أبحاث

سؤال النهضة بين شكيب أرسلان ومالك بن نبي

The Renaissance Question between Shakib Arslan and Malek Bennabi

مقدمة:

تنتمي هذ الدراسة إلى حقل الدراسات الفلسفية والحضارية الإسلامية الحديثة، فهي تأخذ على سبيل التحليل والمقارنة رؤية عَلَمين من أعلام النهضة الإسلامية للشروط الحضارية الموجبة لنهضة العالم الإسلامي، أحدهما من شرق العالم الإسلامي والعربي، وهو [شكيب أرسلان (1871- 1946)]، والآخر من مغربه، وهو [مالك بن نبي (1905- 1973)].

هذا ومن نافل القول بمركزية سؤال النهضة وتصدره الأبحاث العربية والإسلامية منذ أنّ خطّ أرسلان رسالته “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”. فليس مبالغة، ولا مجاملة، القول من إنّ كل المحاولات اللاحقة على هذه الدراسة من مختلف المفكرين والمصلحين باختلاف مرجعياتهم ومناهجهم ومواقفهم من أزمة العالم العربي والإسلامي هي على التحقيق تجسيد لتفاعل هؤلاء المفكرين والمصلحين مع هذا السؤال، لأنّ الأزمة، منذ ذلك الزمان إلى يومنا هذا، هي أزمة واحدة، حتى لو زادت تعقيداً، أزمة عالم عربي وإسلامي متخلف في مقابل عالم غربي متقدم.

إنّ تفاعل أقلام المفكرين من عالمنا الإسلامي والعربي مع سؤال النهضة يكاد لا يحصى فمِن مطالِب بالإصلاح، ومطالِب بالتجديد، ومطالِب بالتحديث…، تراكم الخطاب على الخطاب والهم واحد، هو الخروج من وضع التخلف والجمود إلى استئناف النهضة التي انقطع عنها المسلمون منذ القرن الثالث عشر([1]).

لا مشاحة إذًا أنّ نموذجي الدراسة شكيب أرسلان ومالك بن نبي، واجها أزمة العالم الإسلامي بكل مضاعفاتها الوجودية والمعرفية والقيمية، لأجل ذلك راح كل منهما يرسم سبيله في تشخيص الأزمة([2])، وبالتالي وضع العلل العميقة الموجبة لاستعادة الدور الحضاري الذي فُقد منذ عصر الموحدين.

قد يلحظ القارئ تبايناً بين العلَمَين في الاهتمامات، حتى في الوضعية الحضارية بينهما، فشكيب أرسلان مثلاً يمثل نهاية دورة حضارية كانت تجلياتها تتراءى في تفكك الخلافة العثمانية، وظهور القوميات التركية والعربية، والصراع حول من يخلف الخلافة. كما بدأ يلوح في الأفق مشروع احتلال فلسطين، وقسمة العالم الإسلامي إلى مغرب وشرق أوسط. أما بن نبي فهو شاهد على بداية دورة حضارية جديدة بدأ فيها العالم الإسلامي يشهد تحركاً ثقافياً وإصلاحياً باشره جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده كرد فعل على الوضع الذي عاشه شكيب أرسلان من قبل. غير أنّه ليس بمُجدٍ إقرار التعارض بينهما لمجرد تلك الاعتبارات، فظاهر تلك الـمُضادة سرعان ما يتهافت متى أخذنا بعين الاعتبار نص رسالة شكيب أرسلان “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟” (1931)، ونص مالك بن نبي “شروط النهضة” (1949). حيث الأوّل جاء استجابة لسؤال قدّمه المسلمون في جاوة الإندونيسية عن سبب تخلف المسلمين مقارنة بتقدم غيرهم من الأمم الشرقية والغربية. أمّا الثاني فقد جاء بحثاً في ذات الشروط الموضوعية والسّنن النّفسية والاجتماعية والتاريخية لتأخر العالم الإسلامي من تقدم([3]).

في هذا السّياق تأتي محاولة كل منهما لتفسير مشكلة تخلف العالم الإسلامي تحليلاً وتعليلاً، وبالتّالي طرح منهاجية حضارية بديلة تجعل من مسألة النهوض والاستئناف لها ممكناتها الموضوعية، وأنّ الإنسان المسلم فرداً كان أو جماعة أو مؤسسات يمكنهم تفعيل هذا الهدف الحضاري.

بقي أن نذكّر بنوعية المنهج المتبع في هذه الدراسة، فهو منهج تحليلي مقارن. حيث سمح لنا الأوّل بما يتضمنه من عمليات عقلية مركبة من تفسير (يتجلى في هذا السياق بشرح موضوع البحث استناداً على عملية تأويل النصوص المنتقاة)، ونقد (وذلك بالوقوف عند مكاسب النصوص والأفكار وحدودها فهو عملية تقييمية بالأساس)، واستنباط (باستنتاج الأحكام الكلية من مقدماتها الجزئية. ولا شك أن الشروط الأربعة التي قمنا برصدها تنزل منزلة هذه الأحكام المستنبطة استناداً على النصوص المشتركة بين العَلمين).

أما المقارن فهو وسيلة لمقارنة النصوص بعضها لبعض، لكشف العناصر المشتركة بينها، والعناصر المختلف فيها، وكذا مواطن التداخل والتواشج في الأفكار والنصوص. فمثلاً سمحت لنا المقارنة بين نصوص كل من شكيب أرسلان ومالك بن نبي من ضبط شروط أربعة مشتركة بينهما للنهضة، وسيتعين علينا في هذه الحالة تجييش مختلف القرائن من نصوص وأمثلة تبين مكامن الاشتراك في تلك الشروط.

وعليه فالإشكالية الرئيسية التي تطرح نفسها ها هنا: ما هي عموم السّنن الموضوعية التي عرضها أرسلان وبن نبي في سبيل بسط منهاجية حضارية لأجل النّهوض الاجتماعي والحضاري للأمّة الإسلامية؟ وإلى أيّ مدى وفق كلاهما في استنباط تلك الشروط والسنن من المجال التداولي الإسلامي وتبعاً لنوعية الدورة الحضارية للمسلمين؟

تحليلا لنصوص كل من شكيب أرسلان ومالك بن نبي، ومقارنة بين المضامين الفكرية لتلك النصوص، نجد أنّ كليهما يشترك في مجموعة من الشروط والسنن العامة التي تضطلع بسؤال النهضة العربية والإسلامية، منها ما هو ميتافيزيقي متعلق بالعوامل الروحية والأخلاقية التي تخلق البواعث وتحدد الغايات وترسم الطريق. ومنها ما هو فردي متعلق بنفسية الفرد وما يرتبط به من عامل العقل والإرادة والوجدان والنزوع إلى الحركة والفعل. ومنها ما هو اجتماعي تنصهر وتّهذب فيه قوى الأفراد السابقة ضمن شبكة علاقات اجتماعية تحدد إطار اشتغال الجماعة وتقسيم الأدوار بينها، وتقدم فيه الجماعة (مجتمع أو أمة) الضمانات المادية والمعنوية اللاّزمة لأفرادها: فالاقتصادي يهيئ للمجتمع تسخير الطبيعة وأدواتها تحقيقاً لسنة الاستخلاف والتعمير، والعلمي يطوّع عالم الأشياء الخام في قالب فني صناعي قابل للاستعمال. وهي كما نلاحظ شروط خمسة تتراوح بين متغيرين اثنين، الروحي والمادي، وهما ما تتحقق بهما الغايات الثلاث من خلقِ الإنسان: العبادة، والاستخلاف، والتعمير([4]).

قبيل تفصيل الكلام في تلك الشروط بقي علينا أن نذكر من أنّ الجامع بين الاثنين لا يتوقف عند مجرد هذه الشروط الأربعة، فهنالك قيمة أخرى مضافة قدمها الاثنان لخطاب النهضة الإسلامية والعربية، فبعيداً عن المقاربات التجزيئية ذات الثنائيات المتصادفة المتصادمة لمشروع النهضة التي غشت خطاب النّهضة العربية منذ تأسيسه: خطاب علماني في مقابل خطاب سلفي، خطاب إسلامي في مقابل خطاب قومي، خطاب اشتراكي في مقابل خطاب ليبرالي، وغيرها من الخطابات المتمركزة على ذاتها والتي ورّثت تشويشاً في المفهوم وتشويها في التطبيق، رسم كل من أرسلان وبن نبي خطاب نهضة متجاوز أكثر تركيباً وأكثر واقعية وأكثر استقلالاً.

  • الشروط الرّوحية والأخلاقية وفاعلية الفكرة الدينية:

في شروط النّهضة تحدث مالك بن نبي قائلا: “إنّه لتفكير سديد؛ ذلك الذّي يرى أنّ تكوين الحضارة كظاهرة اجتماعية إنّما يكون في نفس الظروف والشروط التي ولدت فيها الحضارة الأولى”([5]). شهادة كهذه تؤكد على إقرار بقوة الفكرة الدينية على عهد الحضارة الإسلامية في بداياتها، حيث كانت هذه الفكرة ملابسة لضمير المسلم فرداً وجماعات، وهي مَن تشحنه بالطّاقة الروحية اللاّزمة للنّهوض، تماماً كما تشحن الشوارد الطاقة الكهربائية من الماء.

في نظر بن نبي أنّ لكل أمة خصوصيتها، وخصوصية العرب في دينهم، الذي بفضله دخلوا مسرح التاريخ في دور بطولي يضاهي دور الأمم السابقة. فجزيرة العرب قبل نزول القرآن كان الإنسان والوقت والتراب في حالة تكديس بلا فاعلية، إلى غاية ظهور الروح في غار حراء، تماماً كما تجلت من قبل بالواد المقدّس. الجدير بالاعتبار أنّ هذه الوثبة لم يقم بها علماء أو سيّاسيون، بل كانت من صنع أناس بسطاء توجّهوا بأنظارهم إلى ما وراء أفق الأرض([6]). هنا تأخذ دعوى بن نبي في تمثُّل روح الدستور القرآني مركزيتها التي لها ما يبررها بشهادة الوقائع التاريخية ذاتها. فهل يمكن تحقيق المبدأ القرآني، والسؤال لــ بن نبي -على الوضع الإسلامي الراهن؟- يجيب قائلاً: “إنّ التردد في الإجابة عن هذا السّؤال بالإيجاب لا يدل إلاّ على جهل بالإسلام، وبصفة عامة بتأثير الدّين في الكون”([7]).

هذا الأمر يزداد وضوحاً أكثر في “ميلاد مجتمع” يقول: “إنّ المشكلة التي تواجه المسلم اليوم هي تقريباً المشكلة نفسها التي عبّر عنها قول الإمام مالك: لا يصلح آخر هذه الأمّة إلاّ بما صلح به أوّلها([8]). لقد كان صلاح أوّل هذه الأمّة بالقرآن الكريم حينما كان حيّا في ضمير المسلمين، لا مجرد نص يُتعبد بتلاوته، الأمر الذي أكسبهم استقلالهم الأخلاقي على مقتضيات ذلك النّموذج. وعليه فالرّهان الحالي، بله والمستقبلي، لحل مشكلة العالم الإسلامي يكون بتجديد صلة المسلم الرّوحية بينه وبين دستوره القرآني، وكأنّما نزل عليه في هذا الزّمان، كلّ ذلك يستهدف إعادة تنظيم وتوجيه الطّاقة الحيوية للمسلم([9]).

موقف بن نبي ذاك يقارب من موقف أرسلان من قبله، فالأخير الذي همّه السؤال عن علّة ارتقاء المسلمين في الماضي، تبصر علة ذلك الارتقاء في الدين الإسلامي التي دانت بها قبائل العرب، فتحولوا بهدايته من الفُرقة إلى الوحدة، ومن الجاهلية إلى المدنية، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الواحد الأحد، ففتحوا نصف الكرة الأرضية في خمسين سنة. فالعرب الذين سادت أمم في أراضيهم من قبيل الفرس والحبشة والروم، لم يستقلوا استقلالاً واسعاً إلاّ بالإسلام([10]).

وعليه لا مشاحة في أنّ العالم الإسلامي يمكنه النهوض والرقي واللحاق بالأمم العزيزة الغالبة إذا أراد ذلك المسلمون ووطنوا أنفسهم عليه، ولا يزيدهم الإسلام إلاّ بصيرة وعزماً، ولن يجدوا لأنفسهم حافزاً على العلم والفن خيراً من القرآن([11]).

لا ينحصر دور الدين الإسلامي على تبديل واقع العرب التاريخي والحضاري فقط، بل نفعه كان متعدياً إلى نفسية المسلمين أفراداً وجماعات، نفعه الأخلاقي بشكل أدق. فاستقراء تاريخ الأمم والشعوب في علاقتها بالأديان تشهد على أنّ تراجع دور الفكرة الدينية يكون أثره القبلي بادياً على أخلاق الأفراد والمجتمعات. والمسلمون غير مستثنين من هذه القاعدة، فقد علل أرسلان انحطاط العالم الإسلامي في جملة من الأسباب يتقدمها الجهل والعلم الناقص، وهو في نظره أشد خطراً من الجهل البسيط، كون صاحبه لا يدري ولا يقتنع أنه لا يدري، يقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم([12]). ومن أعظم تلك الأسباب هو فساد الأخلاق، أخلاق الأمراء بنوع خاص، الذّين ظنوا أن الإمارة خُلقت لهم ليفعلوا برعاياهم ما يشاؤون. ثم الجبن والهلع، مع أن الله U يقول: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: 104]. وما لحق الجبن والهلع من يأس وقنوط أصابا المسلمين، جعلهم يظنون في الأمم الغربية أنهم الأعلون على كل حال ولا سبيل إلى غلبتهم، مع أن الله يقول: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُم الأَعلَونَ إِنْ كُنتُمْ مُؤمِنينَ) [آل عمران: 139]([13]). وبالجملة هي مظاهر دالة على أفول نور الإيمان الصادق في نفوس المسلمين.

غير أنّ أرسلان أكّد على حقيقة أنّ العلاقة بين الدّين وأثره النفسي والأخلاقي ليست علاقة عكسية، فقد يحدث وأن يتراجع دور الفكرة الدّينية، لكن تبقى الأمم قائمة ما دامت الأخلاق تسري في عروقها، وهو الذي قصده أرسلان حينما أخبر أنّ الدّين له أثر كبير في المدنية، ولكنّ الأثر الأكبر في الأخلاق. وهذا في اعتقادنا دليل على اعتراف أرسلان بمصادر أخرى للأخلاق غير مصدرها الديني، أو هو دليل على أنّ تراجع الروح الديني يستتبعه تراجع بطيء في أخلاق الناس. عموماً إنّ سقوط حضارة ما مرده إلى فساد الأخلاق فيها، لذلك أمكننا الحكم على أنّ سبب جهل المسلمين بشريعتهم وعدم العمل بها –أي تمثلهم لها في سلوكهم ومعاملاتهم- أحد أبرز أسباب تراجعهم([14]).

لكن كيف نواجه دعوى من يعلل تخلف المسلمين بسبب دينهم؟ خاصة وأنّ كثيراً من العلمانيين ودعاة التغريب يدعون إلى ضرورة إحداث قطيعة مع الدين كشرط لمجاراة الغرب في تقدمه مثلما أحدث الغرب قطيعة مع الكنيسة؟ الجواب من وجهة نظر شكيب أرسلان أنّ الأديان ليست معياراً لتقدم الحضارات أو تخلفها، وبالنسبة للمصائب التي حلت بالمسلمين فهي من صنع أيديهم؛ من قبيل فتور الهمم، وفساد الأخلاق، ونبذ عزائم الدين، والانقياد لشهوات الأنفس، والتنافس على الرئاسة خاصة، وعدم العمل بالقرآن. حتى الغرب ذاته لم يكن تأخره الذي دام ألف سنة بسبب الكنيسة كما قد يتوهم البعض، ولا بسبب عموم الدين كما رفع لواء ذلك تيار الملاحدة. وحجة ذلك أنّ اليابان كانت وثنية قبل تقدمها، وبقيت على وثنيتها بعد نهضتها.

إنّ سقوط الحضارات أو تقدمها، متعلق بمزاجها الروحي والأخلاقي. في هذا السياق يقول أرسلان: “إن لهذه الحوادث أسباب وعوامل متراكمة ترجع إلى أصول شتى، فإذا تراكمت هذه العوامل في خير أو شر تغلبت على تأثير الأديان والعقائد وأصبحت فضائل أقوى الأديان عاجزة بإزاء شرها، كما أصبحت معايب أسخفها غير مؤثرة في جانب خيرها”([15]). وعليه “فليترك إذن بعض النّاس جعل الأديان هي المعيار للتّأخر والتّقدم”([16]).

تراجع التأثير الروحي، وكذا التاريخي، للدين الإسلامي في نفوس المسلمين، جعلهم يرتهنون نماذج فكرانية (أيديولوجية) أرادوا بموجبها استبدال فكرانيتهم الدّينية الأصيلة. في حين أنّ روح الدّين الإسلامي في نموذجه الأوّل لم تجعل من العرب لا بيزنطيين ولا فارسيين، بحكم أنّ هاتين الأخيرتين كانتا صاحبتي الريادة زمن النموذج الأوّل، وعليه لا يمكنهم اليوم (أي العرب) أن يكونوا اشتراكيين –سوفييت، ولا رأسماليين- أمريكيين، بحكم أنّ الأخيرتين يمثلان نموذج القوة والتمدن الراهن. وقد نكون أقرب إلى الحقيقة إن نحن قلنا إنّ معيار تقدم المسلمين أو تخلفهم هو الإسلام لا الآخر. فالمسلمون اليوم متخلّفون بالنّسبة للإسلام أوّلاً، ثم بالنّسبة للآخر ثانياً، ثم بالنّسبة لما هو مُتاح من طاقات يحوزها العالم العربي والإسلامي بشرية كانت (عالم الأشخاص) أو قيم تراثية (عالم الأفكار) أو مادية (عالم الأشياء) ثالثاً.

خاصة وأن الغرب ذاته –الذي جعل منه البعض مرجعية كل نهضة- يشهد بدوره أفول أيديولوجياته([17])، وقد تعالت من قبل أصوات من الداخل محذرة بأنّ الغرب يعيش آخر دوراته الحضارية. وبالتبعية لتلك المواقف النقدية، تبلورت على ساحة الفكر العربي انتقادات مماثلة. كتب رائد النزعة الشخصانية الإسلامية (محمد عزيز الحبابي) معلقاً على أفول الأيديولوجيات الغربية ما نصّه: “لا اللّيبيرالية ولا الاشتراكية ولا [أي] إيديولوجيا أو فلسفة أظهرت قابلية على الهدي والإنقاذ […] اتجهت الأبحاث عن الحل الناجع ومرت السنون بلا طائل، حتى فشي اليأس. وقتها ارتأى البعض الاتجاه إلى تجربة الإيمان كبديل”([18]).

استئناساً بتلك المواقف يكون خيار مجاراة الغرب في نماذجه وتجاربه مخالفة لسنن العمران والأنفس، متى علمنا أنّ عالمنا الإسلامي والعربي يعيش في دورة حضارية تختلف عن الدورة الحضارية الأوربية، وبالتالي اختلاف على مستوى المشكلات التي تفرزها كل دورة، ناهيك عن التباين النفسي والذهني بين الأمتين. ذلك الذي قصده مالك بن نبي من قوله: “لا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج، مُغفلاً مكان أمّته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره، وعواطفه، وأقواله، وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمّته، أمّا أن يستورد حلولاً من الشّرق أو من الغرب فإنّ في ذلك تضييعاً للجهد، ومضاعفة للدّاء. إذ كلّ تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار”([19]).

كلام بن نبي السابق يجعلنا نستحضر فكرته عن رؤى العالم والنماذج المعرفية التي تختص بها كل حضارة وكلّ أمّة، وبفضلها تتميز كلّ أمّة عن الأخرى في فنونها وآدابها وعاداتها وتقاليدها ورؤيتها للأشياء وعلاقتها بالعالم. وقد ميّز بن نبي الأمّة الإسلامية والأفروآسيوية (الحضارات الشرقية) عموما عن الأمّة الغربية في أن جعل الأولى ذات “ثقافة حضارية” (إنسانية)، في مقابل الثانية ذات “الثقافة الإمبراطورية” (سيطرة)، وذلك بفعل الخيّار النّفسي الذي يطبع على كلّ أمّة من الأمم، وبفعل الطريقة التي تملأ بها فراغها الكوني، فــ “هناك أساساً طريقتان لملء الفراغ: فإمّا أن ينظر المرء حول قدميه، أي نحو الأرض. وإمّا أن يرفع بصره نحو السّماء […] هكذا ينشأ عبر الطريقتين نموذجان من الثقافة: ثقافة سيطرة ذات جذور تقنية، وثقافة حضارة ذات جذور أخلاقية وغَيبيِّة”([20]). أو مثلما عبّر عنهما في موضع آخر أنّ “محور واشنطن موسكو” هو “محور قوّة” في حين أنّ “محور طنجة جاكرتا” الذي انبثق عن (مؤتمر باندونج) متبنياً سياسة اللّاعنف هو “محور أخلاقي”([21]).

أمّا أرسلان فيبدو في هذا المقام صاحب نزعة توفيقية -رغم أنّه لم يشهد أحداث الثنائية القطبية- حينما كتب يقول في الرسالة: “بقي علينا أن ننظر كيف يكون اتّجاه الأمّة العربية في المستقبل من جهة الثقافة؟ أتأخذ بالثّقافة الغربية ولوازمها ومتمّماتها إلى النّهاية، أم تبقى ملتزمة بثقافتها الشرقية الأصيلة لا تبغي بها بدلاً ولا عنها حِولاً؟ أم تأخذ من الثقافتين معاً وتجعل من ذلك ثقافة خاصة لا شرقية ولا غربية؟”([22]). الجواب في نظره الأخذ بمنطق الوسط مستدلاً بالدّولتين الأموية والعباسية في انفتاحهما على الفلسفة الإغريقية وحكمة الهند، مع الحفاظ على أصالة حضارتهما العربية والإسلامية([23]).

غير أنّها تبقى مُعضلة لا تزال حبائلها إلى اليوم، من ذلك ما كتبه المفكر التونسي (أبو يعرب المرزوقي) في كتابه “شروط نهضة العرب والمسلمين من أنّ علة التخلف الحضاري الذّي يعيشه العرب والمسلمون هو نتيجة تبني العرب المسلمين نماذج قيمية لا تنبع من صميم رؤيتهم الدينية للعالم، وذلك لعدم قدرتهم على فهم واستيعاب خصوصية الثورة المحمدية كرسالة خاتمة، ما حَال دون إدراكهم لوجودهم الشهودي/ الاستخلافي في العالم، كتحقق قيمي (الاستخلاف في الأرض) ومادي (استعمار الأرض) لهم في التاريخ.

فمع بداية النّهضة العربية الأولى، ارتمى المسلمون في نظام القيم الحضارية السائدة آنذاك بتمثيل الثقافة الفارسية والثقافة الغربية بشقيها الاغريقي والبيزنطي، ثم تكرر الأمر مع النهضة العربية الثانية، بتبني النموذج القيمي للولايات المتحدة الأمريكية والسوفيت. في كلا الحالتين غاب عن العرب إدراك نظامهم القيمي الخاص بهم، لذا فالرّهان الذي ينبغي للعالم العربي الإسلامي الاشتغال عليه هو “كيفية التمييز بين الشهودي والوجودي في الفعل العقلي الإنساني، فلا نعتبر الفعل المؤسس لحضارتنا من غير جنسه أو منافياً له، وبذلك نتمكن من فهم خصائص الرسالة الإسلامية فهماً يجعل الاستئناف أكثر فاعلية حتى من البداية”([24]).

وقد يحتج البعض بأنّ منطق الفكرة والقيمة ليس كمنطق الآلة والوسيلة، وهي حجة كل من يطلب الاستفادة من الآخر في منتجاته المادية، مع الاكتفاء بالرّصيد القيمي والفكري للأمّة الإسلامية. إنّ مطلباً كهذا يصدر في الغالب من منطق تبريري لا نقدي، أي تبرير العجز المادي الذي يعيشه العالم الإسلامي والعربي. يمكن درء موقف هؤلاء ها هنا بما ذكره ابن خلدون: “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر احواله وعوائده”([25]). قياساً على ذلك، يطرح السؤال التالي: كيف يمكن الاستفادة من الغرب في صناعاته وأدواته دون التأثر به فكرياً وقيمياً؟ فالتأثر المادي يستتبعه لا محالة التأثر المعنوي، ولا نهضة لهذه الأمّة إلاّ بتحقيق اكتفائها من جهة الوسائل، ومن جهة الغايات معاً، وإلاّ كان نهوضاً أعرج. وقد يُقال إن ما أنتجه العالم الإسلامي لا يزيد عن كونه أسلمة لما أنتجه الآخر. على فرض صحّة هكذا ادّعاء لا يسع سوى الأخذ بقول أرسلان: “ومن استَرَق شيئاً وقد استرقَّه فقد استحقه”([26]).

ولما كانت الحضارة في نظر بن نبي تولد مرتين: الأولى بميلاد الفكرة الدّينية، والثّانية بتسجيل هذه الفكرة في الأنفس([27]) -الذي يمهد لدخولها في التاريخ- فإنّنا نصرف النّظر إلى تلك السُّنن النّفسية ودورها في النهوض الحضاري للأمّم عموماً والإسلامية على نحو أخص.

  • الشروط النفسية والقيمة النفسية للطاقة الحيوية:

إذا كانت الشروط الروحية ترتبط بميتافيزيقا الإيمان الديني ودور الفكرة الدينية في شحن روح المسلم وإحياء ضميره الأخلاقي وحمله على تمثل قيم الرسالة، فإنّ الشروط النفسية -كما هو مقدم لها سلفاً- ترتبط بملكات العقل والإرادة والوجدان والنزوع عند الفرد المسلم، إنّها تشكل في مجموعها الغرائز الحيوية لكل فرد. وهي على تداخلها -أي الشروط النفسية- مع الشروط الروحية، مرد ذلك إلى التكامل الوظيفي بينهما، حيث النفس بملكاتها تتلبس القيم الروحية للفكرة الدينية، وإلاّ فإنّ التمايز بينهما في القيمة والوظيفة أكبر من تماهيهما. فمن جهة القيمة، الشروط الروحية مقدمة على الشروط النفسية لأنّ الأولى موصولة بعالم الغيب بينما الثانية موقوفة على عالم الشهادة، والأخيرة دون هداية الأولى تحمل الفرد على توظيف ملكاته النفسية (العقل، الإرادة، الوجدان،..) على خيانة الغاية التي خلق لأجلها الإنسان عموماً، وخيانة الرسالة الواجبة على المسلم تأديتها امتثالاً لقول الباري تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]. أما من جهة الوظيفة فالشروط الروحية تَدَبُر ملكوتي في السنن التكوينية والسنن التكليفية بحكم وصالها بعالم الغيب، بينما الشروط النفسية هي تدبير ملكي بحكم محايثتها لعالم الشهادة.

أما وقد رفعنا للقارئ اللبس عن الشروط الروحية في تداخلها المحتمل بالشروط النفسية، فإنّنا ننصرف إلى تفصيل الكلام في الشروط النفسية ودورها في بناء النهضة.

بما أنّ أرسلان وبن نبي ينهلان من مرجعية واحدة وهي كلام اللّه U، وسنّة رسوله، وكذا من الوقائع الاجتماعية والتاريخية، انطلق كلٌّ منهما في سبيل تبيان دور العامل النّفسي وأولويّته في النهوض الحضاري للأمّة الإسلامية من قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]. فالأول كان قد أشار إلى وجوب السؤال عن السبب الذي نهض به العرب والمسلمون قديماً، هل هو باقٍ فيهم وهم قد تأخروا؟ أم أنه قد ارتفع هذا السبب فلم يبق من الإيمان إلاّ اسمه ومن الإسلام إلا رسمه ومن القرآن إلاّ الترنم به دون العمل به؟ الجواب: “فقد المسلمون السّبب الذي ساد به سلفهم([28]). وعليه فإنّ تضعضع نفسية المسلم وفتور همّته وتقهقر إرادته هي عوامل نفسية أرادته إنساناً عاطلاً ليس له من التاريخ نصيب، فقد انكفأ المسلم على ذاته ولم يعد له إرادة العمل التي تدخله في دوره الرسالي المنوط به كونه من “أمّة الشهادة” التي تشهد على ذاتها وعلى غيرها من الأمم.

يذكِّر أرسلان ها هنا بقيمة العمل بالقرآن وهدي الرسول. فلو وعد الله المؤمنين بالعزة بمجرد الاسم دون الفعل لقيل: أين عزة المؤمنين التي وعد الله بها عباده المؤمنين في قوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 08]، وأيضاً قوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47]. إن كان هذا حقاً، فأين النصر؟ إن الله غير مخلف وعده، والقرآن لم يتغير، ولكن المسلمون هم من تغيروا كما نصّت عليه الآية: (إنَّ اللهَ لاَ يُغِيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)؛ فلما غيَّر المسلمون موقفهم من دينهم وهو العمل به، بدل الله عزتهم ورفعتهم ذلة وضعة “كيف ترى في أمة ينصرها الله بدون عمل وهي قعدت عن جميل العزائم التي كان يقوم بها آباؤها؟ فلا عزة دون استحقاق ولا غلة دون حرث وزرع ولا فوز دون سعي وكسب، ولا تأييد دون أي سبب يوجب التأييد”([29]). وهي ذات الآية التي وصفها بـن نبي “النّص المبدئي للتاريخ التّكويني”: (إنَّ اللهَ لاَ يُغِيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، وهو مبدأ موضوعي يأخذ شرعيته لا من مجرد ميتافيزيقا الإيمان وإلاّ كان عاطفة ذاتية، وإنّما من حكم الواقع، والتاريخ يشهد على فاعليته، يقول: “ينبغي ألا نقرر هذا المبدأ حسب إيماننا به فقط، بل يجب أن يكون تقريره في ضوء التاريخ”([30]).

فاعلية الفكرة الدينية وأثرها على الأنفس يحعلهما (أي العاملين الروحي والنفسي)، مقدمان على العلوم والصنائع. فالعِلمَ وإن كان لا غنًى عنه للحاق بركب المدنية، فإنّه ليس بالجوهر، يقول شكيب أرسلان: “إنّ العلم الحديث يتوقف على الفكرة والعزيمة، ومتى وُجدت هاتان وُجد العلم الحديث ووُجدت الصناعة الحديثة”([31])، ويقول في موضع آخر “فلا التعرف على علوم العصر هو سبب النهوض، فهذه الأخيرة هي نتائج لا مقدمات وفروع لا أصول”([32]). أما بن نبي فقد أورد في هذا السياق ما نصّه: “من المعلوم أنّه حينما يبتدئ السير إلى الحضارة، لا يكون الزاد بطبيعة الحال من العلماء والعلوم، ولا من الإنتاج الصناعي والفنون، تلك الأمارات التي تشير إلى درجة من الرقي، بل الزاد هو “المبدأ” الذي يكون أساساً لهذه المنتجات جميعاً”([33]). لا تنطبق تلك الحقيقة على الحضارات حال تأسيسها حصراً، بل حتى عند أفولها، فإنّ أولى تمظهرات الأفول تبدو جلية على الأنفس أكثر من العلوم والصناعات، فقد سهل على المغول إسقاط بغداد على ما تحوزه الأخيرة من مكتبات وعلوم.

هذه الحقيقة نجد ما يعضدها لدى فيلسوف الحضارة الفرنسي غوستاف لوبون Gustave Le Bon (1841-1931) في أحد أبحاثه المتعلقة بالسّنن النّفسية للتطور حيث يقول: “ونحن إذا ما بحثنا في الأسباب التي أدت بالتتابع إلى انهيار الأمم، وهي التي حفظ التاريخ لنا خبرها كالفرس والرومان وغيرهم، وجدنا أنَّ العامل الأساسي في سقوطها هو تغيُّر مزاجها النّفسي تغيراً نشأ من انحطاط أخلاقها، ولست أرى أمّة واحدة زلّت بفعل انحطاط ذكائها”([34]).

غير أنّ السّؤال المطروح كيف يبدأ هذا العامل النّفسي بالتّكون ثم الحراك والفاعلية؟ الجواب في نظر بن نبي أنّ الحضارة لا تظهر في أمّة من الأمم إلاّ في صورة وحي يهبط من السّماء فيوجّه الناس صوب معبود غيبي، ولو كان ذلك المعبود زمنياً (عَلمانياً). وهو ما نصّ عليه أرسلان بدوره في مواضع عدة، خاصة في خطابه دعاة النهضة القومية. يقول: “ثم مَن اعتقد -يقصد القوميين العرب- أن أوروبا أو اليابان جرت نهضتها دون أسس وتربية دينية؟ […] إن كل الجامعات الراقية في الغرب لا تخلو من علم اللاهوت المسيحي […] ثم إنهم عندما يقولون في أوربا نهضة وطنية أو نهضة قومية أو جامعة وطنية أو قومية، لا يكون مرادهم بالوطن التراب والماء والشجر والحجر، ولا بالقوم السلالة التي تنحدر كلها من دم واحد، وإنما الوطن والقوم عندهم لفظتان تدلان على وطن وأمة بما فيهما من جغرافية وتاريخ وثقافة وحرث وعقيدة ودين وخلق وعادة مجموعاً ذلك معاً، وهذا الذي يناضلون عنه ويستبسلون كل هذا الاستبسال من أجله”([35]).

تحمل الفكرة الدينية الأنفس على الارتقاء من مستوى الغريزة/ أو الفطرة/ أو الطبيعة إلى مستوى الرّوح، ثم مرحلة العقل، لتنتهي بالغريزة هذه هي الأطوار الثلاثة للحضارة التي مثّلها مالك بن نبي في منحنى بياني صُعوداً فاستقراراً ثم أفولاً([36]).

تؤكد لنا المعطيات تلك حقيقة التواشج بين العاملين الروحي (الديني) والنفسي (الغرائز الحيوية)، من دون أن نتوهم أن تلغي الأولى الثانية. فمثلما أكدت الدراسات النفسية حقيقة أن الفرد مزدوج التكوين والطباع (غريزتي الهدم والبناء) فالدين يهذب نوازع الفرد الغريزية تلك بتوجيهها لا وأدها، “وهكذا يظهر لنا من وجهة نظر علم النفس أن العنصر الديني يتدخل في تكوين الطاقة النفسية الأساسية لدى الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية الواقعة في تصرف (أنا) الفرد، ثم في توجيه هذه الطاقة تبعاً لمقتضيات النشاط الخاص بهذه (الأنا) داخل المجتمع، تبعاً للنشاط المشترك الذي يؤديه المجتمع في التاريخ”([37]).

ولما تحدثَ بن نبي عن تحقيق علاقة متوازنة بين العوالم الثلاثة (الأشياء والأفكار والأشخاص) أدرك أنّ الناظم المنهجي لهذا الثالوث الذي يتم بموجبه التفاعل الحي والإيجابي، بدءاً بالتّفاعل داخل بنية كل عنصر (المرتبة الأخلاقية الأيديولوجية، والسّياسية بالنّسبة لعالم الأشخاص. والمرتبة المنطقية الفلسفية والعلمية بالنّسبة لعالم الأفكار. ثم المرتبة التّقنية، الاقتصادية، الاجتماعية بالنّسبة لعالم الأشياء)، ومن ثمة التركيب الخارجي بين العناصر الثلاثة فيما بينها، يكون عن طريق الفكرة الدّينية في شكل نسقي منهجي متكامل، وأيّ خلل داخل البِنية الواحدة يكون أثره السلبي جلياً داخل العنصر الواحد وبين العناصر مجتمعة. يقول: “ومهما يكن من أمر فإنّ أيّ فساد في علاقات الأفكار فيما بينها (رتبة المنطق الفلسفة…) أو في علاقاتها مع عالم الأشخاص (مرتبة الإيديولوجية- السياسية…) أو في علاقاتها مع عالم الأشخاص (مرتبة التقنية والاقتصاد…) لا بد أن يولِّد اضطراباً في الحياة الاجتماعية، وشذوذاً في سلوك الأفراد […] وتصبح قوالب أفكارنا المطبوعة ممسوحة في ذاتنا، وتصبح أفكارنا الموضوعة والمصبوبة في تلك القوالب لا شكل لها، ولا تماسك فيها، ولا أهمية لها”([38]). وعليه فالرّوح التي تلّقت الوحي الإلهي تكون الأوفى بجمع شتات العناصر تلك.

أمّا عن شكيب أرسلان وإن لم يتحدث بالشّكل ذاته الذي تحدث به بن نبي، إلاّ أنّه كان صاحب السّبق في تأكيده على وجوب أسبقية الروح المشبّعة بالقيم الدّينية على الصناعات والتقنية والعلوم، إذ لكل عصر علماً وصناعة ومدنية تشاكله والحال اليوم كالأمس، فمثلما أن الصناعة العسكرية والعتاد العسكري ليسا من يبعث على العزائم، وإنّما الحمية والعزيمة والنجدة مَن تأتي بالعتاد. لأنّ العتاد مواد صماء كالحجر والمادة لا تفعل شيئاً من تلقاء نفسها وإنما الذي يعمل هو الروح، والعلم أيضاً يتوقف على الروح. فاليابان مثلاً وفي ستينيات القرن التاسع عشر كانت كسائر الأمم الشرقية، لكن لما أرادت اللحاق بالأمم القوية كان لها ذلك دون التخلي عن دينها وأصالتها، وإن ملاك الأمر هو الإرادة فمتى وجدت الإرادة وجد الشيء المراد([39]).

صار من الجلي أنّ الأنفس هي مناط النهوض حتى إذا أرادت جهة خارجية تعطيل هذا النّهوض استهدفت نفسية الأفراد بما يهيِّئُها على تقبل الاستعمار والرضا بالتبعية والتخلف، وقد جاء في قوله تعالى ما يثبت ذلك: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النّحل: 76].

وعليه أدرك كل منهما هذا الناموس الإلهي، فجعل أرسلان من أعظم أسباب تراجع المسلمين هو فقدهم للثقة بأنفسهم، وهو أخطر الآفات خاصة إذا كان مروجاً له من الطبقة المثقفة، دون أن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يذهب هؤلاء المثقفون إلى اعتبار أن كل محاولة لمجاراة الغرب في صناعة أو كسب أو علم ضرب من المحال وكأن المسلمين من طينة والغرب من طينة، وهو يصف هاته الآفة بـ “مرض الاستخذاء” يقول: “وقد أحسّ الأوربيون بما عند المسلمين من هذه الحالة الروحية الموافقة لمصالحهم الاستعمارية فصاروا يروجونها فيهم ويقوُّون عندهم هذه العقيدة فانطبق على هؤلاء الناعقين بالبين الآية الشريفة: (في قلوبهم مَرَضٌ فزادهم الله مَرَضًا)([40]). وهي الحالة النفسية التي يَسِمُها بن نبي بــ “القابلية للاستعمار”. فالاستعمار، وإن كان له الأثر المباشر على تخلف المسلمين وتقهقرهم المادي والروحي، فإنّه لا يقع فيهم إلاّ إذا كانت أنفسهم مهيّأة له. يقول: “هذه الملاحظة الاجتماعية تدعونا إلى أن نقرّر أنّ الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هي من النّفس ذاتها التي تقبل ذلّ الاستعمار، والتي تمكِّنُ له في أراضيها، وليس ينجو شعب من الاستعمار وأجناده، إلاّ إذا نجحت نفسه من أن تتّسع لذل مستعمر، وتخلّصت من تلك الرّوح التي تؤهّله للاستعمار”([41]). ويقول في موضع آخر: “فكلّما شعرنا بداء الـمُعامِل الاستعماري الذي يعترينا من الخارج، فإنّنا نرى في الوقت نفسه معاملاً باطنياً يستجيب للمعامل الخارجي ويحط من كرامتنا بأيدينا” وهو يقصد القابلية للاستعمار([42]).

  • الشروط الاجتماعية ودرء آَفَتي العصبية وتضخم الأنا:

لا شك أنّ للاجتماع البشري سنن تحكمه وتسيّره صوب غايات وأهداف ترسمها له ثقافته أو رؤيته للعالم. لأجل هذه الغايات يجيِّشُ المجتمع كامل موارده البشرية مؤسساته ووسائله المادية تحقيقاً لتلك الغاية. وقد بحث كل من أرسلان وبن نبي عن المبدأ القبلي الذي على أساسه يُبنى المجتمع الإسلامي في شكل كُلٍّ متكامل، وقد تبصرا في الوِحدة سبيلاً لذلك. الوحدة التي رافع لأجلها أرسلان في “بيان للأمّة العربية عن حزب اللاّمركزية” ودعوته لإنشاء “جامعة إسلامية كبرى تستند إلى التآخي التركي- العربي” مُستنداً بذلك على أمتن عقد بين المسلمين على اختلاف ألوانهم وقوميّاتهم وأعراقهم وهو “التّوحيد”، وهي التي بحث عنها بن نبي من خلال فكرته عن “شبكة العلاقات الاجتماعية”.

غير أنّ هنالك فارقاً بين الرجلين في معنى هذه الوحدة؛ فأرسلان دفعته الظروف السياسية، خاصةً تبلور الحركات القومية داخل العالم الإسلامي (القومية التركية والقومية العربية) التي زادت من انقسام الأمة الإسلامية وصيرتها أمماً وشيعاً، وما تبعه من استغلال الغرب لهذا الانقسام لتقوية نفوذه على دول العالم الإسلامي، تحت ضغط تلك التحولات كان أرسلان يسعى للحفاظ على الوحدة بمفهومها الإسلامي- السياسي. أما بن نبي فإنّ مفهوم الوحدة عنده أملته شروط حضارية واجتماعية صرفة. وإذا كان المجتمع في نظر بن نبي هو كل جماعة إنسانية قابلة للتطور، ابتداءً من نقطة تسمى “ميلاداً”، تشكل “حدثاً”، يشكل بدوره ظهور شكل من أشكال الحياة المشتركة، فإنّ ميلاد المجتمع معناه خروجه من حالة الطبيعة التي تنتج النوع (مجموع الأفراد) مكتفية بغريزة البقاء وحفظ النوع -الاكتفاء بالضروريات الحيوية- إلى حالة الثقافة/ التاريخ التي ترتقي به نحو تطلعات أسمى. المجتمع إذن هو “الجماعة التي تغير -الكلام لبن نبي- دائماً خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير، مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير”([43]).

تحت عنوان “المرض الاجتماعي” وَسَم بن نبي الفصل السابع من كتابه “ميلاد مجتمع”، يشخص هذا الفصل علة تفكك شبكة العلاقات الاجتماعية من وجهة نظره، وهي تنحصر أساساً في “تضخم الأنا”، حيث تتراجع قيم الشخصانية لصالح الفردانية، ويعود الإنسان إلى سابق عهده من “حالة الطبيعة” وما تتسم به من أثرة وأنانية وتنصل من المسؤوليات الاجتماعية، وتصبح العلاقات الاجتماعية رهينة العقد النفسية، وتضمر الألفة، ويصير العمل الاجتماعي المشترك ضرباً من المحال. ويصبح التفكير في المشكلات بدلاً من التفكير في الحلول، والخوض في مشكلات خيالية وهامشية بدلاً من التفكير في القضايا المصيرية، هي سمة العقل الجمعي([44]).

الفارق بين الرجلين في تناولهما لموضوع الوحدة هو الذي جعل أرسلان يتحدث عن “العصبية” لأنّه عالج المسألة ضمن نطاق الأمة بمعناها الديني- السياسي. بينما تحدث بن نبي عن “تضخم الأنا” كونه عالج المسألة ضمن نطاق الحضارة- المجتمع، وإن كانت تجد شرعيتها في فاعلية الفكرة الدينية. كتب أرسلان عن العصبية: “غلبت العصبية الدّينية في الإسلام على كلِّ عصبية سواها وطمستها، فلا تكاد تجد لغيرها أثراً بين المسلمين؛ فهذه الشّريعة السّماوية، وإن جاء بها أعرب العرب، ونزل كتابها بأفصح لغات العرب، هي شريعة تامّة مبنيّة على المساواة التّامة وبعيدة عن الأثرة الجنسية وصاحبها يقول: ليس منّا من دعا إلى عصبية”([45]).

ولما كان التوحيد القيمة المركزية للإسلام والذي تشع منه جملة القيم الأخرى، فإنّ النظام السياسي الإسلامي ما هو إلاّ أحد المجالات التي تنهل من هذا المركز كباقي المجالات الاقتصادية والجمالية والحضارية والتربوية. “ففي المجال السياسي تتجلى قيمة التوحيد أساساً في وحدة الأمة التي تعد شرطاً أساسياً لتحقيق مقاصد الخلافة السياسية الإسلامية [ذلك] أن الأمة هي الوحدة التكوينية الكبرى في النظام السياسي الإسلامي. وإذا كان التوحيد هو صفة الله الواحد سبحانه فإنّ ذلك يقتضي وحدة الأمة المنتسبة إلى دين الله، لقوله تعالى: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92]([46])“.

فالأمّة مفهوم إسلامي عالمي فريد يتجاوز العرقيات واللّغة والأرض والسلطة السياسية، وضمن نسقها يكون صاحب عقيدة التوحيد يمارس حقوقه وواجباته إزاء دينه، والعيش على وفاق مع القوانين المدنية للمجتمع ما لم تتعارض مع دينه. أما وحدة الأمة فلها تمظهراتها:

– فالأمة واحدة في رؤيتها للعالم (إذ أنّ الدين هو مصدر رؤية المسلمين للعالم ووحدة رؤيتهم من وحدة دينهم).

– وحدة التجارب والمصير والأهداف.

– وحدة التوجه العملي والإبداع المادي إزاء البناء الحضاري الدنيوي وما يشترطه من الانتفاع السُّنني من الكون وخيراته، الطبيعة ومخزوناتها وتوظيف طاقاتها، والاستمتاع المشروع، والأمن والسلم […] لأن ذلك كله من متطلبات الاستخلاف([47]).

المشترك الدّيني -كما نلاحظ- عامل رئيس في وحدة الشعوب ووحدة مسارها ومصيرها، وهي الحقيقة التي أكّدها بن نبي في استحضاره تطبيقات الفكرة الدينية من الوجهتين التاريخية والكونية، ودورها في البناء والتماسك الاجتماعي. يقول: “فسواء كنّا بصدد المجتمع الإسلامي أو المجتمع المسيحي، أم كنا بصدد المجتمعات التي تحجرت اليوم أو اختفت تماماً من الوجود، نستطيع أن نقرر أنّ الفكرة التي غرست بذرتها في حقل التاريخ هي فكرة دينية […] إذن فالعلاقة الروحية بين الله وبين الإنسان، هي التي تلد العلاقة الاجتماعية. وهذه بدورها تربط ما بين الإنسان وأخيه الإنسان […] فعلى هذا يمكننا أن ننظر إلى العلاقة الاجتماعية والعلاقة الدينية معاً من الوجهة التاريخية على أنّهما حدث، ومن الوجهة الكونية على أنّهما عنوان على حركة تطور اجتماعي واحد”([48]).

إذا كان ذلك شأن الفكرة الدّينية مع المجتمع الإنساني عامة، فكيف هو الحال مع المجتمع الإسلامي؟ يستطرد بن نبي في شرح الفكرة معتبراً أنّ الوصول إلى وضع “مجتمع الكمال” رهين بالفكرة الدّينية التي تغذّي شبكة علاقات أفراده، هذه الدّرجة من الكمال يصعب على المجتمع بلوغها من غير دين له القدرة على توفير هذه الطاقة لتلك الشبكة، حتى لو اُتيحت له كل الإمكانات المادية، وهو الـمُراد من قوله تعالى: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 63]([49]).

لكن ليس بمُجد أن نعقد الآمال على مجرد الرابطة الروحية تلك، فهي وإن كان لها من النّاحية الأخلاقية فضل بناء شبكة علاقات اجتماعية متينة داخل الأمّة المسلمة نظراً لأصالتها الفوق- تاريخية، إلاّ أنّها تبقى على غير فائدة مالم يكن أثرها ظاهراً على إنتاج الأمّة الاقتصادي والصّناعي، فأصالة الفكرة لا تعني دائماً فاعليتها، بل قد يكون العامل الرّوحي بغير فاعلية مادية، شبيهاً بالفكرة الميتة، أو حتى الفكرة المميتة، كونه يُدخل المجتمع في حالة من العطالة وعدم الفاعلية. على هذا الأساس أشار بن نبي إلى أنّ الواقع الاجتماعي خاضع لنهج فنّي معيّن، تُطبق عليه قوانين (الكيمياء الحيوية) و(الدّيناميكية الخاصة) سواء في تكونه أم في تطوره”([50]). لأجل ذلك لا يحظى المعيار الرّوحي بالفاعلية اللازمة ما لم يُدخل المجتمع في جو من الحركية والفعالية التي تجعله جديراً بأن يستكمل طريق نهضته وأن يحقق استقلاله الذاتي صناعياً واقتصادياً.

فاقتصادياً -وعلى نحو ما تقدم- يبقى الحل غير ممكن في ظل توفير حاجيات المجتمع الروحية والأخلاقية من دون حاجياته المادية، شرط أن يتم إنتاجها وإنتاج وسائلها لا استهلاكها، ذلك هو الفرق بين البناء والتكديس. “فالمقياس العام في عملية الحضارة هو أنّ الحضارة هي التّي تلد منتجاتها، وسيكون من السّخف والسّخرية حتماً أن نعكس هذه القاعدة، حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها”([51])..

ومثلما ذكر بن نبي فإنّ الرهان الذي يدخل به المسلم في تركيب التاريخ في القرن العشرين يكون عبر توجيه ثلاثي؛ توجيه الثقافة. وتوجيه العمل. ثم توجيه رأس المال([52]). فهذا يجعل من النهوض بالقطاع الاقتصادي مطلباً لا يحتمل التأجيل “وهكذا فإنّ من حقنا في بلد متخلف أن نصب معظم اهتماماتنا على الجانب الاقتصادي، ويمكن لنا -وكيفما اتّفق- أن نعدد بعض القيم في هذا الإطار: الإنتاج، التسليف، العمل، الاستهلاك، العقد، الأمانة التجارية، الدّقة، التّنظيم، الادخار، المبادلة، أمن الأموال…”([53]).

صحيح أنّ بن نبي يعترف بضبابية ثقافة الاقتصاد في نفسية المسلمين وضميرهم، بخلاف نظرائهم الأوربيين، وهو في نظره مبرر كافٍ يفسِّر لما “لم يقبل المجتمع الشرقي تحت تأثير احتياجاته الداخلية على وضع نظرية اقتصادية كما حدث في المجتمع الغربي، حين وضع الرأسمالية والشيوعية. إنّه لم يقبل على هذا بسبب ما انطوى عليه من نفسية خاصة منعقدة على (الزهد) كمثل أعلى منذ قرون”([54]). إلاّ أنّ درء آفة الزّهد الـمُعِيقة على النّمو الاقتصادي لا يعني استبدالها بقيمة المنفعة للنّظام الرأسمالي، أو بقيمة الحاجة للنظام الاشتراكي، كما فعلت غالبية بلدان العالم الثالث، فتوهمت أنّها تحقق استقلالها الاقتصادي مثلما حققت استقلالها السياسي. فسُنن الاقتصاد هي من سنن المجتمع، وقد أثبت أن انتقاء البدائل غير المأصولة التي لم تخضع لمعايير المجتمع النفسية والثقافية، عدم نجاعتها في معظم دول العالم الثالث. لأجل ذلك عقد بن نبي ناموساً اقتصادياً على قاعدة الروح الاجتماعية نصُّه: “إنّ مبدأً اقتصادياً لا يمكن أن يكون له أثره، ومقدرته التامة على التأثير إلاّ في الظروف التي يتّفق فيها معه تجربة اجتماعية معينة”([55]). الأمر في هذه الحال مُخول للتجارب الجماعية لا النظريات العلمية الجامعية، وتقديم ظروف المجتمع وصلاحياته النّوعية على آراء المستشارين واستشاراتهم، خاصة إذا كان هؤلاء المستشارين من غير البيئة المعنية بالإصلاح الاقتصادي، أي ينتمون لروح اجتماعية مغايرة([56]). ناهيك عما يلزم النظريات الاقتصادية من إرادة سياسية تضمن فعالية تلك النظريات وتطبيقها في التاريخ وإلاّ كانت مجرد شعارات وآمال نفسية ليس لها وقع عملي([57]).

إن عالماً غنياً بالأفكار يفتقد للفاعلية لن تكون أمامه مشكلة صياغة مقياس نظري يستنتج به نتائج من مقدمات محددة، إلاّ أنّه من الصّعب عليه صياغة منطق عملي يُمكِّنه من استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة توسُّلا بوسائل معينة. فمشكلة العالم الإسلامي في العقل التطبيقي لا في العقل النّظري. وسبب اللاّفاعلية التي تلازم أفعالنا ومؤسساتنا ووقتنا في نظر بن نبي يعود إلى “أنّ سياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مُثلها العليا”([58]).

من جهته كان لأرسلان سبق التأكيد على ضرورة بناء اقتصاد إسلامي قومي تبعاً لوحدة المسلمين الروحية والاجتماعية تضاهي بموجبه الأمّة الإسلامية نظيراتها من الأمم غير الإسلامية. والبداية كانت بمطالبته بنزع حجب الخمول واليأس التي رانت على قلب المسلم فجعلته يعتقد أنّه بلا فاعلية، وأنّه لا استحقاق له أمام الرّجل الغربي في هذا الميدان. تلك العقيدة الفاسدة هي ما جعلت المسلمين يسّلمون مشاريعهم ورؤوس أموالهم لخبراء واستشاريين غربيين بزعم إدارة الاستثمار داخل البلاد الإسلامية “وكما ظنّ المسلمون أنّهم لا يحسنون شيئاً من المشروعات العمرانية وأنّه لا بدّ لهم من الأوربي حتى يدخلوا الإصلاح في بلادهم وأنّهم من دون الإفرنجي لا يقدرون على أيّ عمارة ولا مرفق ذي بال، كذلك ذهبوا إلى أنّه لا حظّ لهم في الأعمال الاقتصادية أصلًا، وأنّ كلّ مشروع اقتصادي إسلامي صائر إلى الحبوط إن لم تكن له أركان إفرنجية، وقد طال نومهم على هذه العقيدة الفاسدة حتى لم يبق في بلادهم شيء اسمه اقتصاد إلاّ كانت إدارتهم بيد الإفرنج أو اليهود […] وكلمة الجميع عندهم: نحن لا يخرج من أيدينا عمل ولا نصلح لشيء”([59]). لذلك فالمسلمون إذ ما أرادوا بعزمهم مواكبة الأمم الأخرى تمكن لهم ذلك “فأولئك رجال ونحن رجال”. والذي يعوز المسلمين هو العمل، والذي يخذلهم هو التشاؤم والاستخذاء وانقطاع الآمال([60]).

وقد استطرد أرسلان في رسالته بذكر نماذج من العمل الإسلامي الناجح في الاستثمار في الميدان الصناعي والأشغال العمومية من قبيل مجهودات “محمد طلعت باشا حرب” في مصر الذي وصفه أرسلان بأنّه كان “أمة وحده” في الشأن الاقتصادي وتأسيسه لبنك مصر برأسمال قدّر بـ ثمانون ألف جنيه ليصل بعد ثمانية عشر سنة إلى ما يزيد عن العشرين مليون جنيه. كان أثر هذا البنك نعمة على مصر وعلى المشرق ككل، الذي بفضله تم إنشاء شركة مصر للغزل والنّسيج وهي من أكبر الشركات في العالم، وكذا شركة مصر للتّمثيل والسّينما، وشركة مصر لمصايد الأسماك، وشركة مطبعة مصر، وشركة طيران مصر، وتأسيس شركة الملاحة البحرية وبناء السّفن لتسهيل رحلات الحجيج لبيت الله الحرام. كلّ تلك المشاريع ذات لمسات عربية إسلامية يندر فيها غير المسلم([61]). يقول: “وليس هنا محل تفصيل مشروعات طلعت باشا حرب باعث النّهضة الاقتصادية في الشّرق… وإنّما كان إيرادنا هذه القصة على سبيل المثال لما كان عليه المسلمون من الجبن في المواطن الاقتصادية إلى أن هبّ هذا الرّجل مدير بنك مصر فأيقظهم من سباتهم وأعلمهم أنّهم رجال كما الأوربيون رجال وأنّهم إذا شحذوا غرار عزائمهم قدروا على ما يقدر عليه الأجانب من الأعمال الاقتصادية الكبيرة”([62]).

  • النهضة وشرط التقدم العلمي:

يشهد التاريخ والحاضر على أنّه لا نهضة من غير ابتكار علمي، وقد يغلب على البعض تقييد مصطلح النهضة بمصطلح العلم فيقولون “النهضة العلمية” حتى يخيل لدى السامع أنّ النهضة و التطور العلمي مصطلحان لمعنى واحد. وقد كتب أرسلان عن مكانة الشرط العلمي للنّهضة المنشودة في البلاد العربية ما نصُّه: “لا حاجة بنا إلى القول بأنّ أجلى مجالي هذه النّهضة كان في العلم والتعلم. وعندي لا نهضة للأمم سوى النّهضة العلميّة، فإذا وُجدت هذه جاءت سائر النّهضات من سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية”([63]). ولا شك أنّ موقفاً كهذا كانت له ضروراته العاجلة في زمن أرسلان وبن نبي، حيث كان التنافس بين الأمم وسباقها نحو التسلح أمراً ظاهراً لأجل تقاسم خيرات أمم العالم الثالث، الإسلامي منه على نحو خاص. وعليه ليس على العالم الإسلامي إلاّ أن يسلك المسار ذاته بأن يوجِّه طاقاته وقدراته العقلية والمادية صوب التصنيع والتّسلح.

وعليه كان لزاماً على النّهضة العربية الإسلامية أن تولي اهتمامها بالشروط المادية مثل اهتمامها بالشروط المعنوية. وقد أكّد أرسلان في رسالته أنّ بلاء المسلمين يتقاسمه “جاحد” ينكر على العالم الإسلامي كل صناعة وفن، في اعتقاده هذا يسعى لأن يُفرِغ المسلمين ويجعلهم أشبه بالجزء الكيماوي الذي يدخل في تركيب جسم كيماوي آخر فيذوب فيه ويفقد هويته([64])، وجامد” يحارب العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية وفنونها وصناعتها بحجة أنّها من علوم الكفار. يقول: “إنّ العلوم الطّبيعية هي العلوم الباحثة في الأرض، والأرض لا تخرج أفلاذها إلاّ لمن يبحث فيها. فإن كنَّا طول العمر لا نتكلم إلاّ فيما هو عائد للآخرة قالت لنا الأرض: اذهبوا توًّا إلى الآخرة فليس لكم مني نصيب”([65]).

وليس لمتقوِّل الادعاء بأنّ المراد بالعلم المذكور في القرآن هو العلم الديني وليس العلم بإطلاق. مثل هذا الكلام ليس له في تأويل النًص القرآني وتفسيره مدلول. فقد وردت آيات كثيرة تدل على الحث في طلب العلم وإدراك سنن الكون، ومنها ما حث بها المسلمين أو العرب لقوله: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة: 02]. فالحكمة المراد بها؛ الحكمة العليا المعروفة عند الناس وهي غير الآيات المنزلة والكتاب، كما يدل عليه العطف وهو يقتضي المغايرة. وفي بعض الآيات من القرائن اللّفظية والمعنوية ما يقتضي أن المراد بالعلم علم الكون، لأنه ورد في سياق آيات الخلق والتكوين في القرآن أضعاف الآيات في العبادة العملية كالصلاة والصيام، مثلا قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر: 27، 28]([66]).

في كتابه “تأملات” وضمن محاضرة مسجلة بعنوان “خواطر عن نهضتنا العربية”، تحدث بن نبي على ما للأمة العربية من واجبات إزاء نهضتها وإزاء العالم، في ظل دخول العالم مرحلة جديدة من التاريخ، مرحلة التكنولوجيا والوسائل الفنية، حيث لم يعد للعالم العربي البقاء منغلقاً على مشكلاته الداخلية وإلا طوته سيرورة التاريخ المتسارعة، لذلك وجب عليه الانفتاح على العالم للاستفادة من مختلف التجارب العالمية، وهو أمر منوط بقادته السياسيين خاصة. يقول: “وهكذا يجب علينا حينما نضع قضية النهضة العربية نصب أعيننا أن ندرس مقتضياتها من جانبين: بنظرة إلى الخارج لنحدد واجباتها نحو العالم أي لنحدد شروط انسجامها مع ضرورات السير العام، ثم بنظرة إلى الداخل لنحدد الطاقات التي يمكن توظيفها، من أجل المحافظة على البقاء في الداخل، والمحافظة على الاتجاه الصحيح في الخارج”([67]).

ومثلما سبق لأرسلان الحديث عن المجهودات الاقتصادية لطلعت حرب في مصر، بدا بن نبي من جهته متفائلاً بشكل كبير إزاء (الجمهورية العربية المتحدة) وسياسة الراحل (جمال عبد الناصر) الذي بفضله تحقق الشرطان اللاّزمان في نهضة العالم العربي إزاء ضرورات الخارج، وذلك لسببين؛ تبنيه مبدأ “وحدة المصير” وقد تجسدت في سياسة “الحياد الإيجابي”، فتلك أول خطوة نحو السلام العالمي. أيضاً “سياسة التخطيط” التي جعلت العالم العربي يواكب سيرورة العالم الجديد تكنولوجياً ونفسياً. يقول: “فيمكن إذن أن نقول إن النهضة العربية أخذت، تجاه الضرورات الخارجية، الاتجاه الصحيح بفضل سياسة الحياد الإيجابي التي يلتزمها الرئيس عبد الناصر، كما بدأت أيضاً تتجه الاتجاه الصحيح إزاء ضرورات الداخل بفضل المشروعات المخططة، التي أخذت طريقها إلى التنفيذ في الجمهورية العربية المتحدة”([68]).

لكن ماذا عن ضرورات الداخل؟ إن هذا الجانب -فيما رأى بن نبي- غير مرتبط بالسياسيين مثل الشرط السابق، بقدر ارتباطه بالإنسان العربي وتصفية عوامل العطالة الفكرية فيه، وهي عوامل نفسية تتعلق بماضيه، تتطلب اصلاحات نفسية وفكرية نوعية. وكالعادة لجأ بن نبي إلى الموازنة بين النهضة اليابانية بين سنتي 1868- 1905، هي فترة تمثل العهد الميغي في اليابان –كلمة يابانية تعني الحكومة المستنيرة- حيث أربعون سنة كانت كافية على اليابان ليحقق نهضته، بينما بقيت النهضة العربية في حالة مخاض، والسبب هو اختلاف الموقف النفسي لكلا الطرفين من الحضارة الغربية، فاليابان وقفت من أوروبا والاستفادة من علومها وتكنولوجيتها وقفة التلميذ من المعلم، بينما العرب وقفوا منها موقف الزبون من البائع، فتحقق لليابان بناء حضارة بينما اشترى العرب منتجات الحضارة.

نتائج ختامية:

ختاما نحاول استجماع ما ورد من أفكار عرضاً لإجابة كل من شكيب أرسلان ومالك بن نبي عن سؤال النهضة وعِلله العميقة. لذلك يمكن التذكير بــ:

1- أنّ سؤال النّهضة والتقدم شكّل روح العصر الحديث في كلا السياقين الغربي، وبالتبعية له السياق العربي والإسلامي، ففي السياق الأوّل حمل فلاسفة الأنوار شعار التقدم معتبرين إيّاه قيمة القيم، وقد تجسد هذا الشعار من خلال مقولات المشروع العلمي الحداثي بشكل خاص من قبيل تحرير الإنسان وسيادته على الطبيعة، وغيرها، التي نظر إليها بعضهم كأساطير للحداثة. تلك الرؤية الحداثية للتقدم جرت توسلاً بعلمنة الرؤية للزّمن ما فوق التاريخي، فكرة الخلاص الديني بشكل خاص، أي بنزع الإحالات الدينية والأسطورية عن الزمن والتاريخ، واستبدالها بروح العلم الحديث، حيث بات الخلاص يتجه نحو نزوع أرضي تاريخي. غير أنّ تلك المقولات بما فيها التقدم -طبعاً- أبانت عن تهافتها وذلك بالنّظر لانحرافات في التطبيق، ليختتم الأمر بالإعلان عن “موت السرديات الكبرى” مع ما بعد الحداثة بما فيها سردية التقدم.

2- أما من جهة السياق العربي الحديث فقد وفدت إليه مقولات النّهضة والتقدم متأثراً من الصدمة الحضارية الناجمة عن احتكاكه بالغرب الحديث، دونما النّظر للشروط البنيوية والتاريخية والفلسفية التي ساهمت في تشكيل قيمة التقدم.

ليس ذلك -طبعاً- قصوراً أو جفاءً، بقدر ما يعود الأمر لخطاب التبعية والموازنة غير السياقي. ومن تجليات ذلك تبلور خطابين متوازيين كلاهما ينشد النّهضة والتقدم، غير أنّهما يسيران بشكل عكسي؛ خطاب يرى أنّ التقدم رهين بالرجوع إلى تجارب السّلف ونموذج الإسلامي الأول. في مقابل خطاب عانق تجربة النّهضة الغربية مقتطعاً إيّاها عن سياقها الفلسفي والتاريخي متوهماً استنبات هذه التجربة في رحم تجارب أخرى.

3- في سياق معالجة سؤال النّهضة العربية بين أرسلان وبن نبي، تناولت الدراسة بمزيد من التحليل والمقارنة تجربة كل من العَلمَين ومقاربتهما النّوعية في بسط معالم منهاجية حضارية تنهض بالعقل العربي والإسلامي على مقتضيات الرؤى والنّماذج النّوعية للثقافة العربية والإسلامية، وإن كان من الصّعب أحياناً جمع معالم تلك الرؤية في إطار مشترك لانصراف الأول للتأليف في ميدان الأدب والسّياسة وحتى في التاريخ الإسلامي، في مقابل تفرغ الثاني للتأليف في الشأن الفلسفي والحضاري الصّرف، إلاّ أنّنا وجدنا في رسالة “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم” لـ (أرسلان) نصاً ألفينا فيه جمعاً بين الشأن الفكري والاجتماعي تم بموجبه عقد مقارنة بينه وبين الأفكار النهضوية لبن نبي.

4- ولا يفيد القول أنّ ذلك الاختلاف زيادة على الفارق التاريخي بينهما يجعل الجمع بينهما تلفيقاً لا توفيقاً، والحال أنّ ما عرضه كلاهما ينهل من تصور ورؤية واحدة لمشكلة النّهضة، لذلك كان توافق المضامين واضحاً، وهذا يدل على أن المشكلة الحضارية التي عاشها كِلاَ المفكّرَين هي واحدة، كما يدل من جهة أخرى مشاكلة في إدراك سنن التّخلف وسنن النّهوض.

5- فما طرحه كلاهما، خاصة ما ورد في متن رسالة أرسلان، وكتاب شروط النهضة لبن نبي، يتّفق في أنّ الفكرة الدّينية، والإرادة النّفسية، والفاعلية الاجتماعية والاقتصادية، والجاهزية العلمية هي عناصر أربعة للنهضة الحضارية المنشودة. وأنّه بقدر ما يربط تلك العناصر من تفاعل بنيوي يجعلها تعمل في شكل كلٍّ متكامل، تبقى أنّ التراتبية بينها أمراً منهجياً، إذ على إحداهما أن تزوّد الأخرى بما يلزمها من أداء دورها التاريخي. فالفكرة الدّينية والتي جاءت في صورة وحي منزّل من السّماء بالنّسبة للأمّة الإسلامية تعمل على تهذيب الأنفس وتوجيه الغرائز الحيوية بمنحها الطّاقة الرّوحية التي تجعلها تتجاوز صوت الطبيعة أو الغريزة والأثرة الذّاتية وتخلّصها من الطاقة السّلبية التي تُخالجها لتدمجها في إطار شبكة علاقات اجتماعية فاعلة اقتصادياً، مبدعة علمياً وفنياً (تقنياً)، تُحرّك به عجلة التاريخ ويمنح الأمّة استقلالها الرّوحي والمادي مثل نظيراتها من الأمم.

* * *

 

(·) أستاذ الفلسفة بجامعة لمين دباغين – سطيف – الجزائر.

([1]) من أمثلة ذلك: مالك بن نبي في: “شروط النّهضة”، وشكيب أرسلان في: “النّهضة في العصر الحاضر”. وسلامة موسى في: “ما النّهضة؟” وأبو يعرب المرزوقي في: “شروط نهضة المسلمين والعرب”. أو زكي نجيب محمود في كتابيه: “تجديد الفكر العربي” و”مجتمع جديد أو الكارثة”، كذلك محمد إقبال في “تجديد التفكير الديني في الإسلام”، وصولا لطه عبد الرحمن في: “تجديد المنهج في تقويم التراث” و”في أصول الحوار وتجديد علم الكلام”. وفي: “سؤال المنهج: في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد”. وعبد المجيد شرفي في: “تحديث الفكر الإسلامي”، أو معن زيادة في: “معالم على طريق تحديث الفكر العربي”، فهمي جدعان في: “المقدّس والحريّة: وأبحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث”. أما طارق رمضان فقد استأثر بـ “الاصلاح الجذري”، وقبله علي أومليل في: “الاصلاحية العربية والدولة الوطنية”، كذلك أحمد أمين في: “زعماء الإصلاح في العصر الحديث”.

([2]) يحتاج مفهوم الأزمة بدوره لتشريح مفهومي، وضبط دلالي، للوقف عند دلالاته المتعلقة بالنهضة العربية. من الناحية الحضارية تختلف مشكلات العالم الغربي عن العالم الإسلامي باختلاف الأدوار الحضارية. ذلك أن لكل طور حضاري إفرازاته تشكل في مجموعها ما نصطلح عليه بالأزمة. حاول المفكر المصري حسن حنفي أن يشخص أزمة عالمنا الإسلامي في مجموع المشكلات التالية؛ تحرير الأراضي العربية ومقاومة الاحتلال. ومشكلة الحريات العامة خاصة وأنّ المواطن العربي يعاني من شتى صنوف القهر والتّسلط ما يتعارض وروح الديمقراطية. كذلك مشكلة العدالة الاجتماعية. أيضا مشكلة الوِحدة السياسية والجغرافية ووحدة المصير في مقابل التجزئة. إضافة لجدلية الهوية والتغريب أو الأصالة والمعاصرة، أو التراث والتجديد، الأصولية والعلمانية.= =زيادة إلى مشكلة التقدم في مواجهة التخلف. وأخيرا مشكلة تجنيد الجماهير ضد اللامبالاة تعكس مفارقة غِنى الوطن العربي بثروة بشرية يقابلها فتور في القوّة. راجع: حسن حنفي، محمد عابد الجابري. حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي، ط1، المؤسسة العربية للدّراسات والنشر، الأردن، 1990، ص ص 11- 14.

([3]) في هذا المقام يكون لزاما علينا التذكير بالمكانة التي حظيت بها رسالة (أرسلان) في العالم الإسلامي ككل بما في ذلك شمال إفريقيا، غير أنّه في الجزائر بدى الأمر أكثر تأثيرا، هذا ما تطلعنا به بعض المراسلات التي كان يجريها (أرسلان) مع مؤرخ تطوان بالمملكة المغربية (محمد داود) وهي على كثرتها، كان فيها ما هو مخصص لعلاقة (أرسلان) بالجزائري (احمد التوفيق المدني) وحرص الأخير على تسلم دفعات متكررة من رسالة (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟) لولا منع الحكومة الفرنسية من نشرها،= =فمن جملة ما كتبه (أرسلان) لــ (محمد داود) على سبيل المثال: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كتب إلي اليوم الأستاذ رشيد رضا أنّه أرسل حتى الآن مئتين وخمسون نسخة من رسالتنا “لماذا تأخر المسلمون” إلى تطوان باسم الأخ (الحاج عبد السلام بنونة)، […] فجئنا نرجو منكم أن تتكرموا بالسعي لإعادة هذه الكتب إلى إدارة المنار بمصر […] على كل حال أرجوا إعادة الكتب إلى مصر أو إرسالها -وهذا أقرب- إلى السيد (أحمد توفيق المدني) بالجزائر. وأظنكم تعرفونه، فهو قد صرف جانبا من هذه الرسالة هناك، ولا يزال يطلب منها، فيجوز أيضا أن ترسلوها إليه”. غير أن الرسالة الخامسة جاء فيها ما نصّه: “حضرة ولدنا الفاضل السيد (محمد الداود)، أمس كتبت لك من جنيف، واليوم علمت من إدارة المنار أنّ رسالة (لماذا تأخر المسلمون) قد أعيدت من جملة أماكن من القطر الجزائري. فلم يبق محل لإرسال النسخ التي منها بتطوان إلى السيد (توفيق المدني) بالجزائر. بل رجاؤنا أن تتكرموا بإعادتها إلى مصر رأسا لإدارة المنار”. وهو ما يوضِّح إرادة الاستعمار الفرنسي في منع الرسالة وتوجسه خيفة منها. راجع: مراسلات الأمير شكيب أرسلان مع مؤرخ تطوان محمد داود، دراسة ونشر: عمر رياض، (القاهرة: مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، 2015)، الرسالتين الرابعة والخامسة، ص 95، 96، 97.

([4]) تأمّل في قول الرّاغب الأصفهاني: “الفعل المختص بالإنسان ثلاثة؛ عمارة الأرض لقوله تعالى: (واستعمركم فيها) [هود: 61]، وعبادته المذكورة في قوله: (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) [الذاريات: 55]، وخلافة اللهّ المذكورة (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) [النور: 55]”. هذا والظاهر أنّ الفعل الأول مادي به يبنى العمران وتُحفظ الأجناس، أمّا الفعلين الأخيرين فهما معنويين أحدهما من جنس العمل العبادة الشرعية والثّاني من جنس السياسة الشرعية. أو كما شاء للأصفهاني توزيعهما: الفعل الأوّل يكون بتحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه وغيره. والثاني بالامتثال للباري تعالى في عبادته وأوامره ونواهيه. والثالث الاقتداء بالباري تعالى على قدر الطاقة في السّياسة باستعمال مكارم الشريعة كالحكمة والعدل والإحسان والفضل. الراغب الأصفهاني. الذّريعة إلى مكارم الشّريعة، ص: 32.

([5]) مالك بن نبي. شروط النّهضة، ترجمة: عبد الصّبور شاهين، (دار الفكر: بيروت، دت)، ص 25.

([6]) مالك بن نبي. شروط النهضة، ص 51.

([7]) المصدر نفسه، ص 58.

([8]) مالك بن نبي. ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية، ترجمة: عبد الصّبور شاهين، (دار الفكر: دمشق، الملكية للإعلام والنّشر والتّوزيع: الجزائر العاصمة، ط3، 1986) ص ص 113، 114.

([9]) المصدر نفسه، ص 114.

([10]) شكيب أرسلان. لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، (دار مكتبة الحياة: بيروت، دت)، ص 41.

([11]) شكيب أرسلان، المصدر السابق، ص ص 136، 137.

([12]) يشكو بدوره مالك بن نبي من هكذا نموذج علمي أبتر، يقول: “ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذّي يلبسه أصحابه ثوب العلم. فإنّ هذا النّوع أخطر على المجتمع من جهل العوام لأنّ جهل العوام بيِّن ظاهر يسهل علاجه. أمّا الأول فهو مُتَخفٍ في غرور المتعلمين”. (شروط النّهضة، ص 32).

([13]) شكيب أرسلان، المصدر نفسه، ص ص 75-77.

([14]) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، ص 119.

([15]) المصدر نفسه، ص 131.

([16]) المصدر نفسه، صفحة نفسها.

([17]) موت الأيديولوجيات معناه انهيار منظومة الأفكار الباعثة للروح الأوروبية، سبب ذلك الإنهيار وضعا عدميا على صعيد الروح واقيم، بعدما فقد الشعب الأوربي الثقة في مرجعياته الفكرية المؤسِّسة. من الفلاسفة الغربيين الذين أشاروا إلى موت الأيديولوجيات الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (JOHN FRANCOIS Léotard) الذي أشار إلى ما أسماه بـ “موت السرديات الكبرى”، دلالة منه على “طرد المذاهب والمنظومات الواحدية التي ظل يحفل بها تاريخ الإنسانية طويلا، وقد أبعد عنه الخطابات الكبرى لتسويغ شرعية الواقع. وما موت الخطابات الكبرى سوى بعد أساسي وحاسم من تلك العدمية الشاملة بوصفها مرحلة روحية تعوزها الأهداف”. جاكلين روس. الفكر الأخلاقي المعاصر، تر: عادل العوا، (دار عويدات للنشر والطباعة: بيروت، ط1، 2001)، ص 14..

([18]) محمد عزيز الحبابي. دفاتر غدوية، (دار المعارف: القاهرة، دت)، ص 09.

([19]) مالك بن نبي. شروط النهضة، ص 48.

([20]) مالك بن نبي. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، (دار الفكر: دمشق، 2009)، ص 17.

([21]) مالك بن نبي. فكرة الأفريقية الآسيوية: في ضوء مؤتمر باندونغ، تر: عبد الصبور شاهين، (دار الفكر: دمشق، دار الفكر المعاصر: بيروت، ط3، 2001)، ص 28.

وهي الفكرة التي نجدها ماثلة عند (علي شريعتي) فيما يسمه بـ “النمط الثقافي”، موضحًا ذلك في وصفه النّمط الثقافي لليونان بالنّمط الفلسفي، أمّا خلفهم من الرومان فهو نمط فني وعسكري، والصّين نمطها الثقافي صوفي (عرفاني)، في حين أنّ نمطنا الثقافي ديني إسلامي. أما المقصود بالنّمط الثقافي هو: “الروح الغالبة على مجموعة معارف مجتمع ما وخصائصه وإحساساته وتقاليده ونظراته ومثله، لأنّها كلّها تحتوي على روح مشتركة يؤلف بينها كلّها شكل يسمى الثقافة” علي شريعتي علي. مسؤولية المثقف، تر: ابراهيم الدسوقي شتا (دار الأمير للثقافة والعلوم: بيروت، ط2، 2007)، ص 135.

([22]) شكيب أرسلان. النّهضة العربية في العصر الحاضر، (الدار التقدمية: بيروت، 2008)، ص 58.

([23]) المصدر نفسه، ص ص 58، 59.

([24]) أبو يعرب المرزوقي. شروط نهضة العرب والمسلمين، (دار الفكر: دمشق، دار الفكر المعاصر: بيروت، ط1، 2009)، ص 10.

([25]) عبد الرحمن بن خلدون. المقدمة، تحقيق: أحمد جاد، (دار الغد الجديد للنشر والتوزيع، ط1، 2007)، ص 144.

([26]) شكيب أرسلان. لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، ص 122.

([27]) مالك بن نبي. شروط النهضة، ص58.

([28]) شكيب أرسلان. لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، ص 42.

([29]) المصدر نفسه، ص ص 43، 44.

([30]) مالك بن نبي. شروط النهضة، ص 49.

([31]) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، ص 79.

([32]) المصدر نفسه، ص 163.

([33]) شروط النهضة، ص 50.

([34]) غوستاف لوبون. السّنن النفسية لتطور الأمم، (مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة: القاهرة، ط1، 2015) ص ص 108، 109.

([35]) لماذا تقدم المسلمون وتأخر غيرهم؟، ص 139.

([36]) شروط النهضة، ص 66.

([37]) ميلاد مجتمع، ص 74.

([38]) مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص 65.

([39]) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، ص ص 78، 79.

([40]) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، ص 143.

([41]) شروط النهضة، ص 31.

([42]) المصدر نفسه، ص 153.

([43]) مالك بن نبي. ميلاد مجتمع، ص 17.

([44]) راجع الفصل السابع من كتاب: ميلاد مجتمع.

([45]) شكيب أرسلان. إلى العرب: بيان للأمّة العربية عن حزب اللّامركزية، (الدار التّقدمية: بيروت، ط1، 2009) ، ص ص 14، 15.

([46]) فتحي حسن ملكاوي. منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية، (المعهد العالمي للفكر الإسلامي: فرجينيا، ط1، 2001)، ص 257.

([47]) المرجع نفسه، ص ص 257، 258.

([48]) مالك بن نبي. ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية، ص 56.

([49]) المصدر نفسه، ص ص 57، 58.

([50]) مالك بن نبي. شروط النهضة، ص 44.

([51]) شروط النهضة، ص 42.

([52]) المصدر نفسه، ص 77.

([53]) مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص 135.

([54]) فكرة الأفريقية الآسيوية: في ضوء مؤتمر باندونغ، ص 156.

([55]) المصدر نفسه، ص 158.

([56]) المصدر نفسه، صفحة نفسها.

([57]) المصدر نفسه، ص ص 158، 159.

([58]) شروط النّهضة، ص ص 95، 96.

([59]) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، ص 148.

([60]) المصدر نفسه، ص 164.

([61]) المصدر نفسه، ص ص 149، 150.

([62]) المصدر نفسه، ص 150.

([63]) شكيب أرسلان. النّهضة العربية في العصر الحاضر، (الدار التقدمية: بيروت، 2008)، ص 24.

([64]) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، ص ص 95- 99.

([65]) المصدر نفسه، ص ص 101، 202.

([66]) المرجع نفسه، ص ص 136، 137.

([67]) مالك بن نبي. تأملات، (دار الوعي: الجزائر العاصمة، ط1، 2013)، ص 179، 180.

([68]) المصدر نفسه، ص 182.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر