أبحاث

نشأة المنهج الكلامي بين الأصالة ودعوى الاستناد إلى المنطق اليوناني – دراسة نقدية

The Emergence of the Kalam Method: Between Originality and the Claim of Reliance on Greek Logic-A Critical Study

مقدمة:

أدى توسع المسلمين في البلدان المجاورة إلى التصادم مع فكر ديني جديد تمثل في الديانات المثنوية (أصحاب القول بإلهين اثنين، كالمانوية والمزدكية…)، والديانات المثلثة (كالمسيحية)، فلم يكن أهل هذه الديانات ليتخلوا عن عقيدتهم ويقبلوا عقيدة الإسلام بسهولة، لذلك شنوا هجومًا فكريًا للتشكيك في عقيدة المسلمين، من خلال إثارة قضايا ومسائل تمس جوهر العقيدة وتحاول نقض أسسها، مستعينين بكل الوسائل الفكرية والعلمية والعقلية المتاحة، وعلى رأسها الفلسفة وأساليب المنطق اليوناني.

وهذا ما دفع المسلمين إلى التصدي لنقد الشبه المثارة حول عقيدتهم وبيانها للناس بطرق وأساليب تختلف عن الوسائل التي عهدها المسلمون من قبل، وفي هذا السياق رفع المعتزلة لواء العقل وأعطوه صبغة استدلالية تُأسِّس لمنهج فكري جديد في بحث ودراسة علوم الإسلام.

غير أن هذا المنهج الجديد الذي سيتخذه المعتزلة، وبسبب تصادمه مع الفكر المسيحي([1]) سيؤدي بالبعض إلى القول باختلاط مناهج المتكلمين الأُوَل بمناهج الفكر المسيحي، والتي تتمثّل أساسًا في الفلسفة وأساليب المنطق اليوناني، وهذا ما سيثير دعوى تأسس المنهج الكلامي على المنطق اليوناني، مشككين في أصالته واستقلاليته، وأن المتكلمين الأول لم يكونوا سوى ناقلين لعلوم ومناهج غيرهم من الفلاسفة اليونانيين.

لذلك سأعمل في هذه الورقة البحثية على محاولة إبراز الامتياز المنهجي لعلم الكلام وإثبات أصالته في البحث والتفكير والاستدلال عند المتكلمين الأوائل، ورد دعوى تأسيس مناهجه على مناهج الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي خاصة، ثم بيان أهمية هذا العلم وأثره في التأسيس لمنهجية التفكير في الإسلام، وتطوير مجموعة من المناهج العلمية، وتوسيع مجالات البحث العلمي قديمًا وحديثًا، منتهجًا مسلكًا استدلاليًا يقوم على التحليل والاستقراء لكتب المتكلمين الأول ومناظراتهم، للوقوف على مناهجهم في التفكير والبحث، ثم مقارنتها مع مناهج الفلاسفة اليونانيين، قصد إثبات التباين الواضح بين المنهجين، وإبراز الامتياز المنهجي لعلم الكلام تنظيرًا وتفعيلاً، وذلك من خلال المحاور التالية:

المبحث الأول: المنهج في علم الكلام وسؤال النشأة

  • إثبات أصالة المنهج الكلامي، ورد دعوى تأسيسه على المنطق اليوناني
  • أثره المنهج الكلامي في تأسيس المنهج العقلي في الإسلام

المبحث الثاني: خصائص مناهج البحث والاستدلال الكلامية

المبحث الثالث: الضوابط العلمية والعملية لمنهجية التفكير الكلامي

 

 

 

——————————————————————————————————————————

([1]) يعتبر جل المؤرخين أن الصدام مع المسيحية هو السبب الرئيسي وراء نشأة علم الكلام، وهو ما يؤكده دي بور، وهو نفس الرأي الذي قال به فون كريمر الذي اعتبر أن نشأة المعتزلة تعود إلى الفكر المسيحي؛ لأن أول فكرة تكلم فيها المعتزلة هي الجبر والاختيار، وهي الموضوع الرئيسي الذي يدور حوله الجدل عند نصارى الشام قبل ظهور الإسلام، وأن معبد الجهني قد أخذ مقالته في القدر عن نصراني أسلم ثم تنصر انظر: فون كريمر، الحضارة الإسلامية ومدى تأثرها بالمؤثرات الأجنبية، تعريب: مصطفى طه بدر، دار الفكر العربي، د. ط، د.ت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر