ،بموجب وصفه الإنساني العام . وهذا هو الواقع الذي تنبئ به الحقيقة التاريخية، وعلي رأس تلك المبادئ وأخصها مبدأ المساواة بين البشير .

هذا الأصل صاغه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولي بقوله ((يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق …))  وهذا الأصل المشهور المتكرر في الوثائق هو ذاته نص عباره بن الخطاب ((رضي الله عنه)) وهي عبارة ((بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ))، ويؤكد معناها أن قائلها لم يكن حاكما محض مفكر أو كاتب إنما كان حاكما قالها في عز سطوة الحكم والولاية، وأنه لم يكن يمثل شعبا مقهورا، إنما كان يمثل القوة الإسلامية الغالية، ولقد قالها ليحمي غير المسلمين المغلوبين.

وهذه العبارة بقيت يتناقلها عبر مئات السنين تلاميذ المدارس وصبية الكتاتيب في بلاد المسلمين، وهذا أحمد عرابي زعيم ثورة سنة 1882 في مصر، يقف بجواده يوجه خديوي مصر في ميدان عابدين في 9 سبتمبر سنة 1881 ويقول له ((لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا ولن نستعبد بعد اليوم)) ولم يكن عرابي طالع إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي، إنما كان يردد قولة عمر مما تعلمه في قريته وهو صبي.

والقرآن الكريم عندنا يقول : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي ) [ الحجرات آية :13] إنما يشير إلي وحدة المنشأ للناس كافة، الذين وجه الحديث إليهم بغير حصر المؤمنين وحدهم، والرسول الكريم يوصي في خطبة الوداع (( يا أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب )) ثم يؤكد أن لأفضل لعربي علي أعجمي ولا لأحمر علي أبيض (( إلا بالتقوي )) بهذا يتقرر أصل التساوي بين البشر جميعا حسب خلقهم الأول، وبما قاله  النبي صلي الله عليه وسلم يتقرر أن التفاضل بعد ذلك يرد من الفعل الإداري البشري وهو التقوي والتقوي الجماع خاصتي العمل والإيمان، والتعامل والسلوك . وبهذا فإن الناس لا يتفاضلون إلا بما في مكنة كل منهم من وجوه الخيارات الإدارية المتاحة للناس والتي ترد بشأنها تبعة الثواب والعقاب.

والمساواة تعني منع التمييز بين الناس بوصف يعلق بهم أو بسبب يلحق بهم، دون أن يكون لإرادتهم دخل في هذا التعلق أو الإلحاق، وأن يقوم هذا الوصف أو السبب لديهم علي وجه الاطراد، دون أن يكون في مكنتهم بالعمل الإداري أن يرفعوه أو يتجاوزوه، وأن يقوم أي من هذه الأوصاف أو الأسباب لدي جماعات من البشر تشترك فيه، وتلك هي الأسباب والأوصاف المتعلقة بالجنس أو بالعنصر أو لون البشرة أو اللغة الأصلية …إلخ .

والمساواة تعني أن تنظر الجماعة إلي الأفراد المكونين لها بحسبانهم محض أفراد فيها لا يميز أي فرد عن الآخرين إلا إن تكون أوصافا مكتسبة – أي أوصافا مفارقة وغير لصيقة بالفرد التصاقا شبه دائم، كشرط بلوغ سن معينة للتمكين من إجراء أعمال أو تولي وظائف معينة، فالسن إن لم يكن شرطا مكتسبا فهو وصف مفارق يطرأ علي الإنسان ثم يتجاوزه…إلخ .

ونصل الآن إلي ما نود تحريره في أمر المساواة والأقليات .

فبعد أن قرر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولي أصل المساواة بين الناس كافة في الكرامة والحقوق حظرت المادة الثانية التميز بين الناس ((أي تمييز)) كان، سواء بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد، دون أي تفرقة بين الرجال أو النساء، ويثير هذا الإعلان عدة تساؤلات وملاحظات:

أولا: إلي من يتوجه هذا الإعلان بعدم التمييز بالمساواة بغض النظر عن اللون أو الجنس ؟ إن مقدمة الإعلان تتوجه بهذه الأحكام إلي كل فرد وهيئة في المجتمع،  وعن طريق التعليم والتربية،  واتخاذ الإجراءات مطردة قومية وعالمية لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع  الخاضعة لسلطانها. فخطاب المساواة وعدم التمييز يتجه إلي الدول )) بشأن الشعوب الخاضعة لسلطانها .

ثانيا  : إن الحقوق والحريات الواردة بالإعلان، مشمولة جميعها بحكم المساواة وعدم التمييز، وهو مما يمكن أن ينقسم إلي نوعين، أولهما حقوق وحريات تتعلق بالأفراد والجماعات الأهلية، بحق الحياة وحرية المسكن والحق الثقافي والتنقل والتملك وحرية الرأي والتعبير، وهذا النوع لا يثور بشأنه مشكل في صدد الموضوع المطروح، فهي أمور معترف بها سواء في القوانين الوضعية أو الإسلامية، أما النوع الثاني فهو ذلك الذي يتعلق بالولايات العامة، وهو ما عبرت عنه المادة 21 من الإعلان العالمي بقولها :

  1. لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشئون العامة لبلاده، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين .
  2. لكل شخص نفس الحق في تقلد الوظائف العامة في البلاد .
  3. إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة .

ثالثا : في هذا النوع الأخير يظهر وجه ما يتعين تنبيه وتحريره فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فهي إذا وردت عامة شاملة مطلقة وتضمنت وجوب التساوي المطلق بين الناس كافة في كل الحقوق و الحريات، ونجد الإعلان في المقدمة يشير إلي  الدول وشعوب البقاع الخاضعة لها، ونجده في المادة 21 يقر حق الاشتراك في إدارة الشعوب العامة (( لكل فرد …(بالنسبة) لبلاده ))، وكذا تقلد الوظائف العامة، فهذا الحق منسوب لدولة ولجماعة سياسية.

رابعا : ومن هنا نصل إلي نوع التصنيف الذي تقوم علية الدولة والذي يبين جماعة من جماعة أخري، له أثره في تبين نسبة الحقوق المتاحة بالإعلان العالمي . ومعني ذلك أن في الإعلان العالمي للحقوق مالا يمكن تصور إعماله في إطار العلاقة بين كل من الدول ومواطنيها، أي أن الدولة تكون ملتزمة بالتسوية بين مواطنيها بصرف النظر عن العنصر أو اللون أو الجنس أو الجنس أو اللغة أو الدين …الخ ولكن لا يقوم عليها هذا الالتزام في كل الحقوق والحريات بالنسبة لغير مواطنيها، ومن ثم فإن حق التملك لا يلزم أن يكون مطلقا لغير رعايا الدولة… وحق التنقل أيضاً…. وهكذا .

خامسا : ومن وجهة أخري فإن حق المشاركة في إدارة الشئون العامة ليس مطلقا ولكنه مقيد بإطار الرابطة بين الفرد وبلده، وكذلك تقلد الوظائف العامة، وبهذا يتأثر إعمال هذا الحق بإطار الإقليم المحدد لسطلة الدولة، والتصنيف السياسي الذي قامت علي أساسه الجماعة المكونة للدولة . فإذا كانت الجماعة السياسية قائمة علي أساس ((القومية )) وكانت الدولة دولة قومية بشكلها الناصع ، فليس ثمة مشكل يتعلق بالمساواة ولا بالتمييز، فإن الفرد إما أن يكون مواطنا ينتمي لهذه القومية ويتمتع بحقوق الإنسان ، وإما أن يكون (( أجنبيا )) لا تشمله ضوابط تلك الحقوق المتعلقة بصلة المواطن بدولته .

إنما تثور المشكلة دائما في الدول ذات القوميات المتعددة، والدول التي تقوم علي أساس غير قومي كالدول التي تقوم علي أساس وحدات سياسية من الشعوب التي تعتنق ديانة واحدة أو مذهب ديني واحد.

سادسا : والحاصل أن إعلانات حقوق الإنسان المتعددة في العالم الآن قد تبلورت بعد أن ظهرت القوميات وصيغت كوحدات انتماء سياسي،  بدأت من القرن الثامن عشر، وتمت بلورتها خلال القرن التاسع عشر، وذلك علي أساس تصنيف الشعوب والوحدات السياسية وفقا لعنصر اللغة الواحدة والإقليم المشترك والتاريخ المكون للانسجام الجماعي .

ونحن عندما يتبين لنا الآن أكثر البلاد مراعاة لحقوق الإنسان من حيث المساواة وعدم التمييز إنما هي بلاد أوربا الغربية وأمريكا الشمالية، فإن ذلك يرجع إلي أن مفهوم المساواة قد وضع علي أساس من قيام (( الدولة السياسية )) في دول قومية صرف، حيث تتكون الجماعة السياسية من قومية واحدة، وحيث لا تتعدد الشعوب الخاضعة للدولة، فلا توجد أقليات لديها، ومن ثم فإن من لا يتمتع بهذه الحقوق ،فهو أجنبي لا ينتمي للشعب الذي يشكل القومية ولا تعترف به الدولة كواحد من مواطنيها . بمعني أنه لا توجد أقليات في هذه الدول .

ويبدأ هذا الوضع يهتز إذا تركنا أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، واتجهنا شرقا إلي وسط أوربا ثم شرق أوربا والبلقان ثم إلي آسيا وأفريقيا، حيث تتعدد القوميات داخل الدولة، وتتعد الشعوب وتتداخل، وتكوّن الأديان وحدات انتماء سياسي، بحيث تظهر(( الأقليات )) في إطار إقليم كل دولة.

سابعا : إن حركة نشوء القوميات ظهرت أول ما ظهرت في أوربا الغربية، مع نهاية القرن الثامن عشر، وكان من فاعلاتها الثورة الأمريكية في 1779 والثورة الفرنسية في 1789، وهما ذاتهما الثورتان التي بدأت منهما إعلان حقوق الإنسان، مؤكدة علي الإنسان بحسبانه مواطنا في دولة وبحسبان قيام الدولة علي أساس من الجامع القومي بعناصره المتعلقة بلغة الإقليم والتاريخ بصرف النظر عن الدين واللون والعنصر والوضع الاجتماعي وغير ذلك، وظهرت الدولة المحددة في النطاق القومي .

فلما بدأ المفهوم القومي ينتشر في شرق أوربا علي مدي القرن التاسع عشر، في أراضي إمبراطورية النمسا والمجر وأراضي الإمبراطورية العثمانية، بدأ يظهر مع نهايات ذلك القرن وخلال القرن العشرين نوع من تشكل الدول علي أساس من تعدد القوميات وتعدد الأديان والعناصر، وبدت المخالفة بين الدولة \ الأمة بحسبان إمكان تعدد الشعوب التي تجمعها دولة واحدة، أو بحسبان اقتصار الدولة واحدة، أو بحسبان اقتصار الدولة علي جزء من القومية، أو بحسبان تزاحم أنواع الانتماء بين الانتماء القومي المعتمد علي اللغة والإقليم والتاريخ وبين الانتماء الديني المعتمد علي العقيدة والحضارة كما في كثير من شعوب آسيا والعرب، وبين الانتماء للعنصر المعتمد علي التكون القبلي والعشيري كما في المناطق الصحراوية أو بين شعوب وسط أفريقيا وجنوبها، ومن هنا بدأت مشكلة المساواة قائمة علي هذا التعدد أو التدخل .

ثامنا : ونحن نعرف أن تعريف الدولة بالمفهوم الغربي الذي صيغت به مبادئ حقوق الإنسان إنما يقوم علي ثلاثة عناصر هي الشعب والإقليم والسلطة، والشعب المكون الأساسي الذي تتصل به علاقة الحاكم بالمحكوم، وتقوم العلاقة القانونية، وتتحدد المراكز الشرعية، ولفظ الشعب يتضمن بالضرورة قيام صفات مشتركة يتحقق بها نوع من الانسجام بين أفراد هذا الشعب، وبحيث تقيم هذه الصفات رباطا بين الأفراد يصيرون به جماعة واحدة .

ومن ثم فقد صيغ مفهوم الدولة بحسبانها الدولة القومية علي وجه الاختصاص، وبدت دولة بلا أقليات من واقع تجربة أوربا الغربية، وصيغت حقوق الإنسان بمعيار تجارب تاريخية لم يختبر فيها وجود الأقليات، طبقا للمفهوم الذي ساد هناك عن الجماعة السياسية وهو المفهوم القومي .

والأقليات حسبما نعرف، هي جماعات بشرية يجمع بين أفراد كل عنصر مشترك من عقيدة أو لغة أو عنصر، مما يشعره بالاختلاف عن الغالبية البشرية المحيطة بهم ،وبهذا الوعي بالاختلاف يقوم لدي الأقلية مطالب سياسية، إما بالمساواة مع الأغلبية، أو بمعاملة خاصة تعتمد علي الاعتراف بهذا الاختلاف، أو بالحكم أو الانفصال وتكوين جماعة سياسية مستقلة .

نلخص من ذلك إلي أن مسألة المساواة كمفهوم أساسي لحقوق الإنسان هي مسألة وثيقة الارتباط بمفهوم الجامعة السياسية الذي تقوم علية فكرة المواطنة، ومفهوم الجماعة أو الشعب الذي تتكون منه الدولة، وهذا المفهوم هو ما ينفرد به وجود الأقليات من عدمه، وتتحرك به مسألة المساواة .

تاسعاً : إذا أردنا أن نجرد مفهوم المساواة عن الصيغة القومية التي حاصرت هذا المفهوم في وثائق حقوق الإنسان التي انحدرت إلينا من فكر الغرب وتجاربه السياسية إذا أردنا ذلك فقد يحسن لدينا أن نصل بين مفهوم المساواة وبين مفهوم الجامعة السياسية التي اختارته جماعة معينة عن أصل انتمائها وترابطهما وبين الدولة التي قامت وفقا لهذا المفهوم للجامعة السياسية، سواء صيغ مفهوم الجامعة السياسية علي أساس قطري جغرافي أو قومي لغوي أو قبلي عرفي أو ديني أو حضاري .

ونحن عندما نتحدث عن المساواة، إنما نربطهما بالمواطنة من حيث أن المواطنة تتعلق بتوافر الوصف الذي اتخذته الجماعة السياسية معيارا لقيامها ووجودها، فالمساواة بين المصريين تتوافر للمصري بموجب المصرية الذي اتخذته الجماعة المصرية معيارا لها كشعب أو دولة، هكذا المساواة بين العرب أو المسلمين تتوافر للعربي المسلم بموجب توافر وصف العروبة أو الإسلام الذي اتخذته أي من الجماعتين معيار لتشكلها وقيامها والتميز لا يجوز بين من توافر فيهم الوصف المشترك المتخذ معيارا للجماعة السياسية، إنما يجوز التمييز عند تخلف هذا الوصف عن الفرد المعقول بوصف كونه أجنبيا عن الجماعة .

أنا لا أتكلم هنا عن المساواة في شكلها المطلق، فقد سبق أن ميزت بين المساواة في الحقوق والحريات الخاصة والأهلية وبين المساواة في إمكان القيام بالولايات العامة . وهو ما خصصت به الحديث في البند ( ثالثا ) من هذه الفقرة وهو ما أعنيه الآن من حيث الربط بين المساواة وبين المواطنة المرتكزة علي نوع جماعة سياسية محددة، سواء أكانت دينية تقوم علي الدين أو المذهب، أو قومية تقوم علي اللغة أو قطرية تقوم علي الإقليم أو قبلية تقوم علي عنصر، أو كانت مزيجا بين أكثر من عامل من هذه العوامل، وهي في الغالب تكون مزيجا بين أكثر من عامل من هذه العوامل، لأن الواقع الاجتماعي التاريخي معقد ومركب ومتداخل بما لا يقوم معه تصنيف مبسط واحد .

عاشرا : نحن نتكلم عن أوضاع المساواة في شئون الولايات العامة، والولاية كما هي معروف هي إمضاء القول علي التغير، فهي إمكان إعمال الإدارة إعمالا متعديا يتعلق بشئون الأخرين . والولاية تكون ولاية خاصة إذا كان إمضاء القول يتعلق بمعنيين، وهي تكون ولاية عامة إذا كان القول يمضي وينفذ علي غير معينين وغير محصورين . والولاية العامة أوضح وأقوي أشكالها في الدولة وهيئاتها.

والدولة تقوم علي جماعة سياسية محددة، وهذا أهم عناصرها الآخرين وهما الإقليم الذي يتقدم علي عنصريها الآخرين وهما الإقليم والسلطة، ولابد أن نلاحظ أن الأخيرة ( السلطة ) تجمع بالضرورة بين تولي مناصب الدولة وبين الانتماء للجامعة السياسية التي تقوم عليها هذه الدولة أي تحقق عناصر العضوية في هذه الجامعة السياسة، وهو ما يجري التعبير عنة بفكرة المواطنة . وأن شرط المساواة في تولي الوظائف العامة أو المشاركة في إدارة شئون المجتمع هو مدي توافر الوصف الذي اتخذ معيارا لتحديد الجماعة السياسة وأن ما يمس المساواة هو ما يفيد الإخلال بالحقوق العامة المستمدة من المواطنة كمركز قانوني يتعلق بالانتماء لتلك الجماعة، والولاية العامة تتوافر صلاحيتها للمواطن بموجب حقه في المواطنة .

ويمكننا هنا أن نلاحظ أن التصور السابق يربط الدولة بالجماعة السياسية التي تقوم عليها، وبربط الجماعة السياسية بإفرادها يتحقق فيهم الوصف الذي اتخذ مناطا لقيام الجماعة السياسية وتحددها. وقد اختزل فقه القانون الحديث هذه المسألة، يتبني فكرة ((الجنسية ))  والجنسية علاقة مباشرة بين الفرد والدولة تعترف بموجبها الدولة بانتماء هذا الفرد للجماعة التي تقوم عليها الدولة أي تعترف بموجبها الدولة باعتبار فرد معين عضو في شعبها .

وتثور من هذا التصور العام ملاحظتان أذكرهما تباعا:

أحد عشر : الملاحظة الأولي : ترد من تعدد الأوصاف التي تتعلق بالأفراد والجماعات وتتداخل، كما تتعدد الجماعات وتتداخل في المجتمع الواحد، وتتخذ أشكالا وتصنيفات شتي، وتتخذ معاير متعدة للتصنيف، فمنها ما يقوم علي أساس المهن، ومنها ما يقوم علي أساس المذهب ومنها ما يقوم علي أساس الإقليم، ومنها ما يقوم علي أساس اللغة، وغير ذلك مما لا يسهل حصره، والجماعة السياسية تقوم علي أساس غلبة أي من هذه التصنيفات علي غيره وتقوم علي أساس وحدة انتماء سياسية حاكمة لغيرها .

ومن هنا، فإننا عندما نتكلم عن الجماعة السياسية بحسبان قيامها علي الوصف الذي قام مناطا لوجودها، فإننا نتعين ألا نتصور أن الجماعة تقوم علي تجميع بسيط للأفراد ممن يصدق فيهم هذا الوصف، فالمصرية مثلا تقوم علي وصف المصرية الذي يصدق علي سكان إقليم معين، كما لو أن هؤلاء المتصفين بها لا يصدق عليهم إلا هذا الوصف، والصحيح أنهم جماعات متعددة ومتنوعة ، يتداخل فيهم مع وصف المصرية أوصاف أخري تتعلق بالإقليم الفرعية وبالدين والمذهب والمهنة والحرفة وبنوع التعليم، وكل من هذه الأوصاف، وإن كان محكوما بالوصف المصري العام، إلا أنه متداخل معه ومزاحم ومؤثر فيه ومنوع له، ومن ثم فإن الوصف العام الذي تقوم علية الجماعة السياسية يتلون بأثر وحدات الانتماء الفرعية فيه، وتختلف درجة التلون بمقدار الحجم النسبي لوحدة الانتماء الفرعي ويقوم تأثيرها لا من حيث الحجم فقط، ولكن من حيث قوة النفوذ المادي والمعنوي .

ومن ثم فإذا كانت المصرية هي وحدة الانتماء الغالب الذي تشكل به الجماعة السياسية التي تقوم علي أساسها الدولة، فإن الغلبة الغالبة للإسلام بين المصرين هو مما يعطي أثره القوي علي اللون العام لهذه المصرية مناطا لوصف المواطنة. وكذلك عندما قامت الدولة الإسلامية في عهود الأمويين والعباسيين والعثمانيين، كانت وحدة الانتماء الأساسية كاملة هي الإسلام، وكان الإسلام هو مناط المواطنة، ولكن في الوقت ذاته كانت هذه الوحدة الحاكمة تتكون بصيغة وحدات الانتماء الثانوية ذات النفوذ، سواء كانت عربية أو فارسية أو تركية، وذلك بما لا يخل بالمعيار الأساسي الذي تقوم علية وتشكل به الجماعة السياسية العامة .

ومن هنا فإنه لا يختل مبدأ المساواة في المشاركة في إدارة الشئون العامة في المجتمع ولا ينجرح الوصف العام للجماعة بما يتلون به الطابع العام للجماعة من أوضاع ورموز تزكيها أوصاف في التكوينات ذات الغلبة في المجتمع من حيث العدد والنفوذ وغير ذلك، مثال ذلك أن الدستور في مصر يضع المصرية كوصف عام للمواطنة، ويجعل المصرية هي وحدة الانتماء الأساسية التي تقوم عليها الجنسية وتتحقق المساواة بين من يصدق عليهم هذا الوصف ولكنه في الوقت نفسه ينص علي أن دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع. ومثال ذلك ما تنسبغ به الجامعة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية من تأثر خاص بالعنصر السكسوني وباللغة الإنجليزية وبالمذهب البروتستانتي .

ولهذا أثره علي السياق العام للدولة والمجتمع واختيار رموزها كرئاسة الدولة ونموها.

ثاني عشر : لا يختل مبدأ المساواة في المشاركة في إدارة الشئون العامة لمجتمع بوضع شروط صلاحية للقيام بأعمال الولاية العامة وتولي مناصبها، مثل شروط السن، التعليم، ونوع الخبرة، وقد سبقت الإشارة في البداية أنمثل هذه الشروط هي من الشروط الإدارية أي من الأوضاع المفارقة التي ينجرح مبدأ المساواة بالتزامها .

ولكن هناك أوصافا قد لا تكون مفارقة ولا إدارية ومع ذلك لا ينجرح باشتراطها مبدأ المساواة، بحسبان أن اشتراطها لتولي الشئون العامة في مجال ما من ضرورات الصلاحية للأداء الفني للعمل ومن شروط التخصص للقيام به، ومثل ذلك اشتراط التمكن من اللغة الأجنبية لتولي المناصب في إدارة شئون دول متعددة القوميات واللغات، فإن هذا الاشتراط لا يمس مبدأ المساوة ولا حقوق الإنسان رغم أن المادة الثانية من الإعلان العالمي تمنع التمييز بسبب اللغة، مما منعت التمييز بسببه .

أما ما  يجعل هذه الشروط في هذه الحالات لا تمثل إخلالا بحقوق المساواة من المواطنين أنها تكون ما يمكن تسميته بشروط الصلاحية أو التخصص، أي توافر صلاحيات معينة لشغل أعمال محدودة، وذلك مادام أن لكل من هذه الصلاحيات والشروط مسوغ شرطه نوع العمل المطلوب، كاشتراط الإسلام لشغل وظائف التدريس بالأزهر، وما دام أن شرط هذه الشروط لا يشيع وينتشر في عدد من الأعمال يظهر منه أنه مقصود بشيوعه طائفة من المواطنين لاستبعادهم مما هو متاح لغيرهم من المواطنين، ذلك أن شرط التخصص لابد أن يظهر وجه صلتة بنوع العمل المطلوب، ودون أن يظهر كمزية لقوم علي قوم آخرين من المواطنين أنفسهم. كما أن في شيوعه وانتشاره إشارة إلي أنه لم يعد من شروط التخصص والصلاحية، وإنما تحول نحو التمييز والسماح لقوم مع حرمان آخرين بموجب وصف يلحق بهؤلاء الآخرين ينقصهم بذاته ما يتمتع به من غيرهم من مزايا المواطنة، التي تتكفل بتوافر الوصف المتخذ متاحا لشكل الجماعة السياسية وقيام الدول علي قاعدتها .

وكذلك لا يلتحق هذا الشرط بالولايات العامة التي تثبت في جوهرها للمواطنين  بعامة بموجب ما يتوافر فيهم جميعا من الوصف المميز للجماعة السياسية، وبموجب ما أنبنت عليه قاعدة التصنيف العام للمواطنين، من وصف يحدد إطار الجماعة السياسية ووحدة الانتماء العامة لأوضاع المجتمع، أي التكوين الجمعي العام تقوم عليه الدولة .

ثانيا :

يذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابة (( الأموال )) أن معاوية كان صالح أهل قبرص علي وضع يكونون فيه أهل ذمة للمسلمين والروم ( أي نوع من الحياد بالمعني الحديث ) ثم إنه لما جاء عهد عبد الملك رأي من أفعال أهل قبرص ما اعتبره نكثا لعهدهم فكتب لعدد من كبار الفقهاء في زمانه يشاورهم في محاربة أهل تللك الجزيرة، وكانوا كثرين وقتها وقد أورد أبو عبيد خلاصة رسائل هؤلاء الفقهاء التي قدر له أنِ يجدها وأن يطالعها، وقال أبو عبيد إن َمن أمر الوالي بالكف عن أهل قبرص والوفاء لهم رغم غدر بعضهم كانوا أكثر ممن أشار بمحاربتهم .

وأنا أورد هنا أقوال هؤلاء الفقهاء في تلك المسألة، ولا تهمني في ذلك الواقعة ذاتها وحكم كل من هؤلاء في ذاته، ولكنني أتخذ من هذا الأمر مثلا لأحول أن أبين كيفية تكون الفتوي أو الرأي الشرعي في مسألة ما، أو كيفية وصول القاضي إلي حكمه في مسألة محددة، أي أحاول أن أوضح المنهج الفني لاستخلاص الحكم الشرعي للواقعة التي تعرض للمفتي أو القاضي .

وأهمية هذا المثال في ذاته أننا أمام واقعة واحدة، طلب فيها رأي العديد من الفقهاء، وكلهم تناولها وانتهي إلي رأيه، وأن اختلافهم في الرأي كان في مسألة واحدة وفي واقعة محددة بعينها، وأنهم جميعا تناولوها في وقت حدوثها، ثم إن عرض أقوالهم يبين أنهم جميعا نهجوا نهجا واحدا في الإفتاء، وإن اختلفوا في الرأي، وكان نهجهم  يتلخص في ذكر الواقعة حسبما رآها كل منهم، ثم إيراد النص الشرعي الذي يحكم تلك الواقعة حسب رؤية الفقيه لها، ثم استخلاص الحكم الشرعي. وهو عين ما نصنعه الآن قضاة ومفتين في علمنا القضائي والإفتائي. ثم إن كل منهم اختار النص الشرعي الذي ينزله علي الواقعة طبقا لرؤية للواقعة ذاتها ولتصوره لها، ثم جاء اختلافهم في الحكم مردودا في الأساس لاختلافهم في تقدير الواقعة وليس لاختلافهم في فهم النص بذاته، وجاء في الأثر من أن ((الحكم علي الشيء فرع من تصوره)) .

أورد هنا خلاصة أقوال الفقهاء حسبما ذكرها أبو عبيد :-

– كتب الليث بن سعد (( أن أهل قبرص لم نزل نتهمهم بالغش لأهل الإسلام، والمناصحة لأهل الروم…)) ثم استند إلي ما جاء في سورة الأنفال : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم علي سواء )، وأشار إلي أنه بذلك يكفي الخوف من الخيانة لإعمال الحكم، وأنه لا يشترط أن تستبين الخيانة فعلا، وانتهي إلي اقتراح أن ينظروا سنة يخيرون فيها بين اللحاق ببلاد المسلمين أو التنحي إلي الروم، أو البقاء بقبرص مع الحرب .

الواقعة تصورت في ذهن الليث بأنه لم نزل نتهمهم بالغش …))  ولم نزل هنا تفيد أن قام لدي الليث شبهات جديدة تتعلق بالغش والخيانة، وبهذا التصور للواقعة اختار الحكم المناسب من الآية 58 من سورة الآنفال، وجاء فهمة للنص لا خلاف عليه ثم انزل حكمه .

– وكتب سفيان بين عيينة (( إناٌ لا نعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم، غير أهل مكة …)) ثم أورد من سورة التوبة : (ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول … قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) ثم انتهي إلي أنه لا ذمة لمن نقض ما عوهد عليه ثم أجمع القوم علي نقضه )) .

استخلص سفيان الواقعة بحسبان أن القوم نقضوا عهدهم، وأن القوم أجمعوا علي نقض العهد، ثم اختار النص الذي يناسب واقعة نقض العهد، ثم انتهي إلي حكم إبراء الذمة والقتال .

– وكتب مالك بن أنس (( إن أمان أهل قبرص متظاهرا من الولاة لهم، يرون في أمانهم وإقرارهم علي حالهم …قوة للمسلمين عليهم … ولم اجد أحدا من الولاة نقض صلحهم …)) ثم أورد من سورة التوبة قول الله تعالي (فأتموا إليهم عهدهم إلي مدتهم ) وانتهي إلي نصح الحاكم ألا يعجل في نقض عهدهم ومنابذتهم حتي يعذر إليهم وتؤخذ الحجة عليهم، فإن لم يستقيموا ويتركوا الغش أوقع بهم .

هنا نري رؤية مالك للواقعة رؤية مختلفة، وأن الأمان لهم قديم وظاهر وفيه قوة للمسلمين ولم يظهر نقضهم للصلح، وبهذا يكون العهد باقيا، ثم أورد النص المناسب لهذه الواقعة التي أثبتها بالقدم والظهور والتتابع وأثبت بقاءها بالاستصحاب وعدم طروء ما ينفيها، ثم استخلص حكمه .

– وكتب موسي بن أيمن (( … لم أر أحدا فيما مضي نقض عهد أهل قبرص ولا غيرها، ولعل جماعتهم لم تمالئ علي ما كان من خاصتهم …)) ، وقرر بهذا أنه في تصور الواقعة لم يثبت لديه قيام الخيانة والاتهام بها، ولا ثبت لديه أن ما عسي أن يكون من ذلك من خاصتهم شاركتهم فيه عامتهم، وانتهي إلي إتمام الشروط لهم والوفاء . والخروج من الذمة أمكن القتال، فإن كان مصالحا نبرز إليه .

ولهذا لم يثبت الواقعة فأبقي الوفاء لهم، مع التحفظ أنه إذا ثبت أمكن القتال فربط الحكم بما عسي أن يثبت من وقائع لم يفصل فيها .

– وكتب إسماعيل بن عياش (( إن أهل قبرص أذلاء مقهورون تغلبهم الروم علي أنفسهم ونسائهم فقد يحق علينا أن نمنعهم ونحميهم …)) .

أورد إسماعيل هذه الواقعة، وذكر بعض السوابق في معاملتهم، ثم انتهي إلي أن يقروا علي عهدهم وذمتهم .

–  وكتب يحيي بن حمزة، (( أن صارت قبرص لعدد من المسلمين إلي ما صارت إليه عرب فإن تركها علي حالها والصبر علي ما كان فيها، لما في ذلك للمسلمين من جزيتها وما يحتاجون إليه فيها، أفضل، وإنما كان أمانها وتركها وذلك …))  .

وهنا نجد تقديرا واقعيا بحتا وسياسة شرعية يتقدم بها، وكأن حال يقول إن الشرعية في هذه الحالة متلبسة بالملائمة، فما كان ملائما هنا فهو شرعي .

– وكتب ابن إسحاق ومخلد بن حسين، مبتدئين بذكر ما صولح عليه أهل قبرص عند فتحها، ثم ذكر (( أن صلحهم وقع علي شيء فيه شرط لهم وشروط عليهم، وأنه لا يستقيم نقضه إلا بأمر يعرف به غدرهم ونكث عهدهم )) .

وبذلك لم يثبت لديهما حصول الغدر ونكث العهد، فأبقينا الصلح بشروطه . ونحن نلحظ مما سبق أنه عندما اختلف تصور الواقعة اختلف النص المستشهد به لدي كل فقيه.

ومن هنا تتبين خطوات العملية الفنية التي يتابعها رجل الفقه أو القانون في مجال التطبيق الفقهي أو القانوني يعني وصل النص بالواقع، أو إنزال حكم النص علي واقع معين لبيان وجه الشرعية في هذا الواقع أو لترتيب الآثار التي تتابع كل هذا الواقع من حيث المراكز القانونية الشرعية ومن حيث العلاقات التي تنتج والآثار المادية والمعنوية التي يمكن أن تتعاقب .

تبدأ العملية الفنية دائما بواقع حادث أو يحدث، ويراد بيان حكمه الشرعي، ومن ثم كانت أولي الخطوات هي (( تكييف الواقعة )) أي تصويرها تصويرا قانونيا فقهيا، أي التعبير عنها وفقا للمفاهيم الفقهية والشرعية، فعملية انتقال مال معين من شخص إلي شخص، هل هو إعطاء أم رد، هل هو إقراض أم وفاء، هل هو بيع أو تأجير أو عارية، هل هو سرقة أو نصيب … إلي آخر هذه التصورات والمفاهيم، وإن عناصر الواقعة وملابساتها وأحوال قيامها وتمامها كل ذلك من شأنه أن يدخلها في واحد من هذه المفاهيم أو يجعلها مترددة بين أثنين أو أكثر من هذه المفاهيم مما تختلف فيه الأنظار، كما إذا ترددت الواقعة بين البيع والإيجار فتستدعي أحكام البيع والإيجار لنقيم الترجيح وحسن التردد عندما يتحدد موضع الواقعة في أي من هذه المفاهيم، أو عندما يتحدد مجال ترددها بين عدد محدد من المفاهيم الفقهية والشرعية، يبدأ استعراض نصوص الهيكل التشريعي التي تقع الواقعة المفروضة  في مجالها التطبيقي، والتقاط النصوص الأكثر مناسبة من حيث شرائط انطباقها وأحوال إعمالها، وفي هذه الحال يجري النظر في تلك النصوص المناسبة وتفسير عبارتها وبيان دلالاتها مما يمكن من إنزال حكم أي منها علي الواقعة المعنية، وبتمام هذه العملية ينزل حكم النص علي الواقع ويتحدد الحكم الشرعي والقانوني .

وإن عملية تكييف الواقعة تشبه عملية تشخيص الطبيب للمرض من خلال ملابسات الحالة الواقعة، وأحوال المريض، والتشخيص هنا هو إعطاء الوصف الطبي للحالة الواقعة المعروضة، ثم ترد مرحلة اختيار نوع العلاج المناسب ووسائله . وهكذا وقد قصدت بضرب هذا المثل أن أعيد التركيز علي الجوانب الفنية للعملية الذهنية التي تجري علي أنني قصدت من هذه الإطالة أن أبين وأؤكد أن خلاف الفقهاء، في أكثر أحواله ليس خلاف الفقهاء، في أكثر أحواله ليس خلافا في استنباط الحكم من النص الحاكم، وليس خلافا في تبين دلالات النص من حيث إلغاء المأمور به أو المنهي عنه أو المتروك للإباحة، ولكن الخلاف يكون في تكييف الواقعة وتصويرها التصوير القانوني أو الفقهي، أي يكون الخلاف في وجه رؤية المفتي أو القاضي للواقعة المعروضة عليه، ووجه تبينه لعناصر تشكلها كواقعة قانونية ؛ لأن تكييف الواقعة وتصورها الفقهي وتبين عناصر تشكلها كواقعة قانونية، لأن ذلك هو ما به يجري استدعاء النص المناسب ليحكم به في الواقعة ويرتب آثارها الشرعية عليها. وإن المثل الخاص بجزيرة قبرص صالح تماماً كمثال مدرسي لبيان هذه القضية .

من هنا ننتقل مباشرة إلي الفهم الشرعي لوضع الأقليات في الفقه الإسلامي، والمر من بدايته، مرجعه في تقديري إلي الموقف الواقعي الفعلي لأقلية المعينة، من الإسلام ومن جماعة المسلمين.

وهذا ما لخصه الدكتور عبد الحميد متولي عن أستاذنا المعروف الشيخ عبد الوهاب خلاف بقوله ((إن وضع غير المسلمين ( من أهل الذمة في البلاد الإسلامية، لم يكن يخضع- عبر عصور التاريخ – للاعتبارات السياسية وأخصها مدي ما يبدونه من الولاء والصفاء للدولة وللمسلمين )) وهذا العنصر هو ما لمسناه في الفتاوي الخاصة بموضوع قبرص .

وأنا هنا لا أريد أن أكرر عرض ما هو معروف ومشتهر من وقائع التاريخ الإسلامي، وسوابق تعامل المسلمين مع فتحت الأمصار وانتشرت الجماعة الإسلامية وهيمنت علي الشئون العامة في مجتمعات المسلمين، وحسبي أن أحاول أن أشير إلي الدلالات العامة التي يمكن أن تهدينا في واقعنا الراهن .

فنحن نلحظ أنه في أقرب ما يتصل بشئون الدين لغير المسلمين، وهو إحداث المعابد كالكنائس والبيع، فرق الفقهاء بين ما فتحه المسلمون عنوة من بلاد غير المسلمين وبين ما فتحوه صلحا، فأما ما فتح عنوة فقد ذهبوا إلي أنه لا يجوز فيه إحداث شيء من البيع والكنائس ، ( إلا ما أجازه البعض لعبد الرحمن بن القاسم بإذن الإمام، أما ما فتح صلحا فقد نظروا في أوضاع الصلح وما شرط فيه من الشروط حسبما إذا كانت الشروط إجازات إحداث الكنائس أم لا، وقال البعض إنه إن كان الصلح علي خراج جاز إحداث الكنائس، وقال المالكية إن ما فتح صلحا يجوز لأهله إحداث الكنائس مطلقا شرط ذلك لهم أم لم يشرط ما دام لا يسكن معهم مسلمون .

الدلالة التي أشير إليها، أنه في أمر يتعلق بالعبادة ويتصل بالعقيدة لدي المسلمين، اختلف الحكم الذي استنبطه الفقهاء باختلاف أمور تتعلق بالسياسة، وتقرر أمرا يتصل بالعبادة مترتبا علي وضع سياسي واضح، وهو الفتح صلحا أو عنوة. وهذه العلاقة بين الأثر التعبدي والسبب السياسي يجد معقوليته في تبين درجة الولاء أو البراء التي اتخذها ير المسلمين بالنسبة للإسلام وجماعته .

وفي إطار الدلالات التاريخية الفقهية العامة، يمكن القول إن أوضاع أهل الكتاب في المجتمعات الإسلامية، مما صيغ في المفهوم الفقهي للذمة وأهل الذمة، هذه الأوضاع ترتبت من واقعة تاريخية صارت واقعة قانونية شرعية، ألا وهي فتح المسلمين الأوائل للبلدان والأمصار غير الإسلامية، في زمان الانتشار الأول للإسلام في العالم، وإقامتهم حكومة إسلامية تطبق أحكام الإسلام في هذه البلدان . ومع الوقت ومرور الزمن أسلم إلي الجماعة الإسلامية عقيدة وسياسة.

ومن بقي من غير المسلمين علي دينه كان من رعايا الدولة الإسلامية، ولكن انتماءه للجماعة كان انتماءً منقوصا، سياسة فقط، ومن هنا عوامل بسطا وقبضا حسب درجة موالاته للجماعة الإسلامية ودولتها، وحسب حجم غربته عنها وحذرها منه . وجاء الفقهاء بما يملكون من ملكات التعميم والتجريد ورد الأمور إلي أصولها وضبط الأحكام وبيان الفروق والموافقات، جاءوا يقعدون القواعد وينحتون المصطلحات، ويتكلمون عن تمصير الأمصار، والفتح عنوة والفتح صلحا وعدم أخذ الجماعة من الذميين بفعل خاصتهم إلا أن تثبت مشاركتهم وإرضاؤهم، وأخذ الخاصة بفعل الجماعة بفعل الجماعة وغير ذلك . كما تكلموا عن أوضاع الولايات العامة وهكذا كل ذلك باستصحاب أصل التجربة التاريخية الأولي التي تولدت عنها هذه العلاقة، في عهد الانتشار الأول للإسلام .

هذا الوضع الذي أنبنى عليه التصور العام وبقي مستصحبا قرون طويلة، هذا الوضع تغير في عدد من أركانه الهامه في العصر الحديث، من نهايات القرن الثامن عشر حتي اليوم، لقد تطورت قوة الدول الغربية تباعا، واكتشف طريق وأس الرجاء الصالح وسيطرت أساطيل بريطانيا علي حركة بحر العرب والمحيط الهندي جنوبا وغزت الهند وصعدت شمالا حتي حدود أفغانستان فطوقت العالم الإسلامي من جنوبه وشرقه . ثم توسعت روسيا العنصرية في آسيا والشرق وهبطت جنوبا تسيطر علي بلاد المسلمين في وسط آسيا حتي فارس وأفغانستان واقتطعت ما استطاعت من بلدان الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية العثمانية وأطبقت الطوق الأولي علي عالم المسلمين من الشمال والشرق . ثم بدأت بلدان الوسط الإسلامي تسقط تباعا علي مدي القرن التاسع عشر، الجزائر وتونس ومصر والسودان والمغرب ولبيا، مع الحرب العالمية الأولي سقطت عاصمة المسلمين الباقية استانبول واقتطعت سوريا ولبنان وفلسطين والعراق كما هو معروف ومشتهر، وبهذا سقطت بلدان المسلمين في أيدي الغرب وانفرط عقد الجامعة السياسة التي كانت تجمعهم .

في ظل هذه الظروف التي نعرفها بما لا حاجة معه للتفصيل، بدأت حركة التحرير الوطني من جماعات المواطنين في بلادنا تدافع عن بلدنها وتستهدف تخليصها من الاستعمار والاحتلال الأجنبي والهيمنة السياسية الأجنبية، وفي هذه الظروف وفي كثير من بلداننا شارك غير المسلمين في حركات التحرير الوطنية، وفي إطار مفهوم للمواطنة يجمع هؤلاء جميعا ويصدق عليهم .

وبهذا لم نعد أمام تصنيف لما فتح صلحا وما فتح عنوة، ولكننا صرنا أيضا أمام تصنيف جديد لمن تشاطروا في تحرير بلدنهم، ومن لم يشاطروا من الطوائف والملل التي تتشكل منها جماعات القلة في هذه البلدان، وعلينا أن ندخل هذا المعيار في ضبط وجوه التعامل وفي المشاركة في الشئون العامة لهذه البلدان، ونحن هنا نستهدي بحجم الولاء والصفاء ودرجة البراء والمعاداة للإسلام أو جماعات المسلمين في بلداننا ، نستهدي بذلك في ضوء خبرة التاريخ المعاصر وبالنظر للملامح الرئيسية التي تشكل حركة تاريخنا المعاصر، والتي تتركز في استهداف الاستقلال السياسي وتوحيد بلداننا ومقاومة الاستعمار الأجنبي والتخلص من التبعية الأجنبية في صورها السياسية والاقتصادية والثقافية .

ومن وجهة ثانية وبالنظر إلي التغيرات التي طرأت علي مجتمعاتنا اليوم، فإنه ينبغي ملاحظة أن من مظاهر تغير الأوضاع المعاصرة اليوم عن الأوضاع التي كانت في الصدد الأول من الإسلام، أن المسلمين في الصدر الأول للإسلام كانوا قوة سياسية وعسكرية غالبة وراجحة إزاء غيرهم، كما كانوا قوة بشرية عددية مرجحة تشكل في البلاد التي حكموها عنصر ندرة شديدة نلزمهم في هذا الظروف قصر تولي قيادة الأمور العامة والمشاركة في شئون إدارة المجتمعات، قصر ذلك علي المسلمين . وكان هذا القصر ضروريا وقتها بالنظر إلي قوتهم العددية الراجحة في مواجهة شعوب البلدان المفتوحة ؛ لئلا يفلت الزمام من أيديهم . ولئلا يذوبوا ذوبانا في تلك الكثرة الغالبة من شعوب لم تكن دخلت الإسلام بعد، أو كانت غالبيتها لم تتصل بالإسلام بعد، كما كان هذا القصر ممكنا بحسبان التفوق السياسي والعسكري غير المنازع للمسلمين إزاء أية قوة تناهضهم في هذه البلدان .

أما اليوم فقد آل الوضع إلي عكس ما كان من كلا طرفيه . صارت الغلبة العددية للمسلمين في بلادهم، بحيث لم يعد ثمة موجب للخشية علي إسلام المسلم من مساهمة غير المسلمين معهم في الشئون العامة، كما أن أوضاع المسلمين قد آلت من الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية إلي ضعف غير خاف في الموازين العالمية، بحيث يخشي من عدم الأوضاع في بلادهم، بسبب عدم المساواة غيرهم بهم، أو نتيجة انفصام عري الرابطة الوطنية، واستغلال القوي الخارجية الطامعة لهذا الأمر.

وليكن لمفكري الإسلام اليوم أسوة بعمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ،الذي أسقط سهم المؤلفة قلوبهم  المنصوص عليه، مما ارتآه من أن الله تبارك وتعإلي قد أعز الإسلام بما لم يعد معه حاجة لتأليف القلوب .

ونحن عندما نرعي عنصر الولاء والصفاء، ونستخرج منه المعايير الفقهية لضبط العلاقة بين المسلمين وغيرهم، إنما نسير علي مناهج الأسلاف العظام دون أن ننحصر في مذاهبهم لأن أكثر ما يميت الفكر هو أن يتحول المنهج إلي مذهب، ونحن عندما ندعو إلي ذلك إنما ندعوا أيضا إلي أن نتدبر في كيفية فتح الذرائع، فلا نقتصر علي التسليم بما توافر من عناصر الولاء والصفاء، إنما نجتهد في فتح ذرائع تحقق المزيد من هذين الأمرين، ضمانا لاستقرار أوضاع المسلمين وتحقق نهوضهم وعزتهم .

ثالثا :

الإمام في نظر الفقه الإسلامي مقيد بأحكام الشريعة مأمور بحفظ الدين وسياسة الدنيا وفقا للقانون الإسلامي، وسلطته التقديرية تقوم داخل هذا الإطار الواسع من أحكام الشريعة، وهذه السلطة التقديرية كما تصورها فقهاء الإسلام بالغة السعة والشمول، وهي جماع أنشطة الدولة من تدبير الجيوش إلي النظر في الأحكام وتقليد القضاة إلي النظر في الأحكام وتقليد القضاة إلي جباية الضرائب وقبض الصدقات إلي إقامة الحدود إلي حماية الدين إلي صيانة البيضة وإشاعة الأمن وتحصين الثغور وجهاد من عاند الإسلام . وذلك كله حتي تسيير الحجيج .

وسواء كانت سلطات الإمام أو الوزراء أو الأمراء أو الولاة، فهي سلطات تقلد لصاحبها في عمومها أو خصوصها لينفرد بها بنفسه . ويبدو الفارق بين هذا التصور الذي أورده فقهاء المسلمين، وبين التصور المعاصر الذي تنبني علية نظم الإدارة والسياسة في المجتمع المعاصر، وسلطات الوزير المفوض من الإمام حسب التصور الفقهي الإسلامي، هي سلطات لا يملكها اليوم وزيرا ولا رئيس ولا مجلس الوزراء كله يملكها وحده . وإذا كان الفقهاء المسلمين قد شرطوا الإسلام في الإمام ووزير التفويض، فنحن لا نجد في خريطة توزيع السلطات اليوم رئيسا أو وزيرا يملك ما نيط بالإمام أو الوزير المفوض من صلاحيات، لأن سلطات هؤلاء قد توزعت علي العديد من الهيئات الدستورية تتداول فيما بيمها العمل الواحد وتتقاسمه مراحل حتي ينشأ كاملا عبر نشاطها جميعها، كما تتبادل الرقابة فيما بينها علي الأعمال .

ومن جهة أخري، نلحظ من الناحية الإدارية ( لا الدستورية فقط ) إن لم تعد السلطة الإدارية المحدودة بالتنفيذ نفسه مجتمعة في يد فرد أيا كان، ولا باتت مرتبطة بتوافر العلم الفردي لموظف ما بالأحكام الشرعية وأمور الحرب وشئون الخراج ومظالم المحكومين ؛ لأن المعرفة ذاتها لم تعد تتهيأ للمدير بموجب عمله الفردي، ولكنها تتهيأ بواسطة أجهزة فنية متخصصة عديدة، يتوزع عليها العمل توزيعا فنيا متخصصا، وتتكامل الرؤية بتجميع هذه المعارف وتصنيفها والتنسيق بينها .

وأن ما كان يكله الفقه الإسلامي لأي من القائمين علي الولايات العامة، قد صار اليوم موكولا لهيئات تنظم وجه يضمن تجميع الجهود المتعددة، ولم يعد للفرد سلطة طليقة في تدابير أو تنفيذ ذلك . والسلطة تقيد بأحكام الدستور، وفي نطاق الدستور تقيدها القوانين وفي نطاق القوانين لا تمارس السلطة التقديرية في الغالب وفي المهم من الأمور كسلطة فردية، إنما تتخلق في الممارسة علي نحو مركب ،فيمر المشروع السياسي أو الإداري عبر قنوات محددة ومتعددة من خلال هيئات متنوعة ومحددة سلفا بالنظم المرسومة، وإذا صدر القرار، فهو يصدر بهذا الإمضاء تتويجا لكل العمليات السابقة عليه، وهو في العديد من مراحله يصدر بإمضاء هيئة أو هيئات تتشكل من عدد من الأفراد يتخذون بجمعهم كله .

ونجمل هذه النقطة بالقول بأن السلطة الفردية، سواء في السياسة أو الإدارة، قد تغيرت علي طريقتين وعلي مبدأين، أولهما : توزيع السلطة بين العديد من الأجهزة والهيئات فلا يستبد بإعداد القرار وإصداره جهاز واحد ولا هيئة وحيدة، إنما يتخلق من خلالها كلها . وثانيهما : حلول القرار الجماعي محل القرار الفردي في المهم من الأمور، أو بعبارة أدق في كل الأمور ما عدا ما تفه وضؤل شأنه من الصغائر .

وسلطة الإمام التي صورها فقهاء المسلمين فردية تماما، يبين من تحليل عناصرها ومقارنتها بأوضاع اليوم أنها صارت موزعة علي العديد من سلطات التقرير والتنفيذ والمتابعة وأنها استبدل بها القيادات الجماعية والقرارات الجماعية في العديد من صور اتخاذ القرار، كما استبدل بالعمل الفردي العمل الجماعي المعتمد علي التخصص وتقسيم الأعمال ولم يعد منصب واحد يشغله فرد واحد يمكن أن تجتمع له ما يجتمع لمن كان يسمي وزير التفويض من سلطات، تكفي معرفة أن عزل وزير التفويض كان يستتبع عزل جميع من ولاهم من عمال التنفيذ، وهو حسب ما تحددت صلاحياته يؤدي إلي السلطان ويؤدي عن السلطان ويشارك بالرأي، ولا يظهر أن في عمال دولة اليوم وولاتها من تجاوز سلطاته هذه الصلاحيات التي لم يشرط فقهاء المسلمين الإسلام فيمن يمارسها .

ويمكن أن يقال إنه إن كان شرط الإسلام لتولي الولايات العامة فإن الولاية العامة تقوم بها هيئات حلت محل الأفراد ويمكن أن تقوم بها الهيئات في المستويات كافة بدلا من الأفراد، كما أن الدستور أقر أن الدولة دينها الإسلام بحسبانها الهيئة الكبرى التي تتولي الشؤون العامة للجماعة كلها وتشخصها، فإنها تثبت لها الإسلامية وفقا للوضع الغالب الأعم في تشكيلاتها ومن يشغلون هذه التشكيلات، وفيما يتقيدونه من مصالح وغايات، وما يلتزمونه من ضوابط تتعلق بالأصول الإسلامية الضابطة .

وكذلك يكون الشأن في الهيئات التي تحل محل الأفراد في تولي الولايات يكون دينها الإسلام بحكم الكثرة الغالبة التي لا تنفي وجود غير المسلمين، وتقاس الإسلامية بهذه الكثرة في التشكيلات والغايات، وفي المصالح والمقاصد والالتزام بالضوابط الإسلامية مع المحافظة علي المساواة التامة بين المواطنين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر